المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 411209
يتصفح الموقع حاليا : 214

البحث

البحث

عرض المادة

المذاهب الاقتصادية اللادينية

-المذهب الطبيعي الفيزيوقراطي:

كانت المسألة الاقتصادية من أبرز المشكلات التي تصدى لها فلاسفة ومفكرو عصر التنوير -كما يسمى- في القرن الثامن عشر، وهو العصر الذي بدأت فيه العلوم والآداب تستقل عن المؤثرات الدينية بدرجة ملحوظة.

في ذلك العصر أخذت أوروبا الهاربة من نير الإقطاع وأغلال الكنيسة تبحث عن أنظمة ومناهج جديدة متحررة من التلازم التقليدي بين الشئون الحيوية وبين القواعد الأخلاقية الذي كان منهج القرون الوسطى.

وكانت الجفوة العميقة بين العلم والدين- التي مر الحديث عنها سلفاً - أبرز العوامل في انفصال النظريات الاقتصادية وغيرها عن المثل والقيم الدينية، وولادة الإله الذي عبده عصر التنوير بسذاجة متناهية: (الطبيعة).

كان لكل زاوية من زوايا الحياة مذهبها الطبيعي وكتابها الطبيعيون:

ففي السياسة عرفنا كيف قامت الديمقراطية على أسس المذهب الطبيعي، وفي العلم والفلسفة حلت كلمة (الطبيعة) محل لفظ الجلالة، وهو إجراء ليس المقصود به التغيير اللفظي فحسب، وفي الشئون الاجتماعية ظهر كتَّاب يرون أن المجتمع الطبيعي هو المجتمع المثالي الذي يجب أن تعود إليه البشرية، وفي الأخلاق ظهرت فكرة الأخلاق الطبيعية؛ بل لقد كتب فلاسفة كبار عن موضوع الدين الطبيعي، ولعل أوضح تطبيقات المذهب الطبيعي يظهر في الموضوع الذي نحن بصدده وهو الاقتصاد.

يستعرض مؤلف كتاب المذاهب الاقتصادية الكبرى تاريخ هذا المذهب عموماً فيقول:

(اعتمد الناس خلال القرون التي خلت ... على القدامى من أمثال أرسطو وآباء الكنيسة يلتمسون عندهم المعرفة بشأن العالم الخارج عن دائرة ما يعيشون فيه، وكفاهم أن يعودوا إلى أولئك الأئمة ليستخلصوا من كتاباتهم تفسيراً لأي ظاهرة، وحل المنطق الاستنباطي محل دقة الملاحظة وعمق النظرية والتجربة.

غير أن نفراً من ذوي العقول أخذوا يكتسبون معرفة جديدة أكثر دقة، وذلك عن طريق دراسة الطبيعة ذاتها في تواضع وبالأسلوب الموضوعي، فالإدراك بأن الأرض ليست مركز العالم؛ بل تدور حول الشمس، والكشف الذي اهتدى إليه هارفي بشأن الدورة الدموية، (1) والنظريات التي طلع بها نيوتن عن الجاذبية والحركة، كل هذه أعقبتها عشرات من الملاحظات لها مغزاها وأهميتها، وإن كانت أقل شأناً ودرجة.

فإذا كانت المصادر القديمة قد أخطأت في نظراتها إلى العالم الطبيعي، أما كانت كذلك مخطئة في نظراتها إلى السلوك البشري؟!


(1) هذا الكشف وكثير من الكشوف غيره كانت جديدة بالنسبة لأوروبا وحدها، يراجع على سبيل المثال شمس الله تسطع على الغرب زيغريد هونكه.

أصبح كل شيء موضع التساؤل والشك، وعلى ذلك سمي العلم فلسفة، ولم يعد هناك تمييز بين الميادين التي عني كل منهما بفحصه، وأخذ الكتَّاب والمتفلسفون يعيدون البحث في النظم البشرية تماماً كما كانوا يفعلون بالنسبة إلى الأشياء غير البشرية، وهم في تصرفهم هذا كانوا يسلمون بأن الإنسان جزء من الطبيعة، وليس كائناً منفصلاً عن بقية المخلوقات؛ أوجدته العناية الإلهية وتولت رعايته.

وأصبح البحث ينصب على تفسير النتائج والأسباب بالنسبة إلى السلوك البشري -سواء أكان مرغوباً فيها أم غير مرغوب- عن طريق قوانين الطبيعة بدلاً من البحث عنها في إرادة الله، كما قالت الكتب المقدسة أو المذاهب الكنسية، ومعنى هذا - بتعبير آخر - أن علينا أن نسترشد في أعمالنا وتصرفاتنا بالعقل دون سلطة القدامى وآرائهم " (1).

إذن فقد كان عصر التنوير يرفض بصراحة الحكم بما أنزل الله، والرجوع إلى الله في تنظيم حياته العامة، أو على الأقل كان كما يقول بعض فلاسفته: يريد الرجوع تحت اسم مستعار هو الطبيعة، ومن طريق آخر غير طريق الوحي والكنيسة، وهو القانون الطبيعي.

أما أثر هذا المذهب على الاقتصاد فيوضحه سول بقوله: "سيطرت فكرة الآخرة على المذاهب السائدة خلال العصور الوسطى، وإن لم تسيطر على العادات والتقاليد، فالمجال الدنيوي بما


(1) جورج سول: (49 - 50).

فيه الحياة الإنسانية نفسها ليس سوى مكان يستعد فيه الناس للحياة بعد الموت بما تشتمل عليه من ثواب وعقاب، فكان على المرء أن يتحمل الألم، وهو عالم أنه ليس إلا مقدمة لما يتوقع في حياة مستقبله، أما الدافع الفكري على تقويم العادات الاجتماعية أو زيادة الرفاهية الدنيوية فكان ضئيلاً اللهم إلا من حيث الفائدة الروحية التي يمكن اجتناؤها.

والآن تحول الاهتمام فأصبح محصوراً في تحسين الحياة على المجتمع، وكشفت العلوم والمخترعات عن إمكانيات المجتمع لذاتها، لقد كانت المكاسب المادية ظاهرة في كل شيء، وكان لا حد لها من حيث وجود أساليب أفضل وأيسر لإنتاج الأشياء، وسرت روح المغامرة.

وهنا برز السؤال التالي: أليس في وسع الفلسفة أن تعالج النظم البشرية بنفس الطريقة التي تدرس بها الأشياء المادية؟.

وكان الجواب: بالإمكان، ذلك أن المطلوب إنما هو تطبيق العقل على الأساليب التي يستخدمها الناس كيما يعيشون (كذا) معاً، وراح الكثيرون يصوغون الخطط والمشروعات التي تكفل قيام الحياة المثالية أو اليوتوبيا.

وصار لزاماً على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك، ووجدوه في الطبيعة، أما الذين ظلوا على استمساكهم بالدين ولو باللسان - وإن لم يكن في الواقع كما هو أغلبهم - فقد اعتقدوا أن الله يعبر عن إرادته عن طريق الطبيعة وقوانينها، وليس بوسيلة مباشرة، وبذلك لم تعد الطبيعة مجرد شيء له وجود فحسب، وإنما هو شيء ينبغي أن يطاع، وصارت مخالفتها دليلاً على نقص في التقوى والأخلاق (1).

وتعددت وجهات نظر الفلاسفة الطبيعيين بشأن تنظيم المجتمع، لا سيما من ناحية توزيع الثروة بطريقة عادلة، إلا أن الجامع المشترك بينهم في ذلك هو الفكرة التي سلفت في الفصل السابق، وهي حرية العمل التي يعبر عنها شعارهم المعروف: دعه يعمل، دعه يمر، أو دع الأمور وحدها تسير، فالطبيعة كفيلة بالتوازن.

وكانت بقايا النظام الإقطاعي في الواقع، مع شبحه الماثل في نفوسهم سبب مناداتهم بهذه الشعارات، واعتقادهم أنها أنجع الحلول لمشكلة الظلم الاجتماعي الناجمة عن سوء توزيع الثروة.

