المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 425679
يتصفح الموقع حاليا : 200

البحث

البحث

عرض المادة

البدع المستحدثة في الدين النصراني

[توطئة]

أدَّى التحريف المتعمد لنصوص الوحي المسيحي والتأويلات البعيدة لأعمال المسيح وأقواله، تلك التي فتحت الكنيسة لها الباب على مصراعيه، إلى استمراء وتسويغ التصرفات الخاطئة التي تلت ذلك فيما بعد، ولما كانت تحريفات الكنيسة تخبطات عشوائية لا ترتكز على قواعد محددة وليس لها ضوابط رادعة، فقد ظل المجال فسيحاً لإضافات أكثر وثغرات أعمق، وكان للمطامع الدنيوية والرغبات الشخصية الفضل الأكبر في دفع الموجة قدماً وتوجيهها كما يراد.

يضاف إلى ذلك الحماقات التي ترتكب بطريق السذاجة والبله من بعض المنتسبين إلى الدين، ولا تجد من ينكرها أو يحاصرها، فتصبح مع مرور الزمن طقوساً وشعائر دينية.

كل ذلك تعرضت له النصرانية، فاستحقت أن توصم بأنها ديانة تركيبية أو بوتقة انصهرت فيها عقائد وخرافات وآراء متباينة، شكلت ديناً غير متسق ولا متجانس.

ونظراً لصعوبة التمييز بين الصحيح من الزائف والأصلي من المبتدع في الدين النصراني، فقد تباينت وجهات نظر النقاد الغربيين وتباعدت شقة الخلاف بينهم، فغالى بعضهم إلى حد التصريح بأن النصرانية ديانة وضعية أرقى تكويناً وأدق تنظيماً من الديانات السابقة التي ابتكرها الإنسان -بزعمهم- منذ فجر التاريخ، وأن طقوسها وشعائرها هي امتداد للطقوس الطوطمية والشعائر الوثنية، التي كانت سائدة بين القبائل الهمجية القديمة.

وبالمقابل تعصب آخرون - لاسيما ذوي الميول الدينية - للرأي القائل بأن الدين النصراني - مكتملاً - دين سماوي على الحقيقة، وأن كل ما في الأناجيل وحي صادق، وأن أعمال الكنيسة مشروعة يقرها ويمليها المسيح، فليس شيء منها يستحق أن يوصف بأنه بدعة محدثة أو إضافة خاطئة، وتظل الكلمة الفصل في الموضوع، كما هي دائماً، في القرآن الكريم الذي نزل مهيمناً على ما قبله من الكتب، ويظل الرأي الذي يصح أن يوصف بأنه موضوعي ونزيه - في هذه المسألة وأشباهها - من نصيب الباحث المسلم وحده.

لقد سبق أن تحدثنا عن تحريف المسيحية - عقيدة وشريعة - والتحريف في ذاته بدعة خطرة، لكن الأمر لم يقتصر على تحريف ما هو موجود بالفعل، بل انتقل إلى إحداث ما لم يكن وابتداع تعاليم وضعية أُلصقت بالمسيحية وأُدخلت في صلبها، وربما كانت بدعة رجال الدين - كما يسمون - أبعد البدع أثراً، لأن البدع الأخرى لم تكن لتنمو لولا أن رجال الدين هم الذين ابتدعوها وأقروها وأضفوا الشرعية عليها لذلك سنبدأ بالحديث عن هذه البدعة، ثم نعقب ببعض البدع الأخرى لتكون نماذج وأمثلة شاهدة على ما نقول.

أولاً: رجال الدين الإكليروس:

ترى النظرة الجاهلية للتاريخ المتأثرة بنظرية التطور أن حياة البشر الدينية والاجتماعية مرت بثلاث مراحل رئيسية:

1 - مرحلة السحر والخرافة.

2 - مرحلة الدين.

3 - مرحلة العلم.

وفي المرحلة الأولى كان الفكر البشري يعيش أدنى أطواره وأحطها، وكان الإنسان آنذاك يرى أن حياته مرتبطة بأسباب خفية لا يستطيع إدراكها، فلجأ إلى السحر والشعوذة اللذين يستطيعان التأثير بطريقة غير محسوسة، وكلما ازداد وعي الإنسان بحياته وتفرعت آماله ومطامعه، ازداد تعلقه بالسحرة والكهان، لدفع الأرواح الشريرة التي تسبب له الضرر في نظره ولجلب المنافع المعيشية المتنوعة، وبمرور الزمن أصبح السحرة والكهان يتمتعون بأسمى المراكز الاجتماعية لدى الهمج، فآلت إليهم زعامات القبائل، وفرضوا سلطاناً مادياً لأنفسهم في أموال ونساء أتباعهم.

وبعد اكتشاف الزراعة واستقرار الحياة الإنسانية، بُنيت المعابد والهياكل وأصبح بعض الكهان ملوكاً يتوارثون الحكم، بينما ظل البعض الآخر يرأس المعابد والهياكل التي كانت تدر عليهم الشرف العريض والمال الوفير.

