المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1041096
يتصفح الموقع حاليا : 347

البحث

البحث

عرض المادة

فقه صلة الأرحام ، وتوسيع دائرة الإحسان وتحديد مرتبته

د / احمد نصير

المبحث الخامس

 فقه صلة الأرحام ، وتوسيع دائرة الإحسان وتحديد مرتبته

 

قال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

 

استكملت الآيات من (36- 43) بعضا من صفات المنافقين ، ولكن بطريق إسدال النصح للمؤمنين بأن يتحلوا بضدها ، ليخلصوا عبادتهم لله تعالى ، ويحسنوا لوالديهم وأصحاب الحقوق عليهم ، لكن المنافق حاله بالعكس من ذلك ، فأول من يسيء إليهم أصحاب الحقوق عليه ، فيشرك بالله ويعق والديه ويهضم حق القريب واليتيم والمسكين والجيران وابن السبيل وملك اليمين ، وتراه أكثر الناس بخلا عن إيصال الحقوق لأصحابها ، وإن اضطر لفعل ذلك فهو يرائي الناس ، فعبادته شرك ومردودة عليه ، ولم يُظلم شيئا ، فقد وصله البلاغ وشهد عليه النبي r ، كما تشهد عليه جوارحه يوم القيامة ، وعندئذ لا يستطيع أن يكتم أو يكذب شيئا مما فعل  ، فلا يقدر أن يظهر بعد ذلك نفاقه ، وقد قامت عليه الحجة ، فإيمانه غير مقبول ، ولا يصح منه شيئا في الآخرة ، كما لا تصح صلاته بغير تعقل أو طهور .  

 

بهذا انتقلت الآيات من نطاق الأسرة المسلمة إلى نطاق المجتمع المسلم ، وهو نطاق أوسع والعلاقات فيه أكثر تشعبا وتعددا ، والحقوق فيه تتزايد كما أن العدوان عليه أكثر ، فابتدأت - الآيات- بالأمر بإخلاص العبادة الله تعالى والإحسان لأصحاب الحقوق ، ابتداء من الوالدين وانتهاء بعابر السبيل والأسرى مما ملكت الأيمان ،.... وهؤلاء أوصانا النبي r بالإحسان لهم فقال (إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ)[1] ، وقال في سائر أصحاب الحقوق علينا (السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ )[2].

 

وبهذا كذلك تكون الآيات قد كشفت وجها آخر من النفاق في إطار أوسع من نطاق الأسرة ، الذين يبخلون ولا يعطون الحقوق لأصحابها ، وإن صدر منهم شيء من الوفاء فقد حملهم على ذلك الرياء وحب الشهرة ، ظنا منهم أنهم فازوا ونجوا ، لكن صنيعهم صار من البشاعة وكأنهم قرناء للشيطان " وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا " ، في حين أن أهل الإيمان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

 

 فهؤلاء وإن ظنوا أنهم ألفتوا من العقوبة بعدما بلغوا من الفساد درجة أن اقترن الشيطان بهم ، فإنهم لن يخفوا عن الله ، فقد أقام الرسول شهيدا عليهم في الآخرة ، كما تشهد عليهم جوارحهم وتحدث الله بما كانوا يكتمون.

          

 ولما كان الله قد فرض الإحسان في أداء الحقوق ، وكان حق الله تعالى أولى بالأداء ، وكان هؤلاء المنافقون مضيعيين لحقوق الناس ، فإنهم إزاء حقوق الله تعالى مضيعيين كذلك ، ولذلك جاء النداء القرآني للذين آمنوا بالنهي عن إتيان الصلاة في حال السكر أو الجنابة ، لتقوم الصلاة على عمل العقل وطمأنينة الجوارح بعد استيفاء أسباب الطهارة الحكمية ، هكذا يتحقق الإحسان في العبادة لله كما يتحقق مع العباد ،  وذلك كله لوجه الله بإخلاص ، وفي ذكر الشرائط الصلاة والغسل والوضوء والتيمم ، كل ذلك يشير إلى أن العلاقة بين التقوى وصلة الأرحام أشبه بالعلاقة بين الصلاة وتحقق شرائطها من التعقل والطهارة ، فكما أنها لا تصل إلا بذلك ، فكذلك التقوى لا يتحقق مناطها إلا بصلة الأرحام والإحسان للغير ، فصلة الأرحام تدور حولها عبادات الإسلام ، فالمسلمون يجتمعون للصلاة ويتراحمون فيما بينهم ، وكذلك يفعلون ، وبقدر الصلة تتضاعف حسناتهم ، ولذلك فإن هذا المبحث ينقسم إلى أربعة مطالب :-

 

المطلب الأول : التلازم بين الإحسان مع الله والإحسان مع الناس

المطلب الثاني : البخلاء بالإحسان هم الكاتمون لنعم الله والمرائون في النفقات والمضيعون للصلوات

المطلب الثالث : إصلاح العقيدة ببيان أن الحسنات تتضاعف بقدر الصلة ، والسيئات بقدر كتمان النعمة .

المطلب الرابع : إصلاح العبادة يأتي في المرتبة التالية لإصلاح الاعتقاد في الله والعلاقات الإنسانية بين البشر

 

 

 

 

المطلب الأول

التلازم بين الإحسان مع الله والإحسان مع الناس

 

قوله (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) {النساء/36} حضت الآية على إقتران الإخلاص في العبادة لله ، والإحسان  في المعاملة مع العباد ، قال ابن عاشور " والمناسبة هي ما أريد جمعه في هذه السورة من أحكام أواصر القرابة في النسب والدين والمخالطة" ، إذ ينبغي أن تنبع التصورات الأساسية للعلاقات الإنسانية من "العقيدة الإسلامية" ، وتقوم عليها المناهج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والعالمية ، وبهذه المثابة تصير المعاملات –في ذاتها - عبادات متى كانت في إطار شرع الله الذي أنزله ، لكونها - أي المعاملات الإنسانية - تنبثق من منهج رباني ، فتتلقى منه وحده مصدر مشروعيتها وغايتها .

 

 وقد ألمح صاحب الظلال إلى الربط بين آية الإحسان واتصالها بعبادة الله وتوحيده ، "هذه العبادة وهذا التوحيد واسطة ما بين دستور الأسرة المسلمة ، ودستور العلاقات الإنسانية الواسعة ليصلها جميعاً بتلك الآصرة التي تضم الأواصر جميعاً ؛ وليوحد المصدر الذي يشرع في شأن هذه الأواصر جميعاً"[3].

 

ففي قوله (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) تصدير لتوحيد "العبادة" أو ما يسميه العلماء بتوحيد "الألوهية"  ، وقد سمي بتوحيد عبادة لأن ما يصدر من العبد مبناه التعبد لله وحده ، وسمي (إلهية) لأن مبناه على المحبة وعلى تأله القلب ، وسمي توحيد "القصد" لأن مبناه على أن يكون القصد لله وحده، فيقصد ربه ، وسمي كذلك توحيد "الإرادة" لأن النية والإرادة يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا، وكل هذا يصدر من العبد)[4] ، قال القرطبي (وقد تضمن معنى العبودية التذلل والافتقار لمن له الحكم والاختيار؛ فأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص فيه)[5] ، أي أن توحيد العبودية يتضمن بحكم اللزوم توحيد الألوهية  .

  فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ "حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [6]، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" ، قال القرطبي " أجمع العلماء على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ، وكذلك هي في جميع الكتب ، ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب"[7]، قال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) "، قال القرطبي (فالآية – أي : أية الإحسان في سورة النساء- أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره)[8].

 

فالأصل تنزيه عبادة الله تعالى عن الشرك ، فإن أصاب العبادةَ شيءٌ من الشرك بالله فقد حبط عمل المرائي ، لقول رَسُولِ اللَّهِ r "قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ"[9]  ، فالله (لا يحتاج إلى أحد في شيء ، وكل أحد يحتاج إليه ، فهو الغني المطلق)[10] ، ومنه قوله تعالى: (وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15] .

 

قال ابن الجوزي (اعلم أن الأعمال ثلاثة :-

  • عمل خالص لله وهو ما لم يقصد به سواه فهذا المقبول
  • وعمل لأجل الخلق لولاهم ما عمل فهذا المردود
  • وعمل يجتمع فيه قصد الحق والخلق مثل أن يصلي قاصدا للثواب ثم يدرج ضمن ذلك قصد مدحة الخلق وأن يروه بعين التعبد ، فهذا المراد بالشرك في هذا الحديث وهو إلى الرد أقرب) [11]

 

قال الله تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) فلفظ (أحدا) مطلق في نفي الشرك حتى قال بعض العلماء : (إنه من تطهر –أي توضأ- تبردا –من الحر- أو صام محما لمعدته ، ونوى مع ذلك التقرب لم يجزه ؛ لأنه مزج في نية التقرب نية دنياوية وليس لله إلا العمل الخالص)[12]؛ كما قال تعالى: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) .

 

بذلك تميز الإسلام عن أي منهج تهذيبي أو سلوكي وضعي ، وتميز القرآن عن أي كتاب تربوي أو أخلاقي ، فغاية الإسلام من اتباع المسلم لسلوك الإحسان مع الغير أن يكون قصده وجه الله سبحانه ، أما غير المسلم فإنه لا يقصد من الإحسان وجه الله ، وإن قصده فهو يقصد معه غيره ، وبذلك يحبط عمله ، قال رَسُولُ اللَّهِ r " إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا " [13]، قال النووي (أجمع العلماء على أن الكافر الذى مات على كفره لا ثواب له فى الاخرة ، ولا يجازى فيها بشيء من عمله فى الدنيا متقربا إلى الله تعالي) [14] .

 

وفي قوله (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) رفعا لمكانة الوالدين في الإسلام وترتيبا حقهما تاليا لحق الله تعالى مباشرة ، فإعلاءً  لحقهما قرن الله تعالى البرَّ لهما ، والإحسان إليهما ، بحقه على الناس سبحانه أن يعبدوه وحده لا شريك له ، فعن عَبْدِ اللَّهِ - بن مسعود رضي الله - عنه قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ r أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ (ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[15] ، فالإحسان إليهما أولى من الإحسان لغيرهما ، ومن لم يحسن لهما فلا ينتظر الناس منه إحسانا ، فالناكر لفضل والديه عليه لن يقر بفضل غيرهما .

 

 فعن أبي هريرة : أن النبي r رقى المنبر فقال (آمين آمين آمين) قيل له يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ فقال (قال لي جبريل رغم أنف عبد أدرك أبويه أو أحدهما لم يدخله الجنة) قلت (آمين) ثم قال (رغم أنف عبد دخل عليه رمضان لم يغفر له) فقلت آمين ثم قال (رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك) فقلت (آمين)[16] .

 

والمقصود بالوالدين "الأصلين" وإن علوا  "كالجد والجدة" ، وحقيقة الإحسان لهما التصرف بما يرضيهما ، والامتثال لأمرهما بما لا يخالف الشرع ، (ولم يخص سبحانه نوعا –واحدا- من أنواع الإحسان إليهما ليعم جميع أنواعه -كلها-من الاحترام والتقدير، وصلتهما ، والدعاء لهما ،وغير ذلك)[17] ، فمن صور البر لهما قضاء الديون عنهما ، والإحسان إلى أهل ودهما بعد موتهما ، وغاية برهما "إرضاءهما في غير معصية" ، فعَنْ اَلنَّبِيِّ r قَالَ (رضا الرب في رضا الوالد ، وسخط الرب في سخط الوالد)[18] .

