ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
المحرمات المقيدة بقيود الزمان والمكان والحال
د/ احمد نصير
المحرمات المقيدة بقيود الزمان والمكان والحال
ثمة محرمات في الشريعة الإسلامية لا يُدرك المكلف الحكمة من تحريمها غير أنه يذعن لحكم الله ، ويمتثل لأوامره ونواهيه ، الأمر الذي يتجلى بوضوح في الشعائر الإسلامية التي لا يدرك المكلفون حظهم فيها إلا بالتجربة كالصلاة والصيام والحج ، ولذلك فإن إدراك الحكمة ليس بلازم للالتزام بها ، أما تحقق العلة فهو سبب التكليف بها ، فالعلة هي: (الوصف الظاهر المنضبط الذي بني عليه الحكم، وربط به وجودا وعدما ، والعلة مظنة لتحقيق الحكمة)، أما الحكمة فهي – عند الأصوليين-: (المصلحة التي قصد الشارع تحقيقها بتشريعه الحكم) ، قال العلماء (الْحِكْمَةَ الْمُعْتَبَرَةَ لِعُسْرِ ضَبْطِهَا وَتَعَذُّرِ تَعَيُّنِ الْقَدْرِ الَّذِي تُوجِبُهُ ضُبِطَتْ شَرْعًا بِمَظِنَّةٍ خَاصَّةٍ وَهُوَ الْوَصْفُ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ)، ولذلك فإن الأحكام في الشرع معللة بعلتها وليس بحكمتها .
وبالنظر إلى المحرمات المقيدة بقيود الزمان والمكان والحال نجد أن أظهر مثال لها ما حرمه الله تعالى على الحاج والمعتمر من الصيد "حال الإحرام" ، فبالنسبة لقيد المكان جعل الكعبة "البيت الحرام" آمنا ، وحرم فيها الصيد ، وبالنسبة لقيد الزمان جعل " الشهر الحرام " شهر يحرم فيه القتال إلا لدفع صائل أو معتد ، وقيد الحال معتبر عند دخول الحاج أو المعتمر في الإحرام ، وهذه القيود الثلاثة يلتزمها الحاج عند أداء المناسك ، فيقصد البيت الحرام في الشهر الحرام - ذو الحجة الذي هو من الأشهر الحرم - وهو في حالة الإحرام أي ممتنعا عن صيد البر حتى ينتهي من أداء مناسك الحج أو العمرة .
فشعائر الإسلام لاسيما شعيرة الحج هي رسالة سلام للعالم كله ، فمن خلال المناسك الحج يتعرف الناس على دين الإسلام ، وأن المسلمين قوة مسالمة ، لا تبدأ بعدوان ، وتحترم قيادتها ومعاهداتها ، ودليل انضباطهم في سلوكياتهم هو انضباطهم في أداء مناسكهم على نحو ما أمرهم الله به .
ففي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ..) (94) تعليل لسبب تحريم الصيد بقوله سبحانه "لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ " أي ليختبرنكم ، فمناط التشريع الاختبار ، ومحل النهي هو كل ما يدخل في معنى الصيد سواء باليد أو بالرمح ، قال مجاهد (النبل والرمح ينال كبار الصيد ، وأيديهم تنال صغار الصيد ، أخذ الفروخ والبيض) ، فلا يجوز للمحرم أن يصطاد لا بيده ولا برمح، فمقتضى النهي هو الاختبار ، قال ابن الجزي (كان الصيد مستعملاً عندهم –أي العرب- ، فاختبروا بتركه كما اختبر بنوا إسرائيل بالحوت في السبت).
قال مقاتل بن حيان : (أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية ، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم ، لم يروا مثله قط فيما خلا ، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون).
وفي قوله (..لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ..) (94) بيان للحكمة من تشريع النهي ، فالتربية الإيمانية للمسلم تصل به أن يتقي الله ويحفظ أوامره وينتهي عن نواهيه بالغيب ، لاسيما في الوقت الذي يعلم أنه لا رقيب عليه فيما يفعل غير الله سبحانه ، فهو الذي يحاسبه ، وهذا هو المقصود من هذه التربية ، فالخوف الحقيقي من الله يتجلى في السر، حيث لا يراقب العبد إلا الله ، بهذا تظهر حقيقة التقوى ، قَالَ رسول الله (لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا).
وفي قوله (..فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(94) اعتبر الشرع أن الإعتداء على الحيوان في حال الإحرام هو عدوان مؤاخذ عليه ، وذنب يستوجب عذاب إليم ، متى لم يأت المحرم بالكفارة ، فلا يستهين المحرم بفعل شيء منهي عنه حتى ولو قتل دجاجة ، فهو في هذا الحال لا يجوز أن يفعل ذلك ، وليتذكر أن الذي أحلها له هو الذي حرمها عليه في حال الإحرام .
وعند الرجوع إلى حال المسلمين الأوائل الذين خوطبوا بهذا الحكم نجد أن الروايات تؤكد أن هذه الْآيَةَ نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْدِ، وَكَانَتِ الْوُحُوشُ تَغْشَى رِحَالَهُمْ مِنْ كَثْرَتِهَا فَهَمُّوا بِأَخْذِهَا فَنَزَلَتْ) ، وهو الأمر الذي يبين الغاية من فرض عبادة الحج والعمرة ، وارتباط ذلك بأن يظهر المسلمون وهم مقبلون على بيت الله الحرام بمظهر سلمي يتفق مع أداء هذه الشعيرة ، فالحفاظ على هذا المظهر من مقاصد هذه الشعيرة .
