المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 422419
يتصفح الموقع حاليا : 132

البحث

البحث

عرض المادة

التخطيط اليهودي الصليبي

ليس في تاريخ العداوات عداوة تماثل في شراستها وأبديتها ذلك النوع الذي تواجه به طوائف اليهود والنصارى الأمة الإسلامية.

إن هذه العداوات المتغلغلة العميقة ليس موضوعها خلافاً مذهبياً ولا نزاعاً سياسياً، ولا مطامع اقتصادية، أي أنها باختصار: ليست مما يمكن تسويته واجتثاث آثاره.

ولا يفلح في تعليلها ما يقوله المستشرقون ومنهم (جب) من أنه (حدث قبل في حياة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن بدأت تتشابك سيوف المسلمين والمسيحيين وظلت كذلك حتى اليوم ولهذا ظل العالم المسيحي الأوروبي عدو الإسلام الألد) (1) لأن هذه الحروب نتيجة وليست سبباً وإلا فما الداعي لنشوب هذه الحروب أصلاً؟ وكم عرف التاريخ من حروب أعقبتها صداقات وعلاقات، إن القضية أبعد من ذلك وأعمق.

إنها قضية حق وباطل، نور وظلام، يقين وخرافة، ومن هنا كانت الشقة بعيدة وكان اللقاء مستحيلاً.

ومع إدراكنا لهذا فلا علينا أن نتحدث عن الدور الذي أدته الحروب الصليبية في هذا الشأن، المهم أن نبحثه باعتبارها مظهراً للعداوة لا علة فيها، إن العلاقة بين البلاد الإسلامية وبين أوروبا خاصة -بصفتها مهد العلمانية- لا يمكن أن تدرس بغير الحروب الصليبية.

فهذه الحروب أضفت على تلك العداوة الأبدية الراسخة مظهراً جديداً، وأذكت فيها روحاً مغايرة، وبذلك اختلفت آثارها ونتائجها عن الحروب السابقة الأخرى التي لم تنطفئ قط.

ولذلك الأمر سبب نفسي يتعلق بوجود أوروبا وتكوينها السياسي والاجتماعي والحضاري بصفة عامة، وهو أن الحروب الصليبية (حدثت في أثناء طفولة أوروبة في العهد الذي كانت فيه الخصائص الثقافية قد أخذت تعرض نفسها وكانت لا تزال في طور تشكلها، والشعوب كالأفراد، إذا اعتبرنا أن المؤثرات العنيفة التي تحدث في أوائل الطفولة تظل مستمرة ظاهراً أو باطناً مدى الحياة التالية، وتظل تلك المؤثرات محفورة حفراً عميقاً حتى أنه لا يمكن للتجارب العقلية في الدور المتأخر من الحياة والمتسم بالتفكير أكثر من اتسامه بالعاطفة أن تمحوها إلا بصعوبة، ثم يندر أن تزول آثارها تماماً.

وهكذا كان شأن الحروب الصليبية فإنها أحدثت أثراً من أعمق الآثار وأبقاها في نفسية الشعب الأوروبى، وإن الحمية الجاهلية العامة التي أثارتها تلك الحروب في زمنها، لا يمكن أن تقارن بشيء خبرته أوروبة من قبل، ولا اتفق لها من بعد، لقد اجتاحت القارة كلها موجة من النشوة كانت -في مدة على الأقل- عنفواناً تخطى الحدود التي بين البلدان والتي بين الشعوب والتي بين الطبقات، ولقد اتفق في ذلك الحين، وللمرة الأولى في التاريخ أن أوروبة أدركت في نفسها وحدة، ولكنها وحدة في وجه العالم الإسلامي، ويمكننا أن نقول من غير أن نوغل في المبالغة: إن أوروبا ولدت من روح الحروب الصليبية ... ، ولدت (فكرة المدنية الغربية) وأصبحت هدفاً واحداً تسعى إليه جميع الشعوب الأوروبية على السواء، وكانت تلك المدنية الغربية عداوة للإسلام وقفت عُرّاباً في هذه الولادة الجديدة (2).

هذا التحليل العميق الواعي يقضي على كل التساؤلات حول استمرارية العداوة بين أوروبا والمسلمين، ويلغي زيف الشبهات التي تقول: إن عداوة أوروبا تنطلق من دوافع غير دينية، أو أن الحروب الصليبية نفسها كانت حرباً اقتصادية!

لقد تلا الحروب الصليبية تصفية الوجود الإسلامي في الأندلس بصفة لا نظير لها في التاريخ، ثم كان سقوط القسطنطينية في أيدي المسلمين حادثاً رهيباً أذهب عن أوروبا حلاوة انتصارها في الأندلس، وبعدها جاءت طلائع الحروب الصليبية متخفية برايات المكتشفين الجغرافيين، ثم جاءت الروح الصليبية كامنة في مدافع نابليون، التي تضعنا على أول محاولة ضخمة من أوروبا الحديثة لاستئصال شأفة الإسلام وبذر جذور اللادينية في أبنائه، والحق أن الجنرال اللنبي لم يكن أكثر صراحة حين وقف على جبل الزيتونة في الحرب العالمية الأولى قائلاً: ((الآن انتهت الحروب الصليبية)) كما أن الواقع التاريخى يؤكد أن هذه الحرب لن تنتهي، وأن الذي خدع بعض المستغفلين هو اختلاف فصولها ومظاهرها.

وها هو (جان بول رو) يقرر ذلك قائلاًَ:

(لقد اعتدنا أن نتحدث عن ثمان حملات صليبية الأولى بدأت منها 1096م، والأخيرة انتهت 1270 غير أن هذا التقسيم لا يبدو متجاوباً كثيراً مع الواقع، ويمكننا أن نزيد هذا العدد إذا أخذنا بعين الاعتبار جميع الدفعات التي وجهت إلى الشرق).

( ... فقد قذف بملايين الأوروبيين إلى شواطئ الشرق، ومهمتهم: تغيير المعتقدات الشرقية ومن أجل الوصول إلى ذلك كان عليهم أن يخربوا هذا الشرق)!

نعم إن الهدف هو (تغيير المعتقدات الشرقية) التي هي بطبيعة الحال الإسلام، فمادام هذا الهدف لم يتحقق فإن الحملات هي كلها صليبية والعداوات كلها صليبية.

يؤكد ذلك (رو) قائلاً: ((لم يكن القضاء على الدولة العثمانية إلا مظهراً من مظاهر الهجوم العام الذي يشنه الأوروبيون على الدول الإسلامية، ومن جزر الفلبين إلى قلب أفريقيا عمل الرجل الأبيض على بسط سيطرته على الرجل المسلم وفرض عليه مفاهيمه في الوجود وطرق معيشته وتفكيره ومخططاته وتكتيكه)).

ويقول (رو):

(إن الحرب بين الإسلام والمسيحية دامت ثلاثة عشر قرناً) وقسمها إلى أربع مراحل رئيسية، جاعلاً المرحلة الرابعة منها هي (طرد الأتراك ممن ممتلكاتهم والقضاء على قوة الإسلام في آسيا الوسطى، وفرض الاستعمار أو الحماية على القسم الأكبر من ديار الإسلام) (3)

ولم لا يكون الأمر كذلك، وأول عمل قام به الإنجليز في الهند هو إلغاء الشريعة الإسلامية، وأول عمل قام به نابليون في مصر هو تعطيل الشريعة وإحلال القانون الفرنسى محلها، وأول عمل قام به أذناب المخطط اليهودي الصليبي في تركيا هو إلغاء الشريعة الإسلامية، ثم إعلان تركيا دولة لادينية!!

ومنذ أن أحكمت اليهودية العالمية أنشوطتها على العالم الغربي، وأوقعته أسيراً في شباكها الأخطبوطية، اتخذت العداوة مساراً واحداً تحفزه الروح الصليبية وتوجهه الأفعى اليهودية، فقد تشابكت وتداخلت مصالح الطرفين، وكان الغرب الصليبي مستعداً للتخلي عن كل حقد وعداوة إلا عداوته للإسلام، في حين كانت الخطط التلمودية تروم تسخير العالم الصليبي -بعد أن شلت قواه وركبت رأسه- للقضاء على عدوها الأكبر الإسلام.

