المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1041095
يتصفح الموقع حاليا : 343

البحث

البحث

عرض المادة

خيانة المنافقين لأمانة الدين تستوجب وعظهم وعظا بليغا

د / احمد نصير

المبحث الثالث

خيانة المنافقين لأمانة الدين تستوجب وعظهم وعظا بليغا

 

قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)

 

انتقلت الآيات للحديث عن الخائنين للأمانات الذين هم في مقابلة المؤمنين الذين يحافظون على العهود والأمانات ومنها أمانة الدين والحكم ، فيطيعون الله ورسوله وأولي الأمر ، بيد أن المنافقين يخونون أمانة هذا الدين ، ولا يطيعون أئمتهم ، ويتمردون عليهم ، ويعلنون عصيانهم ، ويحتكمون لغير شرع الله في أمور حياتهم ، ولو خالف ذلك معتقداتهم

 

فحذرت الجماعة المؤمنة أن يوسدوا شيئا من الأمانات لأحد من الذين نافقوا لأنهم يخونون الأمانة إذا وُكلت إليهم ، فيظهر أمر خيانتهم – ابتداء- في عدم إطاعتهم لولاة الأمور ، لأنهم يعترضون على ولايتهم ، رغبة منهم في نقض عرى الإسلام ، قال رسول الله "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة"[1].

 

 ومن ثم تجدهم يجادلون في أوامر الله تعالى وحكم رسوله r ، ولا يذعنون لهما ، بل ويخترعون مناهج لمضاهاة أحكام الله صادين عن شرعه ، وزاعمين حسن نيتهم كأنهم أرادوا الاجتهاد فأخطؤا ، وتعزى جراءتهم تلك إلى أنهم  أمنوا العقاب فأساءوا الأدب ، فإذا وقعت مصيبة كشفت عن خيانتهم استدركوا أمرهم قبل أن تصيبهم عقوبة ولي الأمر ، فيبادرون له بالاعتذار والأعذار والأيمان الكاذبة لينفوا عن أنفسهم سوء النية ، والذي قد يحملهم -أو حملهم - على ذلك أنهم رأوا عقوبة ولي الأمر قد حلت ببعضهم لما ظهرت خيانته ، قال النيسابوري قيل (المصيبة) : (إنها قتل عمر صاحبهم –أي المنافقين- فإنهم جاؤوا وطلبوا بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الصلاح)[2].

والشرع الحنيف بيَّن لنا كيف يكون التعامل مع هؤلاء المنافقين ، وكيف يجمع المؤمن بين إنكار منكرهم بتوجيه الوعظ البليغ لهم ، وفي ذلك الوقت الإعراض عنهم بعدم الانخداع بحلفهم الكاذب بالله ، فأمثال هؤلاء ينبغي ألا نستقطع كثيرا من أوقاتنا لأجل الرد على مزاعمهم ، وإن جاز الرد عليهم فليكن الرد بليغا وقصدا اختصارا للوقت وإفحاما لهم بالحجة .

 

 وليتهم يتوبون ليتوب الله عليهم ، فلن يقبل الله توبتهم إلا إذا سلَّموا بشرع ربهم تسليما بلا مناقشة أو اعتراض ، وهو الأمر الذي يبدو جليا حينما يأتي الأمر بالجهاد في سبيل الله ، لكن من لا يزال منافقا فإنه لن يضحي بماله ونفسه في سبيل الله ، متغافلا عن الحكمة منه وأن في الجهاد إصلاح لشأني الدنيا والآخرة ، (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) ، فهؤلاء لن يُمحي ما بدر منهم إلا أن يلقوا بأنفسهم في ميدان الجهاد في سبيل الله لو أرادوا حقا التوبة بصدق ، وقليل منهم من يفعل ذلك ، وتلك القلة إذا فعلت ذلك وتابت إلى الله فسوف تحظى بالأجر العظيم ورفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، فضل من الله ونعمة ..

 

ففي قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) (60) هناك تعارض بين زعم الإيمان بالقول ونفيه عملا بالتحاكم لغير شرع الله ، ففي الآية دلالة على أن (مجرّد إرادة التحاكُم إلى غير كتاب الله وسنة رسول الله- مجرّد الإرادة- يتنافى مع الإيمان)[3] .

 

وعَنْ مُجَاهِدٍ أنها نزلت في قصة رجلين قَالَ: "تَنَازَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ الْمُنَافِقُ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، وَقَالَ الْيَهُودِيُّ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى النَّبِيِّ r " [4]، ففعل هذا المنافق يدل على تجرده من الإيمان لأنه يريد أن يحتكم إلى يهودي ، بينما اليهودي يثق في عدالة رسول الله r ، فكأن إيمان اليهودي أهدى من المنافق ، وكلاهما في ضلال حيث سمى الله اليهودي (كعب بن الأشرف) طاغوتا ، وذكر الطبري في تفسيره أنه (كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة , فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة، فأنزل الله فيه هذه الآية)[5].

 

قال أبو حيان (ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لأنه تعالى لما أمر المؤمنين بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر ، ذكر أنه يعجب بعد ورود هذا الأمر من حال مَن يدَّعي الإيمان ويريد أن يتحاكم إلى الطاغوت ويترك الرسول)[6]، قال الشاطبي (فكأن هؤلاء قد أقروا بالتحكيم ، غير أنهم أرادوا أن يكون التحكيم على وفق أغراضهم زيغاً عن الحق وظناً منهم أن الجميع حكم ، وأن ما يحكم به كعب بن الأشرف أو غيره مثل ما يحكم به النبي r ، وجهلوا أن حكم النبي r هو حكم الله الذي لا يرد ، وأن حكم غيره معه مردود ، إن لم يكن جارياً على حكم الله)[7] ..

 

قال ابن كثير (هذا إنكار من الله - عز وجل- على من يدعي الإيمان ، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ، والآية عامة وذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل)[8] .

 

 قال ابن القيِّم (والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع ، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت "[9] .

 

قوله (..وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ..) (60) فلا يكفي مجرد الاحتكام إلى الله ورسوله ، ولا يكفي عدم الاحتكام إلى الطاغوت لتحقيق معنى الكفر بالطاغوت ، بل لابد وأن ينضم إلى ذلك كله الكفر بكل صور الاحتكام لغير الله ، أي إظهار البراءة من ذلك ، واستنكار الإيمان بغير حكم الله ، فالتعبير بلفظ (الكفر) لإثبات البراءة من ذلك بليغ في الإنكار على أهل الباطل الاحتكام لغير الله ، وليس ثمة لفظ أدل منه على ذلك ، ولذلك قال الرازي (جعل التحاكم إلى الطاغوت يكون ايمانا به ، ولا شك أن الايمان بالطاغوت كفر بالله ، كما أن الكفر بالطغوت إيمان بالله)[10] ،أي لا طريق ثالث بينهما ، فإن أن يترتب على الإيمان بالله كفر بالطاغوت أو أن يترتب على الإيمان بالطاغوت كفر بالله ، قال تعالى: (..فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى..)(البقرة 256) ، أي لابد في كل الأحوال إعلان الكفر بالطاغوت .