 

 وعليه فإن الأمر يحتاج إلى جهد ومجاهدة ليتحقق البر بلا كسل ، وليدوم البر ولا ينقطع ، ولذلك قال رَسُولُ اللَّهِ r «لاَ يَجْزِى وَلَدٌ وَالِدًا إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» [19]، فمن أجمل صور البر أن يكون الابن سببا لعتق أبيه وإنقاذه من النار ، بأن يكون كافرا فيحمله بره له على دخول الإسلام، فيعتقه من النار  .

 

 وليس ذلك بشرط لدوام البر ، فعن  أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ "قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r قُلْتُ وَهِيَ رَاغِبَةٌ ، أَفَأَصِلُ أُمِّي قَالَ نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ" [20] ، ففي قولها (وهي رَاغِبَةٌ) قال ابن الجوزي (فيه قولان أحدُهما رَاغِبَةٌ عن دِيني والثَّانِي رَاغِبَةٌ في صِلَتِي)[21] ، (وهي راغبة قيل معناه راغبة عن الإسلام كارهة له)[22] ، (واختلف العلماء في أنها أسلمت أم ماتت على كفرها ، والأكثرون على موتها مشركة)[23].

 

وفي قوله (وَبِذِي الْقُرْبَى) ذلك أن الأقربين أولى بالمعروف ، كما أنهم أولى الناس بتبليغ الدعوة ، كما في قوله (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء/214) ، فإنهم أولى الناس بإيصال الإحسان إليهم .

 وترتيبهم جاء بعد توحيد العبادة لله تعالى والإحسان للوالدين لاستظهار أن الإسلام يبني الصلة الأولى للإنسان بالله تعالى ، ثم بعد هذه الصلة تتصل سائر الصلات في الله ، ومنها بر الوالدين وصلة الأرحام والأقرباء ، ولتنهدم عرى الجاهلية القائمة على العصبية القبلية ، وتحل محلها عرى الإسلام التي تربط الصلة بين المسلمين على أساس الأخوة في الدين ، وتقيم رابطة الرحم والقربى من خلال وشيجة الصلة بالإسلام ، كما تجعل المسلمين يحسنون الصلة مع الغير على أساس القرابة لآدم عليه السلام ، فهي قرابات لها درجات متفاوتة ولها مراتب في القوة.

 

كما قطع الإسلام مسافة بعيدة في تعميق معنى حق القربى وصلة الإرحام تفوق حرص العرب -أنفسهم-على حق القريب وذي الرحم ، فلم يكتفِ بمكافأة الصلة بمثلها ، بل أوجب صلة الرحم وإن قطعت من  الطرف الآخر ، كما في قوله r (لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)[24] ، و(معناه ليس الواصل رحمه الذي يصلهم مكافأة لهم على صلةِ تقدمت منهم إليه، فكافأهم عليها بصلة مثلها)[25].

 

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ ، فَقَالَ لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) [26]، قال النووي (ومعناه كأنما تطعمهم الرماد الحار ، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم ، ولا شئ على هذا المحسن ، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه ، وقيل معناه إنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف المل) [27].

 

والإنشغال بأمور الدعوة إلى الله لابد وأن لا يتعارض مع الإنشغال بالأهل وتربية الأولاد ورعاية مصالحهم ، فرعاية الأهل وبرهم وصلتهم من أهم أبواب الدعوة إلى الله تعالى وفي مقدمتها ، فعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ أَتَيْنَا النَّبِيَّ r وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا فَقَالَ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ، وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)[28]، وهكذا اضطروا الإقامة عند النبي r عشرين ليلة لكن النبي r ألزمهم الرجوع لأهلهم لتعليمهم بقدر ما يكفيهم ، وإن اضطروا لمفارقتهم لتلقي العلم من النبي r فيجب عليهم أن يرجعوا كل فترة لأداء واجبهم نحو أهلهم ، فذلك هو الإحسان لهم كما أمر الله .

 

وقد يخطئ البعض عندما يترك أهله -هملا - بحجة الانشغال بأعمال البر متناسيا أن أولى الناس بالبر أهل قرابته ، قَالَ النَّبِيُّ r (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ)[29] ، وعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (تَقُولُ الْمَرْأَةُ إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي ، وَيَقُولُ الْعَبْدُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي وَيَقُولُ الِابْنُ أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي) ، فَقَالُوا (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ لَا هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ)[30] ، (أي ممّا عنده من العِلم المُقْتَنَى في قَلبْه كما يُقْتَنَى المال في الكِيس)[31] ، وهو تفسير قوله (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) ، فإعالة الأهل أول واجبات الإحسان لهم وأهمها .

 

 قال المهلب : (النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع ، وهذا الحديث حجة فى ذلك) ، وقوله عليه السلام : (وابدأ بمن تعول) ، ولم يذكر إلا الصدقة يدل أن نفقته على من يعول من أهل وولد محسوب له فى الصدقة ، وإنما أمرهم الله أن يبدءوا بأهليهم خشية أن يظنوا أن النفقة على الأهل لا أجر لهم فيها ، فعرفهم عليه السلام أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غيرهم إلا بعد أن يقوتوهم)[32]، (وقد استدل بقوله "إما أن تطعمني وإما أن تطلقني" من قال يفرق بين الرجل وامرأته إذا أعسر بالنفقة واختارت فراقه ، وهو قول جمهور العلماء) [33].

 

والإحسان للأهل وذي القربى في الوصية دون إضرار بحقوق الورثة واجب ، ولعل ذلك بابا لاستمرار الثواب للموصي بعد موته ، فعَنْ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ r يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ بِمَكَّةَ) فَقُلْتُ (لِي مَالٌ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ) قَالَ (لَا) قُلْتُ (فَالشَّطْرِ) قَالَ (لَا) قُلْتُ (فَالثُّلُثِ) قَالَ (الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ)[34].

 

وفي قوله (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) إجمال للضعفاء المستحقين للصدقات في هذين الصنفين ليصل الإحسان إليهم ابتداءً وليس لهم نصير غير المحسنين .

 

 قَالَ رسول الله r (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ)[35]، ففي قوله (ما كان عن ظهر غنى) ، قال الخطابي أي (عن غنى يعتمده ويستظهر به على النوائب التي تنوبه كقوله r (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ غِنًى)[36]، (وفي الحديث من العلم أن الاختيار للمرء أن يستبقي لنفسه قوتا وأن لا ينخلع من ملكه أجمع مرة واحدة لما يخاف عليه من فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج من يده ، فيندم فيذهب ماله ويبطل أجره ويصير كَلًا على الناس) [37].

 

 لكن يستثنى من ذلك من كان على درجة عالية من اليقين بالله والصبر الجميل ، فله أن ينخلع من كل ماله كما فعل أبو بكر ، فعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي فَقُلْتُ الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ قُلْتُ مِثْلَهُ قَالَ وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ قَالَ أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قُلْتُ لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا)[38]، قال الخطابي (ولم ينكر على أبي بكر الصديق خروجه من ماله أجمع لما علمه من صحة نيته وقوة يقينه ، ولم يخف عليه الفتنة كما خافها على الذي رد عليه الذهب)[39] .

 

وفي توصيف المسكين قَالَ النَّبِيِّ r (لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الْأُكْلَةَ وَالْأُكْلَتَانِ وَلَكِنْ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا)[40] ، قال ابن رجب (من كتم حاجته فلم يفطن له أحق باسم المسكين من الذي أظهر حاجته بالسؤال، وأنه أحق بالبر منه)[41] ، قَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَاهُ (الْمِسْكِين الْكَامِل الْمَسْكَنَة الَّذِي هُوَ أَحَقّ بِالصَّدَقَةِ وَأَحْوَج إِلَيْهَا لَيْسَ هُوَ هَذَا الطَّوَّاف ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْي أَصْل الْمَسْكَنَة عَنْهُ بَلْ مَعْنَاهُ نَفْي كَمَالِ الْمَسْكَنَة)[42] ، قال ابن حجر (فإنه لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها ، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غنى يغنيه ويستحي أن يسأل ولا يفطن له) [43].

 

وغاية الإحسان لليتيم كفالته ، لقول النَّبِيِّ r قَالَ أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى)[44] ، وغاية الإحسان للمسكين حمله وإطعامه وكسوته ، وإن جاز تعليمه حرفة أو توظيفه في مهنة فقد كفاه بهذا الإحسان نفعا ، يقول رَسُولُ اللَّهِ r " لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ " [45]، (أي فيبيعها فيكف الله بها وجهه)[46].

 

 فإن لم يقدر المحسن على الصدقة ، فله أن يزيد من العمل والكسب لأجل الصدقة ، فإن لم يكن بحاجة للعمل ليقتات لنفسه لغناه وعدم حاجته ، فعليه أن يعمل لأجل المسكين وذوي الحاجات ، حتى وإن لم يكن هو بحاجة إلى مزيد من الكسب ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r "السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ " [47]، قال النووي (المراد بالساعى الكاسب لهما العامل لمؤنتهما والأرملة من لازوج لها سواء كانت تزوجت أم لا)[48].

 

هذا ولا يخفى أن بعض المهن تتطلب عدم الانشغال بشئ عنها ، فمن ابتلي بشيء من ذلك ، كأعمال الشرطة والقضاء والوزارات ، فله أن يزيد جهده في عمله ومهنته من باب الصدقة ، ولعل الله ينفع به أخرون ، ويرفع -بوجه عام - عن ذوي الحاجات حوائجهم،  كما في الحديث عن النبي r قال (وَلَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ يَنْتَفِعُ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ)[49]

 

وفي قوله (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ) تعداد لأصناف الجيران الذي يستحقون إيصال البر إليهم بما يفيد أن للجيرة واجب وحق يجب مراعاته ، ويستوجب الإحسان للجيران ، فمن جاور مسلما نال من إحسانه ، قال رسول الله r (أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما)[50]، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)[51].

 

وفي تحرير معنى "الجار" الموصى له بالإحسان يقصد به اللزيق وغير اللزيق مع مراعاة الترتيب في القرب ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي قَالَ "إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا"[52] ، قال الشراح : (وهذا إذا لم يمكن الإحسان إليهما جميعاً، وكان ما يراد إيصاله لا يكفي للاثنين، فلا بد من تقديم وتأخير فيقدم من كان أقرب باباً) [53]، أي الأقرب أولى من الأبعد ، قال ابن المنذر : (وهذا الحديث يدل أن اسم الجار يقع على غير اللزيق ، لأنه قد يكون له جارًا لزيقًا وبابه من سكة غير سكته ، وله جار بينه وبين بابه قدر ذراعين وليس بلزيق له ، وهو أدناهما بابًا)[54].

 

قال الصنعاني : (" الجار" عامة للمسلم والكافر والفاسق والصديق والعدو والقريب والأجنبي ، والأقرب جوارا والأبعد ، فمن اجتمعت فيه الصفات الموجبة لمحبة الخير له فهو في أعلى المراتب ، ومن كان فيه أكثرها فهو لاحق به ، وهلم جرا إلى الخصلة الواحدة ، فيعطي كل ذي حق حقه بحسب حاله) [55].

