المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 405305
يتصفح الموقع حاليا : 170

البحث

البحث

عرض المادة

الواقع المعاصر للجاهلية الحديثة

كفرت أوروبا بالله وعبدت المادة، وألقت بالزهد المسيحي، وامنت بالشره اليهودي، ورفضت أن تخضع نظمها الاقتصادية لله في أية صورة من الصور، ورضيت بعبادة فلاسفة الاقتصاد، والحكم بماتمليه أهواؤهم، فكان لزاماً عليها أن تدفع ضريبة ذلك من أمنها وطمأنينتها، وأن تنتكس إلى مستوى الحياة البهيمية، وأن يذيقها جلادوها أقسى أنواع النكال وأفظع صنوف التعذيب.

وما الأمراض المجتمعة المزمنة، والتهالك الأحمق على المادة، والضياع المرعب، والقلق الذي يخيم على الوجوه، إلا أعراض طبيعية لعبادة غير الله والحكم بغير ما أنزل الله؛ لا سيما عبادة المادة وطواغيتها، حيث نسي الإنسان وأظلم قلبه وتبلد إحساسه لحساب المعدة والجسد، وغرق في المتاع الحسي حتى غفل عن حكمة خلقه وسر وجوده ومصيره المحتوم في الدار الآخرة.

يقول الأستاذ محمد أسد: "إن الأوروبي العادي سواء عليه أكان ديمقراطياً أم فاشياً رأسمالياً أم بلشفياً صانعاً أم مفكراً يعرف ديناً إيجابياً واحداً هو التعبد للرقي المادي، أي الاعتقاد بأن ليس في الحياة هدف آخر سوى جعل هذه الحياة نفسها أيسر فأيسر أو كما يقول التعبير الدارج: طليقة من ظلم الطبيعة، إن هياكل هذه الديانة إنما هي المصانع العظيمة ودور السينما والمختبرات الكيماوية وباحات الرقص وأماكن توليد الكهرباء، وأمَّا كهنة هذه الديانة فهم الصيارفة والمهندسون وكواكب السينما وقادة الصناعات وأبطال الطيران، وإن النتيجة التي لا مفر منها في هذه الحال هي الكدح لبلوغ القوة والمسرة، وذلك بخلق جماعات متخاصمة مدججة بالسلاح ومصممة على أن يفني بعضها بعضاً حينما تتصادم مصالحها المتقابلة".

أما على الجانب الثقافي، فنتيجة ذلك خلق نوع بشري تنحصر فلسسفته الأخلاقية في مسائل الفائدة العملية، ويكون أسمى فارق لديه بين الخير والشر إنما هو التقدم المادي (1).

1 - في الغرب الرأسمالي:

إن كثيراً من المفكرين في الغرب قد راعهم التناحر المادي وسيطرة الآلة على الإنسان، وكان ذلك موضوع جزع شديد عند بعض الأكابر من رجال الفكر، فجورج برنانوس مثلاً يرى في طغيان ذلك العملاق الميكانيكي الرهيب مؤامرة كونية كبرى على كل حياة داخلية، ثم هذا جول رومان يهوله التباين الشاسع بين ارتفاع منحنى التكنيك، وانخفاض منحنى المؤسسات الاجتماعية مع بقاء الطبيعة البشرية دون هذا وذاك ثابتة على خط بياني واحد، فيبقى واجماً مكفهر الوجه، منقبض النفس أمام معضلة المنحنيات الثلاثة، وآلبر كامو يتحيف به اليأس عندما يدرك ما استولى علينا من كابوس الخوف والهلع، مرده أننا نعيش في عالم لا ينفع فيه الإقناع تجاه أناس وثقوا وثوقاً أعمى بآلاتهم وبآرائهم.

 


(1) الإسلام على مفترق طرق: (47 - 48).

وعبر بعضهم على ذلك قائلاً: "ألا ترون إلى النظام الصناعي الحاضر كيف جعل من سواد الكادحين سوائم تسير بفعل الغريزة العمياء بدلاً من أن تكون أناسي من آدم كرمها الله باستعمال الذكاء ... ناس كأنعام أصبحوا عبيداً للآلات!؟ " (1).

ويقول الفيلسوف جود: "إذا لم نكن على يقين في شأن من الشئون؛ فإن مذهب الاستمتاع بالحاضر واليقين بزوال الحياة بعده مذهب تتمسك به الأجيال المعاصرة أي تمسك، وهو يرسم لها طريقاً عملياً محدداً في العيش والحياة، ومهما يعني هذا الاتجاه للحكيم المجرب، فإنه يستتبع بالنسبة لشباب هذا العصر الاستخفاف بالنواحي والقيود التي كانت محور الأخلاق ومدارها والخلاص منها في القرن التاسع عشر، وكذلك فقدت النواهي الأخلاقية التقليدية قوتها المألوفة بعد أن زال سندها من سلطان مافوق الطبيعة، وقد كنا نسمع أننا ينبغي لنا عمل الخير لأن الخير يرضى عنه الله، والله تعالى يحب أن يرى عبده صالحاً علىخط من القناعة والاعتدال في حياته، ومادامت ممارسة الفضيلة مقصوداً منها كسب رضى الله، فإن المرء يحار هل الدافع إليها الظفر بنعيم الجنة أو إنه الرغبة في الخلاص من الجحيم المقيم، ولم يعد للطمع بثواب النعيم في الآخرة أو الوعيد بعقابها تلك القوة التي كانت لها قبلاً، فكثير من الناس يستخفون بذلك، وما داموا لا يطمعون


(1) محاضرات الموسم الثقافي بالكويت: (3/ 32 - 35).