ولتوضيح ذلك نكتفي بتقرير المستشار الأول للرئيس الأمريكي جونسون سنة 1964م، ومعلوم خضوع رؤساء أمريكا للضغط اليهودي، وهو يعطينا -بالإضافة إلى ما أشرنا إليه- لمحة عامة عن الخطة العلمانية في العالم الإسلامي وآثارها المجملة.

يقول التقرير:

( ... يجب أن ندرك أن تلك الخلافات بين إسرائيل والعرب، لا تقوم بين دول أو شعوب بل تقوم بين حضارات).

(لقد كان الحوار (الصراع) بين المسيحية والإسلام محتدماً على الدوام منذ القرون الوسطى بصورة أو بأخرى! ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب، أي: خضعت الحضارة الإسلامية للحضارة الغربية، والتراث الإسلامي للتراث المسيحي! وتركت هذه السيطرة آثارها البعيدة في المجتمعات الإسلامية، حتى بعد انتهاء أشكالها السياسية، بحيث جعلت المواطن العربى يواجه معضلات ومشكلات هائلة وخطيرة، في السياسة والاجتماع والاقتصاد والعلم، لا يدري كيف يتفاعل معها في علاقاته الداخلية والخارجية على السواء).

(لقد تحرر حقاً من سيطرة الغرب السياسية لكنه لم يستطع التحرر من سيطرة الغرب الحضارية! إن ثروته البترولية تصنع وتسوق بالعقول الغربية والأساليب الغربية والآلة الغربية، إن الجيوش العربية التي هي مصدر غروره القومي تستعمل السلاح الغربي، وترتدي البزة الغربية بل وتسير على أنغام الموسيقى الغربية، حتى إن ثورته على الغرب مستمدة من المبادئ والقيم والمفاهيم الغربية التي تعلمها من الغرب، حتى أن معرفته بتاريخه وحضارته وتراثه تعزى إلى المثقفين الغربيين).

(إن غلبة الحضارة الغربية في الشرق -وهي العدو القديم للحضارة الإسلامية- قد أورثت العربي المسلم الشعور بالضعة والمهانة والصغار أمام طغيان تلك الحضارة التي يمقتها ويحترمها في نفس الوقت).

(لقد استطاعت بعض الدول الشرقية كتركيا وإيران تطوير علاقتها بالدول الغربية على أساس مصالحها القومية، لكن السياسة الغربية ما تزال تعيش على أحلام وأمجاد وأوهام الامبراطورية الإسلامية، التي كانت تقسم العالم إلى قسمين متعارضين متناقضين، يعادي أحدهما الأخر ويضمر له الشر هما: (دار الإسلام) -أي: الامبراطورية الإسلامية- ودار الحرب أي: أعداء تلك الامبراطورية على أساس الحديث (الكفر ملة واحدة) (4).

وتجدر الإشارة إلى أن خطة العمل الموحد المشترك بين الصليبية واليهودية أصبحت لزاماً وواجباً مشتركاً على كلا الطرفين بعد الموقف الصلب الذي واجه به السلطان عبد الحميد -رحمه الله- هرتزل، إذ تعين بعدها أن القضاء على الخلافة الإسلامية ضروري لمصلحة الفريقين: النصارى الذين كانت دولهم الاستعمارية تتحين الفرصة للأخذ بثأر الحروب الصليبية، واليهود الذين أيقنوا أن فشلهم مع السلطان يستوجب التركيز على العالم الصليبي وتسخيره لمآربهم التلمودية، وبلغت الخطة ذروة التوحد بعد قرار المجمع المسكوني الذي ينص على تبرئة اليهود من دم المسيح -عليه السلام- والذي كان يهدف إلى محو كل أثر عدائي مسيحي لليهود، وبالتالي إيجاد كتلة يهودية نصرانية واحدة لمجابهة الإسلام (5) وإذا كانت العداوة لم تتغير ولم تتبدل فإن الخطة تغيرت كثيراً.

الحروب الصليبية التي كان قوامها مجموعات من الأوباش والهمج، كانت خطتها عسكرية بحتة وهدفها تدمير الكيان الإسلامي بالقوة.

والحروب الصليبية الاستعمارية كانت خطتها تقوم على هدف القضاء على الإسلام، ولكن بواسطة احتلال أراضيه احتلالاً مباشراً، والمستشرق (كيمون) الذي كان يفكر بعقلية الحروب الصليبية يضع للعالم الغربي خطة لتدمير الإسلام يقول فيها:

(أعتقد أن من الواجب إبادة خمس المسلمين والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة، وتدمير الكعبة، ووضع قبر محمد وجثته في متحف اللوفر) (6).

والمبشر بالكراف يقول: (متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه) (7).

ولعل هذا التفكير البربري يستمد دلالته من إنهاء الوجود الإسلامي في الأندلس، ويطمع في أن يتكرر ذلك في المشرق.

ولكن كان هناك تفكير ذكي اتعظ بالهزائم العسكرية المتلاحقة التي مني بها الغرب، ونقب عن السر العظيم لصلابة المسلمين وانتفاضتهم المفاجئة، ووجد السر فعلاً إنه الإسلام نفسه ولا شيء سواه.

ووضع خطته الخبيثة بناءً على هذه النتيجة، خطة لا تقوم على إبادة المسلمين ولا على احتلال أراضيهم، وإنما تقوم على إبادة الإسلام نفسه واقتلاعه من نفوس أبنائه وضمائرهم، أو تقليص دائرته وعزله عن واقع الحياة.

وإذ تحول الصراع من حرب المسلمين إلى حرب العقيدة الإسلامية ذاتها؛ تغيرت ملامح وجوانب المعركة: لم يعد ميدانها الرئيسي الأرض، ولكنه الأدمغة، ولم تعد وسيلتها الوحيدة السيف بل الفكر، ولم تعد جيوشها الأساطيل والفرق ولكنها المؤسسات والمناهج بالدرجة الأولى.

وأكبر احتياطات هذه الحرب هو التكتم الشديد عن ذكر الإسلام، أو التصريح بعداوة المسلمين، ولتتخذ المعركة ما شاءت من أسماء وشعارات بعد ذلك، لتوصف بأنها معركة بين الشرق والغرب، أو بين اليمين واليسار، أو بين المصالح القومية، ولتنعت بأي شيء عدا وصفها بأنها (دينية)، لأن هذا الوصف جدير باستثارة الحمية الجهادية، واستثارتها تعني فشل الخطة برمتها، وتكرار مأساة حطين من جديد.

وأول من لفت أنظار العالم الغربي الصليبي إلى هذه الخطة هو القديس لويس ملك فرنسا، وقائد الحملة الصليبية الثانية الذي هزم وأسر في المنصورة، ثم افتدى نفسه وعاد إلى بلاده ليوصي بني ملته بنصيحته الغالية: يقول مؤرخو الغرب، وعلى رأسهم المؤرخ (جونفيل) الذي رافق لويس التاسع: (إن خلوته في معتقله بالمنصورة، أتاحت له فرصة هادئة ليفكر بعمق في السياسية التي كان أجدر بالغرب أن يتبعها إزاء العرب المسلمين).

فماذا ارتأى لويس بعد أن فكر وقدر؟

لقد كانت معالم سياسته الجديدة واتجاهاتها وأسسها على النحو التالي:

أولاً: تحويل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات صليبية سلمية تستهدف ذات الغرض، لا فرق بين الحملتين إلا من حيث نوع السلاح الذي يستخدم في المعركة.

ثانياً: تجنيد المبشرين الغربيين في معركة سلمية لمحاربة تعاليم الإسلام ووقف انتشاره، ثم القضاء عليه معنوياً، واعتبار هؤلاء المبشرين في تلك المعارك جنوداً للغرب.