والذي ينظر في عبادات ومناسك الإسلام يجد أنها تحض على مثل ذلك ، ففي الذهاب إلى الصلاة يقول النبي "إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" ، فالإسلام يريد من المصلون أن يحافظوا المظهر السلمي وحالة السكينة وهم مقبلون على الصلاة ، وكذلك حال أداء شعيرة الحج ، لذا جاء التشديد في النهي عن الصيد للمحرم بهذه الآية .
وفي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ )(95) فالإسلام يريد من المقبل على الحج والعمرة أن يكون على حالة من السكينة والوقار والعزوف عن كل مظاهر الترف ، والصيد كما هو معلوم من علامات الترف ، مقاصد الحج والعمرة تتنافى مع هذه العادة ، فهما عبادتان تحملان كثير من معاني التجرد من الدنيا لله سبحانه ، لأن الحاج أو المعتمر يترك بيته وأهله وماله وتجارته قاصدا بيت الله الحرام ليغفر الله له ذنبه ، ولو كان ملكا فإنه يترك ملكه ليتم أركان دينه ، روي الترمذي عن النبي قَالَ (مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، وروي البيهقي عن أبي أمامة عن النبي قال : (من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا) .
أما الصيد فقد كان معاش العرب ومهنتهم ، كما أنه دليل على الحرية والقوة والملك ، وهو أية على تسخير الله الأرض للإنسان ، قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة/29) ، وهو كناية عن رفاهية العيش ، وسعة البال ، وهدوء النفس ، وقوة الإنسان وحدة سلاحه ، ودليل على ذكائه في نصب الشراك والكمائن ،وصبره على فريسته ، وقدرته على اقتناص الفرص ، وسرعته في العدو ، وقوة حصانه ، فهو عادة مشهورة عند الملوك ، لذلك قال أبو حيان (كان الصيد مما تعيش به العرب وتتلذذ باقتناصه ولهم فيه الإشعار والأوصاف الحسنة) ، كل ذلك يتنافى مع شعيرة الحج والعمرة اللتين تحملان المسلم على التجرد والتحلل من كل النعم شعره وملبسه وأظافره وماله وزوجته وأهله ووطنه .
قال الشعراوي (عندما يخرج المسلم إلى الحج يتحلل من كل النعم التي تصنع له تميزا ، فيستوي في هيئته مع كل خلق الله ، فيخلع المسلمون ملابسهم ويرتدون لباساً موحداً يتساوون فيه ، وحين يترك النعم كلها ، فلأنه ذاهب إلى المُنْعِم ، .. ، وكلهم شُعْثٌ غُبْر ، يقولون « لبيك اللهم لبيك »....ومن بعد هذه الآداب التي يراعها المحرم ليتساوى مع غيره من الحجيج أو المعتمرين ، راعى الشارع كذلك أن ينظر المسلم إلى الجنس الأدنى وهو الحيوان ، فيعلمنا الحق الأدب مع هذا الحيوان بتحريم صيده ، كما يعلمنا الأدب مع الزرع الذي تحت الحيوان فيمنع المسلم من قطع شجر الحرم ، وهكذا تصبح العبودية مستطرقة في الجميع ، وتزول في الحج كل الألقاب والمقادير المتباينة من فور اتجاههم إلى الحج ، وحول الكعبة يرى الخفيرُ الوزيرَ وهو يبكي ، ويشعر الجميع أن الكل سواء ، والحق يقول (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً) [ آل عمران : 97 ].
ففي قوله (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ..) (95) تقرير لجزاء مخالفة الحظر المؤقت -أي حال الإحرام أو التواجد في الحرم في العمد – أي متلبسا بجناية متعمدا – بفرض عقوبة مالية عليه تماثل مقدار الحيوان المقتول ، ما يعني أنه إذا وقع منه الفعل بغير عمد فلا جزاء عليه ، فعَنْ طَاوُسٍ قَالَ:"لا يُحْكَمُ عَلَى مَنْ أَصَابَ صَيْدًا خَطَأً إِنَّمَا يُحْكَمُ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ مُتَعَمِّدًا"
هذا هو الأصل ، لكن لما كانت حالة العمد يتعذر إثباتها في القتل ، لاسيما إذا كان الخطأ نابع عن رهونة وإهمال ، فقد وسع بعض الفقهاء في العقوبة فشملت العمد والخطأ على السواء ، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:"إِنَّمَا جُعِلَتِ الْكَفَّارَةُ فِي الْعَمْدِ، وَلَكِنْ غُلِّظَ عَلَيْهِمْ فِي الْخَطَأِ كَيْ يَتَّقُوا"، كما أخرج ابن جرير عن الزهري قال : نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ ، يعني في المحرم يصيب الصيد)
أي أن ثمة رأي آخر بأن الجريمة يعاقب عليها في الخطأ والعمد ، فعَنِ الْحَكَمِ "أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ فِي الْخَطَّاءِ وَالْعَمْدِ" ، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: "لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا " ، قال:"إِنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ خَطَأً حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ الْعُقُوبَةُ إِلا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ"، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، نَحْوُ بَعْضِ هَذَا الْكَلامِ ، ولعل هذا الرأي يستند إلى ظاهر الحال ، لأن المسألة عقوبة دنيوية ، وفي مثل تلك الأقضية يحكم بظاهر الحال وليس بالنوايا الداخلية .
