المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 413063
يتصفح الموقع حاليا : 183

البحث

البحث

عرض المادة

معنى التأويل ، شروط التأويل الصحيح المقبول، وسمات التأويل الفاسد المردود

من المقرر لدى أهل العلم : أن الأصل هو إبقاء النصوص على ظواهرها ، لتدل على معانيها التي وضعت لها في اللغة ، ولكن تأويلها ، بصرفها عن معناها الحقيقي إلى معناها المجازي ،أو الكنائي، لا يخالف فيه عالم له دراية بالكتاب والسنة  ، بشرط أن لا يحدث ذلك  إلا بدليل ، أو بقرينة توجب صرفه عن معناه الأصلي ، وإلا بطلت الثقة باللغة ، ودلالاتها ، فإذا وجد الدليل أو القرينة ، جاز لنا  صرف اللفظ عن ظاهره الصريح إلى معنى يحتمله اللفظ  ، وتدل عليه دلالات اللغة  ، ومن الحقيقة إلى المجاز ، وإلا فلا .  فالتأويل إذن مقبول إذا دل عليه دليل صحيح من اللغة ، أو من الشرع ،  وإلا كان مردودا على قائله ، ولا اعتبار له . 

المبحث الأول : معنى التأويل في اللغة ، ونصوص الكتاب والسنة ، والاصطلاح :

المطلب الأول : معنى التأويل في اللغة : - تدور مادة التأويل في اللغة على عدة معان  ، منها   :

1-الرجوع  ، والمآل ، والعاقبة ، والمصير:قال  الأزهري (ت370هـ):( الأول : هو الرجوع . والأيل -  على وزن السيد  -  الذكر من الأوعال ، وإنما سمي أيلا : لأنه يؤول إلى الجبال يتحصن فيها .) (27) 

 وقال ابن فارس  ( ت395هـ):: أول الحكم إلى أهله : أي : أرجعه (28)، ورده إليهم . (29) 

وقد جمع ابن منظور ( ت711هـ) كل ما يتصل بمادة ( أول ) ومشتقاتها ، وما استعملت فيه من معاني ، فمن ذلك قوله : [ ألت عن الشيء : ارتددت عنه ، والأول : الرجوع . وآل الشيء يؤول أولا ومآلا : رجع . وقال أبو عبيدة  ( ت209هـ) : التأويل : المرجع والمصير . وأول الكلام ، وتأوله : دبره ، وقدره . ( وأوله وتأوله – أي الكلام - : فسره  .  ](30)

2- التفسير ، والتدبر ،  والبيان : قال ابن جرير الطبري ( ت310هـ) : ( وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه : التفسير والمرجع والمصير . ) (31)        وقال الأزهري: [قال الليث  : التأول والتأويل : تفسير الكلام الذي تختلف معانيه . ] (32)

وقال الجوهري ( ت400هـ) : ( التأويل : تفسير ما يؤول إليه الشيء . ) (33)

ومما سلف  يمكننا اختصار معاني  التأويل في اللغة في معنيين هما : المرجع  والعاقبة ، والتفسير والبيان .                               

المطلب الثاني : الاستعمال القرآني لكلمة التأويل

وردت  كلمة ( تأويل ) سبع عشرة مرة  في عدة سور قرآنية كريمة ، وسألتزم في ذكرها حسب ترتيب السور في القرآن الكريم كما يلي :

أ – قال تعالى في سورة آل عمران : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب . ) (34)    ففي هذه الآية نجد أنه سبحانه قد ذكر المتشابه في مقابلة المحكم ، وجعل ابتغاءهم الفتنة والتأويل ، خاصا بالمتشابه ( 35) دون المحكم (36)