ثالثاً: العمل على استخدام مسيحيي الشرق في تنفيذ سياسة الغرب.

رابعاً: العمل على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق العربي، يتخذها الغرب نقطة ارتكاز له ومركزاً لقواته الحربية ولدعوته السياسية والدينية، ومنها يمكن حصار الإسلام والوثوب عليه كلما أتيحت الفرصة لمهاجمته.

(وقد عين لويس التاسع لإنشاء هذه القاعدة الأراضي الممتدة على ساحل البحر الأبيض من غزة حتى الإسكندرية، وتشمل فلسطين والأردن والبلاد المقدسة ثم لبنان ... ) (8).

 

وقد قدر هذه النصيحة حفيده نابليون الذي أصدر عقب احتلاله لمصر بياناً افتتحه ببسم الله الرحمن الرحيم وقال فيه:

(إن الفرنسيين أنصار النبي قد قهروا البابا، فرسان مالطة فليصدقنا المصريون إذا قلنا: إننا حقاً مسلمون.

إذا لم توافقوا على آرائي فاسمحوا لي على الأقل أن أتوسل إليكم حامياً وصديقاً للإسلام، ولا يهمني أن تعترفوا بي مسلماً حقيقياً أو تنكروا وجودي بتاتاً فشعوري نحو عبيد الله لن يتغير) (9).

بل حاول تشييد جامع كبير باسمه، وكان يرتدي العمامة ويحضر احتفالات المولد ... إلخ.

أما أعماله الحقيقة التي قدم لأجلها من بلاده فما كانت لتخفى على بصير، والدرس نفسه وعته بريطانيا عندما وقف رئيس وزرائها جلادستون في مجلس العموم البريطاني، يتحدث عن خطة الاستعمار البريطانى في العالم الإسلامي، فقال:

(ما دام هذا القرآن موجوداً بين أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبة السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان) (10).

من هذا المنطلق الماكر بدأت المخططات لإخراج الأمة الإسلامية من دينها، وتعريتها من مقومات وجودها، وحملها -كما يقول جب- على العلمانية وانتظمت جيوش الغزو في ثلاثة أجنحة كبرى هي:

1 - قوى الاحتلال المباشر.

2 - المستشرقون.

3 - المبشرون كما يسمون.

ويجب أن نضيف جناحاً رابعاً هو: الطوائف اليهودية والنصرانية والباطنية في العالم الإسلامي.

1 - قوى الاحتلال المباشر:

قدمت جيوش الاحتلال العسكري إلى العالم الإسلامي تقودها عقليات غير العقلية البربرية الصليبية، فهي تتمتع بقسط كبير من الدهاء والخبث، وهي تعرف سلفاً أن لها مهمة أعظم من مهمة أجدادها، وأن نجاح هذه المهمة يتوقف على الدقة في تنفيذ الخطة الجديدة.

وقد قطفت أولى ثمرات الخطة عندما استطاعت أن تحارب جيوش الدولة العثمانية بأناس مسلمين، ساروا في ركاب اللنبي حتى فتح القدس.

وهي أول حرب صليبية في التاريخ يكون قوامها مغفلون منتسبون إلى الإسلام! وبمقتضى اتفاقية (سايكس - بيكو) توزعت عساكر الصليبيين الجدد العالم الإسلامي عدا أجزاء قليلة، وابتدأت دوائر الاستعمار تنفذ مخططها المرسوم، وتتلخص جهود هذا النجاح فيما يلي:

1 - القضاء على الحركات الإسلامية الجهادية كحركة المهدي في السودان (11) وعمر المختار في ليبية وعبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي في المغرب الأقصى وإسماعيل الشهيد في الهند، أما في مصر فقد أعدم الإمام الشهيد حسن البنا بعد أن عجزت المخططات عن احتواء دعوته، ثم ضربت الحركة بطريق مباشرة وغير مباشرة.

2 - إلغاء المحاكم الشرعية وإحلال القوانين الوضعية محلها:

لا تكاد جيوش الاحتلال تضع أقدامها على أرض إسلامية حتى تبادر بهذا العمل لأنهم يدركون نتائجه البالغة.

وأول قطر بدأ فيه إلغاء الشريعة الإسلامية، كما يقول الأستاذ المودودي هو الهند، فحتى سنة 1791 كانت الشريعة هي القانون العام فيها، ولكن الإنجليز تتدرجوا في إلغائها حتى تم ذلك في أواسط القرن الماضي، يلي ذلك الجزائر التي بدأ إلغاء الشريعة فيها عقب الاحتلال الفرنسي سنة 1830، ثم مصر التي أدخل إسماعيل (عميل فرنسا) القانون الفرنسي فيها ولم تأتِ سنة 1883 حتى كان نصيب الشريعة لا يتجاوز الأحوال الشخصية إلا قليلاً.

ثم تونس، حيث أدخل الفرنسيون قانونهم سنة 1906 ليتدخل حتى في الأحوال الشخصية، وفي سنة 1913 وضعوا في المغرب قانوناً مدنياً مماثلاً لما في تونس (12).

أما بلاد العراق والشام، فقد تأخرت في ذلك بسبب تبعيتها للقضاء العثماني الذي يعتمد على مجلة الأحكام العدلية، ولم تلغ الشريعة إلا بعد إلغاء الخلافة وثبوت أقدام الإنجليز والفرنسيين فيها.

3 - القضاء على التعليم الإسلامي والأوقاف الإسلامية: أدرك المستعمرون أن أعظم وسيلة لإبعاد المسلمين عن دينهم هو أن يكونوا جهلاء به، واتعظوا بمصير (كليبر) (13) على يد طالب الأزهر: سليمان الحلبي، وبما ذاقوه من مقاومة في الهند والمغرب تزعمها علماء الشريعة وطلابهم، فوضعوا المخططات الماكرة لتقليص التعليم الديني تدريجياً، وإحلال التعليم اللاديني محله، وأشهر هذه المخططات مخطط كرومر ودنلوب في مصر، الذي انتهج سياسة بعيدة المدى دقيقة الخطى في القضاء على الأزهر ومعاهده وكتاتيب القرآن، ووضع نموذجاً خبيثاً للدس على الإسلام وتشويه تاريخه خلال المنهج التعليمي، ولا أدل على نجاح هذه الخطة من بقاء آثارها إلى اليوم في مصر والدول العربية عامة (14).

وفي العراق وضع المستر كوك خطة مماثلة حولت العلماء إلى موظفين بمديرية الأوقاف، وبحجة تنظيم الأوقاف إدارياً ومنهجياً قضي على التعليم الديني الذي كان يعيش على أموال الأوقاف، بل أقفلت الجوامع التي كان القرآن يحفظ فيها (15).

وفي بلاد المغرب كان الفرنسيون يحولون الجوامع والزوايا إلى إسطبلات للخيول ومخازن للسلاح بعد طرد طلابها، في الوقت الذي كان فيه التعليم اللاديني يدعم بكل وسيلة (16).

وبلغ هذا العمل قمته بالجامعات والكليات التي بنيت في إسلامبول والقاهرة وبيروت ولاهور وغيرها، تلك التي كانت -ولا يزال ما بقي منها- لا دينية صرفة.

4 - استخدام الطوائف غير الإسلامية وإحياؤها، وهذه الخطوة من أخبث الخطوات وأعمقها دلالة، فحيثما حل المستعمرون يقومون بنبش العقائد الميتة أو تنظيم الطوائف غير الإسلامية، ويمهدون لها السبيل لتولي المناصب المهمة، مستثيرين حقدهم على المسلمين بالزعم بأن الفتح الإسلامي كان استعماراً لهم، وأن المسلمين متعصبون ضدهم ... إلخ، ففي بلاد الشام تعهدت فرنسا بدعم النصارى وسلمتهم الوظائف العليا، ونظمت فلولهم في جمعيات ومؤسسات عسكرية ومدنية، وعند إنشاء الجامعة السورية -مثلاً- عينت لها مديراً نصرانياً هو قسطنطين زريق.