في قوله (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ..) (94) قال الكياهراسي (اختلف في المراد بالمثل) ، أي على رأيين :-
الرأي الأول : أن المراد بالمماثلة في القيمة ، فيجوز إخراج التعويض بما يعادل قيمة المجني عليه مالا .
يري أبو حنيفة وأبو يوسف أن "المثل" هو "القيمة" ، فيشتري بالقيمة هدياً، وإن شاء طعاماً، وأعطى كل مسكين نصف صاع، وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوماً .
الرأي الثاني : أن المراد بالمماثلة في الخلقة ، بمعنى أن يحكم بالأشباه ، أي يكون التعويض عيني ، ولا يجوز إخراج القيمة ، وذكرت المماثلة حال تعذر الإتيان بالمثل تماما بتمام فيأتي بالشبه .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: " فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ " ، قال:"إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِنْ قَتَلَ ظَبْيًا أَوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شَاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ"، حيث يصعب الإتيان بظبي ، لكن يسهل الإتيان بشاة .
قال الشوكاني : (المراد المماثلة في القيمة ، وقيل : في الخلقة ، وقد ذهب إلى الأوّل : أبو حنيفة ، وذهب إلى الثاني : مالك والشافعي وأحمد والجمهور ) ، وقد رجح الشوكاني رأي الجمهور فقال (وهو الحق لأن البيان المماثل للنعم يفيد ذلك ، وكذلك يفيده هدياً بالغ الكعبة ، وروي عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج القيمة ولو وجد المثل ، وأن المحرم مخير)
وهو ما رجحه ابن قدامة فقال (فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به من النعم من حيث الخلقة لا من حيث القيمة بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة)، فعن جابر بن عبد الله : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الضبع بكبش ، وفي الغزال بعنز ، وفي الأرنب بعناق ، وفي اليربوع بجفرة).
وقد ورد في عموم التقدير ما روي عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَوْلَهُ: " فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ " ، فَمَا كَانَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ مِمَّا لَيْسَ لَهُ قَرْنٌ كَالْحِمَارِ وَالنَّعَامَةِ فَجَزَاؤُهُ مِنَ الْبُدْنِ، وَمَا كَانَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُونِ فَجَزَاؤُهُ مِنَ الْبَقَرِ، وَمَا كَانَ مِنَ الظَّبْيِ فَفِيهِ مِنَ الْغَنَمِ، وَالأَرْنَبُ فِيهِ بينةٌ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْيَرْبُوعُ فِيهِ بَرَقٌ وَهُوَ الْحَمَلُ، وَمَا كَانَ مِنْ حَمَامَةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنَ الطَّيْرِ فِيهِمَا شَاةٌ، وَمَا كَانَ مِنْ جَرَادَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَفِيهِمَا قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ".
في قوله ( يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ..) (95) هنا يبدو من السياق عظم جريرة المخالف بأن الله تعالى قد خاصمه "المخالف" وأوكل بعقوبته "حكمان" من ذوي العدالة للشهادة ، يحكمان بها وهما من أصحاب الرأي في قومهما ، يحكمان في تقدير كفارة التعدي بالصيد ، أي أن المسألة أصبحت قضية منظورة أمام ساحة القضاء ، وأصبح الجاني متهما ومطلوبا للعدالة ، لمجرد أن المجني عليه طير أو بهيمة ، والمدعي هو الله سبحانه ، والعقوبة تقديرية يقررها الحكمان الواردان بالآية بحيث تحقق المماثلة .
وفي ذلك إيماء بضرورة إيكال مرفق العدالة في كل مسألة صغيرة أو كبيرة إلى أهل العدالة والشهادة بين المسلمين ، لاسيما الدماء ليظل في المسلمين من هم مستأمنون على أداء هذه المهمة ، الأمر الذي يوضح أهمية الالتزام بهذا الحظر وإن كان مؤقتا ، وعدم التهاون في الأمر.
فقد جعل الشارع تقدير العقوبات المقررة في هذه المسألة – أي الحكومة بالمثل أو بالقيمة - لخبيران متصفان بـ"العدالة" يحكمان فيها ، وجعل تقديرهما بمثابة حكم ، وإن لم يتصف -حقيقة - بصفة الحكم ، إلا أنه أطلق عليه هذه الصفة -مجازا -لأن تقديرهما أقرب لأن يأخذ القاضي به ، باعتبارها مسألة فنية أحالها القاضي إليهما ، فالقاضي يتوقف عن الفصل في الدعوى عندما يرتبط حكمه بمسألة فنية أشكلت عليه ، وتعذر أن يفصل في الخصومة إلا إذا فُصل فيها أولا.