 

وفي ذلك توسعة لدائرة الإحسان بحسب الموطن والإقامة ، ليكون للجيران حقوقا على المسلمين ولو كانوا غير مسلمين ، ويكون الإسلام – بذلك - قد أسس لمبدأ المواطنة في إطار من الاعتقاد بأن الواحد الأحد قد أمر بذلك ، وبما لا يخالف عقيدة التوحيد بالله تعالى .

 

قال البخاري في(ذِي الْقُرْبَى) [56] "الْقَرِيبُ" – أي الجار القريب سكنا ونسبا ، قال عز الدين بن عبد السلام في "وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَىَ" (المناسب أو القريب في الدين أراد به المسلم) [57].

 

قال البخاري في قوله (وَالْجُنُبُ) [58]"الْغَرِيبُ" ، قال عز الدين بن عبد السلام (وَالْجَارِ الْجُنُبِ) (الأجنبي لا نسب بينك وبينه ، أو البعيد في دينه) [59]، والجنب في كلامهم :البعيد ، ومنه الجنب لبعده عن الصلاة .

 

 قال البخاري في قوله (الْجَارُ الْجُنُبُ) يَعْنِي "الصَّاحِبَ فِي السَّفَرِ" [60] ، قال عز الدين بن عبد السلام في قوله (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ) (رفيق السفر أو زوجة الرجل تكون إلى جنبه ، أو الذي يلزمك ويصبحك رجاء نفعك)[61]، مثل زميل العمل .

 

وحق الجيرة يوجب على الجيران رعاية بعضهم البعض وتدبر أحوالهم  كما قال النبي r (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع)[62]، قال المناوي (لاخلاله بما توجه عليه في الشريعة من حق الجوار)[63]، (فذلك يدل على قسوة قلبه وكثرة شحه وسقوط مروأته ودناء طبعه) [64] .

 

وقد اختلف العلماء في تحديد حد الجيرة الموجب للرعاية والاهتمام وتدبر الحال ، وقد ورد في ذلك عن الحسن البصري أنه سئل عن الجار فقال (أربعين دارا أمامه وأربعين خلفه وأربعين عن يمينه وأربعين عن يساره) [65] ، وقالت فرقة (من سمع إقامة الصلاة فهو جار ذلك المسجد وبقدر ذلك في الدور)[66] ،  ما يعني أنهم اتخذوا معيارا مكانيا لحد الجيرة بوجه عام ، وبذلك جمع الشراح والمفسرون بين الجار القريب نسبا ، والجار الأجنبي ، وبين الجار القريب بابًا ، والجار البعيد بابًا ، وبين الجار المسلم ، والجار الغريب دينًا ثم الصاحب في السفر أو ما يصاحب الإنسان ويزامله في مواطن مثل السفر ،فكلما اقتربت المسافة في الدور كلما زاد الحق..،وهكذا.

 

ولا شك أن المسألة يحدها القدرة والاستطاعة ، فلا تكليف إلا بما هو مقدور ، فمن الناس من يحتاج هو لرعاية ، ولا يقدر على رعاية غيره ، ومنهم من يرعي كل من حوله كما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يفعل .

 

وحقوق الجار كثيرة منها ما قَالَه رَسُولَ اللَّهِ r " لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ"  ، وقد ذكر العلماء أن الجار قد يحتاج إلى أن يسقف له حجرةً أو غرفةً، ويكون بحاجةٍ إلى أن يمد خشبه أو حديده إلى جدار جاره الملاصق ، فليس لك منعه، ولكن بشرط أن لا يضر الجدار.

 

 ومن أكثر صور الإحسان شيوعا بين الجيران ما روي عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا ، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ"[67]، وفي رواية ، قَالَr (إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ"[68]،فعَنْ النَّبِيُّ r قَالَ "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ"[69].

 

وأقل صور الإحسان للجار أن يأمن الجار أي شر أو أذى قد يصدر من جاره – سواء بقصد أو بدون- كالضوضاء أو الرائحة الكريهة أو رذاذ الماء ....الخ ، فعن النَّبِيَّ r قَالَ "وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ قِيلَ وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ" [70] ، قوله (بوائقه) أو (بوايقه) أي (دواهيه جمع بائقة وهي الداهية أو الامر المهلك)[71]، وفي رواية مفسرة للفظ "بوائقه" (ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه قيل : يا رسول الله وما البوائق ؟ قال : غشمه وظلمه)[72].

 

كذلك فإن واجب الجيرة يجعل للجار أولوية على غيره في شراء ملك جاره ، ولا يجوز له أن يبيع ملكه قبل أن يعرضه على جاره ، وهو ما يسمى بحق الشفعة ، لاسيما إذ كان العقار مشتركا بينهما ، فيجب ألا يجعل له شريك غيره قبل أن يعرض عليه بيع نصيبه له .

 فعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ يَا سَعْدُ ابْتَعْ – أي اشتري مني- مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ ، فَقَالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا فَقَالَ الْمِسْوَرُ وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا ، فَقَالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةً أَوْ مُقَطَّعَةً قَالَ أَبُو رَافِعٍ لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ)[73] .

 قال السندي أَيْ (الْجَار أَحَقّ بِالدَّارِ السَّاقِبَة أَيْ الْقَرِيبَة)[74] ، قال ابن حجر (قال ابن بطال استدل به أبو حنيفة وأصحابه على إثبات الشفعة للجار ، وأوَّله غيرهم على أن المراد به الشريك ، -أي على المشاع-، بناء على أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين ولذلك دعاه إلى الشراء منه)[75].

فاختلفوا هل حق الشُفعة يثبت فقط في المال الشائع أم يدخل ضمن حق الجار كذلك ، قال ابن الأثير (ويَحتجُّ بهذا الحديث من أوْجَب الشُّفعَة للجَارِ وإن لم يكن مُقَاسِماً : أي أنَّ الجَارَ أحقُّ بالشُّفعة من الذي ليس بجَارْ ومن لَم يُثْبِتْها للجار تأوَّل الجارَ على الشَّريك فإن الشريك يُسَّمى جاراً)[76].

 

وأفضل صور الإحسان للجار الستر عليه ، وعدم كشف عورته للغير، قال العلماء "الْجِوَارُ أَمَانَةٌ وَالْجَارُ عَلَيْهِ أَمِينٌ يَغُضُّ بَصَرَهُ وَيَصُمُّ أُذُنَيْهِ وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَاهُ وَيَسْدُلُ دُونَهُ حِجَابَهُ ، فَإِنْ رَأَى عَوْرَةً سَتَرَهَا أَوْ سَيِّئَةً غَفَرَهَا أَوْ حَسَنَةً بَثَّهَا وَنَشَرَهَا "[77] .

 

 وقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : (إذَا رَأَيْته عَلَى مَعْصِيَةٍ فَعِظْهُ فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ وَلَا تَفْضَحْهُ) [78]، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[79] ، قيل "المراد ستر معاصيه عن إذاعتها" [80].

 

من هذا الباب نذكر قصة لِأَبِي حَنِيفَةَ كَانَ له جَارٌ لَا يَزَالُ يَشْرَبُ حَتَّى إذَا دَبَّ الشَّرَابُ فِيهِ غَزَلَ بِصَوْتٍ يَقُولُ : أَضَاعُونِي وَأَيُّ فَتًى أَضَاعُوا .لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسَدَادِ ثَغْرٍ ، فَلَا يَزَالُ يَشْرَبُ وَيُرَدِّدُ هَذَا الْبَيْتَ حَتَّى يَأْخُذَهُ النَّوْمُ ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ فَفَقَدَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْلَةً صَوْتَهُ فَاسْتَخْبَرَ عَنْهُ فَقِيلَ : أَخَذَهُ الشُّرَطُ وَهُوَ مَحْبُوسٌ ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو حَنِيفَةَ الصُّبْحَ مِنْ غَدِهِ رَكِبَ بَغْلَتَهُ وَجَاءَ الْأَمِيرَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ وَأَنْ لَا يَنْزِلَ حَتَّى يَطَأَ الْبِسَاطَ ، فَلَمْ يَزَلْ الْأَمِيرُ يُوَسِّعُ لَهُ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى أَنْزَلَهُ مُسَاوِيًا لَهُ ، فَقَالَ : مَا حَاجَتُك ؟ فَقَالَ : إسْكَافٌ أَخَذَهُ الْحَرَسُ لِيَأْمُرْ الْأَمِيرُ بِتَخْلِيَتِهِ ، قَالَ : نَعَمْ وَكُلُّ مَنْ أُخِذَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، فَخَلَّى جَمِيعَهُمْ ، فَرَكِبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْإِسْكَافُ يَمْشِي وَرَاءَهُ ، وَلَمَّا نَزَلَ مَضَى إلَيْهِ وَقَالَ : يَا فَتَى أَضَعْنَاك ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ حَفِظْت وَرَعَيْت جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا عَنْ حُرْمَةِ الْجَارِ وَرِعَايَةِ الْحَقِّ ، وَتَابَ الرَّجُلُ عَمَّا كَانَ فِيهِ بَيْدَ أَنَّ هَذَا فِي كُلِّ ذَنْبٍ يَخْتَصُّ بِالْعَبْدِ لَا يَتَعَدَّاهُ ، فَإِنْ كَانَ يَلْحَقُ غَيْرَهُ مِنْهُ ظُلْمٌ فَخَيْرُ الشُّهُودِ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا) [81] .

 

لكن ثمة قيد على حق الجار "الجاني" في الستر عليه ، قيل هذا قبل أن يصل الأمر إلى الإمام أو القاضي ، فإن وصل إليه بلاغ بذلك فيجب عليه أن يشهد بالحق ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (النساء/135) ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ فَأُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَجَاءَ بِسَارِقِهِ إِلَى النَّبِيِّ r فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ r أَنْ يُقْطَعَ فَقَالَ صَفْوَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُرِدْ هَذَا رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ" [82]، وفي ذلك مصلحة معتبرة حيث ينغلق باب المساومات والاتفاقات والتنازلات ، وكذا الابتزاز والإكراه الأدبي والمعنوي .

مع مراعاة أنه لا يجوز شرعًا الستر على الجار إذا ارتكب جريمة تُهدد سلامة المجتمع أو حقوق الآخرين، لأن الحق العام وسلامة المجتمع مقدمة على الستر في هذه الحالات ، أما إذا كانت الجريمة شخصية وليست ذات أثر عام على المجتمع ، فيُفضل الستر وتُرجح القاعدة الشرعية القائلة بأن "الستر أفضل" مع الأخذ في الاعتبار القاعدة الفقهية "لا ضرر ولا ضرار"  ، قال الشيخ ابن عثيمين: " والمراد بالستر: هو إخفاء العيب ، ولكن الستر لا يكون محمودا إلا إذا كان فيه مصلحة ولم يتضمن مفسده ، فالمجرم لا نستر عليه إذا كان معروفاً بالشر والفساد"[83].

 

والمقصود التفرقة بين الذنوب التي تتعلق بحق الناس وتلك التي تتعلق بالعبد وربه ، فإذا تعلقت بحق الناس فلا يجوز الستر عليه حتى لا تضيع حقوق الناس أو يضاروا من جرمته مثل تخزين المخدرات تمهيدا لبيعها ، وإن كانت بين العبد وربه مثل شرب الخمر فينبغي الستر عليه حتى يتوب ، ما لم يبلغ عدد الشهود حد نصاب الموجب للحد ، كحد الزنا.

