المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 412126
يتصفح الموقع حاليا : 355

البحث

البحث

عرض المادة

البروتسـتانتية (القـرنان السـادس عشر والسابع عشـر)

ثمة علاقة وثيقة بين البروتستانتية من جهة والعقيدة اليهودية والجماعات اليهودية من جهة أخرى. ولعل من أكثر العناصر أهمية شكل الحلول في كل من البروتستانتية واليهودية. فبدلاً من الحلول الفردي المؤقت المنتهي (في شخص المسيح أو في الكنيسة، جسد المسيح) نجد أن الحلول يكون في الشعب أو الجماعة، وهو حلول مستمر تنجم عنه حلولية ثنائية صلبة. ويمكن، انطلاقاً من هذا، عقد مقارنة بين العقيدتين لنكتشف بعض نقاط التشابه بينهما (وبإمكان القارئ أن يعود للقسم المعنون «الرأسمالية والجماعات اليهودية» حيث تعرضنا لبعض نقاط الاختلاف والاتفاق). وقد خلق هذا التشابه تربة مواتية في أوربا لتقبُّل اليهودية، وهي تربة لم تكن موجودة في أوربا الكاثوليكية.

وإلى جانب هذا، نجد أن النزعة الأصولية التبسيطية الاختزالية في البروتستانتية جعلت الإصلاحيين يفضلون المبادئ اليهودية البسيطة التي يستطيع القوم فهمها على تعقيدات اللاهوت الكاثوليكي. وقد أكدت البروتستانتية الجانب العبراني في المسيحية على حساب ما وسمته بأنه الجانب الهيليني أو الوثني، وهو ما خلق تعاطفاً مع اليهود ومع الثقافة الدينية اليهودية، خصوصاً أن الكتاب المقدَّس أصبح أكثر الآثار الأدبية شيوعاً، فبدأ الاهتمام باللغة العبرية والتلمود والقبَّالاه.

وقد أثار اللاهوت البروتستانتي قضية شديدة الخطورة وهي قضية الخلاص. فالخلاص ليـس ممكنا من خلال إقامة الشـعائر المقدَّسة، إذ أن مفتاح الخلاص أصبح من خلال النعمة الإلهية والاختيار الإلهي المستمر للبقية الصالحة. ومع تزايد أهمية الاختيار ومركزيته، طُرح سؤال عن العلاقة بين الميثاق والعهد الجديد، هل يفسخ العهدُ الجديد العهدَ القديم أم يُضاف إليه؟ وهذا ما يطرح سؤالاً آخر: هل يظل اليهود شعباً مختاراً؟

كانت المسيحية الكاثوليكية ترى نفسها «إسرائيل الحقيقية» (باللاتينية: إسرائيل فيروس Israel verus). وكان رأي الكنيسة الكاثوليكية أن مجئ المسيح قد نقض العهد الإلهي لإسرائيل وأنهاه. فبعد المسيح لا وعد ولا اختيار إلا لمن آمن بالخلاص وسعى إليه. وباب الخلاص مفتوح لكل الناس بلا استثناء، وعلى اليهود أن يؤمنوا بالمسيح مثلهم مثل غيرهم إذا أرادوا الخلاص. أما النبوءات الخاصة بعودة اليهود فكانت تُؤوَّل على أنها تحققت حينما أعادهم قورش إلى فلسطين. أما الفقرات الأخرى التي تتنبأ بمستقبل مُشرق لإسرائيل، فقد كانت تنطبق ـ حسب تفسير القديس أوغسطين ـ على إسرائيل الجديدة وحسب، أي الكنيسة المسيحية. وبعد ظهور المسيح وإنكار اليهود له أصبح اليهود إسرائيل الجسدية الزائفة والشعب المختار للعنة الإله وأصبحت اليهودية إسماً لا ديناً. ونتيجةً لذلك، كانت الكنيسة الكاثوليكية تفصل بين العبرانيين القدامى الذين كانوا يُعتبَرون شعباً مثالياً وإسرائىل التي ورثتها الكنيسة الكاثوليكية من جهة، واليهود المعاصرين الذين كانوا يقفون في ضعفهم وذلتهم شعباً شاهداً على عظمة الكنيسة من جهة أخرى.

