المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 405303
يتصفح الموقع حاليا : 170

البحث

البحث

عرض المادة

أسباب طغيان رجال الكنيسة

الطغيان في ذاته مرض خطير يدمر النفس الإنسانية ويمسخ سماتها، ويحيل الكائن البشري إلى روح شيطانية ماردة.

ومن خصائص هذا المرض أن أعراضه لا تصيب إلا ذا نفس هزيلة، أتيح لها وسائل تفوق طاقتها ومساحة أكبر من حجمها، ولم يكن لديها وازع خلقي أو رادع إيماني يكبح جماحها ويضبط سلوكها.

ولا يكون الطغيان -كذلك- إلا مظهراً للشعور بالنقص لدى النفس الطاغية، إذ تحاول بواسطته ستر نقيصة داخلية مؤرقة أو تسويغ مسلك معوج يعجز عن تبريره المنطق السليم والإقناع الهادئ.

فالطغيان يبدأ وسيلة خاطئة، وينتهي مرضاً مدمراً لا شفاء له إلا الموت القاصم.

وحين يصدر الطغيان من حاكم وثني أو زعيم دنيوي؛ فإنه يكون معقولاً إلى حد ما، وإن كانت فظاعته لا يسوغها عقل ولا ضمير، أما حين يصدر الطغيان عن رجال يراهم الناس "قديسين" ورسل سلام وطلاب آخره، فذلك مما يشق على النفس احتماله، ويبعد عن الذهن قبوله؛ لا سيما إذا كانوا رجال دين يجعل المحبة شعاره والتسامح ميزته ويقول لأتباعه:

"من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الآخر أيضاً، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً، ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين" (1).

إن هذه المفارقة العجيبة لتستدعي مزيداً من الفحص والتأمل للبحث عن الأسباب الكامنة وراء ذلك الطغيان الأعمى، وذلك يستلزم أن ننظر إلى طبيعة وضع رجال الدين، وطبيعة ظروف دينهم، وطبيعة البيئة التي مكنتهم من فرض أنفسهم عليها.

أما طبيعة رجال الدين فقد كانوا سابقين لعصرهم في ناحية مهمة هي الناحية التنظيمية، إذ كانوا مؤسسة تنظيمية مركبة تركيباً عضوياً دقيقاً، من القاعدة العريضة الممتدة في كافة الأصقاع والأقاليم إلى قمة الهرم المتمركزة في روما، وهذه الميزة أكسبتهم نفوذاً مستمراً لا يقبل المنافسة وجذوراً عميقة يصعب اقتلاعها، ولذلك نلاحظ أن كثيراً من الأباطرة المتمردين على الكنيسة يفشلون دائماً في مواجهتها، ويرتدُّون صاغرين إلى الانضواء تحت ظلها، كما أن العالم الغربي المسيحي لم يستطع التخلص من قبضة الكنيسة إلا بعد الثورة الداخلية التي قادها المصلحون الكنسيون، والتي أدت إلى إضعاف الهيكل التنظيمي والسلطة المركزية وتشتيت ولاء الأفراد.

وكان من الممكن أن يتمتع رجال الدين بثمرات هذا التنظيم الفائق، ويسخروها لخدمة المصلحة الدينية، دون أن يكون ذلك داعياً للطغيان والاستبداد، ولكن الشرط الأساسي لذلك هو النية الحسنة والإخلاص المجرد، وهو شرط فقدته الكنيسة منذ أن فقدت الإيمان الصحيح والعقيدة الصادقة.

والنفس البشرية أينما كانت لا تخلو من حب الطغيان إذا تهيأت لها أسبابه وليس كخشية الله تعالى واستشعار رقابته وضعف الإنسان إزاء قدرته حاجز لها عنه، ولما كانت الكنيسة مفلسة من ذلك فقد آل الأمر إلى أن تكون هيئتها التنظيمية شركة دنيوية تطمح إلى النفوذ الاجتماعي والمغانم الزائلة، ثم تمكنت بوسائل شتى من أن تصبح قوة استبدادية غاشمة.

وليس ثمة شك في أن مركزها الديني هو الذي هيأ لها النجاح المطرد، وهذا يقودنا إلى البحث في طبيعة دينها وظروفه التي أتاحت لها ذلك.

سبق أن أشرنا إلى الاضطهاد البالغ الذي تعرض له أتباع السيد المسيح -عليه السلام- من بعده، ذلك الاضطهاد الذي أدَّى إلى تحول الدعوة المسيحية إلى دعوة سرية، فاختفى الكثير من دعاتها، وتستروا في أقاليم مختلفة وأخفوا معهم نسخ الأناجيل، بل دونوا الأناجيل آنذاك، وكتبوها بلغاتهم الخاصة، وظلوا يتناقلون نسخها سراً، إذ كانت تتعرض للحرق والمصادرة من قبل الروم، وكان الداخل الجديد في دينهم يأخذ عنهم التعاليم مشافهة بعد ترجمتها إلى لغته الدارجة، ثم يبثها في بني قومه سراً، أيضاً فإذا أشكل عليهم أمر رجعوا إلى الداعية الذي يملك نسخة لأحد الأناجيل، فيبين لهم رأي الإنجيل أو رأيه الخاص في ذلك الأمر، ولم يكن الدعاة يسمحون للأتباع بتمليك النسخ أو يطلعونهم عليها خشيةً على أنفسهم وعلى الكتب أيضاً، بالإضافة إلى كون عقلية الأتباع وظروف البيئة لم تكن تؤهلهم للأخذ المباشر أو الاستنباط والاجتهاد الذاتي، ويزداد الأمر صعوبة إذا كانوا يجهلون اللغة التي كتب بها الإنجيل.