وبانتقال الإنسان إلى المرحلة الثانية "مرحلة الدين" بقيت رواسب موروثة عن المرحلة الأولى، من أبرزها طبقة رجال الدين الذين ليسوا سوى امتداد للسحرة والكهان في المرحلة السالفة، وظلوا يقومون بالمهمة نفسها التي كان يتولاها أولئك من قبل، والفارق الوحيد هو أن هؤلاء يستمدون سلطتهم من الدين بينما يستمدها أولئك من السحر (1)

هذا هو التعليل الجاهلي لظهور رجال الدين، وهو تعليل قاصر لأنه ينكر الوحي الإلهي ويغفل، عامداً، الفترات المضيئة التي تخللت التاريخ البشرى منذ البدء، وهي الفترات التي شهدت مبعث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ((وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ)) [فاطر:24]، ويقصر نظره على فترات الانحراف عن منهج الله، تلك التي طغت عليها الخرافات والشركيات، وتحول فيها أتباع الأنبياء إلى سدنة أوثان ومشعوذين وكهان.

والتصور الإسلامي للتاريخ ينظر إلى الحياة البشرية على أنها خطان متوازيان: خط مشرق يمثل البشرية حين تهتدي إلى الله وتسلك طريق الأنبياء الذين يتعاقبون لردها إلى جادة الطريق، وخط آخر مظلم يمثل حزب الشيطان وفترات الضلال الذي طرأ على البشرية بعد أن كانت أمة واحدة على الإيمان، والسمة العامة للتاريخ هي الصراع بين الهدى والضلال، بين الحق والباطل.

ونحن لا ننكر التشابه الظاهر بين رجل الأكليروس في المسيحية وبين السحرة والكهان في العصور السابقة، لكننا نرجع ذلك إلى كون الطائفتين انحرفتا عن أصل صحيح واحد ولا نمضي أبعد من ذلك، أما التعليل المباشر الذي يوضح الأصل الحقيقي لرجال الدين، فهو أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، واحتفظ بها الأحبار من بعده، فكان الأمر يقتضي وجود عدد من ذوي الموهبة والعناية يتفرغون لحفظ الكتاب وشرح تعاليمه وتأويل مشكله وإيضاح أحكامه، كي يسير عليها الفرد والمجتمع، وأمر الله تعالى هؤلاء العلماء أن يكونوا ربانيين بما كانوا يعلمون الكتاب وبما كانوا يدرسون، ونهاهم عن كتمان شيء منه أو تحريفه أو شراء شيء من عرض الدنيا به، لكن الأمر آل إلى أن كثيراً من الأحبار أغرتهم المطامع الدنيوية الزائلة واشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، ضيعوا الأمانة وفرطوا في الحفظ وفرضوا لأنفسهم سلطة دنيوية، يأكلون أموال الناس بالباطل ويتقبلون القرابين ويفرضون على الناس العشور باسم الهياكل والبيع، مستغلين منصبهم الديني أسوأ استغلال.


(1) انظر مثلاً: العقلية البدائية: ليفي بريل. والغصن الذهبي "فريزر" وتكملة الموضوع في مبحث علمانية الاجتماع عند الحديث عن المدرسة الوضعية (ص:373) من هذا الكتاب.

وبذلك استحقوا المقت من الله، وكانوا مثلاً سيئاً وقدوة طالحة لمن جاء بعدهم، ثم بعث الله عيسى بن مريم عليه السلام ومعه الإنجيل، فحذر أتباعه أبلغ تحذير من اقتفاء أثر أحبار اليهود الذين كان المسيح يسميهم "بائعي العهد، أولاد الأفاعي، عباد الدنيا" ودعا قومه إلى الاتصال المباشر بالله والتوبة إليه والخضوع له وحده دون سواه، وكان يوصي الحواريين والتلاميذ، قائلاً: "رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم فلا يكون هكذا فيكم" (1).

لكن القسيسين والرهبان لم يكونوا أفضل حالاً من الأحبار، فقد سلكوا الطريق نفسها وانصاعوا إلى الدنيا مستعبدين أتبعاهم المؤمنين، وساعد وجودهم ضمن الامبراطورية الرومانية على تثبيت مراكزهم وتدعيمها، وذلك بأنهم اقتبسوا من الأنظمة والهياكل السياسية للدولة فكرة إنشاء أنظمة وهياكل كهنوتية، وكما كانت هيئة الدولة تمثل هرماً قمته الامبراطور وقاعدته الجنود، كانت الهيئة الكنسية تمثل هرماً مقابلاً قمته البابا وقاعدته الرهبان، ونتيجة لمبدأ فصل الدين عن الدولة رعت الامبراطورية الهرم الكنسي ولم تر فيه ما يعارض وجودها فرسخ واستقر.

يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز، في معرض الفرق بين مسيحية المسيح ومسيحية الكنيسة - كما سبق -أن تعاليم يسوع الناصري تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين، وهي لم تكن كهنوتية، ولم يكن لها معبد مقدس حبساً عليها ولا هيكل، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس، وكان قربانها "قلباً كسيراً خاشعاً " وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة.


(1) متى (20: 26).

"بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل "كنواة لها"، كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة والعمل الجوهري في العبادة فيها، هو القربان الذي يقربه قسيس متكرس للقداس، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة" (1)

وكان من الأسس الباطلة التي بنى عليها رجال الدين مبررات وجودهم مبدأ "التوسط بين الله والخلق"، الذي يقتضي ألاَّ يذهب الإنسان إلى رجل الدين ليعلمه كيف يعبد الله، بل ليعبد الله بواسطته، وليس للمذنب أن يتجه بتوبته إلى الله، طالباً الصفح والمغفرة، بل عليه أن يتجه إلى رجل الدين معترفاً أمامه بذنبه ليقوم بالتوسط لدى الله فيغفر له، وحسب هذا المبدأ نصب رجال الدين أنفسهم أنداداً لله تعالى وأوقعوا أتباعهم في الشرك الأكبر ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)) [التوبة:31] وفوق كونه مبدأً باطلاً شرعاً، ساقطاً عقلاً، فإنه ليس في الأناجيل -رغم تحريفها- ما يدل على أن المسيح أقره أو دعا إليه.

وقد ترتب على هذا المبدأ آثار سيئة للغاية، منها: احتكار رجال الدين لحق قراءة وتفسير الإنجيل، ثم مهزلة صكوك الغفران،


(1) معالم تاريخ الإنسانية (3: 720).

وكذلك الانشقاقات الدينية المتوالية التي دمرت الحياة بصفة عامة، وأخيراً كان هذا المبدأ إحدى الحجج التي سلها ملاحدة القرن السابع عشر فما بعد، في وجه الأديان عامة والمسيحية خاصة، وسيأتي تفصيل هذه الأمور في أبوابها بإذن الله (1).

يقول العالم الفرنسي المهتدي "ناصر الدين دينيه": "الوسيلة هي إحدى كبريات المسائل التي فاق بها الإسلام جميع الأديان، إذ ليس بين الله وعبده وسيط، وليس في الإسلام قساوسة ولا رهبان، إن هؤلاء الوسطاء هم شر البلايا على الأديان وإنهم لكذلك مهما كانت عقيدتهم ومهما كان إخلاصهم وحسن نياتهم، وقد أدرك المسيح نفسه ذلك، ألم يطرد بائعي "الهيكل "؟ غير أن أتباعه لم يفعلوا مثلما فعل، واليوم لو عاد عيسى فكم يطرد من أمثال بائعي الهيكل؟ "

"كذلك ما أكثر البلايا والمصائب، بل ما أكثر المذابح والمجازر التي يكون سببها هؤلاء الوسطاء، سواءً كانت بين العائلات وبعضها أو بين الشعوب والشعوب، وهم في ذلك كله يصيحون: باسم مجد الله" (2).

أما السلطة الكهنوتية، الطاغية، فإنها تستند إلى أسانيد واهية لا بد من مناقشتها:

لقد مر معنا -وسيظل- حقيقة تاريخية واضحة هي أن الافتراء على الله من جهة وسوء الفهم والخطل في الاستنباط من جهة أخرى، أمران ملازمان للكنيسة ملازمة الظل لأصله، وقد أخذ الله تعالى على أهل الكتاب هذه الأخطاء المتكررة ((تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ)) [الأنعام:93] .. ((يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ)) [النساء:46].

وجرياً على ذلك تزعم الكنيسة أن المسيح قال لبطرس كبير الحواريين: " أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات" (3).


(1) انظر: فصل طغيان الكنيسة من الباب الثاني "الطغيان الديني" (ص:128).
(2) أشعة خاصة بنور الإسلام: (23).

(3) متى (16: 19، 20).

فهمت الكنيسة من هذا القول: أن المسيح يعني أن السلطة الدينية المهيمنة باسمه سترتكز في الموضع الذي يموت فيه كبير الحواريين بطرس، ومن هذا المركز تمد أجنحة نفوذها على العالم أجمع وتحكمه باسم المسيح، وبما أن المسيح بطرس -كما تقول الكنيسة- مات في رومة، فإن رومة هي قاعدة المسيح لحكم العالم، وفيها مقر الكنيسة التي يرأسها ممثل المسيح ورسوله "البابا " المعصوم عن الخطأ، وكل ما تقرره الكنيسة هذه هو عين الصواب، إذ أن المسيح بواسطة الروح القدس هو الذي يملي عليها تصرفاتها، ومادام أنها تعمل باسم الله، وتحل وتبرم حسب مشيئته، بل هو يحل ويبرم حسب مشيئتها -تعالى الله على ذلك علواً كبيراً- فطاعتها واجبة، وقراراتها إلزامية لكل المؤمنين بالمسيح، وليس على الأتباع إلا الطاعة العمياء والانقياد الذي لا يعرف جدلاً أو نقاشاً، والذنب الذي لا يغتفر هو أن تصادم أوامر الله، التي هي أوامر الكنيسة، بواسطة العقل البشرى أياً كان صاحبه، والخارج على سلطة الكنيسة أو الناقد لقرارات مجامعها كافر "مهرطق" تحل عليه اللعنة والحرمان من دخول الملكوت، مهما بلغت وجاهة رأيه بل مهما كانت سوابقه وخدماته للمسيحية وللكنيسة نفسها.

أما إذا كان المتمرد على الكنيسة وسلطتها حاكماً أو شعباً، فإن الجيوش المقدسة ستسحقه بأقدامها، إرضاءً للمسيح.