 

وفي قوله تعالى "وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ" تنويع وتوسيع لأشكال الصحبة والمزاملة ، قيل الصاحب في السفر[84] قاله - ابن عباس -، وقيل المرأة تكون بجنب الرجل – يقصد زوجته منقول عن على وابن مسعود  [85]- فهي التي قال الله فيها (وصاحبته وأخيه) (سورة عبس) ، وقيل الرفيق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر فإنه صحبك وحصل بجنبك ، ويقاس على ما تقدم الجار في العمل وكذا الزميل في الدراسة ، والجار في الملك ـ....الخ .

 

ومن أشهر الحقوق تسامعا بين الأصحاب بالجيرة حق المرور والمسيل :-

 فحق المرور : يسمح لمالك عقار بالمرور عبر عقار مجاور له للوصول إلى أرضه أو الاستفادة منها، إذا كان عقاره محبوسًا عن الطريق العام أو كانت الطرق المتاحة غير كافية، هذا الحق هو نوع من حقوق الارتفاق.

ومثله حق المسيل : هو حق ارتفاق يسمح لمياه الأمطار أو المياه الزائدة من عقار مرتفع بالمرور عبر عقار آخر (أو المرور بمحاذاته) وصولًا إلى مصرف عام أو أرض منخفضة. 

 

فعَنْ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنْ الْعُرَيْضِ – أي حفر شقا أوقناة في الأرض ليمر فيه الماء لأرضه - فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ لِمَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّكَ ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا فَقَالَ عُمَرُ لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَهُوَ لَا يَضُرُّكَ فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا وَاللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ ) [86].

 

وحسن الجوار والصحبة له نفع متعدي -لا يدانيه نفع- حيثما يهتدي الناس للإسلام ،لما يرون من حسن أخلاق المسلمين مع  الجيران والأصحاب ورفقاء التجارة والسكن ودروب الحياة وحسن تعاملهم معهم ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ r فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ r يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ r فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ r وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ"[87] .

 

وفي قوله تعالى " وَابْنِ السَّبِيلِ " تمديد لتوسعة الإسلام لدائرة الإحسان لتشمل كل من يعبر أرض الإسلام ولو مر مسرعا  كالريح المرسلة ، فلابد وأن يتنسم بنسيم هذه البلاد وينهل من خيرها ، أو تصيبه نفحة من عطرها ، لاسيما إذا كان متوكعا أو ذا حاجة أو فاقة شديدة ، فالإسلام يحث المسلمين أن يصيبوه بإحسانهم ، ولو لم يكن في الوسع أن يروه مرة أخرى ، ودون انتظار لرد الجميل أو التحية ، وبذلك يفتح الإسلام بابا للمعروف والإحسان للناس دون انتظار لأدنى منفعة ، ودون التحقيق مع شخصية المنتفع ، وبصرف النظر عن حاله وما إذا كان محسنا صالحا ، أم مسيئا عاصيا أو فسقا ، غنيا أو فقيرا ، طالما كان بحاجة للمساعدة .

 

وأقل الحقوق الواجبة لابن السبيل أن يتصدق عليه ولو بجرعة ماء ، فعن هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ) [88].

 

 وإن كان ذا حاجة أو أصابته جائحة أو فاقة فلابد من إغاثته بلا مقابل ، حتى ولو كان غنيا ذا مال طالما حال بينه وبين ماله السفر ، فعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r  قَالَ « لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ :-

لِغَازٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ

أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا

أَوْ لِغَارِمٍ

أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ

أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ ، فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِىِّ »[89]

 وفي رواية عد منهم " ابْنِ السَّبِيلِ"[90]

وهذه الرواية شارحة للرواية الأولى لأن ابن السبيل إن كان غارما فإنه تجوز عليه الصدقة لأجل ذلك ، وكونه ابن سبيل قرينة على حاجته ، ويمكن إثبات عكسها.

 

وغاية الإحسان لابن السبيل أن ينزله ضيفا عنده ، فعَنْ النَّبِيُّ r قَالَ " وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ قَالَ وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ "[91]

 وقد فاق صاحب مَدْيَن ذلك ، فأكرم موسى عليه السلام - عشر حجج - إكراما ، فزوجه ابنته واستعمله عنده ، قوله تعالى (... قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ " {القصص/20-27} .

 

وفي قوله (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) توسعة أشمل لدائرة الإحسان لتضم إليها كل ضعيف حتى لو كان عبدا مملوكا أو أمة لا تملك من أمر نفسها شيئا ، وقد حض النبي r على الإحسان في معاملتهم فقال r (إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ)[92] ، قال المناوي (حصر الخول في الإخوان أي ليسوا إلا إخوانكم ، وخص الأخوة بالذكر إشعارا بعلة المواساة)[93] .

 

 فليس من الإحسان إساءة المعاملة لهم ، كأن يشق عليهم في العمل أو يسبهم ، فعن الْمَعْرُورَ بْنَ سُويْدٍ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ لِي النَّبِيُّ r أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ"[94]، قال العلماء (يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه أو دونه أو فوقه حتى لو قتر السيد على نفسه تقتيرا خارجا عن عادة أمثاله إما زهدا أو شحا لا يحل تقتيره على المملوك وإلزامه بموافقته إلا برضاه)[95]، قال النووي (وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل مالا يطيقه فإن كان ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره) [96].

 

وغاية الإحسان للمملوكة أي "الجارية" أن يساويها بنفسه ، فيجعلها مكافئة له ، بأن يعتقها –أولا- ثم ينكحها برضاها ، أي يتزوجها ، قال النَّبِيُّ r "أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ" [97] ، وإن كان المملوك أي "عبدا" فغاية الإحسان إليه أن يجعله مكافئا له حتى يظن الناس أنه ابنه ، وليس هو بابنه بل الواجب أن يدعوه لأبيه ، ولكن لحسن معاملته له يظنه الناس كذلك ، مثلما حصل في زيد بن حارثة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ r مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) [98].

 

 وكذلك أن يعتقه بعدما يتبين صلاحه ، فيتزوج المعتوق من حرائر النساء ما يرغب ، فعن قتادة قال : خطب النبي r زينب وهي بنت عمته وهو يريدها لزيد فظنت أنه يريدها لنفسه فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت فأنزل الله (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) فرضيت وسلمت"[99].

 

وفي قوله (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) احتراز من أن يصدر الإحسان ويتبعه فخر وخيلاء ، فلا يصيب به وجه الله ، ذلك أن الخيلاء يمنع الناس من الإخلاص لله إذا بدر منهم خير ، فيختالون به ، ويحضهم الخيلاء والتباهي أمام الناس على حب الرياء والسمعة وسماع المدح منهم ، وأما الفخر بالأنساب فإنه يضيق من دائرة الإحسان ، بل إن الفخر بالنفس ليغلق هذه الدائرة علي النفس وحسب ، فلا يصل الإحسان للوالدين ولا لذوي الأرحام ، لأن الفخور بنفسه يزدري الناس ، وإن لم يقصد بفخره ازدراءهم ، وعندئذ يتعرض المختال الفخور لمقت الله تعالى .

 

والاختيال والفخر أحد مظاهر الإسراف والتبذير في النعم ، وهو ضد الإحسان للناس والبذل لهم والعطاء بلا مقابل ، فمن مظاهر الاختيال التباهي باللبس ، مثل لبس الرجال الحرير والذهب لقوله r (حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ)[100].

وعن عمر بن الخطاب (نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ r عَنْ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ)[101] ، يعني اليسير الذي في الثوب دون أن يؤثر فيه ، فمن التبذيل ترك اللبس لأجل هذا الموضع الصغير فيه ، لأن علة النهي انتفت في هذا الفرض  .

 

 وكذلك التباهي بالقصور والأبراج ، فصاحب البنيان يأخذ حظه منه في الدنيا ، ولا حظ له منه في الآخرة ، ولذلك يقول النبي r (كل نفقة ينفقها العبد يؤجر فيها إلا البنيان)[102] أي يمكن أن تصير هذه النفقة إلي عبادة يؤجر عليها لو صحح نيته وابتغى بها عملا يوصل للآخرة كما هو الشأن في الزواج ، فإن كان حظ النفس فيه واضح إلا أنه لما يترتب عليه من مؤنة وتكلفة والتعهد بالرعاية والتربية للأولاد فإنه يعدل نصف الدين ، بينما العلو في البنيان أو زخرفته أو تحسينه ، فإن العائد عليه يقتصر على الدنيا وحسب ، فلا يوصل لشيء من الآخرة ، فإذا ضم لذلك أن يكون القصد من البناء التفاخر والتباهي به فذلك مذموم ، فهو نوع من العبث لشدة تكلفته في مقابل فائدته التي يمكن أن تصرف في كثير من أوجه الخير التي لها الأولوية لو بشيء من الاقتصاد في البناء ، كما في قوله ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) (الشعراء:128-129) .

 

فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r خَرَجَ فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً فَقَالَ مَا هَذِهِ ؟ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ هَذِهِ لِفُلَانٍ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، قَالَ فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا فِي نَفْسِهِ حَتَّى إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا رَسُولَ اللَّهِ r يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فِي النَّاسِ أَعْرَضَ عَنْهُ صَنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الْغَضَبَ فِيهِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُنْكِرُ رَسُولَ اللَّهِ r قَالُوا خَرَجَ فَرَأَى قُبَّتَكَ قَالَ فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالْأَرْضِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ r  ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرَهَا قَالَ مَا فَعَلَتْ الْقُبَّةُ قَالُوا شَكَا إِلَيْنَا صَاحِبُهَا إِعْرَاضَكَ عَنْهُ فَأَخْبَرْنَاهُ فَهَدَمَهَا فَقَالَ (أَمَا إِنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا إِلَّا مَا لَا يَعْنِي مَا لَا بُدَّ مِنْهُ)[103]

 

وكذلك التباهي بالمراكب الفارهة والسيارات السريعة ...الخ ، ولذلك يقول النبي r (الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ ، فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ بِهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ فَهِيَ لِذَلِكَ أَجْرٌ ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ )[104].

 

ومن مظاهر الفخر ، الفخر بالأحساب والأنساب للأباء والأجداد ، والاستطراد في الحديث عن أمجادهم وما صنعوا حتى ولو الفخر بأعمال الخير التي فعلوها ، فعن النَّبِيَّ r قَالَ (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ :-

الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ

وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ

وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ

وَالنِّيَاحَةُ وَقَالَ النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ) [105]

فقوله (الفخر في الأحساب) أي (الشرف بالآباء والتعاظم بعد مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم ، وذلك جهل ، فلا فخر إلا بالإسلام ، ولا عز لأحد إلا بالله)[106].

 

المطلب الثاني

البخلاء بالإحسان

(هم الكاتمون لنعم الله والمرائون في النفقات والمضيعون للصلوات)

 

أشارت الآيات إلى أن الفخر والاختيال يفسد العمل ، ويحبطه ، هذا إذا ما أصاب المحسن لغيره داء الرياء ، لكن الباخلون بالإحسان على الناس ، والكاتمين لفضل الله ، هؤلاء هم الضالعون في النفاق ، فكان لابد من إفراد حديث خاص بهم ، دون الاكتفاء بمجرد التحذير كما حصل مع أهل الإحسان حيث بينت لهم أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا .

 

وفي قوله (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (37) قال رسول الله r (إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم والظلم ظلمات يوم القيامة)[107]، قال المناوي (والحاصل أن الشح من جميع وجوهه يخالف الإيمان) ، قال تعالى (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (الأحزاب/19) ، قال المناوي (فلا يجتمع الشح والإيمان في قلب أبدا) [108]، قال الماوردي : (وينشأ عن الشح من الأخلاق المذمومة -وإن كانت ذريعة إلى كل مذموم- أربعة أخلاق ناهيك بها ذما : "الحرص" و"الشره" و"سوء الظن" و"منع الحقوق" :-

 (فالحرص) شدة الكدح والجهد في الطلب .

 (والشره) الاستقلال لمقدار الكفاية ، والاستكثار –من الزاد- بغير حاجة ، وهذا فرق ما بين الحرص والشره .

(وسوء الظن) عدم الثقة بمن هو أهل لها ، لأن من هو أهل للثقة يأمر بالبذل والعطاء بلا مقابل ، والحريص يرى في ذلك تبذيرا وإسرافا ، فلا يثق في أهل الخير ويسيء الظن بهم ، فلا يظن أنهم أفضل تدبيرا وأكثر غنى بفضل الله .

و(منع الحقوق) لأن نفس البخيل لا تسمح بفراق محبوبها ، ولا تنقاد إلى ترك مطلوبها ، ولا تذعن للحق ولا تجيب إلى إنصاف ، وإذا آل الشح إلى ما وصف من هذه الأخلاق المذمومين والشيم اللئيمة لم يبق معه خير موجود ولا صلاح مأمول)[109] .

 

 من هنا تنشأ علاقة بين البخيل وكتمان النعمة ، فلا يظهر نعمة الله ، ولا يتحدث عنها تحبيبا للناس في فضل الله فيكتم آثار رحمة الله عليه وفضله ، ولذلك قالوا (البَخِيلِ يجَحد ِنِعْمَةِ اللهِ فَلا تَظْهَرُ عَلَيهِ ، وَلاَ تَبِينُ فِي مَأْكَلِهِ ، وَلاَ فِي مَلْبَسِهِ ، فَهُو كَاتِمٌ لَمَا آتَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ، كَافِرٌ بِنِعْمَتِهِ) [110] ، والمعنى: (أنهم يبخلون ويعتذرون بأنهم لا يجدون ما ينفقون منه)[111] .

 

 والنصيحة لهؤلاء هو البذل والعطاء وإظهار نعمة الله على النفس والغير ، فعن أبي رجاء العطاردي قال : خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف –من[112]- خز[113] ، فقلنا : يا صاحب رسول الله تلبس هذا ؟ [114]فقال : إن رسول الله r قال (إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة أن يرى أثر نعمته عليه)[115] ، قال العلماء في الشرح في قوله r (يرى أثر نعمته على عبده) أي كيف ينفقها في سبيل الله ، سواء في حسن مظهر المسلم نفسه أو في القربات والصدقات .

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله r (إن الله عز وجل إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه ويكره البؤس والتباؤس ، ويبغض السائل الملحف ، ويحب الحيي العفيف المتعفف) [116]، (أي أثر فيض النعم عليه زيا وإنفاقا وشكرا لله تعالى  ... ، فعلى عباده أن يتجملوا معه في إظهار نعمته عليهم المؤذن بقلة إظهار السؤال لغيره ، والطلب ممن سواه ، وتجنب أضداد ذلك من إظهار البؤس والفاقة)[117].

 

وفي قوله (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) (38) انتقال لصنف آخر من الناس يقطع الرحم لا من خلال بخله مثل النوع الأول الذي سمتهم سورة البقرة (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (27) ، وإنما من خلال فساد نيته التي شابها الرياء والسمعة ، فهو وإن كان يصل رحمه فيحسن لهم فإنه يرائي في صنيعه ويتباهى ويتفاخر بما يقدمه لهم ، قال تعالى (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة 263) ، فلا تؤتي الصلة بركتها ولا النفقة منفعتها ، قال طنطاوي (وإنما شاركوهم فى الذم وسوء العاقبة لأن البخل بإظهار نعم الله فى مواضع الخير وكتمانها ، يستوى مع الإِنفاق الذى لا يقصد به وجه الله فى القبح واستجلاب العقاب)[118] .

 

 وقد ذمهم الله بثلاث صفات ، حصول الرياء منهم ، نفي الإيمان عنهم ، اقتران الشيطان بهم ، فأما الوصف الأول بحصول الرياء في أعمالهم ، فقد ورد فيه حديث عن النبي r قال (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ ..َرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ)[119].

 

وأما الوصف الثاني بانتفاء الإيمان عنهم بالله وباليوم الآخر ، فلأن أعمالهم ليست لله ، والإيمان قول وعمل .

وأما الوصف الثالث فهو تعليل لنفي الإيمان عنهم بأن (سبب ذلك لمقارنة الشيطان لهم ومخالطته وملازمته للمتصف بذلك) [120]، فوصفهم بأنهم قرناء الشيطان ، يعني أنهم يسرفون في إنفاق أموالهم ويبذرون المال ، بمعنى أن الله لم يقبل منهم نفقاتهم لأنه قد شابها الرياء والمنّ والأذى من جهة ، ومن جهة أخرى أنفقوها كمن ينفقها إسرافا وتبذيرا في غير محلها وموضعها التي أمر الله بها ، وذلك الوصف هو هو الذي وصف الله به المبذرين فقال (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (الإسراء 27) ، قال بن عاشور (أنفقوا إنفاقا لا تحصل به فائدة الإنفاق غالبا، لأن من ينفق ماله رئاء لا يتوخى به مواقع الحاجة ، فقد يعطي الغني ويمنع الفقير)[121]

وهكذا أفسد الشيطان الحسنة لفاعلها ، وتلك هي أول علاقة بين الشيطان والإنسان ، إذ يسعي قرينه لإفساد أعماله الصالحة بالرياء وحب السمعة ، فكلما سعي لعمل صالح لحقه الشيطان فأفسده عليه بالنية السيئة ، (فالشَّيْطَانُ حَمَلَهُمُ عَلَى صَنِيعِهِمِ القَبِيحِ ، وَحَسَّنَ لَهُمُ القَبَائِحَ)[122] .

 

وفي قوله (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا) (39) توبيخ وتأنيب على إفسادهم العمل الصالح بالنية الفاسدة ، ذلك أن فعلهم للخير مهما بلغ من الكثرة باطل مردود ، وسبب ذلك يسير ، إذ لو كانوا قد تداركوه بتصحيح النية الله ، لأثابهم الله على ذلك .

قال ابن جزي في ذلك (استدعاء لهم وملاطفة وتوبيخ على ترك الإيمان والإنفاق، كأنه يقول أي مضرة عليهم في ذلك)[123]،قال القطان (ما الذي كان يضرهم لو آمنوا إيماناً صحيحاً لا رياء فيه ولا كذب،بالله وباليوم الآخر ، وأعطوا من المال والرزق الّذي آتاهم الله استجابة لهذا الايمان ، وما يقتضيه من إخلاص النية ورجاء الثواب) [124].

 

قوله (..وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ) (39) قال السعدي (ولما كان الإخلاص سرًّا بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه إلا الله أخبر تعالى بعلمه بجميع الأحوال فقال: (وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا)[125].

 

والمعنى أنه ليس أهل الإخلاص -دائما - ممدوحين وأهل الرياء مذمومين ، بل قد يظن الناس سوء في أهل الخير والصلاح والعكس بالعكس ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ r مَا أَخْرِمُ عَنْهَا أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَالَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الْكُوفَةِ فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ قَالَ سَعْدٌ أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ وَأَطِلْ فَقْرَهُ وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ)[126].

 

المطلب الثالث

إصلاح العقيدة ببيان أن

الحسنات تتضاعف بقدر الصلة       ..........        والسيئات بقدر كتمان نعمة

 

استبان فيما سبق البون الشاسع بين من ينفق ويحسن للناس ويعطي الحقوق لأصحابها لأجل مرضاة الله ، وذلك الذي يتصنع من الأعمال الصالحة ما يوافق هواه لأجل الرياء وحب السمعة والمدح ، فنيته فاسدة وأعماله مردودة ، من هنا كان لابد من إصلاح المضغة التي في القلب التي إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ولا يمكن ذلك إلا بإصلاح العقيدة ، والفهم السليم لهذا الدين ، وذلك بربط الأعمال الصالحة بقصد تحقيق الصلة الإنسانية التي هي محور هذه السورة ، وبيان أشد صور الضلال الإنساني بهضم الحقوق وكتمانها ، وظلم الإنسان لأخيه الإنسان استضعافًا له واستجراءً عليه وأمنًا من العقاب ، وتلك هي صفات المنافقين .

 

وفي قوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) (40) بين الله سبحانه ميزان العدل عنده ، وأن الحسنات لا تنال إلا بالقبول ، ولا يقبل الله إلا عملا خالصا ، فهو أغنى الأغنياء عن الشرك ، ولذلك فإن ما يفعله المنافقون وكذا الكافرون من الحسنات فهو هباء مثورا ، لا وزن له في الآخرة ، لأنهم يبتغون به الأجر والثوبة في الدنيا مثل ثناء الناس عليهم ، وقد نالوها ، فلم يبق لهم شيء للآخرة يجازون عليه ، قال رسول الله  r قال : " إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً يُعْطَى عَلَيْهَا فِى الدُّنْيَا وَيُثَابُ عَلَيْهَا فِى الآخِرَةِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُعْطِيهِ حَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا خَيْراً "[127]، (ومذهب المحققين أن الكافر لا يخفف عنه العذاب بسبب حسناته في الدنيا بل يوسع عليه بها في دنياه)[128] ، قال المناوي (المعنى أن الله لا يظلم أحدا على حسنة ، أما المؤمن فيجزيه في الآخرة الجزاء الأوفى ،ويفضل عليه في الدنيا ،وأما الكافر فيجزيه في الدنيا وماله في الآخرة من نصيب) [129] .

 

والعمل الصالح لو اقترن بالإسلام وإخلاص الشهادتين لله ، فإنه مهما صغر ولو كان مثقال ذرة يكفي العبد يوم القيامة ، ولذلك يقال لهؤلاء المنافقين أخلصوا ولو عملا واحدا لله ، وستجدون أن الله أثابكم عليه في الآخرة ثوابا لا يتسع العقل لوصفه ألا وهو الجنة ، فعن النبي r قال (إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ

يَقُولُونَ رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ

فَيُقَالُ لَهُمْ أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ

فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ

 ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ

فَيَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ

فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا

 ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ

فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا

ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا

ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا

وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [130].