كل ذلك أدى إلى انحصار المصادر الدينية للمسيحية في أيدي فئة قليلة من الناس واقتصار حق شرحها وتأويلها عليهم وحدهم، فلما انقضت عصور الاضطهاد، واعتنقت الدولة الرومانية الدين الكنسي، احتفظ رجال الكنيسة بحق قراءة وشرح الكتب المقدسة، وأيدتهم الدولة في ذلك؛ لتجمع رعاياها على عقيدة واحدة بإتاحة الفرصة للكنيسة للقضاء على الفرق المنشقة، وكما قلنا في سبب وجود رجال الدين ورث رجال الكنيسة عن أحبار اليهود صفاتهم الممقوتة من التعصب الأعمى، واتباع الهوى واحتكار الرأي، فظلت مصادر الدين الكنسي حكراً عليهم لا تقع عليها يد لباحث أو ناقد من غير رجال الدين، وكان باستطاعة الكنيسة أن تفرض كل شيء باسم الإنجيل وهى آمنة من أن أحداً لن يقوم حيالها بأدنى معارضة.

وهكذا ظلت مصادر الدين النصراني المحرف قابعة في خبايا الكنائس وزوايا الأديرة، تؤخذ تعاليمها مشافهة من أولئك الذين يزعمون القداسة والعصمة، وما دامت مصادر الديانة غير مكشوفة فكيف يعرف الناس مقدار صدق رجال الدين فيما يقولون عن الله؟! وكيف يمكنهم مناقشة الكنيسة فيما تمليه من عقائد وتشريع؟! لم يكن أمامهم إلا التسليم المطلق والطاعة العمياء.

وإذ قد اطمأنت الكنيسة إلى أن أحداً لن ينبس ببنت شفة يمس قداستها وصواب آرائها، فقد اشتطت وغلت في فرض سلطانها وتعميق هيبتها ووجدت الباب مفتوحاً إلى طغيان لا يلين ولا يرحم.

يبقى أن نعرض لطبيعة البيئة التي شهدت هذا الطغيان ومدى تأثيرها في بقائه واستحكامه، فنرى أنه كانت الغالبية العظمى من الروم وسكان مستعمراتهم من الأميين السذج الذين ألفوا العبودية والخضوع المستمر للقوى المسيطرة، وكانوا من الضحالة الفكرية على درجة ليست قليلة، وكان سكان أوروبا قبائل همجية، تعيش أسوأ مراحل التاريخ الأوروبي كله، لا سيما العصور الأولى من القرون الوسطى، التي تسمى العصور المظلمة، واعتنق هؤلاء الديانة الرسمية للإمبراطورية، وأحلوا عبادة المسيح محل عبادة الامبراطور، لكنهم لم يتعرضوا ليقظة إيمان حقيقي، كتلك التي هز بها الإسلام نفوس معتنقيه، ورفع مستواهم الروحي والعقلي إلى آفاق عظيمة، بل ظلوا على تلك الحال من الهمجية والانحطاط حتى مطلع العصر الحديث ... لذا كان من الطبيعي للجماهير الغفيرة أن تنساق وراء عقولها السطحية وعواطفها الساذجة، فتصدق كل ما تسمع، وتؤمن بكل ما يقال، وكان رجل الدين هو كل شئ بالنسبة لها، فلم يكن هنالك أي أثر لعالم أو مؤرخ أو باحث، بل كان الظلام المطبق يسيطر على الحياة من كافة نواحيها، ورجل الدين هو الوحيد الذي يملك بصيصاً ضئيلاً، يتمثل في معرفته للقراءة والكتابة، وكونه الموجه الروحي للمجتمع ... وبيئة هذه حالها، وأمة هذه صفاتها، جديرة بأن توفر للطاغية حماية كافية ومناخاً صالحاً لفرض طغيانه في المجال الذي يريد، وإشباع رغبته التسلطية كما يشاء.

هذه الأوضاع والعوامل مجتمعة، وهي السلطة الكهنوتية المنظمة، والمصادر غير المكشوفة، والبيئة البدائية، جعلت من الكنيسة مارداً جباراً وطاغوتاً جائراً يملك كل مقومات البقاء ولوازم الاستبداد، ويريد أن يسيطر على كل شي وفق إرادته وهواه.

ولم تدع الكنيسة جانباً من جوانب الحياة دون أن تمسكه بيد من حديد، وتغله بقيودها العاتية، فهيمنت على المجتمع من كل نواحيه الدينية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وفرضت على عقول الناس وأموالهم وتصرفاتهم وصاية لا نظير لها البتة، وإن التاريخ ليفيض في الحديث عن طغيان الكنيسة ويقدم نماذج حية له في كل شأن من الشئون، ولنستعرض شيئاً من ذلك في نواح مختلفة من الحياة:

أولاً: الطغيان الديني:

منذ أن ظهر إلى الوجود ما يسمى المسيحية الرسمية في مجمع نيقية (325م) والكنيسة تمارس الطغيان الديني والإرهاب في أبشع صوره، ففرضت بطغيانها هذا عقيدة التثليت قهراً، وحرمت ولعنت مخالفيها، بل سفكت دماء من ظفرت به من الموحدين، وأذاقتهم صنوف التعذيب وألوان النكال، ونصبت نفسها عن طريق المجامع المقدسة "إلهاً" يحل ويحرم، ينسخ ويضيف، وليس لأحد حق الاعتراض، أو على الأقل حق إبداء الرأي، كائناً من كان، وإلا فالحرمان مصيره، واللعنة عقوبته لأنه كافر "مهرطق".