         [ وعلى هذا يمكننا أن نفهم أن المراد من المحكم من الآيات هو : ما لا يمكن التلاعب بفهمه على غير ما يراد منه  ، لأن معناه لا يحتمل التوجيه حسب الأهواء ، وذلك كقوله تعالى : ( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ) ( 37) . كما يمكننا أن نفهم أن المراد بالمتشابه من الآيات  ، هو : ما له  أفراد من المعاني يشبه بعضها بعضا  ، ويحتملها ظاهره ،  وذلك هو الذي يجعلهم  يتوجهون إليه ليؤولوه ابتغاء الإفساد لعقائد الناس ، وهذا كقوله تعالى : ( وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ..الآية ) (38) فإن  أهل الزيغ من الكفار  يأخذونه على ظاهره دون الرجوع إلى الأصول المحكمة في القرآن التي تبين حقيقة المراد منه ، فيقولون : الله روح ، والمسيح روح منه ،فهو من جنسه ،وجنسه لا يتبعض فهو هو ، أي : فعيسى   هو الله ،ولا يرجعون إلى الأصل المحكم الذي يبطل مثل هذا التأويل ، وهو قوله تعالى:( لم يلد ولم يولد ) (39)      ومعلوم أن عيسى ابن مريم  – عليه السلام – مولود ، فكيف يكون هو الله ..؟ ] (40)

 قال ابن كثير : (  وابتغاء تأويله : أي : تحريفه . وعن مقاتل ، والسدي : يبتغون أن يعلموا ما سيكون ، وما عواقب الأشياء … وقال عند تفسيره قوله سبحانه : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) : ومن العلماء من فصل في هذا المقام فقال : التأويل يطلق ويراد به معنيان : أحدهما : التأويل بمعنى معرفة حقيقة الشيء ، وما يؤول أمره إليه . والمعنى الآخر : هو التفسير والبيان ، والتعبير عن الشيء ) (41)  فإذا كان التأويل بمعنى بيان المرجع والعاقبة ، ورد النص إلى صورته المادية الخارجية ، وتحديد ما تؤول إليه حقائق الآيات من الكيفيات ،  والتفاصيل العملية ، فهذا خاص بالله تعالى ، ولا يعلمه الراسخون في العلم ، ولا يدركون حقيقته ، ومآله ، وعاقبته ، ويسلمون بعجزهم عن ذلك ، ويعلنون إيمانهم به  ، ويقولون : (  آمنا به كل من عند ربنا ) (42) فتكون الواو : استئنافية ، ويكون الوقوف على لفظ الجلالة ( الله ) واجبا . أما الذين في قلوبهم زيغ فإنهم يتبعون هذا المتشابه بهدف تأويله ، وإثارة الفتنة ، والشبهات ، فضلوا وأضلوا .

وعندما نحمل التأويل على هذا المعنى ، فإننا نجده يتفق مع معنى التأويل المذكور في السور الأخرى وهو : رد الأشياء إلى حقائقها المادية ، وإرجاع الأمور إلى صورتها العملية ، وتحديد العاقبة ، والنهاية الواقعية للأخبار والوعود ، وبيان ما تؤول إليه فعلا ، وتستقر عليه واقعا .

وإذا كان التأويل بمعنى التفسير والبيان : فالراسخون في العلم يعلمون المتشابه ، فرسوخهم في العلم وتمكنهم منه ، أوجد عندهم ملكة في تفسير القرآن وتأويله ، ففهموا آياته المحكمات ، وأحسنوا تأويل آياته المتشابهات ، بإرجاعها إلى أمها من الآيات المحكمات ، وبذلك أحسنوا استخراج دلالاتها ، ومعرفة معانيها وحقائقها .

وعلى هذا المعنى للتأويل : تكون الواو في قوله ( والراسخون ) حرف عطف ، ويكون الوقف على ( العلم ) . وتكون جملة ( يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) جملة حالية .

وممن ذهب إلى هذا المعنى للتأويل واعتبر نفسه ممن يعلم تأويل المتشابه : ابن عباس -  رضي الله عنهما   – فقال : [ أنا ممن يعلم تأويله . وقال مجاهد : ( والراسخون في العلم ) يعلمون تأويله ، ويقولون آمنا به .   وقا ل محمد بن جعفر بن الزبير : والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، ثم ردوا  تأويل المتشابه  على ما عرفوا من تأويل الآيات المحكمة  التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد ، فاتسق بقولهم الكتاب ، وصدق بعضه بعضا ، فنفذت به الحجة ، وظهر به العذر ، وانزاح به الباطل ، ودفع به الكفر ] (43).