أما الأساس العلمي الذي توهموا أنهم أقاموا عليه صرح مذهبهم فهو نظرية نيوتن عن الأجرام السماوية وقوانين الحركة الطبيعية، فكما أن للنجوم والكواكب قانونها الطبيعي الذي يحدد لكل منها مساره الخاص دون أن يحدث بينهما أي اصطدام على الإطلاق، فكذلك - في نظرهم - لو ترك الناس إلى طبيعتهم، ولم يفرض عليهم قوانين خارجية، لانتظمت أحوالهم، وسارت وفق القانون الطبيعي الذي يكفل تطبيقه الحياة المثالية للمجتمع والأفراد دون تعارض واضطراب، وقد عرفنا في الفصل السابق كيف استغلت الطبقة المتوسطة المكونة من رجال المصارف وأصحاب المصانع المذهب الطبيعي، لكي تظفر باليد العاملة التي كانت حكراً على ملاك الإقطاعيات، ولتضمن حماية الدولة لممتلكاتها، لأن ذلك هو قانون الطبيعة.


(1) المصدر السابق: (50، 51).

وقد عبر راندال عن ذلك بقوله: "هكذا كان هذا العلم -أي: علم الاقتصاد السياسي- يبدو في الظاهر محاولة مجردة عن المصلحة، للوصول إلى فيزياء اجتماعية للثروة، لكنه كان في الحقيقية تبريراً منظماً للمطالب التي تهدف إلى زيادة حرية جمع المال، وتستعين بالعلوم الجديدة البشرية والطبيعية (1)

2 - المذهب الرأسمالي الكلاسيكي:

ليس هذا المذهب في الحقيقة إلا تطويراً للمذهب الطبيعي اقتضته الظروف الطارئة، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

وكان الغرض المنطقي أن يكون هذا المذهب أكثر سماحة واعتدالاً في معاملة الطبقة الفقيرة، وأن يشتمل على خطط ومناهج إصلاحية تكفل إلى جانب امتيازات الأثرياء حقوقاً منصفة للفقراء.

لكن الذي حصل فعلاً هو عكس ذلك تماماً، فقد دعا زعماء هذا المذهب بكل صراحة إلى الجشع والاستغلال، وبرروا الوسائل غير الإنسانية التي كانت الطبقة الغنية تمارسها على المعدمين، ولم يكن إلحاحهم الشديد على حرية الفرد وحقه في العمل لمصلحته الذاتية إلا تأكيداً لحرية المحتكرين من أرباب المصانع والتجار والصيارفة.

كان المذهب الطبيعي ينسب للأرض القيمة الاقتصادية الكبرى، فأعطى المذهب الكلاسيكي هذه القيمة للعمل، وليس مرد ذلك إلى الانتقال من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي فحسب، بل إنه ليعبر عن رغبات الطبقة الجديدة التي تريد أن تفرض نفوذها المالي على المجتمع، وتستأثر بالعمال الذين كانت غالبيتهم تعمل في الزراعة.

وتحت ستار التظاهر بالبحث عن أفضل السبل لتحقيق رفاهية المجتمع وتقدمه، وبناء قواعده على أسس علمية، كان دعاة المذهب يحملون نزعة لا أخلاقية لم يكن في وسعهم التكتم عليها، فقد


(1) تكوين العقل الحديث: (2/ 468).

ظهرت في مؤلفاتهم الشهيرة التي يعدها العالم الرأسمالي اليوم أعز تراثه عليه، وإن كان حور وطور كثيراً من نظرياتها واستبعد الباقي.

وأشهر الرأسماليين الكلاسيكيين آدم سميث ومالتس وريكاردو إذ على أكتافهم نهض المذهب الفردي الرأسمالي وترعرع.

وهذه خلاصة لمذهب كل منهم وآثاره العملية:

أ- آدم سميث (1790):

أما آدم سميث فهو فيلسوف الاستعمار، وكاهن الرأسمالية الأكبر، وكتابه ثروة الأمم أهم المؤلفات الاقتصادية وأبعدها أثراً، يقول روبرت دوانز في مؤلفه كتب غيرت وجه العالم: "النظرية الأساسية في كتاب ثروة الأمم نظرية ذات نزعة مكيافيللية، وهي أن العامل الأول في نشاط الإنسان هو المصلحة الشخصية، وأن العمل على جمع الثروة ما هو إلا مظهر من مظاهرها، وبذلك قرر أن الأنانية والمصلحة الشخصية تكمن وراء كل نشاط للجنس البشري، وصارح الناس باعتقاده أنها ليست صفات ممقوتة يجب الابتعاد عنها، وإنما هي على العكس عوامل تحمل الخير إلى المجتمع برمته، وفي رأيه أنه إذا أريد توفير الرفاهية للأمة، فلا بد من ترك كل فرد يستغل أقصى إمكانياته لتحسين مركزه بشكل ثابت منظم دون تقييد بأي قيد، فللحصول على غذائنا لا نعتمد على كرم الخمار أو الخباز أو الجزار، وإنما هم يقدمونه لنا بدافع من مصلحتهم الشخصية، وإنا عندما نخاطبهم لا نتجه إلى ما فيهم من دوافع إنسانية، وإنما نتجه إلى مصلحتهم المادية، ولا نكلمهم عن احتياجاتنا، بل عما يعود عليهم من نفع وفائدة" (1).


(1) (ص:73).

آثار مذهبه:

على الرغم من هذه الروح غير الأخلاقية، حظي سميث وكتابه بشهرة واسعة لا يضاهيها أي من المعاصرين له، ومنحه المفكرون والكتاب لقب (أبو الاقتصاد العصري) وليس ذلك إلا للخدمة التي أسداها سميث لرجال الأعمال الرأسماليين، والوسائل التي نبههم لاستعمالها في الوقت الذي أسقط فيه حساب الجموع الغفيرة من الزراعيين والعمال الذين يكابدون البؤس والشقاء. ولم يقتصر سميث على إنجلترا ولا على أوروبا وحدها، بل كان كتابه المذكور إنجيلاً للمستعمرين الذين تدفقوا على قارات العالم الأخرى، ينهبون خيراتها ويستعيدون شعوبها، حتى لقد عد الفصل الذي يتحدث عن المستعمرات أشهر فصول الكتاب.

يقول ماركس لرز: "كان أغلب الذين عنوا بقراءة ذلك الكتاب هم أولئك الذين أفادوا فائدة شخصية من الآراء التي وردت فيه، وهؤلاء هم التجار المحدثون وحلفاؤهم من الأعضاء في برلمانات العالم ولجانهم الثقافية التنفيذية في الجامعات، وعن طريق هؤلاء أثر الكتاب تأثيراً عظيماً في جميع من يليهم من شعوب العالم رغم أنها لا تعلم شيئاً عن الكتاب ذاته، كما أنه عن طريقهم أيضاً أحدث آثاره الهائلة في التفكير الاقتصادي والسياسة العالمية" (1).

على أن سميث لم يسلم من المعارضين من ذوي الميول الدينية مثل رسكن الذي قال عنه:


(1) كتب غيرت وجه العالم: (87 - 88).

"إنه الاسكتلندي الغبي الهجين الذي يدعو الناس عامداً إلى ارتكاب التجديف في الدين بقوله: عليك أن تكره الرب إلهك، وتعصي وصاياه، وتشتهي مال قريبك ... كما لم يسلم ممن عارضه لأسباب إنسانية، مثل كثير من أحرار المفكرين الذين لم يغفروا لسميث قط أنه أداة في ذلك الاستغلال الدنيء الذي انتهجه رجال الأعمال وأصحاب المصانع، إذ اتخذوا من مبدأ حرية التجارة وآرائه فيه منهجاً لهم في أعمالهم، فقد انتهز هؤلاء تلك الفرصة فشوهوا كل مبدأ دعا إليه لحماية العامل والزارع والمستهلك والمجتمع عامة، وفسروها على أنها إباحة مطلقة لمصلحتهم الشخصية، لا تتقيد بأي قيود أو تدخل من جانب الحكومة" (1).

(ب) مالتس (1834):

لئن كان سميث أب الرأسمالية فإن مالتس هو محاميها العظيم، وإذا كان سميث قد اتخذ موقفاً سلبياً أو شبه سلبي من المعوزين والمهضومين، فإن مالتس اتخذ حيالهم دوراً إيجابياً، لكنه - للأسف - ضدهم إلى أبعد الحدود.

ظهر في القرن الثامن عشر عدد من الكتاب المغرقين في التفاؤل من أمثال كوندورسيه وجدوين وتوماس بين وشكلوا مدرسة اجتماعية طبيعية، تؤمن بأنه إذا تمتع كل فرد بما أسموه حقوق الإنسان، وأزيلت الحواجز الاصطناعية التي تعوق ذلك، فإن عصراً مزدهراً أو يوتوبيا حقيقية تنتظر البشرية، فالطبيعة حسب تعبيرهم وفرت لوازم السعادة وهيأتها لبني البشر، وما عليهم إلا أن يحسنوا اقتسامها وتوزيعها.


