المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1041101
يتصفح الموقع حاليا : 350

البحث

البحث

عرض المادة

التفريط في أمانة الدين يستتبع نزع الريادة والقيادة

د / احمد نصير

المحور الثاني

تواصل الأجيال لتوارث أمانة "الدين" رغم غدر الخائنين

 

الآيات من (44-70) وفيه ثلاثة مباحث :-

المبحث الأول : التفريط في أمانة الدين يستتبع نزع الريادة والرياسة

المبحث الثاني : السياسة الشرعية في حفظ أهل الإيمان للأمانات

المبحث الثالث : خيانة المنافقين لأمانة الدين

 

المبحث الأول

التفريط في أمانة الدين يستتبع نزع الريادة والقيادة

 

قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57)

 

انتقلت الآيات من (44-57) من الحديث عن المنافقين سواء تصريحا أو تعريضا أو إشارة إلى الحديث عن الظالمين من أهل الكتاب بطريق مباشر ، ذلك أن المنافقين حينما يرتكبون ما يفعلونه من ظلم وعدوان وارتكاب للفواحش وإساءة لحقوق الغير ، بل وتفريط في حقوق الله الخالصة  كما في الصلاة ، فإنهم ينتهجون في ذلك بنهج من سبقهم من الظالمين من أهل الكتاب ، فيقتدون بالذين خانوا أمانة الكتاب ، فخصت منهم من حرفوه عن مقاصده ومعانيه وإن لم يغيروا حروفه ومبانيه ، أولئك المجترئين على حقوق المستضعفين ، نافية عنهم أن يكونوا أهل ولاية أو استحقاق للملك ، فهم في شح وبخل كافيان بمنعهم أن يعطوا الحقوق لأهلها ، فحري بالمسلمين أن يميزوا أعداءهم بمعيار الشرع ، فلو تُرك هذا التمييز لنا لخُدعنا بمكرهم ، ولكن الله بيَّنه لنا بقوله "وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ" .

 

من هنا نبهت الذين آمنوا ليحذروا من أعدائهم ، فحذرتهم من سوء أخلاق الذين هادوا ، وقد دأبوا تحريف الكلم عن مواضعه طعنا في ثوابت الدين وتبديلا لكلم الله ، ومحذرة أن يتأسى المنافقون بهم فيحذون حذوهم فتصيبهم اللعنة كما أصابهم اللعن ، ويُمسخوا كما مُسخ أصحاب السبت قردة وخنازير الذي نهوا عن الصيد يوم السبت فتحايلوا على شرع الله بأن نصبوا شباكهم يوم الجمعة وجمعوها يوم الأحد ، فكان جزاؤهم المسخ كما ذكر ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ مَسْخٌ وَخَسْفٌ وَقَذْفٌ)  ، قال المناوي (مسخ) قلب الخلقة من شئ إلى شئ أو تحويل الصورة إلى أقبح منها أو مسخ القلوب (وخسف) أي غور في الأرض (وقذف) أي رمي بالحجارة من جهة السماء)[1].

 

ولذلك حذرت السورة من التمادي في الباطل حتى لا يصل الأمر إلى ارتكاب جريمة الشرك بالله تعالى ، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ) ، فكل مصيبة ليست في الدين تهون بالتوبة والاستغفار ، فإذا ما أصاب الشرك دين المرء فإنه يكون قد خرج عن سعة رحمة الله ومغفرته ، ويضيق به الحال إلى اللعنة والعذاب العظيم يوم القيامة.

 

وقد تغافل أهل الكتاب في عهد النبي r الماضي غير المشرف لأسلافهم متباهين بشرف الانتساب إلى نبي الله إبراهيم ، وأن أكثر الأنبياء كانوا من بني إسرائيل ، متفاخرين بأن ساستهم كانوا أنبيائهم ، زاعمين أنهم أحق بسياسة العالم من محمد r وأصحابه ، لكن أخلاقهم وسلوكياتهم تشهد على كذب ما يتعاظمون به من نصرة النبوة ، لاسيما وقد بدا ذلك عندما آلبوا كفار قريش على النبي r في غزوة الأحزاب ، فظهر سبب عداوتهم للنبي r ودعوته ، بأن النبي الذي أرسل إليهم لم يكن منهم ، أي ليس من بني إسرائيل ، وإنما كان من العرب ، فتأكد بذلك حبهم للملك والرياسة ، فحرمهم الله من هذا الشرف وانتزعه منهم لأنهم ليسوا أهلًا له ، لشحهم وبخلهم عن إيصال الحقوق لأهلها ، وتفريطهم في دين الله ، وتنكبهم عن تلبية وجه الصالح العام ، مثلما كان هذا هو حال أسلافهم من قبل ، ومن ثم حسدوا النبي r على ما آتاه الله تعالى من النعمة والنبوة والرياسة .

 

ومن جهة أخرى فإنهم وبالرغم من أن الله جعل سائر الأنبياء من نسل نبي الله يعقوب عليه السلام ، وقد ساسوهم في أمور الدين والدنيا ، إلا أن قومهم لم تتفق كلمتهم على أنبيائهم فمنهم من آمن بهم ومنهم من صد عنهم ، ولذلك عدهم الإسلام من الذين كفروا ، فلا هم اتبعوا أنبياءهم من نسل يعقوب (إسرائيل) عليه السلام ، ولا اتبعوا النبي محمد r  الذي هو من نسل نبي الله إسماعيل ، وإن كان كلاهما من ذرية نبي الله إبراهيم عليه السلام ، ولذلك هددهم الله تعالى بالعذاب الأليم يوم القيامة ، وبشر الذين آمنوا منهم واتبعوا رسالة النبي محمد صلى r بالجنات والنعيم ، وفي ذلك كله لتوطئة لفهم أمانة هذا الدين ، وأن الذي هو أحق بالسياسة هو الأحق بالأمانة ، ومن لا أمانة له فلا ولاية له ، وفي ذلك كله تعريض بالمنافقين لأن يتضح لهم الطريق المستقيم من الطريق المعوج فلا يطلبوا ريادة ولا رئاسة ، وقد تخلفوا عن الإحسان لأصحاب الحقوق وإيصالها لأهلها كما تقدم .

فهم وإن كانوا ينازعون النبي r في أنه أحق بالنبوة منهم ، لعلة أن أبناء إسرائيل بن إبراهيم ، فإن الله يخبرهم بأن النسب ليس سببا لاستحقاق النبوة ، فمن فطأ به عمله لم يسرع به نسبه ، فالعبرة في الاتباع وليس في الانتساب ، فلم يخلو نسل إبراهيم عليه السلام من المحسن والظالم لنفسه ، (فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عنه) ، ولا غرو أن نبي الله محمد r أكثر المتبعين لملة إبراهيم حنيفا ، وأشرفهم نسبا فهو يتنسب بهذا الشرف لإبراهيم عليه السلام .

 

وعليه فإن هذا المبحث ينقسم إلى مطلبين على النحو التالي  :-

  • نكول أهل الكتاب عن حمل أمانة الدين
  • الفكر السادي عند اليهود نابع من البخل والحسد

 

المطلب الأول

نكول أهل الكتاب عن حمل أمانة الدين

 

قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47)

 

كان من المتصور أن يسارع أهل الكتاب بالإيمان بمحمد r نبيا ورسولا ، باعتبار أنهم تعودوا على سياسة الأنبياء لهم ، فيكونون أسرع من قريش في نصرته وتأييده ، لكن الذي حصل عكس ذلك ، فكانوا أسرع الناس نفاقا له ، وكفرا به ، وحسدا له ، وظلوا يستهزئون ويسخرون ويلوون ألسنتهم ، أرهقوا نبيهم وتملصوا من دعوته ، وكفروا به ، ولم يتبعوه إلا قليلا .

 

 فاستحقوا عقوبة المسخ كما حصل لأسلافهم ، وهو حاصل بإخبار الرسول r بين يدي الساعة ، فعَنْ النَّبِيِّ r قال (سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ) قيل : ومتى ذلك يا رسول الله ؟ قال : (إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر)[2].

 

وفي ذلك أربع مسائل :-

  • استظهار عداوة أهل الكتاب للمؤمنين .
  • سياستهم في الطعن في الدين .
  • عقوبة المسخ جزاء التلاعب بالدين والتحايل على الشرع.
  • الشرك يفسد كل شيء بما لا ينفع معه غير الهدم والبناء من جديد لا الإصلاح .

 

المسألة الأولى : استظهار عداوة أهل الكتاب للمؤمنين

 

وفي قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ ويُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) (44) قال الألوسي هذا (تعجيب من سوء حال أهل الكتاب وتحذير عن موالاتهم ، وفيه إيذان بكمال شهرة شناعة حالهم)[3]، لاسيما والآيات تحدثت –من قبل- عن أمانة المال وتوريثه للرجال والنساء كما قسم الله الأنصبة للوارثين ، وقد حضت على إيصال الحقوق لأهلها ، فكان أولى بهم أن يرثوا نصيبهم من هذا الدين ويبلغوه لغيرهم لا أن يحرفوه مبانيه ويضيعوا مراميه ، فلم يترك الأنبياء خلفهم مالا يورث وإنما ورثوا الدين ، قال النبي r (إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)[4].

 

 فاستعمال لفظ (نصيبا من الكتاب) إشارة إلى أن العلم يورث كما يورث المال ، ولكنهم لما وصلهم نصيبهم لم يؤدوا الأمانة بدلوا في الوصية فحرفوا معانيه ، وبدلوا مبانيه ، وضيعوا أحكامه ومراميهم ، وفي ذلك (إشَارَةٌ –كذلك - إلى أنَّهُمْ يَحْفَظُونَ طَرَفاً مِنْ كِتَابِهِمْ الذِي أوْحَاهُ اللهُ إليهِمْ ، وَقَدْ فَقَدُوا سَائِرَهُ ، وَأنَّهُمْ لا يُحْسِنُونَ فَهْمَهُ ، وَلاَ يَلْتَزِمُونَ العَمَلَ بِهِ)[5]، قال الرازي (ولم يقل : ألم تر إلى الذين أوتوا الكتاب ، لأنهم ما كانوا عالمين بكل ما في التوراة) [6]، ولا عاملين .

وقال (عرفوا من التوراة نبوة موسى عليه السلام ، ولم يعرفوا منها نبوة محمد r ، فأما الذين أسلموا كعبدالله بن سلام وعرفوا الأمرين ، فوصفهم الله بأن معهم علم الكتاب ، فقال (قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب)[الرعد : 43]) [7].

 

 يقول الشعراوي (إنها لفتة جميلة ، فالكتاب كله لم يبق لهم ، إنما الذي وصل وانتهى إليهم جزء بسيط من الكتاب ، فكأن هذه الكلمة "نصيبا" تنبه الرسول والسامعين له أن يعذروا هؤلاء القوم حيث لم يصلهم من الكتاب إلا جزء يسير منه) [8] ، وكان ذلك نتيجة تبديل أسلافهم أمانة هذا الدين ، وقد تبعهم خلفهم في ذلك .

 

 وقوله (..ويُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) (44) (ولم يقتصر أمرهم على أنهم ضلوا ، فلم يتبعوا شريعة نبيهم موسى ولا عيسى)[9] ، ولا شريعة النبي الجديد محمد r ، وإنما أضلوا غيرهم بأن انتهجوا نهج من حرفوا الكلم عن مواضعه ،  فبدلوا أحكامه ،  ليضلوا غيرهم حتى لا يصلهم العلم بنبوة محمد r ، (فلا يفضلوا عليهم في الاهتداء)[10].

 

ونظيره قوله تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) [النساء:89] ، وقوله تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [البقرة:109]

 

وإرادة الضلال هي نتيجة للبخل الذي أشار إليه قوله تعالى (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)(النساء/ 37) ، حيث كتموا العلم ولم ورثوه لمن يخلفهم ، فكشف البخل والكتمان عن إرادتهم لإضلال الخلق عن الخالق .

 

وفي قوله (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ..)(45) وجاء الإخبار بها بصيغة المبالغة (أعلم) لينفي كل علم بخلاف ذلك ، فمن يظن أنهم ليسوا بأعداء فقد أخطأ الظن ، فهم أعداء الإسلام بصريح القرآن ، ولا خير يأتي من عدو ، قال ابن عطية (خبر في ضمنه التحذير منهم)[11]

ومصدر هذه العداوة أن هؤلاء البخلاء كاتمون لحقوق الله وفضله وهاضمون لحقوق الناس ، بخلاف المؤمنون الذين يؤدون الأمانات إلى أهلها ، وأخلصوا لعمل لله ، فهي عداوة في الدين ، وعداوة في الدنيا .