بنعيم الجنان وملذاتها فهم ينغمسون في نعيم هذه الدنيا وملذاتهاً" (1).

أما الباحث توني فإنه يتحدث عن التفكك الذي طرأ على الحياة الغربية نتيجة والإيمان بالمادة وإقصاء الدين عن شئون الحياة، ويبين بوضوح التمييز بين المجتمع الوظيفي الذي يعرف فيه كل فرد مكانه وقيمة عمله لصالح المجموعة، وبين المجتمع المتفكك الذي لا يجد فيه سعادة، لا في عمل مضمون ولا في قيمة شخصية ثابتة، ويوضح أن النجاح في المجتمع المتفكك يقاس بالحصول على الثروة أكثر من المسئولية الشخصية أو أي معيار آخر للقيمة الاجتماعية ويقول: "كانت الثورة الصناعية -برغم أنها كارثة في تأثيراتها كانت القمة المنظورة فقط لأجيال في التغير الأخلاقي الخبيث. ويصف توني التغير الأخلاقي هذا على أنه يحدث خاصة في علاقة -الدين بالتنظيم الاجتماعي في القرن الثامن عشر، لقد تنازل كل من الكنيسة والدولة عن ذلك الجزء في محيطها الذي كان يعمل على إبقاء مجموعة عامة في الأخلاق الاجتماعية" ويقول: "كانت الكنيسة أكثر بعداً عن الحياة اليومية للبشر في الدولة، لقد تكاثر حب الإنسانية، ولكن الدين الذي كان قوة اجتماعية عظمى، صار شيئاً خاصاً فردياً، كضيعة صاحب الأرض أو ملابس الشغل للعامل" (2).

وكانت النتيجة التي لا مفر منها هي الشقاء والدمار للفرد والمجتمع، هي المعيشة الضنك التي يصلى سعيرها الغرب المادي.


(1) منازع الفكر الحديث: (282).
(2) عن المشاكل الإنسانية للمدنية الصناعية: (186 - 187).

يقول أليكسيس دوتوكفيل عن المجتمع الأمريكي -وهو النموذج الرأسمالي البارز-: "رغم ما شاهدت في أمريكا من حرية وثقافة يتمتع بها الكثيرون في ظروف هي خير ما يمكن أن تقدمه لهم الدنيا، فقد كنت ألمح سحابة من الحزن مخيمة فوق جباههم، حتى ظننت أن التزمت والقلق يلازمانهم في أفراحهم وأتراحهم.

إن ابن الولايات المتحدة يتعلق بمتاع هذه الدنيا، وكأنه على ثقة من أنه لن يموت أبداً، فهو يتعجل اغتراف كلما يقع في متناول يده، حتى لتحسبنه خائفاً من أنه لن يمتد به العمر حتى يتمتع بها كلها، فهو يمسك كل شئ بقبضة متراخية، ثم لا يلبث أن يتخلى عنه ليلاحق غيره من الغنائم الجديدة.

وثمة شيء قد تعجب منه للوهلة الأولى يبدو في هذا القلق الغريب المسيطر على عدد كبير من هؤلاء الذين يعيشون في سعادة وبحبوحة كبيرة من الثراء، إن هذا المشهد قديم قدم الدنيا، والجديد فيه هو رؤية شعب بأسره يضرب لنا مثلاً على ذلك.

إن تذوقهم للمسرات الجسدية يجب أن يعتبر المصدر الرئيسي للقلق الخفي، وللتغلب البارزين في أفعال الأمريكيين الذين يقدمون يومياً أمثلة جديدة عنه، فالذي يكرس نفسه لمطاردة الرفاه الدنيوي -عساه يلحق به- يسرع دائماً لضيق الوقت المحدد لبلوغه واكتناهه والتمتع به، إذ أن تذكره الدائم لقصر الحياة وزوالها شوكة ثابتة تخزه دوماً" (1).

وهنا هذا الدكتور أليكسيس كاريل ينحي باللائمة على الذين يظنون أن الاقتصاد هو كل شئ في الحياة، وأن الرخاء والطمأنينة يمكن أن يحصل عليهما المجتمع والفرد بطريق الخطط الاقتصادية وتنمية الموارد والثروات، يقول: "من حسن الحظ أن حادثاً لم يخطر على بال المهندسين والاقتصاديين والسياسيين قد حدث؛ ذلك أن صرح المالية الأمريكية قد انهار فجأة، وفي بادئ الأمر لم يصدق الجمهور وقوع الكارثة فعلاً ولكن أصغى إلى شروح الاقتصاديين في استسلام مؤملاً في عودة الرخاء إلا أن الرخاء لم يعد، ولهذا بدا أكثر رؤساء القطيع ذكاء يرتابون ويتساءلون هل أسباب الأزمة الاقتصادية مالية فقط؟

ألا يجب أن نتهم أيضاً فساد وغباء الساسة ورجال المال وجهل وأوهام الاقتصاديين؟! ألم تهبط الحياة العصرية بمستوى ذكاء الشعب كله وأخلاقه؟!

لماذا يجب أن ندفع ملايين الملايين من الدولارات كل عام لنطارد المجرمين؟!

