المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 337368
يتصفح الموقع حاليا : 246

البحث

البحث

عرض المادة

نواحي تنافي العلمانية مع الإسلام

وانطلاقاً من هذا المفهوم نستطيع أن نرى حكم الله في العلمانية بسهولة ووضوح أنها باختصار: نظام طاغوتي جاهلي يتنافى مع لا إله إلا الله من ناحيتين أساسيتين متلازمتين:

أولا:- من ناحية كونها حكماً بغير ما أنزل الله.

ثانيا:- من ناحية كونها شركاً في عبادة الله.

ومع جلاء هذه الحقيقة ويسر إدراكها، فإننا سنتناولها بشيء من التفصيل مناقشين للشبهات المتهافتة التي قد تثار حولها:

 

أولاً: الحكم بغير ما أنزل الله ..

في الكلام السابق عن الطاغوت عرفنا أنه باختصار الحكم أو الحاكم بغير ما أنزل الله، وهنا نريد إيضاح حكم العلمانية بتطبيقها على قاعدة: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)) [الأنعام:57] التي هي مضمون الإسلام ومقتضى كلمة لا إله إلا الله:

إن العلمانية تعني - بداهة - الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا هو معنى قيام الحياة على غير الدين، ومن ثم فهي -بالبديهة أيضاً- نظام جاهلي لا مكان لمعتقده في دائرة الإسلام، بل هو كافر بنص القرآن الكريم: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) [المائدة:44].

وإن ما يثير الانتباه إن أكثر الآيات الواردة في تكفير من لم يحكم بما أنزل الله ونفي الإيمان عنه - إن لم تكن كلها - إنما جاءت في سياق الكلام عن الذين يدعون الإيمان من أهل الكتاب أو المتظاهرين بالإسلام، وربما كانت الحكمة في ذلك أن من لم يدع الإيمان بشيء من كتب الله كافر بالضرورة، وقضية تحاكمه إلى غير الله واضحة لا لبس فيها، ولكن الوهم قد يصيب بعض من ينتسبون إلى أحد الكتب السماوية، فيحسبون أنهم مؤمنون وهم لا يحكمون بما أنزل الله فيها، بل يطيعون غير الله معه أو من دونه، يوضح ذلك الآيات المتتابعة في سورة المائدة من قوله تعالى: ((إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) [المائدة:44] ... إلى قوله تعالى: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [المائدة:50].

وآية آل عمران: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ)) [آل عمران:23].

وآيات سورة النساء: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً)) [النساء:60] إلى أن قال جل ذكره: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:65].

أما سورة الأنعام التي يكاد موضوع التشريع والحاكمية يستغرقها كلها، فنلحظ ذلك في قوله تعالى: ((قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً)) [الأنعام:14] وقوله: ((أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً)) [الأنعام:114] مع قوله: ((قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً)) [الأنعام:164]، فسوى بين الحاكمية والولاية والربوبية، وقال للمؤمنين: ((وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) [الأنعام:121].

وفي سورة التوبة يقول تعالى: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [التوبة:31] وكذلك في سورة النور: ((وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ)) [النور:47 - 48] إلى قوله تعالى: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [النور:51].

وفي سورة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ)) [محمد:26 - 27].

قال شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله تعالى:

((لا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرها؛ بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية وكانوا الأمراء المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإن كثيراً من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنهم لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار)) (1).

وقال ابن كثير رحمة الله عند تفسير قوله تعالى: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:65] يقسم الله بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال: ((ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:65] أي: إذا حكموك يطيعونك في باطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة (2).

وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [المائدة:50]:

((ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)) [المائدة:50] أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون: ((وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [المائدة:50] أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم لخلقه من الوالدة بولدها؟! فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء)).

ثم ذكر -رحمه الله- ما رواه أبو حاتم بسنده عن الحسن البصري قال: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية، وبسنده عن طاوس أنه كان إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ (أي: في العطية) قرأ: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)) [المائدة:50] مما يدل على حساسية السلف -رضي الله عنهم- المرهفة تجاه الموضوع، وتنفيرهم من اتباع غير شرع الله في أي أمر وإن صغر.

وعقب ابن كثير على ذلك بذكر الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه: {أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ابغض الناس إلى الله -عز وجل- من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية ... } الحديث، (3) مراده من ذلك بيان أن الجاهلية صفة تلحق كل من حكم بغير ما أنزل الله، وليست فترة تاريخية انتهت بظهور الإسلام.

ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله:

((من الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً، ولا يكون كافراً؛ بل هو كافر مطلقاً، إما كفر عمل وإما كفر اعتقاد)).

ثم قال في تفصيل كفر الاعتقاد: وهو أنواع أحدها: أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله ... الثاني: ألا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله حقاً، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحسن من حكمه وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقاً أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن التطور في الزمان وتغير الأحوال، وهذا -أيضاً- لا ريب أنه كفر لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان وصرف حثالة الأفكار على حكم الحكيم المجيد.

الثالث: ألا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، ولكن اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين اللذين قبله في كونه كافراً الكفر الناقل عن الملة.

الرابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله فضلاً عن أن يعتقد كونه أحسن منه، لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله، فهذا كالذي قبله.

الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى وقوانين كثيرة، فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم الكتاب والسنة، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة) (4).