وهو ما يعني بمفهوم الإشارة أن ثمة "ثالث" يفصل بين تقدير الخبيرين وهو "القاضي" باعتباره هنا الخبير الأعلى ، ولكنه يلتزم بما ورد بهذين التقريرين الصادرين عنهما من تقدير ، وإن جاز له أن يخالفهما فذلك في حدود ما يخرج عن اختصاصهما من أمور فنية ، قال القرطبي (إذا اتفق الحَكَمان لزم الحكم؛ وبه قال الحسن والشافعي ، وإن اختلفا نظر في غيرهما ، وقال محمد بن المواز: لا يأخذ بأرفع من قوليهما؛ لأنه عمل بغير تحكيم)، أي أنهما ليسا بأهل للحكم في القضية وإنما هما خبيران ، ولذلك من الممكن عملا أن يختلفا في الحكم ، وللقاضي أن يندب غيرهما في المسألة
والدليل على أنهما ليسا بحكمين وإنما هما مجرد خبيران ما ذكره الفقهاء في شروطهما ، قال ابن قدامة (ليس من شرط الحكم أن يكون فقيها لأن ذلك زيادة على أمر الله تعالى به ، وقد أمر عمر أربد أن يحكم في الضب ولم يسأله أفقيه أم لا ، لكن تعتبر العدالة لأنها منصوص عليها، وتعتبر الخبرة لأنه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا من له خبرة ولان الخبرة بما يحكم به شرط في سائر الحكام) .
وفي ذلك دليل شرعي على وجوب إحالة القضية للخبراء في المسائل الفنية ليسترشد القاضي بحكم أهل الخبرة والإرشاد متى اتصفوا بالعدالة ، وأن حكمه دون الرجوع لهما يُنتقض ، فقد جعل الله لعمل الخبيرين قوة الحكم -مجازا-، فقال (يحكم به) وبين عملهما ومهمتهما ، وهو تقدير الحكومة أي(التعويض) ، فجعلهما اثنين وليس واحد لأن الخبير قلما يزيد تقديره أو يقل عن تقدير خبير مثله ، فإذا كانا اثنين كان تقديرهما أدق من الواحد .
ولكي تتحقق الحكمة من ندب خبيرين في المسألة الفنية وليس خبير واحد لابد وأن يعمل الخبيران منفصلان عن بعضهما البعض ، يعني أن القاضي لا ينتدب لجنة مشكلة من خبيرين ، بل هما خبيران في مسألة واحد كل خبير يعمل عليها استقلالا عن الآخر ، وذلك حتى يستطيع القاضي أن يحسب التقدير السليم بناء على تقريرهما ، أما إذا عملا معا على المسألة فإنهما يكتبان تقريرا واحدا ، وليس ذلك هو المقصود من ندب خبيرين في القضية ، إذ لو عملا معا دون أن يستقلان عن بعضهما قد يتواطأ على الاتفاق على وجهة نظر واحدة ، دون أن ينم هذا الرأي على وجه نظر أحدهما ، بل قد يكون رأيا توافقيا ، وليس هذا هو عمل الخبير ، بل عمل القاضي أن يوفق بين الآراء بما يتناسب مع المسألة المعروضة عليه ، فله أن يختار أحد الرأيين أو يجمع بينهما بالتوفيق بينهما .
ولذلك أرست محكمة النقض المصرية أن للمحكمة أن توازن بين آراء الخبراء المختلفة فقضت بأن "تقدير عمل أهل الخبرة والموازنة بين آرائهم فيما يختلفون عليه هو مما يستقل به قاضى الموضوع ، ولا تثريب عليه إذا استعان في ذلك بالمضاهاة التي يجريها بنفسه ولا يمنع من إجرائه لها أن يكون قد رأى من قبل ندب خبير أو أكثر للقيام بها لأن القاضي هو الخبير الأعلى فيما يتعلق بوقائع الدعوى المطروحة عليه وله أن يسعى بنفسه لجلاء وجه الحق فيما اختلف فيه الخبراء لأن تقاريرهم لا تعدو أن تكون من عناصر الإثبات التي تخضع لتقديره).
وقد أوضحت محكمة النقض المصرية أن عمل الخبير لا يعدو أن يكون عنصراً من عناصر الإثبات الواقعية في الدعوى يخضع لتقدير محكمة الموضوع ، ولها سلطة الأخذ بما انتهى إليه محمولاً على أسبابه متى اقتنعت بكفاية أبحاثه وسلامة الأسس التي بنى عليها , وأنه لا تثريب على المحكمة إن هى أخذت بتقرير الخبير محمولا على أسبابه من دون أن تسرد فى حكمها بصورة تفصيلية أسباب أخذها بما انتهى اليه تقرير الخبرة) .
كما أنه من المستقر عليه قضاءً أن الإستعانة بأهل الخبرة هو أمر متروك تقديره لمحكمة الموضوع فإذا ما رأت الإستعانة بأهل الخبير فإن لها التقدير الموضوعى لجميع عناصر الدعوى ، وهى لا تلتزم الإ بما تراه صدقاً وعدلاً من رأى فنى لأهل الخبرة ، فلها أن تأخذ بما تطمئن إليه من تقرير الخبير ، ولها أن تطرح ما انتهى إليه رأيه كله أو بعضه) .