ب – قال تعالى في سورة النساء : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) (44)     

قال ابن جرير الطبري : ( أحسن تأويلا ، أي : جزاء . وقال قتادة :أحسن ثوابا،وخير عاقبة ) (45). فالتأويل هنا : هو تأويل فعلهم الذي هو رد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة . وليس التأويل هنا بمعنى التفسير  ، أو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر . 

ت –    قال تعالى في سورة الأعراف : ( هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق .. الآية )  ( 46) وبالنظر إلى معنى التأويل هنا ، نجد أن المراد به هو الحوادث التي تقع مطابقة لما أخبر به الكتاب ، أي : هل ينتظرون إلا تحقق ما أخبر به القرآن من بعث ، وحساب ، وثواب ، وعقاب في الآخرة ..؟ قال الربيع : ( لا يزال يجيء من تأويله أمر حتى يأتي يوم الحساب ، حتى يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ) (47).

ث -   قال تعالى في سورة يونس : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كانت عاقبة الظالمين . ) (48)        قال الإمام الطبري : (  ما بهؤلاء المشركين يا محمد تكذيبك ، ولكن بهم التكذيب بما لم يحيطوا بعلمه ، مما أنزل الله عليك من هذا القرآن  ، من وعيدهم على كفرهم ، ولما يأتهم بعد ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعدهم الله به في القرآن . ) (49)   فالمراد بالتأويل هنا : وقوع ما أخبر به القرآن ، وهو الأثر الخارجي ، والمدلول الواقعي بوعيد هؤلاء .

ج – ووردت كلمة التأويل في ثمانية مواضع من سورة يوسف  - عليه السلام – وهي الآيات :    ( 6 ، 21 ، 36، 37 ، 44 ، 45 ، 100 ، 101 ) . والتأويل في الآيات السابقة كلها يقصد به تعبير الرؤيا ، أي : ما تؤول إليه . (50)

ح – قال تعالى في سورة الإسراء : ( وأوفوا الكيل إذا كلتم  وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا . ) (51)

 قال الطبري : ( فسر مجاهد ، وقتادة ،كلمة التأويل هنا : بالمآل  ، والمرجع والعاقبة ، والثواب ) . (52)  ووردت كلمة التأويل في آيتين من سورة الكهف ، وهما  : قوله تعالى : ( ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) (53)  ، وقوله : ( ذلك  تأويل مالم تسطع عليه صبرا . )(54)والمراد بالتأويل هنا  - وهو ضرب من تأويل الأفعال لا الأقوال  - هو : (  إرجاع الأفعال التي فعلها العبد الصالح وأنكرها موسى – عليه السلام - ،من خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وإقامة الجدار ، إلى ما تؤول إليه من الخير في المستقبل ، وهو دفع ظلم الملك لأصحاب السفينة ، وإفساد الغلام لأبويه  وحفظ الكنز لأصحاب الجدار  . ) (55)       

المطلب الثالث : كلمة التأويل في أحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم  -

وردت كلمة التأويل في حديث رسول الله  - صلى الله عليه وسلم  - بمعنى : تعبير الرؤيا والمآل الذي تؤول إليه ،  وبمعنى التفسير ، وبمعنى العاقبة والمصير .

