ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
أكذوبة المستشرقين الكبرى
أكذوبة المستشرقين الكبرى
الشيخ محمد إسماعيل المقدم
من جهل المستشرقين الفاحش أو تآمرهم الخبيث وحسدهم لأمتنا أمة الإسناد أنهم دأبوا على الترويج لأكذوبة تثير السخرية، يزعمون فيها أن جهود المحدثين انصبت بالكلية على الناحية الشكلية أو النقد الخارجي المتعلق بالسند، وأنهم تجاهلوا تمامًا النقد الداخلي المتعلق بمحتوى الحديث، أي متنه، وأنهم اكتفوا بتصحيح الحديث بناء على اتصال سند الرواة.
وتعلو النبرة العنصرية الفوقية حين يعلل بعضهم هذه الأكذوبة لأن العقل العربي أو السامي يقف عند الأشكال الظاهرية ولا يتعمق في فهم الموضوع.
وللرد على هذه الأكذوبة نؤكد بعض الحقائق:
الأولى: أن تسمية النقد الخارجي المتعلق بالسند ناحية شكلية عليه ملاحظتان:
الأولى: أن المنهج النقدي للأخبار عند الغربيين ينصب على المتن وحده، ولا يعول على السند إلا من الناحية النظرية البعيدة عن الواقع، أما منهج المحدثين فقد انصب على نقد السند والمتن معًا، وطبق عمليًا بشكل واسع ومنقطع النظير، لم ولن تصل إليه أمة من الأمم، لأن الله اختص هذه الأمة الشريفة بالإسناد.
أما الملاحظة الثانية فهي ما ذكره ذهبي العصر العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله حين قال: ليس نقد الرواة بالأمر الهين، فإن الناقد لا بد أن يكون واسع الاطلاع على الأخبار المروية، عارفًا بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية، خبيرًا بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب والموقع في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الراوي: متى ولد، وبأي بلد، وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفظ، ومتى شرع في الطلب، ومتى سمع، وكيف سمع، ومع من سمع، وكيف كتابه، ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم وبلدانهم ووفياتهم وأوقات تحديثهم وعاداتهم في التحديث، ثم يعرف مروي الناس عنهم ويعرض عليها مرويات هذا الراوي ويعتبر بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه، ويكون مع ذلك متيقظًا مرهف الفهم دقيق الفطنة، مالكًا لنفسه، لا يستميله الهوى، ولا يستفزه الغضب، ولا يستخفه بادر ظن حتى يستوفي النظر ويبلغ المقر، ثم يحسن في حكمه فلا يجاوز ولا يقصر. انتهى كلام ذهبي العصر.
أما الحقيقة الثانية فهي أنه من الغباء الفاحش لهؤلاء المستشرقين المتطفلين أنهم يلقون عداوة مصطنعة بين السند والمتن ويفرقون بينهما.
يقول الدكتور صبحي الصالح: على أننا لن نرتكب الحماقة التي لا يزال المستشرقون وتلامذتهم والمخدوعون بعلمهم الغزير يرتكبونها كلما عرضوا للحديث النبوي، إذ يفصلون بين السند والمتن مثلما يفصل بين خصمين لا يلتقيان أو ضرتين لا تجتمعان، فمقاييس المحدثين في السند لا تنفصل عن مقاييسهم في المتن إلا على سبيل التوضيح والتبويب والتقسيم، وإلا فالغالب على السند الصحيح أن ينتهي بالمتن الصحيح، والغالب على المتن المعقول المنطقي الذي لا يخالف الحس أن يجيء عن طريق سند صحيح.
الحقيقة الثالثة: أن علم الدراية وسيلة خادمة للمقصود الأعظم وهو علم الرواية، ومن تأمل شروط المحدثين لتصحيح الخبر وما وضعوه من أمارات يعرف بها وضع الخبر، يتبين له تهافت دعوى متطفلة المستشرقين، وأدنى بهم أن المحدثين أهملوا نقد المتن، وأن اعتناء المحدثين بالإسناد لم يكن لذاته، وإنما قصد منه مصلحة المتن.
الحقيقة الرابعة: أن كل الشروط الخمسة لصحة الخبر هي شروط لضبط المتن، وما يبدو من ظاهر الشروط المتعلقة بضبط السند هو في حقيقته مرتبط بالمتن ظاهرًا وباطنًا.
فالشروط الثلاثة الأولى لصحة الخبر، وهي اتصال السند، وعدالة الراوي، وضبط الراوي، هي في الظاهر شروط خاصة بضبط السند، وفي الحقيقة أن فقدان أي شرط يخل بضبط المتن، لأن عدم اتصال السند ينتج عنه أنواع من الحديث الضعيف: المنقطع، والمعضل، والمعلق، والمدلس، والمرسل، وكلها تخل بصحة المتن، كما أن فقدان عدالة الراوي ينتج عنها من الحديث الضعيف المخل بضبط المتن: الموضوع، والمتروك، والمنكر، وفقدان ضبط الراوي ينتج عنه من أنواع الضعيف المخل بضبط المتن: المدرج، والمقلوب، والمضطرب، والمصحف، والمحرف، وغير ذلك.