يستبين مما تقدم أن عمل القضاء هو عمل جماعي لا ينفرد القاضي بنفسه في تقديره كل مرة ، بل يجب عليه أن يستعين بأهل الخبرة في كل مسألة فنية تستعصي عليه ، لاسيما إذا كانت تحتاج لأهل الاختصاص ، سواء أكانت هذه المسألة الأولية كبيرة أم صغيرة ، وسواء أكانت في إطار تقدير التعويض في دم طير أو في دماء المسلمين ، ولذلك عندما تخاصم الصحابة فيما بينهم احتكموا لأصحاب العدالة والشهادة ، وكذلك لما خرج الخوارج علي الإمام علي بن أبي طالب ، سأل ابن عباس الحرورية – وهم الخوارج - عن سبب خروجهم على خليفة رسول الله علي بن أبي طالب ؟ قالوا : ثلاثا ، فقال ابن عباس : ما هن ؟ قالوا : أما إحداهن فإنه حَكَّم الرجال في أمر الله ، وقال الله تعالى "إن الحكم إلا لله" وما للرجال وما للحكم ؟.... فقال ابن عباس : أما قولكم حكم الرجال في أمر الله فأنا عليكم ما قد رد حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم في أرنب ونحوها من الصيد فقال (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد و أنتم حرم) إلى قوله (يحكم به ذوا عدل منكم) فنشدتكم الله أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم ؟ وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم ولم يصير ذلك إلى الرجال ، وفي المرأة وزوجها قال الله عز وجل (إن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) فجعل الله حكم الرجال سنة مأمونة أخرجت عن هذه قالوا : نعم) .
قوله ( هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ..) (95) أي أن العقوبة تطبق في الحال ، فلا يجوز تأجيل العقاب لبعد الرجوع من الحج أو العمرة ، ) أي يجب صرف هذه الحكومة (التعويض) بما يحقق مصلحة الناس في الكعبة لاسيما الفقراء والمساكين وابن السبيل ، لقوله (هديا بالغ الكعبة) فتطبيق الحكم في "الكعبة" يحقق الردع العام لتظل محفوظة عن التعدي ، قال عطاء (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَهُ فِى حَرَمٍ يُرِيدُ الْبَيْتَ كَفَّارَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَيْتِ).
وفي تقييد المثل بكونه هديا فائدة في تقدير أقل ما يجب التعويض به ، قال الشنقيطي (أقل ما يكون جزاء من النعم - عند الإمام مالك - شاة تجزىء ضحية، فلا جزاء عنده بجفرة ولا عناق ، مستدلاً بأن جزاء الصيد كـ "الدية" لا فرق فيها بين الصغير والكبير، وبأن الله قال: (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) ، فلا بد أن يكون الجزاء يصح هدياً ، ففي الضب واليربوع عنده قيمتها طعاماً).
قوله (..أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ..) (95) قال ابن جزي (عدّد تعالى ما يجب في قتل المحرم للصيد ، فذكر أولاً الجزاء من النعم ، ثم الطعام ثم الصيام ، ومذهب مالك والجمهور أنها : على "التخيير" ، وهو الذي يقتضيه العطف بـ "أو" ، ومذهب ابن عباس أنها : على "الترتيب" ، ولم يبين الله هنا مقدار الطعام ، فرأى العلماء أن يقدّر الجزاء من النعم).
وأيا كان الأمر فمراعاة الترتيب إن لم يكن من باب الاستحسان فإنه قد يكون من باب الضرورة ، ذلك أن العقوبة فورية كما تقدم ، فقد رخص الشارع الإتيان بعقوبة "بديلة" بإطعام مساكين دون تحديد لعددهم ، حيث يقضي الحكمان بعددهم بمقدار التعويض المحكموم به الذي يختلف باختلاف حجم المجني عليه ، فهنا يجوز إخراج القيمة بإطعام مساكين ، فإذا تعذر الإتيان بالمثل أو بالقيمة ، فلأن العقوبة تطبق في الحال ، فلا بديل غير "الصيام" ، أي صيام أيام تعدل ذلك كله ، وذلك وفقا للحكم في القضية كما بينا .
قوله (..لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ..) (95) قال أبو حيان (استعير الذوق هنا لما يؤثر من غرامة وإتعاب النفس بالصوم واستعير الوبال لبيان سوء عاقبة ما فعل ، وهو هتك حرمة الإحرام بقتل الصيد) ، وقال الزمخشري ليذوق متعلق بقوله "فجزاء" أي فعليه أن يجازي أو يكفر ، ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام) .
قوله ( عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ..) (95) وتلك هي رحمة الإسلام ، العفو عما سلف ، فلا أثر للقاعدة الجنائية فيحكم العلائق السابقة على تقريرها ، فلا يرتد العقاب للماضي بأي حال ، فمن بدر منه هذا الفعل قبل تحريمه فلا يؤاخذ عما بدر منه ، ولا يجازى بعقوبة ، فالقاعدة الجنائية في الفقه الإسلامية فورية الأثر ، ولا ترتد إلى الماضي إلا بما هو أصلح للمتهم كتخفيف العقاب ، أما فرض العقوبة ذاتها أو تشديدها فلا يطبق إلا علي الحال والمستقبل ، لا على الماضي وما سلف .
فما سلف من أفعال قبل تجريمها لا يستحق عقوبة ، لكنه يستحق العفو ، باعتبار أن العقول السليمة تستطيع أن تميز بين الخير والشر دون حاجة إلى نص يشير لها ذلك ، ولذلك ذكر العفو في هذا المقام ، لأن الآداب المرعية توجب على المكلف استشعار الحرج قبل أن ينزل التحريم ، في كل ما يخال مفسدته ، كما هو الشأن في الخمر ، حيث تحرج بعض الصحابة من شربها قبل أن ينزل التحريم ، فكذلك حال الإحرام أو دخول الحرم ، فإن الآداب تقتضي الانشغال بالعبادة وترك وسائل الترفيه واللهو ، وتعظيم حرمة الدماء ، ولذلك ذكر الله العفو عن عدم الاحتراز من ذلك قبل تحريمه بنص قاطع .