ذلك هو زعم الكنيسة التي تحول إلى واقع تاريخي عاد بأسوأ النتائج على أوروبا والعالم أجمع، ونحن لا نملك حياله إلا موقفاً واحدا صريحاً هو موقف الإنكار القاطع لنسبة هذا القول إلى رسول الله المسيح عليه السلام.

إن هذا القول يخدش التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء كافة، ويمس العقيدة الإيمانية الصحيحة في جوهرها، وهو من نوع دعوى الأناجيل الزاعمة أن المسيح قال: "أنا ابن الله" سواءً بسواء، بل أن إنجيل متى ليصرح بأن المسيح إنما قال ذلك لبطرس مكافأة له على قوله: "أنت المسيح ابن الله الحي" ولقد قال الحق -تبارك وتعالى- ((مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران:79/ 80].

فالأنبياء دعاة التوحيد ورسل الحق، لا يتصور أن تصدر عنهم دعوى فيها شائبة من شرك، وحاشا أن يزعم أحد منهم لنفسه شيئاً من خصائص الألوهية فضلاً على أن يهبه لغيره.

والمسيح -عليه السلام- بشر رسول لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فكيف يجوز أن ينسب إليه أنه يمتلك مفاتيح الملكوت التي لا يملكها إلا الله وحده؟ وإذا كنا ننكر جازمين أن يملكها المسيح فلا معنى للجدال في كونه وهبها لبطرس أو لم يهبها، وكون الكنيسة ورثتها من بطرس أو لم ترثها، فالخطأ هنا أساسي لا يمكن إقراره، كما لا يمكننا أن نقر بأن المسيح إله.

ومع ذلك فليس في استطاعة الكنيسة أن تقنع أي باحث علمي بصحة مزاعمها بطريق الأدلة اليقينية، ولا يستطيع أي إنسان ذي عقل سليم أن يساير منطقها الأعوج ويؤمن بمسلماتها العمياء.

وقد سخر الكاتب الأمريكي " جرين برنتن" من استدلال الكنيسة بهذه الفقرات، وأرجع السبب في وقوع الكنيسة في هذا الخطأ إلى التشابه الشكلي بين لفظتي " بطرس" و"صخرة" (1)

وإذا كان مفسرو الأناجيل المتعصبون لدينهم يصرحون بأن آيات كثيرة في الأناجيل لا أصل لها -كما سبق- في مبحث التثليث - فما بالك بالنقاد والمفكرين من غير رجال الكنيسة، فضلاً عن المسلم الذي ينفرد بمعلومات يقينية لا يتطرق الشك إليها.

ومن وجهة نظر التاريخ لا يمكن تبرير الشناعات التي ارتكبتها الكنيسة والحروب الطاحنة التي عرقلت مسيرة الحضارة وأزهقت أرواح الأبرياء، والاستبداد والطغيان اللذين مارسهما رجال الدين في كل شئون الحياة، والوقوف المستمر في صف الطغاة والظلمة ضد الشعوب البائسة، ومحاكم التفتيش، وإحراق العلماء، وبقية الجرائم الأخرى لا يمكن أن تبرر ذلك بأن المسيح أورث سلطانه وملكوته للسلطة الكهنوتية الغاشمة.

وبالإضافة إلى ذلك لو راجعنا إنجيل متى الذي أورد هذا الافتراء لوجدنا المسيح بعد ثلاث فقرات فقط من هذا القول يخاطب بطرس قائلاً: "اذهب عني يا شيطان، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس ... " فكيف يتسق هذا الوصف وهذه التهمة مع الهبة السابقة والتكريم الذي لا حد له؟.


(1) انظر: أفكار ورجال هو: 193، وذلك أن أسم بطرس هو " peter" ولفظ " pert" يعنى: صخرة، ومثله تماماً في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى: (1/ 107).

ثم لماذا تنظر الكنيسة إلى هذا القول وأضرابه، وتغض الطرف عن مثل قول المسيح الصريح: "رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم، فلا يكون هكذا فيكم" وقوله: "أحبوا أعداءكم أحسنوا إلى مبغضيكم، باركوا لاعنيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم" (1).

ثانياً: الرهبانية:

للوجود الإنساني في هذه الأرض غاية سامية أرادها الخالق سبحانه منذ أن اختار الإنسان للقيام بالمهمة العظمى "الخلافة في الأرض"، وأناط به مسئولية عمرانها بالصلاح والخير، ولكيلا ينسى الإنسان الغاية من وجوده، ولتقوم عليه الحجة أمام خالقه، جعل الله تعالى تلك الغاية جزءاً من تكوينه، مودعاً إياها في أعماق نفسه، ((فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)) [الروم:30]، وبعث إليه الرسل تترى ليكونوا نماذج حية لتحقيق هذه الغاية الإيجابية والدعوة إليها.

لكن الناس -بإغواء الشيطان لهم- يضلون الطريق، فيغفلون عن غاية وجودهم، منغمسين في حدود المطالب الحيوانية العاجلة، أو يتصورون هذه الغاية على غير حقيقتها، فتضل أعمالهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

ومن تصور هذه الغاية على غير حقيقتها، الاعتقاد بتفاهة الحياة الدنيا إلى درجة إسقاط القيمة التي جعلها الله لها، والغلو في تهذيب النفس البشرية إلى حد التضييق والتعذيب، مع صرف النظر عن عمارة الكون التي هي جزء من الغاية العظمى.