إن هذا الحشد من الآيات - وأمثالها في القرآن كثير، بل إن موضوعها لهو موضوع القرآن الرئيسي مع ذكر ما ذكره العلماء في فهمها من الأقوال ليدل دلالة قاطعة على نفي الإيمان عمن ابتغى غير الله حكماً في أية قضية من قضايا الحياة، والحكم عليه بالكفر والشرك والنفاق والجاهلية كلها سواء، وأن ورودها في حق مدعي الإيمان بالله وكتبه لمما يزيد المعنى قوةً وصراحةً وجلاءً.

بل إن قوله تعالى: ((وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) [الأنعام:121] خطاب لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأتباعه، وفى قضية فرعية هي الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه.

فهل يبقى بعد ذلك مجال للشك أو التردد؟!

الحق أنه لا مجال لشيء من ذلك، ولكن الغياب المذهل لحقائق الإسلام من العقول والقلوب، والغبش الكثيف الذي أنتجته عصور الانحراف، هذا وذاك هما اللذان يجعلان كثيراً من الناس يثيرون شبهات متهافتة لم تكن لتستحق أدنى نظر لولا هذا الواقع المؤلم.

من هذه الشبهات استصعاب بعض الناس إطلاق لفظ الكفر أو الجاهلية على من أطلقهما الله تعالى عليه من الأنظمة والأوضاع والأفراد بذريعة أن هذه الأنظمة لا سيما العلمانية الديمقراطية - لا تنكر وجود الله ولا تمانع من إقامة شعائر التعبد، وبعض أفراد الأنظمة العلمانية يتلفظون بالشهادة، ويقيمون الشعائر من صلاة وصيام وحج وصدقة ويحترمون رجال الدين (!) والمؤسسات الدينية ... إلخ، فكيف نستسيغ القول: بأن العلمانية نظام جاهلي وأن المؤمنين بها جاهليون؟!

ومن الواضح جداً أن الذين يلوكون هذه الشبهة لا يعرفون معنى لا إله إلا الله ولا مدلول (الإسلام)، وهذا على فرض حسن الظن بهم، وهو ما لا يجوز في حق كثير من المثقفين الذين يتعللون بهذه العلل.

إن تاريخ الدعوة الإسلامية وصراعها المرير، وإن القرآن الكريم كله من أوله إلى آخره -ومثله السنة- لتقطع الطريق على هذه الشبهة وقائليها.

هل تحمل الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه العنت والمشقة والحرب والجهاد ثلاثاً وعشرين سنة متوالية، وهل نزل القرآن الكريم موجهاً وآمراً وناهياً طوال هذه السنين من أجل أن يقول الجاهليون باللسان فقط: لا إله إلا الله ويقيموا الشعائر التي يمن دعاة العلمانية على الله أنهم يسمحون بها؟!

وما الفرق بين قول قريش: يا محمد أعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، وبين قول العلمانيين -لفظاً أو حالاً- نعبد الله في المسجد، ونطيع غيره في المتجر أو البرلمان أو الجامعة؟! أهو شيء آخر غير أن قسمة أولئك زمنية، وقسمة هؤلاء مكانية أو موضوعية؟!

إن الله تعالى يقول ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)) [البقرة:208] والسلم: هو الإسلام (5).

ويقول: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)) [الأنفال:39].

ويقول: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً)) [النساء:151] ويقول: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [يوسف:40].

وقد سبق أن أوضحنا أن التلفظ بالشهادة ليس هو وحده المقصود منها، ونزيد ذلك إيضاحاً فنقول:

إن العلماء قد وضعوا - بعد استقراء وتتبع نصوص الكتاب والسنة - لشهادة ألاَّ إله إلا الله وللإسلام شروطاً، ووضعوا لها نواقض، فمتى انتفى شيء من الشروط، أو وجد شيء من النواقض، فقد انتقض الأصل، والواقع المشاهد أكبر دليل على ذلك، فكم بين من يتلفظون بالشهادة في بلاد المسلمين من ملحدين ومرتدين ومشركين لا شك في أمرهم، فلو أن النطق بالشهادة لا شروط له ولا نواقض، لكان هؤلاء مسلمين حتماً.

ومن نواقض الإسلام العشرة - غير الشرك الذي هو الناقض الأكبر والذي لا شك أن العلمانية نوع منه كما سيأتي ناقضان:

1 - من اعتقد أن غير هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.

من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى -عليه السلام- فهو كافر (6).

ولعل مما يقطع دابر كل شبهة أن نستشهد بكلام الأثبات من علماء المسلمين السابقين لعصرنا، الذين نظروا إلى القضية من وجهة فقهية خالصة:

سئل شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله تعالى عن حكم قتال التتار، الذين يقدمون إلى الشام مرة بعد مرة، وقد تكلموا بالشهادتين وانتسبوا إلى الإسلام، ولم يبقوا على الكفر الذي كانوا عليه في أول الأمر، وقبل أن نقرأ الفتوى علينا أن نتذكر أن قانون التتار هو (الياسق) الذي ذكره ابن كثير سابقاً، وسيشير شَيْخ الإِسْلامِ إليه فيها، فأجاب رحمه الله بفتوى طويلة قيمة منها:

"كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت بالشهادتين.

وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش أو الزنا أو الميسر أو الخمر أو غير ذلك من محرمات الشريعة، وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجهاد الكفار قال الله تعالى: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُه لِلَّهِ)) [الأنفال:39] فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون كله لله، وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)) [البقرة:278 - 279] وهذه الآية نزلت في أهل الطائف، وكانوا قد أسلموا وصلوا وصاموا لكن كانوا يتعاملون بالربا، والربا آخر المحرمات في القرآن، وهو مال يوجد بتراضي المتعاملين، فإذا كان من لم ينته عنه محارباً لله ورسوله، فكيف بمن لم ينته عن غيره من المحرمات التي هي أسبق تحريماً وأعظم تحريماً؟!