 

ويدخل ضمن مفهوم الأعداء علماء السوء ، يقول النبي r (إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)[12]، وعالم واحد من علماء الحق يدحض حجج جميع علماء السوء ، لكن إذا غاب هذا العالم أو كُمم فاه هنا ينتهز علماء السوء الفرصة ليحلوا محله.

 

 وهؤلاء أول شيء يفعلونه أن يطمسوا نور أي عالم وليد ، قال إسماعيل حقي (علماء السوء هم المداهنون فى دين الله حرصا على الدنيا وطمعا فى المال والجاه وحبا للرياسة والقبول ، قد رزقوا شيئا من علم الكتاب ظاهرا ، ولم يرزقوا أسراره وحقائقه ، أما العلماء الذين هم ورثة الأنبياء فيجب أن لا يقبلوا نصيحة علماء السوء ، فإنهم يريدون أن يقطعوا عليهم طريق الحق ويردونهم عنه ويصدونهم عن الله)[13].

 

وفي قوله (..وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا ، وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) (45) قال العلماء (كرر - سبحانه - الفعل "كفى" لإِلقاء الطمأنينة فى قلوب المؤمنين ، لأن التكرار فى مثل هذا المقام يكون أكثر تأثيرا فى القلب ، وأشد مبالغة فيما سيق الكلام من أجله)[14] ، أي أن من يرتكن إلى الله ويعتمد عليه يجد الله نصيره ، وكفى به وليا وكفى به نصيرا.

 

وعطف النصرة على الولاية (من باب عطف العام على الخاص لأن الولاية أعم من النصرة ، والنصرة أحد أفرادها ، فمن متضمنات الولاية "الرزق" و"التأييد" و"النصرة") [15].

 

والغرض من ذلك التحذير كي لا يلتمس المؤمنون النصرة من غيره ، فأهل الكتاب (ليسوا أهلا لذلك)[16]، وفي ذلك توطئة إلى قطع موالاة الذين كفروا ومخاصمتهم في الله ، فمن كان الله كافيه لا يلتمس النصرة من غيره ، لاسيما من أعدائه .

 

 

 

 

المسألة الثانية : سياسة عظماء اليهود في الطعن في الدين

(التضليل والتحريف والتبديل للكتب والمواثيق والعهود والكلم)

 

وفي قوله (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (46) تخصيص"لليهود"  من عموم الأعداء ، الذين يعلمون الحق فلا يتبعوه ، ويبدلونه ويحرفونه بحسب أهوائهم ، فإذا كان هذا شأنهم مع كتاب الله أي (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ)، وكان دأبهم مع أنبياء الله السخرية والاستهزاء حتى قالوا (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)، فإنهم كذلك لن يستقيموا مع المسلمين على طريقة ، ولن يلتزموا معهم بعهد ، فهم أسرع لنقضه بالحيلة والنكوث عنه ، فالاتفاقات والعهود معهم ضرب من العبث ، ولا طائل منها غير تضييع الوقت، وياحبذا بها إن كان هذا هو المراد ، حتى لا يحصل بينهم . 

 

وهؤلاء اليهود تمكنوا من تحريف دينهم وتبديل أحكامهم من خلال اتباع سياسة النفاق والتضليل ، أي بإظهار الإيمان وإبطان الكفر ، يعلنون الإيمان ويضمرون الكفر ليندسوا بين المسلمين ، فيأثرون فيهم وكأنهم من جلدتهم وأهل دينهم ، فيتناصحون ، فتكون نصيحتهم مدخلا لإعلان مواقفهم الرافضة لما ورد في التشريع الإسلامي من أحكام ، زاعمين أن لهم حق الاعتراض على خطاب الشارع ، وأن ما لا يتماشى مع أهوائهم يمكن رفضه ، وما يتفق وأهواءهم يأخذون نصيبا منه ، وهم بذلك يبتغون نشر الفتنة بين المسلمين في دينهم ، بيد أنهم ولكي لا تنكشف خطتهم يتخذون من الحيل ما يجعل رفضهم لأحكام الله غير مصادم لأهل الحق ، وذلك من خلال الاعتراض المكنى ، أي استخدام ألفاظ معينة تقبل التأويل والتفسير على أكثر من وجه (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ )، (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) ، بحيث تكون لهم شبهة في درء حد الردة عنهم إذا استبان قصدهم ، لكن في ذات الوقت يفهمها أمثالهم من المنافقين فيسيرون على ما يسيرون عليه من الاعتراض على أحكام الله وتبديلها وتحريفها وفق أهوائهم . 

 

فقوله (..وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا..) اعتراض صريح على أوامر الشرع ، فهذه المقالة التي صدرت عنهم وقالوها لنبي الله موسى عليه السلام –من قبل - حين طلب منهم أن يشاركوه الجهاد في سبيل الله ، فعصوا أمره زاعمين أنهم يحترمون هذا الأمر بأسماعهم ، لكنهم يملكون مخالفته وعصيانه بأهوائهم ، (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة/24) ، في محاولة منهم لتجريد هذا الدين من طابعه العسكري الذي يحفظ للدين أساسه ، وما لا أس له فضائع ومهدوم ، فقديما قالوا (الدين والسلطان توأمان)[17]، وعن أزدشير[18] أنه قال لابنه: (يا بني إن الملك والدين إخوان، لا غنى بأحدهما عن الآخر، فالدين أس والملك حارس، وما لم تكن له أسس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع، وعن كعب: مثل الإسلام والسلطان والناس، مثل الفسطاط والعمود والأوتاد والأطناب)[19].

 

وكأن المسلمين لابد أن يتخلوا عن هذا السمت العسكري لإرضاء هؤلاء المنافقين ، ويجب عليهم أن يمتنعوا أن يقولوا لقائدهم سمعنا وأطعنا ، وأن عليهم أن يعلنوا للناس حقهم في الاعتراض والعصيان لأوامر ولي الأمر حتى وإن وافقت الشرع ، فتلك هي رغبة المنافقين في أن يتحلل المجتمع المسلم عن طابعه العسكري ، فلا ينقادون لولي شرعي عام ، ولا تكون للمسلمين طائفة تتعسكر وتتسلح لحماية أمنهم ودينهم وحقوقهم وحرياتهم ، ويتحولون إلى مجموعة من المدنيين الذين ينتقون من الأحكام والأوامر الوضعية ما يوافق أهواءهم ، أو ما يقتصر على بعض الطقوس والشعائر لإظهار انتمائهم للإسلام ، وفي ذات يتوسعون –في الاعتراض - فيأخذون منها ما يوافق أهوائهم ويتركون ما يخالف أو يتعارض معها ، ولا إلزام عليهم في شيء ، يقول ابن تيمية (يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها)[20]، تلك هي إحدى وسائلهم في الطعن في الدين وتبديل أحكامه ومراميه ، أي بتخليته من طابعه العسكري ، فإذا انعدم هذا الطابع ، فلا سمع ولا طاعة للإمام ، ولا جدوى من تنصيبه ، فإذا حصل ذلك أضحى المسلمون لقمة سائغة لأعدائهم ، قال الشهرستاني "لا بد للكافة من إمام ينفذ أحكامهم ويقيم حدودهم، ويحفظ بيضتهم ويحرس حوزتهم ويعبئ جيوشهم ويقسم غنائمهم ويتحاكمون إليه في خصوماتهم وينصف المظلوم وينتصف من الظالم وينصب القضاة في كل ناحية ويبعث القراء والدعاة إلى كل طرف"[21].

 

وفي قوله (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) أي يتمنون ألا يسمع ما يقولون ، وفي ذات الوقت يتظاهرون بالاستمتاع بالحديث معه نفاقا ، قال الواحدي (كانوا يقولون للنبيِّ r : اسمع ، ويقولون في أنفسهم : لا سمعت)[22] ، وهكذا يدل القرآن على أن اليهود يحبون الكلام ، ويحبون غيرهم يسمع لهم ، وفي ذات الوقت يسخرون من جمهورهم ومستمعيهم عندما يخالفونهم في الرأي ، فعَنْ مُجَاهِدٍ في قَوْلَهُ: "وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ  قَالَ: غَيْرَ مَقْبُولٍ مَا تَقُولُ"[23]، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: "وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ"  قَالَ: يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ r : (اسْمَعْ لا سَمِعْتَ) [24]، فعبارة (غير مسمع) تأتي في موضع الحال، وقد أشار بعضهم إلى أنها تعني 'غير مسموع منك'، أي أنك لا تستحق أن يُسمع لك أو أن يُستجاب لقولك.

 

كما أن الإتيان باسم المفعول (مسمع)  كناية عن الدعاء عليه بالصمم، أي: "اسمع، أصمك الله حتى لا تسمع ،  ويُقصد به: اسمع ما نقول، لا سمعتَ خيراً بعد ذلك .

 ويرى آخرون أن التعبير يعني: "اسمع كلامنا، غير مسموع منك ما تقول" أو "غير مسموع منك شيء نافع"،  أي أنهم يطلبون منه السماع، بينما هم لا يعتدون بكلامه ولا يلقون له بالاً.

 

قال الرازي (واعلم أن هذه الكلمة ذو وجهين يحتمل المدح والتعظيم ، ويحتمل الاهانة والشتم ، أما أنه يحتمل المدح فهو أن يكون المراد اسمع غير مسمع مكروها ، وأما أنه محتمل للشتم والذم فذاك من وجوه منها : أنهم كانوا يقولون للنبي r : اسمع ، ويقولون في أنفسهم (لا سمعت)[25] .

 

 وهكذا يستبين أن اليهود اعتادوا التلون في خطابهم ، فهي عادة قبيحة لا يقدرون على أن يكفوا عنها حتى وإن كانوا يخاطبون الأنبياء وولاة الأمور من المسلمين .

 

إن تحليل هذا التركيب المعقد لهذا اللفظ ليؤكد أن النية هي التي توجه اللفظ، وأن اللفظ الملتوي هو ترجمة للنفاق الظاهر والكفر الباطن ، ولذلك كشف القرآن هذا التلاعب اللغوي ليحمي الخطاب الديني من التلبيس ، فوضع معياراً صارماً لآداب الحديث يخلو من التورية والتعريض والتلون.

 

وفي قوله (وَرَاعِنَا) أَيْ : (يقولون راعنا من الرعاية والاهتمام بهم ، ولكنهم يوجِّهونها إلى محمَّد عليه السَّلام بقصد الشتم من الرُّعونة)[26] ، ورد عَنِ الكِسَائِىِّ في قوله (رَاعِنَا) يَقُولُ : (أَرْعِنا سَمْعَكَ) ، وعَنِ الفَرَّاءِ : (رَاعِنَا مِنَ المُرَاعاةِ) ، وعَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ : (رَاعِنَا مِنْ رَاعِيْتُ : حَافَظْتُ وَتَعاهَدْتُ)[27]

 

فهؤلاء المنافقون المندسون بين المسلمين من "الدونمة"[28] (أي اليهود المتأسلمين) لا يحاولون الانقلاب على النبي r -وكذلك من يخلفه- بشكل ظاهر ومباشر من خلال إعلان رفض سياسته ، ولكنهم يلحنون بالقول ، أي يطعنون في الدين بلي ألسنتهم ، فهم ينتهجون سياسة الانقلاب التدريجي التي تعتمد علي الصبر الطويل والتدرج غير الملحوظ لطمس معالم الدين من الشعوب أنفسهم ، وقد تبدلت عاداتهم وأعرافهم وأخلاقهم ، وتحريف دين الله تعالى من خلال التلاعب بمعتقداتهم .

 

 فكلمة (راعنا) تدل على طلبهم أن يدخلوا في رعاية النبي r لهم ، فيضمنهم لرعوية المدينة المنورة ، فهم من جهة يظهرون ثقتهم في إدارة النبي r لشئون دنياهم ابتداءً و"الدولة المدنية" كما يزعمون ، فيقولون له (رَاعِنَا) أي استمر في رعايتنا وحفظنا ، من ذلك قوله r (كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته) ، ولكنهم في ذات الوقت يعصون أمره حين يأمرهم بما يكرهون ، فيتهمون إدارته بالفشل ، فكلمة كلمة "رَعْ "רע - نقرؤها راعْ - بالعبرية معناها: "سيّء" [29]، أي إنه سيء في وإدارته شئون رعيته أو رعاياه من الأمم ، ومن ثم يتهمونه أنه بما يبلغه من أوامر التشريع يزج بهم في مخاطر لا قبل لهم بها ، قال البخاري "رَاعِنَا" (مِنْ الرُّعُونَةِ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا رَاعِنًا)[30].