وتطبيق هذه القاعدة لا يقتصر على ما ذكر في سياق الآية ، وإنما يمتد لكافة الجرائم التي لم يرد نص بها في الفترة السابقة على التجريم ، ومثال ذلك جريمة الربا ، قال تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (275) ، فقوله (فله ما سلف) يعني أنه لا يؤاخذ عما اكتسبه من الربا قبل زمن التحريم ، فلا يكلف رد الأموال التي اكتسبها قبل النص بالتحريم ،فعَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،"فِي قَوْلِ اللَّهِ: " فَلَهُ مَا سَلَفَ ", يَعْنِي: فَلَهُ مَا كَانَ أَكَلَ مِنَ الرِّبَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ"، وَرُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ نحو ذلك، ولينته عن الربا بعدما علم بالتحريم ، وفي ذلك تخفيف من الشارع يبين خصائص التشريع الإسلامي وأن من مقاصده تكليف الناس بما يطيقون .
قوله (.. وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (95) أي هدد الجاني في حالة العود لمثل هذه المخالفة بتهديد صيغت عباراته بصياغة أشد من الأولى ، حيث تضمن انتقام الله من مرتكب هذه الجريمة ، فهو تهديد مباشر بإظهار صفة الانتقام التي يختص بها الإله ، (فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) ، وتأكد بقوله (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) ، فكأن الذي خالف النهي بقتل الصيد حال الإحرام أو الحرم مثله مثل الذي عقر ناقة صالح ، فوزرهما سواء بسواء ، قال صاحب الظلال (فإذا اعتز قاتل الصيد بقوته وقدرته على نيل هذا الصيد الذي أراد الله له الأمان ، فالله هو العزيز القوي القادر على الانتقام!) .
فالتهديد في حالة العود لأجل الردع العام حفاظا على هذه الشعيرة من أن تتغير معالمها ، فمن يخل بأداء هذه الشعيرة ويقتل الحيوان في الحرم أو في حال الإحرام فإنه ليس أهلا للحفاظ على عهود الله ومواثيق الأمان مع الناس وأهل الكتاب ، فالناس وبخاصة غير المسلمين يحكمون على الإسلام من خلال نظرهم للمسلمين وهم يؤدون عباداتهم وشعائرهم ، فأراد الله تعالى أن تكون شعيرة الحج أكبر تظاهرة إسلامية في العالم أجمع وفي تاريخ الكرة الأرضية تحمل عنوان السلام للناس جميعا بل وللحيوان كذلك ، قال تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ..الآية " (2) فكان من اللازم تشديد العقاب على المخالفين ، ليرى الناس مدى قوة المسلمين في الحفاظ على مواثيق السلام كما أنهم يحافظون على حالة السلم مع الحيوان حال الإحرام .
قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) استثناء من حظر الصيد ، بإباحة صيد البحر ، وفائدة ذكر هذا الاستثناء رغم أن الحدود الجغرافية للحرم المكي ليس بها بحار ، أنه يجوز للمحرم أن يحرم قبل الميقات المكاني وهو قادم من البحر الأحمر ، فيستفيد من هذه الرخصة .
ولا شك أن المكلف لا يعرف الحكمة من حل صيد البحر وتحريم صيد البر للمحرم إلا أنه يمتثل للابتلاء وحكم الله تعالى ، لكن لا يخفى أن نلحظ أن المسافر عبر البحر يحتاج لطعام ، وسفره عبر البحر قد يتنفذ مخزونه من الطعام ، فيكون بحاجة لصيد البحر حتى يقتات عليه ، فكانت تلك الرخصة بمثابة استظهار مراعاة الشريعة لحال المكلفين وتغير ظروفهم بحسب المكان والزمان والأحوال ، ما يجزم بأن الشريعة الإسلامية قد راعت هذه الظروف في كل مسألة صغرت أم كبرت ، على وجه دقيق ، وما كان ربك نسيا .
وتأكد هذا المعنى بعطف السيارة على التمتع بطعامه ، بما يحض على أن يتزود المحرم بطعام البحر ويحتفظ به مملحا حتى لا يفسد ،ويطعم من حوله من الناس، وهو ما يدل على توسيع دائرة الإباحة في صيد البحر ، قال ابن عاشور "السيارة" : (الجماعة السائرة في الأرض للسفر والتجارة، مؤنث سيار، والتأنيث باعتبار الجماعة) ، قال تعالى (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ) [يوسف:19] ، وهي إشارة تتضمن بمفهوم المخالفة تحريم التزود بصيد البر إطلاقا ولا حتى إطعامه للناس ، فالمحرم يمتنع عن ذلك كله سواء لنفسه أو لغيره .