كان الختان واجباً فأصبح حراماً، وكانت الميتة محرمة فأصبحت مباحة، وكانت التماثيل شركاً ووثنية فأصبحت تعبيراً عن التقوى، وكان زواج رجال الدين حلالاً فأصبح محظوراً، وكان أخذ الأموال من الأتباع منكراً فأصبحت الضرائب الكنسية فرضاً لازماً، وأمور كثيرة نقلتها المجامع من الحل إلى الحرمة أو العكس دون أن يكون لديها من الله سلطان، أو ترى في ذلك حرجاً، وأضافت الكنيسة إلى لغز "الثالوث" المعمى عقائد وآراء أخرى تحكم البديهة باستحالتها، ولكن لا مناص من الإيمان بها والإقرار بشرعيتها على الصورة التي توافق هوى الكنيسة كقضية الاستحالة في العشاء الرباني وعقيدة الخطيئة الموروثة وعقيدة الصلب والعذراء والطقوس السبعة، كل هذه فرضتها على الأتباع بحجة واحدة: هي أنها أسرار عليا لا يجوز الخوض فيها أو الشك في صحتها، وكان العامل المساعد على إنجاح محاولاتها الذي تتمثل فيه صورة الطغيان الديني جلية واضحة ما ذكرناه من احتكارها للمصادر الدينية، ذلك الذي جعلها حاجباً، لا يستطيع أحد دخول الملكوت إلا بواسطته، ولا يمكنه الاتصال بالله إلا من طريقه، وهي حق لا مرية فيه ما دامت الكنيسة هي التي قررته إذ هي معصومة عن الخطأ منزهة عن الزلل. يتحدث " ويلز" عن رجال الكنيسة قائلاً:

 

 


(1) متى (5): (40 - 42).

ولم تعد لهم رغبة في رؤية مملكة الرب موطدة في قلوب الناس، فقد نسوا ذلك الأمر، وأصبحوا يرغبون في رؤية قوة الكنيسة التي هي قوتهم هم متسلطة على شئون البشر، وكانوا في سبيل توطيد تلك القوة على أتم استعداد للمساومة مع أي شئ، حتى البغض والخوف والشهوات المستقرة في قلوب البشر، ونظراً لأن كثيراً منهم كانوا على الأرجح يرون الريبة في سلامة بنيان مبادئهم الضخم المحكم وصحته المطلقة، لم يسمحوا بأية مناقشة فيه، كانوا لا يحتملون أسئلة، ولا يتسامحون في مخالفة، لا لأنهم على ثقة من عقيدتهم، بل لأنهم كانوا غير واثقين فيها، وقد تجلى في الكنيسة في القرن الثالث عشر ما يساورها من قلق قاتل حول الشكوك الشديدة التي تنخر بناء مدعياتها بأكمله، وقد تجعله أثراً بعد عين، فلم تكن تستشعر أي اطمئنان، وكانت تتصيد الهراطقة في كل مكان، كما تبحث العجائز الخائفات عن اللصوص تحت الأسرة وفي الدواليب قبل الرجوع إلى فراشهن" (1).

وعززت الكنيسة سلطتها الدينية الطاغية بادعاء حقوق لا يملكها إلا الله، مثل حق الغفران، وحق الحرمان، وحق التّحلة، ولم تتردد في استعمال هذه الحقوق واستغلالها، فحق الغفران أدَّى إلى المهزلة التاريخية، "صكوك الغفران" السالفة الذكر، وحق الحرمان عقوبة معنوية بالغة كانت شبحاً مخيفاً للأفراد والشعوب في آن واحد، فأما الذين تعرضوا له من الأفراد فلا حصر لهم، منهم الملوك أمثال "فردريك" وهنري الرابع الألماني، وهنري الثاني الإنجليزي، ورجال الدين المخالفين من آريوس حتى لوثر، والعلماء والباحثون المخالفون لآراء الكنيسة من "برونو" إلى "أرنست رينان" وأضرابه.

 


(1) معالم تاريخ الإنسانية: (3/ 902).

وأما الحرمان الجماعي فقد تعرض له البريطانيون عندما حصل خلاف بين الملك يوحنا ملك الإنجليز وبين البابا، فحرمه البابا وحرم أمته، فعطلت الكنائس من الصلاة، ومنعت عقود الزواج، وحملت الجثث إلى القبور بلا صلاة، وعاش الناس حالة من الهيجان والاضطراب حتى عاد يوحنا صاغراً يقر بخطيئته ويطلب الغفران من البابا، ولما رأى البابا ذله وصدق توبته رفع الحرم عنه وعن الأمة (1).

أما حق التّحلة، فهو حق خاص يبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين، وتتخلى عن الالتزام بها متى اقتضت المصلحة -مصلحتها هي- ذلك (2).

على أن الكنيسة لم تقتصر على هذا، بل طبقت عملياً ما يثبت إصرارها على الطغيان، وحشدت الجيوش الجرارة لمحاربة من سولت له نفسه مخالفة آرائها أو اعتنق ما يخالف عقيدتها، ولا نعني بذلك المسلمين أو اليهود، بل الطوائف النصرانية التي اختلفت مع الكنيسة في قضية من قضايا العقيدة أو الشريعة.