أ  - فمن الأحاديث التي وردت  فيها كلمة  التأويل بمعنى الرؤيا :

قال أنس بن مالك  - رضي الله عنه  - قال رسول الله  - صلى الله عليه وسلم - : ( رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم ، كأنا في دار عقبة بن رافع ، فأتينا برطب من رطب ابن طاب ، فأولتها : بالرفعة لنا في الدنيا ، والعاقبة في الآخرة ، وأن ديننا قد طاب ) (56)

ب  - ومن الأحاديث التي وردت فيها كلمة التأويل بمعنى التفسير والبيان :    دعاء الرسول – صلى الله عليه وسلم -  لابن عباس بتعلم التأويل ، وقد ورد هذا الدعاء في روايات عديدة ، بينها تفاوت في ألفاظها . ففي البخاري : أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – ضم ابن عباس إلى صدره وقال : ( اللهم علمه الكتاب ) (57)  وفي رواية أخرى : ( اللهم علمه الحكمة . ) (58) وفي رواية مسلم : ( اللهم علمه الحكمة . ) (59)  وروى الإمام أحمد عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : إن  رسول الله  - صلى الله عليه وسلم – وضع يده على كتفي ، أو منكبي ، ثم قال :  ( اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل ) (60)     ومعلوم أن دعاء الرسول  - صلى الله عليه وسلم – مجاب ، ولذلك من الله على ابن عباس بالفقه في الدين ، وعلم التأويل ، فصار بحق ترجمان القرآن . والمراد بالتأويل هنا : التفسير والبيان ، ولا يجوز القول بأنه يعلم حقائق تأويل القرآن الخارجية،لأن ذلك من الغيوب التي استأثر الله بعلمها. 

ت – ومن الأحاديث التي وردت فيها كلمة التأويل بمعنى :  المرجع  ، والعاقبة ، والمصير : ما رواه سعد بن أبي وقاص  - رضي الله عنه – عن النبي  - صلى الله عليه وسلم – أنه سئل  عن معنى قوله تعالى : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس يعض أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) (61) فقال : ( إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد ) (62) أي : لم يحدث مدلولها العملي ، والواقعي  الذي هو عين تأويلها ، والذي هو مصير المخاطبين ، وعاقبة أمرهم .

المطلب الرابع : التأويل في عهدي الصحابة والتابعين

لم يكن التأويل وقفا على عصر دون عصر   ، فقد وجد منذ عصر الصحابة  -رضوان الله عليهم  - ، وكان ذائعا شائعا بينهم ، ويدلنا على ذلك اجتهادات ابن عباس ، وابن مسعود ، وغيرهما من أعلام الصحابة (63) ، بالإضافة إلى الآثار المروية عن كبار الصحابة التي تحذر من شطط التأويل . من ذلك : ما رواه عمرو بن دينار قال  : قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - :   ( إني أخاف عليكم رجلين : رجل يتأول القرآن على غير تأويله ، ورجل ينافس أخاه على الملك . ) (64)

           وعن عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب ، قال : ( ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه ، ولا من فاسق بين فسقه ، ولكني أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ، ثم تأوله على غير تأويله  )(65)

كما كان أهل الرأي والعلم بالمرصاد للمؤولين الذين لا يريدون وجه الحق في تأويلاتهم ، وغير المستندة إلى أدلة الشرع ، أو مخالفة لحكمة التشريع ، أو الناتجة عن خطأ في الفهم ، كفعل أبي بكر – رضي الله عنه – بالمرتدين ، الذين أولوا آية الزكاة على غير وجهها (66)،     

 وكما فعل عمربن الخطاب – رضي الله عنه  - بقدامة بن مظعون  (67) ، وصبيغ بن عسل التميمي (68) ، وأمثالهم  ولم يقف التأويل عند عصر  الصحابة ، بل تعداهم إلى عصر التابعين ، (69)   فهو منهج من مناهج الاجتهاد بالرأي ، أو كما يقول الإمام أبو زهرة : ( باب من أبواب الاستنباط العقلي  ) (70)

نتيجة لكل ما سبق يمكننا أن نقول : لقد عرف الصحابة  والتابعون  معنيين للتأويل :

الأول : المآل والعاقبة ، وهو ما نجده مكررا في آيات القرآن الكريم .

