ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
إقامة شعائر الإسلام واحترام مفهوم
د/ احمد نصير
إقامة شعائر الإسلام واحترام مفهوم "الجندية" عند المسلمين الضمان لتنفيذ اتفاقيات السلام الدولية
قال الله تعالى (..أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(5)
لوحظ تكرار ذكر لفظي (أحل) ، (حرم) ومشتاقتهما أكثر من 14 مرة في هذا المقطع من سورة المائدة بما يؤكد أن الحديث يدور حول الحل والتحريم كأحد مظاهر الدينونة بالعبادة لله الواحد القهار ، وإثبات حقه سبحانه في التشريع ، وما يرتبط بهذه المظاهر من شعائر ، ويقصد بـ (شعائر الله (في سياق الآيات (مَظَاهِرُ العِبَادَةِ وَتَقَالِيدُهَا وَمُمَارَسَتُهَا)[1] ، و(يعني بها جميع متعبدات الله التي أَشْعرها الله) أَي (جعلها أَعلاماً لنا) ، فالشعائر جمع شعيرة ، والشعيرة هي(كلُّ ما جُعل عَلَماً لطاعة الله تعالى)[2] ، )وإِنما قيل شعائر لكل علم مما تُعُبَّد به (لأَن (قولهم شَعَرْتُ به أي علمته ، فلهذا سميت الأَعلام التي هي متعبدات الله تعالى شعائر) [3] ، (وهي كل ما كان من موقف أَو مسعى أَو ذبح)[4] ، )ومَشاعِرُ الله أَو شَعائِرُه) هي)مَعالِمُه التي نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهَا ، وأَمَرَ بالقِيَام بِهَا)[5] .
ولأن شعائر الله أعلام لطاعته قامت بها الحجة على الخلق ، بمعنى أن الناس جميعا حينما يرون شعائر الإسلام ، وقد أضحت معلما لهذا الدين ، ويستظهر المسلمون بممارسة الشعائر مقاصد دين الله ، فإن ذلك يقيم الحجة عليهم ، فلا يتذرعوا بعدم علمهم بهذا الدين .
مثال ذلك الصلاة التي يؤديها المسلمون هي شعيرة من الشعائر ومعلما من معالم الدين ، وبها يتعرف الناس علي الإسلام ، وذلك عندما يرون المسلمين يذهبون للمساجد ، فلا يتذرعون بجهلهم للإسلام وقد رأوا شعائر الله معلنة وظاهرة ،وتطبق أمامهم كالأذان والصلاة والصوم والزكاة والحج
كذلك عادات المسلمين من مطعم ومشرب ومنكح ، فإنها تصير بجعل الشارع لها إلى عبادات كذلك ، فتضحى - كذلك - معلما من معالم الدين ، بهذا يتميز المسلمون عن غيرهم في عباداتهم وعاداتهم كمطعمهم ومشربهم ومنكحهم بآداب معينة هي شعائر الله ، فيكون التزامهم بتلك الآداب تعظيم لشعائر الله ، كغسل اليدين والتسمية قبل الأكل.
ومن جهة أخرى يكون احترام غير المسلمين لشعائر المسلمين بمثابة إلقاء سلام منهم لهم ، فإذا جاز ذلك جاز للمسلمين إبرام اتفاقيات سلام معهم ، أما إذا لم يحترم غير المسلمين شعائر المسلمين التي هي شعائر الله ، فكيف يسوغ للمسلمين أن يعقدوا معهم اتفاقيات ، ويبرموا عقودا وهم يعلمون مسبقا أنهم لن يحترموها كما لم يحترموا شعائرهم ، أما إذا لم تُحترم العقود –من جانب المسلمين -فذلك يعني أن المتعاقد معهم أخطأ في الاتفاق مع من يمثل المسلمين ، وأنه اتفق مع المنافقين الذين يستهزئون بتلك الشعائر والعهود .
فالمسلمون يُنظر إليهم كوحدة واحدة ، عندما تكون لهم قيادة تجمعهم على الحق ، وذلك لأن من شعائر دينهم "الجندية" بمعنى ارتباطهم بقائدهم وقيادتهم بالسمع والطاعة ، عندئذ تكون لهم كلمة واحدة ، وعهدهم واحد ، بل إن عهد أدناهم يلزم جميعهم ، يقول النبي r (الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ)[6]، الأمر الذي يجعل المسلمين لحمة واحدة كالبنيان المرصوص ، فلا يُنظر إليهم على أنهم أهواء شتى ، وإنما يُنظر إليهم من خلال قيادتهم ، فإذا اتفق الناس مع قادة المسلمين على عهد أو ميثاق فإنه ينفذ علي جموع المسلمين ، حبا لا غصبا ولا كرها ، ذلك أن حالة الجندية والقيادة هي حالة اجتماعية يتميز بها المسلمون ، وموروث ديني ، وثقافة شعبوية يعيشها المجتمع المسلم قيادة وجيشا ، وليس أدل على ذلك من أن قائد المسلمين نفسه يحترم كذلك عهد الجندي التابع له ، مثلما حصل لما أجارت أم هانئ مشركا ، فأجاز رسول الله r حمايتها له بقوله r (قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ)[7] ، ولذلك لا يمكن الاحتجاح على المسلمين بعهد ، وليس لهم قيادة تجمعهم ، وليس لهم جيش يحاسب المخطئ ويدافع عنهم ، فإذا توفر للمسلمين هذان العاملان "احترام الشعيرة" ، "الجيش النظامي " يمكن القول بأن الأمة المسلمة مدينة للعالم بأسره بالسلم والأمن والامان الدولي بإذن الله .
ولذلك فإننا في هذا الصدد سوف نقسم هذا المحور لمبحثين على النحو التالي : -
المبحث الأول : شعائر الإسلام تحض على أمان أهل الكتاب
المطلب الأول : شعائر العادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
الأولى : الحق في "الحل والتحريم" خالص لله وحده
الثانية : دائرة التحريم في الإسلام محددة
الثالثة : دائرة الحل في الإسلام واسعة
المطلب الثاني : شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
المبحث الثاني : أثر التربية العسكرية في الإسلام على ضمان العهود والسلام مع الآخرين
المطلب الأول : البيعة لإمام شرعي ضامن للمواثيق والعهود.
المطلب الثاني : دور ولاة الأمور في القيام بفروض الكفاية والشهادة عليها بالقسط.
المطلب الثالث : أثر العهود السياسية على السلم والأمن الدوليين .
المبحث الأول
شعائر الإسلام تحض على أمان أهل الكتاب
لم يكن الإسلام يوما مجرد شعائر تعبدية منبتة الصلة عن حياة الناس وعاداتهم ، فالإسلام كما أنه يرسخ عقيدة التوحيد الصحيحة القائمة على الإخلاص بالعبادة لله وحده ، فإنه كذلك شريعة محكمة تحكم سلوك الناس وتصرفاتهم المادية كما تهذب أخلاقهم وانفعالاتهم النفسية والشعورية ، فكما أن الإسلام يصحح معتقداتهم فإنه كذلك يصحح طريقة عيشهم وعاداتهم ، ويتجلى ذلك من خلال التأمل في شعائر الله سواء في مجال العادات "المطعم والمشرب والملبس والمنكح" ، أو في إطار العبادات ، سيما شعيرتي "الحج والطهور للصلاة" ، وفي تفصيل ذلك مطلبان : -
المطلب الأول : شعائر العادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
المطلب الثاني : شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
المطلب الأول
شعائر العادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
أراد الإسلام أن يميز المسلم في عاداته ، فسن له آدابا معينة حتى يمارس عاداته كالأكل ليس كما تأكل الأنعام ، بل وضع لها أحكاما محددة وضوابط للحل والتحريم ، وكذلك منكحه ، فلم يشأ أن جعل تناسل المسلم من خلال علاقة عابرة كما تتناسل الحيوانات ، بل وضع لهذه الغريزة الفطرية وسيلة شرعية لتصريفها وهي عقد الزواج ، وسماه ميثاقا غليظا ، فالشارع الحكيم هو الذي نظم هذا العقد ورتب آثاره نحو دقيق ، بما يستهدف الإحصان لكلا الطرفين ، وفي ذات الوقت تحمل مسئولية الأجيال القادمة التي تنشأ من تلك العلاقة ، ويندمج النشء ويتربى في إطار الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة ، فبالزواج تنشأ الأسرة التي هي النواة الأولى للمجتمع ، ثم تتوطد العلاقات الاجتماعية بين أبناء الأمم والشعوب والدول ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات/13) حتى وإن اختلفت ديانة الزوجة عن زوجها المسلم ، ففي إطار التنظيم الإسلامي لعقد الزواج تنعم هذه العلاقة الشرعية بمظلة الود والرحمة والأمن والأمان والسلم والسلام ، من هذا المنطلق نناقش في هذا المطلب ثلاث مسائل على النحو التالي :-
الأولى : "الحل والتحريم" حق خالص لله وحده ، وتدور مقاصده حول تحقيق "البر ومنع العدوان"
الثانية : دائرة التحريم في الإسلام "محددة ومحصورة"
الثالثة : دائرة الحل في الإسلام "واسعة" وهي "الأصل"
المسألة الأولى : "الحل والتحريم" حق خالص لله وحده ، وغايته تحقيق البر ومنع العدوان
قال تعالى (.. أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة 1-2)
لما كان الإسلام يلزم المسلم أن يتحرى عن الحلال والحرام في عاداته ، ويميز بينهما ، وفقا للضوابط التي شرعها الله له فيما يأكل ويشرب من حيث نوع المأكول ، وتوقيت الحل ، وتوقيت الحرمة ، وجعله رقيبا علي نفسه في ذلك ، حيث يتميز سلوك المسلم بالانضباط في الالتزام بشعائر الله ، ما يعد دليلا على قدرتهم على الانضباط كذلك مع الناس ، لأن التعود على الالتزام في تلك العادات المألوفة ، والعبادات الموصوفة ، لاسيما في عبادة الحج ، كالالتزام بالامتناع عن الصيد حال الإحرام ، حيث تنضبط سلوكياته في مسالة سفك الدماء بالنسبة للحيوان ، فإن ذلك يجعله أقدر على ضبط سلوكياته عند التعامل مع غيره من الناس من باب أولى ، أي أنه بهذه التربية يتحرر من نزعاته الشخصية وأهوائه الملتوية ، وكلما عظم شعائر الله تعالى في الحيوان - ولو كان صيدا صغيرا - كلما كان أكثر تعظيما لدماء الناس ، وأشد التزاما فيما يعقده من مواثيق مع بني جنسه من شعوب وقبائل متنوعة ، لاسيما إذا كانت تلك المواثيق دولية أو إقليمية .
قوله تعالى ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ ﴿المائدة/1﴾ تذكير بنعمة الله أن سخر الأنعام لبني آدم ، إذ نلحظ أن الإسلام قد عني بالحيوان باعتباره سلعة مسخرة للإنسان ، وهو أمر ثابت في قوله تعالى ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿النحل/5﴾ ، وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿المؤمنون/21﴾ ، وقوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿غافر/79﴾ ، لكن الإسلام قبل أن ينظر للحيوان على أنه سلعة مسخرة ألمح إلى أنه روح خلقها الله تعالى ، ولا يجوز للإنسان أن يعتدي عليها إلا بإذن من الله ، فأحل الله له أن يتنفع بها ، وهذا الانتفاع لا يطول إلى سفك دمها إلا بكلمة الله ﴿باسم الله﴾ ، فقد أحلت له بتلك الكلمة ، قال سبحانه ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ﴿الأنعام/121﴾ ، فلولا أن الله أذن له في ذبحها ما كانت حلالا له ، فطاب لحمها بالتذكية ، يقول سبحانه ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الأنعام/118﴾ ، قال رسول الله r (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ)[8]
فالدلالة المستفادة من لفظ ﴿أحلت﴾ أن الأصل في دماء الحيوانات أنها معصومة ، لكن الله أحل الأنعام منها لأجل منفعتنا بالطيبات ، ولولا أن الله تعالى استخلف الإنسان على الأرض وسخر الكون وأسجد الملائكة له لما كانت بهائم الأنعام حل له ، فأُحلت بكلمة الله ، فإذا التزم الإنسان منهج الله أضحى الكون كله مسخرًا له ، وحلت له كل الطيبات ، قال تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) ، فإذا لم يلتزم منهج الله وظلم وتعدى وأسرف ، فإن الله يُحْرَم عليه هذه الطيبات إما شرعًا أو كونًا ، فشرعا كما في قوله سبحانه ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿النساء/160﴾ ، وكونا وذلك بعدم تيسير أسباب الرزق الموصلة إليها ، فكم من مريض منعه الأطباء مما أحله الله له .
والمقصود ببهيمة الأنعام تلك (الحيوانات العشبية التي لا تأكل اللحم ،وليس لها ناب تمزقه به[9]) ،أي التي تُستأنس وتُربى، قال الجوهري (والنَّعَم واحد الأَنعْام وهي المال الراعية)[10] ، فيخرج من مفهوم بهيمة الأنعام كل الحيوانات المفترسة مثل (الأسد والنمر والذئب والثعلب والقرد..الخ) فهي ليست حلالا لعلة الافتراس وعدم الاستئناس من هذا الوجه.
وأصل بهائم الأنعام ثمانية أزواج أي أربع أصناف من الحيوانات ، لذا قيل بأن "الْأَنْعَامُ" (ذَوَاتُ الْخُفِّ وَالظِّلْفِ وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ) والغنم يشمل الضأن والماعز ، ويجوز أن يقاس عليها غيرها على تفصيل سوف يذكر ، وهذا الأصل ثابت في قوله تعالى ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ ﴿الزمر/6﴾ ، إشارة إلى أصناف الأنعام الأربعة التي ذكرها الله بقوله ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ ..﴾ ﴿الأنعام/142-144﴾ ،فذكر الضأن وأنثاه زوجان، وذكر المعز وأنثاه زوجان، والضَّأن: ذوات الصُّوف من المعز والغنم: ذوات الشَّعر، وذكر الإبل وأنثاه زوجان، وذكر البقر وأنثاه زوجان فيكون المجموع ثمانية أزواج .
ويتفرع عن هذه الثمانية – بقياس الشبه - عدة حيوانات تدخل ضمن التصنيف الإحيائي لمفهوم بهيمة الأنعام من حيث نظام التغذية والسلوك الحيواني والتشابه في التركيب الإحيائي مثل (الخيل والزراف والغزال والأرانب وفرس النهر والكنجرو) فتدخل في ذات المدلول قياسًا على الماعز والضأن والإبل والبقر من جهة التصنيف الإحيائي .
فأما الخيل فهو بين الجمل والغزال في الشبه ، فيقاس عليهما ، والدليل على حله ما روي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ r فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ) [11].
والزراف يسمى بالجمل النمري ، لشبهه به ، والغزال أشبه بالماعز كذلك ، والأرانب أشبه بالضأن من حيث الفم ، وتتغذى على النباتات ، ولا تأكل اللحم ، وحلها ثابت بالحديث عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغِبُوا فَأَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكَيْهَا أَوْ قَالَ بِفَخِذَيْهَا إِلَى النَّبِيِّ r فَقَبِلَهَا ) ، والكنجرو مثل الأرنب ، وفرس النهر مثل الجاموس .
ولا غرو أن يضع علماء الأحياء هذه الحيوانات في مجموعة واحدة لتشابهها في الحياة البيولوجية بما يسمى (الحيوانات الحافرية) وهو المقصود بمصطلح (بهيمة) كما جاء في المعجم ، حيث تتميز بنمو حوافرها وتكيفها للمشي السريع والركض بما يساعدها على الهروب من السباع المفترسة التي ليس لها حوافر ، أما السباع فلها مخالب تنقض بها على فريستها ، وهي من أضخم أنواع الثديات المجترة (Ruminantia) التي تأكل طعامها عن طريق عملية الاجترار ، كما تمتاز بنمط غذائها العشبي سواء أكانت في مجموعة مزدوجات الأصبع أو شفعيات الأصابع Artiodactyla أو في مجموعة فردية الأصابع [12].
فهذه البهائم ورد في حلها نصوص خاصة ، كالحمر الوحشية ، وذلك بخلاف الحمر الأهلية جاء على خلاف القياس لأنه ورد في النهي عن أكلها حديث صريح ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ) [13]، على ما سوف يرد تفصيلا في بيان المحرمات لعلة الرجس .
وبذلك فإنه وفقا لمفهوم المخالفة تخرج السباع المفترسة آكلة اللحم عن مدلول (بهيمة الأنعام) ، وتخرج عن حكم الحل الذي ذكره الله تعالى بقوله (أحلت) فيكون حكمها التحريم ، ولا يجوز أكلها ، وهذا الحكم ثابت كذلك بالحديث المروي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ)[14].
ليكون النبي r قد صنف الأحياء بحسب طبيعة أكلها إلى بهائم الأنعام التي تتغذى على النباتات ، وسباع وطيور مفترسة آكلة اللحم ، وبحسب هذه التفرقة يدور الحكم مع علته حلا وتحريما ، لأن "الناب" و"المخلب" أدوات تستعمل في صيد الفرائس وتمزيق لحمها ، ففي ذكرهما كناية على أنها آكلة اللحم ، فتحرم لتلك العلة ، فهو وصف ظاهر منضبط لتعليل الحكم والإتيان بالحكمة من النهي .
ولعل الحكمة – والله أعلم - من تحريمها ما أثبته علم التغذية الحديثة أن الشعوب تكتسب بعض صفات الحيوانات التي تأكلها لاحتواء لحومها على سميات ومفرزات داخلية تسري في الدماء وتنتقل إلى معدة البشر فتؤثر في أخلاقياتهم[15].
قال ابن القيم (ومن الناس من طبعه طبع الخنزير يمر بالطيبات فلا يلوى عليها ، فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمه ، وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوىء فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ونقله ، ومنهم من هو على طبيعة الطاوس ليس له إلا التطوس والتزين بالريش وليس وراء ذلك من شيء ، ومنهم من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوان وأغلظه كبدا[16] ، ومنهم من هو على طبيعة الدب أبكم خبيث وعلى طبيعة القرد ...، وأحمد طبائع الحيوانات طبائع الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسا وأكرمها طبعا ، وكذلك الغنم ، وكل من ألف ضربا من ضورب هذه الحيوانت اكتسب من طبعه وخلقه فإن تغذى بلحمه كان الشبه أقوى فإن الغاذي شبيه بالمغتذى ، ولهذا حرم الله أكل لحوم السباع وجوارح الطير لما تورث آكلها من شبه نفوسها بها والله أعلم )[17].
أما ما لا يعدو بنابه ولا بمخلبه على غيره فيخرج من حكمة النهي الواردة بالحديث ، وإن تحققت فيه علة النهي أي "الناب" ، ولذلك اختلفوا في حكم الفيل هل يعد من السباع أم لا ؟
وهو خلاف فقهي معتبر، ومن المعلوم أن الفيل لا يعدو بنابه على غيره ، وإنما يستعمله للدفاع عن نفسه مثل الكبش وقرن الغزال والثور .
قال الشافعي (المحرم من كل ذي ناب ما عدا على الناس كالنمر والذئب والأسد)[18] ، أي يعدو عليهم من "العدوان" ، وما شاكل ذلك "الضبع"
، فلا يصح القول بحله [19] عند البعض[20] وهو ما أرجحه[21].
كذلك فإن القوارض –كالفئران والسناجب- تعد من السباع ومن آكلات اللحوم .
والبرمائيات المفترسة التي تعيش أغلب حياتها على البر كالتماسيح[22] والضفادع[23] ، تدخل في معنى "السباع" ولا تعد من الحيوانات المائية ، فتخرج عن مفهوم (الحل ميتته) ، وقد ورد النهي عن قتل الضفدع كما سنبيه في حكم الميتة.
أما بالنسبة للطيور التي ليست ذات مخلب كالدجاج والعصافير والحمام واليمام والنعام والبط والأوز والطاووس .. فهذه يحل أكلها ، لأنها تدخل في "المدلول الواسع" لمعنى الأنعام ، فالإنسان يستأنسها ويربيها ولا تعدو عليه ولا على شيء لأنها ليست من آكلات اللحوم ، وتتغذى على الأعشاب
كما أشار القرآن إليها باعتبارها أشهى أطعمة أهل الجنة ، فقال تعالى (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ) (الواقعة/21) فعدت من الطيبات لتخصيصها طعاما لأهل الجنة ، وحكم الحل ثابت كذلك وفقا لمفهوم المخالفة الوارد بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ r عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ)[24]، فما ليس له مخلب يخرج من دائرة النهي ، لأنه لا يتغذى على اللحوم ، فلا يتعدى ، وقد ثبت أن النبي r أكل لحم طير ، فعَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَقُدِّمَ طَعَامٌ قَالَ وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ قَالَ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى قَالَ فَلَمْ يَدْنُ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى ادْنُ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَأْكُلُ مِنْهُ)[25] .
أما الطيور التي لها مخالب فلا يجوز أكلها لأنها من الجوارح ، وتتغذى على اللحم
كالعقاب والنسر والصقر والغربان والبومة والحدأة .
وفي قوله تعالى ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى﴾ تأكيد من الشارع الحكيم على ما سلف ذكره من تحريم السباع من الحيوان والطير ، والمقصود ما حرم بنص سواء في القرآن أو السنة وإن كان من بهيمة الأنعام ، وهو ما يعني إجمالا بنص القرآن (الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلِ لغير الله به) كما ورد في الآية (3) من السورة ، أي أنه إذا كان الأصل في بهيمة الأنعام أنها أحلت لنا باعتبار أنها مسخرة لنا ، فإن ما ورد النص على تحريمه منها ، يعود إلى للحكم الأول وهو حرمتها إلا بإذن الله ، وقد ورد النهي يعني أنه لم يأذن ، كلحم الحمر الأهلية ، فلا يجوز للإنسان أن يستحل دمها أو لحمها لتكون مطعما له ، وقد نهى الشارع عن ذلك صراحة ، فهي محرمة عليه تحريما مؤبدا ، والتزام المسلم هذا الضابط الذي وضعه الشارع بين ما أحله الله من البهائم وما لم يحله هو عين الإيمان .
ولا غضاضة في قتل ما يعدو منها على الإنسان لدرء خطره كالأسود والكلب العقود .... متى كان الدافع لقتلها إتقاء شرها على الناس ، وإن جاز دفع ضررها بأقل من ذلك لزم دفعه بما هو أقل ، لقوله r (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحُدَيَّا وَالْغُرَابُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)[26] ، وعني بهؤلاء الخمس أنها تعيش بين الناس ولذلك سماها فواسق لأنها تفسد طعام الناس ، وتعدوا على بيوتهم ، أما السباع فإنها تعيش بعيدًا عن الناس ، فإذا اقتربت من الناس جاز قتلها احترازا.
مسألة : للجلالة حكم استثنائي من الحل
والجَلاَّلة من الحَيوان : التي تأكل العَذِرَة والنجاسة والقاذورات[27]، وأمعاء الحيوانات والميتة ...الخ ، فيخرج من دائرة الحل بالنسبة لبهائم الأنعام – وما يقاس عليها من الطير - تلك التي تتغذى على القاذورات أو الميتة ، وتسمى بـ (الجلالة) فقد أظهرت السنة حكما خاصا بالنسبة لتلك الحيوانات والطيور ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا)[28] .
ويدخل تحت هذا المعنى جميع الحيوانات والطيور غير العشبية والتي تتغذى على اللحم ، لأن وصفها تغير بذلك ، فلم تعد من بهيمة الأنعام لأنهى لا تتغذى على المراعي ، وما يقدمه لها الإنسان من أعشاب ونباتات
وهو ما يقطع الجدل في شأن حكم أكل الحيوانات والطيور غير العشبية بإطلاق سواء لحقها هذا الوصف (الجلالة) بحسب طبيعتها أو بصفة عرضية ، فإن كانت كذلك بطبيعتها فلا تحل مطلقا ، كالضفدع لأنه من الحيوانات اللاحمة يأكل الحشرات والفئران والسلاحف وإن لم يكن له ناب[29] ، وكذلك الضبع[30].
أما ما يلحقه وصف "الجلالة" بصفة عرضية ، فإنها تحبس حتى يطيب لحمها ، فإذا طاب بعد مدة زمنية ، عندئذ يجوز أن تذكى ويؤكل لحمها ، قال ابن تيمية ، (فَإِذَا حُبِسَتْ حَتَّى تَطِيبَ كَانَتْ حَلَالًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِي لَبَنِهَا وَبَيْضِهَا وَعَرَقِهَا ، فَيَظْهَرُ نَتْنُ النَّجَاسَةِ وَخُبْثُهَا فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ عَادَتْ طَاهِرَةً فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِعِلَّةِ زَالَ بِزَوَالِهَا)[31].
والقرآن الكريم لم يفصل الأمر في سورة المائدة على نحو ما بينته السنة وشروح الفقهاء ، لأن محور السورة لا يدور حول أحكام الذبائح والأطعمة بقدر عنايته بأهل الكتاب ، وإخبارهم بشعائر المسلمين في العادات والعبادات ، وإنما استهلت السورة بذكر الذبائح توطئة لتمييز أهل الإيمان بشعائرهم عن أهل الكتاب ، فيعلمون أن من يوفون بنذورهم وشعائرهم هم أنفسهم الذين يوفون لهم بعهودهم وعقود الأمان والاستئمان ، وأن هؤلاء لا يخرجون عن جملة من يعظمون شعائر الله ، ومن ثم كان التركيز في سورة المائدة على إيصال معنى سيق اللفظ من أجله ، وهو التعريف بأن المؤمنين يراعون حقوق الله تعالى سواء أكان للنفس حظ فيها أم لا ، وبصرف النظر عن موضوع هذه الحقوق سواء أتعلقت بحيوان أم بإنسان أو المجتمعات ودول ، فكل ما جاء من الله شرع يلزمنا دون اعتبار لموضوعه ، لاسيما وقد أهلك الله قوم ثمود لما عصوا رسولهم وعقروا الناقة التي حرمها الله عليهم .