(1) لوقا: (6/ 28).

وما الرهبانية التي عرفها الناس منذ القدم إلا تطبيق عملي للتصور السلبي الخاطئ الذي نشأ عن الجهل بطبيعة الإنسان ومهمته في الوجود.

ومع أن الرهبانية بدعة بشرية مشتركة بين أديان عديدة، نلاحظ أن للرهبانية النصرانية ظروفاً وأسباباً بارزة تضافرت على إيجادها وتنميتها، حتى أصبحت أبرز مظاهر الدين الكنسي على مر العصور.

أسباب الرهبانية:

1 - عقيدة الخطيئة الأصلية الموروثة: إحدى التعاليم الكبرى في المسيحية المحرفة، وموجزها أن آدم عليه السلام أكل من الشجرة "شجرة المعرفة! " فعاقبه الله بالطرد من الجنة وأسكنه التراب، وظل الجنس البشري يرسف في أغلال تلك الخطيئة أحقاباً متطاولة، حتى أنزل الله ابنه -تعالى على ذلك علواً كبيراً- ليصلب فداءً للنوع الإنساني، وليبين للناس طريق الخلاص من هذه الخطيئة، فأصبح لزاماً على الإنسان أن يقتل نفسه لمنحها الخلاص، يقول إنجيل متى: "من أراد أن يخلص نفسه يهلكها" (1).

ويقول إنجيل لوقا: "من طلب أن يخلص نفسه يهلكها ومن أهلكها ... " (2).

ولما كانت المرأة -حسب رواية سفر التكوين- هي التي أغرت الرجل بالأكل من الشجرة، فإن النصرانية المحرفة ناصبت المرأة العداء، باعتبارها أصل الشر ومنبع الخطيئة في العالم، لذلك فإن عملية الخلاص من الخطيئة لا تتم إلا بإنكار الذات وقتل كل الميول الفطرية والرغبات الطبيعية، والاحتقار البالغ للجسد وشهواته لا سيما الشهوة الجنسية.


(1) (16: 26).
(2) (17: 24).

ومن ناحية أخرى تولد عن الشعور المستمر بالخطيئة أن قنط كثيرون من رحمة الله، فلا يكاد أحدهم يقترف كبيرة حتى تظلم الدنيا في عينيه، ويثأر من نفسه بإرغامها على الالتحاق بأحد الأديرة والمترهبين فيه.

2 - رد الفعل المتطرف للمادية اليهودية الجشعة والأبيقورية الرومانية النهمة:

فقد بعث الله عبده ورسوله المسيح بين ظهراني فئتين يربطهما رباط التهالك على الدنيا، والتفاني في سبيل ملذاتها، والعبودية الخانعة لشهواتها، هما: قومه اليهود أجشع بني الإنسان وأشدهم تعلقاً وتشبثاً بالحياة، ومستعمروهم الروم الغارقون إلى آذانهم في مستنقع الحياة البهيمية وأوكار الشهوات الدنسة، فكان المسيح عليه السلام - بأمر الله - يعظهم بأبلغ المواعظ، ويذكرهم بالآخرة أعظم تذكير، ويضرب لهم الأمثال المتنوعة، ويقص عليهم القصص المؤثرة، كل ذلك لكي يرفعهم من عبودية الدنيا إلى عبادة الله، ويفتح عيونهم على ما ينتظرهم في العالم الآخر من الأهوال، فيحسبوا له الحساب، وآمن بالمسيح قوم تأثرت أنفسهم، واتعظت قلوبهم بما سمعوا منه، لكنهم مع مرور الزمن ورد فعل منهم للضغط المادي عليهم، غلوا واشتطوا حتى خرجوا عن حدود ما يأمرهم به الوحي وتمليه الفطرة السوية، ونسبوا إلى المسيح أنه أمر الغني أن يتجرد من أمواله، ويحمل الصليب ويتبعه، وقال: "مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله " (1)، وأنه أوصى تلاميذه قائلاً: "لا تقتنوا ذهباً ولا فضةً ولا نحاساً في مناطقكم، ولا مزوداً للطريق، ولا ثوبين، ولا أحذية، ولا عصاً" (2).

3 - الأثر الذى خلفته الفلسفات ووثنيات التهربية القانطة:

كان العالم في العصر الواقع بين وفاة المسيح ومبعث محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعيش فترة من انقطاع الوحى، والمتعطش إلى دين حقيقى لم تستطع المسيحية المحرفة أن تسدها، فاستبدت الحيرة والضلال بكثير من ذوي التفكير العميق والإحساس المرهف، فابتكروا، أو اعتنقوا، فلسفات تنم عن التذمر والتهرب من الحياة، وتقوم على التأمل والاستغراق في عالم ما وراء المادة، وخير مثال لذلك الفلسفة الرواقية.

وكان إلى جانب ذلك وثنيات قاتلة تقهر الجسد على حساب الروح وتقدس اليأس والتقشف، كالبوذية والبرهمية.