 

ولما كان لفظ (راعنا) فيه إشكال ، والتباس في الفهم ، ففيه احتمال أمر آخر ليس طيباً ، (فالأولى أن يُترك ويُعدل إلى لفظ لا يحتمِل غير وجه واحد)[31]،(فنهى الله تعالى المؤمنين أن يشتبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم ، وذلك أن اليهود كانوا يعنون من كلامهم الذي فيه تورية لما يقصدونه التنقيص ، فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا يقولون راعنا ويورون بالرعونة الحماقة ، ومنها الراعن وهو الأحمق والأرعن عن مبالغة فيه ، فنهى الله تعالى المؤمنين عن مشابهة الكفار قولا وفعلا)[32]، كما في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا) (البقرة:104) أي تمهل علينا وارفق بنا حتى نطيع أمرك رويدا رويدا .

 

قال ابن تيمية (كان المسلمون يقولون راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك يعنون من المراعاة ، وكانت هذه اللفظة سبا قبيحا بلغة اليهود فلما سمعتها اليهود اغتنموها ، وقالوا فيما بينهم : كنا نسب محمدا سرا ، فأعلنوا له الآن بالشتم وكانوا يأتونه ، ويقولون : راعنا يا محمد ، ويضحكون فيما بينهم ، فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها وكان يعرف لغتهم ، فقال لليهود : عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله r لأضربن عنقه فقالوا : أولستم تقولونها ؟ فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) [ البقرة : 104 ] لكي لا يتخذ اليهود ذلك سبيلا إلى شتم رسول الله r - بحجة أن المسلمين يرددون هذا اللفظ المشترك في المعنى كذلك مع اختلاف نية كلا منهم - فهذا القول دليل على أن اللفظة مشتركة في لغة العرب ولغة العبرانيين وأن المسلمين لم يكونوا يفهمون من اليهود إذا قالوها إلا معناها في لغتهم فلما فطنوا لمعناها في اللغة الأخرى نهوهم عن قولها ، وأعلموهم أن ذلك ناقض لعهدهم ومبيح لدمائهم ، وهذا أوضح دليل على أنهم إذا تكلموا بما يفهم منه السب حلت دماؤهم – لأن الناس في زمنهم بمجرد الشتم يتجرؤون ويتجمعون ويتظاهرون ثم يقتلون كما فعلوا بعثمان رضي الله عنه - وإنما لم يستحلوا دماءهم لأن المسلمين لم يكونوا يفهمون السب والكلام في السب الظاهر ، وهو ما يفهم منه السب)[33]أي لم يفهموا نيتهم الانقلابية وتحريضهم الناس على النبي r .

 

ومن جهة أخرى فإن النهي عن تداول هذا اللفظ على الألسنة يتضمن كذلك نهي للمؤمنين عن أن يطلبوا من  النبي r مطالب دنيوية ، كناية عن تفضيله لهم واختصاصهم بالرعاية عن غيرهم بما يخل بمبدأ المساواة ، فالنبي يقسم بالعدل بين الرعية ولا اختصاص لأحد منهم بشيء عن غيره ، فضلا عن أنه يعمل لأجل مصلحتهم دون حاجة للسؤال والإلحاح والطلب ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلُوا النَّبِيَّ r حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ فَصَعِدَ النَّبِيُّ r ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ (لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ)[34] .

كما يتضمن – كذلك - أن لا يشغل المؤمنون نبيهم بما يعسر عليه ويشغله عن دعوته ، فما في طاقته فعله ، وما يخرج عن حدود الوسع والطاقة فلا تكليف فيه ، فطلب الناس من النبي الاهتمام بهم ورعايته لهم بلفظ "راعنا"  وإن لم يكن فيه تورية بسب النبي r في قصد المؤمنين ، فإن فيه تعطيل لوظيفة النبي r التي بعثه الله لها ، وإشغاله بسفاسف الأمور عن معاليها .

 

 وإنما أمروا أن يقولوا " انظرنا "  لأنه (ليس المراد سمع مجرد الكلام بل سمع الفهم والعقل ومنه سمعنا وأطعنا)[35] ، فالنظر يعني تأمل الحال ، فيكون ذلك أبلغ في الطلب ، بأن يهتم النبي r بأحوالهم الدينية والدينية على السواء ، فكما أنه يهتم بتبليغ الدعوة لهم ، فإنه يهتم بالإحسان إليهم وإيصال الخير لهم .

وفي قوله (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) قال أبو حيان أي (تحريفاً عن الحق إلى الباطل حيث يضعون "راعنا" مكان "انظرنا" ، و"غير مسمع" مكان "لا أسمعت مكروهاً")[36] ، وفي ذلك كشف لوسيلتهم في الخادع لنشر ثقافة النفاق بين الناس ، وهذا أمر شائع في المنافقين ، ومنه قوله تعالى (ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ) ، وقصدهم من لي ألسنتهم ولحن قولهم أن يسترضوا أهل بالباطل ، ويستقطعوا بذلك مكانة بينهم ، وفي ذات الوقت يحرضون الناس على عدم الطاعة للإمام .

 

ومن جهة أخرى ، فإنهم يستحلون الحرام  بتبديل حقائق الأشياء وتغيير أسمائها ، فيلحنون في القول ليستقطعوا حقوقا ليست لهم ، والنبي r يعاملهم بظاهر حالهم وإن كان يعلم بواطن أمورهم ، كما في حديث أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا) [37] .

 

ومن قبيل "الليِّ" تسمية الأمور بغير اسمها حتى لا تنطبق عليها أحكامها ، فإذا تغيرت الأسماء انطلت حيلة المنافقين على ضعاف العقول ، يقول النبي r (لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ)[38](أي يشربون النبيذ المطبوخ ويسمونه طلاء تحرجا عن تسميته خمرا وذلك لا يغنى عنهم من الحق شيئا)[39]، قال السندي (أَيْ يُبَدِّلُونَ اِسْمهَا لِيُبَدِّلُوا بِذَلِكَ حُكْمهَا)[40]، وهذا (يدل على أن التسمية والحيلة لا تجعلان الحرام حلالا)[41] ، يقول النبي r (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ)[42] ، يستحلون "الخمر" بمسميات جديدة كالمخدرات والحشيش ..الخ ، فكل ما خامر العقل فهو خمر .

وقوله (الحر) أي الفرج [43]، والمعنى أنهم يستحلون الزنا [44].

قوله (يستحلون) يعتقدون حل ذلك أو يتساهلون فيه ، أي يدعون إلى الإباحية بمسمى الحرية الجنسية ، فيصعبون من الزواج بزيادة تكاليفه ، ويضعون للشباب العراقيل لتأخير سن الزواج ، وفي ذات الوقت يسهلون ذلك على الناس اختلاط الذكور بالنساء في أماكن العمل والتدريس ...الخ ، ويقدمون البديل عن الزواج بمسمى الصداقة بين الشاب والفتاة ، والاستضافة للأجنبية من بلدها إلى بلدان المسلمين ..الخ لتنتشر الفحشاء والبغاء بين المسلمين كما تنتشر في بلادهم ، فلا يكون للمسلمين ميزة اجتماعية عليهم.

 

ويقول النبي r (لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَشْرَبَ فِيهَا طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا)[45] , ذلك أن علة التحريم "السكر" وليس ما يطلق عليه "اسم الخمر" ، لقوله r (كل مسكر حرام) [46]، ففي الحديث (قَالَ أَبُو مُوسَى يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ يُصْنَعُ فِيهَا شَرَابٌ مِنْ الْعَسَلِ يُقَالُ لَهُ الْبِتْعُ وَشَرَابٌ مِنْ الشَّعِيرِ يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) [47]، (فالحكم يناط بالإسكار ، ولو سمي المسكر بأي شيء يسمى به، فإن العبرة بالحقائق لا بالألفاظ، فإذا سميت الخمر باسم لا تعرف به، وقد يكون اسماً ظاهره طيب وظاهره الحسن فإن الأسماء لا تُغير من الحقائق شيئاً، فالحرمة حاصلة والتحريم موجود ولو سميت بغير ذلك) [48]، ولذلك حرم العلماء جوزة الطيب لأنه تسكر[49] .

 

وفي قوله (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) ، قال أبو حيان (بإنكار نبوّته r ، وتغيير نعته ، وتعيب أحكام شريعته أو تجهيل الناس بها) [50]، وهو ما يكشف عن الغرض الحقيقي من دخولهم دين الإسلام ، والذي يخفونه في صدورهم ، فاتخذوا النفاق وسيلة للطعن في الدين ، ولتحريف أحكامه ، واتخذوا من تسامح النبي r في الحوار معهم تكئة لأن يطعنوا في الدين بإدعاء معرفتهم به ومحاورتهم لرسوله ، وأنهم سمعوا منه لينقلوا عنه ما لم يتكلم به ، كما في قوله (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ)(النساء 81) .

 

فعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: "كَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، وَكَانَ مِنْ عُظَمَاءِ الْيَهُودِ إِذَا كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ r لَوَى لِسَانَهُ، وَقَالَ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى نُفْهِمَكَ، ثُمَّ طَعَنَ فِي الإِسْلامِ وَعَابَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ "لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ" [51] ، غايتهم إفراغ الدين من مضمونه ، ليصير الإسلام دينا بلا أحكام ، وشعائر لا تحترم ، فلا ينتسب المسلم لدينه إلا اسما .

 

وفي قوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ) إرشاد لما ينبغي عليه المؤمنون إزاء خطاب الشارع بأن يكون السمع مقرونا بنية الطاعة ، وأن تكون غايتهم من سيدهم ونبيهم ورئيس دولتهم أن يهتم بأمرهم وشكواهم وشئونهم الدينية والدنيوية على وجه سواء ، فإذا قضى بينهم وجبت طاعته وإن أوجب الحق عليهم ، يقول تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (النور/51) ، وهذا ما تميز به جيل صحابة النبي r بخلاف من صحبوا الأنبياء قبله ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ) وَلَكِنْ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r)[52]

 

فالإسلام أرشد المؤمنين إلى أن التكاليف الربانية - وإن كانت في بادئ الأمر عصِيَّة على النفس ، ثقيلة عند التنفيذ -إلا أنها بعد التجربة والمداومة تخف رويدا رويدا ، بيد أن المنافقين من أهل الكتاب لم يقابلوا هذه التكاليف بمثل ما قابل به صحابة النبي r أوامره ، فبدلا من أن  يقولوا (سمعنا وأطعنا) قالوا (سمعنا وعصيا) ، وبدلا من أن يقولوا (واسمع وانظرنا) أي تمهل علينا في التشريع بالتدريج ، ملتمسين من النبي r العذر ونظرة الميسرة حتى يتسنى لهم الاعتياد على الطاعة والتخفف من ثقل التكليف بها ، ولكنهم قالوا (راعنا) وأضمروا -في ذات الوقت- نية المخالفة والمعصية ، ولم يعزموا على الطاعة والاستسلام ، يقول صاحب الظلال (فهم لا يواجهون الحق بهذه الصراحة وهذه النصاعة وهذه الاستقامة ، ولو أنهم واجهوه هكذا بالألفاظ الصريحة التي لا التواء فيها (سمعنا وأطعنا ، واسمع وانظرنا) لكان هذا خيراً لهم ، وأقوم لطبيعتهم وأنفسهم وحالهم)[53] .

 

وانظر إلى رسول الله r كيف ترأف بأصحابه ، ولم يلزمهم بالتكاليف مرة واحدة ، وإنما تدرج معهم ، فإن وجد عند أحدهم مشكلة فإنه يعالجها بالرأفة والرحمة بلا تعنيف ولا توبيخ ، شريطة الشفافية في التعامل دون مواربة أو ملاوعة ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ (إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ ، قَالُوا مَهْ مَهْ فَقَالَ ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ فَجَلَسَ ، قَالَ أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ ، قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ ، قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ ، قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ ، قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ ، قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ ، قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ) [54]

 

 فالحديث يدل على انتفاض الصحابة غضبا لما  سمعوا قول الذي يستأذنه في الزنا (فزجروه: "مه.. مه") ، ولكن الإسلام يعلي حرية التعبير ويناقش المخالف في أمور العقيدة وإن كان كافرا ، وكذلك العبادات والأخلاق والمعاملات ، فلولا هذه الحرية لما أفصح هذا الشاب عن المشكلة ، ولما واجهها النبي r بالعلاج المناسب ، ولظلت هذه المشكلة عنده بلا علاج ، ولذلك ترأف به النبي r ، وبين له مفاسد ما يقول بلطف ، واستخدم أسلوب الإقناع برفق ، فخاطب نخوة الرجولة فيه وغيرته على أهله ليقنعه بأن الناس لا يرضونه لأهلهم كما لا يرضاه لأهله ، فثاب لرشده ، أي أن النبي r أصلح ما يدور في عقله لينتهي عن هذا القول ،  وأقام عليه الحجة بإقراره هو ، لكن القلب لا يزال به مرض ، ولذلك دعا رسول الله  r له ، أي أقنعه بالحجة أولا ، ثم دعا له ليستعف قلبه ، يقول رسول الله r (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ)[55] ،أي التمس العفاف من الله فسأل النبي r أن يعينه على ذلك فأعانه بالدعاء له.