(1) المصدر السابق: (73، 88).

لم ترق هذه النظرية لمالتس ذي النزعة التشاؤمية، وكانت معاصرته لهؤلاء الكتاب من أسباب تحمسه للرد عليهم، فنشر سنة 1798 كتيباً بعنوان: مقال في قواعد ازدياد السكان أوضح فيه رأيه الصريح إزاء الموضوع.

يقول سول: "إن مذهب مالتس بسيط في جوهره، فالتكاثر إن لم يحده قيد فإنه يدعو إلى تزايد السكان وفقاً لمتوالية هندسية، في حين أن الزيادة في موارد الغذاء ليست بهذه السرعة أو أنها -بعبارة أخرى -تسير حسب متوالية عددية" (1).

ولم يخف مالتس اعتراضه على حقوق الإنسان التي أعلنها توماس بين فقد رد عليه قائلاً: "إن رجلاً يولد في دنيا قد استولى عليها الناس من قبله، وتملكوا خيراتها، ولم يجد العون الطبيعي من والديه، وما دام المجتمع في غنى عن خدماته، فهذا الرجل لا يستطيع أن يدعي لنفسه حقاً في كسرة خبز، ولا حق له في الوجود في هذا العالم" كما أنه انتقد البرنامج الذي وضعته الحكومة الإنجليزية لإعانة الفقراء بقوله: "إن قوانين الفقراء في إنجلترا تؤدي إلى تفاقم حالة الفقراء عامة في ناحيتين:

الأولى: هي أنها تعمل على زيادة عدد السكان دون زيادة غلة الأرض لإعالتهم.

والثانية: أن كميات الحاجيات التي تستهلك في ملاجئ الفقراء


(1) المذاهب الاقتصادية الكبرى: (73)، والمتوالية الهندسية: (2 - 4 - 8 - 16 - 32) والمتوالية العددية: (1 - 2 - 3 - 4) الخ.

-وهم طبقة غير منتجة- تقلل من الأنصبة التي كان يجب أن تعطي كاملة للطبقة العاملة" (1).

وهكذا حرم مالتس الإحسان تحريماً قاطعاً سواء أكان من الدولة أو من الأفراد، وذهب إلى أن كل مشروع لتحسين حالة المجتمع سينتهي إلى كارثة، وقال: إن على المجتمع أن يرفض تقديم الإحسان أو الإعانات إلى الأسر التي تعجز عن تدبير وسائل معيشتها (2).

والمصيبة أن الذي يطرح هذه الأفكار، ويطالب المجتمع بتطبيقها ليس رجلاً علمانياً، ولكنه رجل دين بمرتبة قسيس! رجل دين يبرر سلوك طواغيت الرأسمالية، ويحرم البر والإحسان إلى المنكوبين، ويقول: إن ذلك هو قانون الطبيعة الذي يعبر عن إرادة الله، إن في وسعنا أن نتصور الأثر البالغ والانعكاس الذي تتركه المفارقة العجيبة في ذهن الفرد العادي عن الدين ورجال الدين.

آثار مذهبه:

يقول دوانز: "قوبلت آراء مالتس بترحاب وتحمس، إذ تلقفتها الطبقة المثرية وذوو السلطة في زمنه، فرددوا وراءه القول: بأن الفاقة الاجتماعية وغيرها من المساوئ الاجتماعية يصح إرجاعها الآن إلى أسباب الزواج المبكر وكثرة النسل، وليس لسوء توزيع الثروة في البلاد شأن في ذلك، وبالتالي لا يقع عليهم أي لوم" (3).

ويقول سول: كان مذهب مالتس هذا يخدم مصالح أولئك الذين بالرغم من الأرباح الطائلة التي جنوها بفضل نمو الرأسمالية تعرضوا لهجوم عليهم، بسبب سوء الحال التي كان عليها فريق كبير من العمال والأجراء.

لقد قام مالتس بالدفاع اللازم حين أعلن أن شقاء الإنسان مرده إلى إغفال أحد القوانين الطبيعية (يعني: قانون زيادة السكان)، وإن تجاهل هذا القانون لن يؤدي إلى تحقيق أية منفعة اجتماعية في ظل أي نظام اقتصادي، وأن علاج الشقاء في يد هؤلاء التعساء أنفسهم، وأن الالتزام الوحيد على الطبقات العليا من المجتمع ينحصر في تعريف الناس بالموقف الحقيقي.

إن آراء مالتس هذه هي التي جعلت علم الاقتصاد يعرف باسم العلم القاتم النظرة.

والحق أن تَقَبُّل نظرية مالتس ومثلها نظرية سميث، وأضرابها ليس إلا جزءاً من ظاهرة فكرية أوروبية تستدعي الدهشة والعجب، وتستوجب التعليل والتفسير، وهي ميل الفكر الأوروبي دائماً إلى اعتناق الأفكار الشاذة والنظريات اللاأخلاقية المتطرفة، على الرغم من وفرة الأفكار والنظريات الأقرب إلى الاعتدال والموضوعية.

وهذه الظاهرة رأيناها -في الفصل السابق- في المكيافيللية، ثم هنا، وسنراها في الماركسية، ثم في الفرويدية وكذلك بعض الاتجاهات الأدبية.

 

 


(1) كتب غيرت وجه العالم: (97، 98).
(2) المصدر السابق: (97) والمذاهب الاقتصادية الكبرى: (74).
(3) كتب غيرت وجه العالم: (98).

وهذا -في نظرنا- يعود إلى مرض متأصل في النفسية الجاهلية أكثر من كونه نتيجة طبيعية للأوضاع الفكرية والاجتماعية غير الطبيعية (1).

وعلى أية حال فقد كان لمالتس آثاره في العلوم الاقتصادية والاجتماعية لا يزال بعضها مثار نزاع الباحثين، على أن أقوى أثر لمذهبه - جاء بطريقة عفوية - هو إيحاؤه بقانون الانتقاء الطبيعي الذي بنى عليه داروين مذهبه في تطور الكائنات الحية، وقد طغى هذا الأثر على غيره نظراً للانقلاب الفكري الذي أحدثته نظرية التطور (2).

ومن ناحية أخرى يجزم برتراند رسل بأن ماركس سرق من مالتس نظريته في السكان (3) ويبدو أنه يعني بذلك الشعار الشيوعي المعروف (من لا يعمل لا يأكل) في الوقت الذي تلعن الماركسية فيه مالتس عدو الطبقة الكادحة.

(ج) ريكاردو:

يعد دافيد ريكاردو القطب الثالث من أقطاب الفكر الاقتصادي الكلاسيكي، وكان يهودياً يملك شركة تحمل اسمه جعلته من كبار الأثرياء ولمَّا يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، (4).

وهنا ينبغي أن نقف قليلاً.

إن الربا الذي هو عماد الرأسمالية ولب نظامها ليلازم اليهودي ملازمة الظل لأصله، وقد تكون الكنيسة على حق حينما اعتقدت أن كل المرابين يهود كما سلف قريباً واليهود لا يأكلون الربا ويحتكرون ضروريات الناس بدافع شهوة الذهب - التي يشترك معهم فيها سائر البشر - فحسب، لكنهم يفعلون ذلك باعتباره واجباً دينياً يفرضه عليهم كتابهم المقدس التلمود! ضمن تعاليمه الصارمة تجاه الأميين.

من هذا المنطلق كانوا يتعاطون الربا الفاحش المشروط بأقسى الرهون كما في تاجر البندقية إلا أن دورهم ظل محدوداً حتى قامت الثورتان العلمية والفرنسية مع حركة الإصلاح الديني، وابتدأ العصر الصناعي يمد ظله على القارة الأوروبية، عندئذٍ انتهز اليهود مرحلة التحول الاجتماعي والاقتصادي ليخرجوا من "الجيتو" ويحطموا الكنيسة والإقطاع:

الكنيسة لأنها عدوهم اللدود دينياً وكذلك اقتصادياً بسبب موقفها من الربا، والإقطاع لأن الملاك الإقطاعيين يستأثرون بحظ الأسد من الثروة، لذلك كانوا محط حقد ومقت النفسية اليهودية الشرهة.