 

 إذن فالمقصود بالكفر بالطاغوت البراءة المطلقة من كل ما يُعبد من دون الله، سواء كان معبوداً أو متبوعاً أو مطاعاً، مع اعتقاد بطلان ذلك كله ومعاداة أهله ، والإيمان بأن الله هو المعبود الحق وحده دون سواه ، ويعتبر الكفر بالطاغوت شرطاً أساسياً لصحة الإيمان بالله، قال الشنقيطي (ومفهوم الشرط أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى وهو كذلك ، ومن لم يستمسك بالعروة الوثقى فهو بمعزل عن الإيمان ؛ لأن الإيمان بالله هو العروة الوثقى ، والإيمان بالطاغوت يستحيل اجتماعه مع الإيمان بالله ؛ لأن الكفر بالطاغوت شرط في الإيمان بالله أو ركن منه)[11] .

 

فكما أن للإيمان بالله في صورته الإيجابية ركان : القول والعمل ، أي النطق بالشهادتين والعمل الصالح ، فإن صورته السلبية بمعنى الإنكار والكفر ، له كذلك ركنان : البراءة مما سوى الله ، وهذا هو الركن القلبي ، وركن عملي يتمثل في إنكار الاحتكام في شيء لغير الله تعالى ، وهو ما يعني الكفر بالطاغوت ، فتنفيذ هذا الأمر يعني أن يستقي المسلم كل أحكامه من كتاب الله وسنة نبيه ، ولا يحيد عن ذلك ، وينخلع عما سواهما ، فلا يميل قلبه لشيء من الحلول المستوردة من غير كتاب الله وسنة نبيه r ، فالكمال لا يكون إلا لله ، والحكمة تكون في تشريعه لا في غيره ، ولهذا فإن الكفر بالطاغوت يتمثل عملا في إنكار الحاكمية لغير الله تعالى ، وهذا ظاهر في قصة عدي بن حاتم ، فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ r وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ)[12]، أي ساروا مع حكمهم دونما إعادة نظر فيه هل يتماشى مع حكم الله أم يعارضه ويخالفه .

 

أما إذا صادف أن تشريع غيره قد تماشى مع مقاصد التشريع الإلهية ، فقد استنطق الله على لسان خلقه مراده ، فيكون العمل به هو عمل بما أراد الله ، لا عملا بتشريع غيره ، فلا ينافي واجب البراءة والكفر بكل حكم غير حكم الله ، وقد تثبت أنه لا يتعارض مع حكم الله .

 

ويحصل ذلك كثيرا إذا ما دخل المسلمون بلاد غيرهم بأمان من أهل هذه البلاد ، فإنه يذعن لأحكامهم وقوانين بطلب هذا الدخول ، وذلك يعتبر بمثابة عقد بينهما ، والأصل أن المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا ، وعليه فإن التزام المسلم قوانين البلد الغربي التي يقيم فيها مرهون بذلك ، مثل قوانين الضرائب أو المرور ..الخ .

وكذلك الحال بالنسبة لاحترام الدولة المسلمة القوانين والاتفاقات الدولية بموجب انضمامها للجماعة الدولية أو شخصية اعتبارية دولية ، متى كانت تتفق مع مقاصد الإسلام ولا تخالفها ، فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَوْفُوا بِحِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ يَعْنِي الْإِسْلَامَ إِلَّا شِدَّةً وَلَا تُحْدِثُوا حِلْفًا فِي الْإِسْلَامِ)[13]

مثال ذلك عدم قتل المبعوثين الدبلوماسيين من دولة معادية أثناء الحرب ، فهذا عرف دولي يجب مراعاته ، فعن نعيم بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله r قال لرجلين جَاءَا من عند مسيلمة الكذاب »أَمَا وَاللهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا« [14]، فالأصل وجوب قتلهما لأنهما محاربين ، ولكن العمل جرى على عدم قتلهما للحاجة إلى بعث وفود للدولة المعادية ، فلا نقتل مبعوثيهم مقابل ألا يقتلون مبعوثينا  ، فيتحقق مبدأ المعاملة بالمثل ، وفي ذلك مصلحة عامة للأمة ، لأن في استقبال الوفود تحقيق للتفاوض والمساومة قبل بدء الحرب لعل النزاع ينحسم بمثل ذلك .

 

ومثال ذلك : العمل بالقوانين الاتفاقية لأجل تحقيق مصالح شرعية ، ولو من باب الحيلة كالتي كادها نبي الله يوسف حتى يأخذ أخاه من بين أخوته ، وهي تطبيق عقوبة الأسر لمن ثبت في حقه السرقة بالاتفاق مع أهل الجاني ، وليست هي العقوبة الواجبة التنفيذ في مثل هذه الحالة ، ولكنه لجأ إليها من باب الحيلة والكيد ليأخذ أخاه ، قال تعالى (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف 76) ، ففي أخذه حماية له من عدوان أخوته حتى لا تتكرر خيانتهم لأبيه كما خانوه بإلقائه في البئر ، ولا شك أن ذلك مقصد شرعي مطلوب ، والحيلة التي توصل بها إلى مطلبه لم يترتب عليها ضرر لأحد .

 

وفي هذا الصدد أثير مسألة عن جواز اشتغال المسلم بالقضاء والمحاماة في ظل تحكيم القوانين الوضعية التي قد لا تخلو من مخالفات شرعية ، ففي هذه المسألة قولان لأهل العلم  :-

فالقول الأول: المنع بإطلاق، وقد وجه سؤال إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالسعودية، يقول فيه السائل: هل يجوز لمسلم أن يكون قاضياً في بلد يحكم بغير ما أنزل الله من قرآن أو حديث؟ فكان الجواب: لا يجوز [15] ، أي في هذه الحالة وبذلك الوضوح للمخالفة لا يجوز .

القول الثاني: يجوز تولي القضاء والمحاماة تحقيقاً لبعض المصالح أو دفعاً لبعض المفاسد، وإعمالاً لقاعدة الضرورة، واستيفاء للحقوق واستخلاصاً للمظالم عند انعدام البديل الشرعي[16] ، وهذا الرأي يعتمد على سد باب الذرائع والمفاسد بقدر الإمكان .