وفي قوله ﴿..غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ..﴾ بيان لحكم خاص يلتزم به "الْمُحْرِم" عند أداء شعيرة الحج أو العمرة حيث يُحَرَم عليه الصيد مطلقًا حتى يُتم حجه وعمرته ، وهو درس تربوي لتهذيب أخلاق المسلمين من خلال أداء هاتين الشعيرتين ، قال تعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) (البقرة/197) .
والمقصود بالصيد الممنوع أثناء الإحرام الوارد في الآية (صيد البر) وليس (صيد البحر) ، كما في قول تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ)(المائدة/96) ، فقد جعل الله من مناسك الحج الامتناع عن صيد البر حال الإحرام قال تعالى (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (المائدة/96) .
وتحريم الصيد يشمل ما صِيد لنفسه أو ما صاده غيره له ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r وَهُوَ حَرَامٌ قَالَ قَالَ أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ فَقَالَ إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ إِنَّا حُرُمٌ)[32] ، قال ابن الجوزي (وهذا محمول على أنه صِيد لأجله فلذلك امتنع من أكله)[33].
أما إذا لم يساهم المحرم في الصيد ولو بالإشارة فيحل له أن يأكل من الصيد إذا لم يكن قد صيد لأجله ، فعن أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا "أَتَانًا"[34] فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا وَقَالُوا أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ r قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا ثُمَّ قُلْنَا أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا قَالَ أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا قَالُوا لَا قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا)[35]، ولذلك اتفق العلماء على أنه (أنه لا يجوز للمحرم أكل الصيد إن صاده الحلال بأمره أو بإعانته أو بدلالته أو بإشارته)[36].
وتتجلى الحكمة من ذلك النهي التدريب على الالتزام بضبط النفس وكف اليد عن الحيوان وما أحله الله له من الطيبات ليكون المسلم أقدر على الالتزام بالوفاء بعقود والعهود ، فذلك دليل على خشيته لله ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المائدة/94) ، فكما أن الاعتداء على الحيوان حال الإحرام من حرمات الله التي توجب التهديد بعذاب الله ، فيكون من باب أولى تحريم دماء المعاهدين وعصمتها ، يقول النبي r (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)[37].
وفي قوله ﴿.. إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ أي أن إرادة الله تعالى هي الحاكمة ، قال الواحدي (يحلُّ ما يشاء ، ويحرِّم ما يشاء)[38] ، قال أبو حيان (فموجب الحكم والتكليف هو إرادته لا اعتراض عليه ، ولا معقب لحكمه ، لا مراعاة المصالح)[39] ، وإن كانت مرعية في كل ملة ، قال الألوسي (ليرض السالك بحكمه ليستريح ، ويهتدي إلى سبيل رشده)[40]
فحينما يتفكر المسلم في التحريم المؤقت حال الإحرام ، ويقارنه بالحل المؤبد في غير الإحرام ، فإذا انقضى إحرامه تذكر نعمة الله عليه بتسخير تلك البهائم له حال الحل ، فيشرع في عبادة ربه على النحو المطلوب شرعا متذكرا نعمة أن الله أحل له بهيمة الأنعام ، ولولا أن الله أحلها - شرعا- لما حلت له .
وفي قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾ عاد النداء مرة أخرى للمؤمنين للتأكيد على الحكم التكليفي للمحرم ، بنقل حكم "الأنعام" - إذا كانت محلا للهدي - تلك التي أحلها الله تعالى للمسلم -من دائرة الحل إلى دائرة الحرمة المؤقتة أثناء أداء مناسك الحج أو العمرة ، وذلك متى سيقت هذه الأنعام للهدي فقُلِّدت بقلاة لتتميز بها عن غيرها من الأنعام فلا يقربها أحد حتى يوم النحر
فعَنْ الْمِسْوَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (قَلَّدَ النَّبِيُّ r الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ)[41] ، (ومعنى "القلادة " عند أهل العلم ما يعلق في الأعناق من القلائد)[42] ، (و"التقليد" فإنه بالنسبة للغنم، بأن تُقلَّد إما قطعةً من الثياب أو نعلين أو ما أشبه ذلك مما يدل على أنها هدي .
و"الإشعار" (يكون بجرح الهدي جرحا صغيرا يسيل منه الدم ، ويتلون به جسد البدنة ، ليشعرها بأنها هدي) [43] ، ولعلها تفرح ويطيب لحمها ، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ r الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ وَسَلَتَ الدَّمَ وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ)[44]
قال العلماء ("إشعار الهدي" أن تُضرَب صفحة السنام من الإبل حتى يسيل منها الدم)[45] ، أي (أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دمٌ ، ثم يسلته ، فيكون ذلك علامة على كونها هديًا، وبذلك قال الجمهور من السلف والخلف)[46] .
و"صفحة السنام" (جانبه .. والمراد بالصفحة الجانب ، فكأنه قال جانب سنامها الأيمن ، ففي هذا الحديث استحباب الاشعار والتقليد في الهدايا من الابل وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف)[47]
قال ابن الجوزي (أصل "الإشعار" العلامة وإنما يفعل هذا بالهدي ليُعلم أنه قد جعل هديا ، وإشعار الهدي وتقليدها سنة عند أكثر العلماء ، وسبيل الإشعار سبيل الكي والوسم ليعرف بذلك المالك ، وكذلك الإشعار ليعلم أنها بدنة فتتميز وتصان)[48] .
وقال النووي (وأصل الاشعار والشعور الإعلام والعلامة ، وإشعار الهدى لكونه علامة له ، وهو مستحب ليُعلم أنه هدى فإن ضل رده واجده ، وإن اختلط بغيره تميز ،ولأن فيه إظهار شعار ، وفيه تنبيه غير صاحبه على فعل مثل فعله)[49]
فـ "الإشعار" و"التقليد" من أجل أن يَعرفها من رآها، ويقول: إنها هدي، فلا يتعرض لها بسوء)[50] ، وذلك حتى يعرف أصحابها إذا اختلطت معا.
وهذه شعيرة مرتبطة بتحقيق مصلحة عامة ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الحج/36) حيث تكون طعاما للفقراء وذي الحاجة ، كما تكون هدية للقانعين تحببا إليهم وتقربا لهم ، مما يقوي الروابط الاجتماعية على كل المستويات.
فالهدي وكذا "الأضحية" التي تذبح أو تنحر يوم العيد ، تكون طعاما للحجاج والفقراء والبؤساء، قال تعالى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج/28) ، وفي ذلك تعظيم لشعائر الله وحرماته قال تعالى﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ ﴿الحج /٣٠﴾ ، وقال﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ﴿الحج /٣2﴾ .
وفي إتباع هذه السنة تذكير للإنسان بنعمة تسخير الله هذه المخلوقات لنا ، فهي مسخرة بأمر الله ، ولولا أن الله سخرها لما حُلت لنا ، فالإنسان اعتاد على الأكل والشرب والصيد والنكاح ، ولكن أوامر الشرع تدخلت في عاداته على نحو معين ، لتحل له الطيبات وتحرم عليه الخبائث ، كما تحرم عليه بعض الطيبات تحريمًا مؤقتًا عند أداء مناسك الحج أو العمرة ، فلا يباح له الصيد حال الإحرام ، وعندئذ تدخل هذه العادات ضمن شعائر الإسلام ، لتصبح عبادة مخصوصة ، وهي قبل أن يجعلها الشارع من الشعائر كانت عادة محضة (الصيد) ، فكل عادة تصير إلى عبادة بالنية الصالحة ، لكنها ولكونها أضحت محلا لخطاب الشارع على وجه مخصوص ، أضحت شعيرة من الشعائر ، وأضحت لها مكانتها بين العبادات بتوقيف الشارع ،قال تعالى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (الحج/36) ، فلا يجوز له أن يحل الهدي قبل أوانه ، ولا أن يبطل شعيرة من شعائر الإحرام قبل ذلك ، بل علي المحرم أن يلتزم الحظر كاجتناب الجماع وحلق الرأس والصيد أو الذبح أو النحر للهدي قبل أوانه أو لبس المخيط ..الخ حتى يبلغ الهدي محله ، كما في قوله (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) .
لكن يجوز القيام بأعمال الهدي استقلالا عن الدخول في الإحرام ، وهو ما فعله النبي r بالمدينة المنورة ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ r ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا أَوْ قَلَّدْتُهَا ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلٌّ)[51]
أي أن السيدة عائشة كانت تصنع الأطواق وتفتلها (تجمعها وتلفها) ليضعونها على هدي النبي r فكانت تعدّ «قلائد الهدي» للنبي r ، وهي الأطواق التي توضع على رقاب الهدي ليعرف أنه مهداة للكعبة ثم كان النبي r يُشعر هذه الهدايا (يضع علامة عليها) ويقلّدها بها، ثم يبعث بها إلى مكة، بينما يقيم هو في المدينة وهو غير مُحرِم ، فكان يفعل في المدينة كل شيء يفعله غير المحرم من جماع وغيره ، قال النووي (ولم يترك شيئاً كان حلاً له ، أي: من الجماع ولبس المخيط وكل الأمور التي يمنع منها المحرم، فلم يمتنع منها رسول الله r ؛ لأنه لم يكن محرماً، فإرسال الهدي لا يعتبر إحراماً، فالإحرام هو نية الدخول في النسك)[52]، وفي الحديث دليل على أن الرجل لا يصير محرما بتقليد الهدي ، وهو قول أكثر أهل العلم .
لكن ذهب قوم إلى أنه إذا أراد الإحرام ، فقلد الهدي وجب عليه ، وهو قول الثوري وأحمد ، وإسحاق وأصحاب الرأي ، وروي عن ابن عباس أنه قال : من أهدي ، هدياً حرم عليه ما يحرم على الحاج ، وعن ابن عمر أنه قال : (إذا قلد هديه ، فقد أحرم ، وبه قال عطاء)[53]، ولعلهم يقصدون من ذلك أنه إذا قلد الهدي بنيه الدخول في الإحرام وجب .
ويستدل من الحديث كذلك جواز التوكيل في أعمال الهدي ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (رُبَّمَا فَتَلْتُ الْقَلَائِدَ[54] لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ r فَيُقَلِّدُ هَدْيَهُ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهِ ثُمَّ يُقِيمُ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ)[55]، قال ابن بطال (والحديث في الوكالة فى البدن – أي الهدي - وفى كل ما يجوز للإنسان أن ينوب عن غيره فيه منابه من الأعمال جائزة ، لا خلاف فى شىء من ذلك)[56]
قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ..﴾ والمعنى المتبادر للذهن في هذا الخصوص هو تعظيم حرمة دم الأنعام والأبدان التي يسوقها الحجاج والمعتمرين لمكة لأداء شعائر ومناسك فريضة الحج والعمرة ، وكذلك تعظيم حرمة دم الإنسان من أن يسفك احتراما للاتفاقيات الدولية ، فيكون دم الكافر معصوما بهذه العقود ، وترتفع حرمتها إلى درجة الشعائر ، لاسيما في البيت الحرام والأشهر الحرم ، ورغم أن فكرة الأشهر الحرم كانت في الأصل عادة من عادات العرب في الجاهلية قبل الإسلام ، حيث اتفقت القبائل مع بعضها البعض على هدنة مؤقتة خلال هذه الأشهر ، فلا يستحل بعضهم دماء بعض وليتوقف القتال والتناحر الدائر بينهم طوال العام لأجل ترك فترة زمنية معقولة للناس يأمنون خلالها على تجاراتهم وأموالهم فتسير عجلة الحياة ، وقد تعذر العيش طوال العام في قتال مستمر ، فما كان من الإسلام إلا أن أقر هذه الاتفاقية لما من شأنها من توطيد معنى السلام العالمي ، وبما يتفق مع دعوته ، ولذلك نزل قول الله تعالى (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (التوبة/4-5) .
وعن النبي قال r (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)[57]، وقد انتهز النبي r هذه المناسبة فأشار إلى حرمة الدماء لا سيما في الشهر الحرام والبيت الحرام ، متخذًا من حرمة الهدي وتدريب المسلمين على تعظيم شعائر الله توطئة للحديث عن هذا الموضوع ، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أن النَّبِيَّ r قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ -بِزِمَامِهِ - قَالَ (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ ؟ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ ؟ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا)[58] .
وإذ تناولت سورة المائدة أهل الكتاب بالذكر وكانوا هم المحور الأساسي لهذه السورة فإنها أوصت بوجوب الإيفاء بحقوقهم وعدم الجور عليهم ، فألمحت إلى هذا المعنى بوجوب التزام شعائر الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ ، فكان من شأن العطف بين "الهدي" – وهي الذبائح التي يهديها الحاج للفقراء – والشهر الحرام الذي أقر النبي r وقف القتال مع المشركين فيها ، تلك الأربعة المذكورة سفا ، وكذا حرمة البيت الحرام وعدم تعرض القادمين إليه بأذى حتى لو كان عليهم دم حتى يخرجوا منه ، كل ذلك كان تعظيما لشعائر الله تعالى ، قال تعالى ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ﴿الحج/32﴾ كل ذلك ليؤكد لأهل الكتاب ويطمئنهم أنهم طالموا تعاقدوا على السلم مع مسلمين الذين يحترمون شعائر الله في الهدى والأضحية ، فإنهم كذلك سوف يحترمون عهدهم لأن الله ساوى بين الأمرين في آية واحدة .
أما إذا كان الأمر بخلاف ذلك ووجدوا ممن تعاقدوا معهم عدم احترام لشعائر الدين وأحلوا لأنفسهم الهدي والقلائد أو انتهكوا حرمة البيت الحرام ، فليس لهؤلاء الناس كلمة على المسلمين ، إذ ليس بعصي عليهم أن ينتكهوا كذلك حرمة الأشهر الحرم ويسهل عليهم أن ينقضوا مواثيق السلام بينهم وبين أهل الكتاب ، فكان على أهل الكتاب أن يتحققوا من صفة من يعقدون معهم اتفاق سلام ، إذ عليهم أن يعلموا أن من ينقضون المواثيق معهم ليسوا نقباء عن أمة محمد r ، وإنما صادف إيجابهم قبول المنافقين الذين يتلبسون بمظهر الإسلام ، والإسلام منهم براء ، فليس عهدهم بحجة على المسلمين , كما أن نقضهم للعهد ليس بحجة عليهم كذلك .
وفي قوله ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ﴾ توسيع لأمان الإسلام ليمتد إلى القاصدين البيت الحرام ، وتخصيص مكة المكرمة بأن من يدخلها يكون آمنا على نفسه وماله وعرضه ، قال تعالى (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) (آل عمران/97)
فمن كان عليه دم وقصد البيت الحرام يجب أن يُؤمن حتى يخرج منها ، لاسيما إن كان قاصدًا أداء مناسك الحج والعمرة ، فيؤجل القصاص منه حتى يخرج منها ، وقبل أن يخرج من الحرم المكي لا يجوز أن يمس بسوء احترامًا لحرمة البيت الحرام
بذلك وسع الإسلام من دائرة السلام والأمان سواء مكانيًا أو زمانيًا أو في أحوال معينة كالإحرام بالحج أو العمرة ، يقول رسول الله (إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ فِيهَا فَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ) [59].
واستثناءً من مبدأ السلام والعهد ، فإن تحقيق السلام يتطلب كذلك أن يقبض على المجرمين أيا كانوا في أي وقت دون أي حصانة للشخص أو للمكان أو الزمان ، فعن عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ قَالَ (إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ[60])[61].
وقد فرق ابن قدامة في مسألة القصاص بين من يجني جناية خارج مكة ثم يدخلها ، ومن يجني جناية بها ، فقال (مَنْ جَنَى جِنَايَةً تُوجِبُ قَتْلًا خَارِجَ الْحَرَمِ ، ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِيهِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ) ، وهذا لا يمنع من القبض عليه لإستيفاء الحد منه خارج الحرم .
وقال (وَأَمَّا غَيْرُ الْقَتْلِ مِنْ الْحُدُودِ كُلِّهَا وَالْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ
إحْدَاهُمَا : لَا يُسْتَوْفَى مِنْ الْمُلْتَجِئِ إلَى الْحَرَمِ فِيهِ
وَالثَّانِيَةُ : يُسْتَوْفَى ..... وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُسْتَوْفَى مِنْهُ فِيهِ ؛ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِجَلْدِ الزَّانِي ، وَقَطْعِ السَّارِقِ ، وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان) .
وهذا بخلاف من أرتكب جريمة بالحرم فإنه يقاد منه ، قال ابن قدامة (وَمَنْ قَتَلَ أَوْ أَتَى حَدًّا فِي الْحَرَمِ ، أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ) (وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ ، بِجِنَايَةٍ فِيهِ تُوجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّهَا ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا) [62]
وحجته في ذلك قوله تَعَالَى : (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ)(البقرة/191) ، وقال (فَأَبَاحَ قَتْلَهُمْ عِنْدَ قِتَالِهِمْ فِي الْحَرَمِ ؛ وَلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ يَحْتَاجُونَ إلَى الزَّجْرِ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَغَيْرِهِمْ ، حِفْظًا لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ ، فَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ الْحَدُّ فِي حَقِّ مَنْ ارْتَكَبَ الْحَدَّ فِي الْحَرَمِ ، لَتَعَطَّلَتْ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ ، وَفَاتَتْ هَذِهِ الْمَصَالِحُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهَا ؛ وَلِأَنَّ الْجَانِيَ فِي الْحَرَمِ هَاتِكٌ لِحُرْمَتِهِ ، فَلَا يَنْتَهِضُ الْحَرَمُ لِتَحْرِيمِ ذِمَّتِهِ وَصِيَانَتِهِ ، بِمَنْزِلَةِ الْجَانِي فِي دَارِ الْمَلِكِ ، لَا يُعْصَمُ لِحُرْمَةِ الْمَلِكِ ، بِخِلَافِ الْمُلْتَجِئِ إلَيْهَا بِجِنَايَةٍ صَدَرَتْ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا)[63].
وفي قوله تعالى﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ رفع لحظر الصيد –المؤقت- بعد الإحلال من مناسك الحج ، أي حال أدائها والفراغ منها ، فحين يتحلل المحرم من إحرامه متى أتم حجه أو عمرته عندئذ يعود لحل الصيد ، وإنما حرم الصيد حال الإحرام بقوله تعالى (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ)(المائدة/1) ، وعليه فإن الأمر الوارد في قوله (فاصطادوا) ليس معناه الوجوب ، وإنما لرفع الحظر ، والعودة للحكم الأصلي وهو الإباحة .
بذلك يتذكر المسلم نعمة الصيد وتذكية الحيوان ، وفضل الله عليه أن سخر له الحيوان ليتقوى به على عبادة الله ، ولولا أن الله سخرها وأحلها لما حق له أن يستهدفها صيدا ويستحلها مطعما ، حيث ينتهي بذلك تدريبه العملي على السلم والسلام وكف اليد عن الحيوان إلا بإذن من الله ، ليكون بعد حجه أقدر على كف يده عن أي إنسان معاهد ومعصوم الدم .
قالوا عن الصيد أنه لهو الملوك ورياضتهم، وأنه يُعلّم الدقة والصبر ويُزيل الهم .
(فمن قومكَ الصِّيدُ صيدُ الملوكِ ومن قومها الأسدُ أسدُ الشرى)[64]
(صيد الملوك الصيد بالكواسر ** والخيل في وجه الصباح السافر )[65]
وقال خليل جبران [66]: -
( ألصيد لهو الملوك من قدم ** والنجب النابهين في الأمم )
( مزيلة للهموم باعثة ** من الركود المذيل للهمم )
( تهيء المرئ في تنزهه ** ليأخذ العيش أخذ مغتنم )
( هل مثل وجه الصباح مبتسما ** يريه للدهر وجه مبتسم )
( اي انشراح للصدر في نقل ** بين الربى والنجوع والأجم )
( وفي اجتلاء الفتى محاسنها ** إن ينطلق هاديا وإن يهم )
( وهي تقفيه ما يطارده ** وفي توقيه زلة القدم )
( وفي رمياته يوزعها ** من غير ضن بها ولا ندم )
( فتيان مصر اقتدوا بسيدكم ** ذي البأس في حينه وذي الكرم )
( في عزة الملك غير أن به ** لكل حال نشاط معتزم )
وفي قوله ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ﴾﴿المائدة/2﴾ خطاب للذين التزموا حدود الله تعالى في الأطعمة ، أن يلتزموا حدود شرعه بالعدل مع عدوهم ، أولئك الذين حرموا على أنفسهم ما حرمه الله عليهم ، والتزموا شعائر الحج والعمرة ، وامتنعوا عن الصيد حال الإحرام ، فهؤلاء أحرى بهم أن يطبقوا شرع الله فيمن يعادونهم ممن منعوهم من قبل أن يباشروا شعائر الحج والعمرة في المسجد الحرام , وذلك رغم أن الله وصفهم بالكفر والصد عن سبيل الله ، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (الحج/25) ، لأن الله تعالى لما فتح مكة للنبي r دون قتال ، واستسلم أهلها دون مقاومة تذكر ، حض المؤمنين أن يلتزموا العدل مع المشركين وإن كانوا قد صدوهم من قبل عن المسجد الحرام صارفين النظر عن عداوتهم السابقة معهم – وذلك بعد أن تأهلوا لذلك بالتدريب من خلال شعيرة الإحرام للحج - ، وغاية النهي ألا تحملهم عداوتهم لمشركي مكة الذين اضطهدوهم في الدين على أن يبغوا أو يعتدوا عليهم .
قال الشنقيطي (في هذه الآية دليل أن علي المسلم أن يعامل من عصى الله فيه، بأن يطيع الله فيه)[67]، فالحق سبحانه يريد من المؤمنين أن ينظروا للأمور بنظرة متجددة بعدما تغير الحال والمآل ، فقد آل إليهم الحُكم في مكة اليوم ، وأضحوا هم الأقوياء لا المستضعفين ، فلا ينبغي أن يكون تذكرهم مواقف كفار مكة معهم بصدهم عن المسجد الحرام فيما مضى حامل لهم على عدم الإنصاف معهم .
كما علل الشعراوي الحكم الوارد في هذه الآية بقوله (إنكم أيها المؤمنون قد أخذتم من الله القوامة على منهجه في الأرض ، والقائم على منهج الله في الأرض يجب ألا تكون له ذاتية ولا عصبية أسرية ، ولا عصبية قبلية ؛ لأنه جاء ليهيمن على الدنيا كلها ، ومن الصَّغار أن ينتقم المؤمن من الكافر عندما يأتي إلى بيت الله ، ولا يليق ذلك بمهمة القوامة على منهج الله) [68].
وهذا الحكم ينطبق على كل عدو أضحى في قبضة المسلمين بعد أن كان من قبل يعاديهم ويؤذيهم ، ويصد عن سبيل الله ، حيث يُطبق عليه ميزان الشرع والعدل بكف الإعتداء عنه لإثم اقترفه فيما مضى متى وقع فتحا لا حربا.
والاستثناء الحاصل للنبي r فقد حصل ساعة من النهار وهو خاص بهr يوم فتح مكة لإتمام الفتح، ثم عادت الحرمة فوراً ، حيث حُرِّمَ القتال والاعتداء على حرماتها قبل ذلك ولن يحل لأحد بعدها، وكان هذا الاستثناء خاصًا به
قال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ وَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إِلَّا الْإِذْخِرَ)[69]
وعن أبي هُرَيْرَةَ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ فَقَالَ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ r حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي وَرَسُولُ اللَّهِ r فِي كَتِيبَةٍ قَالَ فَنَظَرَ فَرَآنِي فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ ، فَقَالَ اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ قَالَ فَأَطَافُوا بِهِ وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا فَقَالُوا نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا ، قَالَ فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ ثُمَّ قَالَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ... قَالَ فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ قَالَ وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ r حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ قَالَ فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ قَالَ وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ r قَوْسٌ وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُهُ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ)[70]
وإنما يؤخذ القصاص ممن عرف عنهم أنهم مجرمي حرب ، أو من كان عليه قصاص منهم دون عدوان ولا بغي ، ولذلك كان ممن أمر النبي r بقتلهم من أهل مكة ممن كان عليهم الدم فيما مضى ، أربعة ، ذُكِروا في حديث مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ (لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ r النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَقَالَ اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ
- عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ
- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ
- وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ
- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ)[71].
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِىَّ r دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ [72] فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ «اقْتُلُوهُ» فَقَالَ مَالِكٌ نَعَمْ)[73].
وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله r أخرج عبد الله بن خطل من بين أستار الكعبة فقتله صبرا ثم قال : (لا يقتل أحد من قريش بعد هذا صبرا)[74] ، "صبراً" : تعني (أن يُؤسر الجاني ويُحبس ثم يُقتل، وليس يُقتل في ساحة المعركة) قيل أن هذا في حق رجال قريش إلى يوم القيامة إكرامًا لهم وحفظًا لمكانتهم ، ولعل المراد أنهم لن يعودوا ليرتكبوا أفعالًا تستوجب هذا النوع من القتل في المستقبل) ، وقيل: أن المرادُ بهذا الحديثِ (الإعلامُ بأنَّ قُرَيْشًا يُسلِمون كلُّهم، ولا يَرْتَدُّ أحدٌ منهم كما ارْتَدَّ غيرُهم بعدَه r مِمَّنْ حُورِبَ وقُتِلَ صَبْرًا).[75]
وفي قوله تعالى﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ تصريح بوجوب التماس كل ما يؤدي إلى البر والتقوى والتعاون على ذلك ، يقول النبي (وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)[76].
والأصل أن التعاون هو ما يهدف إليه الجميع ، قال القرطبي (هو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى)[77] ، وهو ما يفتح بابا واسعا لتعاون المسلمين مع غيرهم لتحقيق أعمال البر الإنساني ، فكل ما يحض على الخير يقبل التعاون والاشتراك ، سواء حصل من مسلم أو من غيره.