 

وفي قوله تعالى (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (41) الشهادة في هذا الموطن لإثبات المخلص من المرائي ، للتفرقة بين من ينفق في سبيل الله ، ومن ينفق في سبيل الشيطان ، (وهي شهادة من النبي r لمن سبقه من الأنبياء بأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة حق الأداء ، من ذلك قول عيسى ابن مريم حينما يشهد على قومه (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) (117/النساء) ، وهي –كذلك - شهادة على قوم الأنبياء السابقين ، وهي كذلك شهادة من النبي r على قومه خاصة ، وعلى من يخلفهم حتى يوم القيامة أي (من خالف منهم دعوته ودعوة من قبله من الرسل) [131].

 

فعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ r اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) قَالَ أَمْسِكْ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) [132]، قال بن بطال (إنما بكى r عند تلاوته هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف وهو أمر يحق له طول البكاء انتهى والذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم وعملهم قد لا يكون مستقيما فقد يفضى إلى تعذيبهم)[133].

 

قال ابن الجوزي (الحكم على المشهود عليه إنما يكون بقول الشاهد ، فلما كان هو الشاهد ، وهو الشافع ، بكى على المفرطين منهم) [134]، وفي رواية قال (أى رب شهدت على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره)[135]، أي أن شهادته تطول من يجيء بعده إلى يوم القيامة ، لأن هذا الدين متوارث والحجة فيه قائمة إلى يوم القيامة ، فكل من آمن يلتزم بالبلاغ عن نبيه ما بلغه منه ، كما في قوله (بلغوا عني ولو آية) ، كما أن شهادة النبي r على أمته تعني نفي الشفاعة عمن خالف سنته منهم ، حيث يأتي الله برسوله ونبيه الذي هو أحرص الناس على قومه ليشهد على المرائين والمنافقين ، ويشفع للمحسنين وإن بدرت منهم بعض الإساءة ليغفر الله لهم .

 

وفي قوله (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) (42) قال الضحاك عن ابن عباس (هذه في المنافقين)[136] ، قال ابن كثير (وفي هذا نظر، فإن هذه الآية مكية، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ  كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [المجادلة: 18] ،.... بيد أنه عند التدبر نجد أنه لا إشكال ولا تعارض ، فمفهوم النفاق يمتد إلى ما قبل بعثة النبي r فكم من نبي أرسل ومعه وحوله منافقون .......... أما في مكة فنعم كان العهد المكي معروف بالصحابة الذين يحيطون بالنبي r ، وجميعهم مخلصون صادقون صابرون ثابتون ولا شك ، بيد أن المنافقين من أهل الكتاب الذين كانوا يدعون أنهم أهل كتاب وهم في الحقيقة أهل تحريف وزيف وتلبيس كانوا يعاصرون النبي r في العهد المكي كذلك ، بدليل أنهم حرفوا كتبهم ، فكانت أخباره r في مكة تطير إليهم في المدينة وما حولها ، وكانوا يستفتحون على الذين كفروا بقدوم نبي خاتم الأنبياء من عندهم ، فلما جاء من العرب حسدوه ، ولم يتبعوه ، وظهر منهم منافقون له ، ولم يكن ذلك جديد عليهم ، إذ لم يؤمن من اليهود اثنا عشر كما أخبر بذلك النبي r ، وكثير من المنافقين ارتد بعد وفاة النبي r ، وكثير منهم ظل على نفاقه لافتعال الفتنة بين الصحابة رضوان الله عليهم كعبد الله بن سبأ .

 

قوله (لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) تعبير بلاغي يصور مدى الحسرة والندم التي تلحق المنافق يوم القيامة ، والخزي والعار الذي يشعر به ، فيتمنى الموت وأن يدفن في الأرض ، أي الانحماء كليا ،  وذلك كله يدل على مدى  تعاسته وكآبته ، وأنه لم يعر اهتماما بما كان يملك في الدنيا من القصور والأموال والجنود والنساء ، حين يرجع إلى ربه .

 

وقوله (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) أي لا يقدرون على كتمان شركهم وكفرهم بالله كما كانوا ينافقون في الدنيا ، فإذا حاولوا ذلك  شهدت عليهم جوارحهم ، فعن ابن عباس في قوله : ولا يكتمون الله حديثا قال :(بجوارحهم)[137]،  قال ابن كثير (أخبر عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئا)[138]، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ :(فَإِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا أَنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا أَهْلُ الصَّلاةِ، قَالُوا: نُجْحَدُ فَيَجْحَدُونَ فَيُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَشْهَدُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً)[139]،قال الشوكاني (لأن ما علموا ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه)[140].

 

قال الرازي (احتمل وجهين : -

أحدهما : ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما : يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد r ولا كفروا به ولا نافقوا ، وعلى هذا القول : الكتمان عائد إلى ما كتموا من أمر r ) [141].

ويؤيده قوله سبحانه (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ، ويلعنهم اللاعنون) [ البقرة : 159 ] ،  وقال رسول الله r (من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)[142] ، فإذا أرادوا أن يكتموا ذلك يوم القيامة –كذلك - عجزوا عن ذلك ، فتكلمت جوارحهم وشهدت عليهم ، فاليوم يوم إظهار الحق ولا كتمان، (يوم تبلى السرائر) (الطارق:9) ، أي (تظهر المخبآت والضمائر)[143].

 

 الثاني : أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله تعالى يغفر لأهل الاسلام ولا يغفر شركا ، قالوا : تعالوا فلنجحد فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ، رجاء أن يغفر الله لهم ، فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون ، فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا)[144] ، (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يس 65) .

ويؤيده ما روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ:  " ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " ، يَعْنِي:"الْمُنَافِقِينَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ مُنَافِقِينَ، لأَنَّهُمْ كَتَمُوا الشِّرْكَ، وَأَظْهَرُوا الإِيمَانَ، فَقَالُوا وَهُمْ فِي النَّارِ: هَلُمُّوا فَلْنَكْذِبْ هَاهُنَا، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَنْفَعَنَا كَمَا نَفَعَنَا فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّا كَذَبْنَا فِي الدُّنْيَا فَنَفَعَنَا، حَقَنَّا دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا، فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ"[145].

وعَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ:  " وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " ، قَوْلُ أَهْلِ الشِّرْكِ، حِينَ رَأَوْا كُلَّ أَحَدٍ يَخْرُجُ مِنْهَا غَيْرَ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَرَأَوُا الذُّنُوبَ تُغْفَرُ، وَلا يَغْفِرُ اللَّهُ الشِّرْكَ"[146].

 

ومن سياق الآيات نجد أن جريمتهم في الدنيا كانت كتمان كلمة الحق ، فكتموا ما أنزل الله من الأمر بالتوحيد واتباع النبي محمد r بأوصافه المعروفة عندهم ، والتزام الصدق وحسن الخلق وصلة الأرحام والإحسان للجار ، وابتغاء وجه الله في كل عمل ، ومن جهة أخرى بخلوا عن إيصال الحقوق لأهلها ، وأضافوا إلى بخلهم أنهم أمروا الناس بالبخل ، فجعلوا البخل والشح رُشدًا وعقلانية ، وجعلوا إنفاق المال في سبيل الله تبذيرًا وإسرافًا.

 

 

المطلب الرابع   

إصلاح العبادة يأتي في المرتبة التالية لإصلاح الاعتقاد في الله والعلاقات الإنسانية بين البشر

 

يبدو من سياق السورة اهتمام الإسلام بإصلاح شأن المعاملات الإنسانية ، لتكون له الأولوية قبل إصلاح شأن العبادات ، فمن المعروف أن حالة السكر بسبب شرب الخمر تتعارض مع كان السكون والطمأنينة اللازمتين لصحة الصلاة ، ورغم ذلك فإن القرآن لم يقطع في سورة النساء بتحريم الخمر تحريما مطلقا ، وذلك في إطار التدرج التشريعي ، لكنه نهى نهيا مطلقا على الشرك بالله ، والرياء في العمل والفخر والاختيال ، وأمر بالقسط وإيتاء اليتامى أموالهم ، وإعطاء الحقوق لأصحابها لاسيما المرأة والطفل ، وفرض أنصبتهم في المواريث ، وحث علي حسن العلاقة بالمعروف بين الرجل والمرأة في إطار الأسرة ، كل ذلك جاء الاهتمام به قبل الاهتمام بإصلاح شأن العبادات والعادات القبيحة كشرب الخمر ، رغم أنها أس الشرور ، ولكن تربية القلب على الإحسان مع الله والإحسان مع الناس هو الذي يجعله يتخلص بعد ذلك من كل الشرور ويحسن العبادة لله ، وعندئذ سوف يقوم المسلم بشرائط الصلاة وأركانة كاملة غير منقوصة ، وهكذا نفهم أولويات التربية القرآنية للفرد المسلم حتى ينشأ على طاعة الله ، ويميل عن الشهوات ميلا عظيما .

 

ويبدو كذلك من وضع هذه الآية في وسط السياق القرآني الذي يتحدث عن الإحسان والرياء والأسرة والمواريث أنها تضرب مثالا حيا بحياة المنافق الذي يقطع الأرحام ولا يحسن العبادة ، حيث تشبه العلاقة بين الإيمان وصلة الأرحام  بالعلاقة بين الصلاة وتحقق شرائطها من التعقل والطهارة ، فكما أن المنافق لا يعرف من الإيمان إلا اسمه ودليل ذلك إفساده في الارض وتقطيعه للأرحام لأجل أكل أموال الناس بالباطل ، فإن صلاته -كذلك- تعاني من نفاقه وريائه الناس ، فلا يعرف منها إلا حركاتها ، فتجده لا يحسن الخشوع فيها ولا الطمأنينة بل إنه ليؤدي حركاتها وهو متلبس بالسكر ، إذ لم يتورع عن شرب الخمر مخافة الهذيان في الصلاة ، فأين احترامه لشرائع الإسلام وتوقيره للعبادة وهو مقدم عليها  ، بل إنه ليصلي بغير وضوء ، وذلك كله لأجل إرضاء الناس وليس لأجل مرضاة الله ، والإسلام وإن تلطف من الصحابة في إطار التدرج التشريعي معهم فلم يحرم عليهم الخمر مرة واحدة ، إلا أنه حزم معهم الأمر في أمور لا يجوز فيها التلطف أو التدريب ، فمبادئ القسط والعدالة لا تعرف مثل هذا التدرج التشريعي ، فلا خير في دين لا يعطي الحقوق لأهلها ، ويظلم فيه الضعيف والمسكين.

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ..) (43) استئناف لما يتناوله السياق من الحديث عن صلة الأرحام والإحسان في العبادة لله والإحسان في معاملة للعباد ، فالتوسيع من دائرة الإحسان لابد وأن يشمل كذلك الإحسان في العبادة ، فلا يليق أن يكون المسلم صاحب خير وبر وإحسان ، وفي ذات الوقت لا يحسن عبادة ربه .

 

وقد أشارت الآية إلى حالة السكر البين تلك التي تفضي إلى شرور كثيرة منها سوء الخلق المفضي إلى قطع الرحم ، وفساد العبادة ، حيث لا صلاة للمرء إلا ما عقل منها ، فتبطل صلاة السكران ، فجاء الحكم بمنع السكران من الصلاة ، قال ابن جزي (سببها أن جماعة من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريمها ، ثم قاموا إلى الصلاة وأمّهم أحدهم فخلط في القراءة)[147]، ويقاس على ذلك كل ما يجعل العقل غير رشيد ويخرجه عن الحالة الطبيعية ، مثل الهزيان أو الخرف بسبب داء السكري أو قلة النوم أو تناول أدوية معينة ...الخ ، فهؤلاء حكمهم تأجيل الصلاة حتى يستعيد العقل عافيته .