أما الطوائف الباطنية فقد استطاعت بواسطة المستشرقين أن تبعث عقائدها وتنشر كتبها، وسمى الفرنسيون النصيرية (علويين)، واصطنعوهم عملاء لهم وحرضوهم على الالتحاق بالجيش، حتى احتالوا قيادته العليا، وأخيراً استطاعوا أن يتحكموا في الأكثرية المسلمة، وأن ينظموا فرقاً عسكرية حديثة خاصة بهم.

وفي مصر أقيمت القضية نفسها (قضية التعصب) على قدم وساق، وتحت ستار اللاتعصب واللاطائفية، مكن للأقباط من بناء الكنائس والمدارس بكثرة، وتولي المناصب الوزارية في الحكومة برعاية الإنجليز، ومعروفة سيرة الخائن يعقوب القبطي، الذي تعاون وقومه مع الفرنسيين حتى سموه: (الجنرال يعقوب)! (17)

وفي معظم دول أفريقيه خرج الاستعمار مخلفاً وراءه حكومة نصرانية تحكم شعوباً تصل نسبة الإسلام في بعضها إلى (99%).

أما في الهند فقد تحول المسلمون فيها بعد الاستعمار من قوة حاكمة إلى أقلية ضعيفة ينهشها الإنجليز والهندوس والسيخ والبوذيون من كل جانب.

وهذا غير الطوائف التي أحدثها الاستعمار لهدم العقيدة الإسلامية كالبابية والبهائية والقاديانية التي تتضح عمالتها له بمرور الأيام (18).

 

 

 


(1) وجهة الإسلام: (17 - 18).

(2) الإسلام على مفترق طرق، محمد أسد: (55 - 56)، والعراب تعبير كنسي يقصد به وكيل الطفل المعمد.

(3) الإسلام في الغرب: (41 - 42 - 43 - 56 - 69 - 70).

(4) عن معركة الإسلام: الصواف، (183 - 184)، ومن الضروري لمعرفة بعض أساليب المخطط الخبيث الاطلاع على كتاب (لعبة الأمم) لكوبلاند. 

(5) انظر فصل: متى تنتهي هذه الأحقاد: حصاد الغرور، محمد الغزالى.
(6) جلال العالم: قادة الغرب يقولون: (46).
(7) الغارة على العالم الإسلامى: (37).

(8) عن معركة المصحف، محمد الغزالي: (204، 206 - 207).

(9) أحمد جل الوحيد، نابليون المسلم: (20، 21).
(10) جلال العالم: قادة الغرب يقولون: (38).

(11) هذه الحركة منحرفة عن الإسلام، ولكن مقاومتها للإنجليز باسم الإسلام هى جوهر الصراع، وهذا هو ما نريده هنا فحسب.

(12) انظر: دفاع عن الشريعة: علال الفاسي: الفصل الثانى عشر.
(13) الحاكم العسكري الفرنسي لمصر أيام احتلال نابليون، وانظر تفاصيل الحادثة في تاريخ الجبرتي.
(14) انظر: كتاب هل نحن مسلمون، محمد قطب: (136) فما بعدها.
(15) انظر: كتاب المخططات الاستعمارية: (148) فما بعدها.
(16) انظر: الغزو الفكري، جلال كشك: (48).
(17) انظر: المصدر السابق: (103).
(18) انظر: رسالة الماجستير التي قدمها الأخ أحمد سعد حمدان بعنوان: (عقيدة ختم النبوة والفرق المخالفة لها).
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

5 - اصطناع العملاء من أبناء المسلمين: كان من النصائح التي قدمها القسيس زويمر للمبشرين قوله:

(تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم. لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها) (1).

وقد نفذت هذه النصيحة في البلاد الإسلامية جميعها، واستطاع المستعمرون أن يكونوا من العناصر الضعيفة الإيمان قوىً منظمة بعضها أحزاب سياسية، وبعضها اتجاهات فكرية تربت على عين الاستعمار وسمعه، وحشيت أذهانها بما أملاه أعداء الإسلام، وظل الشعور بالنقص والتبعية للغرب هو إحساسها الدائم.

واختير من تلك القوى أفراد قدر المستعمر، أنهم أفضل المطايا له، فصنع لهم بطولات ضخمة، وأثار حولهم الغبار الكثيف، حتى خيل للأمة أن على أيديهم مفتاح نهضتها وبناء مجدها، فطأطأت لهم الرأس حتى إذا تمكنوا منها أنزلوا بها من الذل والدمار وخراب العقيدة ما لم تذقه على يد أسيادهم

وإن كتاب (الرجل الصنم)، (2) الذي كتبه ضابط تركي سابق، ليقدم لنا واحداً فقط من هؤلاء الأفراد المصطنعين، نسج على منواله في عالمنا العربي كثير.

وليس أدل على ذلك من أن القوى التي حكمت العالم الإسلامي بعد رحيل الاستعمار لم تكن الحركات الجهادية التي جابهت المستعمرين، بل كانت أحزاباً وقوى مشبوهة تشهد أعمالها وآثارها بأنها جنت على الأمة ما لم يجنه الأعداء السافرون، مما يعطي الدليل الواضح على أن تنفيذ المخطط اليهودي قد وكل إليهم، مع اختلاف في الأدوار وتنوع في الإخراج.

6 - تنفيذ توصيات المستشرقين والمبشرين، والإشراف على إنجاح مهامهم، وتذليل العقبات التي قد تعترض جهودهم.

هذا غير الهدف الظاهر للاستعمار، وهو إذلال العالم الإسلامي، وتسخير أبنائه وثرواته لأطماع المستعمرين!

2 - المستشرقون:

المستشرقون أدمغة الحملات الصليبية الحديثة، وشياطين الغزو الثقافي للعالم الإسلامي، ظهروا في حلبة الصراع في فترة كان المسلمون فيها يعانون من الإفلاس الحضاري والخواء الروحي وفقدان الذات، مما جعل الفرصة سانحة لأولئك الأحبار الرهبان، وجنود الصليبيين الموتورين؛ كي يثأروا لهزائمهم الماضية وينفثوا أحقادهم الدفينة.

واقتضت خطة وجودهم في عصر يعبد العلم ويضفي عليه قداسة الوحي في العصور السابقة، أن يخلعوا عن كواهلهم مسوح الرهبان والأحبار وسلاح الميدان، ويرتدوا لباس العلم ومسوح المعرفة، ثم جندوا آلاف المخطوطات ومئات المؤسسات الثقافية المختلفة لمعركة استئصال الإسلام، وعكفوا في صوامع البحث يديرون الصراع المرير بخبث ودهاء.

وما كان ليغيب عن بالهم أن القضاء على الأشلاء الباقية من الكيان الإسلامي الضخم، وسد كل الطرق التي قد تهيئ لبعث الحياة فيها، لا تتم إلا بسلب الأمة ذاكرتها متمثلة في تراثها العظيم، وفي الوقت نفسه شن حرب نفسية شرسة لإبادة مالا يزال عالقاً في أذهان المسلمين من عقائد الإسلام ومفهوماته، وإن لم تكن الإبادة التامة فلتكن الزعزعة والتفتيت.

وتتلخص جهودهم العملية في هذه الفقرات التي يقتضي المقام إيجازها:

1 - الطعن في حقيقة الإسلام وحقيقة القرآن والنبوة، فقالوا عن الإسلام: إنه تطوير محرف لليهودية والنصرانية، أو هو جزء من مجموعة الأديان الشرقية تولد من احتكاك الوثنية العربية بأديان فارس والهند.