يقول الشيخ الشعراوي (هذه الآية هي التي تجعل مسألة الإيمان قضية عالمية ، وكلمة «تعاون» على وزن «تفاعل» ، والتفاعل يأتي من اثنين ، فمسائل الحياة أكثر من أن تستوعبها موهبة واحدة ، والتعاون خصص لكل إنسان عملا يقوم به ، فهناك متخصص في كل جزئية يحتاج إليها الإنسان من أوجه احتياجات الحياة ، والحق يأمر بالتعاون ليسير دولاب الحياة ، ويستفيد الإنسان من كل المواهب لقاء إخلاصه في أداء عمله ، وهذا هو التفاعل الذي تحتاج إليه أقضية الحياة التي شاءها الله للإنسان الخليفة في الأرض ، والمطالب أن يعبد الله الذي لا شريك له ، وأن يعمر هذه الأرض ، فلا بد أن تتكاتف الطاقات كلها لإنشاء عمارة الكون ، وهكذا تتعاون طاقات كثيرة لبناء واحد ، ولا تتحمله طاقة إنسان واحد ، فالتعاون أمر ضروري للاستخلاف في الحياة) [78].
وأشكال التعاون على الخير كثيرة ومتنوعة ، وقد عددها النبي r وقد عد منها صورا فقال r (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)[79]
وكان النبي r يشارك الصحابة ويعاونهم في الأعمال ، رغم أنه نبيهم وقائدهم ، ويكفونه العمل ، فعَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ r يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حَتَّى وَارَى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللَّهِ : -
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الْأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ)[80]
ولا منافاة في المعنى بين قوله تعالى (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) وقوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فالذي يستفاد من قصر الاستعانة على الله وحده ، توكل القلب على الله وحده ، لأن الله هو المسبب ، وهو الفاعل على الحقيقة ، لكن الإستعانة مسبوقة بالتعبد ، والتعبد يعني التماس الأسباب المشروعة التي ترضي الله تعالى ، وذلك بتنفيذ أوامره وترك نواهيه ، ومن جملة أوامره (التعاون) ، فيكون "التعاون" من باب التماس الأسباب المشروعة والمؤدية لما يرضي الله تعالى دون الانشغال بنتائجها الدنيوية ، فيحقق العبد بذلك العبادة مع الاستعانة
قال ابن القيم (سر التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب علي الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون اليها)[81].
وفي قوله ﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ نهي عن الاشتراك في كل ما فيه إثم أو عدوان ، وهو ما يعني أن المسلمين لابد وأن يسبروا عن كل اتفاقيات دولية قبل أن ينضموا إليه ، فيعرفوا مآلاتها ، ولا ينخدعوا بظاهرها ، فينضموا إلى ما فيه إعانة على الخير العام للبشرية ، ولا يقبلوا أبدا أي اتفاق يضاد ذلك ، مهما كانت النتائج والمبررات .
والخوض في الإثم والعدوان والاستمرار فيه هو نتيجة حتمية لترك التعاون على البر والتقوى ، والعكس كذلك صحيح ، فالتعاون على الحق يزيح أي تعاون على الشر ، فإهمال التعاون على البر يؤدي حتما إلى المشاركة في الإثم والعدوان ، فلا حياد إزاء تبني قضايا الخير والشر ، فمن لا ينضم إلى تأييد الخير والسعي على نشره يساهم بطريقة غير مباشرة في زيادة الشر واضطراده ، فالعالم بين قوتي جذب ، فإذا لم يعلن المسلم انتمائه لطرف الخير ، ويعمل على أن يجتمع المسلمون على كلمة واحدة ، فإنه لابد وأن يستقطب أهل الشر الشرذمة المتفرقة من المسلمين إليهم ، مثلما تنجذب برادة الحديد للمجال المغناطيسي .
لأنه كما أن أهل الخير يحتاجون إلى من يعاونهم على الخير ، فكذلك أهل الشر يحتاجون إلى من يعاونهم على الشر ، أما من يتخير موقفا وسطا أو محايدا إزاء قضايا الخير ، فلا يعين أهل الخير ، ولا أهل الشر ، فإنه سوف يجد نفسه بعد فترة يعين أهل الشر وهو لا يدري ، لأنه كما هو معلوم أن أهل الشر يعاون بعضهم بعضا ، فيستقوون بتلك الإعانة على أهل الخير وتكون الغلبة لهم ، أي الغلبة لمن يتعاونون فيما بينهم على من لا يتعاونون .
ولذلك حض النبي r على الجماعة فقال r (يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض)[82] ، يعني أن من يفارق جماعة المسلمين ولا يتعاون معهم ، فإن الشيطان يمد إليه يده ليحمله على الإثم والعدوان ، وبمعنى أخر أن المسلمين إذا لم يتعاونوا مع بعضهم البعض في أحلاف واتفاقيات ومعاهدات سياسية وتجارية واقتصادية ، فإن أهل الشر سوف يستقطبونهم للعمل معهم على الشر وإن خدعوهم وأوهموهم بأنه خير ، وهكذا يحملون المسلمين على أن ينضموا لهم بشروطهم التي تمثل إثما وعدوانا ، ولن يكون لهم خيار بعد ذلك ، وقد جُرفت أقدامهم لهذا المنزلق الخطير ، مثل وضع قوات غير مسلمة في بلدانهم بحجة حفظ الأمن في تلك البلاد ، فيكون استعانتهم بغير المسلمين سببا لتكثير سواد المشركين في جميع أنحاء العالم ، وتثبيت لأقدامهم ، وهم لا يدرون .
المسألة الثانية : دائرة التحريم في الإسلام محصورة
قال تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة/3)
قوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ) استئناف لشعائر الإسلام في إطار العادات ، لاسيما " الأكل "، وتفصيل للاستثناء الوارد ذكره إجمالا من قوله تعالى (إلا ما يتلى عليكم) ، وهذا ما يتلى علينا من المحرمات ، والمستثنى منه (ما أحله الله من بهيمة الأنعام) ، فيكون تفصيل التحريم وارد بتلك الآية (الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ....) على النحو التالي : -
أولا (الميتة) : تلك الأنعام التي لم تذكى ذكاة شرعية ، بمعنى أنها لم تذبح على الطريقة الإسلامية ، أي لم يُسفح دمها ويهراق قبل أن يأتيها الموت ، فلا يزال الدم محبوسا في بدنها ، حتى وإن كانت من بهيمة الأنعام ، قال الشيخ عبد المحسن العباد (الميتة هي كل ما أزهق روحه من غير ذكاة، وإذا أزهقت بذكاة لا تكون ميتة ، وهذا إنما يكون في مأكول اللحم، أما غير مأكول اللحم فذكاته لا تجعله غير ميتة بل هو ميتة ذكي أم لم يذك، وإنما الذي يأكل لحمه إذا لم يذك صار ميتة وإذا ذكي صار حلالاً)[83]، وحكمها محرم أكلها ، فمحل التحريم هنا الأكل منها لا غير .
وميتة الحيوان كل حيوان مات دون أن تتوافر فيه الشروط الشكلية ولا الموضوعية للتذكية : -
فالشروط الشكلية للذكاة : تتمثل في "التسمية" لقوله (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام/121) ، وفيه مسألتان : ذكاة المجنون ، وذكاة أهل الكتاب ، فأما ذبائح أهل الكتاب فيفرق بين الذميين وغير الذميين ، وفي ذلك تفصيل سوف نبينه في قوله (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ)[84].
وأما ذكاة المجنون فلا تحل ، قال ابن عثيمين (ذبح المجنون لا يحل أكله؛ ما ذبحه. أقول: إنَّ ذبح المجنون ليس بصحيح؛ وذلك لأن من شروط الذكاة قصد التذكية، والمجنون لا يصح منه القصد؛ لأنه ربما تفوته التسمية .
كما أنه ربما يفوت عليه قطع ما يجب قطعه عند الذكاة؛ وهما الودجان، فإن الودجين -وهما العرقان الغليظان اللذان يبرز منهما الدم- لا بد من قطعهما في الذكاة لقول رسول الله r (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) ، قال ابن عثيمين (وإنهار الدم لا يحصل إلا بقطع هذين الودجين؛ .. فذكاة المجنون فُقِدَ منها قطعاً قصد التذكية ويُخشى ألا يسمي الله عليها، وألا يقطع ما يجب قطعه في التذكية ، وكل هذه من أسباب المنع من أكل ما ذبح، وقد نص أهل العلم على أنه من شروط صحة الذكاة أن يكون المذكي عاقلاً)[85].
وأما الشروط الموضوعية للذكاة : فتتمثل في طريقة الذبح ذاتها ، والتي تتلخص في أن ينهار الدم ، بحيث يصفى الدم من العروق ، فيتخلص الجسد من الدم لأنه عندما يتخثر يفسد اللحم ، وجميع الشروط مذكورة في قول رسول الله (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ[86])[87] ، وفيما يلي ذكر للشروط الموضوعية للذكاة :-
أولا : يجب أن يكون الذبح في المحل الصحيح ، ومحل الذبح (الحلق واللبة) ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ) [88]، وعَنِ ابن الْفَرَافِصَةِ : أن الفَرَافِصَة كَانَ عِنْدَ عُمَرَ فَأَمَرَ مُنَادِيَهُ ، إنَّ النَّحْرَ فِي اللَّبَّةِ , وَالْحَلْقِ لِمَنْ قدر ، وَأَقِرُّوا الأَنْفُسَ حَتَّى تَزْهَقَ)[89] ، والمقصود بهما منطقة الرقبة ، سواء بالذبح أو النحر ، والأمرين سواء ، متى كان في المحل الصحيح ، يُستخدم مصطلح "الحلق واللُّبّة" للإشارة إلى المكان الذي يجب أن تتم فيه عملية الذكاة الشرعية للحيوانات مثل الأبقار، بينما تُذبح الإبل في "لُبّتها" وهي أسفل العنق ، فذلك أيسر للمذكي لطول رقبة الإبل وصعوبة الوصول للأعلى .
فالحلق هو الجزء العلوي من العنق حيث تُقطع الأوداج
واللُّبّة هي الجزء الأسفل من العنق
فنحر الجمل من أسفل الرقبة بطعنة غائرة بمحاذاة الصدر تماماً ، فالجمل يموت فور طعنه بهذه المنطقة بسرعة وبألم أقل
فعَنْ عَطَاءٍ قال (لَا ذَبْحَ وَلَا مَنْحَرَ إِلَّا فِي الْمَذْبَحِ وَالْمَنْحَرِ قُلْتُ أَيَجْزِي مَا يُذْبَحُ أَنْ أَنْحَرَهُ قَالَ نَعَمْ ذَكَرَ اللَّهُ ذَبْحَ الْبَقَرَةِ فَإِنْ ذَبَحْتَ شَيْئًا يُنْحَرُ جَازَ وَالنَّحْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ)[90] ، أي كما في قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً وَقَالَ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) ، قال (وَالذَّبْحُ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ)[91] .
قال ابن قدامة (وإنما نرى أن الذكاة اختصت بهذا المحل لانه مجمع العروق فينسفح الدم بالذبح فيه ويسرع زهوق النفس فيكون أطيب للحم وأخف على الحيوان)[92]، وقال (لا خلاف في أن الأكمل قطع الأربعة الحلقوم والمرئ والودجين ، فالحلقوم مجرى النفس والمرئ مجرى الطعام والشراب ، والودجان هما عرقان محيطان بالحلقوم لأنه أسرع لخروج روح الحيوان فيخف عليه ويخرج من الخلاف ، فيكون أولى ، والأول يجزئ لأنه قطع في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه فأشبه ما لو قطع الاربعة) [93].
والذبح يكون بتمرير السكين على الودجان فيقطعهما معا أو أحدهما ، والمقصود بذلك الرحمة بالحيوان ليكون أسرع لموته ، قال النبي r (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) [94].
ويستثنى من ذلك "الصيد إذا ما نفذ الجرح وانهار الدم من أي محل" ، لحديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ [95]الصَّيْدَ فَأُصِيبُ) فَقَالَ (إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ [96]فَلَا تَأْكُلْهُ) [97]، فالغاية من الخزق أن ينهار الدم مثلما هو الأمر في التذكية لقوله r (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ) ، فيحل "العقر" (الخزق) للصيد في أي موضع مميت ولا يشترط الإصابة محل الذبح أو النحر ، كما في الحديث (لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك)[98] فهذا محمول على الصيد .
فإذا ما صيد الصيد بسهم أو رمح أو ألة صيد كالمسدس والبندقية فخرق وأنهر الدم فجعل مكان إنهار الدم أي مكان من الحيوان ، ومات ، فقد حل الصيد دون حاجة إلى تذكية لأن المقصود منها قد تحقق بما تفعله ألة الصيد ، فالصيد لا يحل به الحيوان حتى يحصل إنهار الدم ، ولذلك لا يحل الصيد إذا لم يتحقق المقصود بانهيار الدم ، وإن مات الصيد ، فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ r عَنْ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ)[99]، أي حكمه حكم الموقوذة لا تحل ، لأنها تُميت دون أن ينهار الدم .
أما إن أدرك الصائد صيده حيا لم يمت فالعلماء أوجبوا عليه أن يذكيه قبل أن يموت [100]، فإن فاتته التذكية بعد إدراكه وكان في الوقت متسع للتذكية لكنه لم يفعل فإنها تعتبر ميتة لا تحل له ، لتقصيره في التذكية وفي الإمكان فعلها ، ووجه التفرقة هو "الإمكان" ، والعبد مأمور بما في حدود الاستطاعة .
فإذا ما تعذر القبض على الحيوان إلا بالصيد ، تسقط التذكية –تباعا- لتعذر الذبح والنحر ، ومن ثم كان العقر بالصيد محلهما ، مع مراعاة قاعدة (كل ما أمكن ذبحه من الصيد لم يبح إلا بذبحه)[101] لما ورد في الحديث رافع قال (إِنَّ بَعِيرًا نَدَّ وَلَيْسَ فِي الْقَوْمِ إِلَّا خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ فَحَبَسَهُ بِسَهْمٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا)[102] ، فالبعير مستأنس لكن إذا هرب أصبح غير المقدور عليه ، عندئذ يجرح في أي موضع، قال العلماء (وفي الحديث دليل على أن ما توحش من المستأنس يكون حكمه حكم الوحش ، كما أن ما تأنس من الوحش يكون حكمه حكم المستأنس)[103] ولهذا يجب ذبح الحصان المخطط إذا استئنس ، وكذا الغزال ..الخ ، ولا يجوز عقره في هذا الفرض .
وأما إذا لم يكن في الإمكان أن يتحقق الصائد من أن ألة صيده قد قتلت الصيد أو لا ، لكنه وجد قرينة على ذلك ، فإن صيده يحل مطعمه ، فعَنْ النَّبِيِّ قَالَ (إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ)[104] ، وعَنْ النَّبِيِّ r (فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ) [105] ، فإن اشتبه عليه موت الصيد بسبب آخر غير الخزق فلا يحل له الصيد ، فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ الصَّيْدِ قَالَ (إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ) [106] .
ثانيا : يجب أن يحقق الذبح المقصود منه ، بأن ينهار الدم ، ويجزئ في ذلك قطع الأوداج ، لحديث عطاء قال (وَالذَّبْحُ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ) [107] أي الشريانان الموصلان الدم للرأس ، فهذا هو القدر المجزئ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ) [108]
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ (إِذَا قَطَعَ الرَّأْسَ فَلَا بَأْسَ) [109] ، أما النحر فهو مختص بالإبل –كما قدم- لتعذر تسليمها للذبح فيجزئ الطعن في اللبة ، (الوهدة) التي بين الصدر والعنق - ، ولا يلزم قطع الأوداج بالطعن ، فيكفي بهذه الطريقة أن ينهار الدم بالطعن .
ثالثا : يجب أن تكون ألة القتل حادة ، فعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى –سكين- قَالَ (أَعْجِلْ أَوْ أَرْنِي مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُحَدِّثُكَ ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ)[110] ، قال النووي (وفى هذا الحديث تصريح بجواز الذبح بكل محدد يقطع –ألة مسنونة حادة- إلا الظفر والسن وسائر العظام فيدخل فى ذلك السيف والسكين والسنان والحجر والخشب والزجاج والقصب والخزف والنحاس وسائر الأشياء المحددة فكلها تحصل بها الذكاة الاالسن والظفر والعظام كلها
أما الظفر فيدخل فيه ظفر الآدمى وغيره من كل الحيوانات وسواء المتصل والمنفصل الطاهر والنجس فكله لاتجوز الذكاة به للحديث .
وأما السن فيدخل فيه سن الآدمى وغيره الطاهر والنجس والمتصل والمنفصل ويلحق به سائر العظام من كل الحيوان المتصل منها والمنفصل الطاهر والنجس فكله لاتجوز الذكاة)[111]
قال الخطابي (ظاهره يوهم أن مدى الحبشة لا تقع بها الذكاة ، ولا خلاف أن مسلما لو ذكى بمدية حبشي كافر جاز ، فمعنى الكلام أن أهل الحبشة يدمون مذابح الشاة بأظفارهم حتى تزهق النفس خنقا وتعذيبا ، ويحلونها محل الذكاة فلذلك ضرب المثل به) [112] ، قال ابن حجر(قيل نهى عنهما لأن الذبح بهما تعذيب للحيوان ، ولا يقطع به غالبا إلا الخنق الذي هو على صورة الذبح) [113].
كما أشار السيوطي إلى علة منع الذبح بالعظم (لأنه يتنجس بالدم ، وقد نهى النبي r عن الاستنجاء بالعظام لئلا تتنجس لكونها زاد إخوانكم من الجن) [114] .
ويجب مراعاة أن إحسان الذبح يتضمن عدم جواز الذبح بأي آلة تعذب الحيوان عن الطريقة العادية ، استعمال سكين صدئة ، والسكين المشرشرة لأنها ليست حادة ، والنبي r قال (وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) [115]، فالقتل بالمشرشرة فيه تعذيب للحيوان ، كذا السكاكين القصيرة ، لأنها مثل مدي الحبشة ، تحتاج لأن تمر على الرقبة أكثر من مرة ، كذلك الخنجر ألة للطعن وليس ولا يصلح لذبح الحيوان لأنه يحتاج لأكثر من طعنة ، فيعذب به .
فإذا مات الحيوان دون أن تتحقق هذه الشروط الثلاثة مجتمعة فلا يطيب لحمه للمسلم ، لأنه لم يذكْ الذكاة الشرعية ، فتأخذ الذبيحة حكم الميتة ، وتحرم عليه لأن الميتة غير مسخرة مطعما له بحكم الله ، والله تعالى لا يحلها مطعما له إلا بتوافر تلكم الشروط الشكلية والموضوعية آنفة البيان.
يقول الدكتور شوقي علام مفتي الدولة المصرية (وطريقة الذبح في الإسلام هي أرحم الطرق في إزهاق روح الحيوان وأكثرها إراحة له؛ إذ إنه بمجرد انقطاع تدفق الدم إلى المخ لا يشعر الحيوان بأية آلام، وذلك لا يتجاوز الدقيقتين كما يقول المتخصصون، ويغيب فيها الحيوان عن الوعي في جزء من الثانية، ويصفى دمه في نحو دقيقتين ،كما أنها أصح طريقة للحصول على لحمه، إذ بالذبح الشرعي يتم تصفية دم الحيوان من جميع أنسجته، وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن الذبح بالطريقة الإسلامية يخلص لحم الحيوان من البكتيريا أكثر بكثير من أي طريقة ذبح أخرى، وأنه إذا مات الحيوان قبل أن يُذبح فإن الدماء تتجمد في عروقه، مما يجعل لحمها مليئًا بالميكروبات والبكتيريا، وهذا قد يضر من يتناوله، وبذلك يظهر جليًّا حقيقة هذه الدعاوى الزائفة التي تسم طريقة الذبح في الإسلام بالوحشي)[116].
لمزيد من البيان اقرأ في "الإعجاز العلمي في انهار الدم من الذبيحة"[117]
مســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــألة : - حكم الحشرات والديدان والزواحف والبرمائيات والأحياء المائية ويجوز أكله منها ومالا يجوز :-
فأما بالنسبة للحشرات والديدان فتأخذ حكم الميتة ، فلا يجوز أكلها لأنها ليست أنعام إلا ما دل الدليل على حله كالجراد من الحشرات والضب من الزواحف والسمك من الأحياء المائية أما الترسة فهي أشبه بالبرمائيات وفيها قياس الشبه بين الأسماك والزواحف ، لكنها لا تصنف إحيائيا على أنها برمائية ، أضف لذلك سببين لتحريم ما لم يرد فيه نص خاص:-
الأول أنها تأكل الخبائث غير "الجراد" ، والإسلام يحرم أكل الجلالة ، على التفصيل السابق ذكره
والأمر الثاني أنه يتعذر أن تذكى حيث لا لبة بها ، فليس ثمة مكان يمكن أن تذكى منه ، فتأخذ حكم الميتة
وهو الأمر الذي حدا بالعلماء إلى تبويب بابا بعنوان (باب الذَّكَاةِ فِى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ)[118]
ويستثنى من ذلك "الجراد" فيجوز أكل ميتة الجراد دون تذكية ، لقول النبي (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ) [119]،وقد ذكر ابن القيم العلة في جواز أكل الجراد دون تزكية فقال (إن الميتة إنما حُرِّمَتْ لاحتقان الرُّطوباتِ والفضلاتِ والدمِ الخبيث فيها، والذكاةُ لما كانت تُزيل ذلك الدم والفضلات كانت سببَ الحِلِّ، وإلا فالموتُ لا يقتضى التحريم، فإنه حاصل بالذكاة كما يحصُلُ بغيرها، وإذا لم يكن فى الحيوان دم وفضلاتٌ تُزيلها الذكاة، لم يَحْرُمْ بالموت، ولم يُشترط لحِلِّه ذكاة كالجراد، والسمكُ من هذا الضرب، فإنه لو كان له دم وفضلات تحتقِن بموته، لم يَحِلَّ لموته بغير ذكاة)[120].
وقد أثبت العلم أن دم الحشرات مختلف عن الحيوان لأنه لا يحتوي على الهيمجلوبين ، بل يحتوي دم الجراد على سائل الدملمف يعمل على نقل العناصر الغذائية والهرمونات وخلايا الجهاز المناعي في جميع أنحاء الجسم ، لاسيما وأن إباحة أكل الجراد جاءت كبديل غذائي في أوقات المجاعات التي كان فيها الجراد سبباً في هلاك محاصيلهم .
ويضاف إلى ما تقدم أن الحشرات لا يجوز أكلها وتأخذ حكم الميتة كذلك ، خصوصا النحل والنمل ، للنهي عن قتلهما لما روي عن النبي r أنه (نهى عن قتل الخمسة عن النملة والنحلة والضفدع والصرد [121]والهدهد)[122] ، يستفاد من الحديث عدم جواز أكل هذه الخمس ، (لأن إباحة أكله وسيلة لقتله ، والنبي r نهى عن قتله)[123]، ويقاس عليها سائر الحشرات .
الصرد[124] الهدهد النحلة النمل الضفدع
وقد بنى العلماء على ذلك قاعدة ، وهي عدم جواز أكل ما نهي عن قتله ، لأنها بالقتل تأخذ حكم الميتة ، فلا تحل ، فهذا أحد أوجه تحريم أكلها ، يضاف إلى كونها تفترس وتتغذى على اللحم ، فالنهي الوارد بالحديث ينفي شبهة جواز أكلها لمن خال له أنها ليست من الخبائث ، لكن عند التحقيق يتبين أنها من المفترسات حتى "النحل" فقد أثبتت الأبحاث أنه يحتاج إلى اللحم ، ويتعذى على "الميكروبات" [125] ، ولذلك عسل النحل به مضادات حيوية لتلك الميكروبات .
أما بالنسبة للزواحف فالمفترس منها -كالتمساح والثعبان – حكمه حكم سباع الحيوانات لا يجوز أكلها ، ولأن لها ناب وتعدو على الغير ، وذات الحكم يتعدي إلى صغار الزواحف كالبرص والسحلية ...الخ لأنها من آكلات اللحوم كالجلالة وليست من الأنعام ولم يأت دليل على حلها .
أما من ليس بمفترس منها فإن كان غير مقدور فيه الذكاة ، فإنه يأخذ حكم حكم الحشرات والديدان فلا يجوز أكلها لأنها ميتة ، وأما ما يمكن تذكيته منها كالضب[126] ، فإنه عشبي – لا يأكل اللحم وليس له ناب ولا يعدو على الناس - ولذلك ورد في الضب حكم خاص ، وإن كان من الزواحف لكن يجوز أكله .
روي عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ فَقَالُوا هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ يَدَهُ فَقُلْتُ أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَالَ خَالِدٌ فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ يَنْظُرُ ) [127]
ولا يستثنى من تحريم أكل الميتة غير الجراد ، والأحياء المائية ، فميتتها يحل مطعمها دون حاجة لأن تذكى ، قال تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) ، وقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) (النحل/14) ، وقوله تعالى (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا) ، وسئل رسول الله عن ماء البحر فقال (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)[128] ، ولعل الحكمة من حل الكائنات البحرية دون تذكية اختلاف طبيعة الجهاز الدوري Circulation System فيها عن سائر الكائنات البرية ، بالإضافة إلى تأثرها بالبيئة البحرية التي تساعد على حفظها من تحلل أنسجتها إلا بعد فترة طويلة.
والسلحفاة من البرمائيات منها ما يعيش على البر، والسلحفاة والضب كلاهما عشبيان ولهما رقبة ويمكن تحقيق التذكية فيهما ، ومن ثم لا تحل السلحفاة ولا الضب إلا بالتذكية .