والثاني :     بمعنى التفسير ، والبيان ، وهو ما دعا به الرسول  - صلى الله عليه وسلم – لابن عباس -رضي الله عنهما  - ، وظل هذان  المعنيان معروفين للسلف إلى أن ظهرت الفرق الإسلامية المختلفة منذ عهد الخليفة الراشد  : عثمان بن عفان  - رضي الله عنه وأرضاه - ، فكان للتأويل اصطلاح آخر ، انتشر ببطء في الفكر الإسلامي ،وتلون بلون كل فريق ومذهب ، وأخذ يشكل معارضة هادئة للإسلام ، معتمدا على الآيات بتحريف دلالاتها ، أمام استحالة التغيير للنص المحفوظ . وكانت محاولات هؤلاء على قلتها ، تعتبر البدايات الأولى للتأويل الباطني الفاسد ،  وليس أدل على ذلك من قول قتادة  ( ت 117هـ) – عند قراءته لقوله تعالى :  ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ..الآية ) (71) - :( إن لم يكونوا الحرورية  - أي الخوارج - ، والسبئيين ، فلا أدري من هم . ….إلى أن يقول : والله إن اليهودية لبدعة ، وإن النصرانية لبدعة ، وإن الحرورية لبدعة ، وإن السبئية لبدعة ، ما نزل بهن كتاب ، ولا سنهن نبي ) (72)   وقال الطبري ( ت310هـ) عند تفسيره لقوله تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ .. الآية )(73) : ( هذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك ، فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله ، كان من أهل النصرانية  أو اليهودية ، أو المجوسية ، أو كان سبئيا ..) (74)     لقد وجد السبئيون الباطنيون -  ومن نسج على منوالهم  - في التأويل متنفسا لتعاليمهم ، يتجاوزون بها الحدود الظاهرة لمعاني الكلم ، أو كما يقول البغدادي : ( إن الباطنية احتالت لتأويل أحكام الشريعة على وجوه تؤدي إلى رفع الشريعة . ) (75)  فقام العلماء من مفسرين ، ومحدثين ، وفقهاء ، وأصوليين ، وغيرهم ، بالتصدي لهم ، وبينوا معنى التأويل ، وأدلته ، ومجالاته ، وقاموا بوضع الضوابط والأصول ،  للتأويل الصحيح ، لمنع المبتدعين من تحريف نصوص الآيات ، والخروج بها عن معانيها المرادة ، وعن قواعد اللغة ، ونصوص الشريعة . وهنا يجب أن نفرق بين تأويل مشروع يستخدمه المفسرون وغيرهم  ، بمعنى يقرب قليلا أو كثيرا من معنى التفسير ،  للكشف عن المعنى وفهمه ، حين يصرف المتأول اللفظ عن ظاهره ، أو معناه الراجح إلى معنى آخر مرجوح  بدليل صحيح ، وبين تأويل مستكره ، يحكمه الهوى ، والهوس ، والاعتقاد الفاسد ، ويتعسف في فهم اللفظ   ، ويفسره على معنى بعينه  ، يطابق معتقده ، وذلك كمن يصرف اللفظ القرآني عن ظاهره  أو معناه القريب الراجح إلى معنى بعيد مرجوح ، اعتمادا على ما يظنه دليلا وهو ليس كذلك ،كما فعل الباطنيون وغيرهم في القديم ،وأشياعهم في الحديث .

المطلب الخامس  :  التأويل  في الاصطلاح

صاحبت ظاهرة التأويل للنص الديني منذ أن نزلت أول كلمات الله على رسول الله    -   صلى الله عليه وسلم - ، وحاول المسلمون تفهم القرآن ، واستنباط الأحكام منه ، إلا أن الإعراض التي استوجبت الاشتغال به ، لم تكن قد ظهرت بصورة تشكل ظاهرة ، فلم يكن ثمة حاجة للتأويل . 