لماذا يستمر رجال العصابات في مهاجمة المصارف بنجاح وقتل رجال البوليس واختطاف الناس وارتهانهم أو قتل الأطفال بالرغم من المبالغ الضخمة التي تنفق في مقاومتهم؟!

لماذا يوجد مثل هذا العدد الكبير من المجانين وضعاف العقول بين القوم المتحضرين؟!

 


(1) تطور المجتمع الأمريكي: (96).

ألا تتوقف الأزمات العالمية على الفرد والعوامل الاجتماعية الأكثر أهمية من العوامل الاقتصادية؟." (1)

لقد فطن الدكتور كاريل إلى أن الأمر أعمق من أن يكون مشكلة اقتصادية؛ ولكنه لم يستطع أن يقع على السر الحقيقي لأزمة الإنسان المعاصر، وهو أنه يعبد غير الله ويحتكم إلى غير شرعه!

إن الإنسان في الغرب يفاخر بأنه يعيش فيما يسمى العالم الحر؛ وذلك لأنه يرى نفسه أفضل حالاً من زميله الواقع في براثن الشيوعية، لكنه ينسى أنه هو الآخر خاضع لتسخير واستغلال الطبقة الرأسمالية التي تستعبده دون وعي منه، فهو يتخبط في شباكها دوماً، ومع ذلك يحسب أنه حر طليق، وهذه الحقيقة مضى في الفصل السابق ما يؤيدها، وسنورد هنا ما يدعم ذلك مع ملاحظة التلازم الذي سبق أن أشرنا إليه بين السياسة والاقتصاد خاصة.

يقول ر. م. ماكيفر وزميله: "إن المجتمع الحديث يتميز بالعديد من المنظمات والمؤسسات الكبيرة والروابط الاقتصادية والسياسية المنشأة على نطاق واسع، التي تقوم جميعاً على تقسيم الوظائف والتخصص، حتى يصبح الفرد وكأنه أحد أسنان عجلة في آلة اجتماعية ضخمة، وتنحصر مهمته في أداء عمله بشكل آلي داخل دائرة تخصصه، فلا تتهيأ له إلا أقل الفرص لإظهار فرديته.

كذلك ينزعج كثير من الناس لمدى ما تتعرض له مواقف الرجل المتحضر وآراؤه من تشكيل بفعل النمط العام للمجتمع الذي يعيش


(1) الإنسان ذلك المجهول: (312 - 313).

فيه، وربما كان هناك ما يسوغ هذا الانزعاج عندما نرى في الولايات المتحدة الأمريكية مظاهر تحديد مستويات الحياة الاجتماعية، بتأثير الإعلان والدعاية العريضة والغذاء الرتيب الذي تقدمه برامج محطات الإذاعة، وإنتاج السينما في هوليود، وقد أدت السيطرة على عقول الناس بهذه الكيفية إلى تضييق الحدود التي يعمل في نظامها كل من المنتج والكاتب والعامل والممثل، كما حَدَّت من مال الجماهير وأذواقها بحيث لا تتعدى الحواجز التي أقيمت حولهاً (1).

ويتحدث الدكتور كاريل عن الاستعمار الذي يمارسه الرأسماليون بطريق الدعاية فيقول: "تتأثر حياتنا بالإعلانات التجارية إلى حد كبير، وهذا اللون من الدعاية يهدف إلى تحقيق مصلحة المعلنين أكثر من مصلحة المستهلكين، مثال ذلك لقد أوهمت الدعاية الجمهور أن الخبز الأبيض أفضل من الخبز الأسمر، وهكذا ينخل الدقيق مرة بعد أخرى ليجرد من عناصره الغذائية النافعة، ومعالجة الدقيق على هذا النحو يجعل في الإمكان الاحتفاظ به فترات أطول، كما يسهل صناعة الخبز، وبذلك يستطيع أصحاب المطاحن والمخابز أن يحصلوا على نقود أكثر بينما يطعم المستهلكون بخبز أردأ، وهم يعتقدون أنه خبز ممتاز، ومن ثم فإن سكان البلاد الذين يتخذون من الخبز غذاءً أساسيا آخذون في الانحطاط والتدهور.

إن مبالغ ضخمة تنفق في الدعاية، ونتيجة لذلك أصبحت


(1) المجتمع: (111 - 112).

كميات كبيرة من المنتجات الغذائية والطبية لا فائدة منها على الأقل، وغالباً ما تكون ضارة أصبحت هذه المنتجات ضرورية لبني الإنسان المتحضرين، وعلى هذا المنوال فإن شراهة الأفراد الذين وهبوا ذكاء كافياً يمكنهم من خلق تهافت الجمهور على طلب السلع التي لديهم تلعب دوراً رئيسياً في الدنيا العصرية" (1).

وفى العالم الغربي الرأسمالي كُتَّاب تخصصوا في الكتابة عن المستقبل المشئوم الذي ينتظر البشرية على يد الطبقة الطاغوتية المسيطرة من أصحاب رءوس الأموال الضخمة والمستبدين، وتنبأوا بالقبضة الحديدية التي سيمسك بها هؤلاء القطيع البشري عن طريق استخدام التكنولوجيا وأحدث الدراسات النفسية والمجتمعة، حيث يأتي اليوم الذي يرى الإنسان فيه أن أيامه السالفة في ظل نظام الإقطاع أفضل ألف مرة منها في هذا العصر الذي يتعرض فيه لمسخ حقيقي وتطويع رهيب.