كما أن تحطيم المجتمع وتدمير بنيانه خطوة أولى نحو تحقيق هدفهم النهائي (استحمار البشرية) هذا التحول منحهم فرصة القيام بدور المنافس القوي للملاك الإقطاعيين، وذلك أن العهد الصناعي ابتدأ والمال محصور في يد طائفتين اثنتين هما:

الأولى: الملاك الإقطاعيون سواء أكانوا من رجال الكنيسة أم من غيرهم.

والأخرى: المرابون اليهود.

والصناعة تحتاج - بالدرجة الأولى - إلى الثروة لإدارة المشروعات الصناعية وتنميتها ثم يد عاملة لتنفيذها، فأما اليد العاملة فقد كان للمذهب الطبيعي -السابق الذكر- الفضل في توفيرها بتركيزه على حرية العمل بحسبانها حقاً من حقوق الإنسان الطبيعية،

 


(1) المذاهب الاقتصادية الكبرى: (75).
(2) انظر فصل نظرية التطور من الباب الثاني.
(3) العقل والمادة: (301).
(4) انظر موسوعة الهلال الإشتراكية: مادة ريكاردو.

وأما المال فكان على رواد الصناعة أن يستقرضوه من إحدى الطائفتين، وفعلاً مد هؤلاء أيديهم إليها يلتمسون ذلك.

وكانت النتيجة أن أحجم الملاك الإقطاعيون عن إقراض وتمويل المشروعات الصناعية بسبب ظاهر، وهو أنهم بمد يد العون لها إنما يسهمون في هدم مركزهم المالي والمجتمع بإيجاد منافس قوي لهم، إذ أن نمو المصنع سيكون على حساب الأرض، ومن ناحية أخرى كانت الصناعة لا تزال في مهدها، وليس من المؤكد أن يتحقق ما يتوخى منها، وهم ليسوا مستعدين للمغامرة في أمر مشكوك في عواقبه.

أما الفئة الأخرى اليهود فقد اندفعت لتمويل الصناعة، ولم تر في ذلك شيئاً من المخاوف، وليس ذلك تكرماً من عبيد الذهب ولا هو قصر نظر منهم، بل لأنهم كانوا واثقين من النتيجة، فهم - أولاً - يريدون أن ينفثوا حقدهم على المجتمع الإقطاعي الزراعي - الذي يذلهم ويحتقرهم - بتهيئة المناخ لطبقة جديدة تتولى قيادته، وتكون تحت رحمتهم وإشرافهم.

وهم -ثانياً- مطمئنون إلى نتيجة قروضهم، فهي مكفولة بالرهون الثقيلة إلى جانب الأرباح الفاحشة.

هذا مع العلم أن بعض أرباب المصانع كانوا يهوداً بأنفسهم، ومنهم ريكاردو، وهكذا سقطت الصناعة تلقائياً في قبضة الذهب اليهودي، وظل الزمن يزيدها استحكاماً حتى وصلت سيطرتهم الاقتصادية على العالم الصناعي إلى الحال التي لا يجهلها أحد اليوم) (1).

والآن لنعد إلى ريكاردو:

لقد خدم سميث اليهود بنزعه القيمة الاقتصادية الكبرى من الأرض إلى العمل؛ لكن ذلك لم يقض على نفوذ الملاك الزراعيين، فكان الأمر يستدعي نظرية علمية تدفع العجلة إلى الأمام بسرعة أكبر، وكان الناس آنذاك مستعدين لتصديق كل ما هو علمي مبهورين به إلى أبعد حد.

وجاءت هذه النظرية على يد اليهودي ريكاردو:

يرى ريكاردو أن مسئولية التفاوت المجتمع والأزمات الاقتصادية تنصب على ما أسماه الريع، وليس على الربح.

والريع هو المكسب الذي يحصل عليه مالك الأرض، أما الربح فهو مكسب الصناعي الرأسمالي، ويعلل ذلك معتمداً على نظرية سميث في إعطاء القيمة للعمل، بأن الريع ليس ثمناً للعمل ولكنه ناتج عن امتلاك مورد طبيعي للثروة.

وتمشياً مع قانون الأجور الحديدي الذي اقتبسه عن مالتس يرى ريكاردو أنه: حين يتقاضى الملاك أثمامناً أعلى لوسائل العيش فهم لا يستغلون العامل ولكنهم يستغلون صاحب العمل الذي يضطر إلى أداء أجور عالية لعماله، بينما هو لا يستطيع أن يرفع من أثمان منتجاته، لأنها تتحدد في سوق قوامها التنافس.

ويذهب ريكاردو إلى أنه نتيجة لذلك فإن الريع في جوهره عدوان على الربح، وتميل الأرباح في الأجل الطويل إلى الهبوط حتى تصل درجة الصفر، بينما يستولى ملاك الأراضي على الفائض الاقتصادي.

وكانت أولى نظريته أن أقنع الرأسماليون الحكومة الإنجليزية بإلغاء القوانين التي سنتها للغلال، وأفسحت المجال لاستيراد الغلال من الخارج، فهبطت أرباح الملاك الزراعيين وكسدت سوقهم، وفي الوقت نفسه انخفضت تكاليف الصناعة كثيراً، واتخذ الرأسماليون من انخفاض سعر الغلال ذريعة لتخفيض أجور العمال، وبذلك ضربوا عصفورين بحجر واحد، ووطدوا مركزهم على حساب المجتمع، فنتج عن ذلك أزمات خانقة ذهب ضحيتها جموع غفيرة من العاطلين والمعدمين.

ومن ناحية أخرى تمادى ريكاردو فطالب بتأميم الأراضي أو فرض الضرائب الباهظة عليها، ومن هنا سقط في خطأ غير مقصود، إذ أنه نبه الاشتراكيين الأوائل إلى هذه الفكرة مما جعل نتيجتها تكون على عكس رغبة الرأسماليين ورغبة ريكاردو (2).

الأثر العام للمذهب الكلاسيكي:

هرب الطبيعيون من إله الكنيسة والتجئوا إلى (الطبيعة) يلتمسون الحق والعدل في قوانينها الأبدية، وأخيراً اكتشفوا أنهم كانوا يتعلقون بالوهم، إذ أن هذا الإله الأخرس الأعمى يستطيع كلٌ أن يقول باسمه ما يشاء ولا حرج.

وبدأ الكلاسيكيون من حيث انتهى أولئك، وأخذوا ينقبون عن معايير ذاتية مصلحية قالوا أول الأمر: إنها تساير قانون الطبيعة، ثم تنوسيت هذه العبارة، وأصبحت المنفعة المادية ذاتها هي القانون والهدف، وإذا كان لابد من وضع شعار للسياسة الاقتصادية لديهم فهو تحقيق أكبر ربح بأية وسيلة، أي: أنها كانت مكيافيللية اقتصادية بالفعل.

ومنذ ذلك الحين جرد الاقتصاد تجريداً كاملاً واعياً من أي مؤثر أو صبغة دينية بل أخلاقية، ورسمت له دائرة مستقلة تستقي أحكامها ومناهجها النظرية والعملية من مصادر ذاتية خاصة، واختفت من موازين الاقتصاد ومباحثه كل كلمة من كلمات الحق والعدل المجردين فضلاً عن الحلال والحرام، وأصبح الباحثون يختلفون حول قضية من قضايا الاقتصاد، وتتضاد آراؤهم نفياً وإثباتاً في حدود الدائرة الاقتصادية المحصورة، ولو فرض أن أحداً دعم رأيه بأن هذا التصرف أو ذاك يحرمه الدين، فإن موجة من السخرية والاستهجان ستغمره، وسيجد نفسه في موقف رجعي للغاية، ذلك أن الجاهلية الغربية قد اقتنعت تماماً بأن الدين -إن كان- شئ شخصي لا علاقة له بشئون الحياة إطلاقاً.

وهنا نلتمس الحقيقة الواحدة المتكررة، وهي أن الجاهلية الأوروبية ترفض رفضاً باتاً أن تتلقى عن الله أي شرع، وتصر على عبادة طواغيتها المتألهين مهما أذاقوها من ألوان النكال.

وتلك هي بداية الانحراف وأساسه، وما لم تقتنع أوروبا بتعديل موقفها هذا، فإن التباحث معها في الفرعيات والجزئيات عبث لا طائل تحته.

