المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 412121
يتصفح الموقع حاليا : 342

البحث

البحث

عرض المادة

الهيـــكل والعبــــادة القربانيـــة المركزيـــة ومكانته في الوجدان اليهودي

The Temple and the Central Sacrificial Cult
«الهيكل» كلمة يقابلها في العبرية «بيت همقداش»، أي «بيت المقدس»، أو «هيخال»، وهي كلمة تعني «البيت الكبير» في كثير من اللغات السامية (الأكادية والكنعانية وغيرهما). والبيت الكبير أو العظيم هو الطريقة التي كان يُشار بها إلى مسكن الإله، فكلمة «فرعون» تعني «البيت الكبير» وهي تشبه إلى حدٍّ ما عبارة «الباب العالي». وقد تبدَّت الطبقة الحلولية اليهودية التي تراكمت داخل التركيب الجيولوجي اليهودي في شكل تقديس الأرض الذي تمثَّل في عبادة يسرائيل والعبادة القربانية المركزية المرتبطة بالدول العبرانية المتحدة (1020 ق.م) التي قام الكهنة بالإشراف على إقامة شعائرها. ومركز هذه العبادة القربانية هو الهيكل.


ومن أهم أسماء الهيكل «بيت يهوه»، لأنه أساساً مسكن للإله وليس مكاناً للعبادة (على عكس الكعبة مثلاً). ومن هنا، ورغم أنه كان مصرَّحاً للكهنة بل لعبيد الهيكل بالدخول فيه، فلم يكن يُسمَح لهم بالتحرك فيه بحرية كاملة. ولم يكن يُسمَح لأحد على الإطلاق بدخول قدس الأقداس إلا الكاهن الأعظم في يوم الغفران.

والهيكل أهم مبنى للعبادة اليسرائيلية، ومركز العبادة القربانية المركزية. وبعد هدمه عام 70م، لم يحل محله مبنى مركزي مماثل. وكان يحج إليه اليهود في أعياد الحج الثلاثة: عيد الفصح، وعيد الأسابيع، وعيد المظال. وبعد العودة من بابل، كان السنهدرين يجتمع في إحدى القاعات الملحقة به.

وفي بداية عباداتهم كان العبرانيون، أعضاء جماعة يسرائيل، يحملون في تجوالهم تابوت العهد الذي كان يُوضَع في خيمة الشهادة أو الاجتماع. ومع استقرارهم في كنعان كانوا يُقدِّمون الضحايا والقرابين والهبات للآلهة في هيكل محلي أو مذبح متواضع مبني على تل عال يُسمَّى «المذبح» أو «المحرقة». وكان هذا الوضع تعبيراً عن استقلالية القبائل وعلاقتها الفيدرالية. ومع هذا كان تابوت العهد يُعَدُّ مركز العبادة اليسرائيلية. وبعد تدمير شيلوه (1050 ق.م)، وبعد استيلاء الفلستيين عليه أحضره داود إلى جبل صهيون في القدس حيث بنى خيمة له. وقد ظهرت مراكز العبادة اليسرائيلية في أماكن مختلفة، ولكن أياً منها لم يفلح في أن يصبح مركزاً دينياً لكل القبائل العبرانية المتناثرة. ولذا فمع تَركُّز السلطة في يد الملوك تركزت العبادة القربانية نفسها في مكان واحد هو الهيكل في القدس. والتي كانت تقع على الحدود بين عديد من القبائل، كما أنها لم تكن تابعة لأيٍّ من القبائل باعتبار أنها من المدن التي تم الاستيلاء عليها مؤخراً. ولكل هذا، أصبحت القدس مركزاً دينياً للقبائل العبرانية، ومن ثم لعبادة يسرائيل القربانية. وتاريخ بناء الهيكل هو أيضاً تاريخ تَحوُّل عبادة يسرائيل (البدوية المتجولة أو القبلية الفدرالية) إلى العبادة القربانية المركزية (المستقرة).


الهــــيكل: مكانـته فـــي الوجـــــدان اليهــــودي
TheTemple: Its Status in the Jewish Imagination
يشغل الهيكل مكانة خاصة في الوجدان اليهودي، كما يعبِّر عن التيار الحلولي، فهو يُسمَّى «لبنان» لأنه يُطهِّر يسرائيل من خطاياها ويجعلها بيضاء كاللبن (وبذلك تم ربط الكلمة العبرية «لبن» بكلمة «لبنان»). وكان التصور أنه يقع في مركز العالم فقد بُنيَ في وسط القدس التي تقع في وسط الدنيا (فقدس الأقداس الذي يقع في وسط الهيكل هو بمنزلة سُرَّة العالم، ويُوجَد أمامه حجر الأساس: النقطة التي عندها خلق الإله العالم). والهيكل كنز الإله مثل جماعة يسرائيل، وهو عنده أثمن من السماوات بل من الأرض التي خلقها بيد واحدة بينما خلق الهيكل بيديه كلتيهما. بل إن الإله قرَّر بناء الهيكل قبل خلق الكون نفسه، فكأن الهيكل مثل اللوجوس (أو الكلمة المقدَّسة)، أو ابن الإله في اللاهوت المسيحي.