ولما كان بولس - محرف المسيحية الأكبر - مطلعاً على هذه الفلسفات والوثنيات متأثراً بآرائها، فقد لقح بها ديانته الوضعية، وأدخلها في صلب مسيحيته، ثم توارثها الأتباع من بعده، ومن اقتباسات بولس النظرة المتشائمة إلى الحياة الدنيا ومتاعها.

وقد أثرت هذه الاعتقادات وما اقتبسته المسيحية المحرفة منها في رواج الرهبانية وشيوعها في القرون التي تلت المسيح.

يقول صاحب " معالم تاريخ الإنسانية": "كانت الأديرة موجودة في العالم قبل ظهور المسيحية، وفي الفترة التي ألمَّ فيها الشقاء الاجتماعي باليهود، قبل زمان يسوع الناصري، كانت طائفة من النساك الأسينيين تعيش منعزلة في مجتمعات وهبت نفسها لحياة تقشفية من الوحدة والطهر وإنكار الذات، كذلك أنشأت البوذية لنفسها مجتمعات من رجال اعتزلوا غمرة الجهود العامة والتجارة في العالم ليعيشوا عيشة التقشف والتأمل". "ونشأت في زمن مبكر جداً من تاريخ المسيحية حركة مشابهة لهذه تتنكب ما يغمر حياة الناس اليومية من منافسة وحمية وشدائد، وفي

 


(1) مرقص (10: 22)، ومتى (19: 25).
(2) متى (10: 10 - 11)، ومثله لوقا (9: 4 - 10).

مصر على وجه الخصوص، خرجت حشود كبيرة من الرجال والنساء إلى الصحراء، وهناك عاشوا عيشة عزلة تامة، قوامها الصلوات والتأملات، وظلوا يعيشون في فقر مدقع في الكهوف أو تحت الصخور على الصدقات التي تقذفها إليهم الصدفة من أولئك الرجال الذين يتأثرون بقداستهم" (1).

4 - الأوضاع الاجتماعية القاسية: كان المجتمع الروماني مجتمعاً طبقياً ظالماً، تكدح فيه قطاعات ومجموعات كبيرة لصالح أفراد قلائل، وكان سكان المستعمرات خاصة يعانون البؤس وشظف العيش إلى جانب الظلم والطغيان، فقنط كثيرون من الحياة، ورأوا أن خير وسيلة للتخلص من خدمة الأسياد والحصول على العيش ولو كفافاً، هو دخول الأديرة حيث ينفق عليهم من تبرعات المحسنين وأوقاف الكنيسة، ويذكر صاحب كتاب " قصة الحضارة" أن "الآلاف من الشباب كانوا يدخلون الأديرة فراراً من الخدمة العسكرية التي فرضها الرومان" (2)

نظام الرهبانية:

يتضمن نظام الرهبانية شروطاً لا بد من تحقيقها في الراهب منها:

1 - العزوبة: أهم شروط الرهبانية، إذ لا معنى للرهبانية مع وجود زوجة، ومعلوم أن المسيح عليه السلام، لم يتزوج، وينسب إنجيل متى إلى المسيح قوله: "يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات من استطاع أن يقبل فليقبل" (3).


(1) ويلز (3: 730، 732)، وانظر: حياة المسيح للعقاد، (ص:46).
(2) (ج:14)، (ص:15).
(3) (19: 13).

على أن التنفير من المرأة وإن كانت زوجة، واحتقار وترذيل الصلة الجنسية وإن كانت حلالاً، من أساسيات المسيحية المحرفة، حتى بالنسبة لغير الرهبان، يقول " سان بونافنتور " أحد رجال الكنيسة: "إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم ترون كائنا بشرياً، بل ولا كائناً حياً وحشياً، وإنما الذي ترون هو الشيطان بذاته والذي تسمعون هو صفير الثعبان" (1).

وكان من المشاكل المستعصية على الكنيسة مشكلة زواج رجال الدين غير الرهبان أو تسريهم، و (كانت الكنيسة منذ زمن بعيد تعارض زواج رجال الدين بحجة أن القس المتزوج يضع ولاءه لزوجه وأبنائه في منزلة أعلى من إخلاصه للكنيسة) .... (وأنه سيحاول أن ينقل كرسيه أو مرتبته لأحد أبنائه، يضاف إلى هذا أن القس يجب أن يكرس حياته لله وبني الإنسان، وأن مستواه الأخلاقي يجب أن يعلو على مستوى أخلاق الشعب وأن يضفي على مستواه هذه المكانة التي لا بد منها لاكتساب ثقة الناس وإجلالهم إياه" (2) "بوجوب التبتل على رجال الدين وتطليق زوجات المتزوجين منهم، وكان لهذا الأمر آثار امتدت إلى القرن السادس عشر وانتهت بانتصار الكنيسة" (3).

وإذا كان هذا هو الحال مع غير الرهبان، فلنتصور كيف تكون الحال معهم!

2 - التجرد الكامل عن الدنيا: ويعنى ذلك: العزلة النهائية عن المجتمع، وقطع النظر عن كل أمل في الحياة، والرضا من الرزق


(1) أشعة خاصة بنور الإسلام: (29).
(2) قصة الحضارة (14: 382).
(3) تاريخ أوروبا في العصور الوسطى: (2: 152).