ومن أوضح الشواهد على ذلك في العصور الوسطى ما تعرض له "الكاثاريون" و" الوالدونيون" الذين لم يتخلوا عن الدين، بل كانوا يطالبون بحياة مسيحية حقيقية، تستمد مقوماتها من الكتاب المقدس نفسه، وأنكروا على الكنيسة ثراءها ودنيويتها، ومع ذلك فقد أعلنت الكنيسة الحرب عليهم، وحرَّض البابا " أنوسنت" كما يقول ويلز:


(1) انظر: حرية الفكر سلامة موسى: (56).
(2) معالم تاريخ الإنسانية: (3/ 896).

على حرب صليبية ضد هذه الشيع، وأذن لكل نذل زنيم أو متشرد أثيم أن ينضم إلى الجيش وأن يعمل السيف والنار واغتصاب الحرائر، ويرتكب كل ما يمكن أن يتصوره العقل من أنواع انتهاك الحرمات ويعلق المؤرخ الإنجليزي على ذلك بقوله:

"القصص التي تروى عن هذه الحروب الصليبية تحكي لنا من أضرب القساوة والنكال البشع ما يتضاءل إزاء بشاعته قصة استشهاد المسيحيين على أيدي الوثنيين، وهي فوق هذا تسبب لنا رعباً مضاعفاً لما هو عليه من صحة لا سبيل إلى الشك فيها، كان هذا التعصب الأسود القاسي روحاً خبيثاً ... يتعارض تماماً مع روح يسوع الناصري، فما سمعنا أنه لطم الوجوه أو خلع المعاصم لتلاميذه المخالفين له، ولكن البابوات كانوا طوال قرون سلطانهم في حنق مقيم ضد من تحدثه نفسه بأهون تأمل في كفاية الكنيسة الذهنية" (1).

ولم يقف الأمر عند هذا الحد لا سيما بعد أن اتضح للكنيسة الأثر الإسلامي الظاهر في الآراء المخالفة لها، فأنشأت ذلك الغول البشع والشبح المرعب الذي أطلق عليه اسم "محاكم التفتيش"، ولا يفوتنا أن نقول: إن الضحية الأولى لمحاكم التفتيش كانت المسلمين الأندلسيين الذين أُبيدوا إبادة تامة بأقسى وأشنع ما يتخيله الإنسان من الهمجية والوحشية، ثم ظلت تمارس أعمالها على مخالفي الكنيسة وإن لم يكونوا مسلمين أو متأثرين بالحضارة الإسلامية .. وانتقلت من أسبانيا إلى بقية أقاليم الكنيسة، وكانت المحكمة الأم لها هي "المحكمة المقدسة" في روما، ولا يكاد المؤرخون الغربيون يتعرضون للحديث عنها إلا ويصيبهم الاضطراب، وتتفجر كلماتهم رعباً، فما بالك بالضحايا الذين أزهقت أرواحهم والسجناء الذين أذاقتهم ألوان المر والنكال!


(1) معالم تاريخ الإنسانية (3/ 905).

"كان الإنسان في تلك العصور يكبس منزله وهو هادئ وادع، فيحمل في جوف الليل ويعتقل الأشهر بل السنين وهو لا يدري ماهية التهمة التي سيتهم بها، لأن "خصماً" له من الجيران قد أبلغ المحكمة بأنه سمعه يقول كيت وكيت عن الرؤيا أو عن الثالوث أو عن المعجزات، ثم إذا أصر المتهم على إنكار ما نُسب إليه من التهمة جاز للمحكمة تعذيبه بأن تقطعه أشلاء شلواً بعد شلوٍ أمام عينيه، وأن تقرض لحمه بالمقراض، وأخيراً تحرقه" (1).

وكانت المحكمة عبارة عن سجون مظلمة تحت الأرض بها غرف خاصة للتعذيب، وآلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري، وكان الزبانية يبدءون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجياً" حتى يهشم الجسم كله ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة والدماء الممزوجة باللحم المفروم، وكان لدى المحكمة آلات تعذيبية أخرى منها: آلة على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة، يلقون الضحية في التابوت ثم يطبقونه عليه فيتمزق جسمه إرباً إرباً، وآلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد فتقصه قطعة قطعة، وتغرز في أثداء النساء حتى تتقطع كذلك.

وصور أخرى تتقزز منها النفوس وتشمئز لذكرها (2).

وبفضل هذا الإرهاب البالغ والطغيان العاتي، عاش الناس تلك الأحقاب ترتعد قلوبهم وترتجف أوصالهم عند ذكر الكنيسة، ووقف كبار الفلاسفة والنقاد مبهوتين مطرقين، لا يجرؤ أحدهم على التصريح بأنه لا يؤمن بالمسيحية مهما كانت آراؤه مخالفة لتعاليمها، ولم يداخل العلماء الأفذاذ آنذاك مثل " نيوتن، وبيكون، وديكارت وكانت" أن


(1) حرية الفكر.
(2) انظر: التعصب والتسامح محمد الغزالي، وأسبانيا أرضها وشعبها (الفصل الثامن) دورثي لودر.

يعترضوا على عقائد الكنيسة الفجة -لا سيما التثليت والخطيئة والاستحالة-، أو على الأقل يجاهروا بمخالفتها، بل يخيل إلى الباحث أنهم كانوا يعيشون فترة من فقدان الوعي تجاه هذه العقائد رغم نبوغهم في مجالات أخرى، وإن كان للموضوع جانب آخر سنتناوله فيما بعد، إن شاء الله.