وإن القرآن من وضع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو هو من إملاء راهب نسطوري تعلم محمد على يديه مدة طويلة في الشام!! أو هو نتف من نسخ التوراة والإنجيل المهجورة وآراء المتحنثين من العرب كورقة بن نوفل، مع اقتباسات من الحكمة الشعرية لبعض المتأملين الروحانيين كأمية بن الصلت ... إلخ،

ثم قالوا: إن القرآن بعد وفاة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان موزعاً بين بعض الصحابة في العظام والجلود، وجزءٌ منه محفوظ في الصدور حفظاً غير تام ولا متناسق، وبعد سبعين سنة -أي: بعد أن تبعثرت العظام والجلود ورمت ومات الحفاظ- وجد المسلمون أن الضرورة تقتضي جمع القرآن فاجتمعوا (كما يجتمع رجال اللاهوت!) وأحضر كلٌ منهم ما كان في حوزته منه، واتفقوا على تنظيمه وتبويبه، لكنهم تشاجروا في مواضع كثيرة، وأخيراً فرضت السلطة الحاكمة نسخة معينة وأحرقت كل النسخ المخالفة بدون مبرر، ونتيجة لذلك جاءت النسخة المعتمدة غير متحدة الموضوع ولا متناسقة السياق -بالإضافة إلى كونها غير مرتبة فالسور التي وضعها أو جمعها محمد في أول ادعائه النبوة وضعت في آخرها بينما وضعت الأخيرة في أولها ... إلخ، ثم يقولون: إن اليسار الإسلامي - الشيعة والرافضة- ظل يحتفظ بنسخ أخرى تبلغ أضعاف النسخة المتداولة، التي كان يعتقد أن قسماً كبيراً منها قد فقد بسبب شاة تسللت إلى موضعها فأكلت الجزء المتعلق بالخلافة والسياسة من بعد محمد!!

أما نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد قالوا عن تلقى الوحي: إنه نوبات من الصرع والهستيريا، أو نوع من العبقرية الشعرية في أحسن تقدير، أو أن محمداً لم يكن إلا اللسان المعبر عن المذهب الذي كان يعتقده الراهب بحيرا (وكان يمليه عليه في الصحراء العربية، ويكتبه ثم يدعي أنه وحي من الله).

وقالوا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه إنه كان مجهول النسب، ولذلك دعي ابن عبد الله، كعادة العرب فيمن يجهلون أباه! وأن اسمه الأصلي قثم، فلما عبده العرب سموه محمداً للتقديس، وأنه كان (حاشاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رجلاً شهوانياً ويعاقر الخمرة ... ، بل تطرف بعض المستشرقين الشيوعيين، فقالوا إنه شخصية خيالية!

أما الطعن في السنة فقالوا: إن محمداً في حياته كان يعد كل ما يتكلم به قرآناً، وبعد موته ونشوب النزاع السياسي بين المسلمين احتاجت الأطراف المتنازعة إلى تأييد آرائها، وإذ لم تجد ما تؤيدها به من القرآن نسبت كل فرقة إلى محمد أقوالاً كثيرة لصالحها، ومن مجموع هذه الأقوال كتب علماء المسلمين بعد ثلاثة قرون -أي: بعد أن يكون كل شيء قد ضاع واختلط- كتباً سميت كتب الحديث والسنة، وألزموا المسلمين بالإيمان بها كالقرآن، فاعتقدها المسلمون -باستثناء اليسار طبعاً-، وسموا أتباعها أهل السنة تمييزاً لهم عن اليساريين!!

ثم يعمدون إلى النقد المفصل للسنة، فيطعنون في كبار حفاظها كأبي هريرة والزهري، ويقولون إن بعض الشخصيات كعروة بن الزبير - الذي يروي عن خالته عائشة -أم المؤمنين- شخصية خيالية!! (3)

2 - القول بأن الإسلام استنفذ أغراضه: وهي دعوى تأتي في صور شتى، منها وصف الإسلام بأنه دعوى أخلاقية، جاءت لإنقاذ المجتمع العربي من عادته السيئة، كعبادة الحجارة ووأد البنات والسلب والنهب وشرب الخمر ... إلخ.

وتارة يوصف بأنه حركة اجتماعية تهدف إلى تغيير البنية الاجتماعية القبلية، والاستبدال بها تركيباً اجتماعيا قومياً متحضراً للعرب.

ومرة يقال وهو خاص بالمستشرقين الشيوعيين -إن الإسلام ثورة غير ناضجة ضد الطبقة التي كانت تسود المجتمع المكي، تولدت من الصراع بين الطبقة الكادحة، مثل محمد وبلال وصهيب، والطبقة الرأسمالية أمثال الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف.

وأقوال أخرى مؤداها اعتبار الإسلام ظاهرة معينة في فترة زمنية محدودة، يجب أن يدرس وينظر إليها، كما لو كان قطعة من الأحافير القديمة لا علاقة لها مطلقاً بالواقع المعاصر.

3 - القول بأن الإسلام طقوس وشعائر روحية، أو على أحسن الأحوال دين بالمفهوم الغربي الضيق، فلا دخل له بأمور الحكم والحياة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي ... إلخ.

وقضية الخلافة بدعة لا أساس لها في الإسلام، ومحمد إنما جاء ليؤسس ديناً، ولم يكن يهدف إلى تكوين دولة .. وعندما خرجت جيوش الإسلام الأولى لم يكن هدفها إلا السيطرة على المستعمرات الرومانية الخصبة وإكراه أهلها على الإسلام، لكن العرب الفاتحين أعجبوا بالتنظيمات السياسية والإدارية التي كانت لدى الروم فاقتبسوها منهم، ثم أدخلوها في صلب عقيدتهم بغرض التلبيس على العوام وضمان استمرار نفوذهم، ومنذ ذلك الحين ظهرت البدعة القائلة إن الإسلام دين ودولة في آن واحد!!

4 - القول بأن الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني:

وهي دعوى مركبة على الدعوى السابقة، هدفها إسقاط توحيد الألوهية من جهة، وتهوين شأن الأخذ من القوانين الوضعية من جهة أخرى، فما دام الفقه القديم مستقى من أصول أوروبية، فما المانع اليوم من الاقتباس من القوانين الأوروبية كالقانون الفرنسي أو السويسري ... إلخ.

5 - الادعاء بأن الشريعة الإسلامية لا تتلاءم مع الحضارة:

وواضح أن هذا الادعاء يقوم على استغلال الشعور بالنقص، والإحساس بالتخلف الذي وخز الأمة الإسلامية عند احتكاكها بالحضارة الأوروبية، فقالوا: إن الإسلام دين قبلي صحراوي، وشعائره وتشريعاته لا تنسجم مع الحياة العصرية المتمدنة، وكيف يصح أن يعيش الإنسان في عصر الصواريخ والطائرات على شريعة الصحراء والجمال، بل إن هذه الشريعة نفسها هي سبب التخلف وداء الشرق العضال، وأن السبيل إلى التطور والحضارة لهو نبذ محمد وكتابه.

6 - الدعوى إلى نبذ اللغة العربية، وهجر حروفها وأساليبها:

وهي دعوى موازية للدعوى السالفة، وتحتج بالحجة نفسها -عدم ملاءمتها للحضارة -وغرضها مسخ الأمة وقطع صلتها بدينها نهائياً، ومنها تفرع القول: بأن النحو العربي غير علمي، وافتعال التضاد بين قواعد النحو واللغة وبين أساليب القرآن بقصد هدم الاثنين.

والزعم بأن الشعر الجاهلي، وكثيراً من شعر صدر الإسلام منحول، لأن اللغة والتفسير يستمدان الشواهد منه.

7 - إثارة ما سمي: (قضية تحرير المرأة):

وهي دعوى ركز عليها أولئك، لعلمهم بنتائجها المتعددة التي منها: الطعن في الشريعة ذاتها لأنها سبب احتقار المرأة -بزعمهم-، ونشر الإباحية والانحلال في المجتمع الإسلامي، والقضاء على الأسرة الذي يؤدي إلى تجهيل النشء بدينه، ويتيح لهم الفرصة لتربية أبناء الإسلام كما يشاءون فقالوا: إن الإسلام يحتقر المرأة لذاتها، ولا يجعل لها قيمة معنوية سوى الاستمتاع المجرد، وأنه يبيح بيع وشراء وسبي النساء، وأنه يوجب على المرأة أن تعيش وتموت جاهلة مهملة بما يفرض عليها من الحجاب، ويعد حقها في الترفيه والاستمتاع عاراً شنيعاً، في حين يتاح للرجل كل وسائل اللذة بالتسري وغيره ...