بالكفاف، وعدم الاهتمام بالمطالب الجسدية حتى الضروري منها كالملابس والنظافة، وإذا كانت المسيحية المحرفة تأمر الأفراد العاديين باحتقار الحياة وتعده من أولى الواجبات، فبديهي أن تكون معاملة الراهب أقسى وأعتى.

يقول صاحب كتاب " المشكلة الأخلاقية والفلاسفة ": "لنقرأ هذا السفر الطريف (محاكاة المسيح)، إنه سفر من أكبر أسفار التبتل المسيحي، ولنطلب بين صحائفه مظاهر الحياة المسيحية بمعناها الصحيح، وأن ما نجده لمعبر عن الحال أبلغ عبارة: احتقار أساسى لكل علم، حتى يشمل ذلك علم الإلهيات، واحتقار أصيل لكل ما نسميه خيرات هذا العالم: الثراء والشرف الاجتماعي، حتى المركز الوسط، وإنه لحتم علينا أن نستشعر دائماً التواضع والندم، وأن نمارس عملياً على الدوام التضحية وكل مظهر تمليه الرحمة، وأن نجمع حواسنا في صمت وذهول تام وتأمل ديني ينسى المرء فيه كيانه، يجب أن نقتل فينا كل ميول دنيوي، يجب أن يموت عالم الرغبة، يجب أن نبدأ من هذا العالم الزائل ما سوف يُكوِّن لنا الوجود الأبدي".

ثم يعلق على هذه التعاليم قائلاً:

"عظمة وعلاء؛ ولكنه قضاء قاسٍ على الإنسانية، وإن التطبيق الكامل لمثل تلك المبادئ ليمكن أن يملأ الأرض بأديرة فيها الرجال من جهة والنساء من جهة أخرى، ينتظرون في طهارة وتأمل الزوال النهائي للنوع الإنساني" (1).

3 - العبادة المتواصلة: يفرض نظام الحياة الرهبانية على الراهب أن يكون في حالة عبادة مستمرة يمليها عليه الأب، ولا يستطيع


(1) (ص:115)، ولم يذكر المؤلف اسم كاتب السفر، وقد علمت بعد البحث أنه الراهب أوغسطين، انظر: سلسلة تراث الإنسانية: (2/ 649).

التردد في الطاعة، بل عليه أن يجهد نفسه ويرهفها ويكلفها ما لا تطيقه من الصلوات والصيام والتراتيل والترانيم وسائر الطقوس، وإذا سئم من ذلك أو قصر في شيء منه فإن للنظام عقوباته الرادعة ... ولنأخذ نموذجاً لذلك تعاليم القديس " كولمبان" الذي أسس الأديرة في جبال الفوج بفرنسا، ومن تعاليمه: " يجب أن تصوم كل يوم، وتصلي كل يوم، وتعمل كل يوم وتقرأ كل يوم، وعلى الراهب أن يعيش تحت حكم أب واحد ".

"ويجب أن يأوي إلى الفراش وهو متعب يكاد يغلبه النوم وهو سائر في الطريق، وكانت العقوبات صارمة أكثر ما تكون بالجلد: ستة سياط إذا سعل وهو يبدأ ترنيمة، أو نسي أن يدرم أظافره قبل تلاوة القداس، أو تبسم أثناء الصلاة، أو قرع القدح بأسنانه أثناء العشاء الرباني ".

" وكانت اثنا عشر سوطاً عقاب الراهب إذا نسي أن يدعو الله قبل الطعام، وخمسون عقاب المتأخر عن الصلاة، ومائة لمن يشترك في نزاع، ومائتان لمن يتحدث من غير احتشام مع امرأة.

وأقام " كولمبان " نظام الحمد الذى لا ينقطع، فقد كانت الأوراد يتلوها بلا انقطاع ليلاً ونهاراً طائفة بعد طائفة من الرهبان " يوجهونها إلى عيسى ومريم والقديسين" (1)

4 - التعذيب الجنوني: لم يقتصر الأمر على ما ذكره بل كما هي طبيعة البدع تجاوز ذلك إلى تصرفات جنونية تشمئز لها الفطر السليمة، ابتدعها بعض الرهبان ليعبروا عن قوة إيمانهم وعمق إخلاصهم لمبدئهم، (وروى المؤرخون من ذلك عجائب فحدثوا عن


(1) قصة الحضارة (14: 365).

الراهب ماكاريوس أنه نام ستة أشهر في مستنقع ليقرض جسمه العاري ذباب سام، وكان يحمل دائماً نحو قنطار من حديد، وكان صاحبه الراهب يوسيبيس يحمل نحو قنطارين من حديد ... ، وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نزح ... وقد عبد الراهب يوحنا ثلاث سنين قائماً على رجل واحدة، ولم ينم ولم يقعد طوال هذه المدة، فإذا تعب جداً أسند ظهره إلى صخرة. وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائما، وإنما يتسترون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام، وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر، ويأكل كثير منهم الكلأ والحشيش، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح، ويتأثمون عن غسل الأعضاء، وأزهد الناس عندهم وأنقاهم أبعدهم عن الطهارة، وأوغلهم في النجاسات والدنس، يقول الراهب اتهينس: إن الراهب أنتوني لم يقترف إثم غسل الرجلين طوال عمره، وكان الراهب أبراهام لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين عاماً، وقد قال الراهب الإسكندري بعد زمان متلهفاً: واأسفاه، لقد كنا في زمن نعد غسل الوجه حراماً، فإذا بنا الآن ندخل الحمامات" (1).