وأوضح مستند لهذا الرأي ما فعله النجاشي ، رغم أنه كان ملكا على قومه إلا أنه لم يتمكن من تطبيق أحكام الله بصورة كاملة عليهم ، وإن حاول بقدر الإمكان تحقيق العدل مع الناس والرعية ، ولذلك عدل في قضية عمرو بن العاص وصحابة النبي r المهاجرين إليه ، قال ابن تيمية (النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام بل إنما دخل معه نفر منهم ، ولهذا لما مات لم يكن هناك من يصلي عليه فصلى عليه النبي r بالمدينة) [17]، فلو كان قد استطاع أن يطبع عليهم أحكام الله كاملة لعلمهم أداب الجنازة والصلاة على الميت ، ولصلوا عليه بعد موته ، فإذا تعذر عليه فعل ذلك كان في غيره أعصى.

 

ولذلك ورد في الفتوى (أن المبرر الوحيد الذي يجيز للمسلم الاشتغال بهذه المهن وغيرها في ظل هذه الأنظمة وتلك القوانين التي قد لا تسلم من بعض المخالفات ، هو العمل على نصرة الدين وإقامة الحجة على المخالفين ، والقيام بمصالح العامة ، ودفع الظلم عن الناس أو تخفيفه عنهم بحسب الإمكان ، فإذا أوصدت في وجهه الأبواب وتقطعت به السبل فحق عليه أن يعتزل ؛ وإلا أصبح وجوده مشاركة في الظلم ويتحمل من الإثم بقدر عمله)[18] .

 

ولذلك قال النبي r (سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا)[19]، قال النووي في الشرح (فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من اثمه وعقوبته بأن يغيره بيديه أو بلسانه فإن عجز فليكرهه بقلبه .

وقوله r "ولكن من رضي وتابع" معناه ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت بل إنما يأثم بالرضى به أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه)[20] ، أي أنه جعل العجز عن إعلان الكفر بالطاغوت سببا لرفع الإثم بشرط أن يتحقق الكفر القلبي للطاغوت  .

وأما في قوله "أفلا نقاتلهم" قال "لا ماصلوا " (ففيه معنى ما سبق أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق مالم يغيروا شيئا من قواعد الإسلام)[21]، فإن تحقق مناط الخروج أي تغيير قواعد الإسلام ، فيجب كذلك أن تتحقق القدرة والاستطاعة التي لا تفضي إلى سفك دماء المسلمين بلا طائل ، وعندئذ يجب الصبر ومتابعة الإنكار دون خروج حتى يجعل الله من هذا الهم مخرجا .

 

قوله (..وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) (60) أي يريد أن يسلك المسلمين طريقا وسطا بين الكفر بالطاغوت والإيمان بالطاغوت ،وذلك بالاكتفاء بإعلان الإيمان بالله دون إنكار الإيمان بالطاغوت ، وقد بين الله تعالى أن الذي يسلك هذا المنهج الوسط هو في الحقيقة قد ضل ضلالا بعيدا ، إلا أصحاب الأعذار كما تقدم ، فطريق الحق مستقيم وهو طريق واحد لا مواربة فيه ، وليس طريقين ، فمن فعل ذلك فإن الشيطان يغويه ويضله لأن يتحاكم هو نفسه إلى الطاغوت بعد ذلك ، يقول الشيخ مصطفى العدوي (يضلهم بحملهم وإغوائهم وسوقهم على التحاكم إلى الطاغوت)[22].

 

وفي قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) (61) تصوير لحالة الفزع والذعر التي انتابت المنافقين عند توجيه الدعوة لهم للاحتكام لشرع الله وتطبيقه ، فالإتيان بالمفعول المطلق "صدودا" للفعل "يصدون" لتأكيده ، ويدل على المبالغة في رفض هذه الدعوة ، قال المفسرون (إنما صد المنافقون عن حكم الرسول r لأنهم كانوا ظالمين ؛ وعلموا أنه لا يأخذ الرشا ،وأنه لا يحكم إلا بمر الحكم) [23].

 

قال صاحب الظلال (إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان ، أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به ، وإلى من آمن به ، .. ، فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية ، ويكشف عن النفاق ، وينبئ عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان![24]، فبهذه الدعوة للاحتكام ، يظهر المنافق من المؤمن .

 

قال الشعراوي (كل منافق عنده قضيتان : قضية لسانية وقضية قلبية ؛ فهو باللسان يعلن إيمانه بالله وبرسول الله ، وفي القلب تتعارض ملكاته ، وذلك عكس المؤمن أو الكافر ، فالمؤمن ملكاته متساندة؛ لأن قلبه انعقد على الإيمان ويقود انسجام الملكات إلى الهدى ، والكافر أيضاً ملكاته متساندة؛ لأنه أفصح عما في قلبه من عدم الإيمان ، فيقوده انسجام ملكاته إلى الضلال ، ورغم ذلك فهو منطقي مع نفسه إذ لم يعلن الإيمان ، كان من الممكن أن ينطق بعكس ما في قلبه ، لكنه عداوته للإسلام واضحة ، أما المنافق فإنه يبعثر ملكاته!! ملكة هنا وملكة هناك ، فيعلن بلسانه كلمة الإيمان ظاهراً؛ لكي ينْفُذ بهذا الإعلان إلى أغراض دنيوية ، ويستفيد من تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ما يوافق هواه ، فإن لم توافق هواه صد عنها صدودا)[25] .

 

وفي قوله (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) (62) استنكار لتباين مواقفهم بحسب الرخاء والجدب ، وبحسب ما إذا أصابتهم السلامة أو المصيبة ، فتارة تجدهم يصدون عن تطبيق الشريعة الإسلامية صدودا ، وتارة إذا ما كشفت خيانة أحد منهم - أي من المنافقين - وعوقب بسببها استشعروا الخوف ، وظنوا أنهم سوف يحاسبون مثله على خيانتهم ، فتجدهم يقبلون علي المؤمنين إقبالا ، خوفا من يلحقهم العقاب على خيانتهم للنبي r وردتهم بالصد عن الإسلام والطعن فيه .

