المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 411495
يتصفح الموقع حاليا : 266

البحث

البحث

عرض المادة

أسباب انتقال العلمانية للعالم الإسلامي

لانتقال العلمانية للعالم الإسلامي أسباب موضوعية تاريخية تقف خلفها، وليست حتمية تاريخية وصيرورة لا مفر منها، كما زعم جماعة من العلمانيين كعزيز العظمة وعبد المجيد الشرفي (1)، والعفيف الأخضر (2)، وكما تقدم قريبا عن أحمد عصيد.


(1) العلمانيون والقرآن الكريم (246).
(2) الحوار المتمدن - العدد: 691 - 2003/ 12 / 23.
وانظر قدر العلمانية في العالم العربي (7).

ونسوا أو تناسوا أن العلمانية ليست اختيارا ديمقراطيا للأمة وفق منهجهم، ولم تقبلها الأمة في يوم من الأيام، وإن إلغاء تطبيق الشريعة وإقرار النظم والقوانين الغربية فُرِض على هذه الأمة بالحديد والنار وبالقتل والإبادة في ظل الاستعمار الذي خلف وراءه شرذمة من الأبناء البررة بمشروعه العلماني (1).

وإن العلمانية رغم تسلطها وتجبرها ووقوف أجهزة الدولة خاصة الإعلام بقضها وقضيضها معها لا تمثل إلا قشرة رقيقة جدا طافية على السطح، لا تلبث طويلا حتى تيبس ثم تتساقط متناثرة لأنها لا تستطيع النفاذ إلى الجماهير الشعبية التي هي قوة الإسلام وردؤه ومعدنه، وليس كالمسيحية المثخنة بالجراح، وإن الإسلام أقوى وأعظم من أن تناله أيادي العابثين أعداء الأمة، كما سنذكر في فصل لاحق إن شاء الله (2).

وقد بدأت أول بوادر العلمانية في العالم العربي والإسلامي مع بدء الحملة الاستعمارية وإرهاصاتها الأولى في القرن 19م.

وكان أول من قاد محاولات الاختراق الأولى مسيحيو الشام وغيره مثل يعقوب صروف (1852 - 1927) وفارس نمر (1856 - 1951) وشاهين مكاريوس (1853 - 1910) وشبلي شميل (1860 - 1917) ونقولا حداد (1878 - 1954) وجرجي زيدان (1861 - 1914) وفرح أنطون (1874 - 1922) وسلامة موسى (1888 - 1958) وغيرهم.

فهو خيار غير إسلامي لنفر من غير المسلمين، أنشأه وبلوره وزكاه - لدى بعضهم- العداء المستكن للإسلام والإعجاب المفرط إلى درجة الانبهار والتقليد للحضارة الغربية، ورد الفعل الحاد لمأساة التعصب الطائفي الذي لعب الاستعمار الدور الأول في إشعال ناره بلبنان والشام سنة 1860م (3).


(1) العلمانيون والقرآن الكريم (251).
(2) انظر نفس المرجع (254).
(3) نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم (3 - 4).

إذن فالبوابة الرئيسة لانتقال العلمنة إلى العالم الإسلامي جاءت عبر المسيحيين العرب الذين تتأصل العلمانية في مسيحيتهم تأصلا، كما مر معنا قريبا.

وقد حصلت مطارحات فكرية عديدة بين فرح أنطون ومحمد عبده حول العلمانية والدولة الإسلامية والخلافة في مجلة الجامعة ومجلة المنار.

مع أن سر لهف فرح أنطون بالعلمانية كونه كان مسيحيا، فيندرج رأيه في إطار الصراع الإسلامي المسيحي في الشام في نهاية القرن 19م. فتماهى مع إخوانه الغربيين في هذا التوجه.

وأصاب ذلك هوى في نفسه لمحاولة التخلص من الإسلام المهيمن.

زد على أنه في المدة التي كانت الجيوش الاستعمارية الغربية تجيش المقاتلين، بل بدأت فعلا في الغزو كان فرح أنطون يكتب بحماسة بالغة عن فلسفة الأنوار، الأب الشرعي للاستعمار.

فبينما كانت الجيوش على الأرض كواجهة عسكرية للاستعمار، كان فرح أنطون وشبلي شميل وغيرهم من المسيحيين في الواجهة الفكرية.