 

 ولولا هذه الصراحة في الإسلام ، واحترام رأي المخالف لما تجرأ هذا الصحابي عن الإفصاح عما في فكره من سقم ، وما كان تلقى علاج النبي r المناسب له ، فهذا الشاب لم يختر طريق المواراة والالتواء مثل اليهود ، وإنما اختار طريق المصارحة والاستئذان أو العذر والتعفف ، فصارح رسول الله r بمكنونات صدره ، وغلواء شهواته ، فأصلح فكره وقلبه معا ، ولم يحصل ذلك إلا بحرية الفكر والتعبير وجدية المناقشة والحوار مع الآخر بهدوء واستطراد كافيين لأن يقنع أحدهما الآخر .

 

وفي قوله (وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) قال سيد قطب (واقع الأمر أنهم - بسبب كفرهم - مطرودون من هداية الله ، فلا يؤمن منهم إلا القليل ، وصدق قول الله . . فلم يدخل في الإسلام - في تاريخه الطويل - إلا القليل من اليهود)[56] ، ولذلك قال النبي r (لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لآمَنَ بِي الْيَهُودُ)[57]

 

يضاف إلي ذلك أن إيمانهم بالتوراة كان –كذلك- قليلا ، وقد عاتبهم الله على ذلك فقال تعالى (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)(البقرة/85) ، فإيمانهم أشبه بصلاة المنافق ، يلتزم بحركاتها وقلبه منفصل عن الاتصال بخالقه فلا يذكره إلا قليلا ، قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) (النساء/142) .

 

المسألة الثالثة : عقوبة المسخ جزاء التلاعب بالدين والتحايل على الشرع

 

وفي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) (47) خطاب المقصود به يهود المدينة على وجه الخصوص ، قال الشنقيطي (السياق في أهل الكتاب والتعريض بأصحاب السبت ألصق بهم)[58] ، لأنهم كانوا يعلمون صفات النبي r في كتبهم ، ويكتمونها ولا يخبرون بها ، فأمرهم الله بالإيمان الحق ، والتصديق بالكتاب هددهم بمغبة ما يفعلونه .

 

وقد اختلف العلماء في معنى التهديد الوارد في هذه الآية، هل هو حقيقة ، فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين أو هو مجاز المقصود به  تصوير حالهم في الضلال وسلبهم التوفيق وعدم الاهتداء الحيوانات ؟  قال الماوردي ، وفيه قولان:  -               

أحدهما : أن طمس الوجوه هو محو آثارها حتى تصير كالأقفاء ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى ، وهو قول ابن عباس وقتادة ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: " " فَنَرُدَّهَا "  يَقُولُ: نَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ مِنْ قِبَلِ أَقْفِيَتِهِمْ فَيَمْشُونَ الْقَهْقَرِيِّ، وَنَجْعَلُ لأَحَدِهِمْ عَيْنَيْنِ فِي قَفَاهُ". وَرُوِيَ عَنِ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: "نَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ مِنْ قِبَلِ ظُهُورِهِمْ". وَرُوِيَ عَنِ عَطِيَّةَ نحو ذلك[59].

وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها ، أي في ضلالها ذمّاً لها بأنها لا تصلح أبداً ، وهذا قول الحسن ، والضحاك ، ومجاهد ، وابن أبي نجيح ، والسدي[60] ، فعَنْ مُجَاهِدٍ: "فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا"  قَالَ: فِي الضَّلالَةِ"[61].

 

فقوله (..آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا..) (47) (تحريض لهم على الإِيمان ، ليحملهم على المسارعة إلى تلبية دعوة النبى r ، وألا تأخذهم العصبية الدينية - باعتبارهم أهل كتاب - كما أخذت أهل مكة عصبية الجاهلية)[62] .

 

وقد لمست هذه الآية قلب كعب بن مالك فأسلم ، فعَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَائِذِ اللَّهِ الْخَوْلانِيِّ قَالَ: "كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ مُعَلِّمَ كَعْبٍ، وَكَانَ يَلُومُهُ عَلَى إِبْطَائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ: بَعَثَهُ إِلَيْهِ لِيَنْظُرَ أَهُوَ هُوَ ؟ قَالَ: حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا تَالٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً "  فَبَادَرْتُ الْمَاءَ اغْتَسِلُ وَأَنِّي لأمِسُّ وَجْهِي مَخَافَةَ أَنْ يُطْمَسَ ثُمَّ أَسْلَمْتُ"[63].

 

وقوله (..مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ..) (47)لأن ما في القرآن يشتمل عما جاء في التوراة والإنجيل من أصول الاعتقاد ومفهوم العبادات ومبادئ الأخلاق وحسن المعاملات ، فلا نقض لشريعة بشريعة أخرى ، بل هم كالبناء يكمل بعضه بعضا ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا وَيَقُولُونَ لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ جِئْتُ فَخَتَمْتُ الْأَنْبِيَاءَ)[64].

 

 وفي ذلك  حث لهم على تأمل ما في التوراة والإنجيل ليكون سبيل لتأمل ما في القرآن ، كما في قوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ..) (المائدة 66) ، قال السعدي (ينبغي أن يكونوا قبل غيرهم مبادرين إليه بسبب ما أنعم الله عليهم به من الكتاب الذي يوجب أن يكون ما هم عليه - من العلم - أعظم من غيرهم)[65]، (من غيرهم) أي من مشركي مكة الذي يعبدون الأوثان ولا علم لهم بالكتاب الذي أنزل من قبل .

 

 وقوله (..مِنْ قَبْلِ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا..) (47) [66] يستعجلهم للإيمان ، ويحذرهم من التلكؤ عن الاستجابة لنداء الإيمان ، فهددهم بالمسخ ، لأن الجزاء من جنس العمل ، كما قال ابن عجيبة (مسخ الله صورهم وبدَّل خِلقتهم ، كما بدلوا الحق باطلاً)[67] ، وهذا الجزاء وفيه إشارة لطيفة إلى أنهم (في سيرهم تابعون لحيواناتهم على مقتضى الطباع الحيوانية والشهوات النفسانية وتاركون متابعة العلماء بالآيات القرآنية والأحاديث النورانية ولذا وقعوا فيما وقعوا أولا وجوزوا على ما فعلوه آخرا)[68].

قال ابن عاشور (والطمس هنا "مجازا" وهو الظاهر ، فهو وعيد بزوال وجاهة اليهود في بلاد العرب ، ورميهم بالمذلة بعد أن كانوا هناك أعزة ذوي مال وعدة ، أما "الرد على الأدبار" يحتمل أن يكون "مجازا" بمعنى إصارتهم إلى بئس المصير ؛ ويحتمل أن يكون "حقيقة" ، وهو ردهم من حيث أتوا ، أي إجلاؤهم من بلاد العرب إلى الشام)[69] .

وقوله (مِنْ قَبْلِ) ليدل على أن هذا المسخ سوف يحصل مستقبلا كما حصل لأسلافهم في الماضي ، وحصوله كذلك لكل من اتبع سننهم في الاستهزاء بما أمر الله ورسوله ولم يطيعوه .

وهذا المعنى يؤيده قول رسول الله r (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ،  وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)[70]

جاء في الشرح (الحِرَ : أي الفرج، أي يستحلون الزنا، إما باعتقاد الحلية أو بالاسترسال في الوقوع كالاسترسال في الحلال ، قاله ابن العربي

قوله (يروح عليهم) أي الراعي .

(بسارحة لهم) : بغنم تسرح بالغداة وتروح بالعشي .

(يأتيهم) : أي الآتي .

(فيبيتهم الله) : أي يهلكهم الله ليلا .

(ويضع العَلَمَ) : أي يوقع الجبل عليهم .

(قردة) : أي (مثل صورها حقيقة كما وقع لبعض الأمم السابقين، ففيه بيان أن المسخ يكون في هذه الأمة)[71] .

 

قوله (..أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ..) (47) فقصة أصحاب السبت معروفة ، وهي أن الله تعالى أراد أن يخلص بني إسرائيل من أعباء الدنيا طوال الأسبوع ليتفرغوا للعبادة يوما منه ، لكنهم تحايلوا على شرع الله تعالى ، وقد كانت مهنتهم الصيد من البحر ، وهي مهنة تستغرق الوقت ، وتتطلب التزام الصياد البحر والشباك واليقظة لإيقاع الصيد مما يشغله عن كثير من الأعمال التي في البر ، ولذلك كانوا بحاجة لأن يفرغوا يوما للعبادة ينتهوا فيه عن الانشغال بهذه المهنة القاتلة للوقت قتلا ، ولكنهم لم يفهموا مراد الشارع ، فعملوا بظاهر الأمر وخالفوا مقصوده ومغزاه ، فألقوا شباكهم يوم الجمعة ، وجمعوها يوم الأحد ، ليجمعوا ما وقع في شباكهم يوم السبت[72] ، قال قتادة: (إن أصحاب السبت كانوا من أهل أَيلة ، وأنهم لما تحيلوا على صيد السمك بأن نصبوا الشباك يوم السبت ثم صادوها يوم الأحد)[73].

 

وظنوا أنهم بتلك الحيلة قد تفرغوا يوم السبت للعبادة ، كيف ذلك وعقولهم مشغولة بالصيد وشباكهم ، فعاقبهم الله بأن مسخهم قردة ، قال تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة/65) لتحايلهم على أمر الله ، إذ لا يخفى أن متابعتهم للصيد يوم السبت وإصلاح ما قد يطرأ في الشباك يؤثر على المقصود من التفرغ للعبادة ، لاسيما وأن المسلمين قد أمرهم الله بصلاة الجمعة ونهاهم النبي عن اللغو في الصلاة ، فلو قال أحدهم في صلاة الجمعة لأخيه انصت فقد لغى كما قال النبي r ، فما بالك بمن يتابع أعمال الصيد ما بين الجمعة والأحد .

 

وقيل أن التهمة أنهم اصطادوا في يوم السبت وأكلوا الأحد ، تحايلا على شرع الله والحكمة من النهي ، فعن عكرمة قال : دخلت على ابن عباس رضي الله عنهما وهو يقرأ في المصحف قبل أن يذهب بصره وهو يبكي فقلت : ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك ؟ قال : فقال : هل تعرف أيلة ؟ قلت : وما أيلة ؟ قال (قرية كان بها ناس من اليهود فحرم الله عليهم الحيتان يوم السبت ، فكانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرعا بيضاء سمان كأمثال المخاض بأفنائهم وأبنيائهم فإذا كان في غير يوم السبت لم يجدوها ولم يدركوها إلا في مشقة ومئونة شديدة ، فقال بعضهم لبعض أو من قال ذلك منهم : لعلنا لو أخذناها يوم السبت وأكلناها في غير يوم السبت ، ففعل ذلك أهل بيت منهم فأخذوا فشووا فوجد جيرانهم ريح الشوي ، فقالوا : والله ما نرى إلا أصاب بني فلان شيء فأخذها آخرون حتى فشا ذلك فيهم وكثر فافترقوا ثلاثًا ،فرقة أكلت ،وفرقة نهت ،وفرقة قالت : لم تعطون قوما الله مهلكهم أم معذبهم عذابا شديدا ،فقالت الفرقة التي نهت : إنما نحذركم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف أو قذف أو ببعض ما عنده من العذاب والله لأنبأتكم في مكان أنتم فيه وخرجوا من السور فغدوا عليه من الغد فضربوا باب السور فلم يجبهم أحد فأتوا بسبب فأسنده إلى السور ثم رقي منهم راق على السور فقال : يا عباد الله قردة والله لها أذناب تعاوي ثلاث مرات ثم نزل من السور ففتح السور فدخل الناس عليهم فعرفت القردة أنسابها من الإنس ولم يعرف الإنس أنسابهم من القردة قال : فيأتي القرد إلى نسيبه وقريبه من الإنس فيحتك به ويلصق ويقول الإنسان : أنت فلان فيشير برأسه أي نعم ويبكي وتأتي القردة إلى نسيبها وقريبها من الإنس فيقول لها : أنت فلانة فتشير برأسها أي نعم وتبكي فيقول لهم الإنس : أما إنا حذرناكم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف أو مسخ أو ببعض ما عنده من العذاب قال ابن عباس : فاسمع الله أن يقول (أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون) فلا أدري ما فعلت الفرقة الثالثة ، قال ابن عباس : فكم قد رأينا من منكر فلم ننه عنه ، قال عكرمة : فقلت ما ترى جعلني الله فداك إنهم قد أنكروا وكرهوا حين قالوا : (لم تعظون قوما الله مهلكم أو معذبهم عذابا شديدا) فأعجبه قولي ذلك وأمر لي ببردين غليظين فكسانيهما)[74].