وعلى أية حال فإن المذهب الكلاسيكي بتبنيه لشعار: تحقيق أكبر ربح بأية وسيلة قد أنتج مشكلتين خطرتين للغاية:

1 - قيام اقتصاد عالمي يجعل الربا والاحتكار اللذين حرمتهما الشرائع قاطبة عموده الفقري وموضوعه الرئيسي، مما ينذر بكارثة محققة على البشرية، وقد ظهرت -فعلاً- أعراض الكارثة وعواقبها الوخيمة جلية فيما بعد عندما قبض المرابون على ناصية الدول، وسخروا سياساتها وخططها لخدمة مآربهم الخاصة.

2 - وضع الشعوب التي طبق عليها المذهب على حافة هاوية من الجوع والبطالة والأزمات الخانقة في عصر لم يكن للفقراء فيه أي تنظيم أو مقدرة على الضغط للمطالبة بحقوقهم، وهذه في الواقع مشكلة نشأت نتيجة حتمية للمشكلة الأولى.

ولنضرب مثالاً لذلك بالدولتين الغنيتين في القرن الماضي إنجلترا وأمريكا: ففي إنجلترا -أسبق الدول إلى الثورة الصناعية- وصل عامة الناس والعمال منهم خاصة إلى درجة من البؤس والفاقة والتسخير لا تكاد تصدق.

 

 


(1) ما بين القوسين مقتبس من محاضرة شفوية للأستاذ محمد قطب ألقاها ضمن برنامج السنة المنهجية لعام (1396 - 97هـ) مع اختصار وتصرف، وتجدر الإشارة إلى أن البروتوكولات اعترفت بذلك في مواضع كثيرة.

(2) انظر موسوعة الهلال الاشتراكية مادة: ريكاردو.

كان النساء والأطفال يعملون في مناجم الفحم، ويجرون العربات في دهاليز ضيقة تحت الأرض مدة (16) ساعة يومياً نظير أجور زهيدة، وكذلك كانت معامل النسيج والمصانع الأخرى تسخرهم بالعمل المرهق في أماكن غير صحية ولا تعطيهم إلا الكفاف من الرزق (1) وكل البحوث التي تناولت موضوع الثورة الصناعية كشفت هذه الحقيقة، بل إن أثرها ليبدو في الأدب الإنجليزي، إذ نجد ديكنز كبير الروائيين الإنجليز يتعرض لحال الملاجئ والفقراء في رواية أوليفر تويست، ويجعل موضوع روايته الأخرى أوقات عصيبة هو مشكلة النزاع بين أصحاب المصانع والعمال والأضرار الاجتماعية الناجمة عن الثورة الصناعية (2).

فإذا انتقلنا إلى أمريكا رأينا أيضاً حالة مزرية تحدث عنها أحد من يسمون المصلحين قائلاً: "إننا جميعاً في الشمال والجنوب نعمل في تجارة الرقيق الأبيض، وبقدر نجاح الشخص فيها يزداد احترامه، وهذه التجارة أشد قسوة من تجارة الرقيق الأسود؛ لأنها تفرض مزيداً من العمل على عبيدها، في الوقت الذي لا تحميهم فيه ولا تسوسهم برفق تفاخر بأنها تفرض المزيد.

نعم إنه (العامل) بعد انتهاء عمل اليوم يصبح حراً إلا أنه


(1) انظر تاريخ العالم-هاملتون، (ج:5)، فصل: قضية المرآة وتطورها عبر التاريخ.
(2) انظر سلسلة تراث الإنسانية: (2/ 587) والأولى ترجمها منير البعلبكي إلى العربية.

يظل يرزح تحت عبء العناية بعائلته وبيته مما يجعل حريته سخرية جوفاء باطلة، في حين يبقى رب العمل حراً -بالفعل- ويستطيع أن يتمتع بالأرباح التي جناها من عمل الآخرين دون اهتمام بمصلحتهم ورفاههم، ولا عجب من أن يفضل الناس العبودية البيضاء -أي عبودية رأس المال- على عبودية الزنوج، طالما أنها تدر ربحاً أكثر وتحررهم من جميع المسئوليات والأعمال التي يقوم بها مالكو العبيد الزنوج (1).

وهكذا دفعت الجاهلية الغربية الثمن غالياً، وانتقلت إلى عبادة طاغوت جديد لا يقل بشاعة وإذلالاً عن طاغوت الإقطاع.

واقتضت سنة الله ألا تدوم فرحة الرأسماليين طويلاً، فقد كانت تصرفاتهم الجشعة، واستغلالهم الشره تضرم الحقد في القلوب، وتؤجج نار العداوة ضدهم، وانبعثت الشرارة الأولى على يد المفكرين الجماعيين، وبلغت ذروتها في الضغينة الماركسية.

3 - المذهب الاقتصادي الشيوعي:

مقدمة عن مصادر الفكر الشيوعي:

في مقابل التطرف الذي اتخذه الطبيعيون والرأسماليون الكلاسيكيون نحو الفردية، تطرف طائفة أخرى، فاتجهت اتجاهاً جماعياً لا يقيم للفرد وزناً إلا من جهة كونه مسماراً في الآلة الاجتماعية.

والتاريخ يروي أن الفكر الجماعي قديم في أصله، وأن عصر التنوير ينحصر جهده في بعثه من جديد، كما أن الشيوعية قد طبقت عملياً قبل ماركس وإنجلز بقرون طويلة، فنحن نجد أن جمهورية أفلاطون تشكل نظرية عن أمة تسودها روح جماعية خالصة، يذوب


(1) من كلام جورج فيتزهيو: (1881) في تطور المجتمع الأمريكي: (112) فما بعدها.

فيها الفرد داخل كيان المجموع، كما نرى في الحركة المزدكية (1) نموذجاً لمجتمع شيوعي تطبيقي.

والحق أن الجاهلية -كعادتها الدائمة في التذبذب والتطرف- قد عانت ولا تزال مشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع، ولم تهتد إلى حل وسط لها، وأنى لها ذلك؟! ففي أوروبا الحديثة كان الواقع الذي نجم عن تطبيق المذهب الفردي الحر دافعاً لبعض ذوي النوايا الحسنة إلى فكرة تنظيم المجتمع على أساس من عدالة التوزيع سميت لأول مرة: الاشتراكية.

وترجع نسبة هذه الفكرة إلى عدد من الباحثين وأبرزهم روبرت أوين وسان سيمون وفورييه، وهم طليعة المفكرين الاشتراكيين في الغرب، والشيوعية تسمى اشتراكيتهم الاشتراكية الطوبوية لأنها تميل إلى الخيال، أما اشتراكية (ماركس) فهي الاشتراكية العلمية الوحيدة في التاريخ.

ومع ذلك فالشيوعية الماركسية تدين لهم بالفضل، وتقر بأثرهم عليها، يقول أنجلز: "إن الاشتراكية النظرية لن تنسى قط أنها قامت على أكتاف سان سيمون وفورييه وأوين، ثلاثة رجال رغم كل مفاهيم الخيالية وكل طوبياتهم يقفون بين أعظم المفكرين في كل العصور، والذي تنبأت عبقريتهم بالكثير مما نثبت نحن صحته علمياً" (2). وذلك هو المصدر الأول من مصادر الفكر الشيوعي.

والمصدر الثاني هو "الفلسفة المثالية الألمانية" التي أخذت عنها الشيوعية الكثير، لا سيما المبدأ الرئيسي الجدلية الذي ميز المادية الشيوعية عن الماديات الأخرى، يقول إنجلز:


(1) المزدكية: فكرة شيوعية نشأت في بلاد فارس قبل الإسلام انظر الملل والنحل، وغيره.
(2) حرب الفلاحين في ألمانيا: (22).

إن الاشتراكية العلمية الألمانية - وهي الاشتراكية العلمية الوحيدة - التي وجدت على الإطلاق، ما كان يمكن أن توجد دون الفلسفة الألمانية التي سبقتها، وخاصة فلسفة هيجل " (1).

أما المصدر الثالث - وهو المصدر الذي حول الشيوعية من فكرة فلسفية محضة إلى نظرية مصطبغة بالصبغة العلمية - فهو نظرية داروين.

فعندما قال ماركس: إن الظواهر الاقتصادية يمكن ملاحظتها، وتسجيلها بنفس الدقة التي تسجل بها العلوم الطبيعية فإنما كان يشير إلى هذه الحقيقة.

وذلك ما أوضحه إنجلز بقوله: كما إن داروين اكتشف قانون التطور في تاريخ الإنسان الطبيعي، فكذلك اكتشف ماركس قانون التطور في تاريخ البشرية.