وذلك ما سنحاول بسطه في الفقرة التالية:

إذن فمن أهم الأسباب التي ساهمت في انتقال العلمانية للعالم الإسلامي:

أولا: الاستعمار (1).

كان الغرب قد اكتسحته العلمانية على كافة الصعد، ومع إحساسه بنشوة الانتصار هذه سعى لفرض نموذجه الغربي بقوة الحديد والنار، وفرض قوانينه ونظمه على الدول المستعمرة وإشاعه القيم الغربية ... فشجع تبرج المرأة والربا والاختلاط وسن القوانين المخالفة للشريعة الإسلامية، وفرض دساتيره ومسخ مناهج التعليم وحارب التعليم الإسلامي وضيق على ما أبقى من دروس دينية، وفرض لغته في التعليم والمراسلات.


(1) انظر التيارات الفكرية والعقدية في النصف الثاني من القرن العشرين (21 - 22) والشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية (23) والغرب والإسلام (258).

فنشأ جيل مقطوع الصلة بتراثه وحضارته إلا قليلا، معجب بالغرب وحضارته مفتون بها.

وهكذا لم يخرج الاستعمار من البلاد الإسلامية حتى خلف وراءه جيشا من العلمانيين الذين دربهم وصنعهم على عينه.

فتحولوا إلى «صنابير» يسيل منها كل ما هو غربي.

ففي مصر مثلا خلف الاستعمار محمد علي وابنه إبراهيم ليقوموا بالدور الذي عجز عنه نابليون في حملته على مصر حتى سنة 1863 لما جاء إسماعيل باشا فألغى المحاكم الشرعية وترجم القانون الفرنسي المدني والجنائي إلى العربية (1).

وأما في تركيا فلم تنسحب بريطانيا منها حتى فرضت شروطها في معاهدة لوزان سنة 1923، التي كان أبرزها إلغاء الخلافة الإسلامية وطرد الخليفة خارج البلاد، مع مصادرة أمواله وأملاكه وإعلان علمانية الدولة (2).


(1) جذور العلمانية (42).
(2) التيارات الفكرية (21).

وكانت العلمانية قد تسللت إلى تركيا قبل منتصف القرن التاسع عشر، ولكن بهدوء وملاينة وبشكل لا يثير مشاعر الأمة، بل جاءت مغلفة بالرغبة في الإصلاح، ونقل البلاد إلى الحضارة الحديثة وتطوير مرافق الدولة بطريقة تستجيب لمتطلبات العصر، وكانت القوانين تذكر أن دين الدولة هو الإسلام، وأن كل ما تريده الدولة هو الخروج من حالة التخلف والفوضى التي تعانيها، ومن الضعف العسكري والسياسي والاجتماعي إلى القوة والوقوف في وجه الأطماع الخارجية والخطر المحدق بها (1).

وصدرت في هذه الفقرة عدة قوانين مقتبسة من القانون الفرنسي، منها القانون التجاري عام 1850، ثم الجنائي عام 1858، وقانون البحرية عام 1863، ومجموع الإجراءات التجارية الصادرة عام 1861م (2).

وقد علق أحد الأتراك على استيراد القانون المدني بدون تعديل وبدون نظر إلى العادات والتقاليد وظروف المكان بقوله: إننا حتى لو أخذنا بقرة من سويسرا وبقرة من الأناضول لرأينا أن هناك فروقا بينهما من ناحية الخصائص الإقليمية والغذاء والتربية والرعاية، لذلك فإن ما يظهره النقل الحرفي والارتجالي لمنظومة القوانين الغربية وإحلالها محل القوانين الإسلامية في المعاملات، فيه خروج عن الدين وقتل للشخصية المستقلة، وتقليد قردي للعالم الغربي، وعبودية له لا يحتاج إلى مزيد من الإيضاح (3).

لما خرجت تركيا منهزمة مع ألمانيا ضد الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، استغلت اليونان الأوضاع فغزت تركيا تحت الحماية البريطانية واحتلت أجزاء منها. وقسمت بريطانيا وفرنسا الدولة العثمانية إلى أشلاء. وذلك سنة 1920.

ودارت حروب بين الأتراك واليونان كانت لصالح الأتراك. وهنا بزغ أتاتورك كمنقذ قومي. وتم إعلان الجمهورية وانتخاب أتاتورك رئيسا سنة 1923.

بعدها مباشرة جاء مؤتمر الصلح في لوزان في سويسرا في نفس السنة.