 

فالصلاة ليست مجرد حركات وحسب ، بل غاية الصلاة أن يعلم المصلي ما يقرأ من كتاب الله تعالى ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ)[148] ، ولذلك جاء النهي عن الصلاة حال النعاس ، (إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ)[149] ، فالصلاة عبادة عقلية وقلبية ، وتحتاج لعمل العقل والقلب معا .

 

قال الباجي في المنتقى عند كلامه على هذا الحديث من رواية مالك في الموطأ (وإن جرى ذلك في صلاة الفرض ،فكان في الوقت من السعة ما يعلم أنه يذهب عنه فيه النعاس ويدرك صلاته أو يعلم أن معه من يوقظه فليرقد ، وليتفرغ لإقامة صلاته في وقتها ، فإن كان في ضيق الوقت وعلم أنه إن رقد فاته الوقت فليصل ما يمكن وليجهد نفسه في تصحيح صلاته ثم يرقد فإن تيقن أنه قد أتى في ذلك بالفرض وإلا قضاها بعد نومه) ،  وذكر النووي أنه مذهب الجمهور.

 

فإذا أراد المسلم أن يحافظ على أركانه دينه فإنه مضطر إلى أن يحافظ على عقله ويتجنب كل ما يغيبه أو يؤثر عليه بالسلب ، وبذلك نفهم تأثير العبادة الصحيحة على السلوك الاجتماعي للفرد المسلم ، وحرص الإسلام على انضباط سلوك الفرد في المجتمع ، وإرشاده إلى الاستعانة بالعبادة على ذلك ، فالعبادة إن كانت حقا خالصا لله تعالى ، فلابد وأن يصل أثرها إلى المجتمع بصورة إيجابية .

ولذلك ورد عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول الله إن فلانا يصلي الليل كله ، فإذا أصبح سرق قال : (سينهاه ما تقول) [150] ، قال أبو حاتم : (أراد r أن الصلاة إذا كانت على الحقيقة في الابتداء والانتهاء يكون المصلي مجانبا للمحظورات معها كقوله عز و جل : (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)[151] .

 

والنهي عن الإقبال على الصلاة في حالة السكر جاء قبل تحريم الخمر بالكلية ، والقصد منه –في هذه المرحلة - الاستعداد لتلقي خطاب الشارع بالتحريم القطعي لها مستقبلا ، فيمتنع الشارب عن الخمر بوقت كاف حتى  لا يظهر أثر الشرب عليه أثناء الصلاة ، فإذا تعود على ذلك قلل من فترات السكر ، فيكون ذلك خطوة تدريجية نحو علاجه من إدمان الخمر .

 وهو ما تفعله المجتمعات الغربية حيث يمتنعون عن الشرب نهارا لأجل العمل ، ويتطلب تنفيذ الأمر كذلك عدم الإسراف في الشرب حتى يتيح لنفسه وقتا كافيا للإفاقة ، ولذلك تجد المجتمعات الغربية لا تسرف في الشرب إلى يوم الإجازة من العمل ، من هنا يضطر شارب الخمر أن يقصر الشرب على فترة الليل بعد العشاء ، وقبل الفجر بوقت كافي ، والامتناع مرة أخرى قبل الظهر بوقت كاف ، ثم الامتناع عن الشرب مطلقا ما بين قبل صلاة الظهر وحتى صلاة العشاء ، وهو ما يترتب عليه تقييد وتقليل فترات الشرب ، وعدم الإسراف في الشرب لدرجة السكر البيِّن.

 

 وهذا بطبيعة الحال يحمل مدمن الخمر علي أن يبدأ أول خطوات الإصلاح لعلاجه نفسه من خلال حرصه على أداء شعيرة الصلاة في وقتها وحرصه على أداء أركان الإسلام ، فإذا سعي إلى ذلك تطهر من آثام وآثار الشرب رويدا رويدا حتى يقلع عن الخمر بالكلية ، وذلك بعدما يتخلص جسده من الآثار المدمرة للإدمان .

 

قوله (..وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا..) (43) فمنع الجنب من الصلاة حتى يزيل الجنابة بالغسل بتعميم الجسد كله بالماء يكون في إحدى حالتين :-

الأولى : إذا أنزل مني سواء بقصد أو بغير قصد

والثانية : إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ، أي إذا مس الذكر الفرج كمقدمة للجماع ، وذلك سواء أنزل أو لم ينزل ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ)[152]

 

أما بالنسبة لغسل الجنابة ، فقد ورد في الأثر (أنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ)[153] ، عليه دار كلام الفقهاء بوجوب تعميم الجسد بالماء ، وهذا هو القدر المجزئ في الغسل الجنابة ، بإيصال الماء إلى منبت كل شعرة بحيث يمس البشرة كلها .

 

ومن الحِكم المذكورة في غسل الجنابة ما قاله ابن القيم أنه (يبرد حرارة الشهوة فتسكن النفس وتطمئن إلى ذكر الله وتلاوة كلامه والوقوف بين يديه)[154] ، ذلك أنه لما كانت الطمأنينة ركن لصحة الصلاة ، ولا صلاة لمدافع الأخبثين ، فلا يليق للجنب أن يقبل على الصلاة حتى يزيل عنه لذة الاستمتاع من كل جسده كما ورد في الحديث (تحت كل شعرة جنابة)[155]، ولذلك أشارت الآية إلى وجوب تطهر المسلم من الحدث الأكبر - الجنابة – لأن في ذلك تخليص له من قيود التي تحول دون استقبال العبادة بوعي ونشاط وصفاء ، فالغسل يؤدي إلى انتعاشه والإفاقة من الحالة النفسية والجسدية المصاحبة للشهوة.

 

واستثناء عابل السبيل من غسل الجنابة لأنه ليس لديه بيت يغتسل فيه ، فربما لم يجد ماء ومكانا للاغتسال ، فرفع عنه الشرع الحرج لهذا السبب ، فأجاز له التيمم ، وهذا هو تفسير علي رضي الله ، فعنه في قوله "ولا جنبًا إلا عابري سبيل"، قال: إلا (أن تكونوا مسافرين فلم تجدوا الماء، فتيمموا)[156].

 

قوله (.. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (43) التيمم فهو بديل الغسل والوضوء عند فقد الماء ، والقدر المجزئ منه ضربة واحدة للوجه والكفين معا ، فعن عمار بن ياسر قال:سألت النبي r عن التيمم؟ (فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين)[157] .

 

 وسبب نزولها ما روي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ r نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، فَلَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ r شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً)[158].

 

والتيمم ليس مجرد رخصة بل هو واجب ، لأنه لا يشرع إلا في حال تعذر الغسل أو الوضوء وبالكيفية المذكورة دون تكلف ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً فَقَالَ لَا تُصَلِّ فَقَالَ عَمَّارٌ أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ ،فَقَالَ النَّبِيُّ r إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ) [159].

 

بهذا يختتم الحديث عن توسيع دائرة الإحسان في كل عمل حتى تصل إلى العبادات غير معقولة المعنى كالتيمم ، ليتضح من هذا المثال أن العبادة محضة وتوقيفية ، وليست مرهونة بالمصلحة ، فإن لم تعقل المصلحة فإن الإحسان لايزال واجبا ، ولذلك يقول النبي r (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)[160].

 

وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ : (لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ ، لَكَانَ بَاطِنُ الْقَدَمَيْنِ أَوْلَى وَأَحَقَّ بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرَهُمَا ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ r مَسَحَ ظَاهِرَهُمَا)[161] ، بهذا يتأكد مناط الإحسان عند المسلمين أنه غير مرتبط بالمصلحة أو العواطف والمشاعر ، ولو كانت معتبرة ، فمناط الإحسان تنفيذ أمر الله بالكيفية التي أمر الله بها ، فكل حركة عبادة وكل سكنة عبادة متى كان القصد منها مرضاة الله وحده ، فعَنْ سَلْمَانَ –الفارسي- قَالَ قِيلَ لَهُ قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ r كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ ، قَالَ فَقَالَ (أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ)[162].

 

 

[1] ) رواه البخاري ج1 ص 52 رقم 29

[2] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج7 ص 234 رقم 1892

[3] ) في ظلال القرآن ج2 ص 128

[4] ) في هذا المعنى الشيخ محمد بن عبد الله الغنيمان : شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ج2 ص 4

[5] ) تفسير القرطبي ج5 ص 180

[6] ) فإن قيل: فأين حق الرسول r ؟ أجيب: بأن حق الله متضمن لحق الرسول r ؛ لأن الله لا يعبد إلا بما شرع الرسول r .

[7] ) تفسير القرطبي ج5 ص 180

[8] ) تفسير القرطبي ج5 ص 180

[9] ) رواه مسلم ج 14 ص 254 رقم 5300

[10] ) محمد منير بن عبده أغا النقلي الدمشقي الأزهرى : الاتحافات السنية بالأحاديث القدسية ج1 ص 83

[11] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 1042

[12] ) تفسير القرطبي ج5 ص 180

[13] ) رواه مسلم ج13 ص 413 رقم 5022

[14] ) شرح النووي على مسلم ج17 ص 150

[15] ) رواه البخاري ج2 ص 353 رقم 496

[16] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 225 رقم 646 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 245

[17] )أ د / خالد بن عثمان السبت : سورة البقرة الآية 57 : https://khaledalsabt.com/interpretations/3408/57

 د / عبد الملك بن محمد القاسم ، خطيب بالمملكة العربية السعودية 21/7/1431 هـ : الخطباء

: https://khutabaa.com/khutabaa-section/corncr-speeches/173278

[18] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 14 ص 2 ، ورواه الترمذي مرفوعا ج7 ص 122 رقم 1821 وقال الألباني : صحيح موقوفا ومرفوعا ، الجامع الصغير ج1ص582 رقم 5919 ، صحيح الأدب المفرد ج1 ص 2 ، صحيح وضعيف سنن الترمذي ج4 ص 399 رقم 1899 

[19] ) رواه مسلم ج8 ص 30 رقم 2779

[20] ) رواه البخاري ج9 ص 85 رقم 2427

[21] ) غريب الحديث لابن الجوزي ج1 ص 402

[22] ) السيوطي : الديباج على مسلم ج 3 ص 75

[23] ) شرح النووي على مسلم ج7 ص 89

[24] ) رواه البخاري ج18 ص 394 رقم 5532

[25] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج9 ص 208 - شرح أبي داود للعيني ج6 ص 455

[26] ) رواه مسلم ج12 ص 412 رقم 4640

[27] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 115

[28] ) رواه مسلم ج3 ص 430 رقم 1080

أمر أن يؤمهم أكبرهم لأنه ليس من بينهم مميز بالعلم والقراءة فجعل معيار التفاضل بينهم السن

[29] ) رواه مسلم ج5 ص 235 رقم 1716

[30] ) رواه البخاري ج16 ص 432 رقم 4936

[31] ) النهاية في غريب الأثر ج4 ص 408

[32] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج7 ص 530

[33] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج30 ص 288

[34] ) رواه البخاري ج9 ص 2537

[35] ) رواه مسلم ج5 ص 235 رقم 1716

[36] ) رواه أحمد ج24 ص 343 رقم 25577 وابن خزيمة وصححه الألباني : صحيح الترغيب ج1ص214