يقول برنتن: "لم يكن بوسع الكثيرين من أفراد المجتمع الغربي أن يعترفوا صراحة وجماعة بالإلحاد أو اللاأدارية أو بمذهب الاتصال بالله أو بأية عقيدة أخرى غير المسيحية إلا خلال القرون القلائل الأخيرة، وقد كان الكفار الذين يجاهرون بكفرهم قلة نادرة في الألف سنة التي استغرقتها القرون الوسطى، ولما كان الناس جميعاً مسيحيين فلم يكن هناك مفر من أن تكون المسيحية هي كل شئ لكل الناس، فلقد كان القديس فرانسيس وإرازمس ولويولا وميكافيلي وباسكال ووزلي ونابليون وغلادستون وجون روكفلر جميعاً مسيحيين" (1).

ثانياً: الطغيان السياسي:

طبيعي جداً أن يكون لرجال الدين سلطة سياسية في الأمة التي تدين بدينهم، بل إن الافتراض الذي لا يصح سواه هو أن تكون أزمة الأمور كلها -والسياسة خاصة- في يد فئة مؤمنة متدينة تطبق شريعة الله وتقيمها في واقع الحياة، لكن الذي لا يصح على الإطلاق هو أن يتحول رجال الدين إلى طواغيت ومحترفين سياسيين، مع نبذ شريعة الله وإسقاطها من الحساب ليحل محلها شهوة عارمة للتسلط ورغبة شرهة في الاستبداد، ومفاد ذلك أنه لا حرج على الكنيسة في تقويم انحرافات الملوك وممارسة الضغوط عليهم، إذا سولت لهم أنفسهم خرق


(1) أفكار ورجال: (207).

التعاليم الدينية وتجاوز الأوامر الإلهية لتردهم إلى حظيرة الدين وتعبدهم لله وحده، فهذا عين مهمتها في الحياة ولا ينبغي لها بحال أن تتخلى عنها، أما أن تسهم الكنيسة في طمس الدين وتعطيل الشريعة ثم تفرض نفسها وصية على الملوك والأمراء وترغمهم على الخضوع المذل لها وتجعل معيار صلاحهم منوطا" بمقدار ما يقدمونه لها من مراسم الطاعة وواجبات الخدمة، لا بمقدار ما يحفظون حدود الله ويستقيمون على منهجه، فذلك هو الأمر الشائن والعيب الفاضح، ومع هذا فهو الذي حصل بالفعل للكنيسة المسيحية طيلة عصور ازدهارها.

لقد ظلت النفسية الأوروبية تعاني تمزقاً رهيباً، ما تزال آثاره ممتدة إلى اليوم بسبب الصراع المزمن الذي دار بين الكنيسة وبين الملوك، والمنافسة الشديدة بين الطرفين للقبض على مقاليد المجتمع وكسب ولاء الأفراد.

ولم تكن الحرب بين أتباع البابوات وأنصار الأباطرة أو "الجوالف والجبليين" -كما يعرفهم التاريخ الأوروبي- إلا حرباً بين حزبين متناحرين لا يكاد أحدهما يتميز عن الآخر إلا في الشعارات التي يخفي تحتها مطامعه الدنيوية البحتة.

كان ملوك أوروبا يضيقون ذرعاً بتدخل الكنيسة المتعنت في كل شئونهم، ذلك التدخل الذي لا يجدون له مبرراً على الإطلاق، وفي نظرهم لم يكن لرجال الدين عليهم ميزة إلا "القداسة" ومع ذلك فهم أيضاً" مقدسون، إن لم يكن بأنفسهم فبنسبهم.

يقول فيشر: "كانت الأسر الحاكمة في أوروبا تستمد بقاءها من صلتها النسبية بأحد القديسين، فيرثون منه قداسته ولا يبالي الشعب بعد ذلك بتصرفاتهم لأنهم مقدسون" (1).


(1) تأريخ أوروبا في العصور الوسطى: (1/ 71).

وقد جرؤ ادوارد الأول ملك انجلترا، وفيليب الجميل ملك فرنسا، على القول بأنه: "ليس من الضروري أن يخضع الملك للبابا لكي يحظى بالجنة في الآخرة، وأن كلاَّ منهما قد نوى أن يكون سيداً في مملكته وأن شعبه يؤيده في هذه النية تمام التأييد" (1).

إذن فقد كان غاية ما يطمح إليه أولئك أن تكف الكنيسة عن فرض وصايتها السياسية والدينية عليهم، دون أن يفكروا في تقويض بنيانها أو الخروج على تعاليمها.

لكنهم كانوا في واد والكنيسة في واد، فقد كانت ترى أن خضوع الملوك لها ليس تطوعاً منهم، بل واجباً يقتضيه مركزها الديني وسلطانها الروحي.

جاء في البيان الذي أعلنه البابا " نقولا الأول" قوله: "إن ابن الله أنشأ الكنيسة: بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها، وأن أساقفة روما ورثوا بطرس في تسلسل مستمر متصل ... (ولذلك) فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض، يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكاماً كانوا أو محكومين" (2).