وجمهور أهل السنة على إباحتها ، فالسلحفاة - الترسة أو الحمسة - حلال عند كثير من العلماء وروى إبن حزم عن عطاء وعن طاووس وعن الحسن بن علي بن أبي طالب ومحمد بن علي بن أبي طالب وعن فقهاء المدينة في الحديث: كان فقهاء المدينة يشترون الرَّقَّ فيأْكلونه ، والإمام مالك بن أنس والإمام أحمد بن حنبل - بعد ذبحها - : إباحة أكل السلحفاة وزاد عطاء تفصيلا أنه قال : إذا كان نوع منه في البحر ونوع في البر كالسلحفاة فلكل نوع حكم نفسه
وقال ابن رشد في البداية : إختلفوا في ذكاة - ذبح - الحيوان الذي يكون تارة في البحر وتارة في البر مثل السلحفاة وقال البعض للخروج من الخلاف في السلحفاة البرية فالأولى أن تذكى.
قال ابن قدامة (ما كان مأواه البحر ، وهو يعيش في البر من دواب البحر كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء فلا يحل إلا أن يذبح هذا الصحيح من المذهب، قال أحمد كلب الماء نذبحه ولا أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبح)[129]
أما الضفدع فهو من البرمائيات –، حيث نهى النبي r عن قتله [130]، سواء لأكله أو للتداوي به ، وسواء بالتذكية أو غير تذكية ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ (أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ r عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ r عَنْ قَتْلِهَا)[131] ، قال العلماء في الشرح (نهاه عن قتلها ، فدل على أن الضفدع يحرم أكلها وأنها غير داخلة فيما أبيح من دواب الماء)[132]، قال الشيخ عبد المحسن عباد (والنهي عن قتلها يدل على تحريمها ، وعلى أنه لا يجوز استعمالها في الأدوية؛ لأنه لو كان يباح قتلها لأمكن استعمالها في الأدوية ، والذي لا يسوغ قتله لا يستعمل في الأدوية ، ولا يجوز أكله ، وهذا يدل على أن الضفادع لا تؤكل ، وهي مستثناة مما يعيش في البحر ، إذ لو كانت مباحة الأكل لأذن بقتلها ، والاستفادة منها أكلاً وتداوياً، فلما نهى عن قتلها دل على أنها لا تؤكل، وأنه لا يتداوى بها)[133] .
ويتفرع عما تقدم مسألة : هل تحريم أكل الميتة يتعدى لتحريم بيعها ؟ وهل يتعدى لتحريم الانتفاع بها قبل أم بعد تغيير صفتها ؟ فقد ورد في جواز الانتفاع بجلدها ، حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r (مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا قَالُوا إِنَّهَا مَيِّتَةٌ قَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)[134] ، فالحديث مبين لوجه التحريم على سبيل القطع بأنه يحرم أكلها .
لكن قد ورد النهي عن بيع الميتة بهذه "الصفة" حتى وإن كان لأجل الانتفاع بها في غير الأكل ، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ (إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ "بَيْعَ" الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ) فَقَالَ "لَا هُوَ حَرَامٌ " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ)[135]، فبيع جسد الميتة لا يجوز ، وإنما يجوز استخراج أشياء نافعة منها لبيعها كالدهن ، قال الخطابي (المراد بقوله "هو حرام" البيع لا الانتفاع)[136]، قال الصنعاني (والضمير في قوله "هو حرام" يحتمل أنه "للبيع" أي بيع "الميتة" ، وهذا هو الأظهر لأن الكلام مسوق له... فإنه ظاهر في توجه النهي إلى البيع الذي ترتب عليه أكل الثمن ، وإذا كان التحريم للبيع جاز الانتفاع بشحوم الميتة والأدهان المتنجسة في كل شيء غير أكل الآدمي)[137].
وفي المسألة تفصيل[138]، أي أنه لا يجوز بيع الميتة بهذه "الصفة" ، وهو المتفق عليه بين الفقهاء ، بأنه لا يجوز أن تباع الميتة على أن يستخلص منها شحمها ، فهذا الذي أبطله الشارع ، لما في ذلك من غرر ، فقد تتحلل ولا يستفاد منها بشحم ، وقد يتم المضاربة بجسد الميتة ، ويؤجل دفنها حتى يزيد سعرها ، وتستخلص منها الفوائد ، قال ابن بطال (أجمعت الأمة على أنه لا يجوز بيع الميتة والأصنام ، لأنه لا يحل الانتفاع بهما –أي بحالتها ميتة- ، فوضع الثمن فيهما إضاعة المال ، وقد نهى النبى عن إضاعة المال) [139]، ولذلك شدد النبي r على النهي بضرب المثال بما كان يفعله اليهود من التحايل على الحرام ، فالعلة في تحريم بيع الميتة أنها لا يستفاد منها بهذه الصفة لتحريم الأكل منها .
لكن أما إذا انتفت العلة من النهي بأن استخلص منها الجلد والشحم ، وبيعا منفصلين عن الجسد ، فقد انتفى الغرر ، وجاز البيع ، حيث يسهل تقويم الثمن بقدر حجم وكمية الشحم والجلد دون غرر ، ولذلك جوز الشارع صراحة بيع جلد الميتة ليتخذ ليدبغ وينتفع به ، لقول النبي r (هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا) أي جلدها ، فقَالُوا (إِنَّهَا مَيِّتَةٌ) ، فقَالَ r (إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) أي أن علة التحريم أكلها ، فلا تتعدى لانتفاع بجلدها وشحمها إذا أمكن فصله منها قبل أن تفسد ، فإذا استخلص الشحم من الميتة وبيع وحده أو انتفع به وحده فلا غرر ، لكن ورد في ذلك خلاف فقهي كذلك ، بين من تمسك بظاهر الحديث ، ومن حمل النهي على التعدي كذلك ، ومنهم من قصر النهي عن بيع الميتة بهذه الصفة فقط ، ولذلك جوَّز النووي في شرح الحديث أن (يستخلص جلدها ليباع وحده ، وكذلك شحمها كي ينتفع به ، وقال (فيه خلاف بين السلف ، والصحيح من مذهبنا جواز جميع ذلك)[140].
وأما (الدم) فهو محرم شربه لنجاسته ، والمقصود به المسفوح ، حيث يحمل المطلق الوارد في هذه الآية على المقيد الوارد في قوله تعالى (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا....) (الأنعام/145) ، قال البقاعي (وهو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق)[141]
قال الشعراوي (والدم المسفوح هو السائل الذي ينهال ويجري وينصب ساعة الذبح ، أما الدم الذي بلغ من قوة تماسكه أن كون عضواً في الجسم كالكبد أو الطحال فهو غير مسفوح) .
والمعنى المستنبط من مفهوم المخالفة أن الدم غير المسفوح لو كان متجمدا في العروق أو خطوطا في القدر يسيرا فلا بأس به ، فإنه لا يضر ، قال القرطبي (وقد روت عائشة رضي اللّه عنها قالت: "كنا نطبخ البرمة على عهد رسول اللّه r تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره" لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة، والإصر والمشقة في الدين موضوع. وهذا أصل في الشرع، أن كلما حرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثقل عليها سقطت العبادة عنها فيه)[142].
وروي ابن القيم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القدر)[143].
وأخرج ابن المنذر(ولا بأس بما كان في العروق منها)[144] .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز في الدم يكون في مذبح الشاة أو الدم يكون على أعلى القدر؟ قال : (لا بأس ، إنما نهى عن الدم المسفوح)[145] .
ويستثنى من حرمة أكل الدم شيئان، الكبد والطحال ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ)[146] .
الكبد الطحال
والحكمة من ذلك أنهما يعدان من الطيبات وليس من الخبائث ، فضلا عن أنهما يخرجان عن وصف الدم المسفوح ، فكلاهما دم متجمد قبل موت الذبيحة .
والجدير بالذكر أن الدم طعام مفضل للشياطين لأنه من النجاسات ، ومعلوم أن الشياطين تتغذى على طعام الإنسان وتستحله إذا لم يذكر اسم الله عليه ، وما تبقى من طعامه ، وما خالطه أذى أو نجاسة ، بدليل قول النبي r (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ) [147]، فإذا طعم المحرمات استحلتها ، ومنها نجاسات الخمر ولحم الخنزير والميتة والدم ، بدليل أن الدم أهم شيء في طقوس السحرة لإرضاء الشياطين ، فيسفك الساحر دماء الحيوانات ويقدمونها قربانا للشياطين، بما يسمى بالنذور الشيطانية [148]، وأحب دماء للشياطين "دماء الإنسان" ، يقول النبي (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)[149] (في العروق)[150] ، ففي العقود الشيطانية يذبح الساحر للشيطان بشرا لاسترضائه [151]، إن حقق له الأمنية التي يطلبها
مثال ذلك : صيغة حتب دي نسو[152]
وقد خشيت الملائكة أن يسفك الناس دماء بعضهم البعض إرضاءً للشياطين ، قال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة/30)، فنهى الإسلام عن شرب الدم قطعا لهذه المفاسد والشرور جميعًا.
وأما)لَحْمُ الْخِنْزِيرِ) فهو محرم بوصفه خنزير ، وبوصفه –كذلك - من السباع وله ناب ، فالخنزير حيوان لاحم عشبي تجتمع فيه الصفات السبعية والبهيمية ، فيخرج من وصف بهيمة الأنعام المحض ، لكن بعض الناس يحبسونه ويربونه على الأعشاب الطاهرة ، فنبه الشارع إلى أن الخنزير محرم لذاته واسمه ، لا لأنه يأكل الخبائث ولا لأنه مضر بالصحة ، وذلك من قبيل ابتلاء الله تعالى للإنسان ، فلا يزال لحمه حرام حتى ولو لم يأكل الخبائث وتربى في أفضل المزارع ، قال ابن جبرين (حرَّم الله لحم الخنزير ولو كان من الحيوانات البهيمية؛ لأنه يتغذى بالعذرة ويأكل النجاسات وهذا طبعه، فحُرِّم أكله ولو كان يُغذى بالنبات والطاهر من الأعلاف نظرًا إلى طبعه وميله إلى النجاسات)[153].
والتحريم يشمل أكله وبيعه ، قَالَ جَابِرٌ (حَرَّمَ النَّبِيُّ بَيْعَ الْخِنْزِيرِ)[154]، فهو بهذا الاعتبار مال غير متقوم عند المسلمين لا يستوجب التعويض ، لكنه عند أهل الذمة والمستأمنين مال متقوم ، فيجب تعويضهم إن أُتلف عليهم .
وعلة تحريم هذه الأصناف الثلاثة –الميتة والدم ولحم الخنزير- أنها "رجس" ، قال سبحانه (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ "رِجْسٌ") ، فهذه الأطعمة المحرمة هي طعام للشياطين بحكم أنها رجس ، وقد تساوت مع العذرة في الحكم ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (أَتَى الْخَلَاءَ فَقَالَ ائْتِنِي بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ هِيَ رِجْسٌ)[155] ، وهذا دليل على النجاسة الحسية للخمر والخنزير والدم المسفوح، لأن الشارع وصفهما بلفظ "رجس" وهو ذات اللفظ الذي أطلقه على العذرة "الروثة" .
ويدخل في التحريم لذات العلة "الحُمُر الأهلية أي المستأنسة" ، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ خَيْبَرَ أَصَبْنَا حُمُرًا خَارِجًا مِنْ الْقَرْيَةِ فَطَبَخْنَا مِنْهَا فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْهَا فَإِنَّهَا "رِجْسٌ" مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِمَا فِيهَا) ، فتساوت مع الخنزير في علة التحريم [156] ، قال الشراح (إنما حرمها لأنها رجس في نفسها ، وهذا أصح العلل ، وهذا نص في سبب التحريم ، وما عدا هذه من العلل فإنما هي حدس وظن)[157].
وأبدان الحمير طاهرة -ما دامت حية - لقوله تعالى (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) (النحل/8) ، فأجاز ركوبها لطهارة أبدانها
أما بدن الخنزير ، فثمة خلاف فقهي في نجاسته ، قال النووي (نقل ابن المنذر في كتاب الإجماع إجماع العلماء على نجاسة الخنزير وهو أولى ما يحتج به لو ثبت الإجماع، ولكن مذهب مالك طهارة الخنزير ما دام حيا، وأما ما احتج به المصنف فكذا احتج به غيره ولا دلالة فيه وليس لنا دليل واضح على نجاسة الخنزير) [158] .
وأما القول في قتل الخنزير فقد أجاز العلماء قتله باعتباره من الفواسق التي تهاجم الإنسان وبالقياس عليها ، فقد ورد عن رسول الله قال (خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يَقْتُلُهُنَّ فِي الْحَرَمِ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)[159] ، وقال r (خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) [160].
وعند التأمل نجد أن تعيين الفواسق الخمسة دون غيرها ليس على سبيل الحصر ، بل المثال ، وإنما ذكرت تحديدا لعلة أنها تعيش بين الناس ، فيكثر تضررهم منها ، أما غيرها مثل الخنزير وغيره من الفواسق الأخري التي تعيش بعيدًا عن الناس ، فإنه يجوز قتلها لذات العلة أي علة الفسوق ، احترازا من أن تعدو على الناس ، ولذلك أمر النبي r بقتل الوزغ (البرص) فعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ r أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا)[161]، وتسمية هذه الدواب بالفواسق (لخروجها من جُحْرها على الناس وإفسادِها) [162]وإن لم يذكر ضمن الفواسق الخمسة المتقدم ذكرها .
ومن جهة أخرى فقد ورد في قتل الخنزير حديث رَسُول اللَّهِ r قال (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ)[163] أي : يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله ، فهو غير متقوم في نظر الشرع بالنسبة للمسلمين ، أما عند غير المسلمين فقد " اتفق الفقهاء على أن أهل الذمة يقرون على ما عندهم من خنازير إلا أنهم يمنعون من إظهارها , ويمنعون من إطعامها مسلما , فإذا أظهروها أتلفت ولا ضمان"[164] ، لكني أرى والله أعلم أن لفظ الخنزير الوارد في الحديث هو وصف للدجال[165] ، والله أعلم .
وقوله تعالى (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ) حيث يدخل فيه تحريم كل الأطعمة التي قصد بها التقرب لغير الله ، أي كذبح لغير الله ، قال ابن تيمية (هذه الآية تعم كل ما نطق به لغير الله) ، لأن الإهلال النطق بالقول ، قال (ومعلوم أن ما حرم أن تجعل غير الله مسمى ، فكذلك منويًا ، إذ هذا مثل النيات في العبادات ، فإن اللفظ بها وإن كان أبلغ لكن الأصل القصد، .. فالعبرة بالنيات)[166]، قال الشعراوي (فما أهل لغير الله فيه شرك بالله ، فافتقد ذكر الله الذي ذلل للإنسان هذا الحيوان القريب من الإنسان في الحس والحركة وغير ذلك )[167] .
قال سبحانه ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ﴿الأنعام/121﴾ ، يقول النبي r (وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ)[168]، ذلك أن الذبح لغير الله من أعمال الشرك ، لأن القصد منه إرضاء الجن والشياطين ، وقد ينقلب إلى محاولة تسخيرهم للإقبال على الأعمال أو تركها مما يُعد فسق منهي عنه ، قال ابن تيمية (فَلاَ تَأْكُلُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ مِمَّا مَاتَ فَلَمْ تَذْبَحُوهُ ، وَلاَ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ، مِمَّا ذَبَحَهُ المُشْرِكُونَ لأَوْثَانِهِمْ ، فَإِنَّ أَكْلَ ذَلِكَ فِسْقٌ وَمَعْصِيَةٌ)[169] .
حكم ذبائح أهل الكتاب ؟ وما لم يعلم أذكر اسم الله عليه أم لم يذكر ؟
يرى العلماء حل ذبيحة الكتابي (اليهودي والنصراني) بشرطين [170]:-
الأول : أن يذبح الذبيحة كما يذبحها المسلم ، أي بالقطع في المحل الصحيح بآلة حادة ، أي تستوف الشروط الموضوعية للذكاة .
الثاني : ألا يذكر عليها اسم غير الله تعالى ، كاسم المسيح أو غيره ؛ لقوله تعالى في المحرمات : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ)(البقرة 173(.
قال ابن تيمية (لا بأس بأكل ما لم يسموا عليه إلا في وقت ما يذبحون لأعيادهم وكنائسهم ، فإنه في معنى قوله تعالى (وما أهل لغير الله به)[171] يعني بأس إلا إذا قام الدليل على أنهم يذبحون لغير الله .
فإذا لم تكن ثمة قرينة على أن "الذبيحة" قد ذكر عليها غير اسم الله ، فإنه يكفي لتجويز الأكل منها "التسمية" عليها ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ r إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَقَالَ "سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ" ، قَالَتْ "وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ") [172]، أي أن أغلب الظن أنهم لم يذكروا اسم الله عليه لأنهم أسلموا حديثا ، فالظن أنهم لا يعلمون أحكام الذبائح ووجوب التسمية قبل الذبح ، قال السندي (كأنه r أرشدهم بذلك إلى حمل حال المؤمن على الصلاح، وإن كان جاهلاً ، وأن الشك بلا دليل لا يضر ، وأن الوسوسة الخالية عن دليل يكفي في دفعها تسمية الآكل ، ... فالحديث -بظاهره- يفيد أن التسمية واجبة لكن تنوب تسمية الآكل عن تسمية الذابح)[173].
وفي قوله (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ َمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) تعداد لأسباب الموت بغير تذكية ، حيث تأخذ حكم "الميتة" فلا تحل إلا إن سبقت بذكاة قبل أن تموت :-
(الْمُنْخَنِقَةُ) التي ماتت بسبب الخنق .
و(الْمَوْقُوذَةُ) التي ماتت بسبب الوقذ أي ضربة شديدة .
و(الْمُتَرَدِّيَةُ) التي وقعت من جبل ونحوه فماتت .
و(النَّطِيحَةُ) التي ماتت بسبب إصابة نتيجة نطح بهيمة أخرى لها .
وجميعها أسباب للوفاة غير الذكاة الشرعية ، وذكرها على سبيل الخصوص لكثرة تكرارها ، وليس الحصر ، فالمسمومة كذلك ميتة ، والمريضة ميتة ، والمصعوقة بالكهرباء ميتة ، والغارقة ميتة ....وهكذا .
قوله (إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) ففي الاستثناء تفصيل لما قد يُشكل على البعض عندما تصيب البهيمة أسباب الموت ، فيسارع صاحبها بذبحها قبل أن تموت ، فبين الشارع الحكيم أن حكمها يلحق المذكاة ولا يلحق بالميتة ، فتحل متى أدركها المذكي بالذكاة ، فعَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا فَأَدْرَكَتْهَا فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ فَسُئِلَ النَّبِيُّ فَقَالَ كُلُوهَا) [174] .
كذا إذا هرب البعير المستأنس فإنه يأخذ حكم الصيد ، ومن ثم تكون تذكيته صيده بالعقر لا بالذبح ولا بالنحر متى كان متعذر إرجاعه إلا بذاك ، فعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنْ الْإِبِلِ قَالَ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ قَالَ ثُمَّ قَالَ إِنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا)[175] .
وفي قوله (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) والنُّصُب هي حجارة كانت منصوبة حول الكعبة يذبح عليها المشركون الذبائح تقرباً للآلهة ، وينضحونها بدماء الذبيحة في الجاهلية ، (ومثلها غيرها في أي مكان)[176] ، إذن علة التحريم هنا هو مجرد الذبح في هذه الأماكن حتى لو ذكر اسم الله عليها ، لأن في ذلك اشتباه على الغير بأنها ذبحت لإرضاء الشياطين .
لكن هناك من قال أن علة التحريم الذبح على النصب مماثلة لعلة تحريم ما أهل لغير الله ، قال القرطبي المعنى: (والنية فيها تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز)[177] .
وقال الشعراوي (والتحريم هنا بسبب عقدي مثله مثل تحريم ما أهل لغير الله به ؛ لأن النصب غير واهب ولا معط ، والواجب أن نتقرب إلى الواجد الواهب)[178]، وقال الشعراوي (والذي ذُبح على النصب وما أهلّ به لغير الله موجود وداخل في كلمة «الميتة»)[179] .
لكن هناك من حصر علة التحريم في كونها ذبحت في هذا المكان سواء أكان بنية تعظيمها أو بدون هذه النية ، وسواء أذكر اسم الله عليها أو ذكر اسم غيره ، قال صاحب الظلال (فهو محرم بسبب ذبحه على الأصنام حتى لو ذكر اسم الله عليه ، لما فيه من معنى الشرك بالله)[180]
ويؤيد ذلك ظاهر النص وعموم الأدلة ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ "بَلْدَحٍ"[181] وَذَاكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْوَحْيُ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [182] .
قال العلماء في الشرح (ظاهر هذا الحديث يدل أن زيدًا قال للنبى r : إنى لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ، يوهم أن النبى كان يأكل ذلك ، والنبى كان أولى باجتناب ذلك من زيد ، وقد جاء هذا الحديث مبينًا فى مناقب زيد بن عمرو فى كتاب فضائل الصحابة... فالسفرة إنما قدمتها قريش للنبى r فأبى أن يأكل منها ، فقدمها النبى r إلى زيد ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال لقريش الذين قدموها إلى النبى r : ( أنا لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ) ، وقالوا (جعله في سفرة رسول الله لا يدل على أنه كان يأكله ، وكم شيء يوضع في سفرة المسافر مما لا يأكله هو بل يأكل من معه ،وإنما لم ينه الرسول من معه عن أكله لأنه لم يوح إليه إذ ذاك ولم يؤمر بتبليغ شيء تحريما وتحليلا حينئذ)[183] ، قال الخطابي (كان النبي r لا يأكل مما يذبحون عليها للأصنام ، ويأكل ما عدا ذلك ، وإن كانوا لايذكرون اسم الله عليه لأن الشرع لم يكن نزل بعد ، بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه إلا بعد المبعث بمدة طويلة) [184] .
وفي قوله تعالى (وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ[185]) قيل "الاستقسام" : (طلب القسمة)[186]، بمعنى استشارة الآلهة ، والأزلام جمع " زَّلَمُ " أي سهم مكتوب عليه الأمر ، قال الزجاج (والزَّلَمُ "القِدْح لا ريش عليه" ، وهي السهام التي كان أَهل الجاهلية يستقسمون بها)[187]، وهي عادة جاهلية المقصود منها ، الاستبشار أو التشاؤم من المضي في أمر معين من خلال لعبة تعتمد على الصدفة باختيار سهم مكتوب عليه (افعل) أو (لا تفعل) من بين أسهم متعددة ، فيستبشر أو يتشاءم مريد الفعل عن القدوم على الفعل بناء على هذا الاختيار .
قال الزجاج (الاسْتِقْسام بالأَزلام والأَزْلام سِهام كانت لأَهل الجاهلية مكتوب على بعضها أَمَرَني ربِّي ، وعلى بعضها نَهاني ربي ، فإِذا أَراد الرجل سفَراً أَو أَمراً ضرب تلك القِداح فإِن خَرج السهم الذي عليه أَمرني ربي مضى لحاجته ، وإِن خرج الذي عليه نهاني ربي لم يمض في أَمره ، فأَعلم الله عز وجل أَن ذلك حَرام)[188] .
قال ابن القيم (حرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه بالاستخارة ودعائها)[189].
قال ابن عاشور (المعطوف هنا من نوع المتعاطفات التي قبله ، لأن العطف يكون في المتناسبات ، فالمراد هنا النهي عن أكل اللحم الذي يستقسمون عليه بالأزلام ، وهو لحم جزور الميسر لأنه حاصل بالمقامرة) [190]، أي أنهم كانوا يذبحون للشياطين حتى ترشدهم عن طريق الأزلام – الأقداح – إلى قسمتهم المقسومة لهم في المستقبل ، فيمضوا في طريقها أو يرجعوا ، فإن خرج السهم الثالث علموا أن الشياطين تريد مزيدا من الذبائح ، فيذبحوا ثانية حتى ترضى ويظهر لهم أحد الزلمين (افعل) أو (لا تفعل) ، فإن ظهر القدح الثالث (غفل) فيعيدوا الذبح مرة أخرى وهكذا حتى ترضى .
وفي ذلك إشارة إلى أن (كل معاملة ومُصَاحبةٍ بُنِيَتْ على استجلاب الحظوظ الدنيوية ، غير مأذون بها من الشرع - كالقمار) [191]، بمعنى أن أي كسب أو طعام إذا لم يكن بسبب شرعي فهو محرم ، فالطعام الذي يأتي تكسبًا من القمار محرم ، ومثله المراهنات والتحديات ...الخ .
وفي قوله (ذَلِكُمْ فِسْقٌ) أداة الإشارة راجعة إلى قوله تعالى (أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ) ، قال ابن عاشور (جعل الله الاستقسام فسقا لأن منه ما هو مقامرة، وفيه ما هو من شرائع الشرك ، لتطلب المسببات من غير أسبابها، إذ ليس الاستقسام سببا عاديا مضبوطا ، ولا سببا شرعيا)[192].
وينبني على ذلك أن كل طعام جاء بسبب غير شرعي فهو من أعمال الفسق ، وهو محرم كالذي يأتي بسبب البغاء أو المخدرات أو التجارة في الخمر أو القتل والعدوان ....ألخ ، يقول النبي r (لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ)[193] ، يقول رسول الله r (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)[194]..
وفي قوله (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ) إشارة إلى الظرف الزماني الذي ظهرت فيه شعائر الإسلام ، ومورست فيه عبادة المسلمين بحرية ، وهو ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم يوم فتح مكة بعد أن كانوا ممنوعين من الصلاة فيها ، فكانت قريش تضييق عليهم ممارسة حقهم في العبادة طمعا منهم أن يرتد المسلمون عن دينهم ، وطمعهم في ذلك مثلما طمع أهل الكتاب بالمدينة في ردة المسلمين عن دينهم قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (البقرة/109)
أما في إظهار شعائر الإسلام ففيه تحقيق لمطلوب شرعي بأن يقطع النبي r طمع الكافرين في أن يرتد المسلمون عن دينهم ، وقد أظهروا شعائرهم ، وتميزوا بها عن غيرهم ، فينتهوا عن مساوماتهم في دينهم ، قال ابن عاشور (كان المشركون – زمانا- إذا سمعوا أحكام الإسلام رجوا أن تثقل على المسلمين فيرتدوا عن الدين، ويرجعوا إلى الشرك ، فلما نزلت هذه الأحكام أنزل الله هذه الآية : بشارة للمؤمنين ، ونكاية بالمشركين)[195].