لكن يخطر ببالي أن الإحرام لا يمنع من قتال الصائل والمعتدي ، وكذلك الإحرام لا يمنع من صيد المفترسات من البحر ، فالبحر بخلاف البر ، فحيث يمكن تحييد الحيوانات على البر ، فإن تحييد الأسماك متعذر ، فسبحان الله الذي جعل ثمة تشابه في الحكم بين حل قتل المعتدي في الحرم ، وبين حل الصيد للسائر في البحر للمحرم ، فالله يُعلم المسلم متى يجوز له الصيد ، ومتى لا يحل له ، وكيف يميز بين وقت الحل والحظر ، ومكان الحل ومكان الحظر ، وحال الحل وحال الحظر ، بهذا الانضباط الكامل تتحقق التقوى ، وبها يتأهل المسلمون للريادة والسيادة .
وفي قوله (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(96) تكرار تضمن تأكيد علي حرمة صيد البر مادام المسلم لم ينته من مناسك الحج أو العمرة ، أو لا يزال في الحدود المكانية للحرم
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ فَرَأَيْتُ حِمَارًا فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ وَاصْطَدْتُهُ فَذَكَرْتُ شَأْنَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ وَأَنِّي إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ) .
فإن خرج المسلم من الحدود المكانية للحرم المكي أو لم يدخل أصلا ، ولم يكن محرما فله أن يباشر الصيد بنفسه أو بغيره ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ (إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ) ، قال الصنعاني (دل على أنه لا يحل لحم الصيد للمحرم مطلقاً، لأنه علل ردّه لكونه محرماً، ولم يستفصل هل صاده لأجله أولاً، فدل على التحريم مطلقاً، وأجاب من جوّزه بأنه محمول على أنه صيد لأجله ، فيكون جمعاً بينه وبين حديث أبي قتادة، والجمع بين الأحاديث إذا أمكن أولى من إطراح بعضها) .
قال صاحب الظلال (هناك خلاف حول تناول المحرم لصيد البر إذا صاده غير المحرم ، كما أن هناك خلافاً حول المعنّى بالصيد ، وهل هو خاص بالحيوان الذي يصاد عادة ، أم النهي شامل لكل حيوان ، ولو لم يكن مما يصاد ومما لا يطلق عليه لفظ الصيد) ، فإذا امتنع الحاج عن أكل لحم صيد البر خلال فترة إحرامه خرج من دائرة الاختلاف الفقهي، لاسيما وأن حكمة التشريع غير منصوص عليها .
قوله (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ...) (97) كشف للحكمة من النوع الثاني للمحرمات في الإسلام ، أي المقيدة بقيود معينة ، وهي قيد مكاني "البيت الحرام" وآخر زمني "الشهر الحرام" ، وقيد ثالث ظرفي وهو حال "الإحرام لأداء المناسك" وكنى به بقوله " الهدي والقلائد"
قال الطبري (سمّا الله تعالى "البيت" "حرامًا "، لتحريمه إياها أن يصاد صيدها أو يُخْتلى خَلاها أو يُعْضد شجرها) ، قال رسول الله " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ وَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إِلَّا الْإِذْخِرَ"
قال القشيري (حكَم الله سبحانه بأن يكون بيته اليومَ ملجأ يلوذ به كل مُؤمّل ، ويستقيم ببركة زيارته كلُّ حائدٍ عن نهج الاستقامة ، ويظفر بالانتقال هناك كل ذي أرَبٍ)
قال الرازي (اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها ، هو أن الله تعالى حرّم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم ، فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير ، فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة) .
قال ابن عاشور (واعلم أن الله حرم الصيد في حالين:حال كون الصائد "محرما" ، وحال كون الصيد من "صيد الحرم" ولو كان الصائد حلالا؛ والحكمة في ذلك أن الله تعالى عظم شأن الكعبة من عهد إبراهيم عليه السلام وأمره بأن يتخذ لها حرمًا كما كان الملوك يتخذون الحمى، فكانت بيت الله وحِماه، وهو حرم البيت محترمًا بأقصى ما يعد حرمة وتعظيما ، فلذلك شرع الله حرمًا للبيت واسعًا وجعل الله البيت أمنًا للناس ، ووسع ذلك الأمن حتى شمل الحيوان العائش في حرمه بحيث لا يرى الناس للبيت إلا أمنًا للعائذ به وبحرمه ، فالتحريم لصيد حيوان البر، ولم يحرم صيد البحر إذ ليس في شيء من مساحة الحرم بحر ولا نهر ثم حرم الصيد على المحرم بحج أو عمرة، لأن الصيد إثارة لبعض الموجودات الآمن) .
قوله (ذَلِكّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي أن بناء الكعبة في أول الأمر كان في واد غير ذي زرع ، ومع مرور الزمان أصبح هذا الوادي فيه من الثمرات والناس والدواب ما يقيم أمة ، وبمجئ الإسلام وقد فرض الحج وفد إليه الناس من كل حدب وصوب لإقامة شعائر الله ، فالله يعلم أن أمة محمد سوف تملأ هذه البقعة بالإيمان ويقيم النبي عليها دولة إلى قيام الساعة .