ثم استشهد -رحمه الله- بالأحاديث المتواترة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الأمر بقتال الخوارج، ووصفه لهم بالمروق من الدين كما يمرق السهم من الرمية مع قوله عنهم: {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم} واستشهد بإجماع الصحابة -رضي الله عنهم- على قتال مانعي الزكاة مع أنهم يقيمون الصلاة ويقرون بالشريعة، ولم يمتنعوا عن دفع الزكاة إلا تأولاً بأن دفعها خاص بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ظاهر الآية: ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)) [التوبة:103] فكيف بغير المتأول؟! بل كيف بمن خرج على الشريعة من أصلها؟! وذكر- رحمه الله - أن مما يوجب تكفير ملك التتار وقتاله أنه يرد الناس عما كانوا عليه في سلك الأنبياء والمرسلين إلى أن يدخلوا فيما ابتدعه من سنته الجاهلية وشريعته الكفرية، فهم يدعون دين الإسلام، ويعظمون دين أولئك الكفار على دين المسلمين، ويطيعونهم ويوالونهم أعظم بكثير من طاعة الله ورسوله وموالاة المؤمنين، والحكم فيما شجر بين أكابرهم بحكم الجاهلية لا بحكم الله ورسوله يعني أنهم يتحاكمون إلى الياسق.

ثم قال: ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض كما قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً)) [النساء:150 - 151] وإذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلي عن شرائعه.

فإن المسلم الأصلي إذا ارتد عن بعض شرائعه كان أسوأ حالاً ممن لم يدخل بعد في تلك الشرائع مثل مانعي الزكاة وأمثالهم ممن قاتلهم الصديق" (7).

أما الشيخ محمد بن عبد الوهاب فاستشهد على هذه المسألة بإجماع العلماء على تكفير العبيديين المعروفين خطأ بالفاطميين قائلاً:

"ويقال -أيضاً- بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر فى زمن بني العباس كلهم يشهدون ألاَّ إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويدعون الإسلام ويصلون الجمعة والجماعة فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين" (8).

وقد طبق حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن شروط لا إله إلا الله على من أسماهم (عباد القبور والطواغيت والأصنام)، فقال في شرح قوله تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)) [البقرة:165]:

"فإنهم أحبوهم مع الله، وإن كانوا يحبون الله تعالى، ويقولون لا إله إلا الله، ويصلون ويصومون، فقد أشركوا بالله في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره، فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه وكل عمل يعملونه، لأن المشرك لا يتقبل منه عمل ولا يصح منه، وهؤلاء وإن قالوا (لا إله إلا الله) فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة من:

1 - العلم بمدلولها لأن المشرك جاهل بمعناها، ومن جهله بمعناها جعل لله شريكاً في المحبة وغيرها، وهذا هو الجهل المنافي للعلم بما دلت عليه من الإخلاص.

2 - ولم يكن صادقاً في قولها، لأنه لم ينف ما نفته من الشرك، ولم يثبت ما أثبتته من الإخلاص.

3 - وترك اليقين أيضاً، لأنه لو عرف معناها وما دلت عليه لأنكره أو شك فيه ولم يقبله وهو الحق.

4 - ولم يكفر بما يعبد من دون الله كما في الحديث - يعني: حديث: {من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم الله ماله ودمه}. رواه مسلم -بل آمن بما يعبد من دون الله باتخاذه الند ومحبته له وعبادته إياه من دون الله ... " (9)، والترقيم مضاف، أما بقية شروط الشهادة فهي المحبة والانقياد والقبول، وبناء على ما سبق يتضح أن تلك الشبهة -شبهة التلفظ بالشهادة وإقامة بعض الشعائر- لا وزن لها ولا اعتبار بجانب البراهين القاطعة والحقائق النيرة في معنى لا إله إلا الله.

وجدير بنا أن نقف قليلاً عند قول شَيْخ الإِسْلامِ أن الردة عن شرائع الدين أعظم من خروج الخارج الأصلي عنها لنقول: إن هذا هو ما أدركه المخطط اليهودي الصليبي كما سبق في وصية زويمر فقد يئس المخطط من إخراج المسلمين عن أصل دينهم إلى المذاهب الإلحادية والمادية، فلجأ -بعد التفكير والتدبير- إلى ما هو أخبث وأخطر، لجأ إلى اصطناع أنظمة تحكم بغير ما أنزل الله، وفى الوقت نفسه هي تدعي الإسلام، وتظهر احترام العقيدة، فقتلوا إحساس الجماهير، وضمنوا ولاءها، وخدروا ضميرها، ثم انطلقوا يهدمون شريعة الله في مأمن من انتفاضتها، ولذلك لا يجرؤ أرباب هذه الأنظمة على التصريح بأنهم ملحدون أو لا دينيون بينما يصرحون - مفتخرين - بأنهم (ديموقراطيون) مثلاً.

هذا مع أن الطريق واحدة، والنهاية حتماً ستكون واحدة غير أن الصورة لم تكتمل بعد (10).

وهناك شبه أو علة أخرى أصبحت (تقليدية) لكثرة ما رددها الببغاوات، وهي أن الشريعة ثابتة والحياة متطورة، والثابت لا يفي بمتطلبات المتطور، ومن ثم كان لابد من إيجاد مصدر آخر للتشريع، يعتمد على العلم العصري والتجارب الإنسانية مع الاحتفاظ للدين بدائرة التوجيه الروحي للأفراد، وهذا هو حال العلمانية!