ولسنا نعني بذلك أولئك الذين كتبوا عن اليهود، فمؤلفاتهم رغم ما تحويه من حقائق صارخة لا تزال مثاراً للشك عند البعض لسبب ما، غير أن هناك كُتَّاباً استخدموا لغة العامة منتهجين أسلوب العرض العلمي أو الأدبي لإثبات توقعاتهم المفزعة، من ذلك أن كاتباً غربياً مرموقاً هو: جوروج أوريل ألف كتاباً عنوانه: 1984، صور فيه الوضع البشري المنتظر في تلك السنة تصويراً مرعباً يجعل قراءة يرتجفون على حد تعبير رسل، ورغم المعارضة التي قوبلت بها نظريته فقد أيدها الواقع كما ناصرها كثير من المفكرين ومنهم رسل الذي علق عليه قائلاً: ظل العالم يسير شيئاً فشيئاً وخطوة خطوة نحو تحقيق كابوس


(1) الإنسان ذلك المجهول: (39).

أورويل، ولكن التدرج على هذا الطريق قد جعل الناس لا يتبينون المدى الذي قطعوه في هذا الطريق المحتوم.

إن الموقف الآن شبيه بذلك الموقف الذي نشأ من ازدياد قوة الملوك في القرن السادس عشر، فقد كان طغيانهم المسرف هو السبب في كل الصراع الذي قامت به الحركات التقليدية وكسبته، ولكن ما إن تضاءلت قوة الملوك حتى نشأت محلها قوة لا تقل عنها خطورة (1).

وظهر في أمريكا أستاذ جامعي استطاع بعد جهود مضنية، وباستعماله الأساليب الإحصائية والشواهد الواقعية أن يقرب إلى الأذهان تشاؤمات أورويل، وأثبت بقوة أن امبراطوريات المال في الولايات المتحدة قد وصلت في سيطرتها على الإنسان إلى درجة ربما لم يحلم بها أورويل، ولكن أساليبها الخفية وتخطيطها العميق وهيمنتهاعلى وسائل الإعلام تلقي ظلالاً كثيفه على غولها البشع، فلا يستطيع أن يلمع مخالبه إلا القلة النادرة، يقول هذا الأستاذ وهو فينس باكارد: "إننا نجد تناقضاً في مجتمع يحاول أن يضع أناساً على القمر في حين أن ملايين من سكانه في المدن لا يجرءون على السير وحدهم ليلاً في الشوارع أو الحدائق المجاورة لبيوتهم" (2).

ويستعرض في كتابه المسمى المجتمع العاري الوسائل الخفية التي تستخدمها امبراطوريات الذهب لتنغيص حرية الإنسان والسيطرة على سلوكه وشعوره ويذكر منها:

1 - أجهزة استراق السمع الإليكترونية: وهي أجهزة منها ما يستخدم في التنصت على المكالمات الهاتفية، ومنها أجهزة للتصوير والتسجيل


(1) العقل والمادة: (289، 294).
(2) المجتمع الأميركي عارياً: (30) واسمه الأصلي "المجتمع العاري".

في غاية الصغر والدقة، ومنها عيون وآذان وعقول إليكترونية ترصد أنفاس فريستها بدقة مذهلة.

2 - أجهزة خاصة لكشف الكذب، تستعملها الشركات العملاقة في إجراء المقابلات الشخصية مع طالبي وظائفها.

3 - التجسس الخفي بواسطة العيون البشرية أو العيون التليفزيونية.

4 - الإحصائيات والاختبارات النفسية، التي يتهافت عليها الجمهور المخدوع، بينما تجني الشركات الاحتكارية من ورائها فوائد ومعلومات مهمة، وتضع خطوطها المستقبلية على ضوئها.

5 - البنوك وشركات التأمين ومؤسسات البريد التي تجبر الفرد على الإدلاء بمعلومات وافرة عن حياته وثروته وعلاقاته، لتستخدم في أغراض لا يعلمها.

6 - شركات متنوعة متخصصة في استقاء المعلومات والتجسس على الأفراد والهيئات، تضع حصيلتها في قوائم تباع أو تعار بمبالغ باهظة للشركات والمؤسسات التجارية (1).

وقد أدرك حقيقة هذا الكابوس كثير ممن يسمون مصلحين اجتماعيين في أمريكا، حتى آل الأمر بأحدهم وهو: هـ. ل. منكن المتوفى سنة 1956 إلى أن يقول:

يبدو أن بعض الناس لم يعودوا يجدون العيش في البلاد مستساغاً بل إنهم يرونه مستحيلاً، وقد ملأ ضيقهم هذا الصحف الأسبوعية، والسفن المقلعة من نيويورك حاملة شحنة ثائرة منهم تقصد باريس ولندن وميونخ وروما وغيرها من المدن التي تقع في طريقها،


(1) انظر الفصول الرئيسية للكتاب السابق ذكره، وانظر مثلاً: أمريكا دولة تحكمها العصابات.

حيث يحط بعضهم في أي مكان ليهربوا من اللعنات الكبرى والآثام الفظيعة التي جعلت حياتهم لا تطاق في الوطن.

ثم يعلل منكن ذلك قائلاً: "إن حكومة الولايات المتحدة بسلاحيها التشريعي والتنفيذي جاهلة غير كفء، وفاسدة تثير الاشمئزاز في النفس".