فبقدر تمسك المسلمين بأحكام الإسلام وبقدر إظهارهم لشعائره والتزامهم بسنة نبيهم ييأس الكفار من تحريف الدين وتبديله كما فعل بعض أهل الكتاب في التوراة والإنجيل ، لأن الإسلام محفوظ بتطبيق المسلمين لأحكامه وتمسكهم بشرعه ، يقول صاحب الظلال (يئسوا أن يبطلوه أو ينقصوه أو يحرفوه وقد كتب الله له الكمال ؛ وسجل له البقاء . . وقد يغلبون على المسلمين في موقعة أو في فترة ، ولكنهم لا يغلبون على هذا الدين ، فهو وحده الدين الذي بقي محفوظاً لا يناله الدثور ، ولا يناله التحريف أيضاً؛ على كثرة ما أراد أعداؤه أن يحرفوه؛ وعلى شدة ما كادوا له ، وعلى عمق جهالة أهله به في بعض العصور . . غير أن الله لا يخلي الأرض من عصبة مؤمنة؛ تعرف هذا الدين؛ وتناضل عنه ، ويبقى فيها كاملاً مفهوماً محفوظاً؛ حتى تسلمه إلى من يليها ، وصدق وعد الله في يأس الذين كفروا من هذا الدين!) [196].
فإذا ما حار الكفار أن يفعلوا ذلك بدين الله ، فلا حيلة لديهم إلا أن ينقلبون على المسلمين أنفسهم كيدًا وترهيبًا ، وعندئذ ، وعندما يشعرون باليأس تزيد مكايدهم ويشرعون في المكر بالمسلمين ، حيث يحاولون الكيد للمسلمين بطريق آخر خلاف فتنتهم في دينهم ، حيث يشرعون في الإيقاع بينهم ، ليكون بأسهم بينهم شديد ، قال رسول الله r (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) [197]وفي رواية قال r (قد يئس الشيطان بأن يُعبد بأرضكم ، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم)[198] .
وفي قوله (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) تثبيت للمسلمين كي يظلوا على الحق ، فلا يفتنهم الذين كفروا عن دينهم ، ولا يهابونهم ، كما في قوله (وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ) ، وقوله (وإياي فارهبون) ، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ ، وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ)[199] .
لاسيما عندما تزيد محاولات إرهابهم كلما زاد يأسهم ، وقد (ذكر الخشية هنا ولم يذكر الخوف ، لأن الخشية حذر من أمر قد وقع ، والخوف حذر من أمر لم يقع)[200] ، فقد وقع بهم ما هو محذور منه من الإيذاء المادي والمعنوي ، فإذا لم يخشوا مما وقع ، فليس عليهم بعد أن خافوا مما لم يقع ، قال ابن تيمية (أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ لَا يَخَافُوا حِزْبَ الشَّيْطَانِ ؛ بَلْ لَا يَخَافُونَ غَيْرَهُ تَعَالَى فَقَالَ:(إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أَيْ يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ)[201]
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَامَ خَطِيبًا فَكَانَ فِيمَا قَالَ (أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ) ، قَالَ فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ (قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا)[202] ، والمعنى (منعتنا هيبة الناس أن نتكلم فيها)[203].
قال السيوطي (الهيبة قد تكون بخوف تلف النفس والمال ، فالأمر للعزيمة لا للوجوب ، فإن الإجماع على أن الأمر بالمعروف يسقط في هذه الحالة بل يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان لقوله تعالى "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.." لكن العزيمة فعله لأن أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)[204].
وفي قوله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...) المقصود باليوم هو يوم عرفة في حجة الوداع [205]، حيث ظهرت شرائع الإسلام في مكة المكرمة بعد فتحها ، واكتمل تطبيق أركان الإسلام بحج النبي r في هذا العام ، ولم يكن قد حج قبله ، فأكمل النبي r وأصحابه الركن الخامس من أركان الإسلام ، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ r وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ)[206].
من هذا نرى مقدار التحول التدريجي على مدار أكثر من عشرين سنة في الدعوة النبوية التي ابتدأت سرا باستقبال آيات السور المكية التي تعني بالاهتمام باليوم الآخر وصفات الحق تبارك وتعالى إلى بيان أحكام الشريعة الإسلامية التي أنزلت في السور المدنية والاستقصاء تفصيلًا في هذه الأحكام إلى إظهار شعائر الإسلام بصورة علنية أمام الكافرين ، ليستبين أن رسالة الإسلام قد اكتملت بهذا التدرج التشريعي إلى نهايته ، ولم يبق إلا الالتزام بذلك ، فهذا هو الإسلام ، (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران 85) ، وعن عمر قال : (من مات وهو موسر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا)[207].
أي أن المسلمين اليوم يعلنون شعائرهم سواء أكانت معقولة المعنى أو لم يعقل المكلفون لها معنى ، وليغتاظ من يغتاظ بمخالفة المسلمين لهم ومخالفتهم لنا ، لاسيما وقد تطرق التشريع إلى بيان أحكام المحرمات من الأطعمة بما يعني أن الإسلام لم يترك صغيرة أو كبيرة إلا وقد أعطى لها حكما .
قوله (..وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي..) قال ابن عاشور (إتمام النعمة هو خلوصها مما يخالطها من الحرج والتعب ، وزوال ما كانوا يلقونه من الخوف ، فمكنهم من الحج آمنين مؤمنين خالصين، وطوع إليهم أعداءهم يوم حجة الوداع ، وقد كانوا من قبل في نعمة فأتمها عليهم، فلذلك قيد إتمام النعمة بذلك اليوم ،لأنه زمان ظهور هذا الإتمام ، إذ الآية نازلة يوم حجة الوداع على أصح الأقوال، فإن كانت نزلت يوم فتح مكة ،فتمام النعمة فيه على المسلمين أن مكنهم من أشد أعدائهم، وأحرصهم على استئصالهم)[208].
قوله (..وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) أي قد رضي الله تعالى الإسلام بعقيدته الصافية وتعاليمه الواضحة وأحكامه المبينة وشعائره الظاهرة دينًا للمسلمين ، فهذا هو الإسلام بكليته ، ولابد للمسلمين أن يفهموا ذلك ، قال تعالى (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ) (آل عمران/119) ، فمن يقتطع من الدين أحكاما ويترك أخرى ، فليس ذلك هو المسلم ، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) (البقرة 85)
قال ابن القيم (أضاف الدين إليهم إذ هم المختصون بهذا الدين القيم...،فلما كانوا هم القائمين به الفاعلين له بتوفيق ربهم نسبه إليهم فقال "أكملت لكم دينكم"، وأما دينه فهو شرعه المتضمن لأمره ونهيه ومحابه)[209]
وهذا يستتبع أن يرضى العبد بهذا الدين ، فيؤمن به إيمان رضا وتسليم ، قال تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء 65) ، فمن السنة الإقرار بهذا المعنى كل صلاة ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ قَالَ (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ)[210].
والرضا عن الله وعن رسوله وعن دين الإسلام يستتبع لزوما ضمان رضا الله عن العبد ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ إِنْسَانٍ أَوْ عَبْدٍ يَقُولُ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[211] ، قال ابن القيم شارحا لهذا الحديث (فمن رضي بالله ربا رضيه الله له عبدا ، ومن رضي عنه في عطائه ومنعه وبلائه وعافيته ، لم ينل بذلك درجة رضى الرب عنه إن لم يرض به ربا وبنبيه رسولا وبالإسلام دينا ،فإن العبد قد يرضى عن الله ربه فيما أعطاه وفيما منعه ولكن لا يرضى به وحده معبودا وإلها ،ولهذا إنما ضمن رضي العبد يوم القيامة لمن رضى به ربا)[212]، يقصد بذلك أن الإخلاص في العبادة لله هو الضامن لرضى الله عن العبد .
وفي قوله (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة/3) باب عظيم للتيسير على المكلفين رفعا للحرج والمشقة عنهم في ظروف الاضطرار بما يخرج عن حدود الاستطاعة ، لتظل التكاليف الربانية في حدود طاقة العبد ، إذ لا تخرج الإستطاعة عن إطار القدرة الإنسانية والطاقات البشرية ، دون عنت أو تضييق على العباد ، فالقاعدة الفقهية المتبعة في هذا الشأن أن المشقة تجلب التيسير [213].
وفي ذلك بيان واضح لترتيب مقاصد الشرع ، فيكون حفظ النفس مقدم على أداء شعائر الإسلام وما تتضمنه من تحريم لأكل الميتة أو غيرها ، ذلك أن من كمال الدين وتمام النعمة بيان أحكام الشرع في أحوال الاضطرار ، وتلك مناسبة لإظهار رحمة الله بعباده وتيسيره عليهم بما يناسب أحوالهم ، وذلك أدعى إلى تعميم الحكم بجواز الأكل مما ذكر من المحرمات بوجه –كذلك - بقدر حاجة المكلف ليحفظ جسده من الهلاك ، وبقدر إصلاح بدنه ، متى تعذر واستحال أن يطعم حلالا طيبا .
ولابد من الأخذ في الاعتبار أن التطرق إلى هذه االرخصة لايكون إلا في حال المخمصة ، أي المجاعة أو الجوع الشديد الذي يؤدي إلى ضمور البطن وخلوه من الطعام، فالكلمة تُستخدم للإشارة إلى حالة المجاعة الشديدة ، وهي أشد أنواع سوء التغذية ، والمعنى المرادف: الجوع الذي يجعل البطن "خماصاً" أي لاصقاً بالظهر، بسبب خلوه وضموره ، ومنه حديث النبي r عن الطير قال (لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)[214] .
وتلك ضرورة ملجئة ، فالضرورات تبيح المحظورات ، لكن لابد من الأخذ في الاعتبار كذلك أن الضرورة تقدر بقدرها، فينظر في مبتدأ المسألة وفي منتهاها ، فمبتدأها تقدير الظروف التي تؤدي إلى الاضطرار للأكل من الحرام أو شرب الخمر .الخ ، وما إذا كان ينطبق عليها وصف "المخمصة" أي "المهلكة" أم لا ، أي لم تصل لهذه الدرجة من الخطورة ، بأن كانت مجرد شدة يمكن تحملها ، ولا خطر محدق بالمرء ، ولذلك قَالَ الزُّهْرِيُّ (لَا يَحِلُّ شُرْبُ بَوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ لِأَنَّهُ رِجْسٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ) [215]
وعلامات حصول المخمصة من الناحية الطبية ثلاثة حيث يتجرد الأمر على ثلاث مراتب : -
المرتبة الأولى : سوء التغذية: حيث يفتقر الجسم إلى ما يحتاجه من فيتامينات وطاقة ومواد غذائية.
والمرتبة الثانية : ضمور الأعضاء: حيث يتسبب الجوع الشديد طويل الأمد في تلف في أعضاء الجسم نتيجة نقص التغذية.
والمرتبة الثالثة : تدهور الصحة بما يؤدي إلى خلل شديد في الوظائف الحيوية قد يؤدي إلى الموت .
أما منتهى المسألة فهو تقدير حد الضرورة الذي يبيح الأكل من الميتة - بحيث إذا تجاوز المضطر حد الاقتيات مسترسلا في الأكل بعد أن أقام صلبه يكون قد تجاوز وأثم ، وفي ذلك قال المالكية): يأكل ولا يتزود؛ فيأكل بقدر ما يسد الرمق، ولا يأخذ إلا بقدر ذلك ، كذلك لو أن إنساناً عانى من العطش أو الغصة فيأخذ من الخمر بقدر ما يزيل الضرورة).
قال الشعراوي ( قال رجال الشريعة: على الإنسان المضطر ألا يأكل من الميتة أو ما في حكمها بالقدر الذي يشبع ، بل يأخذ أقل الطعام الذي يمسك عليه رمقه ، ويبقى حياته فقط)[216].
وقد وسع البعض في معنى الإباحة وضيق دائرة الإثم فجعل الرخصة هنا أن يأكل حتى الشبع ، وبالتالي يكون حد الإثم (في قول أهل العراق أن يأكل فوق الشبع تلذذاً)[217] .
والصحيح أنه إذا كان عليه واجب الحفاظ على بدنه بالأكل منها حال المخمصة ، فإنه عليه واجب كذلك بأن يعف نفسه عما حرمه الله لاسيما ما ظهر ضرره كالخمر ، فيتجنب الضرر من المحرم قدر الإمكان ، مثلما يتجنب المهلكة ، فيجمع بين الأمرين ، من ذلك قَول ابْنُ مَسْعُودٍ فِي السَّكَرِ (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)[218] ، بمعنى أنه لا يجوز أن يشرب إلى حد السكر ، وإنما يشرب رشفات في حال المخمصة ليحفظ جسده من الموت ، وهكذا .
كذلك أشار الإمام البقاعي إلى إمكان الجمع بين الأمرين فقال (ففي السعة أن يجتنب ما يضر ، ..فمن اضطر لشيء مما حرم عليه فأكله لم تنله مضرة ، لأن الله سبحانه وتعالى إذا أباح شيئاً أذهب ضره « إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها » ، ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر وتطييباً في الباطن ، فكما رفع عنه حكمها الكتابي يتم فضله فيرفع عنه ضرها الطبيعي)[219] .
وهذا الذي ذكره البقاعي لعله ما يتمناه ببركة الالتزام بشرع الله ، لكن الله قد يبتلي المضطر بشيء من الضر بسبب تناول الميتة أو الخمر وإن كان حال الاضطرار ، لكن المسلم يدفع الضرر الأكبر بتحمل مشقة الضرر الأدنى ، فلا غرو أن الخمر تلحق ضررا كبيرا ، فإذا اضطر المرء لشربها في حال المخمصة ، فإنه يجب أن يوازن بين الأمرين حتى يقل ضرر الخمر في بدنه قدر الإمكان ، كأن يأخذ رشفة واحدة كلما اشد عليه الظمأ وأصابه إعياء شديد من العطش ليحفظ جسده من الهلاك ، ولعله يحظى بكرامة أولياء الله فيشفى بدنه من سمها لأنه مضطر لذلك ، وقد التزم الشرع وأخذ بالرخصة مخافة أن يتضرر بدنه ويهلك ، وهو مسئول عن التماس الأسباب الشرعية والأخذ بالرخص المشروعة لحفظ بدنه .
المسألة الثالثة : دائرة الحل في الإسلام واسعة بما يغني عن الحرام
قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة 4- 5)
الشرع هو الطريق الصحيح لعبادة الله ، وهو الذي يبيَّن للمكلف ما يجب عليه فعله ، وما لا يجوز فعله ، وبيَّن له ما أباحه له من العادات ، ليفعلها على وجه التعبد ، فقربه إلى ما ينفعه وحضه عليه ، و"نهاه" عما يضره ، فأحل الله الطيبات للمؤمنين وحرم عليهم الخبائث ، وفي ذلك بعض التفصيل .
ففي قوله (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) فالإتيان بلفظ المضارع (يَسْأَلُونَكَ) لتوقع الناس تكرار الأمر من الله في مسألة الحل والتحريم ، فيكون سؤالهم عن ضبط الحلال ، قال ابن عاشور (لأن النفوس تتوجه إلى معرفة ما عسى أن يكون قد حُرِّم عليهم من غير ما عدد لهم في الآيات السابقة)[220] ، ذلك أنه بعد أن حدد الإسلام المحرمات من الأطعمة ، ومنها "الميتة" بصورها والدم ولحم الخنزير وكل طعام جاء بسبب غير مشروع داخل في دائرة التحريم ، بادر الصحابة بالسؤال عما أحل لهم أو قد يدور في أذهانهم السؤال عن ذلك ، إذ قد يوهم لفظ (أحلَّت لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ) أن ما أحله الله تعالى محصور مثل الذي حرمه سبحانه فإنه محدد ومحصور ، لكن إجابة الإسلام كانت شافية وكافية بأن الله تعالى أحل (الطيبات) ، فهي دائرة واسعة تشمل كل طيب بلا تحديد لنوعه أو صفته ، كذلك قد تثور مسائل يختلط فيها الخبيث بالطيب ، وهنا لا بد من استفتاء عن حكم الشرع في هذه المسألة .
وحسنا فعل الصحابة حينما توقفوا في هذه المسألة بعد تلك الإجابة ، لعلمهم أن السؤال بعد ذلك تنطع في الدين ، فينبغي السؤال عند الحاجة ، ولا ينبغي افتراض المشكلة قبل أن تقع ، يقول النبي r (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ)[221] ، وقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (المائدة/87) ، قال تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف/32) ، فلا يجوز لمسلم أن يحرم على نفسه أو غيره أي شيء من الطيبات التي أحلها الله له ، وإلا عوتب كما عوتب نبيه في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) (التحريم/1) ، فإذا كان من الورع ترك الخبيث فكذلك من الواجب عدم تحريم الطيب أي ما كان في معنى الطيب .
ولما كان المقصود بالطيبات كل ما فيه نفع للإنسان ، وتحقيق مصلحة معتبرة شرعا ، علم من ذلك أن الله حرم كل خبيث ، أي ما ليس بطيب بإطلاق ، قال تعالى (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) (الأعراف/157) ، إذن معيار الطيبات هو ما كان بخلاف الخبائث ، فإذا كان الخبيث محدد بالنص أو معين بحسب ضرره ، فإن الطيبات ما سوى ذلك ، ومن ثم كان كل ما لم يشمله التحريم من الطيبات ، فالطيبات غير محدودة ، بخلاف الخبائث ، وذلك من باب السعة والرحمة ، وإنما ينظر في تحديد وصف الشيء طيبا أم خبيثا في ذاته أو بسببه ، فإذا كانت ذاته خبيثة فهو خبيث ، وإن كانت ذاته طيبة لكنه جاء بمصدر خبيث مثل أعمال الفسق كالاستقسام بالأزلام أو البغاء ونحو ذلك فإنه خبيث ، أما الطيب فهو ما كانت ذاته طيبة ومصدره طيب ، يقول النبي r (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)[222] .
ولا عبرة فيما تستلذه النفس أو لا تستطيبه في تحديد وصف الطيبات ، وذلك لاختلاف طبائع الناس وعاداتهم ، فمن الناس من يستطيب "لحم الخنزير" وقد نهى الشارع عنه ، ومن الناس من لا يستطيب "لحم الضب" ،وهو حلال ، ففي الحديث عن خَالِد بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي - سَيْفُ اللَّهِ - أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r عَلَى مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا -مشويا- قَدْ قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ ، فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ r وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ ، فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ r يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ r مَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ r يَدَهُ عَنْ الضَّبِّ ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَالَ خَالِدٌ فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ r يَنْظُرُ إِلَيَّ)[223] فتلك سنة تقريرية بأنه حلال ، وإن لم يكن رسول الله r يستسيغه بل كان يعافه .
مسألة : حكم الطيبات المختلطة بالخبائث
السؤال هنا عن حكم ما إذا اختلط الخبيث بالطيب بحيث يعذر الفصل بينهما ؟ القاعدة هنا أن ينظر لأيهما أرجح المصلحة أم المفسدة ، لكن هذه القاعدة مقيدة بأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة [224]، وأولى ، ففي كثير من الحالات تهدر المصلحة إن لم تكن راجحة على المفسدة وإن كانت مرجوحة .
وقد تكلم الرازي في اختلاط المفاسد بالمصالح بحيث يتعذر الفصل بينهما أحيانا فقال (المناسبة لا تبطل بالمعارضة ، والدليل عليه أن كون الوصف مناسبا إنما يكون لكونه مشتملا على جلب منفعة أو دفع مضرة وذلك لا يبطل بالمعارضة ، لأن الوصفان المناسبان المتعارضتان إما أن يكونا متساويتين أو إحداهما أرجح من الأخرى ، فإن كان الأول (أي متساويتان) لم يكن بطلان إحداهما بالأخرى أولى من العكس ، فإما أن نبطل كل واحدة منهما بالأخرى وهو محال لأن مقتضى عدم كل واحدة منهما وجود الأخرى ، وأما أن لا تبطل إحداهما بالأخرى عند التعارض وذلك هو المطلوب ، هنا يقال أن المفسدة الراجحة إذا صارت معارضة بمصلحة مرجوحة ....فليس اندفاع بعض أجزاء الطرف الراجح بالطرف المرجوح وبقاء بعضه أولى من اندفاع ما فرض باقيا وبقاء ما فرض زائلا لأن تلك الأجزاء متساوية في الحقيقة ...فقد تقرر في الشرع إثبات الأحكام المختلفة نظرا إلى الجهات المختلفة )[225].
مثال ذلك : الدواء الذي فيه نوع من السم ، فقبل القول بمشروعيته يجب أن تقاس منفعته ويتم موازنتها بمفسدته ، لأن رسول الله r (مَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا)[226] ، فكل ما يندرج تحت وصف السم سواء أكان ضرره فتاك أو قاصر على إيذاء الجسم في شيء منه ، فهو حرام وليس بطيب ، لكن الدواء له منافع ، فهل يجوز التداوي بدواء له آثاره جانبية محدودة ؟ أي يمكن تحملها لأجل العلاج من مرض أشد ، فالقائلون بتجويزه أخذوا بهذا الرأي من باب دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر [227]، أي أن استعماله من باب ارتكاب أخف الضررين [228].
ولذلك أفتت اللجنة العلمية الدائمة في حكم استعمال " البثدين " أو " المورفين " وهي أدوية ذات تأثير مسكر عند الضرورة أو عند الحاجة ؟ فأجابوا : " إذا لم يُعرف مواد أخرى مباحة تستعمل لتخفيف الألم عند المريض سوى هاتين المادتين : جاز استعمال كل منها لتخفيف الألم عند الضرورة ، وهذا ما لم يترتب على استعمالها ضرر أشد أو مساوٍ كإدمان استعمالها"[229].
مثال آخر : حكم شراء الأسهم المختلطة ، ففيه تفصيل وخلاف بين العلماء ؛ وذلك إذا تعذر الفصل بينهما ، ويحصل ذلك كثيرا إذا اختلط المال مع الشركاء واتجهم الشركة إلى معاملات بعضها طيب وبعضها خبيث ، ولا خيار للشريك للتخارج في بعض الأحيان ، ففيه رأيان :-
الرأي الأول يرى تحريمها مطلقاً لتعاملها بالربا ولو بنسبة قليلة وهو موقف من أخذ (بالورع والاحتياط)، وهو قول جمهور العلماء المعاصرين من أنه لا يجوز شراء أسهم في شركات تتعامل بالربا ، ولو كان نشاطها الأصلي مباحاً، وبهذا صدر قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ونصه: (الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات، كالربا ونحوه بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة )[230] ،
وكذا صدر بذلك قرار من المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي والتي مقرها مكة المكرمة، ونصه: لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا وكان المشتري عالماً بذلك.
والرأي الثاني يرى جوازها بشروط وضوابط ، وذهب إليه بعض العلماء المعاصرين، وبعض الهيئات الشرعية القائمة على بعض المؤسسات الاستثمارية الإسلامية إلى جواز ذلك مع وجوب التخلص من نسبة الفائدة الربوية التي يتم الحصول عليها ضمن الأرباح الناتجة، وممن قال هذا الهيئة الشرعية لشركة الراجحي للاستثمار، والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني، الشيخ ابن منيع، والقائلون بالجواز نظروا إلى تيسير المصلحة مع تجنب قدر المفسدة بتطهير المال من الفساد بالصدقة ، ووضعوا لذلك ضوابط تتمثل فيما يلي : -
الأعيان والمنافع: يجب أن تكون الأصول العينية للشركة (مصانع، أراضٍ) والمنافع الحلال أكثر من الديون الربوية والسيولة، وتحدد بعض الهيئات الشرعية نسبة لا تقل عن 30% أعيان.
نسبة الإيرادات المحرمة: ألا تتجاوز نسبة الإيرادات من المصادر المحرمة (كالفوائد الربوية) نسبة معينة، كأن لا تزيد عن 5% من إجمالي الإيرادات.
التطهير: يجب على المساهم تطهير الأرباح المحرمة عن طريق إخراج المبلغ المقابل لها والتصدق به، ولا يجوز له الانتفاع به شخصياً.
مثال ثالث : حكـم تـداول أسـهم الـشركات، وحكـم الـدخول في الـصناديق الاستثمارية والخـروج منهـا إذا كانـت تلـك الـشركات أو الـصناديق مـشتملة عـلى نقـود أو ديون غالبة على الأعيان والمنافع والقيمة المعنوية ، ولإيضاح ذلك فإن بعض الصناديق الاستثمارية - مـثلا- قـد جعلـت نـشاطها في شراء السلع من سيارات أو عقارات أو معـادن وغيرهـا، ثـم بيعهـا بالتقـسيط، وفي بدايـة نـشاط ً الصندوق تكون معظم الموجودات سلعا، لكن مع الزمن تتكاثر الـديون، كـما يكـون جـزء من الموجودات نقودا في الصندوق، فتغلب حينئذ نسبة الديون والنقـود عـلى الـسلع، وقـدتصل نسبة السلع إلى ٢٠ %أو أقل من الموجـودات، ففـي حالـة كـون الـصندوق مفتوحـا- بمعنى أن للمستثمر أن يخرج في أي وقت وللراغب أن يدخل فيه في أي وقت- هل يكون الخارج بائعا لوحداته والداخل مشتريا لوحدات الـصندوق، وهـل يكـون ذلـك مـن بـاب بيع الدين أو بيع النقد إذا كانت أكثر الموجودات ديونـا ونقـودا؟ [231]ومـن المعلـوم «أن للاجتماع تأثيرا في الأحكام لا تكون في حالة الانفراد»[232]
. ويلاحظ أن هذا الإشكال إنما يرد في الصناديق المفتوحة التـي تكثـر فيهـا نـسبة الـديون والنقود
أمـا الـصناديق المفتوحـة التـي تكـون معظـم موجوداتهـا سـلعا ومنـافع كـصناديق الإجارة، والصناديق المغلقة التي تصفى في آخر المدة ثـم يفـتح الاشـتراك فيهـا مـن جديـد، فإنه لا يرد عليها هذا الإشكال. ً
كذلك في حالة تمحض النقود، كحالة الشركات في بداية الاكتتاب مثلا، وفي حالة تمحض الديون كالصناديق التي تعمل في بيـوع بالأجـل عنـد توقـف النـشاط فيهـا لتـصفيتها، فـإن الأمر يختلف، ويقال هنا: إنه يطبق عليها أحكام بيع النقود أو بيع الديون.