 

ويجدر التنويه في هذا الصدد إلا أن هؤلاء القوم الذين مسخوا قد هلكوا وليس لهم نسل ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قال ، قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مُسِخَ فَقَالَ النَّبِيُّ r (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ)[75] ، والمعنى (ليس هؤلاء القردة والخنازير من أعقاب من مسخ من بني إسرائيل كما توهمه بعض الناس ثم استظهر على دفعه) [76].

 وقال رسول الله r (الْحَيَّاتُ مَسْخُ الْجِنِّ)[77]، قال الألباني (الحديث لا يعني أن الحيات الموجودة الآن هي من الجن الممسوخ ، وإنما يعني أن الجن وقع فيهم مسخ إلى الحيات كما وقع في اليهود مسخهم قردة وخنازير ولكنهم لم ينسلوا)[78].

 

قوله (..وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) (47) قال ابن كثير أي (إذا أمر بأمر، فإنه لا يخالف ولا يمانع)[79] ،وقال ابن جرير (لا يمتنع عليه خلق شيء شاء خَلْقه)[80] .

وهذا يعني أن من الجائز أن يكون ما نراه من فئران وقردة وخنازير ممن مسخ في عصرنا ونحن لا ندري ، لاسيما وأن النبي r صرح بأن المسخ وقع في زمانه في أمة من أمم بني أسرائيل ، ولا غرو أنها لا تتناسل بعد ذلك وتنقرض بالموت دون عقب ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ ، وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ ، أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ)[81] ، قال النووي (معنى هذا أن لحوم الابل وألبانها حرمت على بنى اسرائيل دون لحوم الغنم وألبانها فدل بامتناع الفأرة من لبن الابل دون الغنم على أنها مسخ من بنى اسرائيل)[82] .

 

المسألة الرابعة : الشرك يفسد كل شيء بما لا ينفع معه غير الهدم والبناء من جديد لا الإصلاح

 

إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتولى القيادة والريادة قوم يشركون بالله ، وعقيدتهم لم تسلم من ذلك ، فأهل التوحيد هم فقط الصالحون لهذا الأمر ، وما عداهم ليسوا بأهلا لهذه المسئولية ، فأي معصية دون الشرك يمكن جبرها بالتوبة ، أما جريمة الشرك فإنها تهدم كل الأعمال وتحبطها ، وعندئذ لا ينفع الإصلاح ، بل لابد من هدم البناء برمته وتأسيس من جديد على التوحيد الخالص لله تعالى ، أي دخول الإسلام دون كفر ، وليس كمن دخله وهو كافر كما في قوله سبحانه (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ) فإذا خرجوا من الإيمان فثبوت الشرك منهم ، فالله أعلم أنهم قد خرجوا منه بما قد دخلوا به (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) (المائدة61)، والموصوفون بهذا الوصف هم هم الذين قال الله في شأنهم (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة 60) .

 

ففي قوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (48) دليل على أن كل ذنب دون الشرك تحت المشيئة ، أي إن شاء الله عذب بقدر الذنب وإن شاء عفا من أول وهلة ، إلا الشرك به -سبحانه- فإن الله لا يغفره كما هو صريح الآية وقوله تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة : 72) .

 

 وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ r أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ)[83]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)[84] .

وعن أبي ذر عن النَّبِيَّ r قَالَ (مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ)[85]، قال ابن حجر (وفي الحديث أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار ، وأن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان، وأن غير الموحدين لا يدخلون الجنة ،والحكمة في الاقتصار على الزنا والسرقة الإشارة إلى جنس حق الله تعالى وحق العباد ، وكأن أبا ذر استحضر قوله r (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)[86] لأن ظاهره معارض لظاهر هذا الخبر ، لكن الجمع بينهما على قواعد أهل السنة بحمل هذا على الإيمان الكامل ، وبحمل حديث الباب على عدم التخليد في النار) [87].

 

بهذا يستبين أن الشرك يفسد كل شيء ، وأي ذنب غير الشرك يمكن إصلاحه وجبره ، ولأن عقيدة اليهود والنصارى قد تلبست بالشرك بالله فقد فسدت ، ومؤدى ذلك أن ينزل خاتم الأنبياء من قوم ليسوا على شاكلتهم في التلون والنفاق ، بل هم أقرب إلى الصدق والكرم ، وذلك توطئة لقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (49) أي اليهود والنصارى ، يظنون أنهم أولى بالريادة والقيادة من أمة العرب (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) ولذلك لعنهم الله ووبخهم الله على بخلهم إيتاء أصحاب الحقوق لحقوقهم ، لو أسند أمر الريادة الدينية والقيادة الدنيوية إليهم ، فقال (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) (53) وأبان بأنهم يحسدون العرب أن جاء نبي خاتم الأنبياء منهم ، فقال (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) .

 

 

المطلب الثاني

الفكر السادي عند اليهود نابع من البخل والحسد

 

 

 قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) (57)

 

لم يكتف المنافقون من اليهود والنصارى بتحريف الكتاب والطعن في الدين ، وإنما يحملون فكرا عنصريا ساديا لتمييز أنفسهم عن سائر الخلائق استنادا لشرع مزعوم بتزكيتهم عند الله ، افتراءً عليه ، فالسادية والنازية والعنصرية والنرجسية كلها أمراض نفسية أصيبوا بها ولم يستطيعوا الخلاص منها [88].

 

 وحالما يفشلون في الطعن في الدين يلجئون لخطة احتياطية تتمثل في تبديل الدين وتغييره بدعوى تجديده ، وذلك بتزكية دين المنافقين والكافرين على دين الإسلام الصحيح ، ورغم أنهم أهل كتاب إلا أنهم يمدحون دين قريش أي يزكون وثنيتهم ، (يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا) ، ثم هم بما يدسونه بين المسلمين من منافقين يصنعون منهم قيادات دينية لتحل محل علماء المسلمين ، وفي ذات الوقت يغتالون علماء المسلمين كما اغتالوا أنبيائهم ، فالحسد سبب للقتل لأنه تمني زوال النعمة عن الغير .

 

ومن جهة أخرى فإنهم لأنهم يهتمون بالملك والسلطة فإنهم يرفضون الإسلام بخلا منهم أن يلتزموا– ديانة - بأن يوفوا بما لأصحاب الحقوق عليهم ، فيرفضون أن يقتطع الإسلام من أموال الأغنياء ما يردها للفقراء ، بما يضمن كفالة الحد الأدنى للعيش اللائق للجميع ، كما في الحديث "فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ " [89].

 

فالإسلام والأنبياء من لدن إبراهيم عليه السلام حتى محمد رسول الله r لما آتاهم الله الكتاب والملك أعطوا الحقوق لأصحابها ، فكان من المفترض أن يتبع بنو إسرائيل الأنبياء في تلك الأخلاق ، ولكنهم لم يكونوا على قلب رجل واحد في تلمس طريق أنبيائهم ، فمنهم من آمن ومنهم من صد عن سبيل الله تعالى ، بذلك ظهر منهم تقطيع للأرحام المنسوبة لآدم عليه السلام ، بتلك العداوة والصد عن سبيل الله ، وحساب كل فرقة منهم علي الله .

 

وفي ذلك ستة مسائل : -

  • تزكية اليهود لأنفسهم افتراء على الله
  • انصرافهم عن اتباع الكتاب لاتباع طرق السحر إرضاء للشياطين
  • الخطة الاحتياطية لليهود (استبدال العلماء بالمنافقين المتأسلمين، وتأليب الأحزاب على المسلمين)
  • افتتانهم بالملك وحب السيطرة ، وبخلهم عن أداء أمانات الناس
  • حسدهم يدل على تعاظم شرور النفس     
  • من بطء به عمله لم يسرع به نسبه

 

المسألة الأولى : تزكية اليهود لأنفسهم افتراء على الله

 

قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (49) أَيْ : اليهود ، فعَنِ الْحَسَنِ  قَالَ "هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، قَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَاؤُهُ، وَقَالُوا: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى)[90] ، وقالوا (وما عملناه باللَّيل كُفِّر عنَّا بالنَّهار ، وما عملناه بالنَّهار كُفِّر عنَّا باللَّيل)[91] .

 

وهكذا استطردوا في تزكية أنفسهم بما لا يليق ، فالتزكية الحقيقية تكون من الله تعالى، لا من العبد لنفسه ، (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) ، قال الطبري ( فإنه تكذيب من الله المزكِّين أنفسهم من اليهود والنصارى، المبرِّئيها من الذنوب. يقول الله لهم: ما الأمر كما زعمتم أنه لا ذنوب لكم ولا خطايا، وأنكم برآء مما يكرهه الله، ولكنكم أهل فِرْية وكذب على الله، وليس المزكَّي من زكى نفسه، ولكنه الذي يزكيه الله، والله يزكي من يشاء من خلقه فيطهره ويبرِّئه من الذنوب، بتوفيقه لاجتناب ما يكرهه من معاصيه، إلى ما يرضاه من طاعته)[92].

وهذه صفة إبليسية ، فهو يزكي نفسه ، ويفخر بها ، (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (ص/76) ، فكان جزاؤه الطرد من رحمة الله واللعن ، (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (ص/78) .

قوله (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا) (50) ذمهم الله لتزكيتهم أنفسهم افتراء على الله ، فأقل ما يقال في تزكية النفس أنه نوع من التباهي والغرور ، وهو مدخل من مداخل الشرك وسبب لهلاك كثير من الجماعات والأمم ، فبتزكية أنفسهم انصرفوا عن الحق ، وشاب عملهم الرياء وجانبوا الإخلاص .

 

 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ[93] الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ)[94] ، قوله (عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) أي التكلف ، (لأن المتكبر ذو تكلف وتعبية خلاف ما يسترسل على سجيته)[95] ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : (مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ رَجُلَانِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ فَهُوَ الْخَيْرُ الْفَاضِلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسِيبًا فِي قَوْمِهِ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ فَهُوَ الدَّنِيءُ وَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِهِ شَرِيفًا رَفِيعًا)[96]، وقوله (الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ) أي (العذرة)[97] .

 

 

ولم يكن النبي r يزكي نفسه ، وهو أحق ولد آدم بالتزكية ، بل كان يقول (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) [98] ، وكان يقول (لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)[99]، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ)[100].

 

ولذلك لم يكن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم يزكي نفسه ولا أن يفخر بشيء ، وهم من هم ، فهم أصحاب رسول الله r ، فعن الضحاك قال : مر أبو بكر رضي الله عنه على طير قد وقع على شجرة فقال : (طوبى لك يا طير ! تطير فتقع على الشجر ثم تأكل من الثمر ثم تطير ليس عليك حساب ولا عذاب يا ليتني كنت مثلك ! والله لوددت أني كنت شجرة إلى جانب الطريق فمر علي بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني ثم إزدردني ثم أخرجني بعرا ولم أكن بشرا) ، قال : فقال عمر رضي الله عنه (يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم بعض من يحبون فذبحوني لهم فجعلوا بعض شواء وبعضه قديدا ثم أكلوني ولم أكن بشرا)[101] ، وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَ تَبِنَةً مِنَ الأَرْضِ ، فَقَالَ : (لَيْتَنِي هَذِهِ التَّبِنَةُ ، لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا ، لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي ، لَيْتَنِي كُنْت نَسْيًا مَنْسِيًّا)[102].

 

كذلك لا ينبغي أن تنصرف التزكية للغير إلا بطريق التمريض لا التصريح ، وبأسلوب الظن لا التأكيد ، حتى لا تنقلب التزكية إلى تأوُّلٍ على الله ، فيكون افتراء وإثما ، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ r فَقَالَ (وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ "قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ") [103] مِرَارًا ، قال ابن الجوزي (معنى الحديث أنك عرضت صاحبك للهلاك بمدحك إياه لأن المدح يحرك إلى الإعجاب بالنفس والكبر) [104] ثُمَّ قَالَ r (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ)[105] ، ولذلك قال النووي أى (لا أقطع على عاقبة أحد ولاضميره لأن ذلك مغيب عنا ،ولكن أحسب وأظن لوجود الظاهر المقتضى)[106].