((فوزارة العدل في الجمهورية مغفلة فاشلة، تعمل ضد كل ما هو معقول وعدل))

((السياسة الخارجية للولايات المتحدة في أسلوبها العادي في التداول مع الأمم الأخرى سواء أكانت صديقة أو عدوة، هي سياسة رياء ونفاق ومراوغة ماكرة مخجلة)).

إن الشعب الأمريكي بقبوله كل هذه الشئون يؤلف أعظم مجموعة من الرعاع الجبناء الحقيرين المستعبدين ... وإن هذا الشعب ليزداد جبناً ونذالة وحقارة كل يوم.

وإني لأجد في بلدي هنا أكثر مما أرى أو أسمع به في أي بلد آخر من جنون خاص وعام، أرى موكباً لا نهاية له من أعمال السلب والاحتيال الحكومية، واللصوصية التجارية وشنق الأعناق، والمجون اللاهوتي وقلة الذوق والاختلاس والزنا الشرعي، وأعمال الاحتيال المتنوعة والدناءة والبلاهة والسخرية والإسراف، إنه موكب ضخم غير معقول يجري بأعظم قوة يمكن إدراكها، وتغذيها أعظم جرأة وشذوذ بعيدين عن التصديق (1) ذلك هو ما يقوله الكُتَّاب الرأسماليون في مصادر رأسمالية. (100%)، وهي اعترافات يخالها المرء للوهلة الأولى من صنع الدعاية البلشفية.

وكل ما ذكره أولئك ليس إلا أعراضاً لابد أن يكابدها كل مجتمع أعرض من ذكر الله وتكالب علىلمادة، إنه الشقاء الذي لا يخفف حدته ترف مادي ولا نعيم دنيوي، ولا تستطيع قشور الحضارة والرقي الصناعي أن تستره، لأنه أعمق من أن ينال وأدق من أن يستأصل.

وغاية ما يستطيع عقلاء الغرب إدراكه وتنبيه أقوامهم له هو انهيار صرح حضارتهم وطغيان المادة على الروح لديهم، ثم يقفون عند ذلك، أو يصفون العلاج الذي لا يزيد عن مسكنات ضعيفة التأثير، هي غاية ما يمكن للعقل البشري المحدود أن يقدمه إذا انقطع عن الله ولم يرتض الاستضاءة بنوره.

ولو كتب للذين يطلقون بين الحين والحين صرخات الويل والثبور على الحضارة الغربية أن يدركوا سنة الله في خلقه وأن يضعوا أيديهم على مكمن الداء لتغيرت الصورة بكاملها، ولكن أنى لهم التناوش من مكان بعيد!!

2 - في الشرق الشيوعي:

كل ما يردده المستغيثون في الغرب ويستفظعونه من المظالم، فإن المجتمعات الواقعة داخل الستار الحديدي تعج به بل بأضعافه، ففي هذه المجتمعات يتناسب الشقاء والتعاسة مع التطرف المغالي في محادة الله، والحرب الصريحة على الإيمان وعلى كل ما كرم الله به الإنسان من خلق وسلوك.

إن الحط من كرامة الإنسان والنزول به ليس إلى مرتبة الحيوان بل إلى منزلة المادة الصماء، هو جزء من جوهر النظام الجاهلي الشيوعي، وهدف مقصود من أهداف برامجه ومخططاته، وما كان لها وهي على ما هي عليه من الكفر والعتو إلا أن تكون كذلك.

وبغض النظر عن المساوئ العامة للشيوعية، والشرور التي لم تدع منحى من مناحي الحياة إلا تغلغلت في أعماقه، فإن الناحية الاقتصادية خاصة كان ينبغي لها أن تكون أليق وأنسب في الدول الشيوعية منها في الغرب، وذلك لأن المبرر التاريخي لوجود الشيوعية فكراً وتطبيقاً هو المظالم والشرور الرأسمالية، فإذا جاءت الشيوعية بما يجعل الناس يترحمون على أسياد الإقطاع وطواغيت رأس المال فذلك هو المحير حقاً.

كان المفروض في مذهب ينادي بمساواة خيالية بين الناس، ويندد بالطبقة والطبقات والامتيازات والاحتكارات أن يكون -على الأقل- أقرب النظم العالمية إلى المساواة وأقلها فوارق بين الطبقات، هذا إن لم يحقق أحلامه الموعودة بالفردوس الأرضي، ولكن واقع الدول الشيوعية يصادم هذا الفرض كل المصادمة، وها هو ميليوفان دجيلاس نائب الرئيس تيتو يقول في كتابه الذي أسماه (الطبقة الجديدة): "إن الطبقة البيروقراطية الشيوعية الجديدة صاحبة الامتيازات الضخمة، تستخدم جهاز الدولة كستار وأداة لتحقيق مآربها وأغراضها الخاصة، وإذا ما عدنا لدراسة الملكية فإننا سنجدها ليست أكثر من حقوق الربح وحرية السيطرة، وإذا ما اتجه المرء إلى تحديد ربح الطبقة من خلال هذه الحقوق، وفي إطار تلك الحرية، فإن الدول الشيوعية تتجه في النهاية إلى خلق شكل جديد من أشكال الملكية، وخلق طبقة حاكمة مستثمرة جديدة.