ومن الأمثلة على هذه المسألة أيضا : ً أسـهم المـصارف الإسـلامية فـإن جـزءا كبيرا من موجودات تلك المصارف عبارة عن نقود وديون في ذمم العملاء ناشئة مـن بيـوع التقسيط من مرابحات وغيرها، ولديها أعيان ومنافع لا تمثـل نـسبة كبـيرة، كـما أنهـا تتمتـع بقيمة معنوية، قد تقل أو تكثر، وهكذا، فتلك الأمثلـة ونحوهـا ممـا تكـون فيهـا الموجـودات للـشركة أو الـصندوق مختلطـة مـن أعيان ومنافع وديون ونقـود وقيمـة معنويـة هـل يكـون لاجتماعهـا أثـر؟ وفي هذه المسألة انقسمت الآراء إلى أربعة ، وبيانها على النحو الآتي:-
الرأي الأول: مبني على اعتبار الكثرة أو الغلبة أساساً: وعـلى ذلـك فإنـه إذا كانـت الأكثريـة أو الغلبـة للأعيان والمنافع والحقوق المعنويـة للـشركة، وكانـت الـديون والنقـود قليلـة، جـاز تـداولأسهم الشركات ووحدات الصناديق بيعا وشراء، وفي هذه الحالة لا أثر لوجـود الـديون أو النقود؛ لكونها قليلة، وبالعكس فيما إذا تكاثرت الديون والنقود وجـب أن يراعـى أحكـام الدين والصرف في التعامل بالأسهم والوحدات، وتضبط القلة بالثلث فما دونه.
الرأي الثاني: أن العبرة بالقصد، وما عداه فتبع، بناء على قاعدة (التبعية(، وعـلى ذلـك: فـإن الـديون والنقـود في الـشركات والصناديق تكون تابعة مهما كانت نسبتها، والأصـل المتبـوع حينئـذ إمـا أن يكـون نـشاطها وإنتاجها، أو الأعيان والمنافع والقيمة المعنوية.
الرأي الثالث: القول بالشخصية الاعتبارية للشركات أو الذمة المالية :وعلى ذلك فإنه يجوز تداول الأسهم بغض النظر عن مكوناتها؛ لأن محـل التـداول هـو جـزء مـن الشخـصية الاعتباريـة للشركة .
الرأي الرابع : القول بجواز التعامل بالأسهم وتداول وحدات الـصناديق بنـاء علـى التخارج : وبناء على ذلك يجوز تداول أسهم الشركات ووحـدات الـصناديق دون النظر إلى نسبة النقود والديون[233].
وفي قوله (وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)(المائدة/4) توسيع كبير لدائرة الحل من حيث سببه ، ورفع للحرج عن المسلمين بأن أتاح الله لهم أن يأكلوا من صيدهم أو من صيد الحيوانات أو الطيور الجارحة المدربة على الصيد للإنسان ، ذلك أنه لو كان المال والطعام الذي يأتي من الاستقسام بالأزلام "ولعب القمار" محرم باعتبار سببه ، فإن الطعام الذي يأتي بالصيد من الطيبات لمن أراد أن يكتسبه بالحلال ، فالصيد سبيل لاكتساب الرزق الحلال ، لاسيما المجاهدون في سبيل الله ، فإنهم يعيشون على الصيد ورعاية الغنم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ)[234] .
والشرع رخص للإنسان أن يستعين عند الاصطياد بنفسه أو بحيوان أو بطير ، شريطة أن يكون حيوانا مدربا ... ليصطاد لأجله (صاحب الحيوان المدرب) لا لأجل نفسه (الحيوان المدرب) ، وعلة إباحة الصيد بجارحة أو حيوان مدرب التيسير على المكلفين ، قال ابن عثيمين )المشقة تجلب التيسير؛ لأنه لما كان يشق على الإنسان أن يصطاد الصيد بنفسه في كل وقت وحين؛ لأن المصيد ربما يكون مثلًا في جبال أو في سهول أو في أودية ، ولا يستطيع أن يصيده بنفسه رخص له أن يصيد بجارحة، وهذا من توسعة الله عزّ وجل على عباده في أسباب الرزق)[235].
والمقصود بالجوارح كل كائن مفترس مدرب على الصيد لمن يرسله ، (وهو نوعان : - ما يصيد بنابه : كالكلب والفهد ، وما يصيد بمخلبه : الصقر والبازي) [236]، وقد ذكر الله كلاب الصيد علي وجه الخصوص لكثرة الصيد بها ، قال سبحانه (مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ) [المائدة:4] أي (متخذين لهذه الكلاب المعلمة ، فقد عرف أن الكلب لا يجوز اقتناؤه إلا إذا كان محتاجاً إليه) [237].
قال رسول الله r (مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ)[238]، قَالَ سَالِمٌ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُا أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ)[239] .
وطريقة الصيد التي بها يعد الصيد حلالا طيبا أن يذكر صاحب الكلب أو الجارح اسم الله ثم يرسله ليصطاد له ، فإذا صاد ولم يأكل منه فقد أمسك عليك ، وإن أكل الحيوان أو الجارح منه ، فلا يحل ولا يطيب للصائد لأن الكلب أو الجارح أمسك لنفسه
عن ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ (إِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فَقَدْ أَفْسَدَهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَاللَّهُ يَقُولُ (تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ) فَتُضْرَبُ وَتُعَلَّمُ حَتَّى يَتْرُكَ)[240].
قال ابن حجر (وينبغي إذا فعل ذلك أن يضربه حتى يدع ذلك الخلق ، فعرف بهذا المراد بقوله حتى يترك أي يترك خلقه في الشَرَه ، ويتمرن على الصبر عن تناول الصيد حتى يجيء صاحبه)[241] .
قال ابن القيم الجوزية (ولولا مزية العلم والتعليم وشرفهما كان صيد الكلب المعلم والجاهل سواء)[242]
وعليه كان الأساس في حل الصيد بواسطة الجوارح أو الكلاب أن يمسك على صاحبه ولا يمسك لنفسه ، وهذا لا يتأتي إلا بتدريب الحيوان أو الطير على ذلك، فدخل ذلك التدريب في علوم الشرع الواجب علي الكفاية اكتسابها بنص الآية.
الصيد بالصقر الصيد بالفهد الذكاة إذا أمسكه حيا
فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ ، وَقَدْ قَتَلَ ، فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ ، وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ) [243].
فقوله (فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه) (هذا تصريح بأنه إذا أدرك ذكاته وجب ذبحه ولم يحل إلا بالذكاة)[244] ، قال النووي "وهو مجمع عليه"[245] الكلاب المعلمة : هي التي علمت لاصطياد الصيد ويفرق الكلب المعلم بأنه يسترسل إذا أرسل ، وقيل هو الذي يستشلي إذا أشلي ، وينزجر إذا زجر ولا يأكل من فريسته)[246].
قال النووي (فيه بيان قاعدة مهمة وهى إنه إذا حصل الشك فى الذكاة المبيحة للحيوان لم يحل لأن الأصل تحريمه ، وهذا لا خلاف فيه)[247] ، (وفيه تنبيه على أنه لو وجده حيا وفيه حياة مستقرة فذكاه حل ، ولا يضر كونه اشترك فى إمساكه كلبه وكلب غيره لأن الاعتماد حينئذ فى الاباحة على تذكية الآدمى لا على إمساك الكلب ..)[248]، أما إذا وجده ميتا فلا يحل ، وذلك لنفي شبهة أن يكون الكلب الآخر هو الذي أمسكه ولكن على نفسه .
وفي قوله (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) ، قال المفسرون : (المرادُ "بالأيام" الثلاثة وقتٌ واحدٌ)[249] وتلك هي أيام الحج ، أيام النحر ، أي من العاشر حتى الثاني عشر من ذي الحجة – أي المذكورة في قوله تعالى (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ، اليوم أكملت لكم دينكم ، اليوم أحل لكم الطيبات - ، والمقصود بها الظرف الذي ظهرت فيه شعائر الإسلام ، واقتران حل الطيبات بها ، بما يدل على أن في ظهور هذا الدين خير ، ولولا ذاك لكانت المشقة في التكليف ، ولمس الناس عنت كبير ، لكن الله يسر تكاليفه على عباده الصالحين .
فتضمن الخطاب تكرار للظرف الزماني الذي يئس فيه الذين كفروا من أن يهدموا دين الإسلام ، وهو ذات الظرف الذي أكمل الله فيه هذا الدين وأتم فيه على المسلمين نعمته ، وهو ذات الظرف واليوم الذي رفع الله فيه الحرج عن هذه الأمة فأباح لها الصيد ، ولم يحرم الله عليها شيئا مما حرمه على الأمم السابقة لتعنتهم في الدين ، قال تعالى (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا)(النساء/160) ، قَالَ رسول الله (إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ)[250], فلأن الخير في هذه الأمة إلي يوم القيامة تلك الأمة التي أُخرجت للناس وجهرت بدعوة الحق ، فقد جعل الله تعالى شريعتها ناسخة للشرائع التي قبلها ، وأحل لها الطيبات كلها .
وفي قوله (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ) توسعة للمسلمين أن يأكلوا -كذلك- من طعام غيرهم من أهل الذمة بعد دفع شبهة "الخبائث" ، وتأصيل لسياسة الإسلام مع أهل الكتاب والذمة الذين يعيشون في كنف المسلمين ، ذلك أنه حين يظهر الإسلام ويعلو فإنه يحفظ للجار حقه ، وإن اختلف معه في الدين ، ومن الحقوق التي يستحب مراعاتها تبادل الهديا ، لعل الله تعالى يهدي منهم إلى الإسلام من شاء ، ويهدي الباقين منهم على ملتهم إلى حسن الجوار .
قال ابن عاشور (علة الرخصة في تناولنا طعامهم هو الحاجة إلى مخالطتهم)[251] ، لاسيما إذا نكح من أهل الكتاب زوجة له ، فتكون المخالطة بحسن خلق وبالمعروف وتتوج بالهدايا والتعامل معهم بالبيع والشراء ، قال صاحب الظلال (إن الإسلام لا يكتفي بأن يترك لهم حريتهم الدينية ثم يعتزلهم ، فيصبحوا في المجتمع الإسلامي مجفوين معزولين - أو منبوذين - إنما يشملهم بجو من المشاركة الاجتماعية والمودة والمجاملة والخلطة ، فيجعل طعامهم حلا للمسلمين وطعام المسلمين حلاً لهم كذلك ، ليتم التزاور والتضايف والمؤاكلة والمشاربة ، وليظل المجتمع كله في ظل المودة والسماحة) [252].
وقد ثار التساؤل عن حكم ذبائحهم على وجه الخصوص لاسيما وأنهم لا يسمون عليها اسم الله ، بل قد يسمون غير الله عليها ، ولكن الإجماع الفقهي منعقد على أنهم إذا عُلم منهم أنهم يسمون غير اسم الله عليها أو لم يستوفوا الشرائط الموضوعية للذبح فأخذت حكم الميتة ، فهذا يعني أن ذبائحهم لا تحل ، ولا خلاف في ذلك .
وإنما حصل الخلاف في حكم ذبائح الذميين منهم الذي يعيشون بين المسلمين أو الذين تعاهدوا مع النبي r بعهد مثل بني تغلب [253]، ولذلك قال ابن تيمية (وَأَصْلُ النِّزَاعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذكَر مِنْ نِزَاعِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي بَنِي تَغْلِبَ)[254].
قَالَ الزُّهْرِيُّ (لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُسَمِّي لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَأْكُلْ ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ) [255]، وقد ورد في هذه المسألة حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ r إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَقَالَ r (سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ)، قَالَتْ (وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ) [256]، قال السندي (كأنه r أرشدهم بذلك إلى حمل حال المؤمن على الصلاح ، وإن كان جاهلاً ، وأن الشك بلا دليل لا يضر ، وأن الوسوسة الخالية عن دليل يكفي في دفعها تسمية الآكل... وظاهر الحديث يفيد أن التسمية واجبة لكن تنوب تسمية الآكل عن تسمية الذابح ، ولم يقل به أحد)[257].
قال ابن تيمية (لا بأس بأكل ما لم يسموا عليه إلا في وقت ما يذبحون لأعيادهم وكنائسهم فإنه في معنى قوله تعالى وما أهل لغير الله به)[258].
وقال ابن تيمية (يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم بابتياع أو هدية أو غير ذلك مما لم يذبحوه للعيد ، فأما ذبائح المجوس فالحكم فيها معلوم فإنها حرام عند العامة)[259]
نفهم مما تقدم أن تحليل ذبائح أهل الكتاب الذميين جاء معطوفا معه حكم حل الزواج من المحصنات من أهل الكتاب لما فيه من فائدة وهو أن يكون الولد منها مسلما ، وفي ذلك مصلحة شرعية معتبرة مقدمة على أي مفسدة ، ولذلك كان حكم الإباحة في الأمرين لأجل تعزيز المخالطة بهم ، تأليفا لقلوبهم على الإسلام أو حسن الجوار ، ولذات السبب كذلك جازت ذبائحهم ، لاسيما وأن الزوجة الكتابية تذبح لزوجها المسلم ، فيحصل حرج شديد بينهما إذا لم تحل ذبيحتها له شريطة ألا تسمي غير الله عند الذبح ، وهذا أمر يسهل أن يحذرها منه ، بل ويكفي أن يشترط عليها مرة واحدة ، ولا يسألها بعد ذلك ، فإن لم تفعل ولم يعلم ، فإنه يجبر أي تقصير قد يقع منها - لو حصل - أن يسمي هو علي اللحم قبل أن يأكله ، فهي رخصة أجازها الشرع له حتى لا يقع فساد بين المرء وزوجه ، وقس على ذلك سائر الأمور ، حيث يكون ذلك من باب تأليف قلوبهم على الإسلام [260].
وفي قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ) انتقال إلى موضوع آخر مما أحله الله تعالى غير الأطعمة من متاع الحياة الدنيا وما اعتاده الناس في معاشهم ،وهو عادة النكاح ، حيث أحل الله تعالى الزواج من المحصنات من المؤمنات ، وقد قدمهن الله في هذا الموضع عن سائر المحصنات العفيفات ، لأن المؤمنة خير ، (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (البقرة 221) ، فضلا عن أن الله أرشد المسلم في حال تعذر الزواج من الحرائر المحصنات أن يتزوج من الإماء المؤمنات ، كما قس قوله (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ)(النساء/25).
وفي قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) مزيد من التيسير وتوسعة لدائرة الحلال في الأنكحة ، بتشريع جواز نكاح أهل الكتاب من أهل الذمة
وقد يبدو التعارض لأول وهلة بين هذه الآية ، وقوله تعالى (وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (البقرة/221) ، وقد وقف بعض الصحابة عند آية النهي فلم يخصصها بمخصص ، وأطلق الحكم بحظر نكاح غير المؤمنات ، فعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا أَعْلَمُ مِنْ الْإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ)[261]
لكن الجمهور خصصوا حكم الحظر الوارد في سورة البقرة بغير الكتابيات[262] ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) ثُمَّ اسْتَثْنَى نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِكُمْ حِلٌّ لَكُمْ ) [263]
قال ابن تيمية (وطائفة أخرى تجعل لفظ "المشركين" إذا أطلق لا يدخل فيه أهل الكتاب ، وأما كون "النصارى" فيهم علي الشرك كما ذكرهم الله ، فهذا متفق عليه بين المسلمين كما نطق به القرآن ، والمسلمون متفقون على أن قوله (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) أن النصارى لم يدخلوا في لفظ الذين أشركوا كما لم يدخلوا في لفظ اليهود ، وكذلك قوله (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) ونحو ذلك وهذا لأن اللفظ الواحد تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران)[264].
وجمهور الفقهاء قيدوا هذه الرخصة بعدة شروط من أهمها التحقق أولا من أنها "كتابية" ، أي أنها تؤمن بالتوراة والإنجيل على سبيل الإجمال ، لا التفصيل – لأنهما كتب بدلت وحرفت - ، وإن كانت لا تفهم النصرانية ولا تتمسك بشئ منها فليست بكتابية ، وكذلك اليهودية .
فعن عبيدة أن عليا كان يكره ذبائح بني تغلب ، ويقول لا يتمسكون من النصرانية إلا بشرب الخمر)[265] ، أي (لأنهم تركوا تحليل ما تحلل النصارى ، وتحريم ما تحرم غير الخمر)[266] ، فمن كان منتحلا ملة هو غير متمسك منها بشيء فهو إلى البراءة منها أقرب إلى اللحاق بها وبأهلها .
وخالفه في ذلك ابن عباس فكان يقول (كلوا من ذبائح بني تغلب ، وتزوجوا من نسائهم ، فإن الله عز وجل قال : "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم")[267] ، أي أنه رخص في الزواج من نسائهم مع تأكيد الحكم على عدم جواز الموالاة ، فكأن ابن عباس يرى أنهم إذا لم يكونوا من "النصاري" كما ذكر علي رضي الله عنه أنهم تحللوا من النصرانية ولم يتمسكوا بشيء منها غير تحريم شرب الخمر ، إلا أنهم لما كانوا يوالون "النصارى" فإنهم منهم ويأخذون حكمهم في جواز ذبائحهم ونكاحهم ، ولذلك قال (فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم)[268].
لكن هناك مسألة : هل يجوز الزواج من الكتابية إذا كانت المحاربة ؟ قال النووي (الكفار ثلاثة أصناف :-
أحدها الكتابيون فيجوز للمسلم مناكحتهم سواء كانت الكتابية ذمية أو حربية لكن تكره الحربية وكذا الذمية على الصحيح لكن أخف من كراهة الحربية ، والمراد بالكتابيين اليهود والنصارى .
أما المتمسكون بكتب سائر الأنبياء الأولين كصحف شيث وإدريس وإبرهيم وزبور داود صلوات الله وسلامه عليهم فلا تحل مناكحتهم على الصحيح .
الصنف الثاني من لا كتاب له ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان والشمس والنجوم والمعطلة والزنادقة والباطنية والمعتقدين مذهب الإباحة وكل مذهب كفر معتقده فلا تحل مناكحتهم .
الصنف الثالث من لا كتاب لهم مكن لهم شبهة كتاب وهم المجوس ، وهل كان لهم كتاب فيه قولان أشبههما نعم وعلى القولين لا تحل مناكحتهم لأنه لا كتاب بأيديهم ولا نتيقنه من قبل فنحتاط ، وقال أبو إسحق وأبو عبيد ابن حربويه يحل إن قلنا كان لهم كتاب وهذا ضعيف عند الأصحاب) [269].
وعليه - نرى- الامتناع عن الزواج من الكتابية إلا من المعاهدة منهم – ويكره في الكتابية الحربية - فإن كانت من قوم يحاربون المسلمين ، فقد يصح نكاحها مع الإثم ، لقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة/51) ، وليس ثمة ولاية أشد من أن يتخذها زوجة له فتكون لباس له ويكون لباسا لها وتكون بينهم المودة والرحمة ، وهي على هذا الحال من المحاربة ، فإن كانت معاهدة فإن لها ما لنا وعليها ما علينا ، لاسيما وأنها بصفتها الحربية يصح أن تقع أسيرة حرب ، كما يجوز قتلها متى لم تنتفي عنها هذه الصفة ، أي لو كانت جندية محاربة للمسلمين .
كما قيدوا هذه الرخصة بأن يكن محصنات أي غير زوان ، يقول ابن عباس في قوله تعالى (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) يَقُولُ عَفَائِفَ غَيْرَ زَوَانِى)[270]، وعن عامر"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن تغتسل من الجنابة ، وأن تحصن فرجَها)[271] ، وهو أمر يكاد يكون متعذرا في المجتمعات التي لا تعتبر لعذارة المرأة شأنا بل إنها لتعاير من لا تزال عفيفة وليس لديها أخدان .
كذلك ثمة قيد وارد بالآية وهو قيد "المهر" كناية عن فهمها معنى الزواج الإسلامي ، وأن تلتزم بشروطه وأحكامه ، كما في قوله تعالى ( إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) يَعْنِى (مُهُورَهُنَّ )[272]، وهو ما يعني وجوب أن تفهم المرأة معنى الزواج الإسلامي الذي يؤدي إلى الإحصان ، وأن تفهم واجبات الزوجية المنبثقة من العقد ، وأن العلاقة بينها وبين زوجها المسلم علاقة خاصة على وجه التأبيد ، وأنها تقبض المهر حقا لها مقابل الالتزام بكل واجباتها الزوجية ، وهو ما يعني أنه كما أن لها حقوقا فإن عليها واجبات تنبثق من هذا العقد ، وعليها أن تذعن مقدمًا لأحكامه وتسلم بها ، لاسيما وأن الآية حرصت على إحصانهن وإعلامهن بوجوب ذلك بقوله تعالى (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) .
أي أنها بالزواج من المسلم تعامل معاملة المحصنة ، فيجب عليها حد الرجم إذا وقعت في الزنا بعد ذلك ، كما أن عليها أن تفهم أن زوجها ليس بعشيق يسهل عليها أن تتركه عندما ترغب ، وإنما له عليها السمع والطاعة ، فإن أمرها بالاحتجاب وعدم مخالطة الرجال فإنها تعلم أنه قوام عليها ويجب عليها طاعته ، وإلا صارت ناشزا وسقطت حقوقها المادية كالنفقة ، لا سيما وأن دينها لا يعارض قوامة الرجل عليها ، فإذا فهمت ذلك كله ووعته وارتضت به فقد تحقق مناط الإباحة لهذا الزواج من أهل الكتاب إن شاء الله ، لأن العقد شريعة المتعاقدين ، والإسلام حدد أركان وشروط وآثار عقد الزواج بما لا يجوز تعديله من الطرفين ، فعليها أن تقبل بهذه الشروط حتى يصح العقد ، ولا يمكن ذلك بغير معرفتها بها.
فإذا ما انتفت الموانع المتقدم ذكرها حل نكاحها ، وهو فرض يكاد ينحصر في الكتابيات من أهل البلاد العربية ، قال الرازي (وأكثر الفقهاء على أن ذلك مخصوص بالذمية فقط) [273]، بل إنه أمر يكاد يكون متعذرا كذلك في ظل تعنت أهلهن السماح لهن بالتزوج من المسلمين ، رغم أن ديانتهم لا تمنع ذلك ، وهو الأمر الذي فطن إليه الإمام البخارى فبوب بابا بعنوان (بَاب نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ) وجعله تاليا لحديث ابن عمر المتقدم ذكره ، وأورد فيه حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قال (كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ ، كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ وَلَا يُقَاتِلُونَهُ ، وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ) [274]، وهو الأمر الذي حدا بالكثير من الفقهاء إلى تأويل هذه الرخصة بإسلامهن ، ففسروا الإحصان المقيد لحل نكاحهن بالإسلام ، إذ لا معنى لهجرتها إلى دار الإسلام إلا للدخول فيه ، لاسيما وأن الإسلام يحصنهن عن الزنا بل هو خير حاصن عن الخنا .
فإذا جاز الزواج منهن وفقا للضوابط المتقدم ذكرها ، تأكد حرص الإسلام على إقامة علاقات طبيعية مع أهل الكتاب الذميين المسالمين ، وتأكيد هذه الصلة بعقود النكاح التي هي أشد العقود صلة بين أهل الزوجين ، قال ابن عاشور (ذلك يقتضي شدة المخالطة معهم لتزوج نسائهم والمصاهرة معهم)[275] .
قال صاحب الظلال (الإسلام يجعل العفيفات من نساء أهل الكتاب - وهن المحصنات بمعنى العفيفات الحرائر - طيبات للمسلمين ، ويقرن ذكرهن بذكر الحرائر العفيفات من المسلمات ، وهي سماحة لم يشعر بها إلا أتباع الإسلام من بين سائر أتباع الديانات والنحل ، فإن الكاثوليكي المسيحي ليتحرج من نكاح الأرثوذكسية أو البروتستانتية أو المارونية المسيحية ، ولا يقدم على ذلك إلا المتحللون عندهم من العقيدة! وهكذا يبدو أن الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يسمح بقيام مجتمع عالمي ، لا عزلة فيه بين المسلمين وأصحاب الديانات الكتابية؛ ولا حواجز بين أصحاب العقائد المختلفة ، التي تظلها راية المجتمع الإسلامي ، فيما يختص بالعشرة والسلوك ( أما الولاء والنصرة فلها حكم آخر سيجيء في سياق السورة)[276].