وهذه الشبهة -التي أطلقها أول ما أُطلقت أعداء الإسلام الحاقدون- لا يطرحها إنسان عرف الله حق معرفته، وقدره حق قدره، فإنها تعني بداهة اتهامه -تعالى عن ذلك علواً كبيراً- بالجهل والقصور، والموقف الواجب اتخاذه حيال قائلها هو قبل كل شيء دعوته إلى الإيمان وتعريفه بقدر الله تعالى.

لكننا سنقطع النظر عن هذا، ونفترض ورودها من إنسان يريد التثبت من دينه، وحينئذ نقول: إن هذه الشبهة لا تستحق أن تكون موضع نظر إلا إذا سلمنا بثبوت طرفيها وهما:

1 - إن الشريعة ثابتة بمعنى: أنها أحكام جامدة لا تقبل المرونة، محدودة لا تقبل التوسع.

2 - إن الحياة البشرية متطورة بمعنى: أنها لا شيء فيها ثابت على الإطلاق.

والواقع أن كلا الافتراضين خاطئ تماماً، وأن مصدر هذه الشبهة إنما هي اللوثة التي أصابت أوروبا، فانتقلت من الإيمان بالثبات المطلق إلى التطور المطلق، حتى حسبت كل تغير تطوراً وهو ما سبق الحديث عنه في الباب الثاني.

إن التصور الإسلامي لا يقر الثبات المطلق، ولا يؤمن بالتطور المطلق، بل ينفرد باعتبار قانون سير الحياة هو (الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت)، (11) وهي ميزة ما كانت لتكون لولا أنه من عند الله.

ونتيجة لذلك جاءت الشريعة حاكمة لكلا طرفي الحياة البشرية: (الثابت والمتغير) في إطار عام لا يشذ عنه شيء منهما.

ولقد كان سلف الأمة يعون حقيقة تغير الحياة وتطورها تمام الوعي.

نتبين ذلك من قولة عمر بن عبد العزيز المشهورة: [[يجد للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من فجور]].

ونتبينها من عدول الشافعي -حين انتقل إلى مصر- عن كثير من آرائه الفقهية التي استنبطها بالعراق حتى أصبح له مذهبان: قديم وجديد.

ونتبينها من القاعدة الأصولية التي تنص على تغير الفتوى بتغير الظروف والأحوال.

أدركوا هذا مع إدراكهم الجازم للحقيقة العميقة الكبرى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً)) [المائدة:3] كما سبق في كلام ابن القيم من الفصل السابق، ومع إيمانهم المطلق بمدلول قوله تعالى: ((أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً)) [الأنعام:114] وفهم هذه الحقيقة بجانب فهم قاعدة الوجود الكبرى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56] يرسم الإطار العام للشريعة والدائرة الشاملة للحياة البشرية، والتي لا تزيد على ثلاثة أقسام:

1 - جوانب ثابتة متعلقة بحقيقة الإنسان ذاته أنَّى وجد، في أي زمان ومكان، تلك الحقيقة التي لا تتغير ولا تتبدل على الإطلاق، وهذه جاءت الشريعة لها بأحكام تفصيلية ثابتة كثباتها، فصلها الله تعالى تفصيلاً كالشعائر التعبدية المحضة من صلاة وصيام وحج، وكأحكام الطهارة المختلفة وكأحكام الأسرة من نكاح وقوامة وطلاق وعدة، وكالمحرمات الرئيسية الثابتة من زنا وخمر وسرقة وخيانة ... إلخ، فهذه فصلت بمقتضى الحكمة والهداية الربانية التي لا يملكها البشر، ولو وكل شيء منها إليهم لضلوا وتاهوا.

2 - جوانب ثابتة الجوهر والهدف، لكنها متجددة الصور متغيرة الأساليب حسب سنة الله الكونية: مثل نوع الحكم وطريقته والمنهج الاقتصادي للأمة والخطة التعليمية ... وما أشبهها، وهذه وضعت لها الشريعة قواعد وضوابط عامة لا يصح أن تخرج عنها.

فالحكم -مثلاً- يقوم على أصول منها: أن يكون بما أنزل الله، وأن يكون شورياً ومراعاة جلب المصالح ودرء المفاسد وسياسة الناس بالعدل وتوفير أقصى حد ممكن من الأمن والطمأنينة للرعية.

وتركت التفصيلات - رحمة من غير نسيان - إلى اجتهاد الأمة مثل كيفية وشروط المبايعة والعزل وتحديد الشورى وكيفية تنظيم الولايات والقضاء وتحديد المصلحة أو المفسدة ... إلخ.

والاقتصاد يقوم على أصول منها: أن المال كله لله والبشر مستخلفون فيه، وجوب تأمين الضروريات لكل فرد، تحريم أكل أموال الناس بالباطل في أي صورة، تحريم الربا والمكوس، النهي عن الاحتكار والجشع، النهى عن أن يكون دولة بين الأغنياء، الحث على الإنفاق ووجوبه إذا اقتضت الضرورة ... إلخ.

أما أسلوب وضع الخطط الاقتصادية، وضمان تحقيق هذه الأصول وكيفية التعامل المباح بين المؤسسات العامة والخاصة وإشراف الدولة أو سيطرتها على الإنتاج أو التجارة وما أشبه ذلك، فهي موكولة -أيضاً- إلى اجتهاد الأمة في حدود تلك الأصول.