كان التفسير البروتستانتي لهذه القضية جدَّ مختلف إذ أكد على ديمومة اختيار اليهود رغم التناقض بين الوعد القديم بالاختيار والوعد الجديد بالخـلاص. فبحسـب وجهة النـظر البروتسـتانتية، لم يتغيَّر الميثاق. وقد فسر كالفن كلمة «الجديد» بمعنى «التجديد». وكما أن العهد الجديد لا يحتوي على نقض لما كان قديماً، فمحتوى الوعد واحد إنما أخذ أبعاداً جديدة، فالوعد لم يقم بحد ذاته بل ارتبط بمفهوم الوفاء به، أي أن الإله لم يُعط الوعد لليهود دون أن يتعهد بأن يفي به. والمسيح في نظر كالفن هو الوفاء بالعهد أو الوعد الإلهي دون نقض لما كان قبله، وهذا، على حد قول كالفن، ما قال به المسيح نفسه: إنه ما جاء لينقض الناموس بل ليكمله، وإن كلامه لن يزول حتى يتم الكل. فنعمة الإله على اليهود في رأي كالفن لا يمكن إهمالها كعمل عظيم كان في الماضي ومرّ عليه الزمن بل هو متضمَّن في حياة الكنيسة، أي أنه وعد أزلي. ولأنه أزلي، فإن الماضي يشبه الحاضر ويشبه المستقبل، وثمة استمرارية صلبة تؤدي إلى التفسيرات الحرفية. وتقوم التفسيرات الحرفية بتحويل نصوص العهد القديم وقصصه الديني إلى حقائق ووقائع (حوادث) تاريخية. كما ساد الاعتـقاد بين البروتسـتانت بأن اليهـود المعاصـرين هم العبرانيون القدامى، وهم الفلسطينيون الغرباء في أوربا الذين سيعادون إلى فلسطين عندما يحين الوقت، ومن ثم ظهرت العقيدة الألفية الاسترجاعية وحلت محل فكرة الشعب الشاهد. وقد أدَّى هذا إلى ظهور ضرب من الفكر الصهيوني الاسترجاعي الذي يطالب بعودة اليهود إلى فلسطين.

ومما ساعد على ذلك، نزوع البروتستانت نحو الخلط بين المقدَّس والتاريخي وبين المطلق والنسبي. فالوجدان البروتستانتي دائب البحث عن قرائن وإشارات (مادية) من الإله، ودائم الانتظار للرؤي (أبوكاليبس) التي تتحقق داخل التاريخ، وهذا جزء من نزعته الحرفية. وهذه الرؤية صهيونية في بنيتها، فهي رؤية تنكر التاريخ المتعيِّن، وتنتقل بسهولة من العهد القديم إلى فلسطين وبالعكس، وهي تحوِّل اليهود المعاصرين إلى شعب الإله المختار، الذي له حقوق أزلية في أرض الميعاد. ومما يجدر ذكره أن الأسطورة الاسترجاعية هي أسطورة صهيونية ومعادية لليهود في آن واحد. فهي ترى أن الخلاص لا يتم إلا بتحقيق عودة اليهود إلى وطنهم وتنصيرهم، أي التخلص منهم عن طريق التهجير والتنصير. وما حدث بعد ذلك في الاستعمار الاستيطاني هو إقرار أن الخلاص يتم عن طريق التخلص من اليهود بتهجيرهم، أما التنصير فلم يعد أمراً ذا بال في المجتمع العلماني الغربي الحديث.