             وقد ورد في الحديث عن سيد الثقلين ، أن ابن عباس – رضي الله عنهما  - قدم له وضوءه فقال: من فعل هذا ؟ فقلت: أنا يا رسول الله ، فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) (76)  ففي هذا الدعاء من الرسول – صلى الله عليه وسلم  -  لابن عباس -  رضي الله عنها  - دليل إقراره -  عليه السلام – للتأويل الصحيح .    لقد كان التأويل الصحيح أداة لسبر أغوار النص الديني ، واكتشاف طاقاته المعبرة ، وعمل التأويل في بيئة المفسرين  والفقهاء   على توسيع  آفاق النص ، حتى يستغرق متجدد أحداث الحياة ، وعمل على التوفيق بن الآراء والنصوص التي تبدو متعارضة . واستغلال التأويل من قبل الفرق الضالة المنحرفة ، الذين شوهوا الدلالات اللغوية ، وصرفوا النصوص الدينية عن ظاهرها المراد ، إلى معان باطنية غير مرادة في النص لمناصرة مذاهب فاسدة ، ونحل باطلة ، دفع  المشتغلين  بالنص الديني من مفسرين ، ومحدثين ، وفقهاء ،  وأصوليين ، ومتكلمين ،  إلى استنباط تعريف للتأويل الصحيح ، وبينوا أنواعه ، ومجالاته ، وضوابطه ، ليتمكن المشتغلون بالنص الديني من التعرف على صحيح التأويل من فاسده ، ومتى يكون التأويل ، وكيف يكون ، وليدركوا ما حرفه أصحاب المذاهب الضالة من آيات  خرجوا بها عن معانيها المرادة ، وقواعد اللغة ، وأصول الشريعة ، وما دسوه في كتب التفسير .

وسأعرض فيما يلي لبعض التعريفات الاصطلاحية للتأويل ، مرتبة ترتيبا تاريخيا ، منها:

1-  قال الفخر الرازي محمد بن عمر بن الحسين  (ت 606): - ( التأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح ، مع قيام الدليل القاطع عن أن ظاهره محال) (77)  

ونلحظ عند الرازي دقة في التعريف ، فالتأويل لا يلجأ إليه إلا إذا دعت الحاجة ، واستحال قبول المعنى الظاهر

2 - وقال ابن الحاجب-جمال الدين عثمان بن عمر المشهور بابن الحاجب (ت646هـ)  : (التأويل: هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح،  بدليل يصيره راجحا . ) (78)

  وهذا المعنى المحتمل الذي يؤول إليه اللفظ معنى مرجوح  ، لأنه خلاف المعنى الحقيقي الظاهر المتبادر  ، ومع ذلك فإن دليل التأويل الأقوى يصير هذا المعنى المرجوح راجحاً، أي يغلب على ظن المجتهد أنه مراد الشارع  ، كما رجحه الدليل.  والتعريف الاصطلاحي للتأويل  ، أصبح في عرف المتكلمين ،  والفقهاء ، والمفسرين ، هو الذي ينصرف إليه الذهن عند الإطلاق، وأصبح شائعا ومتعارفاً عليه بين المتأخرين ، ويبدو أن استعماله بهذا المعنى، استوجبته دواعي كثيرة، كان من أبرزها مواجهة التأويلات  المنحرفة التي بدأت بالبروز في المجتمع الإسلامي في وقت مبكر ، والتي كانت مستنداً لكثير من النزعات الطائفية والشعوبية ، والفرق الضالة ،  وبعض الأعاجم، الذين ترسبلوا بالإسلام، ولم يتجردوا من مواريثهم العقاتدية، وتركاتهم الثقافية، وأرادوا الكيد للإسلام من الداخل.