 

كما لا يجوز تزكية من مات على الله ، فعن خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ r أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ r فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ r وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ فَقَالَ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا)[107].

 

وقوله (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) ولذلك قال تعالى (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [النجم/32]، فالله أعلم بمن يستحق التزكية وقد لا يدرك الناس مكانته ، يقول النبي r (رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)[108].

 

وكان رسول الله r يستعين بالله على ذلك ويقول (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا)[109]، (ولفظة "خير" ليست للتفضيل بل معناه لا مزكي لها إلا أنت)[110] ، وقد زكى الله نبيه فاختاره رسولا من بين خلقه

ثم زكاه وزكاه حتى أجاز له أن يقول عن نفسه r مخبرا عن تزكية الله له (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ وَلِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ)[111]، قال المناوي في قوله (ولا فخر) دفعاً لتوهم إرادته أي (أقول ذلك غير مفتخر به فخر تكبر)[112]، إنما قال ذلك من باب البلاغ والإخبار ، لأنه مأمور بالبلاغ وعدم الكتمان ، فهو قدوة وأسوة للمسلمين ، أي (لا أقوله تبجحاً بل تحدّثاً بالنعمة وإعلاماً للأمة)[113]، قال ابن الأثير (قاله إخبارا عما أكرمه اللّه تعالى به من الفضل والسّودَد وتحدُّثاً بنعمة اللّه تعالى عنده وإعلاماً لأمُّته ليكون إيمانُهم به على حَسَبه ومُوجَبه)[114].

 

قوله (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) قيل الفتيل : (ما يكون في شق النواة ، وقيل هو ما يُفتل بين الإصبعين من الوسخ)[115].

 

 

 

وذلك كناية عن دقة عدل الله سبحانه ، قال القرطبي (هذا كله يرجع إلى كناية عن تحقير الشيء وتصغيره، وأن الله لا يظلمه شيئا)[116] ، أي من كان له شأن عند الله فليس ينقصه .

 

المسألة الثاني :  انصرافهم عن اتباع الكتاب لاتباع طرق السحر إرضاء للشياطين

 

قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوت) إشارة إلى أعداء الإسلام الذين يتلونون في الخطاب رغم أنهم أهل الكتاب ، وقد يتلبسون بلباس المسلمين ، ويرتدون عباءة أهل الدين ولكنهم في الحقيقة يؤمنون بالسحر وعبادة الشياطين ،فمن يقوم بهذا الدور اللعين هو من عباد الطاغوت ،وقصدهم فتنة .

 

وتعبير القرآن عنهم بأنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت يفضح حقيقة إيمانهم ، وأنهم في الحقيقة عبدة الشياطين مهما ادعوا من دعوات دينية ومارسوا طقوسا مزيفة ، قال عمر بن الخطاب (والجبت : السحر)[117] ، والمقصود بالطاغوت : الشياطين)[118] ، فعبادتهم تصل إلى شياطينهم ، لما لا وقد نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، لما لا قد اتبعوا ما تتلوا الشياطين – من كتب السحر – على ملك سليمان ، فذلك هو نهجهم وتلك هي دعوتهم ، فالمراد بـ «طاغوت» (الذي كلما أطعته في ظلم ارتقى إلى ظلم أكثر)[119] ، فحيث كانت المؤامرة والمكر والخداع فهذا هو دينهم .

 

قال ابن تيمية (فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مَا تَتْلُوَا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَنَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ... كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِعِبَادَتِهَا لَهُمْ نَوْعٌ مِنْ الْمَطَالِبِ كَمَا كَانَتْ الشَّيَاطِينُ تُخَاطِبُهُمْ مِنْ الْأَصْنَامِ وَتُخْبِرُهُمْ بِأُمُورِ ، وَكَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ فِي الْأَصْنَامِ الَّتِي يَعْبُدُهَا أَهْلُ الْهِنْدِ وَالصِّينِ وَالتُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ وَكَانَ كُفْرُهُمْ بِهَا الْخُضُوعَ لَهَا وَالدُّعَاءَ وَالْعِبَادَةَ وَاِتِّخَاذَهَا وَسِيلَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ – وهؤلاء يعلمون مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ - ؛ لكن الْكَافِرُ قَدْ يَعْلَمُ وُجُودَ ذَلِكَ الضَّرَرِ لَكِنَّهُ يَحْمِلُهُ حُبُّ الْعَاجِلَةِ عَلَى الْكُفْرِ)[120].

 

المسألة الثالثة : الخطة الاحتياطية لليهود (استبدال العلماء بالمنافقين المتأسلمين، وتأليب الأحزاب على المسلمين)

 

طعن اليهود في بناء الإسلام للعلاقات بين المسلمين على أسس مغايرة لما كان عليه الناس في الجاهلية ، حيث جعل عرى الإيمان أوثق من عرى النسب ، من هنا تقطعت الأرحام بين المسلمين وأهلهم ، لا لسبب منهم ، ولكن من أهلهم ، فكان ذلك تكئة لأن يطعن اليهود في هذا الدين بأنه يؤدي إلى قطع الأرحام ، وأظهروا للناس الصورة المشرفة لأهل مكة على أنهم يصلون الأرحام ويكرمون الضيف على ما هم عليه في الشرك بالله تعالى ، فروجوا لهذا المفهوم للناس حتى يكون اقتدائهم بأخلاق مكة سببا لاجتناب أخلاق المسلمين والتجافي عنها .

 

ولهذا كانت الغرض الرئيسي من هذه الصورة بيان مرتبة الأرحام في الإسلام وإعادة ترتيب منزلتها حتى أنها علت عقود المناصرة والولاء ، ورغم ذلك فإن الأرحام وإن كانت لها هذه الأهمية لكنها دوما تأتي في المرتبة الثانية بعد حق الله تعالى في العبادة ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا..) (لقمان 8).

 

قوله (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا) (51) ، (وذلك أن رؤساء اليهود قدموا مكة بعد قتال "أُحد" ونقضوا العهد وبايعوا المشركين ، وقالوا أنتم أهدى سبيلا من المسلمين)[121] ، وهكذا ظهرت خطتهم الاحتياطية لطمس معالم الدين وتبديله وتشويه أحكامه بعد أن فشلت خطتهم الأصلية في تحريف حروف القرآن الكريم وتبديل أحكامه ، فعَنْ مُجَاهِدٍ في قولهم للمشركين (هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا) ، قَالَ "يَهُودُ تَقُولُ ذَلِكَ ، يَقُولُونَ: قُرَيْشٌ أَهْدَى مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ"[122] ، وقصدهم هو الطعن في أشخاص المسلمين أنفسهم ، بترويج لدين جديد وأشخاص يظهرون للناس على أنهم قدوة لهم ، وأحق بقيادتهم بدلا من محمد r وأصحابه .

 

 نقل ابن كثير عن موسى بن عقبة قال (كان كعب بن الاشرف أحد بني النضير ، وقد آذى رسول الله r بالهجاء، وركب إلى قريش فاستغواهم، وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأينا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق؟ إنا نطعم الجزور الكوماء ، ونسقي اللبن على الماء ، ونطعم ما هبت الشمال ، فقال له كعب بن الاشرف : (أنتم أهدى منهم سبيلا) ، قال فأنزل الله على رسوله r (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا) [النساء: 51 - 52 ] وما بعدها) [123]

 

فكانت تلك هي البداية لخطتهم الاحتياطية ، وهي البحث عن أناس يفعلون الخير أمام الناس يكونون قدوة للناس وليسوا بمسلمين ، أو غيرهم ممن يشرعون في الاندساس بين المسلمين ، ويعلنون إسلامهم ، ليتخذوا مكانة بينهم ، ثم يقودونهم إلى دين آخر غير دين الإسلام ، وذلك كله رويدا رويدا بخبث وخفاء .

 

وفي رواية الطبراني عن ابن عباس قال : قدم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف مكة على قريش فحالفوهم على قتال رسول الله r فقالوا لهم : أنتم أهل العلم القديم وأهل الكتاب فأخبرونا عنا وعن محمد قالوا : وما أنتم وما محمد ؟ قالوا : نحن ننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونفك العناة ونسقي الحجيج ونصل الأرحام قالوا : فما محمد ؟ قالوا : صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار قالوا : بل أنتم خير منه وأهدى سبيلا فأنزل الله عز وجل (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت) إلى آخر الآية [124]

 

وقد استنكر السعدي حملة التشويه والافتراء التي يشنها الكفار على المسلمين فقال (فما أسمجهم وأشد عنادهم وأقل عقولهم! كيف سلكوا هذا المسلك الوخيم والوادي الذميم؟. هل ظنوا أن هذا يروج على أحد من العقلاء أو يدخل عقلَ أحد من الجهلاء، فهل يُفَضَّل دين قام على عبادة الأصنام والأوثان ، واستقام على تحريم الطيبات ، وإباحة الخبائث، وإحلال كثير من المحرمات ، وإقامة الظلم بين الخلق ، وتسوية الخالق بالمخلوقين ، والكفر بالله ورسله وكتبه ، على دين قام على عبادة الرحمن، والإخلاص لله في السر والإعلان، والكفر بما يعبد من دونه من الأوثان والأنداد والكاذبين، وعلى صلة الأرحام والإحسان إلى جميع الخلق، حتى البهائم، وإقامة العدل والقسط بين الناس، وتحريم كل خبيث وظلم، والصدق في جميع الأقوال والأعمال، فهل هذا إلا من الهذيان ، وصاحب هذا القول إما من أجهل الناس وأضعفهم عقلا ، وإما من أعظمهم عنادا وتمردا ومراغمة للحق) [125].

 

قال صاحب الظلال (ولما غلبهم الإسلام بقوة الحق استداروا يكيدون له بدس المفتريات في كتبه - لم يسلم من هذا الدس إلا كتاب الله الذي تكفل بحفظه سبحانه وسنة نبيه التي أعان الله علماء السنة على حفظها في كل زمان- ويكيدون له بالدس بين صفوف المسلمين ، وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإسلام ، ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمي الأقطار ، ويكيدون له بتأليب خصومه عليه في أنحاء الأرض ....

إن الذي ألب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة؛ وجمع بين اليهود من بني قريظة وغيرهم؛ وبين قريش في مكة ، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة . . "يهودي" . .والذي ألب العوام ، وجمع الشراذم ، وأطلق الشائعات ، في فتنة مقتل عثمان - رضي الله عنه - وما تلاها من النكبات .. "يهودي".. والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله r وفي الروايات والسير .. "يهودي" .. ثم إن الذي كان وراء إثارة النعرات القومية في دولة الخلافة الأخيرة؛ ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل الشريعة عن الحكم واستبدال «الدستور» بها في عهد السلطان عبدالحميد ، ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي أتاتورك .. "يهودي" .. وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه "يهود"! ثم لقد كان وراء النزعة المادية الإلحادية .. "يهودي" .. ووراء النزعة الحيوانية الجنسية "يهودي" .. ووراء معظم النظريات الهدامة لكل المقدسات والضوابط "يهود" ! ولقد كانت الحرب التي شنها اليهود على الإسلام أطول أمدا ، وأعرض مجالا ، من تلك التي شنها عليه المشركون والوثنيون - على ضراوتها - قديما وحديثا .. إن المعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاما في جملتها ، وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول ، وأما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة؛ ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونية العالمية ، وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإسلام في طول الأمد وعرض المجال إلا معركة الصليبية)[126] ، حتى هذه كانت بوازع من اليهود وتأليف لهم على أهل الإسلام ، قال الشعراوي (الولاء بين الكافرين واليهود جاء لهم بعد أن كانوا أعداء ، لكنهم اتحدوا بعد ذلك ضد المؤمنين ، فإذا كان هذا حدث بين الكفار واليهود؛ فيجب على المؤمنين أن يكون بعضهم أولياء بعض)[127]..

 

 وهؤلاء جميعا جمعهم الله تعالى في قوله (الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) فلقد أمنوا ببعض كتبهم ولم يؤمنوا بها جميعا ، ولذلك كانت حقيقة إيمانهم أنهم أمنوا بالجبت والطاغوت ، ولم يؤمنوا بالله ولا بكتبه ، وليس لهم نصيب من الكتاب إلا اسمه .