ويعلق داونز على ذلك قائلاً: "كانت الطريقة العلمية التي أشار إليها ماركس في أبحاثه عاملاً في تقبل الجمهور لآرائه، إذ كانت تسيطر على أذهان الناس نظرية التطور في القرن التاسع عشر بدرجة اعتقدوا معها إمكان تطبيقها على كل مظاهر الحياة، فلما ربط ماركس نظريته التاريخية في تنازع البقاء بين الطبقات وبين نظريات داروين في التطور، ضمن لها الاحترام العلمي الذي أبعدها عن الطعن والتشكك" (2).


(1) المصدر السابق: (12 - 22).
(2) هو والنصان قبله: كتب غيرت وجه العالم: (154 - 155) وانظر: الطبقة الجديدة (20 - 172) ومما يلاحظ أنه رغم اقتباس فلاسفة الشيوعية المستفيض عن داروين فهم لا يشيرون إلى ذلك كثيراً، بينما هم يشيدون بكتاب موريس مورجان "المجتمع القديم" ويعدونه حجة للنظرية مع أن هذا الكتاب لا يعدو أن يكون تطبيقاً للداروينية. ولعل سبب ذلك ليس الرغبة في تنويع المصادر بقدر ما هو الأنفة من مشاركة الرأسمالية في مصدر واحد.

وهكذا يظهر أن المذهب الشيوعي تصور شامل للوجود وحركة التاريخ، ملفق من أشتات فكرية منوعة:

فالإطار الفلسفي مأخوذ عن الهيجلية بعد قلبها رأساً على عقب.

والمنهج التطبيقي منقول عن الداروينية مع إضافة إيحاءات فلسفية خاصة، ونظرية القيمة وفكرة التأميم منقولتان عن ريكاردو، كما أنها استوحت من سان سيمون ومالتس بعض النظريات المتعلقة بالملكية والعمل، أما الإلحاد فمأخوذ من فيورباخ ودولباخ والماديين الميكانيكيين عموماً.

والغريب حقاً هو أن الشيوعية تلعن هؤلاء جميعاً - كما قال رسل - وتتبرأ من أفكارهم الرجعية البورجوازية (1).

والحق أن هناك مصدراً مهماً للشيوعية قل من يشير إليه، وهو التراث اليهودي والنفسية اليهودية ذاتها، وهو ما يتجلى في العبودية الخانعة للمال والتأليه الأحمق للمادة، وكذلك في الحقد المضطرم على البشرية وكل قيمها وتراثها ومقدساتها (2).

ومما يجدر التنبيه إليه أن الشيوعية - فكرة وحركة - لم تكن لتحظى بالقبول مع تطرفها إزاء الأديان والخلق ومصادمتها للفطرة، لولا الجو الأوروبي المشحون بالضيق والتبرم من الكنيسة والطائفة الكهنوتية العليا، تلك التي أضافت إلى الطغيان والتحكم وقوفاً مستمراً مع الاستغلاليين والمحتكرين ضد البائسين، ومع الخرافات والأساطير ضد العلم والرقي المادي، واستطاعت الشيوعية استغلال الغضبة الهائجة والنفاذ إلى عقول السذج، فوجهت العداوة العارمة على الكنيسة إلى ثورة هوجاء على الدين ذاته.

إن دراسة الاقتصاد الشيوعي بمعزل عن الفلسفة الشيوعية في إطارها العام ليس إخلالاً بالموضوعية العملية فحسب، بل هو ضرب من إضاعة الجهد فيما لا طائل تحته، لا سيما إذا كان الهدف من الدراسة إيضاح نوع علاقة هذا الاقتصاد بالدين.

والواقع أن مؤلفات الإلحاد الشيوعي هي كتب اقتصادية شيوعية، كما أن الكتب الاقتصادية الشيوعية هي كتب إلحاد بالدرجة الأولى، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، ولذلك كان لابد من عرض المذهب الاقتصادي للشيوعية ممزوجاً بفلسفتها العامة.

وتبدأ نظرة الشيوعية إلى الدين في التميز عن سواها من أول نقطة على الطريق من الإلحاد ذاته، فالشيوعية تصر على أن لها إلحادها الخاص، وهو في نظرها إلحاد إيجابي يقول غارودي: "أما الإلحاد الماركسي فهو في جوهره إنسي (أي إنساني النزعة)، منطلقه ليس رفضاً، بل هو تأكيد استقلال الإنسان، أما نتيجته فهي رفض كل محاولة لحرمان الإنسان من قدرته المبدعة والمبدعة لذاتهاً".


(1) انظر مثلاً نصوص من إنجلز: (143).
(2) انظر حول نفسية ماركس: الشيوعية والإنسانية للعقاد، فصل: المؤسس.

 

ثم يقول في تفصيل ذلك: "إن ما يميز الإلحاد الماركسي البحت هو أنه على خلاف سابقيه، لم يكتف باعتبار الدين خديعة فحسب اصطنعها المستبدون، أو مجرد وهم ولده الجهل، بل إن ماركس وإنجلز قد بحثا عن الحاجات الإنسانية التي تلبيها الأديان بهذه الصورة المخادعة، فوصلا -كما يقول ماركس- إلى أن الأديان هي في وقت واحد: انعكاس لشقاء فعلي واحتجاج على هذا الشقاء.

هذه الحقيقة التاريخية (أن الدين انعكاس لشقاء فعلي) هي التي يلخصها ماركس في تعبير مقتضب "الدين أفيون الشعوب" (1)

وجرياً مع المادية الجدلية وتطبيقاً للتفسير الاقتصادي للتاريخ حول علاقة الفكر بالوجود ترى الشيوعية أن الفكر البشري انعكاس للواقع المادي، فالمادة هي الأساس الوحيد وعنها ينبثق الفكر وتنبثق المشاعر والأحاسيس، ومن هذه المشاعر الدين نفسه.

أي أن وجود الناس هو الذي يحدد مشاعرهم وليس العكس.

وعند تفسير الدين على هذا الأساس يقول إنجلز: "من الأزمنة الموغلة في القدم إذ وصل الفكر بالناس وهم بعد في جهل تام ببنياتهم الجسدية الخاصة وتحت تأثير أحلامهم - إلى القول بأن أفكارهم وأحاسيسهم ليست من فعل أجسادهم ذاتها، بل من فعل روح خاصة تسكن هذا الجسد وتفارقه لحظة الموت، منذ ذلك الحين اضطروا لأن يصطنعوا لأنفسهم أفكاراً عن علاقات هذه الروح مع العالم الخارجي.

وعلى هذا النحو تماماً - عن طريق تشخيص القوى الطبيعية - ولدت الآلهة الأولى التي اتخذت خلال التطور اللاحق شكلاً غير


(1) ماركسية القرن العشرين: مقتطفات: (144 - 146).

أرضي أكثر فأكثر، إلى أن حدث أخيراً عملية تجريد ... فنشأ على نحو طبيعي خلال التطور العقلي، أن تولدت في عقل الناس -من الآلهة المتعددين ذوي السلطة الضعيفة والمقيدة بعضهم حيال بعض- فكرة الإله الواحد المنفرد في الديانات التوحيدية" (1).

ومع ذلك يستنتج إنجلز أن المطالب الجسدية هي منشأ الاعتقادات الفكرية، وأن الدين ما هو إلا الانعكاس الخيالي للأشياء البشرية في دماغ الإنسان، (2) وما دام أن الوضع الاقتصادي هو الذي يفسر ويحدد المطالب الجسدية فإن النتيجة هي أن الدين ناشئ عن الأوضاع الاقتصادية، ولا ينبغي أن يفسر إلا على ذلك: "أما المجالات الأيدلوجية التي تحوم أعلى في الفضاء كالدين والفلسفة ... إلخ فإنها مؤلفة من بقية تعود إلى ما قبل التاريخ وقد وجدها العهد التاريخي أمامه فالتقطها لما قد نسميه اليوم غباءً.

إن هذه التصورات المختلفة الخاطئة عن الطبيعة وعن تكون الإنسان ذاته، وعن الأرواح وعن القوى السحرية وهلم جرا، ليس لها في الأغلب غير أساس اقتصادي سلبي، فالتطور الاقتصادي الضعيف لعهد ما قبل التاريخ تكون فيه ... تصورات خاطئة عن الطبيعة" (3).