وهكذا بقية مجالات الحياة المماثلة.

هذا مع التنبيه إلى أن الاجتهاد - المباح أو الواجب هنا - يجب أن توافر فيه فوق كونه طبعاً فيما لا نص شرعياً فيه شروط منها:

(أ) أهلية المجتهد، فليس من حق أي موظف أو مسئول أن يجتهد حسب هواه.

(ب) ألا يصادم نصاً أو قاعدة شرعية أخرى.

3 - الأمور الدنيوية المحضة: ونعني: بها الأنشطة البشرية التي لا علاقة لها في ذاتها بالهدى والضلال، والتي اقتضت حكمة الله تعالى أن تعتمد على سعي الإنسان وخبرته كي يحقق بنفسه معنى استخلافه في الأرض واستعماره فيها، وذلك كالضرب في الأرض لاكتشاف أسرار الكون أو ما يسمى (خواص المادة)، واستخدامها لترقية الحياة البشرية وتذليل صعابها، وكسائر الأعمال والمسائل التطبيقية التي تخضع للتجربة البشرية، ويمكنها معرفتها بالتنقيب عن نواميس الكون المسماة (القوانين الطبيعية) مثل شئون الزراعة والصناعة والعمارة وكل مظاهر الحياة المادية (12)

وهذه موكولة بكاملها إلى الجهد البشري، إلا أنها بوقوعها في دائرة الحياة البشرية تخضع للغاية الأساسية من الوجود (العبادة)، من جهة أنها جزء من الحركة الإنسانية التي ينبغى أن تكون كلها لله وحده لا شريك له، فهي بصفة عامة مندرجة تحت (المباح) الذي هو أحد الأحكام التعبدية الخمسة، ولكن الأحكام الأخرى (الوجوب) الندب، الحرمة، الكراهية) قد تسرى عليها إما لغرض الاستخدام أو كيفيته، وبالجملة فهي سلاح يستخدمه الشرطي كما يستخدمه اللص، لكن المؤمن يستخدمها باعتباره الشرطي الحارس لحدود الله تعالى.

وبما أنه ليس في الحياة البشرية شيء يبقى بعد هذه الأقسام أو يخرج عنها، فلم يعد هنالك ما يبرر أية شبهة حول إسلام الحياة كلها لله خالصة له وحده، مستقيمة على حكمه وشرعه.

ثانياً - الشرك في عبادة الله:

كما أن هذا الدين يوحد الخالق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى برد الأمر كله إليه، فإنه يوحد المخلوق بجعله عبداً خالصاً لله تعالى، لا تتجاذبه الشركاء ولا تمزقه السبل.

إن الوحدة هي الحقيقة الكبرى في الكون: فالخالق تعالى واحد، والكون بسننه ونواميسه واحد، والإنسان في جوهره وغاية وجوده واحد.

والكون بكامله يتجه إلى الله اتجاهاً واحداً بالعبادة: ((وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً)) [آل عمران:83] وكذلك ينبغي للمخلوق الاختياري (الإنسان) أن يتجه، وإلا فالتصادم والتمزق والضياع.

لقد اختصر ألفرد رودلف وايت هيد نظرية غوته وشبنجلر الضخمة عن انهيار الغرب في كلمة واحدة: (تجزئة الطبيعة) (13) أي افتعال التصادم بين ما هو فطري وما هو منطقي، وما هو طبيعي وما هو غير طبيعي، ما هو روحي وما هو مادي ... واختصرت الوجودية مأساة الإنسان في كلمة واحدة أيضاً (التمزق) بين الأنا والعالم، بين الطبيعي وما فوق الطبيعي، بين الشعور والمنطق.

والظروف والملابسات التي عرضناها بتوسع فيما سبق هي المسئولة عن تقسيم حياة الناس والإنسان في الغرب إلى دوائر مستقلة لا علاقة لإحداها بالأخرى، ومن ثم جاء دور الانهيار المحتوم.

هنا تتجلى رحمة الله تعالى بعباده حين منحهم الإسلام التصور الصحيح الذي "يخاطب الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وبكل أشواقها وبكل حاجاتها وبكل اتجاهاتها، يردها إلى جهة واحدة تتعامل معها، جهة واحدة تطلب عندها كل شيء، وتتوجه إليها بكل شيء، جهة واحدة ترجوها وتخشاها وتتقى غضبها وتبغي رضاها، جهة واحدة تملك كل شيء، لأنها خالقة كل شيء ومالكة كل شيء ومدبرة كل شيء، كذلك يرد الكينونة الإنسانية إلى مصدر واحد تتلقى منه تصوراتها ومفاهيمها وقيمها وموازينها وشرائعها وقوانينها، وتجد عنده إجابة على كل سؤال يجيش فيها، وهي تواجه الكون والحياة والإنسان بكل ما يثيره من علامات الاستفهام.

عندئذٍ تتجمع هذه الكينونة، تتجمع شعوراً وسلوكاً وتصوراً واستجابة في شأن العقيدة والمنهج، وشأن الاستمداد والتلقي، وشأن الحياة والموت، وشأن السعي والحركة، وشأن الصحة والرزق، وشأن الدنيا والآخرة، فلا تتفرق مزقاً، ولا تتجه إلى شتى السبل والآفاق، ولا تسلك شتى الطرق على غير اتفاق" (14).

وهنا يتجلى -كذلك- مدى الانحراف الذي حصل بالتفريق بين العقيدة والشريعة، وبين الدنيا والآخرة، وبين العبادات والمعاملات، ذلك الانحراف الذي أدى إلى انحسار مفهوم الدين ومفهوم العبادة إلى أقصى الحدود.