 

وفي قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) (52) إشارة إلى هؤلاء المتآمرين على الإسلام والمسلمين ، هؤلاء اليهود وأتباعهم من النصارى المحاربين ، أو ما يسمى بمصطلح (اليهود المتنصرين) ، يخبرنا المولى سبحانه أنه لا نصير لهم ، وذلك من  الإعجاز السياسي الوارد في القرآن الكريم ، بأن كشف لنا الثقل السياسي لهؤلاء المتهودين والمتنصرين والمتأسلمين ، وليس لهم من اليهودية إلا اسمها ولا من النصرانية إلا اسمها ، أولئك الذين تآمروا على الإسلام والمسلمين منبوذين سياسيا ، ولا نصير لهم عسكريا ، ذلك أن تحالفاتهم العسكرية تبوء بالفشل في أول اختبار حقيقي أمام المصطفين من المسلمين .

 

قال تعالى (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ * لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ)(الحشر/11-13)

 

المسألة الرابعة : افتتانهم بالملك وحب السيطرة ، وبخلهم عن أداء أمانات الناس         

 

وفي قوله (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) (53) إفصاح عما يدور في صدور اليهود من عداوة للإسلام والمسلمين ، وبيان سببها ، بأن قلوبهم أشربت بحب الدنيا ولا يلقون بالا للآخرة ، همهم الملك وحسب

 

ولو قُدِّر لهؤلاء اليهود أن كانت الرياسة لهم والملك لمنعوا الناس حقوقهم ، ولبخلوا بها عليهم ، وبالرغم من عدم كفاءتهم في إدارة شئون الملك والحكم ، إلا أنه يتطلعون لذلك.

 

 

والنقير : (نُقْطَةٌ دَاخِلَ نَوَاةِ التَّمْرِ لاَ وَزْنَ لَهَا)[128] ، والتعبير بالنقير كناية عن شدة بخلهم ، ومنعهم إيصال الحقوق للناس ، قال رسول الله r (إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم ، سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم ، والظلم ظلمات يوم القيامة)[129]

 

المسألة الخامسة : حسدهم  يدل على تعاظم شرور النفس     

 

وفي قوله ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) حسد الكفار النبي محمد r على أن الله اختاره نبيا ورسولا ، قال تعالى (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) (القلم/51) ، لكن الله منعهم من أن تطوله أبصارهم ، وحسدوا أصحابه أن الله اختارهم لنصرته وتأييده فكانوا محل ثقته ، وقد أسند لهم مهام تبليغ الدعوة لقومهم وقيادة جيشه ، في حين أنهم كانوا يظنون أن نبي آخر الزمان سوف يكون منهم يستفتحون به على العرب ويغلبونهم به ، ولكن إرادة الله أن يمنح هذا الفضل لنبيه محمد r وأصحابه من العرب .

 

وهذا الحسد الذي بدا منهم تأكيد على ما في قلوبهم من حقد وغل ، وسادية ، وتعظيم للنفس ، ويدل في ذات الوقت فشلهم ، فالحاسد فاشل ، فبدلا من أن يفكر في النهوض من الفشل ، يحسد الذين يقومون بعد العثرة فيصنعون المجد والمعجزات ، أولئك الشاكرين لنعم الله عليهم وفضله ، فالشاكر مكتفي بما رزقه الله وآتاه من فضل ، والحاسد مهما أوتى من النعم يشعر بالعجز والفشل والحاجة والعوز ، ولذلك تراه يحسد غيره على فضل الله الذي آتاه الله لهم .

 

 من هنا حمل الحسد الحاسد على تعلم السحر أو الاستعانة بالسحرة لإيذاء المسحور ، فعَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ (لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا ، فَقِيلَ لَهُ وَمَا هُنَّ فَقَالَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ)[130].

 

قال ابن القيم (والشيطان يقارن الساحر والحاسد ويحادثهما ويصاحبها ، ولكن الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان لأن الحاسد شبيه بإبليس ، وهو في الحقيقة من أتباعه لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس وزوال نعم الله عنهم ،كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله وأبى أن يسجد له حسدا ، فالحاسد من جند إبليس ، وأما الساحر فهو يطلب من الشيطان أن يعينه ويستعينه وربما يعبده من دون الله تعالى حتى يقضي له حاجته وربما يسجد له)[131].

 

المسألة السادسة : من بطء به عمله لم يسرع به نسبه    

 

وفي قوله (فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) (54) هم يتفاخرون بأنهم نسباء لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام فمن ذريته نسل بنو إسرائيل  ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)[132]، ففي قوله (تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ) قال ابن الأثير (أي تتولّى أمورهم كما تفعل الأمراءُ والولاةُ بالرَّعيَّة ، والسِّياسةُ : القيامُ على الشيء بما يُصْلِحُه)[133] ، قال ابن علان (أي إنهم كانوا إذا ظهر فيهم فساد بعث اللّه نبياً يقيم لهم أمرهم ويزيل ما غيروه من أحكام التوراة ،وفيه إيماء إلى أنه لا بد للرعية ممن يقوم بأمرها ويحملها على الطريق ، وينصف المظلوم من ظالمه)[134].

 

 وقد ظنوا أن الريادة الدينية والدنيوية سوف تستمر على ذلك ، ولكن خاب ظنهم ، لما جاء خاتم الأنبياء من العرب وليس من نسل يعقوب عليه السلام ، فوقع الحسد لأجل ذلك أي أنهم يحسدون محمد r أنه جمع بين يديه بين السلطة الدينية والدنيوية ، وليس ذلك بجديد على الأنبياء ، فقد جمع الأنبياء قبله من آل إبراهيم بين السلطتين ، (وأوضح مثال لذلك نبي الله داود وسليمان فقد جمعا بين الأمرين بشكل ظاهر وبين بما لا يخفى على أحد)[135] ، ولكنهم كانوا يتمنون أن يختصهم الله بهذا الفضل .

 

وفي قوله (فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا)(55) ونظير ذلك قوله تعالى (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) (الصافات 113) فنسل الأنبياء ليس كلهم محسن ، بل منهم الظالم لنفسه ، ولذلك يقول النبي r (وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)[136]، قال جلال الدين السيوطي أي (من كان عمله ناقصا لم يلحقه نسبه بمرتبة أصحاب الأعمال فينبغي أن لا يتكل على شرف النسب ، ويقصر في عمله)[137].

قال المباركفوري أي (لم يقدمه نسبه يعني لم يجبر نقيصته لكونه نسيبا في قومه ، إذ لا يحصل التقرب إلى الله تعالى بالنسب بل بالأعمال الصالحة) قال تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وشاهد ذلك أن أكثر علماء السلف والخلف لا أنساب لهم يتفاخر بها بل كثير من علماء السلف موال ، ومع ذلك هم سادات الأمة وينابيع الرحمة وذوو الأنساب العلية الذين ليسوا كذلك في مواطن جهلهم نسيا منسيا)[138] ، ولذلك قيل (إن الله سيرفع بهذا الدين أقواما ويضع آخرين)[139].

 

وهكذا نجد في كل زمان فريقين ، فريق آمن بالأنبياء ، وفريق لم يكتف بالكفر بهم بل صد عن سبيل الله ، فحق عليهم أن يسعروا في جهنم ، ولأجل هذا شرع الجهاد في سبيل الله ، لتخلية طريق الدعوة من هؤلاء الصادين عنه ، فالجهاد ليس عقوبة لهم ، فعقوبتهم في الآخرة ، وإنما هو إجراء ضروري لإيصال الدعوة لأهل هؤلاء الصادين عن سبيل الله .

 

قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) (56) بيان لجزاء الفريق الذي كفر ولو كانوا من نسل الأنبياء ، قال ابن عاشور (تهديد ووعيد لجميع الكافرين، فهي أعم مما قبلها، فلها حكم التذييل، ولذلك فصلت)[140] .

 

والآثار تدل على أن الله يضاعف أجساد أهل النار ليتضاعف عليهم العذاب ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ)[141]، قال النووي (هذا كله لكونه أبلغ فى إيلامه ، وكل هذا مقدور لله تعالى)[142]، قال المناوي (وإنما جعل كذلك لأن عظم جسده تضاعف في إيلامه)[143] .

 

قال ابن الجوزي (في تعظيم خلق أهل النار خمس فوائد :-

إحداهن زيادة عذابهم لأنه كلما عظم العضو كثر عذابه لاتساع محال الألم

والثانية لتشويه الخلقة

والثالثة ليزدحموا فإن الإزدحام نوع عذاب كما قال تعالى (مقرنين في الأصفاد) (إبراهيم/49)

والرابعة ليستوحش بعضهم من بعضهم فإن الأشخاص الهائلة المستبشعة عذاب أيضا

والخامسة أن يكون جميع أجزاء الكافر التي انفصلت منه في الدنيا حال كفره أعيدت إليه لتذوق جميع أجزائه العذاب)[144].

 

قوله (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) (57) توصيف مجمل للنعيم بما يتضمن أظهر أركانه من أسباب الرزق الواسعة، وجمال المنظر والأنس بالأزواج المطهرة ،والترف والنعيم في الظلال الوافرة .

 

 فإذا كان خير متاع الدنيا المرأة الصالحة كما قال النبي r (خَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)[145] ، فناسب كذلك ذكرها على وجه الخصوص ضمن متاع الآخرة في صورة مطهرة من الرفث والحيض ، قال قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ (مُطَهَّرَةٌ ) (مِنْ الْحَيْضِ وَالْبَوْلِ وَالْبُزَاقِ)[146] .

 

ومن جهة أخرى فإن خير متاع للمرأة الجنان الواسعة والظلال الظليلة ، ففي ذكرها تفصيلا في هذه الآية تذكير لها بمتاع الأخرة وتصبير لها على مشاق الدعوة ، وأعباء المسئولية وتكاليف الزوجية ، فهي مكلفة كما أن زوجها مكلف  .

 

 

[1] ) فيض القدير ج3 ص 276

[2] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج6 ص 150 رقم 5820

[3] ) الألوسي : روح المعاني ج5 ص 44 مع بعض التصرف

[4] ) رواه ابن ماجة في سننه ج1 ص 259 رقم 219 وصححه الألباني صحيح ابن ماجة ج1 ص 43 رقم 182

[5] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 317

[6] ) تفسير الرازي ج 5 ص 219

[7] ) تفسير الرازي ج 1 ص 1458

[8] ) تفسير الشعراي ج1 ص 900

[9] ) سلسلة التفسير لمصطفى العدوي ج10 ص 9

[10] ) ابن عاشور : التحرير التنوير ج5 ص 72 ط التونسية أو ج1 ص 959

[11] ) بن عطية الأندلسي : المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج2 ص 75

[12] ) رواه البخاري ج1 ص 176 رقم 98

[13] ) تفسير حقي ج2 ص 479

[14] ) علي بن نايف الشحود : لماذا يمزق القرآن ص 60  اللباب في علوم الكتاب لأبي حفص سراج الدين الدمشقي ج5 ص 185

[15] ) سلسلة التفسير لمصطفى العدوي ج10 ص 10

[16] ) في هذا المعنى تفسير الشعراي ج1 ص 1557

[17] ) الغزالي : إحياء علوم الدين ج4 ص 104

[18] ) أردشير هو اسم لعدة ملوك فرس، لكن أشهرهم هو أردشير الأول (أردشير بابكان)، مؤسس الإمبراطورية الساسانية في القرن الثالث الميلادي، والذي وحد بلاد فارس بعد إسقاط الإمبراطورية البارثية، وتعتبر سيرته مثالاً للحكم الصالح في الفكر السياسي الإسلامي

[19] ) بدائع السلك في طبائع الملك ج1 ص 6

[20] ) السياسة الشرعية لابن تيمية ص 217

[21] ) الشهرستاني : نهاية الإقدام في علم الكلام" ت. 548هـ  منشور في مجلة الوعي العدد 43 السنة الرابعة 1990 ، بيع ثاني 1411هـ 

: https://www.al-waie.org/archives/article/12032

[22] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 125

[23] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 182

[24] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 182

[25] ) تفسير الرازي ج5 ص 222

[26] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 125

[27] ) الأقوال الثلاثة في غريب الحديث للحربي ج2 ص 456

[28] ) Donmeh "الدونمه" كلمة تركية بمعنى «المرتدين»:

راجع د عبد الوهاب المسيري : استاذ العقيدة الإسلامية جامعة الأزهر : موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ج14ص 343 - صيد الفوائد -

[29] ) القسم العام الملتقى العلمي للتفسير وعلومالقرآن لا تقولوا راعنا 24236https://vb.tafsir.net/forum/

