المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 315822
يتصفح الموقع حاليا : 147

البحث

البحث

عرض المادة

الفطرة والكمبيوتر

أيُّها الأحبَّةُ، سنَبدأُ اليومَ بأصلِ الأصولِ: بإثباتِ وجودِ اللهِ عزَّ وجلَّ، لِنُؤسِّسَ القاعدةَ الَّتي منها ننطلقُ إلى ما بعدَها.

بدايةً إخوانِي، ما الَّذِي يدُلُّنا على وجودِ اللهِ؟ إنَّها الفِطْرةُ والعقلُ.

وسنتكلَّمُ في البدايةِ عنِ الأدلَّةِ الفطريَّةِ: ما هيَ الفطرةُ؟ كثيرًا ما نسمعُ هذهِ الكلمةَ، ماذا تعنِي؟ وكيفَ تدُلُّ على وجودِ اللهِ تعالى؟

الفطرةُ هي قُوًى واندفاعاتٌ مودَعَةٌ في نفسِ الإنسانِ، تظهرُ آثارُها أثناءَ نموِّهِ وتفاعلِهِ معَ بيئتِهِ، بدءًا مِن الْتِقامِهِ ثديَ أُمِّهِ ليرضعَ، ثمَّ انجذابِهِ للحقائقِ والأخلاقِ السَّليمةِ.

يمكنُ تشبيهُ الفطرةِ للإنسانِ، بنِظامِ التَّشغيلِ للحاسوب "Operating System"

نظامُ التَّشغيلِ هذا لهُ مكوِّناتٌ تتعاونُ وتأتلفُ فيما بينَها لتُعطيَ إنسانًا سَوِيًّا، لاحِظْ قولَ اللهِ تعالى:}لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ{

فأحسنُ تقويمٍ: يشملُ المكوِّناتِ الفطريَّةَ اللّازمةَ لتحقيقِ الغايةِ مِنْ خلقِ الإنسانِ، وهيَ تُفهَمُ كذلكَ منْ قولِ اللهِ تعالى حِكايةً عن موسى عليهِ السَّلامُ: }رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ{

فإنَّ مِمَّنْ هدَى: الإنسان؛ فاللهُ تعالى أحسنَ تقويمَ الإنسانِ، وهداهُ بالفطرةِ.

فهداهُ بالفطرةِ إلى:

1- الإقرارِ بأنَّ لهُ ولهذا الكونِ خالقًا مُدبِّرًا، والشُّعورِ بالحاجةِ إلى هذا الخالقِ، وكذلكَ اللُّجوءِ إليهِ عندَ الشَّدائدِ.

2- وهداهُ بالفطرةِ الَّتي ستُكَوِّنُ لديهِ المُسَلَّماتِ العقليَّةَ، والَّتي بِها يَفهمُ خطابَ هذَا الخالقِ وتكليفَهُ إِيَّاهُ.

3- وهداهُ إلى السُّؤالِ عنِ الغايةِ منْ وجودِهِ، ومصيرِهِ بعدَ موتِهِ، بما يُكَوِّنُ القوَّةَ الدّافعةَ للبحثِ عن أمرِ خالقِهِ، والعملِ بهِ.

4- وهداهُ أيضًا إلى النَّزعةِ الأخلاقيَّةِ مِنْ محبَّةٍ فطريَّةٍ للخيرِ والعدلِ والصَّلاحِ، وكراهيةٍ للشَّرِّ والظُّلمِ والفسادِ بما ينسجمُ معَ أوامرِ الخالقِ الشَّرعيَّةِ، فيميلُ إلَيها الإنسان ُويحبُّها.

5- وهداهُ للشُّعورِ بالإرادةِ الحُرَّةِ، بما يجعلُهُ مختارًا لأفعالِهِ في طاعةِ الخالقِ أو معْصيَتِهِ: «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ»

6- وهداهُ إلى الغرائزِ اللّازمةِ لِمَعيشتِهِ بشكلٍ سَويٍّ ما دامَ في فترةِ الاختِبارِ على هذهِ الأرضِ، كغريزةِ الأمومِة، وغريزةِ حُبِّ البقاءِ.

هذا التَّعريفُ المُوَسَّعُ للفطرةِ تجدُ قريبًا منهُ في كلامِ ابنِ عاشورَ في (التَّحريرِ والتَّنويرِ) عندَ قولِ اللهِ تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ»

فهيَ إذًا حُزْمةٌ فطريَّةٌ، تتعاونُ بشكلٍ عجيبٍ لتُنتجَ إنسانًا سوِيًّا يعملُ لغايةٍ.