إذن فالاقتصاد - أو البحث عن الطعام والشراب - هو منبع كل عقيدة وتصور وأساس كل مبدأ وقيمة؛ بل إن الشيوعية لتطبق ذلك على كل معنى وسلوك إنساني: على العلم والحرب .. على


(1) نصوص من أنجلز: (61).
(2) المصدر السابق: (133).
(3) نفس المصدر السابق: (187).

المشاعر والفنون .. على العلاقات المجتمعة .. على كل شئ، فالعلم -مثلاً- ليس أصله الرغبة الفطرية في اكتشاف الحقيقة، فليس في قاموس الشيوعية شيء اسمه الفطرة، ولكنه كما قال إنجلز: "إذا كانت العلوم قد نهضت فجأة بعد ليل القرون الوسطى المظلم بقوة لا ريب فيها، ونمت بسرعة المعجزة، فإننا مدينون بهذه المعجزة الجديدة للإنتاج" (1).

وعن الحروب تقول الشيوعية: "إن ما يسمى بالحروب الدينية ... كانت تتضمن مصالح طبقية مادية إيجابية، فقد كانت هذه الحروب حروباً طبقية تماماً .. ورغم أن الصراعات الطبقية كانت عندئذٍ مغلفة بشعارات دينية، ورغم أن مصالح وحاجات ومطالب مختلف الطبقات كانت مختفية خلف ستار ديني فلم يبدل هذا شيئاً من الأمر، ويمكن تفسيره ببساطة من واقع ظروف تلك الأيام" (2).

وتقول عن الأخلاق: "إن الناس عن وعي أو لا وعي يستمدون مفاهيمهم الأخلاقية - في التحليل الأخير - من العلاقات العملية التي يقوم عليها وضعهم الطبقي، أي من العلاقات الاقتصادية التي ينتجون بها ويتبادلون فيها" (3).

وليس أغرب من هذه الأفكار إلا قول إنجلز: إن العمل هو الذي خلق الإنسان، وليس الإله كما يقول الرجعيون من البورجوازيين والإقطاعيين، وحتى لا نحسن الظن فنحمل كلامه على المجاز، فقد


(1) نفس المصدر السابق: (187).
(2) حرب الفلاحين في ألمانيا: (46).
(3) نصوص من أنجلز: (159).

شرح هذه العبارة شرحاً وافياً - نرى فيه إلى جانب الاستنباط العجيب الاستمداد الساذج من الداروينية - يقول: "منذ مئات عدة من ألوف السنين ... كان يعيش في مكان ما من الدائرة الاستوائية ... عرق من القردة الشبيهة بالبشر بلغت تطوراً رفيعاً بوجه خاص، وقد أعطانا داروين وصفاً تقريباً لهذه القردة التي قد تكون أسلافنا.

وقد أخذت هذه القردة متأثرة بالدرجة الأولى دون شك بنمط معيشتها الذي يتطلب أن تنجز الأيدي من أجل التسلق غير وظائف الأرجل- أخذت تفقد عادة الاستعانة بأيديها من أجل السير على الأرض، واتخذت أكثر فأكثر مشية عمودية، وهكذا تم اجتياز الخطوة الحاسمة لانتقال القرد إلى إنسان" (1).

وإذا كان الاقتصاد بهذه المثابة، فلماذا اعتقد الناس أن شيئاً آخر غيره هو الذي يسير التاريخ وينشئ الأفكار؟ وكيف غابت هذه الحقيقة عنهم حتى أظهرها فلاسفة الشيوعية؟ يجيب الشيوعيون عن ذلك بسهولة قائلين: لا غرابة في ذلك فإن الإنسان أصله قرد، وظل يجهل هذه الحقيقة ظاناً أن العناية الإلهية هي التي خلقته حتى عرف ذلك أخيراً.

ويعبر إنجلز عن ذلك قائلاً: "ينسى الناس أن الظروف الاقتصادية لحياتهم هي منشأ الحقوق التي لديهم، مثلما أنهم نسوا أنهم قد نسلوا من عالم الحيوان" (2).

وانطلاقاً من تأليه الاقتصاد على هذا النحو، وانطلاقاً من اعتبار تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام، ومن الانتكاس بالإنسان


(1) المصدر السابق: (160).
(2) نفس المصدر السابق: (162).

وجعل معدته هي العليا وروحه وعقله السفلي - جاء التفسير الاقتصادي للتاريخ، وهو تفسير يقوم على مبادئ نظرية أهمها:

1 - حتمية الصراع بين المتناقضات: وذلك يعني بالنسبة للمجتمع البشري الصراع بين الطبقات، وبين المصالح المادية المتعارضة، وهو صراع حامٍ لا يهدأ على الإطلاق، وسببه الوحيد البحث عن الطعام وامتلاك وسائل الإنتاج، وقد آمن فلاسفة الشيوعية بحتمية الصراع هذه تطبيقاً للفلسفة الجدلية المثالية لهيجل على الواقع المادي.

وملخص هذه الفلسفة أن كل شيء يحمل معه نقيضه المضاد له، وبالصراع بين النقيضين يتولد جامع بينهما أقوى منهما، ثم لا يلبث هذا الجامع أن يدخل -بعد أن يصبح قوة ثالثة- في صراع مع نقيضه الذي يحمله معه، وهكذا دواليك.

2 - في أثناء البحث عن الطعام: على مدار التاريخ، انقسم تاريخ البشرية خمس مراحل كبرى اقتبستها الشيوعية من موريس مورجان وهي:

1 - الشيوعية الأولى البدائية.

2 - الرق (العبودية).

3 - الإقطاع.

4 - الرأسمالية.

5 - الشيوعية الثانية والأخيرة (1).


(1) انظر: تطور المجتمع عبر التاريخ سيغال.

3 - الانتقال من مرحلة إلى أخرى سببه الدائم اكتشاف مادي، نشأ عن تحول جديد في وسائل الإنتاج؛ فاكتشاف الزراعة -مثلاً- نقل البشرية من المرحلة الأولى إلى مرحلة الرق، واكتشاف المحراث نقل المجتمع البشري من الرق إلى الإقطاع، واكتشاف الآلة كان الناقل من الإقطاع إلى الرأسمالية.

4 - الانتقال من مرحلة إلى مرحلة حتمي لا إرادة لإنسان فيه: إن المبادئ الثلاثة السابقة نظرية بحتة، أما هذا المبدأ وما بعده فتطبيقية، ومن هنا كان اهتمام الشيوعية بهما ودفاعها عنهما.

وهذا المبدأ (الحتمية) شرحه إنجلز في كتاب لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، (1).

وذكر كيف أن الشيوعية تعمدت معاكسة هيجل في دعوى أن أفكار الناس هي التي تنشئ واقعهم -أي: أن الإرادة البشرية هي التي تغير الواقع الحيوي- وأوضح إنجلز أن سبب القطيعة بينهم وبين هيجل والمثاليين هي ما أسماه الثلاثة الاكتشافات عن الطبيعة:

1 - اكتشاف الخلية كوحدة تتطور بدءاً منها العضوية النباتية والحيوانية كلها عن طريق التكاثر والتباين.

2 - اكتشاف تحول الطاقة، الذي بين لنا أن كل ما يسمى بالقوى الفاعلة بالدرجة الأولى في الطبيعة غير العضوية، إنما هي جميعاً تجليات مختلفة للحركة


(1) لودفيغ فيورباخ: مادي ألماني معارض لهيجل وماركس، لكن الماركسية بنت فلسفتها على كتبه، انظر كتاب: مبادئ فلسفة المستقبل ترجمة إلياس مرقص.

الشاملة المتنقلة من الواحدة إلى الأخرى وفق بعض النسب الكمية.

3 - البرهنة الإجمالية التي تحققت للمرة الأولى على يد داروين، والقائلة: إن جميع العضويات الطبيعية المحيطة بنا الآن -ومنها الناس- إنما هي نتاج عملية تطور طويلة (1).

وواضح أن الجبرية الشيوعية منقولة بحذافيرها عن الداروينية كما أسلفنا فالإنسان -في الداروينية- خضع دون وعي منه ولا إرادة لعملية التطور البطيئة الطويلة التي قذفت به إلى وضعه الراهن دون أن يكون له يد في ذلك (2).

5 - الانتقال من مرحلة إلى مرحلة يصحبه تغير حتمي في الأفكار والمعتقدات والسلوك:

هذا المبدأ من أخطر المبادئ الفلسفية الشيوعية، وهو مبني أساساً على فكرة التطور المطلق التي أوحت بها الداروينية كما سبق، وتطبيقاً لهذا المبدأ ترى الشيوعية أن لكل طور تاريخي دينه وأخلاقه وتقاليده وعلاقاته المنبثقة من وضعه الاقتصادي، فإذا ما انتقل إلى طور آخر تغير كل ذلك تغيراً حتمياً تبعاً لتغير الطور الاقتصادي (3).