وقد تزامن ظهور البروتستانتية وحركة الإصلاح الديني مع تزايُد النشاط التجاري الرأسمالي في المجتمعات الغربية. ويرى ماكس فيبر أن ثمة علاقة تبادلية بين الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية الرشيدة )فالبروتستانتية هنا هي «تهويد» للمجتمع المسيحي بالمعنى الذي استخدمه ماركس). وقد كان اليهود جماعة وظيفية وسيطة تعمل بالتجارة والأعمال المالية مثل الربا، وهو ما زاد من أهميتها ونشاطها في المجتمع وخروجها عن هامشه وتحركها نحو مركزه. وقد وجد اليهود المارانو، المطرودون من شبه جزيرة أيبريا الكاثوليكية ومن محاكم التفتيش، ملجأ في الدول والمدن البروتستانتية مثل أمستردام وهامبورج ولندن وغيرها. ولم تَعُد الجماعات اليهودية تنفرد بكونها الأقليات الدينية في المجتمع، إذ كانت توجد الفرق البروتستانتية في الدول الكاثوليكية والفرق الكاثوليكية في الدول البروتستانتية التي كان أعضاؤها يواجهون رفضاً ومقاومة عنيفة أكثر من تلك التي كان يواجهها أعضاء الجماعة اليهودية. ففي أمستردام التي كان يُقال لها القدس الثانية، كان المجتمع البروتستانتي هناك يرحب باليهود ويضطهد الكاثوليك. وقد حاول المفكر الهولندي هيوجو جروتيوس (من منظِّري فكرة القانون الدولي العام والقانون الطبيعي) أن يُعرِّف المصادر المشتركة بين المسيحية واليهودية في بحثه المعنون حقيقة الدين المسيحي فبيَّن أن الفرق المسيحية (الكاثوليكية أو البروتستانتية) كان يُنظَر لها باعتبارها مصدر خطر حقيقي داخلي يفوق كثيراً الخطر اليهودي، فاليهود جماعة معزولة ضعيفة قليلة العدد وهامشية، وكان المجتمع يجيد التعامل معها. كما ظهرت فرق بروتستانتية متطرفة، كالمعمدانيين، هدَّدت البناء السـياسي والاجتماعي ذاته، فضلاً عن أنها كانت ذات جذور جماهيرية راسخة.

ولقد خلخل ظهور البروتستانتية في حد ذاته الإطار المسيحي الكاثوليكي العالمي الموحَّد، فبدأت تظهر تعددية عقائدية في المجتمع الغربي. ويشكل هذا، بطبيعة الحال، بداية تقهقر العقيدة المسيحية وتزايد العلمنة في المجتمع الغربي. وقد ألقى انقسام النخبة الحاكمة إلى بروتستانت وكاثوليك بظلال من الشك على العقيدة ذاتها، الأمر الذي أدَّى بدوره إلى ظهور أو تشجيع الشك الفلسفي واليقين الإلحادي والحركة الإنسانية التي تحوِّل الإنسان إلى مطلق يحل محل الإله.

وقد ساهم مارتن لوثر في إشاعة جو التسامح تجاه أعضاء الجماعات اليهودية في بادئ الأمر، حيث تصوَّر أن بإمكانه هداية اليهود وتنصيرهم. ففي عام 1520 هاجم لوثر هؤلاء الذين يضطهدون اليهود، وأدان اضطهادهم من قبل الكنيسة الكاثوليكية محتجاً بأن المسيحيين واليهود ينحدرون من أصل واحد. بل ورفض لوثر المقولة الإقطاعية الدينية الغربية التي ترى أن اليهود هم أقنان البلاط أو المَلك، ووجد أنهم على حق في رفض المسيحية في صورتها الكاثوليكية الوثنية. ووردت كل هذه الأفكار في كتابه الذي نشره عام 1523، وطُبع سبع مرات في العام نفسه، بعنوان عيسى وُلد يهودياً. ودفاع لوثر عن اليهودية هو جزء لا يتجزأ من نزعته التبشيرية، أي أنه غير مهتم باليهود في حد ذاتهم وإنما مهتم بهم بمقـدار إمكـان تنصـيرهم، فهو يختم كتابه هذا بقولـه: " إذا أردنا أن نجعلهم خيراً مما هم، فعلينا أن نعاملهم حسب قانون المحبة المسيحي لا قانون البابا، علينا أن نحسن وفادتهم وأن نسمح لهم بأن يتنافسوا وأن نتيح لهم فرصة فهم الحياة والعقيدة المسيحيتين، وإذا أصر بعضهم على عناده فما الضرر في ذلك؟ نحن أنفسنا لسنا جميعاً مسيحيين صالحين". وقد عارض لوثر حرق التلمود ومصادرة الكتب الحاخامية، ولعل هذا هو ما حدا بالسلطات الكنسية إلى أن تعتبر لوثر « يهودياً » و« راعياً لليهود » و« شبه يهودي ». بل وتصوَّر بعض اليهود أيضاً أنه يهودي متخفٍّ من يهود المارانو.