وفي قوله تعالى (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(المائدة/5) احتراز من الآثار السلبية التي قد تترتب على الخلطة بأهل الكتاب لاسيما إذا كانت حربية وليست ذمية ، فقد ناسب وضع هذه الجملة تالية لذكر إباحة النكاح من أهل الكتاب ، قال ابن عاشور (والمقصود التنبيه على أن إباحة تزوج نساء أهل الكتاب لا يقتضي تزكية لحالهن ، ولكن ذلك كان تيسيرا على المسلمين، وقد ذكر في سبب نزولها أن نساء أهل الكتاب قلن:"لولا أن الله رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا")[277] لاسيما وقد قال الله تعالى (أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة/221)
قال الإمام البقاعي (ولما كانت مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد الذي ربما أدى إلى التهاون بالدين ، فربما دعت الزوجة المشركة زوجها إلى الكفر فقاده الميل إلى اتباعها قال منبهاً على ذلك ومعللاً لهذا الحكم : "أولئك" أي الذين هم أهل للبعد من كل خير "يدعون إلى النار" (البقرة221) أي الأفعال المؤدية إليها ولا بد ، فربما أدى الحب إلى الكفر ، ومن ثم فإن درء المفاسد مقدم)[278]
وفي قوله (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) إشارة إلى أنه عند السعي وراء الدنيا دون الالتزام بضوابط الشرع تزل الأقدام ، فالاسترسال في التحلل من ضوابط الشرع يزيد من زلة المرء حتى يصل إلى الكفر بعد الإيمان – وقد لا يدري ما يصنع - فإن وصل إلى هذا الحال فقد حبط عمله أي بطل ثواب ما عمله في إسلامه ، حتى وإن عاد بعد ذلك للإِسلام فليس له من عمله إلا ما عمل بعد رجوعه إلى الإسلام ، قال الرازي (عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة ويصير ذلك سبباً لميل الزوج إلى دينها ، وعند حدوث الولد فربما مال الولد إلى دينها)[279].
وفي قوله (وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) إشارة إلى أن من يفعل ذلك يكون في غمرة ساهٍ لاهٍ ، ولا يفيق منها إلا في الآخرة ، وعندها يعلم أنه هو الخاسر (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر/15).
[1] ) المعجم "المعاني"العربي :
[2] ) الصحاح في اللغة ج1 ص 358
[3] ) تاج العروس ج1 ص 3012 لسان العرب ج4 ص 410
[4] ) لسان العرب ج4 ص 410
[5] ) أبو الفيض ، الملقّب بمرتضى ، الزَّبيدي : تاج العروس من جواهر القاموس ج12 ص 191
[6] ) رواه أحمد في مسنده ج2 ص 286 رقم 993 وصححه الألباني وقال في إرواء الغليل ج4 ص 251 (أخرجه الامام أحمد ( 1 / 119 ) وأبو داود ( 2035 ) والنسائي ( 2 - 241) مختصرا بسند صحيح على شرط مسلم وأبو حسان هو الاعرج اسمه مسلم بن عبد الله )
[7] ) رواه البخاري ج2 ص 91 رقم 344
[8] ) رواه مسلم ج10 ص 292 رقم 3761
[9] ) الأسنان قواطع وأنياب وضروس ، القواطع تقطع الطعام ، والأنياب تمزق اللحوم ، والضروس تطحن الطعام
[10] ) الصحاح في اللغة ج2 ص 219 لسان العرب ج12 ص 579
[11] ) رواه البخاري ج17 ص 185 رقم 5086
[12]) المؤلف: دون إي. ويلسون و DeeAnn M. Reeder — العنوان : Class Mammalia Linnaeus, 1758 — الصفحة: 56–60 التنوع البيولوجي للحيوان: مخطط تفصيلي للتصنيف العالي المستوى
Integrated Taxonomic Information System — النشر: 2012 https://www.mapress.com/zootaxa/2011/f/zt03148p060.pdf
[13] ) رواه مسلم ج10 ص 97 رقم 3595
[14] ) رواه مسلم ج10 ص 73 رقم 3574
[15] ) الإعجاز العلمي في القرآن الكريم : جامع الكتب ، بحث بعنوان : لحم الجوارح…المصدر "الإعجاز العلمى في الإسلام والسنة النبوية" لمحمد كامل عبد الصمد
ويقول الدكتور س. ليبج ـ أستاذ علم التغذية في بريطانيا: "إن هذه الإفرازات تخرج في جسم الحيوان حتى وهو حبيس في قفص، عندما تقدم له قطعة لحم لكي يأكلها"، ويعلِّل نظريته هذه بقوله: ما عليك إلا أن تزور حديقة الحيوانات مرة، وتلقي نظرة على النمر في حركاته العصبية الهائجة أثناء تقطيعه قطعة اللحم ومضغها، فترى صورة الغضب والاكفهرار المرسومة على وجهه، ثم ارجع ببصرك إلى الفيل وراقب حالته الوديعة عندما يأكل وهو يلعب مع الأطفال والزائرين، وانظر إلى الأسد وقارن بطشه وشراسته بالجمل ووداعته.
[16] ) فلحم الجمل حلال ، لكن رسول الله r أمر بالوضوء منه ، وذم قلوب أصحاب الجمال لما فيهم من القسوة ، فقال r (مِنْ هَا هُنَا جَاءَتْ الْفِتَنُ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ) رواه البخاري ج11 ص 317 رقم 3237 ، جاء في الشرح (الفدادين) : جمع فداد، غليظ الصوت، انظر : (محمد الفضيل بن محمد الفاطمي الشبيهي الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج7 ص 138)
[17] ) مدارج السالكين ج1 ص 403
[18] ) الأم للشافعي ج2 ص 249
[19] ) انظر بحث الشيخ محمد المنجد قال : اختلف أهل العلم في حكم أكل الضبع ، على قولين :
القول الأول : التحريم : وهو قول الحنفية .ودليلهم ما جاء عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ رضي الله عنه : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ ) رواه مسلم (1932).
وعن خُزَيْمَةَ بْنِ جَزْءٍ رضي الله عنه قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ r عَنْ أَكْلِ الضَّبُعِ ، فقال : ( أَوَ يَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ ؟! ) وَسَأَلْتُهُ عَنْ الذِّئْبِ فَقَالَ : ( أَوَ يَأْكُلُ الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ ؟! ) رواه الترمذي (1792) . غير أنه حديث ضعيف لا يصح الاستدلال به ، قال الترمذي : هذا حديث ليس إسناده بالقوي . وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي .
القول الثاني : الحل والإباحة : وهو قول أكثر العلماء وقد رواه ابن أبي شيبة (5/536) وعبد الرزاق (4/523) عن علي وابن عمر وابن عباس وجابر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم .
وهو قول أبي يوسف ومحمد من الحنفية ، وقول الشافعية والحنابلة والظاهرية .انظر : "الأم" (2/272) ، وابن حزم في "المحلى" (7/401)
واستدلوا على ذلك :بما جاء عَنْ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ : قُلْتُ لِجَابِرٍ : الضَّبُعُ أَصَيْدٌ هِيَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : آكُلُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ قُلْتُ : أَقَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ r ؟ قَالَ : نَعَمْ . رواهالترمذي (851) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (2494)
وأجابوا عن أحاديث تحريم كل ذي ناب من السباع بجوابين :1- قالوا بتخصيص الضبع من عموم حديث تحريم كل ذي ناب من السباع ، ودليل التخصيص هو حديث جابر رضي الله عنه ، فيحرم كل ذي ناب من السباع إلا الضبع .
2- وأجاب بعضهم بأن الضبع لا يشمله حديث التحريم أصلا ؛ لأنه ليس من السباع العادية .
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (2/136) :" إنما حرم ما اشتمل على الوصفين : أن يكون له ناب ، وأن يكون من السباع العادية بطبعها : كالأسد والذئب والنمر والفهد ، وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين ، وهو كونها ذات ناب ، وليست من السباع العادية ، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب ، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها ، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي ، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم ، ولا تعد الضبع من السباع لغة ولا عرفا " انتهى .
وقد ذكر هذين الجوابين الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (9/568) وقد اختار علماء اللجنة الدائمة للإفتاء القول بإباحة أكل الضبع .انظر : "فتاوى اللجنة الدائمة" (22/185) . وكذا اختاره الشيخ صالح الفوزان في كتابه : "الملخص الفقهي" (2/747)
[20] ) الشيخ صالح المغامسي : https://www.youtube.com/watch?v=6ylY1CNmKTQ واستند على أن حديث كل ذي ناب من السباع متواتر ولا يُعارض بحديث جابر ، لا سيما وأنه يأكل الجيفة ، كما أنه رد على من استدلوا على حله بأنه لا يعدو على ابن آدم ، بأنه يحفر القبر ويأكل جيفة بني آدم ، أي أنه فاسق ، فالحرمة أعظم.
[21] ) واستدرك على من قال أن الحكم الحل ، بأن هذا - إن جاز - استنادا لصحة حديث جابر فإنه جاز العمل به فيُحمل على اعتباره صيدا ، يعني عند المجاعة اضطرارا ، فلا أحد يصطاد ضبعا إلا مضطرا ، ولم يحل أحد تربيته لأكله
[22] ) قرأت أن ثمة علماء أفاضل أحلوا أكل التمساح باعتباره مخلوق بحري ،وليس ذلك بصحيح ، فهو يعيش في البر ، ولا ينام في الماء ، فالماء ليس بيئة صالحة لأن يعيش فيه بخلاف الأسماك ، فهو مخلوق بري وليس بحري ، ذلك كثير من الحيوانات تصطاد في البحر ورغم ذلك لا تعتبر كائنات بحرية ، وكثير من الطيور المفترسة تصطاد في البحر.
[23] ) وفيه تفصيل نذكره بعد قليل
[24] ) رواه مسلم ج10 ص 73 رقم 3574
[25] ) رواه البخاري ج20 ص 439 رقم 6226
[26] ) رواه البخاري ج11 ص 92 رقم 3067
[27] ) تحفة الأحوذي ج5 ص 450 ، شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج20 ص 52
[28] ) رواه أبو داود ج10 ص 244 رقم 3291 وصححه الألباني : صحيح سنن أبي داود ج 8 ص 285 وصحيح ابن ماجة 3189 الإرواء 2503
[29] ) ولقد تأكدت الدراسات والبحوث من هذه الظاهرة على القبائل المتخلفة التي تستمرئ أكل مثل تلك اللحوم إلى حد أن بعضها يصاب بالضراوة فيأكل لحوم البشر كما انتهت تلك الدراسات والبحوث أيضا إلى ظاهرة أخرى في هذه القبائل وهي إصابتها بنوع من الفوضى الجنسية وانعدام الغيرة على الجنس الآخر فضلا عن عدم احترام نظام الأسرة ومسألة العرض والشرف .. وهي حالة أقرب إلى حياة تلك الحيوانات المفترسة حيث إن الذكر يهجم على الذكر الآخر من القطيع ويقتله لكي يحظى بإناثه إلى أن يأتي ذكر آخر أكثر شبابا وحيوية وقوة فيقتل الذكر المغتصب السابق وهكذا
اقرأ المزيد في إسلام أون لاين :https://fiqh.islamonline.net /
[30] ) وقد أشرنا إلى هذا المعنى من قبل بما يغني عن الإعادة
[31] ) مجموع الفتاوى ج21 ص 618
[32] ) رواه مسلم ج6 ص 158 رقم 2061
[33] ) كشف المشكل من حديث الصحيح ج1 ص 449
[34] ) أنثى الحمار الوحشي : شرح أبي داود للعيني ج3 ص 283 – عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج16 ص 30 –ابن حجر فتح الباري ج4ص30
[35] ) رواه البخاري ج6 ص 354 رقم 1695
[36] ) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج9 ص 387
[37] ) رواه البخاري ج10 ص 423 رقم 2930
[38] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 149
[39] ) البحر المحيط ج4 ص 357
[40] ) تفسير الألوسي ج4 ص 385
[41] ) رواه البخاري ج6 ص 163
[42] ) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج17 ص 162
[43] ) الشيخ مصطفى العدوي : https://www.youtube.com/watch?v=WVZjrDyh6RE
[44] ) رواه مسلم ج6 ص 305 رقم 2184
[45] ) وفي مشروعية الإشعار خلاف بين أهل العلم مبني على اعتباره تعبدا محضا أو هو معقول المعنى؛ فمن رأى أنه تعبد استحبه، ومن رأى أنه معقول المعنى قال: إن النبي r فعل ذلك لمنع الاعتداء عليها، حيث كانت العرب تعظم الهدي؛ فإذا كان مشعرا لم يتعرضوا له، وقد ذكر ذلك القرطبي في تفسير آية: "لا تحلوا شعائر الله"، وذكر قولا لابن عباس في ذلك.
وهذا من جنس ما اختلف فيه العلماء: هل فُعل على وجه العادة أو على وجه التعبد؟ .. ، والأقرب أن الأصل في أفعال النبي r هو عقل المعنى لا التعبد حتى يقوم دليل أو تظهر قرينة تنقل إلى التعبد، ودليل هذا الأصل هو أن الذمم بريئة من التعبد إلا بدليل، وفعل الرسول المجرد مختلف فيه، وجماهير الفقهاء على أن الأصل فيه الإباحة لا الاستحباب ، فعلى هذا يُفعل الإشعار إذا وُجدت مثل هذه الحاجة، ويكون الفعل هنا هو المستحب، ويُترك إذا انتفت، ويكون الترك هنا هو المستحب .
الشيخ سليمان بن عبد الله الماجد فتوى رقم 1104 بتاريخ 19/10/1429
[46] ) فتح الباري ج3 ص544 – نيل الأوطار للشوكاني ج5ص158 عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني ج15 ص 208
[47] ) شرح النووي على مسلم ج8 ص 228
[48] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 598
[49] ) شرح النووي على مسلم ج8 ص 228
[50] ) الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الحصين : فتوى رقم 3925 برنامج فتاوى نور الدرب الحلقة الحادية والعشرون 5/1/1432هـ
[51] ) رواه البخاري ج6 ص 164 رقم 1584
قال النووي (أبو حنيفة يكره الإشعار وهذا الحديث حجة عليه)
[52] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج9 ص 286
[53] ) شرح السنة للبغوي ج7 ص 96
[54] ) أي : لف الحبال وضمها إلى أن تصبح قلادة توضع على عنق البهيمة ، والقصد من ذلك إعلام بأن هذه سيقت لبلد الله الحرام لتذبح هناك ، فلا يقترب منها حتي يحل موعدها وتصل مكانها ليقسم لحمها بين المساكين والفقراء .
انظر الشيخ الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن البدر : معنى فتل القلائد والحكمة من ذلك فيديو https://www.youtube.com/watch?v=lvbkntsTSyQ
[55] ) رواه مسلم ج6 ص 490 رقم 2337
[56] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج6 ص 453
[57] ) رواه البخاري ج10 ص 470 رقم 2958
[58] ) رواه البخاري ج1 ص 118 رقم 65
[59] ) رواه البخاري ج6 ص 363 رقم 1701
[60] ) الخربة : الجناية : مشكاة المصابيح ج2 ص 116
[61] ) رواه البخاري ج13 ص 191 رقم 3957
[62] ) المغني ج20 ص 183
[63] ) المغني ج20 ص 183
[64] ) ديوان ابن هانئ الأندلسي ص 27
[65] ) ديوان ابن نباتة المصري ص 2381
[66] ) ديوان خليل جبران ص 2107
[67] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 328
[68] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2005
[69] ) رواه البخاري ج6 ص 365 رقم 1702
[70] ) رواه مسلم ج9 ص 249 رقم 3331
[71] ) رواه النسائي ج12 ص 427 رقم 3999 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج9 ص 139 رقم 4067
[72] ) المغفر : ما يلبسه المقاتل على رأسه
[73] ) رواه مسلم ج4 ص 111 رقم 3374
[74] ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج3 ص 739 رقم 6689 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج5 ص 426 رقم 2427
[75] ) https://dorar.net/hadith/sharh/17716
[76] ) رواه مسلم ج8 ص 71 رقم 7028
[77] ) تفسير القرطبي ج6 ص 46
[78] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2008
[79] ) رواه مسلم ج13 ص 212 رقم 4867
[80] ) رواه البخاري ج10 ص 236 رقم 3808
[81] ) الفوائد ج1 ص 87
[82] ) رواه ابن حبان ج10 ص 438 رقم 4577 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 594 رقم 5934
[83] ) شرح سنن أبي داود ج18 ص 128
[84] ) وإن كان قياسها على الفتوى السابقة أقرب وهو ما تطمئن إليه النفس ، إذ لا يخفى أن كثير منهم يذبحون للشيطان .
[85] ) https://binothaimeen.net/content/7069
[86] ) السن والظفر ألتين للقتل ، لا يجوز تذكية الحيوان بهما لما فيهما من تعذيب له قبل موته
[87] ) رواه البخاري ج8 ص 391 رقم 2308
[88] ) صحيح البخاري ج17 ص 184
[89] ) رواه ابن أبي شيبة ج5 ص 392
[90] ) صحيح البخاري ج17 ص 184
[91] ) صحيح البخاري ج17 ص 184
ولم يصح حديث مروي بأنه r نهى عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح ولا تقطع أوداجها ، قال ابن قدامة (وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الاوداج ثم تترك حتى تموت) لكن معناه صحيح .
[92] ) الشرح الكبير ج11 ص51
[93] ) الشرح الكبير ج11 ص51
[94] ) رواه مسلم ج10 ص 122 رقم 3615
[95] ) سهم ليس له ريش، دقيق الطرفين غليظ الوسط، يصيب بعرضه دون حده.
[96] ) تجنبا لموات الحيوان بفعل ضغط الآلة على جسمه لا بالجرح
[97] ) رواه مسلم ج10 ص 57 رقم 3560
[98] ) رواه أبو داود ج7 ص 499 رقم 2442 ضعفه الألباني الجامع الصغير ج1 ص 1030
[99] ) رواه البخاري ج7 ص 206 رقم 1913
[100] ) في هذا المعنى النووي شرح مسلم ج13 ص 75 ، سبل السلام ج4 ص 84 ، المنتقى شرح الموطأ ج3 ص 129 ، فتح الباري ج9 ص 600
[101] ) العمدة ج1 ص 451 ، عمدة الفقه لابن قدامة المقدسي ج1 ص 119 ، العدة شرح العمدة ج2 ص 92 لعبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي
[102] ) رواه البخاري ج8 ص 420 رقم 2324
[103] ) تقي الدين القشيري : إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ج1 ص 480 ، فتح الباري لابن حجر ج9 ص 629
[104] ) رواه مسلم ج10 ص 66 رقم 3568
[105] ) رواه مسلم ج10 ص67 رقم 3569
[106] ) رواه مسلم ج10 ص63 رقم 3566
[107] ) صحيح البخاري ج17 ص 184
[108] ) صحيح البخاري ج17 ص 184
[109] ) صحيح البخاري ج17 ص 184
[110] ) رواه البخاري ج17 ص 183 رقم 5085
[111] ) شرح النووي على مسلم ج13 ص 123
[112]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج19 ص 378
[113] ) فتح الباري ج9 ص 629
[114]) الديباج على مسلم للسيوطي ج5 ص 35
[115] ) رواه مسلم ج10 ص 122 رقم 3615
[116] ) رقم الفتوى : 4835 تاريخ الفتوى : 30 مايو 2019 دار الإفتاء المصرية : https://www.dar-alifta.org/ar/fatawa/15409/
[117] ) من الثابت أن النبي عليه الصلاة والسلام وجّه أصحابه في أثناء ذبح الدابة إلى أن تذبح من أوداجها فقط، دون أن يقطع رأسها، أمرنا أن نبقي رأسها موصولاً بجسمها
اكتشف العلم أن القلب مزوَّد بمولدة كهربائية خاصة به ، فالقلب لا يحتاج إلى تنبيه خارجي، ففيه مركز كهربائي يعطيه التنبيه النظامي من ستين إلى ثمانين ضربة في الدقيقة، وفيه مركز ثان احتياطي للمركز الأول، إن تعطل الأول عمل الثاني، وفيه مركز كهربائي ثالث احتياطي للمركز الثاني، فإن تعطل الثاني عمل الثالث، هذه المراكز الكهربائية تعطي أمراً بالنبض النظامي من ستين إلى ثمانين نبضة في الدقيقة، وهذا القلب بإمكانه أن يرفع استطاعته إلى درجة تزيد على ثلاثة أمثال استطاعته الطبيعية، فبينما ينبض قلب الإنسان ثمانين نبضة في الدقيقة إذا هو ينتقل فجأة إلى مئة وثمانين نبضة حينما يواجه خطراً، أو يعدو هرباً من عدو، أو يصعد درجاً عالياً، أو يواجه أزمة نفسية، فالجسم يحتاج إلى طاقة جديدة تمدّه بما يحتاج.
، والإدراك يكون من الدماغ بناء على تلقي صورة من شبكية العين، الدماغ ملك الجهاز العصبي، وعنده ملكة الجهاز الهرموني، وهي الغدة النخامية، وملك يخاطب ملكة، لابدّ من ضابط اتصال بينهما، في الدماغ يلتمس من الملكة أن تتصرف، الملكة عندها وزيرة داخلية تقول لها: هناك خطر فتصرّفي، فهذه الوزيرة هي الغدة النخامية تعطي أمراً للقلب برفع النبض، فقد يصل النبض إلى مئة وثمانين عند الخطر، وتعطي أمراً للرئتين ليرتفع وجيبهما ليتناسب الوجيب مع النبض.
ما الذي يرفع نبض القلب؟ إدراك الخطر، النخامية تأمر الكظر، والكظر يرسل أمراً هرمونياً عصبياً إلى القلب فيرتفع نبضه، الآن قلب الدابة حينما تذبح له مهمة أخرى، وهي إخراج الدم كله منها، لكن النبض الطبيعي ثمانون نبضة لا تكفي لإخراج الدم، لابد من أن يتلقى القلب أمراً استثنائياً يبدأ من الدماغ، ويسير إلى الكظر، ويعود إلى القلب من أجل رفع هذا النبض، هذا لا يتم إلا إذا كان الرأس متصلاً بالجسد، فلذلك حينما تذبح الدابة يعمل الأمر الاستثنائي فيرتفع نبض قلب الدابة إلى مئة وثمانين، وهذه الضربات السريعة كافية لإخراج الدم كله من جسم الدابة.
[118] ) سنن البيهقي الكبرى ج9 ص 278
[119] ) رواه ابن ماجة ج9 ص 412 رقم 3209 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 216
[120] ) ابن القيم : زاد المعاد في هدي خير العباد ج3 ص 393
[121] ) طيور الصُّرَد (بالإنجليزيّة: Shrike) من الطّيور المفترسة متوسطة الحجم، التي تنتمي إلى الفصيلة الصُّرَدية، أو فصيلة الدّقنوش (بالإنجليزيّة: Laniidae)، ورتبة العصفوريات (بالإنجليزيّة: Passeriformes). يتميّز طائر الصُّرَد بمنقار قوي يُمكّنه من قتل الحشرات، والسّحالي، والفئران، والطّيور صغيرة الحجم. يُشتهَر طائر الصُّرَد بأنّه يعلّق فريسته على الأجسام المدبّبة كما يُعلق الجزار اللّحم على الخطاف، لذلك فهو يُسمى أيضاََ طائر النُهَس، أو الطّائر الجزار (بالإنجليزيّة: butcherbird)(
https://www.britannica.com/animal/shrike
The Editors of Encyclopaedia Britannica, "Shrike"، www.britannica.com, Retrieved 8-4-2018. Edited.
[122] ) رواه البيهقي ج9 ص 317 رقم 19162
[123] ) فتوى الشيخ ابن باز على موقعه الالكتروني
https://binbaz.org.sa/fatwas/8958
[124] ) يعتبر طائر الصرد من الطيور الجارحة الصغيرة والتي تتواجد في مناطق الشجيرات الشوكية التي تستخدمها في تعليق فرائسها بعد صيدها لتبدأ بتمزيقها واكلها. يقوم طائر الصرد بقتل فريسته بكسر رقبتها، وتقطع حبلها الشوكي بمنقارها، ثم تقوم بحمل الفريسة التي قد تتساوى لها في الوزن للسياج، أو للشجيرة الشائكة لتثبت الفريسة عليها لتبدأ في نهشها. وهي تتبع هذا الاسلوب من فريستها لضعف المخالب التي تمتلكها، مما يصعب عليها تثبيتها بنفسها، ويتغذى الصرد على الحشرات والطيور والزواحف والثديات الصغيرة. أنواع طائر الصرد: https://alanbatnews.net/article/354587
[125] ) https://www.scientificamerican.com/article/surprise-bees-need-meat/
Ask an entomologist what makes a bee a bee, and you’ll likely get some version of “bees are just wasps that went vegetarian.” New research shows that isn’t true. Bees are actually omnivores, and their meat is microbes. Scientists have known for decades that fermenting microbes are present in pollen, but no one had seemed to consider whether they were also an important food for bees. The microbes function as an “external rumen” that breaks down parts of the pollen. It stands to reason that bees might ingest some microbes, but two researchers decided to investigate whether they eat enough to make them omnivores—and if the bees truly need those microbes to thrive.
يندهش البعض إذا علم أن هناك نوعا من النحل يصنف بكونه آكل اللحوم وفقا لدراسات علماء الأحياء لبنية هذه الفئة من النحل، فإن أمعاء هذه النحلة تشبه إلى حد كبير الجهاز الهضمى للصقور والنسور والضباع وغيرهم مما يسمح للنحل بأكل الجيف دون الإضرار بأنفسهم.وقبل بضعة عقود فقط توصل علماء الحشرات إلى اكتشاف مذهل إلى حد ما مفاده أن ليس كل النحل يتغذى على حبوب اللقاح والرحيق. ففي أعماق الغابات المطيرة في كوستاريكا، وجدوا ثلاثة أنواع يبدو أنها تفضل اللحم الميت على الأزهار.