 

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية (وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْعِبَرِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى ضَلَالِ مَنْ يَتَحَاكَمُ إلَى غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَلَى نِفَاقِهِ وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُرِيدُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَبَيْنَ مَا يُسَمِّيهِ هُوَ عَقْلِيَّاتٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ بَعْضِ الطَّوَاغِيتِ، مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الِاعْتِبَارِ ، فَمَنْ كَانَ خَطَؤُهُ لِتَفْرِيطِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ اتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ مَثَلًا أَوْ لِتَعَدِّيهِ حُدُودَ اللَّهِ بِسُلُوكِ السُّبُلِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا أَوْ لِاتِّبَاعِ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ، فَهُوَ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ، بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، الَّذِي يَطْلُبُ الْحَقَّ بِاجْتِهَادِهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهَذَا مَغْفُورٌ لَهُ خَطَؤُهُ)[26].

 

وفي تفسير معنى "المصيبة التي أصابتهم والجناية التي وقعوا فيها" روي ابن أبي حاتم في تفسيره عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: "اخْتَصَمَ رَجُلانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا، فَقَالَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r نَعَمْ، انْطَلِقَا إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا أَتَيَا عُمَرَ قَالَ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قَضَى لِي رَسُولُ اللَّهِ r عَلَى هَذَا، فَقَالَ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا فَأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا، مُشْتَمِلا عَلَى سَيْفِهِ فَضَرَبَ الَّذِي قَالَ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ فَقَتَلَهُ، وَأَدْبَرَ الآخَرُ فَارّاً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَتَلَ عُمَرُ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَلَوْ مَا أَنِّي أَعْجَزْتُهُ لَقَتَلَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r  مَا كُنْتُ أَظُنُّ يَجْتَرِئُ عُمَرُ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنَيْنِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:  " فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً "  فَهَدَرَ دَمَ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَبَرِئَ عُمَرُ مِنْ قَتْلِهِ، فَكَرِهَ اللَّهُ أَنْ يَسُنَّ ذَلِكَ بَعْدُ، فَقَالَ: "وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ"  إِلَى قَوْلِهِ  "وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً"[27] .

 

وفي قوله (..ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) (62) يحلفون عند يبدر منهم فعل يدل على نفاقهم ، كرد فعل منهم حالما تلحق أحدهم مصيبة – وذلك عندما ينكشف زيغ ما ذهبوا إليه - خوفا من العقوبة ، حيث تبين الآية كيف أنهم دأبوا على أن يداروا خطأهم بزعم حسن نيتهم ، قال الرازي (هذا حالهم في شدة الغم والحسرة إذا أتوا بجناية خافوا بسببها من النبي r ، ثم جاؤك شاؤا أم أبوا يحلفون بالله على سبيل الكذب : ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة) [28] .

انظر كيف يلبسون الحق بالباطل بهذا الاعتذار الخبيث (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) ،أى (ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين ، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم ، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك ، فلا تؤاخذنا بما فعلنا)[29] .

ومن أمثلة تأويل أعذارهم قولهم (نوفق بين المؤمنين والكافرين، وبين الإيمان والكفر، إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا فهم مع المؤمنين، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، فهم مع الكفار)[30].

 

وسياسة التوفيق التي ينتهجها هؤلاء المنافقون ليست هي العلاج في كل الأحوال ، فكثير من الأمور يتم علاجها بتغليب حق طرف علي الآخر ، أو أخذ الحق من الظالم وإعطائه للمظلوم ، أو القصاص من المعتدي ..وهكذا لا تكون الحلول التوفيقة ناجعة في مثل هذه الظروف والأحوال ، ومنهج الله عندما يشرع علاجا لمشكلة ما فهو أنجع الحلول، ولا يضاهيه حل آخر، أما الحلول التوفيق التي هي سياسة المنافقين دوما تؤدي أحيانا إلى كثير من الظلم ، قال ابن العثيمين (ظنوا أنهم بهذه المداهنة كسبوا المعركة، فغرتهم الأماني)[31].

 

 مثال ذلك الشفاعة في الحدود ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ r وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ r فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ r سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا)[32]

 

وأمثال هؤلاء في زمننا كثير :-

  • كمن يريد أن يوفق بين اليهود والمسلمين ، أو بمعنى آخر الصهاينة والمجاهدين .
  • كذلك من يريد أن يوفق الأوضاع بين البنوك الإسلامية وغيرها من البنوك الربوية أو يدمجهما في بنك واحد.
  • وكذلك من يريد أن يزيد من حرية المرأة فلا تكون حبيسة عند بيت زوجها ، ويفتحون لها الأبواب على مصراعيها لتشارك الرجال ميدان العمل بلا ضوابط ، تاركة أولادها في دور رعاية الطفل وهم رضع ، فيقبل الزوج هذا الوضع مضطرا لأن التشريعات أجبرته على قبول هذا الوضع دون اختيار .
  • كما يجعلون للرجل حريته ، فيعسرون عليه الزواج المبكر ، وفي ذات الوقت يخترعون له عدة بدائل لإفضاء شهوته في الحرام ، حتى أنهم اخترعوا ربوتا يشبه الإنسان للعلاقات الحميمية ، وسعره أقل من تكلفة الزواج ، وهكذا يدعون إلى ما لا يرضاه الله ورسوله باسم الإحسان والتوفيق .

 

وفي قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) (63) إشارة إلى المنافقين أمر الله بالإعراض عن احتجاجهم بحسن النية كي لا يأبه المؤمنون لاعتذارهم ، ولا يعتد النبي r بأعذارهم ، ولا يستغفر لهم ، قال ابن عاشور (وحقيقة الإعراض عدم الالتفات إلى الشيء بقصد التباعد عنه ... واستعمل استعمالا شائعا في الترك والإمساك عن المخالطة والمحادثة)[33] .

 فإن لان قلبه لهم رغبة منه في توبتهم ، فإن واجب الدعوة يقتضي أن يعظهم موعظة تكفيه مسئولية البلاغ عن الله ، وتحذرهم مغبة الطريق الذي سلكوه ضد الإسلام ، وتبين لهم سوء عاقبة ذلك ، قال ابن كثير أي : (انصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم) [34] .

إذن "القول البليغ" هو القول الذي يوصل المراد بأقل العبارات ، وهذا القول يقطع أعذارهم فلا يمكنهم بعده الإتيان بأعذار أخرى واهية ، جاء في لسان العرب (وتَبَلَّغَ بالشيء وصَلَ إِلى مُرادِه)[35]، و(بلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته)[36] ، فيشترط في الكلام البليغ شرطان:-

 الشرط الأول: أن يكون فصيح المفردات والجمل ، مثل قول موسى (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) (القصص 34)

 الشرط الثاني: أن يكون مطابقاً لمقتضى حال من يُخَاطبُ به) [37].