(1) العلمانية وآثارها على الأوضاع الإسلامية في تركيا (17).
(2) العلمانية وآثارها (74).
(3) العلمانية وآثارها (275) نقلا عن الرجل الصنم (230).

وفي المؤتمر ظهرت شخصية صهيونية اسمه حاييم ناعوم كبير الحاخامات اليهود في تركيا، وكان الوسيط الأساسي في موضوع الصلح بين أتاتورك والإنجليز.

ولما اجتمع حاييم ناعوم مع أتاتورك وقدم له شروط بريطانيا فكانت كالتالي:

1 - أن تقطع تركيا صلتها بالإسلام.

2 - أن تلغي الخلافة الإسلامية.

3 - أن تتعهد بإخماد كل حركة يقوم بها أنصار الخلافة.

4 - أن تختار تركيا دستورا مدنيا بدلا من الدستور العثماني المستمد من أحكام الشريعة الإسلامية (1).

أهم الإجراءات التي اتخذها أتاتورك (2):

- استبدال القوانين الإسلامية التركية بالقانون المدني السويسري في أكتوبر سنة 1926.

- إلغاء المدارس الدينية ومصادرة ممتلكاتها.

- إلغاء اللغة العربية واعتماد الأحرف اللاتينية. بل نص قانون تركيا على معاقبة من يكتب بالحروف العربية بالسجن ثلاثة أشهر وغرامة قدرها عشرة جنيهات.

  • قانون الخيانة العظمى الذي صدر بعودة الدين والمقدسات أو بإعادة شكل الحكومة الدينية. ونص فيه على منع إنشاء الجمعيات السياسية التي يكون الدين أساسا أو وسيلة أو مظهرا لها. ووصف منشئها والمشتركين فيها بالخيانة الوطنية.

(1) العلمانية وآثارها (246 - 255).
(2) العلمانية وآثرها (271 - 286 - 294 - 308) والعلمانيون والقرآن الكريم (151 - 152).

- تغيير التقويم الهجري إلى الميلادي في 1 يناير 1926.

- إلغاء اعتماد الإسلام كدين رسمي للدولة في 10 إبريل 1928.

وأما المغرب فلعب الاستعمار نفس الدور في إلغاء أغلب المظاهر الإسلامية وعوضها بأخرى غربية. وضيق على التعليم الإسلامي، كما سنبين ذلك في رسالة مستقلة إن شاء الله.

وعموما كان الاستعمار حريصا على تهميش دور الإسلام في الحياة العامة، مع ترك هامش ضيق جدا وحصره في وزارة الشؤون الدينية، وقراءة القرآن في بعض المناسبات الرسمية، ودرس التربية الإسلامية المهمش ضمن تعليم بمواده العديدة والمتعددة.

وتحول الإسلام من فاعل أساسي ومحرك مركزي للمجتمع والتاريخ إلى هامش ضيق.

وعليه فلا يمكن فصل ظاهرة العلمانية عن حركة التوسع الامبريالي وآثارها التي خلفتها في الرقعة الإسلامية (1).

ورغم وضوح هذه الحقائق التاريخية حاول عبثا عزيز العظمة القفز عليها من أجل إضفاء نوع من الشرعية التاريخية والموضوعية للعلمانية، ولو على حساب الحقيقة والتاريخ.

ولا تعدو محاولات العظمة أن تكون بحثا ميئوسا منه عن جذور للعلمانية في الوطن الإسلامي عبر مجموعة من الأوهام.


(1) في العلمانية والدين والديمقراطية (142).

فشكك في تجذر الإسلام في النسيج الاجتماعي (1).

وحاول عبثا إيجاد ما يشبه التطرف الكنسي في تاريخنا ولو بشكل أقل حدة (171 - 172 - 173).

وطرح عددا من المغالطات التاريخية التي ليس التعرض لها من همنا الآن.

وشكك في كون العلمانية شأنا خارجا عن تاريخنا وشيمنا وواقعنا. (184). وفي كون الإسلام متجذرا في الشعوب العربية (182).

ولا تتجاوز هذه المغالطات مرحلة تزييف الوعي التي يتقنه العظمة. وقد أحسن المسيري في رده عليه.

ولسوء حظ العظمة فجماهير إخوانه العلمانيين يخالفونه في هذا، فاعترفوا صراحة بأن العلمانية جاءت للبلاد الإسلامية تحت راية الاستعمار.