ولكن موقف لوثر تغيَّر في أواخر الثلاثينيات، إذ اتخذ موقفاً متطرفاً متعصباً يفوق في تطرفه موقف الكنيسة الكاثوليكية. فالكنيسة الكاثوليكية كانت دائماً ملتزمة بالدفاع عن اليهود وبحمايتهم باعتبارهم الشعب الشاهد، أما لوثر فأسقط هذا الدور تماماً (ضمن ما أسقط من مؤسسات وسيطة). ويُلاحَظ أن تزايُد اشتغال المسيحيين بالتجارة كان له جانبه المظلم بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية إذ كان ذلك يعني تزايُد التنافس معهم. وقد أدَّى الإصلاح الديني إلى فتح الباب على مصراعيه للاجتهادات والانشقاقات، فظهرت مجموعات المسيحيين الذين تمسكوا بحرفية العهد القديم والذين اتخذوا طابعاً يهودياً، كما هو الحال مع جماعة السبتيين الذين كانوا يستريحون يوم السبت بدلاً من يوم الأحد. وكتاب لوثر خطاب ضد السبتيين يتضمن هجوماً حاداً على اليهود الذين اتهمهم بأنهم يجمعون الأنصار لعقيدتهم. ثم ظهر في عام 1542 كتابه عن اليهود وأكاذيبهم ، أما عام 1543 فشهد نشر كتاب عن شيم هامفوراش ، أي الاسم الذي لا يُنطَق به، والكتابان يتضمنان سيلاً من الشتائم والهجوم على اليهود إذ وصفهم بأنهم خبثاء ولصوص وقطاع طرق وديدان مقزِّزة. ولكن الجدير بالذكر أن لوثر كان عنيفاً في هجومه على كل أعدائه من أمراء وأساقفة وبابوات ومحامين وغيرهم. وقد تأثر لوثر في كتابيه بيهوديين متنصرين. والأكاذيب التي يتحدث عنها لوثر تتعلق بمفهوم الاختيار والميثاق مع الخالق من خلال الختان في سيناء، وإيمان اليهود بأن الرب أعطاهم إرتس يسرائيل (أي فلسطين) والقدس. واستخدم لوثر في كتابه كل الاتهامات التي كانت توجَّه إلى اليهود في العصور الوسطى، مثل تهمة الدم وتسميم الآبار، واتهمهم بأنهم يلعنون المسيحيين في معـابدهم، ووصف اليهـودية بأنهـا أصبحت شكلاً من أشكال الوثنية. كما أوصى لوثر بضرورة إحراق معابد اليهود وتدمير منازلهم وأن يُجمَعوا كالقطيع في الحظائر حتى يتحققوا من أنهم ليسوا أسياداً في بلادهم وإنما غرباء في المنفى، وأن يخضعوا للسخرة، وأن تُسلب منهم كتب الصلوات الخاصة بهم والتلمود وأن يُمنع الحاخامات من تلقين تعاليم دينهم وأن لا يُسمح لهم بالسفر من خلال طرق الإمبراطورية.