أما البابا الطاغية "جريجوري السابع" فقد أعلن أن الكنيسة بوصفها نظاماً إلهياً خليقة بأن تكون صاحبة السلطة العالمية، ومن حق البابا وواجبه -بصفته خليفة الله في أرضه- أن يخلع الملوك غير الصالحين، وأن يؤيد أو يرفض اختيار البشر للحكام أو تنصيبهم، حسب مقتضيات الأحوال".

وسخر من الملوك والشعوب بقوله: "من ذا الذي يجهل أن


(1) تأريخ أوروبا في العصور الوسطى، فشر: (1/ 260).
(2) قصة الحضارة: (14/ 352).

الملوك والأمراء يرجعون بأصولهم إلى الذين لا يعرفون الله، ثم يتعالون ويصطنعون العنف والغدر ويرتكبون جميع أنواع الجرائم، ويطالبون بحقهم في حكم من لا يقلون عنهم -أي: الشعب- جشعاً وعماية وعجرفة لا تطاق" (1).

وليس ثمة شك في أن النصر ظل حليف الكنيسة طيلة القرون الوسطى، بسبب سلطتها الروحية البالغة وهيكلها التنظيمي الدقيق واستبدادها المطلق، ولذلك فقد كان البابوات هم الذين يتولون تتويج الملوك والأباطرة، كما كان في إمكانهم خلع الملوك وعزلهم بإرادتهم المحضة، ولم يكن باستطاعة أحد الانفلات من ذلك، ومن رفض الرضوخ فإن حكمه غير شرعي، ومن حق البابوية أن تعلن الحرب الصليبية عليه وتحرم أمته، ولا يعوزنا الاستشهاد على ذلك من التاريخ الأوروبي، فالأمثلة فيه كثيرة، ولعل خير مثال لذلك حادثة الامبراطور الألماني "هنري الرابع" المشهورة مع البابا جريجوري السابع وذلك أن خلافاً نشب بينهما حول مسألة "التعيينات" أو ما يسمى "التقليد العلماني" فحاول الامبراطور أن يخلع البابا، ورد البابا بخلع الامبراطور، وحرمه وأحل أتباعه والأمراء من ولائهم له وألبهم عليه، فعقد الأمراء مجمعاً قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الامبراطور على المغفرة لدى وصول البابا إلى ألمانيا، فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد، فوجد الامبراطور نفسه كالأجرب بين رعيته، ولم يكن في وسعه أن ينتظر وصول البابا فضرب بكبريائه عرض الحائط، واستجمع شجاعته وسافر مجتازاً جبال الألب والشتاء على أشده، يبتغي المثول بين يدي البابا بمرتفعات كانوسا في تسكانيا وظل واقفاً في الثلج في فناء القلعة ثلاثة أيام، وهو في لباس الرهبان متدثراً بالخيش حافي القدمين عاري


(1) المرجع السابق: (14/ 394) وفيشر: (2/ 147).

الرأس، يحمل عكازة مظهراً كل علامات الندم، وأمارات التوبة، حتى تمكن من الظفر بالمغفرة والحصول على رضا البابا العظيم (1).

وفي بريطانيا حدثت قصة أخرى مماثلة: فقد حصل نزاع بين الملك هنري الثاني وبين " تومس بكت" رئيس أساقفة كنتربري، بسبب دستور رسمه الملك يقضي على كثير من الحصانات التي يتمتع بها رجال الدين، ثم إن رئيس الأساقفة اُغتيل، فروعت المسيحية وثار ثأرها على هنري ودمغته بطابع الحرمان العام، فاعتزل الملك في حجرته ثلاثة أيام لا يذوق فيها الطعام، ثم أصدر أمره بالقبض على القتلة وأعلن للبابا براءته من الجريمة، ووعد بأن يكفر عن ذنبه بالطريقة التي يرتضيها، وألغى الدستور، ورد إلى الكنيسة كل حقوقها وأملاكها، وبالرغم من ذلك لم يحصل على المغفرة حتى جاء إلى كنتر بري حاجاً نادماً، ومشى الثلاثة أميال الأخيرة من الطريق على الحجارة الصُّوَّان، حافي القدمين ينزف الدم منهما، ثم استلقى على الأرض أمام قبر عدوه الميت، وطلب من الرهبان أن يضربوه بالسياط، وتقبل ضرباتهم وتحمَّل كل الإهانات في سبيل استرضاء البابا وأتباعه (2).

وأعظم زعيم تحدى سلطات الكنيسة واستطاع مقاومتها مدة غير يسيرة، هو الامبراطور " فردريك الثاني" وتعود صلابته إلى المؤثرات الإسلامية في ثقافته وشخصيته، فقد كان مجيداً للعربية مغرماً بالحضارة الإسلامية، حتى أن الكنيسة اتهمته باعتناق الإسلام وسمته "الزنديق الأعظم" أما المفكرون المعاصرون فيسميه بعضهم "أعجوبة العالم" وبعضهم "أول المحدثين".

وقد اشتد النزاع بينه وبين البابا "جريجوري التاسع" بسبب


(1) انظر: فيشر، وويلز، وقصة الحضارة.
(2) انظر: قصة الحضارة (15/ 194) وما بعدها.