منهم محمود إسماعيل الذي أقر بأنها جاءت إلى العالم العربي مع الاستعمار، وزاد: وإذ وقف الفقهاء موقف الرفض للعلمانية، فلأنها وفدت في الغالب الأعم من قبل مفكرين مسيحيين وتحت ظل الاستعمار الأوروبي (2).

واعترف العفيف الأخضر كذلك بأن العلمانية جاءت عبر الاستعمار. ولهذا لم تدخل السعودية لأنها لم تعرف الاستعمار (3).

وتابعه عادل الجندي، وزاد: العلمانية لم تدخل قط إلى العالم العربي كجزء من الفكر السياسي (4).


(1) العلمانية تحت المجهر (189).
(2) العلمانية مفاهيم ملتبسة (93).
(3) العلمانية مفاهيم ملتبسة (196) وقدر العلمانية في العالم العربي (10).
(4) نفس المرجع (315) وقدر العلمانية في العالم العربي (127).

وكذا فعل سعيد لكحل (1) وماجدة رفاعة الطهطاوي حيث اعترفا بدخولها مع الاستعمار (2).

ومع اعتراف هؤلاء بدور الاستعمار في زرع العلمانية في البلاد الإسلامية إلا أنه اعتراف محتشم، لا يرقى إلى مستوى النقد الموضوعي لدوره في عملية الإلحاق الحضاري والتذويب الثقافي.

وليس اقتران العلمانية بالاستعمار والهيمنة الامبريالية والتحكم الغربي في الشعوب مرحلة من مراحل العلمانية، بل كما أسلفت عن المسيري والطعان: العلمانية هي النظرية والامبريالية هي التطبيق. وشواهد التاريخ تؤكد هذا، ففلسفة الأنوار العلمانية تلاها مباشرة التوسع الامبريالي الاستعماري.

وغير خاف على أحد استمرار الهيمنة الغربية على الشعوب العربية إلى الآن، وما الأمم المتحدة وقصرها حق النقض على خمسة كبار، وصندوق النقد الدولي الذي يفرض شروطه على الدول إلا بعض تجليات ذلك.

ولماذا نذهب في التحليل بعيدا، ها هي العراق وأفغانستان وفلسطين والشيشان ماثلة أمامنا.

وكل الأنظمة الديكتاتورية في إفريقيا تجد سندها القوي من دول استعمارية علمانية سابقة كفرنسا مثلا.

ويكفي كذلك أن تتبع أي نزاع عرقي أو طائفي أو سياسي عبر العالم وخاصة إفريقيا إلا وتجد القوى العلمانية الكبرى لها يد طويلة في ذلك. وطالما بشرنا العلمانيون في الغرب بحقوق الإنسان وكرامة الشعوب في ظل العلمانية الموعودة، وإذا بنا نرى الشعوب تداس بالأقدام من قبل أنظمة علمانية غربية أو بالوكالة من قبل عملائها بالمنطقة.

هذا فضلا عن التدخلات السافرة للغرب العلماني في سياسات دول المنطقة عبر لوبيات اقتصادية ومالية ضاغطة لها علاقات مشبوهة بالسفارات الغربية أو بالمنظمات المالية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تمارس الاستعمار المالي والتحكم في الثروات وفرض شروط مذلة تكرس الهيمنة على شعوب الجنوب المستضعفة.

أليست هذه منظمات علمانية في يد السياسيين العلمانيين لترسيخ الهيمنة المالية والاستبداد والتحكم في الشعوب الأخرى؟

وما رأي العلمانيين العرب في كل هذا، وخاصة أصحاب المفاهيم الملتبسة؟

يعزو بعض العلمانيين -عملا بمبدأ المغالطة من أجل المغالطة- هذه الإخفاقات أو الجرائم العلمانية إلى الفرق بين النظرية والتطبيق.

لكن الواضح للعيان أن العلمانية منذ نشأتها وهي تعيش هذه الإخفاقات والمآزق، فهناك تلازم شديد في نظرنا بينهما، وليس الأمر مجرد إكراهات سيتم تجاوزها أو إخفاقات سيتم تداركها.

إنها فلسفة منظمة واستراتيجية واضحة، إنها عقلية استعمارية احتقارية عنصرية عامة تحكم النظام العلماني الغربي، وتربض خلفها مسيحية تبشيرية حاقدة.

ونحن نرى كل صباح ومساء الامبريالية الغربية تتجلى في صور متعددة متناسخة، ليس آخرها الدعم اللامشروط للصهيونية.