وصاغ لوثر في هذا الكتاب فكرة الشعب العضوي المنبوذ صياغة متبلورة، فهو يطالب بعدم إعاقة اليهود عن العودة إلى أرضهم في يهودا (أي فلسطين) ويوصي بتزويدهم « بكل ما يحتاجون إليه في رحلتهم لا لشيء إلا لنتخلص منهم، إنهم عبء ثقيل وهم بلاء وجودنا ». ونحن نرى في هذه العبارات نمطاً متكرراً في الحضارة الغربية. فمعاداة اليهود تُترجم نفسها دائماً إلى دعوة صهيونية، أي طرد اليهود وتوطينهم في فلسطين. وتشبه عبارات لوثر بعض العبارات التي وردت في المقدمة التي كتبها بلفور، صاحب الوعد المشهور، لكتاب تاريخ الصهيونية الذي كتبه ناحوم سوكولوف. وكانت آخر موعظة ألقاها لوثر، قبل موته بأربعة أيام، نوعاً من الهجوم على اليهود والمطالبة بطردهم.

وأثناء محاكمات نورمبرج، صرح جوليوس سترايخر بوجوب محاكمة لوثر بدلاً منه لأن كل ما قاله هو عن اليهود قاله لوثر من قبله، وإن كان بشكل أكثر تطرفاً وحدة. ومن الأمور الجديرة بالتأمل أن ألمانيا هي بلد الإصلاح الديني أي البلد الذي فك الحلول الإلهي (النعمة) من الكنيسة وأطلق عقاله ليفيض على كل الدنيا وكل الناس فيتوحدوا بالإله. وبلد لوثر هو أيضاً البلد الذي ظهر فيه هيجل صاحب المنظومة الحلولية المتطرفة التي تصل إلى مرحلة وحدة الوجود التاريخية أو مرحلة نهاية التاريخ، وهو أيضاً بلد نيتشه الذي اكتشف أن وحدة الوجود تؤدي إلى موت الإله، وهو أخيراً بلد هتلر الذي نصب نفسه إلهاً يحكم بلده في إطار من الحلولية بدون إله.

ومع هذا، يُلاحَظ أن موقف الكنيسة اللوثرية من اليهود أثناء الفترة النازية يختلف باختلاف البلد والانتماء السياسي، فالأوساط المحافظة كانت تؤيد النازيين في حين وقفت العناصر الليبرالية ضدهم. وبينما كان موقف الكنيسة في ألمانيا ممالئاً للنازيين، وقفت الكنيسة اللوثرية ضدهم في السويد والدنمارك. بل إن بعض كبار المفكرين اللوثريين الألمان تنبهوا إلى العلاقة الوثيقة بين فكرة الشعب الواحد الصهيونية، والأفكار النازية التي تُقدِّس التراث القومي. وفي عام 1982، عُقد مؤتمر بمناسبة مرور خمسمائة عام على مولد لوثر وحضره ممثلون عن الكنائس اللوثرية، وأعلن الحاضرون فيه رفض أفكار مؤسس الكنيسة اللوثرية المتصلة باليهود.

ولا يتسم موقف المفكر الديني البروتستانتي جون كالفن (1509 ـ 1564) بهذا الوضوح والعنف، فلم تكن لديه علاقة كبيرة بأعضاء الجماعات اليهودية سواء في فرنسا أو سويسرا. ومع هذا، فقد كتب كالفن كتيباً أخذ شكل حوار بين يهودي ومسيحي يحاول كل منهما أن يدافع عن عقيدته ويدحض عقيدة الآخر.

ولكن أثر كالفن في أعضاء الجماعات اليهودية يظهر بشكل غير مباشر، فقد أباح كالفن الربا، وهو ما أسبغ شرعية على أحد النشاطات الاقتصادية الأساسية للجماعات اليهودية. كما أن البروتستانتية الكالفنية التي ابتدعها كالفن، والتي سيطرت على معظم العالم الأنجلو ـ ساكسوني، ساهمت في ظهور الرأسمالية حسب أطروحة ماكس فيبر. وهو الأمر الذي ترك أثراً عميقاً في اليهود. وقد كان اهتمام كالفن بالعهد القديم بالغاً، كما ركز تركيزاً قوياً على النزعة القانونية والتقيد الحرفي والمفرط بالقانون. ومن هنا كان قربه من روح العقيدة اليهودية واتهامه، مثل كثير من المفكرين البروتستانت الأوائل، بأنه يهودي أو من دعاة التهويد. وثمة صدى لهذا الاتهام حتى في كتابات ماركس الذي وصف سيطرة البورجوازية على المجتمع بأنها عملية تهويد له.