هذا الانحراف حين يصبح فكرة واعية ومبدأً مرسوماً يفرق دين الله، ويمزق حركة الإنسان -أي عبادته- ويفصل دنياه عن آخرته، أو كما قال محمد أسد: "يفصل الإنسان عن مصيره"، حينئذ يكون هذا الانحراف شركاً في عبادة الله لا يقبله الله ولا يرضاه، وهذا هو الشأن في العلمانية.

أما التفريق بين العقيدة والشريعة فحسبنا ما أسلفنا عن حكم من لم يلتزم بشريعة الله من الآيات والدلائل، ويكفي أن الإيمان بالعقيدة ينتفي بمجرد رفضه ذلك الالتزام، وأما التفريق بين الدنيا والآخرة، بين الحركة والمصير، فقد عرضنا له عند الحديث عن الانحراف في الحياة الإسلامية، ولا بأس أن نزيده هنا شيئاً من التفصيل:

إن الدنيا في التصور الإسلامي لها قيمة ذاتية غير كونها وسيلة للآخرة، ذلك أنها المكان الذي تتجلى فيه صفات الله تعالى وأسماؤه من رحمة وغضب وعقوبة ومغفرة وقدرة وإرادة، كما أنها المكان الذي تقع فيه العبادة الاختيارية لله تعالى، ومن ثم استحقت إنزال الكتب وإرسال الرسل.

من هنا كانت كل حركة الإنسان فيها مفروضاً أن تكون لله: ((قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الأنعام:162] حتى الحركات التي تبدو علاقاتها بالعبادة في أذهاننا بعيدة:

فالمتعة الشخصية - مثلاً - هي عبادة لها أجرها بالنسبة للمؤمن، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وفي بضع أحدكم صدقة} الحديث.

وقال: {كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلا رميه بقوس وتأديبه فرسه وملاعبته أهله، فإنهن من الحق}.

والصناعة التي يقوم بها الفرد أو الأمة المسلمة عبادة أيضاً: ((وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ)) [الأنبياء:80].

وفى قصة ذي القرنين يبرز السياق القرآني قيمة استخدام العلم الصناعي في مصلحة البشرية على يد الخبير المسلم.

وفى الحديث: {إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والممد به}.

ومثلها الزراعة: {إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها}.

و {ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له بها صدقة}.

وهكذا كل نواحي الحياة الإنسانية للمؤمن، قال بعض السلف: [[والله إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي]].

وقد كتب أحد العلماء كتاباً أسماه البركة في فضل السعي والحركة أثبت فيه أن النية الحسنة تقلب حياة المؤمن كلها عبادة بجميع حركاتها وسكناتها، وأن الزراعة والصناعة والتجارة من فروض الكفايات (15).

وتطبيق هذه الحقيقة هو حقيقة الإخلاص - كما قال سهل التستري: "نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركاته وسكناته في سره وعلانيته لله تعالى وحده لا يمازجه شيء" (16).

وقد أدرك هذه الحقيقة القلائل الذين هداهم الله للإسلام بعد طول تمزق وضياع، يقول أحدهم (محمد أسد): "يختلف إدراك العبادة في الإسلام عما هو في كل دين آخر، إن العبادة في الإسلام ليست محصورة في أعمال من الخشوع الخالص كالصلوات والصيام مثلاً، ولكنها تتناول كل حياة الإنسان العملية أيضاً، وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم عبادة الله، فيلزمنا حينئذٍ ضرورة أن ننظر إلى هذه الحياة في مجموع مظاهرها كلها على أنها تبعة أدبية متعددة النواحي، وهكذا يجب أن نأتي أعمالنا كلها حتى تلك التي تظهر تافهة على أنها عبادات (أي: نأتيها بوعي) وعلى أنها تؤلف جزءاً من ذلك المنهاج العالمي الذي أبدعه الله؛ تلك حال ينظر إليها الرجل العادي على أنها مثل أعلى بعيد، ولكن أليس من مقاصد الدين أن تتحقق المثل العليا في الوجود الواقع؟!

إن موقف الإسلام في هذا الصدد لا يحتمل التأويل، إنه يعلمنا أولاً أن عبادة الله الدائمة والمتمثلة في أعمال الحياة الإنسانية المتعددة جميعها هي معنى هذه الحياة نفسها، ويعلمنا ثانياً: أن بلوغ المقصد يظل مستحيلاً ما دمنا نقسم حياتنا قسمين اثنين: حياتنا الروحية وحياتنا المادية، يجب أن تقترن هاتان الحياتان في وعينا وفي أعمالنا لتكون كلاً واحداً متسقاً، إن فكرتنا عن وحدانية الله يجب أن تتجلى في سعيها للتوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة في حياتنا ..

هناك نتيجة منطقية لهذا الاتجاه هي فرق آخر بين الإسلام وبين سائر النظم الدينية المعروفة، ذلك أن الإسلام على أنه تعليم لا يكتفي بأن يأخذ على عاتقه تحديد الصلات المتعلقة بما وراء الطبيعة بين الأرض وخالقه فقط.

ولكن يعرض أيضاً بمثل هذا التأكيد على الأقل للصلات الدنيوية بين الفرد وبيئته الاجتماعية أن الحياة الدنيا لا ينظر إليها على أنها صدفة عادية فارغة، ولا على أنها طيف خيال للآخرة التي هي آتية لا ريب فيها من غير أن تكون منطوية على معنى ما، ولكن على أنها وحدة إيجابية تامة في نفسها، والله تعالى (وحده) لا في جوهره فحسب، بل في الغاية إليه أيضاً، من أجل ذلك كان خلقه وحدة ربما في جوهره إلا أنه وحدة في الغاية منه بكل تأكيد.