 


(1) العلمانية مفاهيم ملتبسة (269).
(2) نفس المرجع (327 - 328).

ولا يفوتني هنا التنبيه إلى أن الاستقلال عند العلمانيين من الاستعمار يقف عند حدود الاستقلال السياسي، كما بين محمد عمارة في الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين (13)، وزاد أن بعضهم قد يدعو إلى قدر من الاستقلال الاقتصادي ولكنهم يعادون ما نسميه الاستقلال الحضاري، استقلال الهوية المتميزة عن هوية الغرب. . ولذلك فإن الاستقلال الذي يدعون إليه هو في حقيقته استقلال الوطن عن ماضيه وتراثه ومكوناته الإسلامية وعن محيطه الإسلامي.

وزاد مؤكدا أنهم عندما يدعون هذا الوطن الذي يعزله هذا الاستقلال عن هويته الإسلامية وعن أمته الإسلامية، عندما يدعونه إلى تبني الخيار الحضاري الغربي، فإنهم يدعونه إلى الالتحاق والإلحاق الحضاري بالمركز الغربي ... فهي حقيقة - والحال هذه - دعوة للتبعية وليست للاستقلال ... ودعاتها هم عملاء لحضارة الغرب، حتى وإن رفعوا شعارات الاستقلال عن الاستعمار السياسي الغربي لأوطانهم.

السبب الثاني: الصحافة الموالية للاستعمار (1).

كان للصحف الموالية للاستعمار دور كبير في تربية الشعب على الطريقة التي أرادها المستعمر، إذ كانت تعمل دائبة على إقناع الناس بضرورة احترام المحتلين لما نالت البلاد بزعمهم من خير على أيديهم.

وطالبوا بالارتباط بالحياة الأوروبية وضرورة تعليم الأبناء على الأساتذة الأوروبيين.


(1) جذور العلمانية (63 - 64).

وقام بتنفيذ هذا المخطط الاستعماري في مصر الصحفيون المسيحيون، وفي مقدمتهم فارس نمر ويعقوب صروف (1)، وشاهين مكاريوس الذين أسسوا دار المقطم (2) للصحافة.

وأصدروا ثلاثة صحف:

- مجلة المقتطف العلمية سنة 1885.

- مجلة اللطائف الأدبية سنة 1886.

- صحيفة المقطم السياسية سنة 1889.

وقد تربى أصحاب المقطم الثلاثة في أكبر مدرسة تبشيرية في الشرق، وهي الكلية الأمريكية في بيروت واقترن أحدهم، وهو فارس نمر عام 1888 بابنة قنصل انجلترا بالإسكندرية، وسافر إلى انجلترا واجتمع بكبار السياسيين الإنجليز، وشرب أفكارهم قبل إصدار جريدة المقطم بعام ليبثوا فيه الأفكار التي يجب أن ينفثها للمصريين.

ثالثا: التخلف والتفكك المجتمعي العام.

عاشت الإمبراطورية العثمانية حالة من الضعف والتدهور العام، حتى لقبت بالرجل المريض.

فسَهُل على الغرب تفكيكها وتقسيمها وفرض شروطه عليها. وكانت العلمانية هي الشرط الأكيد الذي سعت إلى زرعه وإنباته داخل المنطقة.


(1) وانظر العلمانية في الإسلام (58 - 65 - 66).
(2) المقطم هو الجبل الذي نقلت منه الأحجار التي بنيت منها الأهرامات، يقصدون بذلك تذكير المصريين بمجد الفراعنة لا بمجد الإسلام.

وانتشرت الطرق الصوفية الخرافية، وكثر المجاذيب والبهاليل، وأشاعوا أن الأولياء الصوفية يحفظون البلاد والعباد.

فركن الجميع إلى عقيدة تواكلية انهزامية خرافية سهَّلت كل اختراق خارجي للصف الإسلامي، لضعف مناعته وانهيار مقومات الممانعة وأسباب المقاومة.

زد على ذلك ضعف أو انهيار الجانب العلمي المتمثل في علماء الشريعة، وتحول بعضهم إلى علماء في يد العلمانية، وهو السبب الرابع.

رابعا: علماء السوء (1).