[37] ) شرح أبي داود للعيني ج6 ص429 ، عون المعبود ج 5 ص 63

[38] ) رواه أبو داود ج4 ص 494 رقم 1429 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج5 ص 366

[39] ) العظيم آبادي : عون المعبود شرح سنن أبي داود ج5 ص 62

[40] ) رواه البخاري ج5 ص 327 رقم 1382

[41] ) اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى ج1 ص 18

[42] ) حاشية السيوطي والسندي على سنن النسائي ج4 ص 57 رقم 2526 – شرح النووي على مسلم ج7 ص 129

[43] ) فتح الباري ج4 ص 185

[44] ) رواه البخاري ج18 ص 417 رقم 5546

[45] ) رواه البخاري ج7 ص 237 رقم 1932

[46] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج6 ص 209

[47] ) رواه البخاري ج16 ص 429 رقم 4934

[48] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 112

[49] ) رواه البخاري ج9 ص 2537

[50] ) رواه الطبراني  في المعجم الصغير ج2 ص 218 رقم 1057 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 112،32 صحيح البيهقي ، الجامع الصغير ج1 ص 871 رقم 8709

[51] ) رواه البخاري ج18 ص 431 رقم 5556

[52] ) رواه البخاري ج8 ص 15 رقم 2099

[53] ) شرح سنن أبي داود : عبد المحسن العباد ج29 ص 213

[54] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج6 ص 383

[55] ) سبل السلام ج4 ص 165

[56] ) صحيح البخاري ج8 ص 477

[57] ) تفسير بن عبد السلام ج1 ص 378

[58] ) صحيح البخاري ج8 ص 477

[59] ) تفسير بن عبد السلام ج1 ص 378

[60] ) صحيح البخاري ج8 ص 477

[61] ) تفسير بن عبد السلام ج1 ص 378

[62] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج 1 ص 52 رقم 112

[63] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 624

[64] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 653

[65] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 51 ص 109 وحسنه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 50

[66] ) تفسير القرطبي ج5 ص 185

[67] ) رواه مسلم ج8 ص 37 رقم 6855

[68] ) رواه مسلم ج13 ص 67 رقم 4759

[69] ) رواه البخاري ج 18 ص 438 رقم 5560

[70] ) رواه البخاري ج20ص128 رقم 6016 

[71] ) التسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 624

[72] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج10 ص 227 رقم 10575 ضعيف الترغيب والترهيب

[73] ) رواه البخاري ج8 ص 13 رقم 2098

[74] ) حاشية السندي على ابن ماجة ج5 ص 170 رقم 2486

[75] ) فتح الباري ج4 ص 438

[76] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 953

[77] ) عبدري : التاج والإكليل ج 11 ص 138

[78] ) العبدري : التاج والإكليل ج11 ص 138

[79] ) رواه مسلم ج12 ص 479 رقم  4692

[80] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 143

[81] التاج والإكليل ج11 ص 138  وفيات الأعيان ج5 ص 410

[82] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 12 رقم 2585 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2 ص 88 رقم 2103

[83] ) شرح "الأربعين النووية"(1/172)

[84] ) صحيح البخاري ج8 ص 477 وقوفا على أبي عبد الله – بحوث ودراسات مجمع اللغة العربية في اللهجات العربية ج34 ص 16

[85] ) تفسير الطبري ج8 ص 342

[86] ) رواه مالك في الموطأ ج 4 ص1080 رقم 2761 إرواء الغليل ج5 ص 254

[87] ) رواه البخاري ج5 ص 141 رقم 1268

[88] ) رواه البخاري ج8 ص 174 رقم 2186

[89] رواه أبو داود في سننه ج5 ص 184 رقم 1637 وصححه الألباني : صحيح سنن أبي داود ج 5 ص 337 رقم 1445

[90] ) رواه أبو داود ج4 ص 443 رقم 1394 وضعفه الألباني : ضعيف أبي داود ج1 ص 164 رقم 359

[91] ) رواه البخاري ج18 ص 438 رقم 5560

[92] ) رواه البخاري ج1 ص 52 رقم 29

[93] ) التيسيربشرح الجامع الصغير ج1 ص 102

[94] رواه البخاري ج1 ص 52 رقم 29 ،و 8/478

[95] ) تحفة الأحوذي ج6 ص 64 شرح النووي على مسلم ج11 ص 133

[96] ) شرح النووي على مسلم ج11 ص 133

[97] ) رواه البخاري ج8 ص 481 رقم 2361

[98] ) رواه البخاري ج14 ص 462 رقم 4409

[99] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج24 ص 46 رقم 20145

[100] ) رواه الترمذي ج6 ص 325 رقم 1642 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج4 ص 220 رقم 1720

[101] ) رواه الترمذي ج6 ص 326 رقم 1643 ورواه مسلم ج10 ص 416 رقم 3860

[102] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج4 ص 64 رقم 3642 وصححه الألباني : صحيح وضعيف الجامع الصغير ج18ص342 رقم 8695

[103] ) رواه أبو داود ج13 ص 476 رقم 4559 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص182 رقم 1874

[104] ) رواه البخاري ج8 ص 193 رقم 2198

[105] ) رواه مسلم ج5 ص 8 رقم 1550

[106] ) فيض القدير ج1 ص 591

[107] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 166 رقم 470 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص191 رقم 366/470

[108] ) فيض القدير ج3 ص 161

[109] ) الماوردي : أدب الدنيا والدين ج1 ص228 ، ولخصه المناوي في الشرح

[110] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 530

[111] ) التحرير  والتنوير لابن عاشور :

[112] ) في رواية (وعليه مُطْرُفٌ من خَزٍّ لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده) انظر تفسير ابن كثير ج1 ص 446 ، رواه أحمد في مسنده ج40 ص 407 رقم 19087 وصححه الألباني : مشكاة المصابيح ج2 ص 493 رقم 4379

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : الْأَعْلَامُ : هُوَ مَا يَكُونُ فِي الثِّيَابِ مِنْ تَطْرِيفٍ وَتَطْرِيزٍ وَنَحْوِهِمَا " انتهى من " فتح الباري " .

[113] ) الثوب الذي في طرفيه عَلَمان من حرير ، لسان العرب ج9 ص13 كتاب العين ج8 ص 21 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : الْأَعْلَامُ : هُوَ مَا يَكُونُ فِي الثِّيَابِ مِنْ تَطْرِيفٍ وَتَطْرِيزٍ وَنَحْوِهِمَا " انتهى من " فتح الباري " .

بوب الطحاوي  في شرح معاني الآثار ج 4 ص 255 بابا بعنوان ( باب الثوب يكون فيه علم الحرير أو يكون فيه شيء من الحرير ) قال أبو جعفر قد روينا في غير هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم النهي عن الحرير فذهب قوم إلى أن ذلك النهي قد وقع على قليله وكثيره فكرهوا بذلك لبس المعلم بعلم الحرير والثوب الذي لحمته غير حرير وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا قد وقع النهي من ذلك على ما جاوز الأعلام وعلى ما كان سداه غير حرير لا على غير ذلك واحتجوا في ذلك بما قد روينا في باب لبس الحرير عن عمر في استثنائه مما حرم عليهم من الحرير "الأعلام"

[114] ) أنكروا عليه ذلك لكون اللبس مطرز بقطعتين من حرير في الطرف ، فكيف يلبس الحرير ؟ ولكنها لما كانت قطعة صغير فلا بأس بها

[115] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج5 ص 163 رقم 6200 وابن حبان في صحيحه ج12 ص 234 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 364 رقم 1290

[116] ) رواه البيهقي ج5 ص 163 رقم 6202  وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج3 ص 310 رقم 1320 بلفظ (فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)

[117] ) فيض القدير ج2 ص 284

[118] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 943

[119] ) رواه مسلم ج10 ص 9 رقم 3527

[120] ) البحر المحيط ج4 ص 141

[121] ) التحرير والتنوير ج4 ص 127

[122] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 531

[123] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 263

[124] ) تفسير القطان ج1 ص 292

[125] ) تفسير السعدي ج1 ص 179

[126] ) رواه البخاري ج3 ص 203 رقم 713

[127] ) رواه أحمد في مسنده ج26 ص 102 رقم 12569 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 169 رقم 22770

[128] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج29 ص 241

[129] ) فيض القدير ج2 ص 346

[130] ) رواه مسلم ج1 ص 427 رقم 269

[131] ) في هذا المعنى ابن علان وبعضه نقلا عن ابن الطيب : دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج4 ص 216

[132] ) رواه البخاري ج 14 ص 76 رقم 4216

[133] ) فتح الباري لابن حجر ج9 ص99

[134] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 195

[135] ) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج2 ص 397 رقم 4345 - جامع الأحاديث للسيوطي ج38 ص 30 - ابن أبى حاتم ، والحسن بن سفيان ، والبغوى ، والطبرانى ، وأبو نعيم فى المعرفة ، وابن النجار ، وحسن) [كنز العمال 4345] أخرجه الطبرانى (19/243 ، رقم 546) ، قال الهيثمى (7/4) رجاله ثقات

[136] )

[137] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 167

[138] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 307 .

[139] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 167

[140] ) فتح القدير ج1 ص 704

[141] ) تفسير الرازي ج5 ص 211

[142] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج1 ص 298 رقم 96 ، والحاكم في المستدرك ج1 ص 182 رقم 346 ـ وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج1 ص 28 رقم 121 وقال صحيح لا غبار عليه

[143] ) تفسير ابن كثير ج5 ص 166

[144] ) تفسير الرازي ج5 ص 211

[145] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 205

[146] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 205

[147] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 265

[148] ) رواه البخاري ج1 ص 357 رقم 206

[149] ) رواه البخاري ج1 ص 356 رقم 205

[150] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج6 ص 300 رقم 2560 وصححه الألباني : مشكاة المصابيح ج1 ص 275 رقم  1237 وقال رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان 

[151] ) تعليق شعيب الأرنؤوط : على صحيح ابن حبان ج6 ص 300 رقم 2560

[152] ) رواه مسلم ج2 ص 257 رقم 526

[153] ) رواه أبو داود في سننه ج1 ص 314 رقم 216 وضعف الألباني رفعه للنبي r

[154] ) ابن القيم الجوزية : شفاء العليل ج1 ص 230

[155] ) رواه الطبراه في المعجم الكبير ج4 ص 155 رقم 3990 وهوضعيف ضعفه الألباني ، لكنه معقول المعنى .

[156] ) تفسير الطبري ج8 ص 379

[157] ) رواه أبو داود ج1 ص 452 رقم 327 وصححه الألباني :  صحيح أبي داود ج2 ص 143 ص 354

[158] ) رواه مسلم ج2 ص 288 رقم 551

[159] ) رواه مسلم ج2 ص 290 رقم 553

[160] ) رواه مسلم ج10 ص122رقم 3615

[161] ) رواه أبو داود ج1 ص 203 رقم 140 ، مصنف ابن أبي شيبة ج1 ص 181 ، وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج1 ص 288

[162] ) رواه مسلم ج2 ص 76 رقم 385

  • السبت PM 02:35
    2026-01-03
  • 58
Powered by: GateGold