 

والنصيحة يجب أن تهدي في السر ، فالنصيحة على الملأ فضيحة ، فيتناجى الناصح معهم على انفراد وليس أمام الناس ،  ولهذا قال الشافعي: "من نصح أخاه سرًا فقد صانه وزانه، ومن نصحه علانية فقد فضحه وشانه". وأنشد قائلا:-

تعمدني بنصحك في انفرادي..... وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع..... من التوبيخ لا أرضى استماعه
وإن خالفتني وعصيت قولي..... فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

 

 فإذا كانت القضية عامة ولابد من توجيه النصيحة لهم ، فله أن يكشف معرفته لأفعالهم ونفاقهم ، ودون أن يفضحهم ،ولا أن يعينهم للناس ، فإن النبي r  كان يُكنِّي عنهم فيقول "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا" ، من ذلك : قوله r (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ)[38]

 وعن عَائِشَة قالت صَنَعَ النَّبِيُّ r شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ r فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً)[39] .

 

فالإعراض مع إزداء النصيحة بالقول البليغ بطريق النجوى ، أي في السر ، نسميه في علم السياسة بتحييد الخصوم ، وذلك ضرب من الحكمة في علم الشرع كما في قوله (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/125) لأن أمثال هؤلاء يعلم الله ما في قلوبهم ، وأنهم يصعب عليهم قبول الإيمان والاستسلام له استسلاما مطلقا ، بعد  أن اختاروا النفاق طريقا للتوفيق – في ظنهم- بين مصالح الدنيا والآخرة ، ولهذا الاعتبار يتعذر أن يبرم معهم النبي r معاهدات واتفاقات مثلما فعل مع مشركي مكة واليهود في المدينة ، إذ لابد من مواجهتهم بكشف نفاقهم دون فضحهم حتى يقف معهم عند مرحلة الحياد ، فلا يحاولوا بعد ذلك أن يخدعوا النبي r والمسلمين ، ولا أن ينقلبوا ضده ويتحالفوا مع المشركين واليهود ، وفي ذات الوقت وأثناء هذه المصارحة معهم في السر يتيح لهم الفرصة للتوبة ، بأن يتقربوا من النبي r  ، ويتعرفوا على الإسلام وأحكامه عملا ، لعلهم يحسنون إسلامهم فيرجعوا لحكم الله ورسوله دون حرج ويسلموا به تسليما مطلقا ، ولعلهم يطلبون العفو والمغفرة بعد ذلك ، وعندئذ نرى أعمالهم هل حسن إسلامهم ؟ (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة 105).

 

وفي قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ..) (64)قال الرازي (الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعاً في تلك الشريعة ، ومتبوعاً فيها)[40] ، قال ابن عاشور (ولهذا أجمع أصحاب رسول الله بعد وفاة النبي r على إقامة الخليفة لحفظ نظام الأمة وتنفيذ الشريعة ، ولم ينازع في ذلك أحد من الخاصة ولا من العامة إلا الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، من جفاة الأعراب ودعاة الفتنة فالمناظرة مع أمثالهم سدى) [41].

 

قوله (..لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ..) (64) قال أبو حفص (وجب حمل الإذْنِ على التَّوْفِيقِ والإعَانَةِ ، فيصير التَّقْدِير:وما أرْسَلْنَا من رسُولٍ إلا ليُطَاع بتَوْفِيقِنَا وإعانَتِنَا ، وهذا تَصْرِيحٌ بأنه -تعالى- ما أرَادَ من الكُلِّ طاعة الرَّسُول -كونا-، بل لا يُريدُ ذلك [إلا منَ الَّذِي وفَّقَهُ اللَّه لذلك وهم المؤمِنُون ، فما من لم يُوَفِّقْهُ ، فللَّهِ -تعالى- ما أرَادَ ذَلِكَ منهم ][42] .

 

وفي قوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (64)  فالخطاب بشأن القوم الذين لم يرضوا بحكم الرسول r ، وظهر منهم تمرد ، والسياق يتحدث عن إمكان قبول توبتهم واستغفارهم لو بدر منهم ذلك ، قال الرازي (أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح لكانت توبتهم مقبولة ، فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم ؟

قلنا الجواب عنه أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله وكان أيضاً إساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإدخالا للغم في قلبه ، ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره ، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم

 الثاني أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك التمرد فإذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول r ويطلبوا منه الاستغفار

 الثالث لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل ، فإذا انضم اليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول)[43] .

 

قال الشعراوي (فالذي يريد أن يتوب ويستغفر ، لا يستغفر له رسول الله r ، إلا إذا استغفر مرتكب الذنب أولاً ، فلا بد أن يستغفروا الله من الذنوب أولاً ثم يستغفر لهم الرسول ، ولا يستغفر لهم الرسول وهم لا يستغفرون ، وهكذا نعلم أن عبدالله بن أبيّ لم يفطن إلى كيفية الاستغفار ، فقد كان عليه أن يأتي لرسول الله صاغراً ليستغفر الله أمامه ، لا أن يبحث عمن يطلب له الاستغفار)[44].

 

وفي قوله (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (64) إظهار لسعة الإسلام والرحمة في أحكام الشريعة الإسلامية ، والتي تفتح بابا التوبة والرحمة لمن استغفر الله من ذنوبه ، وأصلح ما بدر منه من التمرد على طاعة الرسول r ، فإن الله يقبل توبته ويدخله في رحمته ، (وهذا يدل على أن شفاعة الرسول في حق أهل الكبائر مقبولة في الدنيا ، فوجب أن تكون مقبولة في الآخرة)[45]

 

 قال صاحب الظلال (والله تواب في كل وقت على من يتوب ، والله رحيم في كل وقت على من يؤوب ، وهو - سبحانه - يصف نفسه بصفتي (التواب والرحيم) ، ويعد العائدين إليه ، المستغفرين من الذنب ، بقبول التوبة وإفاضة الرحمة . . ، وباب الله مفتوح لا يغلق ، ووعده قائماً لا ينقض ، فمن أراد فليُقدم ، ومن عزم فليَتقدم . .)[46].

 

وفي قوله (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(65) قال ابن القيم (أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يُحكِّموا رسولَه في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها

ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفى عنهم الحرج ، وهو ضيق الصدر وتنشرح صدروهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول

ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه الرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض ، فهنا قد يُحَكِّم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه .

 ولا يلزم من انتفاء الحرج الرضا والتسليم والانقياد ، إذ قد يُحكِّمه وينتفى الحرج عنه في تحكيمه ولكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه ، والتسليم أخص من انتفاء الحرج ، فالحرج مانع والتسليم أمر وجودي ولا يلزم من انتفاء الحرج حصوله بمجرد انتفائه ،إذ قد ينتفي الحرج ويبقى القلب فارغا منه ومن الرضى به والتسليم له فتأمله)[47]

 

قال الدكتور سفر الحوالي (من رضي بأصل التحكيم لكن لم ينتف الحرج عن نفسه بل ربما زعزعته شبهة أو لحقه شك ، فهذا كالأعراب الذين أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم .…ومن انتفي عنه الحرج لكن لم يرق إلى درجة التسليم المطلق للوحي أمرا ونهيا وخبرا ، فهو ناقص عن مرتبة الإحسان التي كان عليها الصحابة رضي الله عنهم ، والتي كان الصديق في ذروتها حتى في أشق المواقف) [48].

 

والمثال على ذلك ما أورده البخاري في سبب نزولها ما رواه عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنْ الْحَرَّةِ –قناة يسيل بها الماء لسقي الزرع - يَسْقِي بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r اسْقِ يَا زُبَيْرُ فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ r ثُمَّ قَالَ اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)[49]، أي أن النبي r أعمل قواعد الحق والعدل في شأن ابن عمه ، فقضى له لا على أنه أهل قرابته ولكنه لأن لحق الحق في أن يسقي نخله بما يسمى بحق المرور والمسيل ، ولكن الأنصاري لم يسلم لحكم رسول الله r وقبله على مضض ، وكان هذا في أول عهده بالإسلام فنزلت الآية لتعلم الصحابة آداب قبول الحق والإذعان له .

فقوله (اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ) قاعدة نبوية تستخدم في قوانين الري وحقوق الجوار، حيث تعني أن للأعلى الحق في الشرب أولاً، ثم يرسل الماء للأسفل، ويحق له حبس الماء حتى يصل إلى مستوى معين (الجدر أو الأرض التي تروى) ثم يرسله .

قال النووي (قدره العلماء –أي حبس الماء- بأن يرتفع الماء في الأرض كلها حتى يبتل كعب رجل الإنسان . فلصاحب الأرض الأولى التي تلي الماء أن يحبس الماء في الأرض إلى هذا الحد ، ثم يرسله إلى جاره الذي وراءه . وكان الزبير صاحب الأرض الأولى ، فأدل عليه رسول الله r وقال : (اسق ثم أرسل الماء إلى جارك ) أي اسق شيئا يسيرا دون قدر حقك ، ثم أرسله إلى جارك إدلالا على الزبير ، ولعلمه بأنه يرضى بذلك ، ويؤثر الإحسان إلى جاره ، فلما قال الجار ما قال ، أمره أن يأخذ جميع حقه)[50] .

قوله (واستوعى له حقه) يعني أن من عليه الحق يجب أن يقوم  بإنصاف صاحب الحق وإعطائه كل ما يستحقه كاملا، حتى لو لم يطلب ذلك.

 وهذا يأتي بعد فشل محاولة الصلح بين الخصمين، والتوفيق بينهما ، حيث كان الرسول r قد أشار في البداية بالصلح ، لما قال له r (اسْقِ يَا زُبَيْرُ فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ) ، فجعل المعروف هو حده ، ولم يشر إلى الحبس ليتعجل في السقي لأجل مصلحة جاره ، ولكن الطرف الآخر لم يرضَ به ، فقَالَ r (اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ) ، فجعل الحق هو حده، ليستوفي حقه كاملا بلا حرج قبل أن يرسل له نصيبه من الماء .

 

وفي قوله (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) قال الواحدي قوله (أن اقتلوا أنفسكم) كما كتبنا ذلك على بني إسرائيل وقوله (أو اخرجوا من دياركم) كما كتبنا على المهاجرين (ما فعلوه إلاَّ قليلٌ منهم) للمشقَّة فيه مع أنَّه كان ينبغي أن يفعلوه)[51].

فعن عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: " وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ "  قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْتُلَ نَفْسِي لَفَعَلْتُ ، قَالَ: صَدَقْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ"[52]

وعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r : " وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ "  قَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r : "لَوْ فَعَلَ رَبُّنَا لَفَعَلْنَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ r ، فَقَالَ النَّبِيُّ r : الإِيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِ أَهْلِهِ مِنَ الْجِبَالِ الرُّوَاسِي"[53]

وعَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ قِيلَ لاِبْنِ عُمَرَ : كَانَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ والإِيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِهْم مِنَ الْجِبَالِ الْرَّوَاسِي)[54] ، أي أن هؤلاء الذين يضحوا بأنفسهم في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده هم أناس عاديون يضحكون كما يضحك الناس ، ولكنهم في أوقات الجد التي تتطلب إيمانا راسخا كانوا أثبت من الجبال الرواسي .

 

هنا يتجلى موطن الابتلاء وينكشف كذب المنافقين في زعمهم الإيمان وتحايلهم على شرع الله ، وذلك حين تكون الطاعة معلومة ، أي حين تكون الطاعة لله ولرسوله هي التضحية بالنفس في سبيل الله ، أي عبادة الجهاد في سبيل الله ، لاسيما حين يكون الجهاد محفوفا بمخاطر الموت والقتل ، وهجرة الديار والأوطان والأحباب ، فعندئذ يظهر كذب من زعم أنه يحب الله ورسوله عندما يرفض أمر الله ، ويتلكأ عن تلبية النداء .

 

 قال القاسمي والمعنى : (إنا لو شدّدنا التكليف على الناس ، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان ، لصعب ذلك عليهم ، ولما فعله إلا الأقلون ، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم ، فلما لم نفعل ذلك ، رحمة منا على عبادنا ، بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة ، فليقبلوها بالإخلاص ، وليتركوا التمرد والعناد ، حتى ينالوا خير الدارين)[55] .

 

ويجدر في هذا الصدد التذكير بأن بني إسرائيل لما عبدوا العجل ، جعل الله تعالى عقوبتهم قتل أنفسهم ،وهؤلاء المنافقون لم يحتكموا لشرع الله ،  وهذا من الكفر ، فجعل الله تعالى عقوبتهم مماثلة لعقوبة بني إسرائيل لكن لم يفرضها عليهم ، لقوله سبحانه (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة/286) فجاء هذا التذكير ليعلموا أن احتكامهم لغير شرع الله تعالى يضاهي عبادة بني إسرائيل العجل ، ففي كلا الأمرين أراد يعلمهم أن هذا الدين أمانة عندهم ، ويجب عليهم أن يضحوا بأنفسهم لأجله ، فهو أغلى من أنفسهم وديارهم ، فلا يفرطوا فيه وإن تطلب الأمر أنفسهم وما يملكون .