رفضه القيام بحملة صليبية على الشرق - وكانت الكنيسة تعد الملوك جنوداً طائعين لها ... فحرمه البابا وشهر به في رسالة علنية عدد فيها هرطقاته وذنوبه، فكان على الامبراطور أن يدفع التهمة عن نفسه برسالة وصفها ويلز بأنها "وثيقة ذات أهمية قصوى في التاريخ، لأنها أول بيان واضح صريح عن النزاع بين مدعيات البابا في أن يكون الحاكم المطلق على عالم المسيحية بأسره، وبين مدعيات الحكام العلمانيين، وقد كان هذا النزاع يسري على الدوام كالنار تحت الرماد، ولكنه كان يضطرم هنا على صورة ما ويتأجج هناك على صورة أخرى، ولكن فردريك وضع الأمر في عبارات واضحة عامة، يستطيع الناس أن يتخذوها أساساً لاتحادهم بعضهم مع بعض (1) للوقوف في وجه الكنيسة.

على أن فردريك كان ظاهرة فذة لم تلبث أن تختفي تحت قهر قرارات الحرمان والسطوة الكنسية الباغية، ولم يعرف التاريخ الأوروبي من يماثله إلا بعد أجيال عديدة.

ثالثاً: الطغيان المالي:

يستطيع المرء أن يقول دون أي مبالغة: إن الأناجيل المسيحية لم تنه عن شيء نهيها عن اقتناء الثروة والمال، ولم تنفر من شيء تنفيرها من الحياة الدنيا وزخرفها، حتى أن المتأمل في الأناجيل -رغم تحريفها- لابد أن يؤخذ بروعة الأمثلة التي ضربها المسيح -عليه السلام- للحياة الدنيا ومتاعها الزائل، كما أنه سيرى من سيرة المسيح العملية ما يؤيد مواعظه البليغة، فقد كان هو وحواريوه ورعين زاهدين ينظرون بعين المقت والازدراء إلى الكنوز المكدسة التي يحوزها بنو جنسهم "اليهود".


(1) معالم تاريخ الإنسانية: (5/ 224). وانظر: كتاب الزنديق الأعظم: جوزيف جاي ديس، ترجمة أحمد نجيب هاشم.

وجاءت القرون التالية فشهدت مفارقة عجيبة بين مفهوم الكنيسة عن الدنيا وبين واقع الكنيسة العملي، فقد تشددت الكنيسة جداً حتى حرمت ما أحل الله من الطيبات، واقتبست النظرة البوذية التشاؤمية للحياة الدنيا -كما مر سلفاً- وفي الوقت نفسه كانت سيرتها الذاتية صفحة مخزية من التهالك على الدنيا وامتصاص دماء الأتباع، بما لا يضارعها فيه أثرياء اليهود وكبار الملاك الإقطاعيين الذين تسميهم الكنيسة "دنيويين" في حين أن المسيح يقول: "مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله" (1).

ويقول لتلاميذه: "ولا تقتنوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقكم ولا مزوداً للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا" (2).

وفي الوقت الذي تفرض فيه الكنيسة على أتباع دينها التقشف والزهد، نجد حال الكنيسة نفسها مغايراً لروح وصايا المسيح ولمقتضى ما تدعو الناس إليه.

يقول " كرسون": "كانت الفضائل المسيحية كالفقر والتواضع والقناعة والصوم والورع والرحمة، كل ذلك خيراً للمؤمنين وللقسيسين وللقديسين وللخطب والمواعظ، أما أساقفة البلاد والشخصيات الكهنوتية الكبيرة، فقد كان لهم شيء آخر: البذخ والأحاديث المتأنقة مع النساء، والشهرة في مجالس الخاصة، والعجلات والخدم والأرباح الجسيمة والموارد والمناصب" (3).


(1) مرقص (10: 22).
(2) متى: (10) (ك:10 - 10).
(3) المشكلة الأخلاقية: (167).

[خلاصة مظاهر الطغيان الكنسي]

ونستطيع أن نلخص مظاهر الطغيان الكنسي في هذا المجال بما يلي: -

1 - الأملاك الإقطاعية:

يقول "ديورانت": "أصبحت الكنيسة أكبر ملاَّك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، فقد كان "دير فلدا" مثلاً، يمتلك (15000) قصر صغير، وكان دير "سانت جول" يملك ألفين من رقيق الأرض، وكان "الكوين فيتور" (أحد رجال الدين) سيداً لعشرين ألفاً من أرقاء الأرض، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة، وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين، ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية ... وهكذا أصبحت الكنيسة جزءاً من النظام الإقطاعي". "وكانت أملاكها الزمنية -أي: المادية- وحقوقها والتزاماتها الإقطاعية مما يجلل بالعار كل مسيحي متمسك بدينه، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدين، ومصدراً للجدل والعنف بين الأباطرة والباباوات" (1).

2 - الأوقاف:

كانت الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافاً للكنيسة بدعوى أنها تصرف عائداتها على سكان الأديرة وبناء الكنائس وتجهيز الحروب الصليبية، إلا أنها أسرفت في تملك الأوقاف، حتى وصلت نسبة أراضي الكنيسة في بعض الدول إلى درجة لا تكاد تصدق، وقد قال المصلح الكنسي " ويكلف" وهو من أوائل المصلحين: "إن الكنيسة تملك ثُلث أراضي انجلترا، وتأخذ الضرائب الباهظة من الباقي، وطالب بإلغاء هذه الأوقاف، وأتهم رجال الدين بأنهم "أتباع قياصرة لا أتباع الله" (1).


(1) قصة الحضارة: (14/ 425).

3 - العشور:

فرضت الكنيسة على كل أتباعها ضريبة "العشور"، وبفضلها كانت الكنيسة تضمن الحصول على عشر ما تغله الأراضي الزراعية والإقطاعيات، وعشر ما يحصل عليه المهنيون وأرباب الحرف غير الفلاحين.