وعبادة الله في أوسع معانيها - كما شرحنا آنفاً - تؤلف من الإسلام معنى الحياة الإنسانية، هذا الإدراك وحده يرينا إمكان بلوغ الإنسان الكمال في إطار حياته الدنيوية الفردية ... " (17).

إن الإنسان -كما قررنا سلفاً- عبد بفطرته وطبيعته سواء أكان من سكان الأحراش أو ناطحات السحاب، وكون العبودية صفة ذاتية ملازمة له يحتم عليه أن يسير وفق إرادة معبود ما، إما الله تعالى وإما سواه، غير أنه لما كان لا يمكن أن يستغني عن الله بحال، وأن يخرج عن نواميس الله الكونية مهما بلغ من الكفر والجحود، فإنه ليس أمامه سوى أحد احتمالين:

1 - أن يسير وفق منهج الله تعالى؛ وبذلك يتلاءم ويتناسق مع الكون ومع نفسه ومع نواميس الله الثابتة، فيصير وحدة واحدة متجهة إلى الله في طريق واحد.

2 - أن يختار غير طريق الله، وهذا لا يجعله خالصاً لغير الله على الإطلاق مهما كابر وألحد؛ ذلك أن جوانبه غير الإرادية - على الأقل - لا يمكن أن تنفصل بحال عن السير وفق سنن الله ونواميسه.

ونتيجة ذلك أن من اختار غير طريق الله لا يعدو أن يكون قد حكم على نفسه بالتمزيق والتشتت والتصادم، اللهم إلا لو استطاع أن ينفذ من كون الله ويتحدى سننه وهو أبعد المحال.

ولقد صور الأسلوب القرآنى هذه الحالة أبلغ تصوير:

((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) [الزمر:29]

وهذا يصدق على كل من تلقى عن غير الله حتى وإن ادعى الإسلام، يقول الدكتور عماد الدين خليل:

"إن الإنسان الذي يؤمن بالإسلام ذلك الإيمان المبتور المشوه سرعان ما يجد أمامه هوة سحيقة تمنعه من الاندماج والتعامل الصحيح مع هذا الدين، ذلك أنه محا الإيمان - في قرارة نفسه - من بعض عناصر ومقومات الإسلام، وأكده في عناصر ومقومات أخرى، وهو بعمله هذا لم ينل من وحدة الإسلام الدائم شيئاً، ولكنه وجه ضرباته إلى صميم الكيان الإنساني وإلى وحدة الذات الإنسانية؛ ذلك أنه سيجد نفسه مضطراً إلى الاستعاضة عن العناصر والقيم التي رفضها بعناصر وقيم أخرى، يجيء بها من هنا وهناك، ويرصها رصاً، عناصر لا تمتلك - بمجموعها- توحد القيم الإسلامية وتكاملها؛ لأنها لم تنبثق عن تصوره الأصيل، ثم هي -فيما بينها- تعاني تناقضاً محزناً لأن كل عنصر أو كل مجموعة من القيم جيء بها من تصور فرد من الأفراد، إنسان من ملايين الناس، وما هي في الحقيقة سوى نتاج ردود فعل نفسية وفكرية لهؤلاء الأفراد مع واقع معين بأمدائه المحدودة بحدود الزمان والمكان، ومن ثم سيتشتت هذا الإنسان (الآخذ) وسيضيع، إنه آمن بوحدة عقائدية متكاملة ظاهراً، لكنه -في حقيقته- تكامل زائف، لأنه سعى إلى رص عناصر لا انسجام فيما بينها ولا تآلف في تركيبها، وحاول -جهلاً وعناداً- أن يجعل منها منهجاً موحداً لحياة موحدة لا تقبل التجزئة" (18).

وبذلك تتبين خطورة الادعاءات الزائفة الخادعة بأن الاسلام دين عبادة بمعنى أنه رابطة روحية بين الإنسان وربه، لا صلة لها بحركة الإنسان في الحياة فرداً أو مجموعاً، تلك الادعاءات التي تلغي الإسلام من أساسه، وتهدم العبادة من أصلها، ولا تتورع مع ذلك أن تمن على الله أنها أعطته جزءاً من كيان الإنسان وحركته - اللذين لا يقبلان التجزؤ أصلاً - جزءاً يسميه أدعياؤها الروح في مقابل إعطاء المادة للشيطان، أو الفترة الروحية في مقابل إعطاء العمر كله للشيطان، هذا والله تعالى يقول لهم: {أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه}.

إن هؤلاء بتقسيماتهم العوجاء لا يضرون الله شيئاً - سبحانه هو الغني الحميد، ولكنهم ينزلون بأنفسهم وبالبشرية من ورائهم أفدح الخسارة وأوخم العاقبة.

لنسمع ما يقوله أحد أولئك الأدعياء (وهو وإن كان غير مسلم، فإن كثيراً ممن يحسبون أنفسهم مسلمين يؤمنون بما يقول، لكنهم قد يواربون ويلبسون):

"لو كان المتفقهون يعنون بالروحانية (يقصد الدين) أن وراء هذه الحياة قوة غير منظورة هي مصدر كل حياة، وأن هذه القوة لا يحدها زمان ولا مكان، وهي التي تلهم الإنسان المحبة والصلاح والخير ...