فماذا بقي من شروط صحة الخبر سوى شرطي عدم الشذوذ وعدم العلة؟ وفقدهما ينتج عنه الحديث الشاذ والمعلل، وهما يخلان بضبط المتن، فأين من كل هذا ما يفترى كذبًا على المحدثين من عدم اهتمامهم بنقد المتن عشر معشار السند؟
يقول الدكتور خلدون الأحدب حفظه الله: إن النقد الخارجي للأحاديث، أي نقد الأسانيد، والذي عابه العائب وسموه شكليًا، يتصل اتصالًا وثيقًا بالنقد الداخلي، أي نقد المتون، لأن إثبات ثقة الرواة وكونهم جديرين بالثقة لا يثبت بمجرد عدالتهم وصدقهم، بل لا بد من اختبار مروياتهم بعرضها على روايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، وعلى أصول الدين وقواعده ومقاصده، وعلى صريح العقل وثابت التاريخ، فما كان موافقًا قُبل، وما كان مخالفًا رُد.
ومن ثم تجد عند نقاد الحديث في كتب الجرح والتعديل، في تضعيف الرواة من خلال مروياتهم، تضعيف كثير من الرواة من أجل مروياتهم، واتهام كثير من الرواة بالوضع والاختلاق من أجل مروياتهم، وهذا يؤكد قوة ارتباط نقد السند بالمتن، وعلاقته بمرويات الرواة علاقة وشيجة لا يصح أن يدور حولها جدال.
الحقيقة الخامسة: أن علم نقد المتن كان أول علوم الحديث وجودًا، وأن ظهوره سبق ظهور علم الإسناد والجرح والتعديل، وقد مارسه الصحابة رضي الله عنهم، واستدرك بعضهم على بعض، كعائشة.
إذ قد يكون شاذًا أو معللًا أو موضوعًا باطل المعنى، كما أنه لا يلزم من ضعف السند ضعف المتن، إذ يجيء بسند آخر صحيح غير إسناده الضعيف، ومن هنا قيدوا في حكمهم على الحديث بالصحة أو بالحسن أو بالضعف بالإسناد دون متن الحديث، فيقولون: إسناد صحيح دون حديث صحيح، وإسناد حسن أو إسناد ضعيف دون حديث حسن أو حديث ضعيف.
قال الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: وقد يكون الإسناد كله ثقات، ويكون الحديث موضوعًا أو مقلوبًا، أو قد جرى فيه تدليس، وهذا أصعب الأحوال، ولا يعرف ذلك إلا النقاد.
وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: وقد علم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث، وليست موجبة لصحة الحديث، فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمور، منها صحة سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته، وأن لا يكون راويه قد خالف الثقات أو شذ عنهم. انتهى كلام الإمام ابن قيم رحمه الله.
وأوضح مثال لما ذكره الإمام ابن قيم رحمه الله حديث الترمذي رقم 7053، وفيه أن عليًا رضي الله عنه شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم تفلت القرآن من صدره، فقال له: أفلا أعلمك كلمات تثبت ما تعلمت في صدرك؟ فقال: أجل. قال: إذا كانت ليلة الجمعة فقم بأربع ركعات تقرأ فيهن: ياسين، والدخان، وتنزيل، أي: ألف لام ميم تنزيل السجدة، وتبارك، ثم تدعو، وذكر الدعاء.
قال الإمام الذهبي رحمه الله: وهو مع نظافة سنده حديث منكر جدًا، في نفسي منه شيء، فالله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين، فتعقبه الذهبي في تلخيص المستدرك بقوله: هذا حديث منكر شاذ، أخاف أن يكون موضوعًا، وقد حيرني والله جودة سنده.
وقد تكلم العلامة الألباني رحمه الله تعالى في هذا الحديث في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، الحديث رقم 3473 و3000.
الحقيقة السابعة: من مظاهر عناية المحدثين بضبط المتون أنهم جعلوا من أمارات الحديث الموضوع مخالفته للعقل أو المشاهدة والحس، مع عدم إمكان تأويله تأويلًا قريبًا محتملًا، وأنهم كثيرًا ما يردون الحديث لمخالفته للقرآن أو السنة المشهورة الصحيحة أو التاريخ المعروف، مع تعذر التوفيق.
وقد ضبطوا المقاييس المحكمة لنقد المتن فيما يلي:
أولًا: عرض السنة على القرآن الكريم.
ثانيًا: عرض السنة على السنة.
ثالثًا: عرض روايات الحديث الواحد بعضها على بعض.
رابعًا: عرض متن الحديث على الوقائع والمعلومات التاريخية.
خامسًا: النظر إلى لفظ الحديث ومعناه.
سادسًا: عرض الحديث على الأصول الشرعية العامة والقواعد المقررة.
سابعًا: النظر العقلي في الحديث.
وذلك لأن العقل أساس النقل، بمعنى أن الوحي إنما يثبت بطريق العقل، لكن الفرق بين الوحي الإلهي والعقل هو الفرق بين الخالق والمخلوق، أي ما بين الألوهية بكمالها المطلق والبشرية بنقصها ومحدوديتها.
والعقل كالبصر، والوحي كالشعاع، والعقل كالسراج، والشرع كالزيت الذي يمده، فهما متعاضدان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارض الشرع ألبتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع، ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه إما حديث موضوع أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول. انتهى من درء تعارض العقل والنقل.
إذا فهذا هو الضابط السابع من ضوابط المقاييس المحكمة لنقد المتن: النظر العقلي في الحديث.
أما الأصوليون والفقهاء فقد أضافوا إلى هذه الضوابط لدى المحدثين مقاييس أخر، على اختلاف بينهم في العمل ببعضها، وهي: عرض السنة على الإجماع، وعرض السنة على عمل الصحابة، وعرض السنة على القياس، وعرض خبر الواحد على ما تعم به البلوى.
-
الثلاثاء AM 11:05
2026-04-28 - 19