مثل علماء السوء أحد أهم الركائز التي اتكأ عليها المشروع العلماني لإحداث اختراق نوعي من داخل الصف، ولهذا حرص المستعمر على إرسال بعثات علمية للدراسة كان الهدف من ورائها تدجين طبقة من العلماء والمثقفين لخدمة المشروع الامبريالي، فكانت البعثات العلمية إلى أوربا، بدءا برفاعة الطهطاوي ومرورا بطه حسين خريج الأزهر ثم السربون، وعلي عبد الرازق الذي تابع تعليمه في أوكسفورد.

وكان لهذه البعثات أهداف غير بريئة وشكلت عناصر اختراق متقدمة خلقت فجوات داخل بنيان الدولة والمجتمع العثماني وشكلت جسرا لتعبر عليه سياسات الغرب لاحقا (2).


(1) جذور العلمانية (44).
(2) الخطاب العربي المعاصر لفادي إسماعيل (90).

عايش رفاعة الطهطاوي (1808 - 1870) محمد علي وإبراهيم وعباس وسعيد وإسماعيل، ورضي معظمهم عليه، وأنعموا عليه بالرتب والتشريفات، حتى ترك لورثته عند وفاته ما يزيد على (1600) فدان. ومن هنا لم يكن لرفاعة أن يقف مواقف لا يرضى عنها الحكام.

خامسا: الماسونية.

نشر الغرب الماسونية في القرن التاسع عشر في مصر والبلاد الإسلامية، وانخرط فيها كثير من المسلمين بحسن نية وعدم إدراك لأهدافها، من أشهرهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ثم انفصلا عنها لما تبين لهم ما تبين.

وكانت مجلة اللطائف الآنفة الذكر أول جهاز إعلامي يجاهر بنشر التعاليم الماسونية والإلحاد في مصر (1).

سادسا: التنصير.

تضاعفت أعداد المنصرين حتى وصل إلى 43000 منصر إلى غاية سنة 1958.

وكان أهم أهداف هؤلاء المنصرين الذي يحركهم علماني أمريكي اسمه جون رالي موط، لا ينتمي أصلا إلى رجال الكنائس والذي اختاره مجلس الكنائس العالمي ليكون رئيسه الفخري، عملا بخطة استعمارية هي إبعاد الدين عن الحياة في البلاد الإسلامية من كل مشاركة أو اقتراب في الحياة السياسية أو الاجتماعية والاقتصادية، أي: عزل الدين عن حياة المسلم عزلا تاما، وفصل المسلم بالتالي عن حقيقة دينه.


(1) جذور العلمانية (70).

كان هذا هو همهم الأول قبل اهتمامهم بالتبشير للدين المسيحي (1).

وقد أسلفت أن العلمانية متجذرة في الدين النصراني، ولذلك كان التبشير به تبشير بالعلمانية وقطع للطريق على الإسلام.

وقد كانت الشريعة الإسلامية في المغرب في صورة المذهب المالكي حاكمة لقرون عديدة، وكانت المرجع الوحيد للقوانين التي كان يحكم بها القضاة في المحاكم والمساجد وغيرها، كما سأبين ذلك بتفصيل في رسالة مفردة بإذن الله. حتى جاء الاستعمار بعلمانيته فأزاح الشريعة واستبدلها بالقوانين الوضعية وأزاح المحاكم الشرعية وهمشها.

في عالمنا الإسلامي أراد طغمة من العلمانيين اجترار نفس الأساليب لواقع مختلف جذريا عن واقع أوربا. فلا المساجد هيمنت وطغت، بل وبالعكس كانت ملاذا للضعفاء والمساكين والمحتاجين.

ولا (رجال الدين) المسلمين شكلوا خطرا على الثقافة ولا تحالفوا مع الإقطاعيين ضد عامة الفقراء، كما حدث في أوربا، ولا شكلوا طبقة كنهوت، بل كان علماء الإسلام من عموم الناس الضعفاء يتشاركون معهم همومهم وأفراحهم، ولا أدل على ذلك من الاحترام الكبير الذي يحظى به العلماء في الأوساط الشعبية. ولا محاكم تفتيش في تاريخنا الإسلامي، ولا صكوك غفران.

فلا يجدي نفعا استنساخ تجربة لواقع مختلف كانت العلمانية فيه حلا منطقيا لمشاكل معينة تختلف تماما عن واقعنا وتاريخنا وبيئتنا وحضارتنا.


(1) جذور العلمانية (60 - 61).

  • الخميس PM 03:49
    2022-08-04
  • 1049
Powered by: GateGold