من كتاب: "التفسير الغائب"تأليف: عطية زاهدة

[30] ) صحيح البخاري ج13 ص 392

[31] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج12 ص 273

[32] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج26 ص 396

[33] ) الصارم المسلول ج1 ص 245

[34] ) رواه البخاري ج21 ص 487 رقم  6562

[35] ) ابن القيم بدائع الفوائد ج2 ص 308

[36] ) البحر المحيط ج4 ص 163

[37] ) رواه البخاري ج9 ص 176 رقم 2483

[38] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 26 رقم 4010 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2 ص371 رقم 3247

[39] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 642 – النهاية في غريب الأثر لابن الأثير ج3 ص 302

[40] ) حاشية السندي على ابن ماجة ج6 ص 366 رقم 3375

[41] ) حاشية السندي على النسائي ج8 ص 313

[42] ) رواه البخاري ج17 ص 298

[43] ) سليمان بن محمد اللهيميد السعودي: إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج4 ص 43 – محمد الفضيل الشبيهي : الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج8 ص 14 نقلا عن ابن العربي

[44] ) صحيح البخاري ج5 ص 2123 رقم 5268 - تحقيق د مصطفى ديب البغا :

[45] ) رواه ابن ماجة ج10 ص 161 رقم 3375 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 243 رقم 2729

[46] ) رواه البخاري ج22 ص 69 رقم 6637 ومسلم ج 10 ص 254 ، 257

[47] ) رواه البخاري ج19 ص 86 رقم 5659

[48] ) عبد المحسن العباد : شرح سنن أبي داود ج21 ص 365

[49] ) https://www.youtube.com/watch?v=_-185TjX7LM

[50] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 153

[51] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 184

[52] ) رواه البخاري ج14 ص 127 رقم 4243

[53] ) في ظلال القرآن ج2 ص 146

[54] ) رواه أحمد في مسنده ج45 ص 180 رقم 21185 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات الكاملة ج1 ص 369 رقم 370 وقال (و هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح) ، انظر تخريج الإحياء حكم المحدث إسناده جيد رجاله رجال الصحيح

[55] ) رواه البخاري ج5 ص 318 رقم 1376

[56] ) في ظلال القرآن ج2 ص 146

[57] ) رواه البخاري ج12 ص 331 رقم 3647

[58] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج8 ص 17

[59] ) تفسير ابي أبي حاتم ج4 ص 187

[60] ) النكت والعيون ج1 ص 303

[61] ) تفسير ابي أبي حاتم ج4 ص 187

[62] ) في هذا المعنى الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 962

[63] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 187

[64] ) رواه مسلم ج11 ص 405 رقم 4240

[65] ) تفسير السعدي ج1 ص 181

[66] ) قال الماوردي  (فيه قولان ، أحدهما : أن طمس الوجوه هو محو آثارها حتى تصير كالأقفاء ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى ، وهو قول ابن عباس ، وقتادة ، والثاني : أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها ، أي في ضلالها ذمّاً لها بأنها لا تصلح أبداً ، وهذا قول الحسن ، والضحاك ، ومجاهد ، وابن أبي نجيح ، والسدي) .

( النكت والعيون ج 1 ص 303 )

[67] ) البحر المديد ج1 ص 435

[68] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج15 ص 271

[69] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج4 ص 149

[70] ) رواه البخاري ج17 ص 298

[71] ) الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج8 ص 14

[72] ) الشيخ محمد صالح بن العثيمين : https://www.alathar.net/home/esound/index.php?op=codevi&coid=116811

[73] ) فتح الباري لابن حجر ج6 ص 453

[74] ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج2 ص 352 رقم 3254 وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال الذهبي في التلخيص صحيح 

[75] ) رواه مسلم ج13 ص 140 رقم 4815

[76] ) فيض القدير ج2 ص 322

[77] ) رواه أحمد ج5 ص 305 رقم 3255 وصححه الألباني

[78] ) السلسلة الصحيحة  ج4 ص 439 رقم 1824

[79] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 325

[80] ) تفسير الطبري ج8 ص 448

[81] ) رواه مسلم ج14 ص 275 رقم 5315

[82] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 124

[83] ) رواه البخاري ج13 ص 394 رقم 4117

[84] ) رواه مسلم ج14 ص 254 رقم 5300

[85] ) رواه البخاري ج18 ص 147 رقم 5379

[86] ) رواه البخاري ج 8 ص 369 رقم 2295

[87] ) فتح الباري ج3 ص 111

[88] ) اقرأ في هذا الصدد مقال كتبه أكرم السيسي بجريدة الشروق - الجمعة 2 فبراير 2024 – بعنوان : نرجسية إسرائيل.. وهيستيريا الهزيمة

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?

ينسب مصطلح «النرجسية» إلى أسطورة يونانية تحكى أن شابا اسمه نركسوس Narcisse كان آية فى الجمال، لكنه كان مغرورا مترفعا عن كل من يحبه ويعجب به، فعشق نفسه حتى الموت، والنرجسية تعنى حب النفس، وتمثل حالة من الاضطراب فى الشخصية حيث تتميز بالغرور، والتعالى، والتكبر، والشعور بالأهمية ومحاولة الكسب ولو على حساب الآخرين.

وتشخص «الشخصية النرجسية» (Narcissistic personality) بأنها حالة مرضية تؤثر على الصحة «العقلية» للإنسان الذى ينتابه شعور مبالغ فيه بأهميته، ويحتاج إلى الاهتمام والإطراء من الآخرين بشكل زائد، بل ويسعى إلى ذلك؛ ويفتقر الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب إلى القدرة على فهم مشاعر الآخرين أو الاهتمام بها؛ فالنرجسيون لا يهتمون إلا بأنفسهم، وتعد النرجسية إحدى سمات الشخصيات الثلاث فى ثالوث الظلام إلى جانب كل من المكيافيلية والاعتلال النفسى، وعادة ما تمثل النرجسية مشكلة فى علاقات الفرد مع ذاته ومع الآخرين.

كما يصاحب الشخصية النرجسية شعور غير عادى بالعظمة، وأنه شخص نادر الوجود أو أنه من نوع خاص فريد لا يمكن أن يفهمه إلا خاصة الناس، ينتظر من الآخرين احتراما من نوع خاص لشخصه ولأفكاره، وهو استغلالى، ابتزازى ووصولى يستفيد من مزايا الآخرين، وظروفهم فى تحقيق مصالحه الشخصية، بالإضافة إلى أنه غيور، متمركز حول ذاته، يستميت من أجل الحصول على المناصب، لا لتحقيق ذاته وإنما لتحقيق أهدافه الشخصية.

ويميل النرجسيون نحو إعطاء قيمة عالية لأفعالهم وأفضالهم والبحث عن المثالية لدى آبائهم أو فى أصولهم العرقية، ويبحثون فى معتقداتهم الدينية لبث هذه الروح، هكذا تلعب التفاسير البشرية التى كثيرا منها يخطئ فى حق النصوص المقدسة، وهذه خطورة خلط الدين بالسياسة؛ نرى ذلك واضحا عند «بنى إسرائيل» الذين يعتبرون أنفسهم «شعب الله المختار»، فجاء تفسيرهم لهذه المقولة لتستثنيهم من كل البشر، وتميزهم على كل شعوب الأرض؛ ومما لا شك فيه أن هذا التفسير دليل قاطع على تحريف بنى إسرائيل لشريعة الله ومقاصدها فى التوراة، وذلك لأن الرسل جميعا بعثوا للأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والمساواة بين الناس، - فليس من المتصور - أن يدعو سبحانه تعالى لعنصرية تقوم على العرق أو النسب، ونجد فى القرآن الكريم ما يؤكد هذا التحريف فى قوله: «من الذين هادوا يحرفون الْكلم عنْ مواضعه...» (النساء: 46)

[89] ) رواه البخاري ج5 ص 201 رقم 1308

[90] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 193

[91] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 126

[92] ) تفسير الطبري ج8 ص 456

[93] ) العبية : الكبر ، والنخوة ، بضم العين وكسرها. - شرح السنة للبغوي ج13 ص 124

[94] ) رواه أبو داود ج13 ص 320 رقم 4452 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج11 ص 116 ، وانظر صحيح الترمذي ج3 ص 254 رقم 3101

[95] ) تحفة الأحوذي ج10 ص 317 ، ابن الأثير الجزري : النهاية في غريب الأثر ج3 ص 369

[96] ) عون المعبود ج14 ص 16 ، تحفة الأحوذي ج10 ص 317

[97] ) عون المعبود ج14 ص 16 يقصد البراز وهو فضلات الكائنات كالروث

[98] ) رواه مسلم ج13 ص 251 رقم 4899

[99] ) رواه البخاري ج11 ص 194 رقم 3144

[100] ) رواه مسلم ج13 ص 438 رقم 5043

[101] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج1 ص 485 رقم 787

[102] ) رواه ابن أبي شيبة ج13 ص 276 رقم 35621

[103] ) قطعت عنق صاحبك : أي عرضته للهلاك كأنه خاف ذلك من جهة الإعجاب حين أفرط في مدحه / محمد بن أبي نصر الحميدي : تفسير غريب ما في الصحيحين ج1 ص 28

[104] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 323

[105] ) رواه البخاري ج9 ص 150 رقم 2468

[106] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 126

[107] ) رواه البخاري ج4 ص 464 رقم 1166

[108] ) رواه مسلم ج13 ص 60 رقم 4754

[109] ) رواه مسلم ج13 ص 251 رقم 4899

[110] ) مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح ج8 ص 475

[111] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 366 رقم 4298 صحيح ابن ماجة للألباني ج2 ص 430 رقم 3477

[112] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 762

[113] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 763

[114] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 1029

[115] ) مختار الصحاح ج1 ص 517

[116] ) تفسير القرطبي ج5 ص 248 – البحر المحيط ج4 ص 172

[117] ) ابن كثير ج2 ص 334 ، تفسير ابن أبي حاتم ج3 ص 974، كنز العمال ج2 ص 355

[118] ) تفسير الطبري ج8 ص 463 عن سعيد بن جبير ، وعن أبي عالية وعن مجاهد والشعبي ، وابن تيمية : أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ج1 ص 100

[119] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1583

[120] ) مجموع الفتاوى ج7 ص 559 مع شيء من التصرف

[121] ) أبو الليث السمرقندي : بحر العلوم ج1 ص 335 دار الفكر

[122] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 201

[123] ) البداية والنهاية ج4 ص 8

[124] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج11 ص 251 رقم 11671

[125] ) تفسير السعدي ج1 ص 182

[126] ) في ظلال القرآن ج2 ص 415

[127] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3348

[128] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 617

[129] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 166 رقم 470 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 191

[130] ) موطأ مالك ورجاله ثقات ج5 ص 1388 رقم 3502

[131] ) التفسير القيم لابن القيم ج2 ص 295

وقال (وفي كتب السحر والسر المكتوم من هذا عجائب ولهذا كلما كان الساحر أكفر وأخبث وأشد معاداة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين كان سحره أقوى وأنفذ ولهذا كان سحر عباد الأصنام أقوى من سحر أهل الكتاب وسحر اليهود أقوى من سحر المنتسبين إلى الإسلام وهم الذين سحروا رسول الله

والمقصود أن الساحر والحاسد كل منهما قَصْده الشر لكن الحاسد بطبعه ونفسه وبغضه للمحسود والشيطان يقترن به ويعينه ويزين له حسده ويأمره بموجبه ، والساحر بعلمه وكسبه وشركه واستعانته بالشياطين

[132] ) رواه البخاري ج11 ص 271 رقم 3196

[133] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 1031 – حاشية السندي على ابن ماجة ج5 ص 482 رقم 2862

[134] دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج5 ص 131

[135] ) أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري ج 1 ص 271

[136] ) رواه مسلم ج13 ص 212 رقم 4867

[137] ) الديباج على مسلم ج6 ص 57

[138] ) تحفة الأحوذي ج8 ص 216

[139] ) جامع الأحاديث ج37 ص 6

[140] ) التحرير والتنوير ج4 ص 158

[141] ) رواه مسلم ج14 ص 2 رقم 5090

[142] ) شرح النووي على مسلم ج17 ص 186

[143] ) فيض القدير ج4 ص 335

[144] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 1035

[145] ) رواه مسلم ج7 ص 397 رقم 2668

[146] ) رواه البخاري ج11 ص 17 موقوفا

  • الاحد PM 04:50
    2026-01-04
  • 44
Powered by: GateGold