وهناك "راهب منعزل اخترع درجة جديدة من الورع يربط نفسه بسلسلة إلى صخرة في غار ضيق " (2) وأما القديس كولمبان فـ (كانت السناجب تجثم على كتفيه، فتدخل في قلنسوته وتخرج منها" (3) وهو ساكن.

نتائج الرهبانية:

من سنن الله في الكون أن كل مبدأ أو نظام لا يساير الفطرة البشرية فإن مآله إلى الخسران والفناء، ومصير أتباعه شقاء مطبق وضياع مرير، لا يستطيع أحد أن يأتي بدين يوائم الفطرة إلا خالقها جل شأنه، ولذلك كان المبتدعون وواضعو المذاهب البشرية أكثر شيء إساءة إلى الجنس البشري.


(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: (168).
(2) معالم تاريخ الإنسانية: (732).
(3) قصة الحضارة: (14/ 356).

وما من شك في أن الرهبانية ليست من فطرة الإنسان ولا من غايات وجوده، بل هي على النقيض من ذلك، ولهذا لم يأمر بها الله ولم يشرعها ((وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)) [الحديد:27] فهي بدعة حتى بالنسبة للذين تطوعوا بإلزام أنفسهم بها مدفوعين بالحرص على رضاء الله، فما بالك بها بعد أن انخرط في سلكها الفساق وطلاب الدنيا؟

إن المرء لا تقع عينه على مؤلف من مؤلفات تاريخ الغرب في عصوره الوسطى، إلا ويرى فيه ما يشين ويلطخ الحياة الرهبانية من الفضائح الشنيعة والدعارة التى لا تضارعها دعارة مواخير الفساد.

يقول رئيس دير كلوني: " إن بعض رجال الدين في الأديرة وفي خارجها يستهترون بابن العذراء استهتاراً يستبيحون معه ارتكاب الفحشاء في ساحاته نفسها، بل في تلك البيوت التى أنشأها المؤمنون الخاشعون لكي تكون ملاذاً للعفة والطهارة في حرمها المسور، لقد فاضت هذه البيوت بالدعارة حتى أصبحت مريم العذراء لا تجد مكاناً تضع فيه الطفل عيسى" (1)


(1) قصة الحضارة: (145: 372).

لقد أدى التزمت والغلو في الدين ومغالبة الطبع السوي والفطرة السليمة إلى نتيجة عكسية تماماً، وأصبحت الأديرة مباءات للفجور والفسق تضرب بها الأمثلة في ذلك، وقد وصل الحال بنصارى الشرق -وربما كانوا أكثر حياء وأشد تمسكاً- إلى حد أن المستهترين من الخلفاء والشعراء المجان كانوا يرتادون الأديرة كما يرتاد رواد الدعارة اليوم بيوت العهر، وألفوا في ذلك كتباً منها كتاب " الديارات" المعروف لدى دارسي الأدب العربي (1).

هذا بالنسبة للمترهبنين، أما الفرد المسيحى فقد ضعفت ثقته بالدين، وتزعزعت في نفسه القيم والأخلاق الدينية، كيف لا وهو يرى خصيان الملكوت ومثَّال الطهر يغرقون في الفجور وينالون من المتع الجسدية ما لا يمكنه بلوغه؟! أما الغيورون منهم فقد اتخذوا ذلك ذريعة للانشقاق عن الكنيسة، وتكوين فرق دينية جديدة لها أديرة خاصة تبدأ أول الأمر نظيفة، لكنها لا تلبث أن تعود فتسقط فيما سقط فيه أسلافها، كل ذلك كان في الفترة التي لا تزال قبضة الكنيسة فيها قوية، ونفوذها صلباً، لكن المرحلة التى شهدت ضعف سلطانها فيما بعد شهدت رد فعلٍ طاغياً ضد أغلال الكنيسة وقيودها مما جعل بذور الفلسفات الإباحية، والحركات غير الأخلاقية تنمو نمواً مطرداً، وصُحِّح الرأي القائل بأن " المسيحية نفاق منظم كما اتهمتها أجيال عديدة من النقاد العقليين المرة تلو الأخرى" وأنها "لم تكن عند أكثر الناس غير ستار رقيق يخفي تحته نظرة وثنية خالصة إلى الحياة" (2)

هذا وقد ظلت رواسب الرهبانية متغلغلة في أعماق النفسية الأوروبية؛ حتى بعد أن فقد الدين مكانته في النفوس -لاسيما ما يتعلق بالمرأة والجنس- وكان لذلك أثره في النظريات الهدامة الحديثة خاصة " الفرويدية " كما سيأتي في مبحث علمانية الاجتماع والأخلاق.


(1) كتبه أبو الحسن السابشتي، وطبع مؤخراً بتحقيق "كوركيس عواد".
(2) تاريخ العالم: (4/ 330).

 

  • الثلاثاء AM 06:02
    2022-07-12
  • 1166
Powered by: GateGold