 

قال صاحب الظلال ("قتل النفس ، والخروج من الديار" . . مثلان للتكاليف الشاقة ، التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم ، وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس؛ وأن ينكل عنها عامة الناس ، بل المراد أن يؤديها الجميع ، وأن يقدر عليها الجميع ، وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية؛ وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس ، وطبقات الهمم ، وطبقات الاستعدادات؛ وأن ينميها جميعاً ويرقيها ، في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض!)[56] .. واستطرد صاحب الظلال قائلا (كان رسول الله r يعرف أن في أمته من ينهض بالتكاليف الشاقة لو كتبت عليهم ،  ولكنه كان يعرف كذلك أن الدين لم يجىء لهذه القلة الممتازة في البشرية كلها ، وكان الله - سبحانه - يعلم طبيعة هذا « الإنسان » الذي خلقه؛ وحدود طاقته؛ فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين ، إلا ما هو ميسر للجميع؛ حين تصح العزيمة ، وتعتدل الفطرة ، وينوي العبد الطاعة ، ولا يستهتر ولا يستهين)[57] .

 

وفي قوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (68) قال الرازي (سمي هذا التكليف وعظا لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، والثواب والعقاب ، وما كان كذلك فانه يسمى وعظا)[58] ، تعزى كذلك تسمية التكاليف وعظا لأن العبادة تعظ العبد فتحمله على التقوى كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة 21) فالأمر بالعبادة تلاه بيان أثرها وهو تحصيل التقوى ، من هنا كانت العبادة وعظا للعبد ، تنهيه عن المناهي وتحمله على الازياد في الطاعات .

 

وهذا باب خير للعبد أن يسهل الله عليه الطاعة بمجرد الإقدام على أولها ، ثم يثبته الله علي المحافظة عليها متى اتخذ الصدق مع الله تعالى منهجا ، فعنْ النَّبِيِّ r يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ (إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)[59] .

 قال ابن القيم (الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا ،والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلونا وأقلهم ثباتا ، وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الإخبار وشجاعته ومهابته ، ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك ، ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة) [60].

 

ونتيجة توفيق الله العبد وتثبيته على طاعته أن تتابع الأعمال الصالحات كما قال النبي r (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ قِيلَ وَمَا عَسَلُهُ قَالَ يَفْتَحُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ)[61]، فهي المعنى المقصود من هداية الله له إلى الصراط المستقيم ، حيث يصرف العبد همه وعزيمته على واجب الوقت ، حتى إذا حان الوقت لأداء واجب آخر اتسعت له عزيمته دون فتور أو كسل .. وهكذا كلما حان واجب توفرت الطاقة والعزيمة اللازمة له.

 

 قال السعدي (أرشد الله العباد أن يكونوا أبناء وقتهم، وأن يقوموا بالعمل الحاضر ووظيفته، ثم إذا جاء العمل الآخر صار وظيفة ذلك الوقت، فاجتمعت الهمة والعزيمة الصادقة عليه، وصار القيام بالعمل الأول معيناً على الثاني)[62].

 

وفي قوله (وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (68) ، قال سيد قطب (فمجرد البدء ، يتبعه العون من الله ، ويتبعه التثبيت على المضي في الطريق ، ويتبعه الأجر العظيم ، وتتبعه الهداية إلى الطريق المستقيم) [63].

 

قوله (وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (68) قال ابن تيمية (فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ فَعَلَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ ، يَهْدِيهِ اللَّهُ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)[64] ، يعني يثبته على الحق حتى الممات ، فلا طريق مستقيم غير طريق الإسلام .

 كما في قوله تَعَالَى  (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ )

وقوله (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)

وقوله (إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)

وقوله (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)

وقوله (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)

وقوله (هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [65].

 

وفي قوله (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) (70) فلو أن طاعة الله ورسوله تكون ببيع النفس والمال والأهل لله ، فإنها في حقيقتها إعادة الأمانات التي استودعها الله عندنا له ،وما تلك الأمانات إلا عوارض الدنيا التي لا تعدل شيئا، يقول رسول الله r (لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)[66]، وقد خُيِّير النبي r بين الدنيا ورفقة إخوانه الصالحين فاختار رفقتهم ،فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) الْآيَةَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ)[67] .

 

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَعَجِبْنَا لَهُ وَقَالَ النَّاسُ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ r عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ وَهُوَ يَقُولُ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ r هُوَ الْمُخَيَّرَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ).

 

فجزاء "الطاعة" تحصل المعية ، أي معية الله ومرافقة الأنبياء والصالحين ،فهي جزاء الله لأهل الصدق والطاعة ، فيكونون برفقة خير الخلق عنده سبحانه ، وهم "الأنبياء" و"الصديقون" و"الشهداء" و"الصالحون" ، وتلك هي أحسن رفقة وذلك هو أفضل الجزاء ، وذلك لمن علم الله تعالى صدق نيته وحسن عمله وتتابع توبته بعد كل عمل ، وكثرة استغفاره ، قال ابن القيم (فهؤلاء الأصناف الأربعة - النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ - هم أهل هذه النعمة المطلقة ، وأصحابها أيضا هم المعنيون بقول الله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ، فأضاف الدين إليهم إذ هم المختصون بهذا الدين القيم دون سائر الأمم)[68] .

 

أما رفقة أصحابه له r ، فأولهم لحوقا به فاطمة ابنته ، إذ قال لها (وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ فَبَكَيْتُ لِذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي فَقَالَ أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ)[69]

 

 وكذلك كان ممن لحقه أبو بكر رضي الله عنه ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَّا خُلَّةَ الْإِسْلَامِ)[70] ، قال البغوي (أشار إلى أخوة الدين)[71] ،(والاستثناء فيه منقطع أي لكن خلة الإسلام أفضل)[72]، وقال r (لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ[73] إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ) قوله (إلا خوخة أبي بكر) (فيه فضيلة وخصيصة ظاهرة لأبي بكر رضي الله عنه)[74] ، وفي أمره بترك سد الباب الذي يدخل منه أبو بكر إلى المسجد النبوي "اختصاص له بهذا الفضل" ، وقد اخصته كذلك بالاستخلاف في الصلاة ، وكل ذلك يؤكد أحقيته بالخلافة رضي الله عنه ، وهو خير من يتأسى به بعد النبي r ، فعلي نهج هؤلاء نقتدي وبسيرتهم العطرة نتأسى ، لتكون علما لنا على الطريق  ، بيد أن أهل النفاق لا يتبعون طريق الأنبياء والصالحين ، ولا يقتدون بأحد منهم ، ولا من صحابة رسول الله r وسيرتهم الذكية .