وبكلمة أخرى لو كانت الروحانية لا تتعدى العلاقة بين الإنسان والله، ولا تتدخل في شئون الإنسان الحياتية في دنياه، وتحصر تدخلها في شئونه فيما بعد الحياة، فليس من شأن أحد وإن لم يكن مؤمناً أن يحمل هذه الروحانية تبعة الجمود الفكري وما ينتج عنه من تأخر وجهل، ولكن المتفقهين لا يكتفون بهذا ولا يقفون عند هذا الحد، بل هم يتوسعون في فقههم، ويحشرون الروحانية في كل أمر من أمور الدنيا حتى كادوا يقيدون بها العقل البشري، ويمنعونه من الانطلاق مبشرين بالحتمية التي توحي بها الروحانية، ومغلقين الباب دون أي جدل أو نقاش أو معرفة ويذهب بعضهم إلى أبعد من التبشير، إذ يسن الشرائع كي يتقيد بها الناس في حياتهم الفردية والعائلية والمعاشية والاجتماعية والاقتصادية موهميهم أن هذه الشرائع إنما هي وحي هبط من الله الكلي القدرة، فمن يخضع لها كانت له السعادة السرمدية، ومن يكفر بها أو يبحث فيها يستحق العذاب في دنياه، ويستحق نار جهنم فيما وراء دنياه" (19).

أليس هذا هو بعينه ما يريده رافعو شعار (الدين لله والوطن للجميع)، وشعار (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين) من أدعياء الإسلام، أو ليس هذا -أيضاً- هو ما يطبقه الذين يجعلون للدين برامج (روحية) ضمن أجهزة الإعلام الشيطانية وأحكاماً شخصية ضمن قوانين الحكم الجاهلية، ويقولون: إن مكان الدين هو المسجد فقط، ويحجون لبيت الله في العمر مرة، ويقصدون بيوت أعداء الله شرقاً وغرباً كل حين يتلقفون المناهج ويتلقون التشريعات؟!

أي قيمة لمثل هذه الأقوال والادعاءات والواقع المأساوي في أوروبا الذي عرضنا نماذج له في كل مجال يكذبها وينافيها؟! أوروبا التي طبقت العلمانية على الفكر والحياة من قبلنا فلم تجن إلا الدمار والضياع، ألا نتعظ بها ونستفيد من تجربتها؟! أليس الأجدر بالمسلمين أن يحمدوا الله على أن حرم الشرك وأبطله، ورحمهم بشريعة لا تمزق فيها ولا ضياع؟!

إننا نتوجه بالسؤال إلى من يدعي الإسلام من هؤلاء، فنقول: إذا أخرجنا - على سبيل التحكم - جزءاً من النشاط الإنساني في الحياة - إما السياسة وإما غيرها - عن دائرة الدين، فمن أين نتلقى منهج وقيم وموازين هذا الجزء؟

وأياً ما كان الجواب فإن نتيجته ومؤداه أمر واحد لا ريب فيه، التلقي عن غير الله.

قد يقال نتلقى ذلك ونستمده من التجربة البشرية على مر العصور أو من اجتهادنا الذاتي وأفكارنا الخاصة، أو ما تمليه الظروف والملابسات العصرية أو من أي شيء كان المهم أن النتيجة المنطقية لذلك هي الشرك بالله، وهل هناك صورة من صور الاعتراف بالشرك أصرح من هذه؟ أعنى شرك الطاعة والاتباع - إنه شرك في عبادة الله وإن كان الذين يمارسونه قد يجهلون معنى عبادة الله، وما ذلك بغريب على الجاهليين فإن عدي بن حاتم رضي الله عنه في الجاهلية لم يك يتصور أن ذلك عبادة، {فإنه لما دخل إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "تلا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)) [التوبة:31] فقال: عدي (وكان نصرانياً) يا رسول الله! لسنا نعبدهم! قال: أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فتلك عبادتهم}.

قال شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية تعليقاً على ذلك: "قد جعله الله ورسوله شركاً وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم" (20).


(1) مجموعة التوحيد، الرسالة الثانية عشرة (413).
(2) تفسير القرآن العظيم: (1/ 520).

(3) تفسير القرآن العظيم: (2/ 67).

(4) تحكيم القوانين (5 - 7).

(5) أنظر تفسير الطبري: (2/ 323).

(6) مجموعة التوحيد: (37 - 38).

(7) الفتاوى الكبرى: (4/ 280 - 293).
(8) مجموعة التوحيد: 117، ومثله في الفتاوى الكبرى: (4/ 321).

(9) فتح المجيد: (82 - 83)، والترقيم مضاف أما بقية شروط الشهادة فهي المحبة والانقياد والقبول.

(10) انظر: في ظلال القرآن: (3/ 121) فما بعدها.

(11) انظر فصل (الثبات) من كتاب خصائص التصور الإسلامي: (86).

(12) انظر قبسات من الرسول: الفصل الأخير، وتهافت العلمانية: (14، 15) ومنهاج الإسلام في الحكم: (38، 39).

(13) انظر سقوط الحضارة - كولن ولسن: (130).

(14) خصائص التصور الإسلامى: (128 - 129).

(15) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الوصابي (ت: (782هـ).
(16) مقدمة المجموع للنووي: (1/ 17).

(17) الإسلام على مفترق الطرق: (23 - 25).

(18) تهافت العلمانية: (62 - 63).

(19) قصة الإنسان، جورج حنا: (258).

(20) فتح المجيد: (86) نقلاً عن الإيمان.

 

  • الخميس PM 06:10
    2022-06-16
  • 437
Powered by: GateGold