إن الطغيان الشيوعي والإرهاب في أساليب الحكم هما الضمانة لامتيازات طبقة جديدة تبرز على المسرح السياسي.

لقد سبق أن أعلن إستالين عام 1936 مع صدور الدستور الجديد في الاتحاد السوفيتي أن الطبقة المستثمرة قد تم القضاء عليها نهائياً، وفي الحقيقة لقد تم في المعسكر الشيوعي القضاء التام على قوى الرأسمالية الوطنية التي استؤصلت تماماً من الجذور، ولكن مع زوالها بدأت تبرز في صلب المجتمع الشيوعي طبقة جديدة لم يسبق للتاريخ أن رأى لها مثيلاً.

ولقد أكدت هذه الطبقة أنها أكثر تسلطاً في الحكم من أية طبقة أخرى ظهرت على مسرح التاريخ، كما أثبتت في الوقت نفسه بأنها تحمل أعظم الأوهام، وأنها تكرس أعتى أساليب الظلم في مجتمع طبقي جديد.

لقد تم تأميم المقدرات المادية إلا أنه لم يجر توزيعها على أبناء الشعب، بل أصبحت ملكاً مكتسباً للطبقة الحاكمة وللأعضاء القياديين للحزب والبيروقراطيين السياسيين.

لقد حاز الأعضاء الكبار من أفراد النخبة الممتازة على أفضل المساكن والبيوت، كما شيدت لهم الأحياء الخاصة ومنازل الاصطياف، وحصل أمناء سر الحزب وروساء البوليس السري ليس على السلطة العليا وحسب، إنما على أجمل المساكن وأفخم السيارات وسواها من مظاهر الأبهة والعظمة والامتيازات، أما بقية الأعضاء من دونهم مَرْتبة فقد حازوا على امتيازات متناسبة مع مراكزهم الحزبية.

وليس هناك أية طبقة أخرى في التاريخ تشابه الطبقة الجديدة في وحدة تماسكها، ووحدة الفكر والعمل في دفاعها عن نفسها، وفي قدرتها على إحكام القبضة على كل ما هو واقع تحت سيطرتها من الملكية الجماعية حتى السلطة الاستبدادية المطلقة.

 


(1) تطور المجتمع الأمريكي: (260 - 267).

هذه الطبقة الجديدة تتمتع بشراهة وجشع البرجوازية، إلا أنها لا تحتوي أية فضيلة من فضائلها، ومن جهة أخرى فإن هذه الطبقة تشابه الطبقة الارستقراطية في بعض أمورها الخاصة، وبطابعها الانفرادي والانعزالي، ولكنها تظل بعيدة عنها في مجال رقتها ونبلها وفروسيتها." (1)

أما الكاتب الفرنسي أندريه جيد، الذي أصيب بخيبة أمل عظمى في الشيوعية بعد زيارته للاتحاد السوفيتي؛ فيتحدث في كتابه: العودة من الاتحاد السوفيتي عن هذا الواقع بأسلوبه الأدبي قائلاً: " .. ماذا أقول عن فندق سينوب الذي كنت أقطن فيه بجوار سوكوم، لقد كان أرقى وأسمى من كل شيء آخر، بحيث لا يقارن إلا بأفخر فنادق أوروبا وأعظمها ... وكان بجوار الفندق مزرعة نموذجية تمده بثمرها، وكانت المزرعة تشتمل على زرائب نموذجية للخيل والبقر والخنازير وبيوت للدجاج، وكلها مهيأة بالوسائل الحديثة؛ إلا أنك إذا عبرت النهر الذي يحد هذه المزرعة رأيت صفاً من الأعشاش الحقيرة يعيش في كل حجرة من حجره الصغيرة -ستة أقدام مربعة- أربعة أفراد ويدفع كل منهم روبلين إيجاراً شهرياً".

إن اختفاء الرأسمالية لم يجلب الحرية للعامل السوفيتي، ومن الضروري للطبقة العاملة في كل مكان أن تعلم هذا، إن العمال -طبعاً- لم يعد يستغلهم حملة الأسهم الرأسماليون، إلا أنهم مع ذلك يستغلون أبشع الاستغلال وبطرق خفية منحرفة ملتوية، بحيث لم يعد العمال يعلمون على من يلقون اللوم.

إن غالبيتهم العظمى يعيشون تحت مستوى الفقر، وإن أجورهم الهزيلة هذه هي التي تعين على ملء جيوب العمال المميزين الذين يمتازون بانعدام الشخصية وبالتزلف والخضوع، إن الإنسان ليروعه ما يلحظه على ذوي الشأن من عدم مبالاة بمن هم أقل منهم شأناً كما يروعه ما يظهره الأخيرون من تذلل وعبودية.


(1) مقتطفات من الكتاب المذكور: (51، 54، 78، 81، 83، 84).

آمنّا بأنه لم تعد هناك طبقات أو امتيازات طبقية في الاتحاد السوفيتي؛ إلا أن الفقراء ما زالوا هم الفقراء؛ بل إن عددهم جد كبير ... إنني أخشى أن يكون معنى هذا كله العودة إلى نوع من برجوازية الطبقة العاملة تشبه البرجوازية الحقيرة التي تركتها في بلدي، ولقد بدأت -فعلاً- أرى أعراضها، ولا شك أن كل رواسب البرجوازية موجودة - رغم الثورة - لدى الكثيرين وإن كانت هاجعة راقدة.