قد يحجُبُ الفطرةَ ما يحجُبُها أثناءَ مسيرِ الإنسانِ.
قد يُغالِبُها الإنسانُ، ويَصُمُّ أُذُنَيْهِ عنْ ندائِها، بلْ ويكبِتُها ويطمِسُها؛ فلا يعودُ يسمعُ هذا النِّداءَ العميقَ، لكنَّ هذا كُلَّهُ لا يُلغي حقيقةَ أنَّها موجودةٌ أصالةً وابتداءً فيهِ قبلَ هذِهِ المُغالَبةِ، وتبقى تهجُمُ عليهِ الفَيْنةَ بعدَ الفَيْنةِ، وتنجذبُ لما ينبشُ عنها وينفضُ الرُّكامَ المُتجمِّعَ عليها.

لذا فالفطرةُ تشكِّلُ مأزقًا كبيرًا للملحدينَ، فالفطرةُ تشكِّلُ بالنِّسبةِ لهمْ تدخُّلًا خارجيًّا من قوَّةٍ مُريدةٍ عليمَةٍ، مُتعاليةٍ عن التَّفاعلاتِ لبيوكيميائيَّةِ العشوائيَّةِ


وَرْطةُ الملحدينَ هيَ كوَرْطةِ شخصٍ قالَ لكَ: هذا جهازُ حاسوبٍ تكوَّنَ بِمَحْضِ الصُّدفةِ تركَّبتْ أجزاؤُهُ وتناسقَتْ دونَ صانعٍ، وإنَّما رياحٌ عاصفةٌ هَوْجاءُ جمَّعتْهُ على هذا النَّحْوِ.

فتحْنَا الحاسوب، فإذا فيهِ نظامُ تشغيلٍ كاملٌ متناسقٌ، وبرامجُ لكلٍّ منها غايةٌ.

كيفَ تُفسِّرُ وجودَ هذهِ البرامِجِ أيُّهَا الملْحِدُ؟

إنْ بَلعْنا أُكْذوبَتَكَ المُضحِكةَ عن الجسمِ الصُّلبِ للحاسوبِ، فكيفَ تُفسِّرُ وجودَ هذا المُحتوَى البرمَجِيِّ على الجهازِ؟

التَّفاعلاتُ الحيويَّةُ الكيميائيَّةُ المجرَّدةُ، والطَّفراتُ العشوائيَّةُ والانتخابُ الطَّبيعيُّ، لو تجاوزْنَا أنَّها لا يمكِنُها خلقُ إنسانٍ، وسلَّمْنا لكُم، وقلْنا: خَلقَتْ إنسانًا وبثَّتْ فيه الحياةَ، هذهِ المعاني العمياءُ كلُّها: مِنْ أينَ لها أنْ تودِعَ في عقلِ هذا الإنسانِ ونفسِه هذهِ الحزمةَ المتناسقةَ الموجَّهةَ؟
وكيف تُفسِّرونَ تكوُّنَ هذهِ الحُزْمةِ -هِيَ هِيَ- في كلِّ نفْسٍ جديدةٍ تولَدُ؟

أقرَّ بعضُ الملحدينَ بالمأزقِ ومنهُمُ الفيلسوفُ البريطانيُّ الملحِدُ توماس نيجل " "Thomas Nagel في كتابِهِ المعروفِ بعنوانِ:
(Mind and Cosmos: Why the Materialist
?Neo-Darwinian Conception Of Nature is Almost Certainly False ــ العقلُ والكونُ: لماذا التصوُّرُ الدارويني الجديد للطَّبيعةِ يكادُ يكونُ خطأً قطْعًا؟)

والكتابُ يستعرضُ ثلاثَ قضَايَا أساسيَّةٍ، موضِّحًا عجزَ المادِّيَّةِ الدَّاروينيَّةِ عن تقديمِ حلٍّ لها وهي:
الوعيُ
والإدراكُ
والقِيَمُ

ومعَ ذلِكَ، بقيَ الكاتبُ مُلحدًا.

أمّا عامَّةُ الملحدينَ، فكيفَ تعامَلُوا معَ الورْطَةِ؟ تردَّدوا بينَ إنكارِ فِطْريَّةِ هذهِ المُكوِّناتِ.
أيْ أنَّ منهُمْ منْ أنكرَ وجودَ هذهِ المكوِّناتِ في الإنسانِ -ابْتداءً- معَ ولادتِهِ، واعتبرَها من تأثيراتِ التَّربيةِ والبيئةِ الاجتماعيَّةِ، ومنهمْ منْ أقرَّ بوجودِها لكنْ حاولَ إيجادَ تفسيراتٍ ماديَّةٍ لها.

والطَّرفانِ وقَعَا في أعاجيبِ التَّخبُّطِ والتَّناقضِ واللَّا معقولِ، كما سنرى بإذنِ اللهِ


كانَ هذا بيانًا لتعريفِ الفطرةِ، ولإشكاليَّةِ الملحدينَ الإجماليَّةِ معَها.

  • الاحد PM 11:06
    2021-09-19
  • 407
Powered by: GateGold