ويبدو أن الحاخامات اليهود قد أخضعوا الهيكل، منذ البداية، لكثير من التأملات الكونية. ويذهب أحد العلماء إلى أن هذه التأملات هي وحدها التي تفسر معمار الهيكل وتصميمه. وقد أورد يوسيفوس بعض هذه التأملات، فذكر أن الفناء الذي يحيط بالهيكل بمنزلة البحر، والمقدَّس هو الأرض، وقدس الأقداس هو السماء، والرقم (12)، وهو تعداد كثير من الأشياء الشعائرية، هو شهور السنة. بل إن رداء الكاهن الأعظم كان له أيضاً المغزى الكوني نفسه.

ويبدو أن الصورة المجازية الأساسية في القبَّالاه هي المقابلة بين الإنسان والكون، فالإنسان كون صغير (ميكروكوزم) يشبه الكون الأكبر (ماكروكوزم)، وهو تَصوُّر يعود إلى التأملات المبكّرة للحاخامات حيث كانوا يرون أن الهيكل يشبه جسم الإنسان.

ويشكل هدم الهيكل صورة أساسية في الوجدان الديني اليهودي، فهو يُذكَر عند الميلاد والموت. وعند الزواج، يُحطَّم أمام العروسين كوب فارغ لتذكيرهم بهدم الهيكل (وقد يُنثَر بعض الرماد على جبهة العريس). وفي الماضي، حينما كان اليهودي يطلي منزله، كان الحاخامات يوصـونه بأن يترك مربعاً صـغيراً دون طـلاء حتى يتذكر واقعة هدم الهيكل. وفي كل عام، يُحتفَل بذكرى هدم الهيكل بالصيام في التاسع من آب. وعند كل وجبة، ومع كل صلاة في الصباح، يتذكر اليهود الأتقياء الهيكل، ويصلون من أجل أن تتاح لهم فرصة العودة إلى الأرض المقدَّسة والاشتراك في بناء الهيكل. كما تُتلَى صلاة خاصة في منتصف الليل حتى يُعجِّل الإله بإعادة بناء الهيكل. ويذهب الشرع اليهودي إلى أن اليهودي يتعيَّن علىه أن يمزِّق ثيابه حينما يرى الهيكل لأول مرة وبعد مرور ثلاثين يوماً من آخر مرة رآه فيها. وفي القبَّالاه، يشكّل قدس الأقداس المخدع الذي يضاجع فيه الملك، أي الإله، عروسه ماترونيت أو الشخيناه (وهي التعبير الأنثوي عن الإله، وهي أيضاً جماعة يسرائيل). ومن ثم، فإن هدم الهيكل يعني نفي الشخيناه، أي جماعة يسرائيل. ولكن هذا النفي ينعكس على الإله نفسه « فالملك بدونها ليس بملك وليس بعظيم ولا يُسبِّح أحد بحمده » على حد قول الحاخامات، أي أن هدم الهيكل يؤدي إلى شتات الشخيناه/الشعب وإلى نفيها. ومن ثم، فإن هدم الهيكل يؤدي إلى شتات الإله وبعثرته ونفيه. وهذا ممكن داخل إطار حلولي حيث يصبح الإله متوحداً تماماً مع مخلوقاته لا يفصل بينهما فاصل، وحيث يعني نفي الواحد نفي الآخر.

ويرى الصهاينة أن ظهور الصهيونية يعود إلى اللحظة نفسها التي هدم فيها تيتوس الهيكل وفرض على اليهود الشتات. وهم، بهذا، يعلمون الصورة الأساسية في الوجدان اليهودي، ويتبنونها كصورة أساسية في فكرهم السياسي، فيعمقون تَزاوُج الديني والدنيوي. ويقوم الصهاينة بالتأريخ لوقائع تاريخ العبرانيين، وتواريخ أعضاء الجماعات اليهـودية في فلسـطين، بمصطلحات مثـل «الهـيكل الأول» و«الهـيكل الثاني». ويشير بن جوريون وكثير من العلماء الإسرائيليين إلى دولة إسرائيل باعتبارها «الهيكل الثالث».

  • الاحد AM 12:21
    2021-04-18
  • 1024
Powered by: GateGold