يقول ويلز: "كانت الكنيسة تجبي الضرائب، ولم يكن لها ممتلكات فسيحة ولا دخل عظيم من الرسوم فحسب، بل فرضت ضريبة العشور على رعاياها، وهي لم تدع إلى هذا الأمر بوصفه عملاً من أعمال الإحسان والبر، بل طالبت به كحق" (2).

ولم يكن في وسع أحد أن يرفض شيئاً من ذلك، فالشعب خاضع تلقائياً لسطوتها، أما الملوك فقد كانوا يخشون بأسها من جهة كما كانت بها مصالح مشتركة من جهة أخرى، إذ كانت هي أيضاً تمدهم بأسباب البقاء.

يقول تولستوي: "لقد استولى حب السلطة على قلوب رجال الكنيسة كما هو مستول على نفوس رجال الحكومات، وصار رجال الدين يسعون لتوطيد سلطة الكنائس من جهة ويساعدون الحكومات على توطيد سلطتها من جهة أخرى" (3).

إذن فمصلحة السلطتين تقتضي بقاء الأوضاع على صورتها الواقعة.


(1) انظر: تأريخ أوروبا فيشر (2/ 362 - 364).
(2) معالم تاريخ الإنسانية: (3/ 895).
(3) أحاديث في السياسة والإجتماع للحصري: (301).

4 - ضريبة السنة الأولى:

لم تشبع الأوقاف والعشور نهم الكنيسة الجائع وجشعها البالغ، بل فرضت الرسوم والضرائب الأخرى، لا سيما في الحالات الاستثنائية: كالحروب الصليبية والمواسم المقدسة، وظلت ترهق بها كاهل رعاياها، فلما تولى البابا يوحنا الثاني والعشرون جاء ببدعة جديدة هي "ضريبة السنة الأولى" وهى مجموعة الدخل السنوي الأول لوظيفة من الوظائف الدينية أو الإقطاعية، تُدفع للكنيسة بصفة إجبارية، وبذلك ضمنت الكنيسة مورداً مالياً جديداً (1).

5 - الهبات والعطايا:

كانت الكنيسة تحظى بالكثير من الهبات يقدمها الأثرياء الإقطاعيون للتملق والرياء، أو يهبها البعض بدافع الإحسان والصدقة، وصحيح أن الكنيسة لم تطالبهم بذلك، لكنهم لولا معرفتهم بحرصها على الدنيا وإمكان استمالتها بطريق البذل والعطاء لما فعلوا ذلك، كما أنهم كانوا يخشون غائلة غضب الكنيسة بحرمانهم من المغفرة عند الاحتضار على الأقل، وقد قويت هذه الدوافع بعد مهزلة صكوك الغفران إذ انهالت التبرعات على الكنيسة وتضخمت ثروات رجال الدين كما أسلفنا.

هذا ولا ننسى المواسم المقدسة والمهرجانات الكنسية التي كانت تدر الأموال الطائلة على رجال الكنيسة، فمثلاً "في سنة (1300م) عقد مهرجان لليوبيل، واجتمع له جمهور حاشد من الحجاج في روما، بلغ من انثيال المال إلى خزائن البابوية أن ظل موظفان يجمعان بالمجاريف الهبات التي وضعت عند قبر القديس بطرس" (2).


(1) انظر: تاريخ أوروبا فيشر (2/ 380).
(2) معالم تاريخ الإنسانية/ (3/ 913).

6 - العمل المجاني "السخرة":

سبق القول بأن الكنيسة تملك الإقطاعيات برقيقها، وأن بعض رجال الدين كان يملك الآلاف من الأرقاء، غير أن ذلك لم يقنع الكنيسة، بل أرغمت أتباعها على العمل المجاني في حقولها وفي مشروعاتها، لا سيما بناء الكنائس والأضرحة، وكان على الناس أن يرضخوا لأوامرها ويعملوا بالمجان لمصلحتها مدة محددة هي في الغالب يوم واحد في الأسبوع، ولا ينالون مقابل ذلك جزاءً ولا شكوراً.

وهكذا كانت الجماهير ترزح تحت أثقال الكنيسة وأعبائها المالية المرهقة، وكان الملوك والأباطرة ورجال الدين الصغار يحسون بذلك أيضاً، ويتحينون الفرصة لإعلان احتجاجهم.

ومن الذين تضجروا من ذلك ودفعتهم جرأتهم إلى الاحتجاج العلني: الملك لويس التاسع ملك فرنسا، الذي كتب إلى البابا رسالة احتجاجية خطيرة بالنسبة لعصرها، قال فيها: "إن الذي يشتد في إدرار الأضراع لابد أن يصيب الدم من حلماتها".

أما رجال الدين فقد كان أحد الموضوعات التي نظر فيها المجلس الديني العام المنعقد في ليون سنة (1246م) شكوى مقدمة من بعضهم يستغيثون فيها من مطالب البابا والكنيسة الأم (1).

ولكن هذه الاحتجاجات والاستغاثات ظلت صرخة في واد ولم تزحزح الكنيسة عن موقفها، وظلت الأمور على هذه الوتيرة حتى تضافرت عوامل أخرى سيأتي الحديث عنها فيما بعد بإذن الله.


(1) انظر: آخر الجزء الأول من تاريخ أوروبا من (ص:259).

  • الثلاثاء AM 05:42
    2022-07-12
  • 1426
Powered by: GateGold