يقول إنجلز: "منذ اللحظة التي تطورت فيها الملكية الخاصة للأشياء المنقولة


(1) نصوص من إنجلز: (82 - 83).
(2) راجع الباب الثاني: فصل نظرية التطور: آثار الداروينية (ص:197).
(3) انظر فصل علمانية الاجتماع والأخلاق الآتي (ص:384) فصاعداً.

كان لابد لجميع المجتمعات التي تسود فيها هذه الملكية الخاصة أن يكون فيها هذه الوصية الأخلاقية المشتركة: لا تسرق! فهل يعني أن تصبح هذه الوصية وصية أخلاقية سرمدية؟ كلا، أبداً، ففي مجتمع أزيلت منه دوافع السرقة حيث السرقات، وبالتالي لا يمكن أن يرتكبها مع مرور الزمن غير مجانين، كم سيضحك الناس من الواعظ الأخلاقي الذي يود أن يعلن على رءوس الأشهاد الحقيقة السرمدية: لا تسرق".

ولهذا فإننا نرفض بكل اطمئنان بأن تفرض علينا أية عقائدية أخلاقية كقانون سرمدي نهائي لا يتزعزع بعد اليوم؛ بذريعة أن لعالم الأخلاق هو أيضاً مبادئه الدائمة التي هي فوق التاريخ والفوارق القومية.

فنحن نؤكد -بالعكس- أن كل نظرية في الأخلاق حتى اليوم إنما كانت في التحليل الأخير نتاج الوضع الاقتصادي للمجتمع في أيامها، كما أن المجتمع قد تطور -حتى اليوم- ضمن تعارضات طبقية فقد كانت الأخلاق على الدوام أخلاقاً طبقية: إما أنها كانت تبرر سيطرة ومصالح الطبقة السائدة، وإما أنها كانت منذ أن تصبح الطبقة المضطهدة على جانب من القوة، تمثل الثورة على هذه السيطرة ومصالح المستقبل للمضطهدين (1).


(1) نصوص من إنجلز: (160).

ويقول ماركس:

(ترتبط العلاقات الاجتماعية وتتعلق بالقوى الإنتاجية ولدى تحقيقنا لقوى إنتاجية جديدة يغير الناس نوع الإنتاج، وعند تغييرهم لنوع إنتاجهم، وعند تغيير طريقة كسبهم لمعيشتهم؛ فإنهم يغيرون كل العلاقات الاجتماعية (1).

وبناء على ذلك يعتقد الشيوعيون أن هناك أخلاقاً وتقاليد زراعية إقطاعية، وأخرى برجوازية، وثالثة شيوعية، تختلف كل منها عن الأخرى، وأن الدين وليد البيئة الزراعية وجزء من غيبيتها، كما أن الإلحاد هو سمة البيئة الصناعية وعقيدتها، ومثل الدين الأسرة والعرض بصفة خاصة، وليس أكثر رجعية من إنسان يعيش في المجتمع الصناعي بدين وأخلاق المجتمع الزراعي، فمثل هذا الإنسان جدير بأن تلصق به الشيوعية أقذع النعوت وأمَر الهجاء، بل ستسحقه الحتمية القاهرة).

هذا على الصعيد الفلسفي، أما على الصعيد التطبيقي، فإن الشيوعية تحصر الشرور كلها - منذ بدء الخليقة إلى الآن - في علة واحدة هي الملكية الفردية، ولذلك فإنهم يؤمنون إيماناً أعمى بأن القضاء على الملكية الفردية، وقبض الدولة على وسائل الإنتاج كفيل بتحقيق الجنة الأرضية، وإزالة كل الشرور والمساوئ التي يعج بها التاريخ، ولا تستثني الشيوعية من ذلك شيئاً حتى المرأة فإن الشيوعية الجنسية والإباحية المطلقة هدف صريح من أهداف الثورات الشيوعية في كل مكان، فالزواج ينتج الأسرة، والأسرة في نظرهم أعدى أعداء المجتمع اللاطبقي، لأنها تحتم على المرء أن يتملك ويدخر، والملكية الفردية تقليد إقطاعي استغلالي، إن لم يتم القضاء عليه انتكس المجتمع إلى طور تاريخي أدنى!

خاتمة حول وضع الدين في المجتمع الشيوعي:

أصبح جلياً بعد العرض الموجز للمذهب الشيوعي أن نعرف موقف الشيوعية من الدين بوضوح:

فهي مبدأ ينكر - دون تحفظ - أن يكون لهذا الكون إله، وعبارة (لا إله والحياة مادة) ليست شعاراً مجرداً، بل مادة دستورية في قانون الاتحاد السوفيتي.

والدين في نظرها أوهام وخيالات انعكست عن الوضع الاقتصادي، أو وضعها المحتكرون من الطبقات العليا ليخدروا الكادحين المنكوبين، فيستأثروا بكل شئ في الدنيا، ويعدوهم بالعوض في الآخرة، ومن هنا وجبت عليهم محاربته والنضال في سبيل القضاء عليه لتحرير المجتمع من الاستغلال والتحكم الطبقي!

ثم هو فوق ذلك ليس أمراً فطرياً في الإنسان منذ وجد وإلى أن تنتهي الدنيا، بل هو أمر عرضي في التاريخ جاء لتلبية رغبة فئة من الناس في مرحلة من مراحل التطور التاريخي للبشرية، وهي مرحلة جاوزتها البشرية ابتداءً من اكتشاف الآلة، فمحاولة التمسك به بعد ذلك انتكاس وعبث يثير الازدراء والاشمئزاز.

أما الأسرة والزواج والأخلاق والفضيلة ... فهي كلها هراء برجوازي! كما أن الحق والعدل الأبديين كلام فارغ، ولا وجود لشيء من ذلك إلا في مخيلة المثاليين وأوهامهم.

والدول الشيوعية تتبنى رسمياً محاربة الدين، وتدرس الإلحاد والمادية كما يدرس المؤمنون دينهم، وتبذل كل وسائل التنفير الدعائي والاضطهاد المباشر لاستئصال جذور الدين من مجتمعاتها، واجتثاث ما بقى لديها من رواسب الخلق والفضيلة.

ويرى الشيوعيون أن الإنسان الذي يسهم في هدم الأوهام الإقطاعية، ويبث الوعي الإلحادي في صفوف الطبقة الكادحة هو إنسان مناضل شريف، يعمل لتطوير بلاده وتنوير شعبها، وعلى العكس من ذلك أي داعية أخلاقي أو مصلح اجتماعي فهو حجر عثرة في سبيل الرقي وأداة للإمبريالية العالمية، وعميل للبرجوازيين والرجعيين، بل إن كل من يخالف سياسة الحزب الشيوعي ولو مخالفة سلبية بطريقة الصمت هو عدو للطبقة الكادحة وعميل للقوى الاستغلالية؛ فإذا شم من صمته رائحة الإيمان بدين ما فقد عرض نفسه لعقوبة أدناها العمل سخرة في المعسكرات التأديبية مدة كافية لإذابة كل الأفكار الرجعية من دماغه.

والنظرية الشيوعية دين رسمي متعصب لا يقبل الجدل ولا يسمح بالمنافسة، وكل شئ في الدولة الشيوعية لابد أن ينبثق من العقيدة الماركسية ويتمشى معها، فالعلم يجب تسخيره لتثبيت الفكر المادي والمناداة بأزلية الكون ومادية الحياة، والأدب والفن لابد أن يلتزما بما سمي الواقعية الاشتراكية، ووسائل الإعلام شغلها الشاغل تمجيد النظرية وإطراء النظام والإطناب في شرح إنجازات الثورة والتشهير بمخالفيها.

وهكذا في كل شئ تريد الشيوعية أن تفرض نفسها عقيدة ونظام حياة ومصدر تشريع وأساس علم وفكر وفن وأدب، فهي فكرة جاهلية متكاملة تقابل تماماً الدين بمفهومه الحقيقي الشامل، وتريد أن تحل محل العقيدة الدينية في مجالات الحياة ونشاطاتها.

 


(1) بؤس الفلسفة: (112).

  • الاثنين AM 06:39
    2022-07-04
  • 1084
Powered by: GateGold