 

المبحث الثاني

ضوابط وشروط  التأويل المقبول وأدلته ، وسمات التأويل الفاسد المردود

    قرر علماء الشريعة أن الأصل عدم التأويل ، وأن التأويل خلاف الأصل ، ولا يعدل عن الأصل إلى خلافه إلا بدليل . وعلى هدي من هذا الأصل ، وحفاظا على نصوص الشريعة من نزعات الهوى ، وضعوا شروطا للتأويل ، ولم يعتبروا التأويل صحيحا مقبولا إلا بتوفر هذه الشروط ، وإلا فهو تأويل فاسد مردود . ومن أهم هذه الشروط ، ما يلي : 

أولا : - أن يكون المتأول ممن توفر  فيه شروط الاجتهاد ، عالما بأسباب التأويل ومجالاته ، ملما بمدلولات الألفاظ ، ومقاصدها ، عالما بروح الشريعة الإسلامية وأدلتها ، وله دراية  بأسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ . (79) ، فإن فقد هذا الشرط في المؤول ، لم يكن أهلا للتأويل .

ثانيا :-       أن يكون المعنى الذي أول إليه اللفظ  ، من المعاني التي يحتملها اللفظ نفسه ، وإنما يكون اللفظ قابلا للمعنى الذي يصرف إليه  ، إذا كان بينه وبين اللفظ نسب من الوضع اللغوي ، أو عرف الاستعمال ، أو عادة الشرع ، (80)فقد جرت عادة الشرع على تخصيص العام (81)   في كثير من نصوصه ، مثل قصر الوجوب في كلمة ( الناس ) في قوله تعالى : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا . ) (82)  على المكلفين  ، دون الصبيان والمجانين . كذلك تقييد المطلق (83)  ، جرت به عادة الشرع ، واللغة لا تأباه ، فقد قام الدليل على تقييد ( الوصية ) المطلقة في قوله تعالى : ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) (84)  بالثلث  في قوله  صلى الله عليه وسلم  - لسعد بن أبي وقاص  - رضي الله عنه  - : ( الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء ، خير من أن  تذرهم عالة يتكففون الناس . ) (85) . فالعام إذا صرف عن العموم ، وأريد به بعض أفراده بدليل ، فهو تأويل صحيح ، لأن العام يحتمل الخصوص ، وحين يراد به بعض أفراده ، فقد أول إلى معنى يحتمله . (86)   والمطلق إذا صرف عن الشيوع ، وحمل على المقيد بدليل ، فهو تأويل صحيح . أما إذا كان المعنى الذي صرف إليه اللفظ من المعاني التي لا يحتملها اللفظ نفسه ، ولا يدل عليها وجه من وجوه الدلالة ، فلا يكون التأويل صحيحا مقبولا  . وعلى هذا  ، فإن التأويل لا يدخل في  النصوص الدالة على أحكام أساسية تعتبر من العقائد وقواعد الدين ، ولا تتغير بتغير الزمن : كالايمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ورسله ، واليوم الآخر .

وكذلك  النصوص الدالة على أحكام هي من أمهات الفضائل ، وقواعد الأخلاق التي تقرها الفطر السليمة ، ولا تستقيم حياة الأمم بدونها ،كالوفاء بالعهد ،والعدل ، وأداء الأمانة ، والمساواة أمام الشريعة ، وصلة الأرحام ، وبر الوالدين ، والصدق ،   والنصوص التي تحرم أضدادها من : الكذب ،والخيانة ، وعقوق الوالدين ، والنصوص التي اقترن بها ما يفيد التأبيد  وغيرها من القواعد الأساسية  ، التي لا تحتمل تأويلا ولا نسخا  ، منذ أوحي بالنصوص التي تقررها (87) .

ثالثا : - أن  لا يتعارض التأويل مع نصوص قطعية الدلالة ، لأن التأويل منهج من مناهج الاستدلال والاستنباط الاجتهادي الظني ، والظني لا يقوى على معارضة القطعي  ،  كتأويل القصص الوارد في القرآن الكريم ، بصرفها عن معانيها الظاهرة إلى معان أخرى يصيرها خيالية لا واقع لها ، وهذا التأويل معارض لصريح الآيات القاطعة التي تدل على أن لها واقعا تاريخيا  . (88)