ومزاعم أخرى كثيرة كان الواقع السيئ يمدهم بأدلتها، ويسهل لهم إثارتها.

8 - تهوين شأن الحضارة الإسلامية، وتشويه تاريخها:

يزعم المستشرقون أن أعظم مآثر المسلمين الحضارية هو نقل التراث اليوناني -نقله فقط وحفظه من الضياع - وأن روائعهم العمرانية مقتبسة من الفن البيزنطي ... إلخ، أما تشويه التاريخ الإسلامي فلم يدعوا وسيلة لذلك إلا سلكوها، حتى سلبوه كل فضائله، وحصروه في الناحية السياسية؛ ليصبح سلسلة من المشاحنات والمؤامرات والدسائس، ثم كرسوا الحديث عن الحكام في موضوعات الحريم والجواري والشعراء، وعمدوا إلى عظمائه في الحرب والسلم، فوصفوهم بالجمود والتزمت ومعاداة التحضر، واتخذوا من الخزعبلات المدسوسة في التراث مصادر لتشويه سيرهم، ومن هنا بذلوا جهودهم لترجمة ونشر تلك الخزعبلات ومنح الدرجات العليا للباحثين فيها، وكانت ثمرة ذلك كله أن مفهوم الحضارة الإسلامية لا يتجاوز عند غالبية المثقفين معنى كلمة (فولكلور).

9 - بعث الحركات الهدامة والطوائف الضالة وتضخيم أدوارها:

هذا العمل جزء من تشويه تاريخ الإسلام، إلا أنه استأثر باهتمام بالغ منهم، لأنه يحقق أغراضاً كثيرة في آن واحد، فقد حرصوا على تجديد الغزو الفكري البائد، الذي نظمته الطوائف والفرق المنحرفة كالباطنية بفروعها المتعددة من إسماعيلية وقرامطة وبابكية، والعبيديين المسمين فاطميين والزنج أًصحاب الثورة المعروفة، والدروز، والمتصوفون وفرقهم، مع العناية الخاصة بالشخصيات الضالة كالحلاج وعبد الله بن سبأ وعبد الله بن ميمون القداح والحاكم العبيدي .. الخ، هذا غير الفرق التي أحدثت للغرض نفسه كالقاديانية والبابية وفروعهما.

10 - نبش الحضارات القديمة وإحياء معارفها:

تخصص عدد من المستشرقين في هذا المضمار، فعكفوا على دراسة اللغات البائدة والتنقيب عن آثار الغابرين، ولفقوا من رفات هش ما أسموه التاريخ الحضاري للعرب، ثم مدوا آثار تلك الحضارات إلى العصر الحاضر، فبدا الفتح الإسلامي وحضارته نشازاً في هذه السلسلة، أو في أحسن الأحوال عاملاً من بين عوامل عدة.

ومن أمثلة ذلك بعث الفرعونية في مصر والفينيقية والآشورية في الهلال الخصيب والحميرية في اليمن، واختلقوا القومية الطورانية لحساب الجمعيات السرية التركية -كما سيأتي- ونجم عن ذلك نتائج خطيرة، منها: تحسين سمعة الجاهلية وتمجيد طواغيتها الغابرين، وبث النعرات الانفصالية، وقطع صلة الأمة بماضيها الحقيقي، أو على الأقل إشغالها عنه، وتهيئة النفوس لتقبل إمكان قيام الحياة المتحضرة بدون الإسلام كما عاشت تلك الحضارات قبله.

11 - وضع منهج لاديني للبحث العلمي:

لو لم يكن من ثمرة جهودهم إلا ذلك لكفى، فإن جامعات العالم الإسلامي المعاصرة تدرس التراث الإسلامي وفق ذلك المنهج الذي يتمسح بالموضوعية والحياد العلمي، وهو أبعد ما يكون عنهما، ومن أوضح وأقرب الأمثلة على ذلك ما نلحظه في كتابات كثير من الباحثين المسلمين، من إصرار على استعمال عبارة (قال القرآن) عند إيراد الآيات احترازاً من قول: (قال الله) وإطلاق لفظة (محمد) تماماً كما يستعملها المستشرقون بدون ذكر الرسالة أو الصلاة عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ومع كون هذا المنهج لادينياً فهو في الوقت نفسه غير علمي، لأنه غالباً يدور على هذه الأسس:

1 - يعمل المستشرقون على إخضاع النصوص الفكرية التي يفرضونها حسب أهوائهم، والتحكم فيما يرفضونه من النصوص، وكثيراً ما يحرفون النص تحريفاً مقصوداً، ويقعون في سوء الفهم، -وعن عمد أحياناً- حين لا يجدون مجالاً للتحريف.

2 - يتحكم المستشرقون في المصادر التي يختارونها، فهم ينقلون من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ الحديث النبوي، ومن كتب التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه، ويصححون ما ينقله الدميري في كتاب (الحيوان)، ويكذبون ما يرويه الإمام مالك في الموطأ) (4) ويهاجمون صحيح البخاري، ويمجدون كتاب الأغاني، وألف ليلة وليلة.

وعلى الرغم من ذلك، سرت عدوى هذا المنهج في أبناء المسلمين إلى حد يثير الريبة والعجب، وقبل أن نختتم الكلام عن أساليب المستشرقين ينبغى أن نشير إلى أن أعمالهم تسير وفق خطة مدروسة، ولذلك فهي تتغير تبعاً لمقتضيات التغير بعد تقييم نتائج المرحلة السابقة، ولذا فلا غرابة أن تختفي من كتبهم الأساليب الاستفزازية والطعن المكشوف، إذ يبدو أن خطة (احتواء الفكر الإسلامي) هي المعمول بها حالياً.

وأياً ما كانت النتائج، فإن ما اضطلع به هؤلاء من مهمة تدمير المقومات الإسلامية، وتمهيد الأرضية الفكرية التي تقوم عليها الحياة اللادينية في الشرق قد آتى أكله في أكثر من ميدان.

3 - المبشرون:

كما أن للمستشرقين والمبشرين أهدافاً مشتركة، فإن لهم وسائل متداخلة، ويمكن القول بأن ميدان المستشرقين الأساسي هو الثقافة والفكر، بينما يركز المبشرون جهودهم في النواحي الاجتماعية والتربوية.

وليس غريباً أن يجهل المسلمون الدوافع الحقيقية للتبشير، فقد كان يجهلها بعض أتباع الإرساليات التبشيرية أنفسهم، إذ لم يكن الجميع يدركون أبعاد الخطة الجديدة ومراميها، بل كانت العقلية الصليبية التي استثيروا بها من بلادهم لا توحي لهم بكل ذلك.

وهذا ما اضطر القس زويمر -رئيس مؤتمر القدس التبشيري- إلى إيضاح ذلك فقال: "أيها الإخوان الأبطال، والزملاء الذين كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية واستعمارها لبلاد الإسلام، فأحاطتهم عناية الرب بالتوفيق، الجليل المقدس، لقد أديتم الرسالة التي نيطت بكم أحسن الأداء، ووفقتم لها أسمى التوفيق وإن كان يخيل إليّ أنه مع إتمامكم العمل على أكمل الوجوه لم يفطن بعضكم إلى الغاية الأساسية منه) (إني أقركم على أن الذين أدخلوا من المسلمين في حظيرة المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين، لقد كانوا كما قلتم (أحد ثلاثة: إما صغير لم يكن له من أهله من يعرفه ما هو الإسلام، أو رجل مستخف بالأديان لا يبغي غير الحصول على قوته، وقد اشتد به الفقر وعزت عليه لقمة العيش، وآخر يبغي الوصول إلى غاية من الغايات الشخصية، ولكن مهمة التبشير التي قد ندبتكم دول المسيحية بها في البلاد المحمدية، ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً! وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به في خلال الأعوام السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه وتهنئكم دول المسيحية والمسيحيون جميعاً كل التهنئة، لقد قبضنا -أيها الإخوان- في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير والكنائس والجمعيات والمدارس المسيحية الكثيرة، التي تهيمن عليها الدول الأوروبية والأمريكية، والفضل إليكم وحدكم -أيها الزملاء- أنكم أعددتم بوسائلكم جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد.