إن الإنسان لا يمكن إصلاحه من الظاهر، فإن تغيير القلب وإصلاحه أمر جوهري، ولذلك يراودني القلق عندما أرى كل الغرائز البرجوازية تلقى الإطراء والتشجيع في الاتحاد السوفيتي.

رغم أن ديكتاتورية الطبقة العاملة التي طالما نادوا بها لم تتحقق بعد، إلا أنه توجد مع ذلك دكتاتورية من نوع آخر، دكتاتورية الحكومة الاستبدادية البيروقراطية السوفيتية، إن العامل السوفيتي البائس مربوط بمصنعه والعامل الزراعي مربوط بمزرعته الجماعية كارتباط أكسيون بعجلته، إن العامل إذا فكر في ترك عمله الحالي لأي سبب شخصي كان يتصور أو يأمل أن يكون في غير هذا المكان أحسن حالاً أو أقل سوءاً، أو لمجرد أنه يرحب بالتغيير، فإنه وهو المصنف المسجل المنظم يصبح على خطر من ألا يجد عملاً في أي مكان، بل إنه إن ترك مصنعه ولو ظل باقياً في نفس المدينة يحرم من مسكنه الذي كان من حقه طالما هو في العمل، والذي يصعب أن يجد غيره في أي مكان آخر، رغم أنه مع ذلك كان يدفع إيجار هذا المسكن ... أما إذا قامت السلطات نفسها بنقل العامل لسبب من الأسباب، فإنه لا يستطيع أن يرفض الانتقال، فلا هو حر في الذهاب إلى حيث يريد ولا في البقاء حيث تجمعت عواطفه الخاصة ومصالحة الشخصية (1).


(1) والصنم الذي هوى: (222 - 226).

وإذا كان هناك الكثير من الشواهد القاطعة تثبت الواقع البشع الذي يعيشه الإنسان في ظل الجاهلية الشيوعية، والمآسي الشنيعة التي يتعرض لها ليس في فكره وروحه فحسب، بل وفي قوته اليومي -أيضاً- فإن بعض المخدوعين بالشيوعية يروعهم التقدم الملموس في المستوى الصناعي، فيغشي أبصارهم عن الحقائق المرة المصاحبة لهذا التقدم، فينسون -أولاً- أن سعادة الإنسان وطمأنينته هي المقياس الحقيقي لنجاح أي عقيدة أو مذهب، وليس الإنتاج المادي بالغاً ما بلغ، وهذه الحقيقة يعترف بها أحد المرتدين عن الشيوعية، وهو الكاتب القصصي لويس فيشر، الذي يسخر من نفسه حينما كان يفضل الكيلوات على الإنسان، مخدوعاً بإنجازات الثورة الشيوعية في بعض مجالات الإنشاء والتعمير (1).

والحقيقة الثانية هي أن التفوق الشيوعي في المجالات المدنية ضئيل إذا قورن بالمستويات التي وصل إليها الغرب، وأن المجال الذي برز فيه الشيوعيون هو ميدان الإنتاج الحربي بصفة خاصة، وما ذلك إلا لإحكام القبضة الحديدية على الشعب وإرهابه بدرجة تجعله يطرد من ذهنه كل أمل في الخلاص وكل طمع في عون خارجي.

والحقيقة الثالثة: أن مكاسب هذا التقدم تؤول إلى الطبقة الحاكمة المستبدة وحدها، وأن الشعب هو الضحية والثمن، فلولا معسكرات العمل الإجباري لما تحقق كل ذلك.


(1) انظر المصدر السابق.

يقول دجيلاس: "إذا كان من الأمور الممكنة إحصاء الخسائر الناجمة عن نظام الملكية الجديد في المحاصيل الزراعية وفي المواشي؛ فإنه من الصعب جداً إحصاء الخسائر في اليد العاملة، وفي ملايين الفلاحين الذين زجوا في المعتقلات، وأجبروا على العمل في معسكرات العمل الإجباري" (1).

غير أن مؤلف كتاب نظاما البشرية الديمقراطية والشيوعية يعطي أرقاماً قد تقرب هذه الحقيقة فيقول: "في عام 1928 كان في روسيا 30 ألف عامل سخرة، وعندما قرر إستالين في مشروع الخمس سنوات أنه سينشئ صناعات جديدة في روسيا، بدأت معسكرات السخرة تمتلئ بسرعة، وما إن حل عام 1933 حتى كان فيها خمسة ملايين من عمال السخرة، وبمرور الزمن ارتفع هذا الرقم إلى ما يتراوح بين عشرة ملايين وخمسة عشرة مليوناً ... ولم يكن يرسل إلى معسكرات السخرة في بداية الأمر غير الأعداء الحقيقيين للحكومة السوفيتية، ولكن لم تكد تمضي فترة طويلة حتى تم تحويل عدد كبير من الناس إلى عمال سخرة لمجرد الشعور بأنهم قد يصبحون في يوم من الأيام خطراً على الحكومة، وهذا فضلاً عن أن الحكومة احتاجت إلى عمال لتنفيذ مشروعات في مناطق نائية لا يمكن أن تجتذب عمالاً يذهبون باختيارهم".