رابعا : - أن يستند التأويل إلى دليل صحيح يدل على صرف اللفظ  عن معناه الظاهر إلى غيره ، لأن الأصل هو العمل بالظاهر ، إلا إذا قام دليل على أن المراد باللفظ هو المعنى الذي حمل عليه ،  فالمطلق على إطلاقه ، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلى التقييد إلا بدليل  يدل على إرادة هذا القيد ، والنهي ظاهره التحريم ، فيعمل به ، حتى يدل الدليل على العدول عنه إلى الكراهية . (89)  ويشترط في الدليل أن يكون صحيحا معتبرا شرعا ، يرشد إلى تحديد إرادة الشارع في النصوص المتعارضة 

 

سمات التأويل الباطني  الفاسد المردود وسـماته  :

التأويل  الفاسد المردود هو ما يخالف التأويل الصحيح المقبول ، أو هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره بغير دليل  ،  أو صرف فيه الظاهر إلى ما لا يحتمله أصلا بوجه من وجوه الدلالة  ، لتقرير مذاهب فاسدة  ، مخالفة لظواهر الكتاب والسنة ، ولما أجمع عليه المسلمون .  أو لكونه مناقضا لوحدة التشريع في قواعده العامة المحكمة ، وللأحكام المعلومة من الدين بالضرورة  ، كتأويلات الباطنية  القائمة على الهوى ، وأمثالهم من أصحاب المذاهب الهدامة  .

وللتأويل الفاسد المردود سمات تلازمه ولا تفارقه أبدا .. منها :

  -  1 عدم انضباطه تحت ضوابط محددة ، كما يفعل الباطنيون من أرباب الفرق الضالة ، لذا كان من أبرز سمات تأويلهم : الاضطراب الفكري والعقدي ، ففي كتابيه ( تأويل الدعائم ) (90)   و(أساس التأويل )

(91)  يذكر القاضي الإسماعيلي وجوها متعددة من التأويل لبعض المسائل ، ويعلل هذا الاختلاف بأن الناس مختلفة المراتب والطبقات ، فما يصلح لحد من الحدود ، لا يصلح لحد آخر ، فتعدد التأويلات راجع لتعدد مراتب الحدود .

  - 2 الاختلاف والتفرق في الدين :    إن من أعظم الدعائم التي دعا إليها الشارع الحكيم جمع الكلمة ، وتوحيد الصف ، وعدم التفرق في الدين ، قال تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ..) (92) . والذين سلكوا مسلك التأويل الفاسد هم أبعد الناس عن طاعة الله في هذا الأمر .

3-  التأويل  الفاسد خارج عن احتمالات اللفظ ، ولا يوجد له دليل شرعي أو لغوي .

4- مخالفته لمقاصد الشريعة وعلومها ، وللمعاني اللغوية وحدودها التي وضعت لها .  

5- إن من أبرز سمات أهل التأويل المذموم التناقض في الأقوال والأفعال ، لأنهم لما صرفوا ظواهر  النصوص الشرعية بلا دليل ولا برهان إلى معان تخيلوها في أنفسهم ، كان التناقض سمتهم ، والتعارض الفكري علامتهم ، والضلال والاضطراب نصيبهم . يقول شيخ الاسلام ابن تيمية : ( فكل من أعرض عن الطريقة السلفية النبوية الشرعية الإلهية فإنه لا بد أن يضل ويتناقض ..) (93)

وفساد التأويل عموما يتأتى من كونه  لا موجب له ، أو ليس له دليل يؤيده ، أو صرف فيه الظاهر إلى ما لا يحتمله أصلا بوجه من وجوه الدلالة  ، لتقرير مذاهب فاسدة  ، مخالفة لظواهر الكتاب والسنة ، ولما أجمع عليه المسلمون .  أو لكونه مناقضا لوحدة التشريع في قواعده العامة المحكمة ، وللأحكام المعلومة من الدين بالضرورة  ، كتأويلات الباطنية الملاحدة القائمة على الهوى ، وأمثالهم من أصحاب المذاهب الهدامة من بابيين وبهائيين .

  • الاربعاء PM 06:28
    2022-01-12
  • 5034
Powered by: GateGold