إنكم أعددتم نشئاً (في بلاد المسلمين) لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده الاستعمار المسيحي، لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات، فإذا تعلم فللشهوات وإذا جمع المال فللشهوات وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء، إن مهمتكم تمت على أكمل الوجوه وانتهيتم إلى خير النتائج وباركتكم المسيحية، ورضي عنكم الاستعمار، فاستمروا في أداء رسالتكم، فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضوع بركات الرب" (5).

أما الوسائل المستخدمة لذلك فهي كثيرة، نذكر منها:

1 - إدخال من استطاعوا من المسلمين في الديانة النصرانية، وهذا وإن لم يكن الغاية الأساسية -كما قال زويمر- فهو يؤدي إلى زعزعة إيمان الآخرين وتثبيط هممهم، والواقع أن الكنائس النصرانية تغتبط بذلك جداً، لأنه أخذ بالثأر من الإسلام الذي اجتاح ديارها قديماً، كما أنه نوع من التعويض الآيس للخسارة الفادحة التي أنزلتها أوروبا الحديثة بالمسيحية.

2 - فتح المحاضن والمدارس والكليات والجامعات في أنحاء العالم الإسلامي: ولو أننا أخذنا مثالاً على ذلك أفريقيه وحدها، فسوف نجد أرقاماً مذهلة للمراكز التعليمية فيها: فهناك معاهد تعليمية يبلغ عددها (16.671) معهداً، أما الكليات والجامعات فتبلغ 500 كلية وجامعة، ويبلغ عدد المدارس اللاهوتية لتخريج القسس والرهبان والمبشرين (489) مدرسة، أما رياض الأطفال فيتجاوز عددها (1113) روضة.

ويبلغ عدد أبناء المسلمين الذين يشرف على تعليمهم وتربيتهم وتوجيههم أكثر من خمسة ملايين (6).

3 - تحطيم عقيدة الولاء والبراء: تلك التي تمثل حاجزاً نفسيا منيعاً في نفوس المسلمين تجاه الكفار، وذلك بإخفاء الدوافع التبشيرية تحت ستار المساعدات الإنسانية، فقدموا المعونات الطبية والغذائية، وأدخلوا بعض وسائل المدنية مستغلين واقع المسلمين الذي هو أحوج ما يكون إلى مثل هذه المعونات والوسائل، وقد ركز المبشرون اهتمامهم في السنوات الأخيرة على أندونيسيا وبنغلادش، كما ابتدءوا في اليمن بنشاط مستغلين الفقر الذي يعم هذه الدول.

4 - الاهتمام بإفساد الريف الإسلامي: إن جهود المستشرقين -مهما عظمت- تظل محصورة في نطاق الثقافة والمثقفين، ولذلك اهتم المبشرون، بالريف الذي يتميز بمحافظته على التقاليد الإسلامية، مما يجعله أقل تقبلاً للإفساد، إلا أن تفشي الجهل والمرض وغلبة العوز على أبنائه يتيح لهم مناخاً مناسباً، فأنشئوا المراكز الاجتماعية والصحية والمهنية، وأسسوا المدارس والمحاضن المختلفة، ونظموا برامج توطين البدو ومحو الأمية بين الكبار بهدف النفاذ إلى عقول أكبر قدر ممكن من طبقات وقطاعات الشعب.

5 - التركيز على إفساد المرأة المسلمة: رأى المبشرون أن حجاب المرأة المسلمة يقف سداً منيعاً دون إفسادها، وبالتالي إفساد الأجيال المؤمنة، فبذلوا كل جهودهم لإخراجها من حرزها الذي لم يستطيعوا اقتحامه عليها، ولا شيء يعدل التعليم في ذلك. ولهذا قالت إحدى المبشرات: "في صفوف كلية البنات في القاهرة بنات آباؤهن باشاوات وبكوات، وليس ثمة مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي، وليس ثمة طريق إلى حصن الإسلام أقصر مسافة من هذه المدرسة" (7).

كما سخروا أجهزة الإعلام المختلفة وأنشئوا مراكز الفساد تحت ستار الترفيه أو الفنون للغرض نفسه.

6 - السيطرة على وسائل التربية والإعلام والتوجيه، واستخدامها لنشر سمومهم، وتوهين العقيدة الإسلامية في النفوس، وعرض الشبهات حول كمال وصلاحية الشريعة، أو على الأقل الانحراف بهذه الوسائل عن مقاصدها الصحيحة إلى العبث واللهو، مع صرف العناية إلى الأطفال والنفاذ إلى عقولهم من خلال تلك الوسائل.

7 - تشجيع تحديد النسل: تلك البدعة التي لم يعرفها المسلمون قبل قدوم هؤلاء، وهي جزء من مخطط الغرب الرامي إلى ضمان سيطرته على الأجناس غير البيضاء والمسلمين بصفة خاصة، لأنهم -مع كونهم عدوه الألد- أكثر أمم الأرض تناسلاً، والإيحاء المستمر لهم بأن سبب الضائقات الاقتصادية ينحصر في زيادة نسبة المواليد، هذا في الوقت الذي يشجع فيه المبشرون الطوائف غير الإسلامية كالأقباط والموارنة على الإكثار من النسل.

8 - استهلاك جهود العلماء والدعاة في مقاومة أفكار التبشير مما يضيق عليهم الفرصة للعمل والبناء، ويعطل جهودهم المثمرة.

9 - مراقبة العالم الإسلامي والتجسس عليه، وجس نبض الأمة ورصد الحركات الإسلامية، وقد ثبتت صلة الإرساليات التبشيرية بدوائر الاستخبارات الدولية، وهذا هو المفروض والمتوقع ما دامت الغاية واحدة.

4 - نصارى العرب:

ليس غريباً أن يكون أول من دعا إلى العلمانية بشعارها الصريح، أو تحت أسماء أخرى كالقومية والوطنية هم نصارى الشرق، فإن الحياة المطمئنة التي كفلها لهم المجتمع الإسلامي -بل المحاباة الزائدة في الكثير من الأحيان- لم تكن لتطفئ نار الحقد المتأججة في صدورهم، وإذ كانوا يدركون أن هيمنة الشريعة الإسلامية هي العائق الأكبر لشفاء غيظهم ونفث أحقادهم، فقد استماتوا في سبيل إنهاء هذه الهيمنة وإحلال الأنظمة اللادينية محلها، وانطلاقاً من ذلك وجد المخطط اليهودي الصليبي فيهم بغيته المنشودة لهدم الخلافة الإسلامية، وبالتالي القضاء على الحكم الإسلامي بعزل الشريعة عن ميدان الحياة، وتوجيه المجتمع (راجع البند الثالث من مخطط لويس التاسع).

ولم يكن يخفى على هؤلاء ما ألحقته العلمانية بدينهم في أوروبا، بل إن ذلك هو الدافع للمناداة بها في الشرق لكي تقضي على الإسلام أيضاً.

صحيح أن انتشار العلمانية سوف يؤثر على النصرانية -أيضاً- مهما بذلت الاحتياطات، ولكن ما دامت تقضي على الإسلام فلا بأس على حد قول الشاعر:

اقتلوني ومالكاً واقتلوا مالكاً معي

وجهود نصارى الشرق في هذا المضمار كثيرة لا يتسع المجال لتفصيلها، ولكن يمكن تقسيمها قسمين:

1 - الأعمال السياسية:

وقد كانوا على صلة وثيقة بالجمعيات الهدامة في الغرب وشبكات الجاسوسية العالمية. ولذلك كونوا الجمعيات السرية التي تناهض الخلافة الإسلامية، وتدعو إلى حكومة لادينية وطنية أو قومية، من هذه الجمعيات: جمعية بيروت فارس نمر، وجامعة الوطن العربي (نجيب عازوري) والجمعية القحطانية، وجمعية العربية الفتاة، ثم الحزب القومي السوري (أنطوان سعادة) -وأخيراً- حزب البعث (ميشيل عفلق) (8).