ويُلاحَظ أن ثمة علاقة وثيقة بين البروتستانتية من جهة والصهيونية والجماعات اليهودية من جهة أخرى:

1 ـ تأثرت اليهودية بالإصلاح الديني، فظهرت اليهودية الإصلاحية في ألمانيا (مهد الإصلاح الديني) متأثرة بفكر الإصلاح الديني المسيحي بشكل عام وبفكر لوثر على وجه الخصوص. وقد صرح الفيلسوف اليهودي هرمان كوهين أنه لا يرى أي فارق بين التوحيد اليهودي والبروتستانتية.

2 ـ لاحظنا ظهور الفكر الاسترجاعي الصهيوني داخل الفكر البروتستانتي. ويمكن الإشارة إلى أن كثيراً من يهود أوربا كانوا، ابتداءً من القرن السابع عشر، يستقرون في البلاد البروتستانتية (هولندا وإنجلترا... إلخ)، والتي كان لها النصيب الأكبر في التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. ولذا، نجد أن معظم يهود العالم مركزون في البلاد البروتستانتية الاستيطانية التي تتحدث الإنجليزية: الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا. ولم يَعُد لهم وجود يذكر في البلاد الكاثوليكية. ومع هجرة اليهود السوفييت، سيتركز يهود العالم إما في البلاد البروتستانتية أو في إسرائيل.

3 ـ يُلاحَظ ارتباط الحركة الصهيونية بالبلاد البروتستانتية. وقد تبنت إنجلترا المشروع الصهيوني بعد منافسة قصيرة مع ألمانيا وتبعتها الولايات المتحدة، وذلك بينما كان هناك دائماً رفض للمشروع الصهيوني في الأوساط الكاثوليكية. ويُلاحَظ أنه، مع تزايُد انتشار البروتستانتية في أمريكا اللاتينية، يُتوقع تزايد التعاطف مع المشروع الصهيوني.

4 ـ ارتبطت هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني البروتستانتي الأنجلوساكسوني، ولذا نجد أن الغالبية الساحقة من يهود العالم توجد في الولايات المتحدة وكندا وجنوب أفريقيا وأستراليا ونيوزيلندا (وأخيراً إسرائيل التي هي جزء من هذا التشكيل الأنجلو ساكسوني).

5 ـ ثمة علاقة غير مباشرة بين البروتستانتية والجماعات اليهودية تتحدد في أن الرأسمالية، حسب أطروحة فيبر، وُلدت في المجتمعات البروتستانتية، كما أن ميلاد الرأسمالية الرشيدة كان أهم حدث في تاريخ الجماعات اليهودية، خصوصاً في الغرب.

6 ـ ولا يزال كثير من غلاة البروتستانت يأخذون بالتفسير الحرفي للعهد القديم، وينظرون إلى فلسطين باعتبارها أرضاً مرتبطة باليهود، وينظرون إلى اليهود باعتبارهم العبرانيين القدامى، ويتفشى في صفوفهم تفكير صهيوني وحُمَّى استرجاعية ألفية. ويرى كثير منهم أن دولة إسرائيل هي تحقيق للنبوءات التي وردت في العهد القديم.

لكن هذا لا يعني أن ثمة علاقة عضوية أو سببية بين البروتستانتية والصهيونية. وكما أسلفنا، تحوي الرؤية الاسترجاعية البروتستانتية قدراً كبيراً من كراهية اليهود ورفضهم. وتتحدث إذاعات غلاة البروتستانت في الولايات المتحدة عن ضرورة عودة اليهود، ولكنها ترى أيضاً أن هتلر هو سوط العذاب الذي أرسله الإله لتعذيب اليهود لإنكارهم المسيح.

  • الاربعاء PM 10:12
    2021-03-31
  • 1448
Powered by: GateGold