وفي الصين -أيضاً- أنشئت معسكرات السخرة بسرعة عقب انتصار الشيوعية في الحرب الأهلية عام 1949، وقد قدر عدد عمال السخرة في الصين الحمراء بأكثر من عشرين مليوناً (2) هذا. بالإضافة إلى أن التقدم الصناعي ليس معياراً كافياً؛ وذلك لسبب كامن في طبيعة العمل الصناعي ذاته، وهو إمكان خضوعه للمراقبة من قبل البوليس السري الذي يعرف مهمة كل عامل ويستطيع بسهولة أن يكتشف تقصيره؛ إذ أن العمل موزع توزيعاً دقيقاً، أما العمل الزراعي الذي يصعب خضوعه لمثل هذه المراقبة الآلية ففيه تظهر الحقيقة بجلاء، لقد كانت روسيا القيصرية أكثر دول العالم إنتاجا للقمح، بل إن جزءاً منها مثل أوكرانيا يكفي لأمداد أوروبا كلها بالغذاء، ولكن الواقع الحالي يشهد أن الاتحاد السوفيتي يستجدي القمح من أعداء العقيدة الرأسماليين الأمريكان، ويدفع ثمناً له العملة الصعبة، وهذا هو المحك الحقيقي لمقدار نجاح النظام الشيوعي أو فشله في جانبه الاقتصادي الذي يعده أهم وأرقى جوانبه.

ويقدم لنا لويس فيشر بعض الحقائق عن المزارع الجماعية في روسيا فيقول: "إن هذه المزارع الجماعية ليست إلا نوعاً جديداً بارعاً من العبودية الجماعية يناسب القرن العشرين، ويجبر الفلاح على العمل تحت رقابة بعض شيوعيي القرية المختارين ووخزاتهم، ويجعله عالة على الدولة ومحتاجاً إليها دائماً في بذوره وآلاته وحيواناته ومعظم دخله.

وكان من الطبيعي أن يلقى هذا التأميم للزراعة مقاومة عنيفة بعيدة المدى، وقد شاهدنا كيف كان رد الحكومة على هذه المقاومة، لقد أرسلت بمئات الآلاف من الكولاك أو أغنياء الفلاحين إلى معسكرات العمل الجماعية، ولم يكف هذا النفي الجماعي لتحطيم القرية ... واستعمل المسئولون القوة لإجبار الفلاحين على الدخول في هذه المزارع الجماعية، وكثيراً ما كانت وحدات الجيش الأحمر تظهر في القرية، وتنتقل من كوخ إلى كوخ، مصدرة أمرها إلى السكان بتشكيل مزرعة جماعية.

وكان الفلاحون يهددون بالنفي إلى سيبريا والتركستان، كما حدث في الكولاك إذا تشبثوا بالزراعة الفردية.

بهذه الوسائل وغيرها أمكن أن تحشر الغالبية العظمى من الفلاحين الروس في المزارع الجماعية، ولكنهم مع ذلك ظلوا يعارضون أو يهدمون المجهود التعاوني، فقد كانوا يأملون -حتى الآن- أن تعتبر الحكومة هذه


(1) الطبقة الجديدة: (80).
(2) وليم أبنشتين: (168 - 169).

المزارع الجماعية فكرة فاشلة، ثم تتنازل عنها، وقد أدت هذه الأمور في أوكرانيا إلى مجاعة 1931 - 1932، التي مات فيها الملايين من الناس، فكانت القرية تموت بجميع من فيها، لقد كان ثمن تسرع البلاشفة وتعصبهم غالياً".

ويقول أندريه جيد: "لقد حدث أن زرت إحدى المزارع الجماعية النموذجية، وهي من أبدع مزارع الإتحاد السوفيتي وأغناها، ودخلت بيوتاً متعددة وليتني أستطيع أن أنقل إليكم ذلك الانطباع المطرد الكئيب الذي يحس به من يدخل هذه البيوت من أثر انعدام الفردية انعداماً كاملاً، لقد كان في كل منها نفس قطع الأثاث القبيحة، ونفس الصورة للزعيم استالين، ولا شيء غير هذا، فلم يكن هناك أدنى أثر لأي تحف أو ممتلكات شخصية، ولو دخل أحد السكان بيتاً غير بيته ناسياً لما أحس بأي تغيير أو اختلاف" (1).

هذه هي الأمثلة الواضحة لتطبيق الشيوعية والمعيار السليم للحكم عليها، وتلك هي نتائجها الاقتصادية المزرية، فضلاً عن نتائجها السياسية الفضيعة، التي تتمثل في وقوع الكثرة الكاثرة من الشعب عبيداً في قبضة الحكومة الإستبدادية، مرهونين بقوتهم الضروري وأمنهم المحفوف بالمخاطر، كما سبق في فصل علمانية السياسة.

ومع أن في وسعنا أن نفصل القول فيما سبق إلا أننا سنكتفي بهذا الإجمال، إذ أن الواقع المعاصر ملء سمع وبصر كل إنسان أوتي حظاً من المعرفة والنظر، وليس إدراك هذه الحقائق مما يخفى على الكثير، ولكن الذي يخفى -فعلاً- ويغيب عن أذهان الناس في الشرق والغرب سواء، هو سر هذه الأدواء الوبيلة الحقيقي، ومصدر هذا الشقاء المستديم الذي يطبق فكيه على العالم الغربي الجاهلي ولا يستطيع منه خلاصاً.

 


(1) الصنم الذي هوى: (253).

  • الاثنين AM 06:22
    2022-07-04
  • 837
Powered by: GateGold