 

 

[1] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج 15 ص 111 رقم 6715 وصححه الألباني : الجامع الصغير وزياداته ج1 ص921 رقم 9206

[2] ) تفسير النيسابوري ج3 ص 19 وهو اختيار الزجاج

[3] ) صالح بن فوزان : إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ج2 ص 121

[4] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 229

[5] ) تفسير الطبري ج8 ص 508 رقم 9891

[6] ) البحر المحيط ج4 ص 185

[7] ) كتاب الاعتصام للشاطبي ج1 ص 104

[8] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 346

[9] ) إعلام الموقعين ج1 ص 50

[10] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1482

[11] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 245

[12] ) رواه الترمذي ج10 ص 361 رقم 3020

[13] ) رواه الترمذي ج6 ص 107 رقم 1511 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج4 ص 85 رقم1585 وقال حسن صحيح

[14] ) رواه أحمد وأبو داود.

[15] ) (فتاوى اللجنة الدائمة /147)

[16] ) بسط محمد رشيد رضا أدلة ذلك في تفسيره المنار ص 406-409.

[17] ) منهاج السنة النبوية ج5 ص 70

[18] ) المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه : فتاوى الشبكة الإسلامية ج3 ص 5025

[19] ) رواه مسلم ج9 ص 400 رقم 3445

[20] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 244

[21] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 244

[22] ) سلسلة التفسير لمصطفى العدوي ج12 ص 10

[23] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1482

[24] ) في ظلال القرآن ج2 ص 167

[25] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1622 مع شيء من التصرف

[26] ) الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج1 ص 146

[27] تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 233

وقد حاول الطبري أن يجمع بين السببين الواردين في نزول هذه الآية، فقال: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية. وتابع ابن عاشور الطبري في هذا الجمع، فقال: والظاهر عندي أن الحادثتين وقعتا في زمن متقارب، ونزلت الآية في شأن حادثة بشر المنافق، فظنها الزبير نزلت في حادثته مع الأنصاري.

انظر : (ابن كثير في تفسيره ج2ص351) وانظر الدر المنثور للسيوطي ج3 ص 159 ، وفي تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد لمؤلفه محمد بن عبد الوهاب : قال عقب ذكره للقصة  )وبالجملة فهذه القصة مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولا يغني عن الاسناد ولها طرق كثيرة ولا يضرها ضعف إسنادها)

https://kalemtayeb.com/safahat/item/10068 : الكلم الطيب / لا يؤمنون حتى يحكموك

[28] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1483

[29] ) الوسيط لسيد طنطاوي 1 ص 982 – تفسير أبي السعود ج2 ص 106

[30] ) تفسير القرآن للعثيمين ج15 ص 24

[31] ) تفسير القرآن للعثيمين ج15 ص 24

[32] ) رواه البخاري ج21 ص 49 رقم 6290

[33] ) التحرير والتنوير ج1 ص 978

[34] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 347

[35] ) لسان العرب ج 8 ص 419

[36] ) الإيضاح في علوم البلاغة ج1 ص 13

[37] ) عبد الرحمن الميداني : البلاغة العربية أسسها وعلومها ج1 ص 103

[38] ) رواه البخاري ج9 ص 259 رقم 2530

[39] ) رواه البخاري ج19 ص 55 رقم 5636

[40] ) البحر المحيط ج4 ص 189

[41] ) التحرير والتنوير ج1 ص 386

[42] ) اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 227

[43] ) الرازي : مفاتيح الغيب ج10 ص 130 ، البحر المحيط ج4 ص 190 ، الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 984

[44] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3662

[45] ) مفاتيح الغيب ج3 ص 58

[46] ) في ظلال القرآن ج2 ص 170

[47] ) التبيان في أقسام القرآن ص 270

[48] ) د سفر الحوالي : ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي ج1 ص 143

[49] ) رواه البخاري ج8 ص 180 رقم 2189

[50] ) شرح النووي على مسلم ج15 ص 108

قال العلماء ولو صدر مثل هذا الكلام الذي تكلم به الانصاري اليوم من انسان من نسبته r إلى هوى كان كفرا وجرت على قائله احكام المرتدين فيجب قتله بشرطه قالوا وإنما تركه النبي r لانه كان في أول الاسلام يتألف الناس ويدفع بالتي هي أحسن ويصبر على أذى المنافقين ومن في قلبه مرض ويقول يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ويقول لا يتحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه وقد قال الله تعالى ولا تزال تطلع على خائنة منهم الا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين

[51] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 129

[52] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 353 تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 235

[53] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 235

[54] ) مصنف ابن أبي شيبة ج13 ص 324

[55] ) محاسن التأويل تفسير القاسمي : سورة النساء الآية 65

[56] ) في ظلال القرآن ج2 ص 171

[57] ) في ظلال القرآن ج2 ص 172

[58] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1490 مفاتيح الغيب ج10 ص 135

[59] ) رواه البخاري ج23 ص 70 رقم 6982

[60] ) التفسير القيم لابن القيم ج2 ص 5

[61] ) رواه أحمد ج36 ص 188 رقم 17116 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 188 رقم 1114

[62] ) القواعد الحسان في تفسير القرآن ج1 ص 101

[63] ) في ظلال القرآن ج2 ص 172

[64] ) مجموع الفتاوى ج13 ص 245

[65] ) مجموع الفتاوى ج13 ص 245

[66] ) رواه الترمذي ج8 ص 299 رقم 2242 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج2 ص 185 رقم 686 

[67] ) رواه البخاري ج13 ص 346 رقم 4081

[68] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 366

[69] ) رواه مسلم ج12 ص 208 رقم 4488

[70] ) رواه البخاري ج12 ص 293 رقم 3615

[71] ) شرح السنة للبغوي ج14 ص 39

[72] ) بدر الدين الحنفي : عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج25 ص 111

[73] ) الخَوْخَةُ : بابٌ صغِيرٌ كالنَّافِذَة الكَبِيرَة وتكُون بَيْن بَيْتَيْن يُنْصَبُ عليها بابٌ ، انظر النهاية في غريب الأثر لابن الأثيرج2 ص 174

[74] ) تحفة الأحوذي ج10 ص 101

  • الاثنين AM 11:37
    2026-01-05
  • 52
Powered by: GateGold