وفي دراسة نُشرت مؤخراً، كشف العلماء أن «نحل النسر» بها بكتيريا أمعاء يبدو أنها تعيش في البيئات الحمضية، تماماً مثل البكتيريا الموجودة في أحشاء الكائنات الأخرى المحبة للجيف، مثل النسور والضباع. وفي اكتشاف آخر مفاجئ، وجد الباحثون أنه على الرغم من نظامه الغذائي غير المعتاد، إلا أنه لا يزال ينتج العسل الحلو.
https://almsaey.akhbarelyom.com/news/newdetails/3222480/1/
اقرأ : لماذا تخلى «نحل النسر» عن الرحيق ليتغذى على الجثث
https://www.infobae.com/ae/2022/03/27/why-vulture-bees-abandoned-nectar-to-feed-on-corpses/
اقرأ : فائدة مذهلة للميكروبات داخل أمعاء النحل
https://aawsat.com/home/article/3635306/
[126] ) ولا أظن أن ثمة مثال للزواحف العشبية التي يمكن أن تذكى غير الضب والله أعلم
[127] ) رواه البخاري ج17 ص 219 رقم 5111
[128] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج4 ص 49 رقم 1243 ، ج4ص51 رقم 1245 وابن ماجة والنسائي وغيرهما وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1ص479 رقم 480
[129] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج11 ص 44 المغني ج21 ص 426
[130] ) وقد أشكل اعتباره من المخلوقات المائية أم البرية – لكن معروف أنه آكلي اللحوم وإن لم يكن له ناب ، ومن المفترسات تفترس الفئران وكل ما هو أصغر منها بالبلع
[131] ) رواه أبو داود ج14 ص 10 رقم 4585 ، وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1293 رقم 12927
[132] ) الملا علي القاري : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج12 ص 404
[133] ) شرح سنن أبي داود ج 22 ص 192
[134] ) رواه البخاري ج7 ص 460 رقم 2069
[135] ) رواه البخاري ج7 ص 484 رقم 2082
[136] ) فتح الباري لابن حجر ج4 ص 425
[137] ) سبل السلام ج3 ص 6
[138] ) من العلماء من لم يجز بيع الشحوم المستخلصة من الميتة لهذا الحديث وذكر خلاف الفقهاء في المسألة كالشيخ ابن جبرين :
https://islamqa.info/ar/answers/12670/
قال النووي : (قوله r لا هو حرام فمعناه لا تبيعوها فإن بيعها حرام والضمير في هو يعود إلى البيع لا إلى الانتفاع هذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة في طلى السفن والاستصباح بها وغير ذلك مما ليس بأكل ولا في بدن الآدمي وبهذا قال أيضا عطاء بن أبي رباح ومحمد بن جرير الطبري وقال الجمهور لا يجوز الانتفاع به في شيء أصلا لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة الا ماخص وهو الجلد المدبوغ)
[139] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج6 ص 360
[140] ) شرح النووي على مسلم ج11 ص 7
[141] ) نظم الدرر ج2 ص 330
[142] ) تفسير القرطبي ج2 ص 222
[143] ) إغاثة اللهفان ج1 ص 152
[144] ) الدر المنثور للسيوطي ج4 ص 150
[145] ) الدر المنثور ج4 ص 150
[146] ) رواه ابن ماجة ج10 ص 51 رقم 3305 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 232 رقم 2679
[147] ) رواه مسلم ج10 ص 292 رقم 3761
[148] ) https://ruqya.net/forum/showthread.php?t=2034
[149] ) رواه البخاري ج7 ص 180 رقم 1898
[150] ) هذه الزيادة عند البيهقي في شعب الإيمان ج5 ص 321 رقم 6799
[151] ) عرف المصريون القدماء شكلاً من أشكال القرابين البشرية، خاصة في بداية الأسرات، حيث كانت تُقدم بعض الخدم والمقربين للملوك لخدمتهم في الحياة الأخرى (خاصة الأسرة الأولى)، لكن الأدلة الأثرية تشير إلى أن الغالبية العظمى من القرابين كانت عبارة عن الأطعمة والمشروبات والحيوانات (كالثيران، الطيور) والسلع الفاخرة لضمان إمداد المتوفى في العالم الآخر، مع وجود نصوص جنائزية تُشير لهذه القرابين دون الإشارة لسفك الدماء البشرية بشكل واسع في المراحل المتأخرة، بل تطورت الطقوس لتشمل تماثيل الأوشابتي لتقوم بالعمل بدلاً عنهم.
ومن أدلة القرابين البشرية: وُجدت مقابر حول المقابر الملكية (مثل أبيدوس) تضم رفات أفراد خدموا الملك، يُعتقد أنهم قُتلوا ليرافقوا الملك في العالم الآخر في عهد الأسرة الأولى.
حيوانات: ثيران وأوز وبط وغيرها، تُذبح وتُقدم بعد تحضيرها، كما يظهر في مشاهد المقابر.
نصوص القرابين: صيغة "حتپ دي نسو" كانت تُكتب لتضمن للمتوفى مشاركة في القرابين المقدمة للآله
[152] ) صيغة "حتب دي نسو" (Htp-di-nsw) هي صيغة قرابين أساسية في مصر القديمة تعني "قربان يقدمه الملك"، وتُكتب على الآثار الجنائزية للسماح للمتوفى بالوصول إلى القرابين المقدمة للآلهة (مثل الخبز والبيرة واللحوم والكتان والملابس) باسم الملك، وتتضمن اسم الإله (كأوزوريس أو أنوبيس) والملك، ثم عبارة "برت-خرو" (prt-xrw) أو "قربان بالصوت"، وتُنقش على اللوحات والجدران، وتُعد من أشهر النصوص المصرية الوسطى التي استخدمها الجميع وليس فقط الملوك
[153] ) http://www.ibn-jebreen.com/fatwa/vmasal-3705-.html
[154] ) صحيح البخاري ج7 ص 461 صدر الباب
[155] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 375 رقم 310
[156] ) رواه مسلم ج10 ص 94 رقم 3593
[157] ) إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج4 ص 22 بقلم (سليمان بن محمد اللهيميد)
[158] ) المجموع شرح المهذب ج2 ص 568
[159] ) رواه البخاري ج6 ص 359 رقم 1698
[160] ) رواه مسلم ج6 ص 171 رقم 2073
[161] ) رواه مسلم ج11 ص 293 رقم 4154
[162] ) النهاية في غريب الأثر ج3 ص 854 تحفة الأحوذي ج6 ص 433 عون المعبود ج5 ص 210
[163] ) رواه البخاري ج7 ص 462 رقم 2070
[164] ) علي بن نايف الشحود : الخلاصة في أحكام أهل الذمة ج1 ص 457 - المفصل في شرح الشروط العمرية ج1 ص 281
[165] ) ذكرته في موضع في التفسير ولا أتذكره حاليا
[166] ) اقتضاء الصراط ج1 ص 255 دقائق التفسير ج2 ص 132
[167] ) تفسر الشعراوي ج1 ص 2018
[168] ) رواه مسلم ج10 ص 174 رقم 3657 ، ورواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني
[169] ) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ج1 ص 75
[170] )
[171] ) اقتضاء الصراط ج1 ص 252 دقائق التفسير ج2 ص 131
[172] ) رواه البخاري ج17 ص 179 رقم 5083
[173] ) حاشية السندي على صحيح البخاري ج3 ص 119
قال المهلب : هذا أصل أن التسمية فى الذبح ليست بفرض ، ولو كانت فرضًا لاشترطت على كل حال . والأمة مجمعة أن التسمية على الأكل مندوب إليه ، وليست بفريضة ، فلما نابت عن التسمية على الذبح دل أنها سنة ؛ لأنه لا ينوب عن فرض (شرح البخاري لابن بطال ج5ص413)
ويرد عليه بأن التسمية فرض بالآية وليست بالحديث بل النهي واضح في قوله (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) ، والإجماع الذي ذكره فليس هو الإجماع الأصولي الذي يحتج به ، وقوله النيابة لا تصلح في الفرض ، فهذا ليس بصحيح ، فيجوز لمن يريد الحج ولا يستطيع الرمي أن ينيب عنه من يرمي له ، بل إن الميت يجوز أن يحج عنه ابنه بنص الحديث
[174] ) رواه البخاري ج17 ص 175 رقم 5081
[175] ) رواه البخاري ج8 ص 391 رقم 2308
[176] ) في ظلال القرآن ج2 ص 312
[177] ) تفسير القرطبي ج6 ص 57
[178] ) تفسير الشعراوي ج 1 ص 2018
[179] ) تفسير الشعراوي ج 1 ص 2762
[180] ) في ظلال القرآن ج2 ص 312
[181] ) مكان
[182] ) رواه البخاري ج17 ص 166 رقم 5075
[183] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج24 ص 477
[184] ) فتح الباري لابن حجر ج7 ص 143
[185] ) قالوا : وأزلام العرب ثلاثة أنواع : أحدها : الثلاثة التي يتخذها كل إنسان لنفسه في أحدها افعل وفي الآخر لا تفعل والثالث غفل فيجعلها في خريطة ، فإذا أراد فعل شيء دخل يده في الخريطة منسابة ، وائتمر بما خرج له من الآمر أو الناهي ، وإن خرج الغفل أعاد الضرب.
والثاني : سبعة قداح كانت عندها في جوف الكعبة ، في أحدها العقل في أمر الديات من يحمله منهم فيضرب بالسبعة ، فمن خرج عليه قدح العقل لزمه العقل ، وفي آخر تصح ، وفي آخر لا ، فإذا أرادوا أمراً ضرب فيتبع ما يخرج ، وفي آخر منكم ، وفي آخر من غيركم ، وفي آخر ملصق ، فإذا اختلفوا في إنسان أهو منهم أمْ من غيرهم ضربوا فاتبعوا ما خرج ، وفي سائرها لأحكام المياه إذا أرادوا أن يحفروا لطلب المياه ضربوا بالقداح ، وفيها ذلك القداح ، فحيث ما خرج عملوا به.
وهذه السبعة أيضاً متخذة عند كل كاهن من كهان العرب وحكامهم على ما كانت في الكعبة عند هبل.
والثالث : قداح الميسر وهي عشرة ، وتقدم شرح الميسر في سورة البقرة. انظر : (تفسير ابن كثير ج3ص24) (ابن حيان ج 4 ص 365 ) (تفسير الثعالبي ج1 ص 441 )
[186] ) إغاثة اللهفان ج1 ص 208
[187] ) لسان العرب ج12 ص 269
[188] ) لسان العرب ج12 ص 478
[189] ) إعلام الموقعين ج2 ص 167
[190] ) التحرير والتنوير ج5 ص 28
[191] ) تفسير القشيري ج2 ص 85
[192] ) التحرير والتنوير ج5 ص 28
[193] ) رواه الترمذي ج3 ص 1 رقم 558 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج3 ص 1 رقم 558
[194] ) رواه مسلم ج5 ص 192 رقم 1686
[195] ) التحرير والتنوير ج5 ص 28
[196] ) في ظلال القرآن ج ص
[197] ) رواه مسلم ج13 ص 424 رقم 5030
[198] ) رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 171 رقم 318
[199] ) رواه أحمد في مسنده ج 23 ص 93 رقم 11048
[200] ) البحر المحيط ج2 ص 90
[201] ) مجموع الفتاوى ج28 ص 449
[202] ) رواه ابن ماجة في سننه ج12 ص 11 رقم 3997 وصححه الالباني : صحيح سنن ابن ماجة ج 2 ص 368 رقم 3237
[203] ) تحفة الأحوذي للمباركفوري ج6 ص 357
[204] ) شرج سنن ابن ماجة ج ص 289
[205] ) تفسير الطبري ج9 ص 516
[206] ) رواه البخاري ج1 ص 78 رقم 43
[207] ) جامع الأحاديث للسيوطي ج28 ص 476
[208] ) التحرير والتنوير ج5 ص 33
[209] ) ابن القيم الجوزية : اجتماع الجيوش الإسلالمية ج1 ص 4
[210] ) رواه مسلم ج2 ص 329 رقم 579 .
[211] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 334 رقم 3860 ، والمتن صحيح المعنى
قال الألباني : وهذا إسناد ضعيف ، وله علتان : الجهالة ، والاضطراب :
1- أما الجهالة ؛ فهي جهالة سابق هذا - وهو ابن ناجية - ؛ قال الذهبي في "الميزان" : "ما روى عنه سوى هاشم بن بلال" .
قلت :وهاشم بن بلال - هو أبو عقيل - ؛ وهو ثقة ؛ من رجال مسلم .
2- وأما الاضطراب ؛ فهو أن شعبة خالف مسعراً في إسناده فقال : سمعت أبا عقيل يحدث عن سابق بن ناجية عن أبي سلام قال :
كنا قعوداً في مسجد حمص ؛ إذ مر رجل فقالوا : هذا خدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : فنهضت فسألته ، فقلت : حدثنا بما سمعت من من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتداوله الرجال فيما بينهم . قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :
"ما من مسلم يقول ثلاث مرات حين يمسي أو حين يصبح ..." الحديث
[212] ) مدارج السالكين ج2 ص 187
[213] ) الأشباه والنظائر للسيوطي ج1 ص 76
[214] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 199 رقم 4154 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 404 رقم 3359
[215] ) رواه البخاري ج17 ص 328
[216] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2023
[217] ) تفسير الرازي ج5 ص 469
[218] ) رواه البخاري ج17 ص 328
[219] ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج1 ص 250
[220] ) التحرير والتنوير ج5 ص 37
[221] ) رواه مسلم ج13 ص 154 رقم 4723
[222] ) رواه مسلم ج5 ص 192 رقم 1686
[223] ) رواه البخاري ج16 ص 493 رقم 4972
[224] ) تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المعروف بابن النجار : علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي: التحبير شرح التحرير ج8 ص 3851 ، شرح الكوكب المنير ج4 ص 447
[225] ) المحصول للرازي ج5 ص 237
[226] ) رواه البخاري ج18 ص 74 رقم 5333
[227] ) تيسير علم أصول الفقه للجديع ج1 ص 47
[228] ) أبي عاصم هشام بن عبد القادر بن محمد آل عقدة : الأدلة على اعتبار المصالح والمفاسد ج1 ص 4 ، د عبد الله بن بية : المعاملات والمقاصد
[229] ) الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود " فتاوى اللجنة الدائمة " ( 25 / 77 ، 78 )
[230] ) راجع قرار رقم 63 (7/1) بشأن الأسواق المالية ، مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في الفترة من 7-12 ذي القعدة 1412 هـ - 9-14 مايو 1992 م
https://iifa-aifi.org/ar/1845.html
[231] ) الملتقيات الفقهية : مصدر الراجحي : إصدارات المجموعة الشرعية رقم 12 ص 25 وما بعدها ، مدير عام المجموعة الشرعية : د صالح بن عبد الله اللحيدان
[232] ) في هذا المعنى الموافقات للشاطبي ج3 ص 468 وما بعدها
[233] ) المرجع السابق ، وانتهى البحث إلى خاتمة مؤداها :
أن شركات المساهمة والصناديق الاسـتثمارية المفتوحـة لا تـزال تواجـه مـشكلة علمية، تتمثل في كثرة الديون والنقود، وفي الحقيقة تعد هذه المسألة من معضلات المسائل، وإذا كان موضوع القبض «قد أشكل عـلى كثـير مـن الفقهـاء أولي الألبـاب»كـما قـال شـيخ الإسلام ، فإن هذه المسألة لا تقل عنها
[234] ) رواه البخاري ج1 ص 31 رقم 18
[235] ) تفسير ابن عثيمين 1/63
: https://dorar.net/tafseer/5/3
[236] ) سليمان بن محمد اللهيميد / إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج4 ص 30
[237] ) دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية للشيخ عبد الله بن جبرين : شرح عمدة الأحكام درس 75 ص 8
[238] ) رواه البخاري ج17 ص 140 رقم 5059
[239] ) رواه مسلم ج8 ص 228 رقم 2944
[240] ) صحيح البخاري ج17 ص 142
[241] ) فتح الباري لابن حجر ج9 ص 610
[242] ) مفتاح دار السعادة ج1 ص 55
[243] ) رواه مسلم ج10 ص 62 رقم 3565
[244] ) إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج4 ص 32
[245] ) شرح النووي على مسلم ج13 ص 78
[246] ) تأسيس الأحكام ج5 ص 157
[247] ) شرح النووي على مسلم ج13 ص 78
[248] ) شرح النووي على مسلم ج13 ص 78
[249] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 205 محاسن التأويل : تفسير القاسمي
[250] ) رواه البخاري ج22 ص 257 رقم 6745
[251] ) التحرير والتنوير ج5 ص 46
[252] ) في ظلال القرآن ج2 ص 320
[253] ) بنو تغلب بن وائل بن ربيعة بن نزار ، من صميم العرب انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية وكانوا قبيلة عظيمة لهم شوكة قوية واستمروا على ذلك حتى جاء الإسلام فصولحوا على مضاعفة الصدقة عليهم عوضا من الجزية واختلفت الرواية متى صولحوا .
عن زرعة بن النعمان - أو النعمان بن زرعة - أنه سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وكلمه في نصارى بني تغلب ، وكان عمر رضي الله عنه قد هم أن يأخذ منهم الجزية فتفرقوا في البلاد ، فقال النعمان لعمر : يا أمير المؤمنين إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية ، وليست لهم أموال إنما هم أصحاب حروث ومواش ، ولهم نكاية في العدو فلا تعن عدوك عليك بهم ، فصالحهم عمر رضي الله عنه على أن أضعف عليهم الصدقة واشترط عليهم ألا ينصروا أولادهم .
قال مغيرة : فحدثت أن عليا قال : لئن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي : لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم ، فقد نقضوا العهد ، وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم .
عن زياد بن حدير : أن عمر رضي الله عنه أمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر ، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر .
عمر بن عبد العزيز أنه أبى عليهم إلا الجزية وقال : " لا والله [ ص: 211 ] إلا الجزية ، وإلا فقد آذنتم بالحرب .
ولعله رأى أن شوكتهم ضعفت ، ولم يخف منهم ما خاف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإن عمر رضي الله عنه كان بعد مشغولا بقتال الكفار وفتح البلاد فلم يأمن أن يلحقوا بعده فيقوونهم عليه ، وعمر [ بن عبد العزيز ] أمن ذلك .
وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : " لئن بقيت لهم لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذريتهم ، فإنهم نقضوا العهد ونصروا أولادهم " .
وعلى هذا فلا تجري هذه الأحكام التي ذكرها الفقهاء فيهم فإنهم ناقضون للعهد ، ولكن العمل على جريانها عليهم فلعل بعض الأئمة جدد لهم صلحا على أن حكم أولادهم حكمهم كسائر أهل الذمة والله أعلم .
انظر أحكام أهل الذمة لابن القيم
[254] ) مجموع الفتاوى ج35 ص 224
وقال (وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ،وَالْجُمْهُورِ أَحَلُّوهَا وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَد . ثُمَّ الَّذِينَ كَرِهُوا ذَبَائِحَ بَنِي تَغْلِبَ تَنَازَعُوا فِي مَأْخَذِ عَلِيٍّ . فَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ عَلِيًّا إنَّمَا حَرَّمَ ذَبَائِحَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ آبَاءَهُمْ دَخَلُوا فِي دِين أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ ، وَبَنَوْا عَلَى هَذَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي أَهْل الْكِتَابِ بِالنَّسَبِ لَا بِنَفْسِ الرَّجُلِ وَأَنَّ مَنْ شَكَكْنَا فِي أَجْدَادِهِ هَلْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَمْ لَا ؟ أَخَذْنَا بِالِاحْتِيَاطِ فَحَقَنَّا دَمَهُ بِالْجِزْيَةِ احْتِيَاطًا وَحَرَّمْنَا ذَبِيحَتَهُ وَنِسَاءَهُ احْتِيَاطًا . وَهَذَا مَأْخَذُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَلِيٌّ لَمْ يَكْرَهْ ذَبَائِحَ بَنِي تَغْلِبَ إلَّا لِكَوْنِهِمْ مَا تَدَيَّنُوا بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي وَاجِبَاتِهِ وَمَحْظُورَاتِهِ ؛ بَلْ أَخَذُوا مِنْهُ حِلَّ الْمُحَرَّمَاتِ فَقَطْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : إنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ . وَهَذَا الْمَأْخَذُ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ . " وَبِالْجُمْلَةِ " فَالْقَوْلُ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ هُمْ مَنْ كَانَ دَخَلَ جَدُّهُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ . وَالْقَوْلُ بِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَادَ ذَلِكَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ ؛ بَلْ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ كَوْنَ الرَّجُلِ كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ هُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لَا بِنِسْبَةِ وَكُلُّ مَنْ تَدَيَّنَ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهُوَ مِنْهُمْ سَوَاءٌ كَانَ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَسَوَاءٌ كَانَ دُخُولُهُ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ . وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْ أَحْمَد وَإِنْ كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الثَّابِتُ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ نِزَاعًا وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِي أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ قَدِيمٌ وَاحْتَجَّ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَنْ لَا يُقِرُّ الرَّجُلَ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ كَمَنْ هُوَ فِي زَمَانِنَا إذَا انْتَقَلَ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَتُنْكَحُ نِسَاؤُهُ . وَهَذَا يُبَيِّنُ خَطَأَ مَنْ يُنَاقِضُ مِنْهُمْ . وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ يَقُولُونَ مَنْ دَخَلَ هُوَ أَوْ أَبَوَاهُ أَوْ جَدُّهُ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ أَقَرَّ بِالْجِزْيَةِ سَوَاءٌ دَخَلَ فِي زَمَانِنَا هَذَا أَوْ قَبْلَهُ . وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الْآخَرِ يَقُولُونَ : مَتَى عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ إلَّا بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ ؛ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد مَعَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ . وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ؛ وَالدَّلِيلِ عَلَيْهِ وُجُوهٌ : " أَحَدُهَا " أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْصَارِ جَمَاعَةٌ تَهَوَّدُوا قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَلِيلِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ . إنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ مِقْلَاتًا - وَالْمُقِلَّاتُ الَّتِي لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ . كَثِيرَةُ الْقَلَتِ وَالْقَلَتُ الْمَوْتُ وَالْهَلَاكُ كَمَا يُقَالُ : امْرَأَةٌ مِذْكَارٌ وميناث إذَا كَانَتْ كَثِيرَةَ الْوِلَادَةِ)
[255] ) صحيح البخاري ج17 ص 180
[256] ) رواه البخاري ج17 ص 179 رقم 5083
[257] ) حاشية السندي على صحيح البخاري ج3 ص 119
[258] ) اقتضاء الصراط ج1 ص 252
[259] ) إقتضاء الصراط ج1 ص 251
[260] ) هذا بخلاف الذبيحة التي تستورد من بلاد الكفر بل ودار الحرب ، والله أعلم
[261] ) رواه البخاري ج 16 ص 335 رقم 4877
[262] ) قال ابن تيمية (فَإِنْ قِيلَ : هَذِهِ الْآيَةُ مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } . وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } . قِيلَ : الْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ . أَحَدُهَا : أَنَّ الشِّرْكَ الْمُطْلَقَ فِي الْقُرْآنِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ , وَإِنَّمَا يَدْخُلُونَ فِي الشِّرْكِ الْمُقَيَّدِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ } . فَجَعَلَ الْمُشْرِكِينَ قِسْمًا غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ , وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا } . فَجَعَلَهُمْ قِسْمًا غَيْرَهُمْ , فَأَمَّا دُخُولُهُمْ فِي الْمُقَيَّدِ , فَفِي قَوْله تَعَالَى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا
هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } . فَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ . وَسَبَبُ هَذَا : أَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ الْكُتُبَ وَأَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ لَيْسَ فِيهِ شِرْكٌ , كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } . وَقَالَ : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } , وَلَكِنَّهُمْ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا , فَابْتَدَعُوا مِنْ الشِّرْكِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ اللَّهُ سُلْطَانًا , فَصَارَ فِيهِمْ شِرْكٌ بِاعْتِبَارِ مَا ابْتَدَعُوا , لَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الدِّينِ . وقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } هُوَ تَعْرِيفٌ لِلْكَوَافِرِ الْمَعْرُوفَاتِ اللَّاتِي كُنَّ فِي عِصَمِ الْمُسْلِمِينَ , وَأُولَئِكَ كُنَّ مُشْرِكَاتٍ لَا كِتَابِيَّاتٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَنَحْوِهَا . الْوَجْهُ الثَّانِي : إذَا قُدِّرَ أَنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكَاتِ وَالْكَوَافِرِ يَعُمُّ الْكِتَابِيَّاتِ , فَآيَةُ الْمَائِدَةِ خَاصَّةٌ , وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالْمُمْتَحِنَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ , كَمَا فِي الْحَدِيثِ { الْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا } وَالْخَاصُّ الْمُتَأَخِّرُ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ , لَكِنَّ الْجُمْهُورَ يَقُولُونَ إنَّهُ مُفَسِّرٌ لَهُ , فَتَبَيَّنَ أَنَّ صُورَةَ التَّخْصِيصِ لَمْ تَرِدْ
(الفتاوى الكبرى ج1 ص 160 ، إقامة الدليل على إبطال التحليل ج4 ص 190 )
[263] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج7 ص 171 رقم 14350
[264] ) الجواب الصحيح ج3 ص 116
[265] ) رواه عبد الرزاق في مصنفه ج7 ص 186 رقم 12713
[266] ) تفسير الطبري ج9 ص 576
[267] ) مشكل الآثار للطحاوي ج13 ص 335 رقم 5340
[268] ) تفسير الطبري ج9 ص 574
[269] ) روضة الطالبين وعمدة المفتين (7/135-137( وراجع المنهاج (3/187)
[270] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج7 ص 171 رقم 14350
[271] ) تفسير الطبري ج9ص 585
[272] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج7 ص 171 رقم 14350
[273] ) تفسير الرازي ج5 ص 474
[274] ) رواه البخاري ج16 ص 337 رقم 4878
[275] ) التحرير والتنوير ج5 ص 46
[276] ) في ظلال القرآن ج2 ص 320
[277] ) التحرير والتنوير ج5 ص 47
[278] ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج1 ص 341
[279] ) تفسير الرازي ج5 ص 474
-
السبت PM 04:00
2025-12-20 - 346