2 - الأعمال الفكرية:

كان هؤلاء أول من نشر الثقافة والفكر الغربيين مستخدمين الوسائل الحديثة لا سيما الصحافة، فأصدروا صحفاً كثيرة منها: الجنان والمقتطف والهلال، وكان محرورها أمثال نصيف اليازجي ويعقوب صروف وجرجي زيدان يمثلون طلائع اللادينية في الشرق الإسلامي.

واتجه قسم منهم إلى التراث والتأليف الموسوعى اتجاهاً يشابه طريقة المستشرقين، فألفوا المعاجم اللغوية والقواميس للترجمة وبعض الموسوعات والبحوث، ومن هؤلاء أحمد فارس الشدياق (9) وبطرس البستاني ولويس شيخو.

وبعضهم انكب على الفلسفات العربية فنشر مؤلفاتها، ومجد زعمائها ودعا العرب إلى اعتناقها وإقامة حياتهم على أسسها، من هؤلاء شبلي شميل الداروسي-المتطرف- وسلامة موسى.

كما ظهر منهم شعراء أذكوا بشعرهم الحماسي القومي ضد الإسلام مثل: إبراهيم اليازجي وبشارة الخوري والشاعر القروي وشعراء المهجر.

ويعترف ألبرت حوراني بأنه (قد نادى بفكرة مجتمع قومي علماني فريق من الكتاب المسيحين (10) السوريين، وينقل عن أحدهم شبلي شميل الدارويني قوله: "ليس الحكم الديني والحكم الاستبدادي فاسدين فحسب، بل هما غير طبيعيين وغير صحيحين، فالحكم الديني يرفع بعض الناس فوق سواهم، ويستخدم السلطة لمنع نمو العقل البشرى نمواً صحيحاً ...

وهما يشجعان العقل على البقاء في حالة الجمود، وبذلك يعرقلان التقدم التدريجي الذي هو ناموس الكون، لكن بالإمكان تصور نظام للشرائع والحكم يقوم على نواميس الكون، ويسمح بالتالي لتطور النمو الكوني أن يستمر، وللإنسان أن يعيش وفقاً لطبيعته) إلى أن يقول: (والأمم تقوى بمقدار ما يضعف الدين، فهذه أوروبا لم تصبح قوية ومتمدنة فعلاً إلا عندما حطم الإصلاح والثورة الفرنسية سلطة الاكليروس على المجتمع وهذا يصح أيضاً على المجتمعات الإسلامية" (11).

ويتحدث عن فرح أنطوان فيقول: (كان هدفه السياسي شبيهاً بهدف الشميل وسواه من كتاب عصره اللبنانيين، ذلك أنه توخى وضع أسس دولة علمانية يشترك فيها المسلمون والمسيحيون على قدم المساواة التامة) وينقل عنه قوله: (إن العالم قد تغير، فالدول الحديثة لم تعد قائمة على الدين، بل على أمرين: الوحدة الوطنية وتقنيات العلم الحديث).

وقوله: "أما في العصر الحديث فالوحدة تتم بخلق الولاء القومي، والفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية" (12).

وصدر مثل هذه الدعاوى عن معظم الكتاب والصحفيين النصارى، وبإمكان المرء أن يلمس شيئاً من ذلك في أي كتاب لسلامة موسى، أو مقال لأمير قطر -مثلاً-.

أما الجمعيات والأحزاب السياسية فغير خافٍ ما تقوم عليه أسسها وشعاراتها من تنكر للإسلام، ودعوة صريحة إلى اللادينية.

وقد اتخذت النظمة المعادية للإسلام من الأقليات النصرانية ذريعة لرفع الشعار العلماني الدين لله والوطن للجميع، (13) ومنع تطبيق الشريعة الإسلامية.

هذه هي المعالم الرئيسية للمخطط اليهودي الصليبي، وهو بلا شك مخطط ذكي خبيث يملك من وسائل التأثير وفرص العلم ما يفوق به الحملات الصليبية السالفة، فهو فكر تدعمه القوة، وحضارة يمدها العلم، ونضال يحكمه النظام.

غير أن ذلك كله لا يعني أن نلقي عليه تبعاتنا وننسب إليه انهيارنا كأنما هو قوة اسطورية اجتاحنا بغتة دون أن نستطيع لدفعها يداً.

إننا -كما سبق- لم نؤت إلا من قبل أنفسنا، وما عوقبنا إلا بما كسبت أيدينا، نحن الذين أعطينا الكفار الفرصة ليخططوا ضدنا، وأسهمنا بعللنا وأدوائنا في إنجاح مخططاتهم، إن الله تعالى يقول ((وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً)) [آل عمران:120]، فلولا إفلاسنا من الصبر والتقوى، بل ومن الإيمان والتصور السليم ما كان لهذه المخططات من أثر، وإن كان فهو كالجرح الذي سرعان ما يندمل أو الإغفاءة تعقبها الوثبة.

وحين نقول: إننا كنا مسلمين حقيقيين، حتى جاء الكفار، فأفسدوا علينا ديننا ودنيانا، فإننا لا نكون مخطئين في تصورنا فحسب، بل نكون قد قطعنا على أنفسنا الطريق الصحيح للعودة، ذلك الطريق الذي يبدأ أساساً من معرفتنا بأننا كنا منحرفين، وفهمنا لأسباب ومظاهر الانحراف والاستقامة.

وسوف نرى مصداق ذلك في الفصل التالي، حيث نعرض مظاهر العلمانية في العالم الإسلامي، وسيتضح من خلال العرض أن تلك المظاهر ما كانت لتوجد، لولا العوامل الذاتية الكامنة في أنفسنا ومجتمعاتنا.


(1) الغارة على العالم الإسلامي: (80).
(2) كتاب يتناول حياة مصطفى كمال أتاتورك بأسلوب علمي وتحليل دقيق، ترجمه إلى العربية عبد الله عبد الرحمن.

(3) هذه الطعون وما سيليها مما لا يخفى على المطلعين لاستفاضتها، وعلى سبيل التمثيل يحسن الرجوع إلى دائرة المعارف الإسلامية مادة (أصول)، ومادة (بحيرا) وإلى (حياة محمد) لكل من وليم موير وأميل درمنغم، ومحمد في مكة: مونتغمرى واط الحضارة الإسلامية: آدم متز، الصوفية في الإسلام: نيكلسون، دراسات في حضارة الإسلام: جب، العقيدة والشريعة جولد تسيهر. وما شاكلها.

(4) أساليب الغزو الفكري: علي جريشة: (24 - 25).

(5) عن جذور البلاء: (275).

(6) أين محاضن الجيل المسلم: يوسف العظم: (34 - 35) ويحسن الرجوع إلى رسالة الماجستير المقدمة من الزميل: خضر مصطفى عن التبشير في نيجيريا جامعة أم القرى بمكة المكرمة.

(7) المخططات الإستعمارية لمكافحة الإسلام: الصواف: (220).

(8) تراجع الرسالة المقدمة من الزميل صالح العبود بعنوان: "القومية العربية في ضوء الإسلام" بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.

(9) يقال إنه أسلم آخر عمره والله أعلم.
(10) عن القومية العربية في ضوء الإسلام: (80).

(11) المصدر السابق: (83 - 84).
(12) المصدر السابق: (86).
(13) انظر المسيحية والقومية العربية، عيادي العبد العيادي: (12).

 

  • الخميس PM 06:57
    2022-06-16
  • 1402
Powered by: GateGold