قال الشيخ أبو بكر الجزائري (أي حقق ذلك الأمن والرخاء في وقت لا دولة لكم فيه ولا نظام ليعلمكم أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض من سائر الكائنات وشتى المخلوقات لا يخفى عليه من أمرها شيء ، وأنه بكل شيء عليم فهو الإِله الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه فاعبدوه ، وتوكلوا عليه واتركوا عبادة غيره والنظر إلى سواه)
قال ابن عاشور (ووجه دلالة جعل الكعبة قياما للناس وما عطف عليها، على كونه تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض، أنه تعالى أمر ببناء الكعبة في زمن إبراهيم، فلم يدر أحد يومئذ إلا أن إبراهيم اتخذها مسجدا، ومكة يومئذ قليلة السكان، ثم إن الله أمر بحج الكعبة وبحرمة حرمها وحرمة القاصدين اليها، ووقت للناس أشهرا القصد منها وهدايا يسوقونها إليها ، فإذا في جميع ذلك صلاح عظيم وحوائل دون مضار كثيرة بالعرب لولا إيجاد الكعبة ، فكانت الكعبة سبب بقائهم حتى جاء الله بالإسلام ، فلا شك أن الذي أمر ببنائها قد علم أن ستكون هنالك أمة كبيرة ، وأن ستحمد تلك الأمة عاقبة بناء الكعبة وما معه من آثارها ، وكان ذلك تمهيدا لما علمه من بعثة محمد فيهم ، وجعلهم حملة شريعته إلى الأمم، وما عقب ذلك من عظم سلطان المسلمين وبناء حضارة الإسلام) .
يستبين مما تقدم أن الله عز وجل شرع لنا قِسما من التشريعات الإسلامية لا يُدرك المكلَّف الحكمة منها غير أنها للابتلاء والاختبار ،ولو بحث الفقيه عن حكمتها لعجز ، وإن كان في الإمكان أن يستشف العلة منها بالبحث والقرائن ، فلو سبر الفقيه عن الحكمة من نهي المحرم للحج أو العمرة عن الصيد لأعصاه البحث عن ذلك ، لاسيما وقد أحل الله له صيد البحر ولم يحل له صيد البر ، إذن العلة ليست في مطلق الصيد ، فما الفرق بين صيد البر وصيد البحر ؟ ولو بحثت عن نوع التحريم لوجدته مؤقتا ، بمعنى أن يحرم عليه حال أداء مناسك الحج أو العمرة فقط ، " وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا" ،وفي غير ذلك يجوز له مطلق الصيد ، ولا يخفى أن صيد البر أثناء هذه الرحلة الشاقة والطويلة قد يجلب بعض المشكلات على قوافل الحجاج سيما وأن هذه الحيوان قد تكون ملكا للقبائل المجاورة للطريق فإذا نالتها رماح الحجاج وهم ليسوا أهل البلاد المتاخمة فإن ذلك قد يحملهم على أن يخرجوا عليهم للدفاع عن حيواناتهم وبهائمهم وطيرهم من الغرباء ، وكل ذلك قد يفسد هذه الشعيرة التي لها الأولوية على كل شيء طالما شرع الحاج بها ، قال تعالى " أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ "(العنكبوت/67)، وهذا الأمر غير ممكن حصوله في صيد البحر ، لأن صيد البحر مال مباح لا مالك له ، فيجوز للمحرم من بلده قاصدا مكة على سفينة أن يصطاد من البحر ويستعين به على سفره ، كما تجلت حكمة الله تعالى أن يؤمِّن الحجيج رحلتهم من شواغل الدنيا حتى تؤتي العبادة ثمارها ، إذ في صيد البر من المشقة والتعب ما لا يحتاجه صيد البحر ، ناهيك عن أن الثمرة المرجوة والمقصد الأصلي من ذلك كله أن تكون الكعبة مقصدا للناس ، ومكانا لقيامهم بالدعوة النقية والواضحة ، وهو ما دل عليه قوله " جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ".
وكل ذلك ليس إلا تخرص بهدف الاقتراب من حكمة التشريع التي ليست بمنصوصة ، فإذا لم تكن كذلك فإن حكمة كل التشريعات الربانية هي الامتثال لحكم الله تعالى بمجرد إصابة العلة ، وقد ذكرنا الفرق بين الحكمة والعلة ، قال ابن عاشور (وقد تكون فيه حكم أخرى لأن لام العلة لا تدل على انحصار تعليل الحكم الخبري في مدخولها لإمكان تعدد العلل للفعل الواحد، لأن هذه علل جعلية لا إيجادية، وإنما اقتصر على هذه العلة دون غيرها لشدة الاهتمام بها، لأنها طريق إلى معرفة صفة من صفات الله تحصل من معرفتها فوائد جمة للعارفين بها في الامتثال والخشية والاعتراف بعجز من سواه وغير ذلك ، فحصول هذا العلم غاية من الغايات التي جعل الله الكعبة قياما لأجلها)
قوله (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (98) كثيرا ما يقرن القرآن – كعادته – (بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة) ، ومناسبة هذه الآية وذلك العطف أن يبين الشارع جانب التشديد في وجوب الالتزام بتشريعات الإسلام بدقة شديدة لاسيما في الشعائر ، وفي ذات الوقت إظهار جانب الرحمة في حكمة تشريعاته ، وأنها شرعت لاستجلابها ومغفرة الذنوب ، وهذا بكاف لأن يكون رادعا عن انتهاكها من جهة ، ومرغبا في الإقبال عليها من جهة أخرى.
قوله (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)(99) فالواجب إبلاغ الناس بهذه الأحكام ، وإظهار شعائر الله ليتعرفوا على دين الإسلام دون تشويه ، فالآية تتضمن تكليف لمن بلغه هذا التكليف بأن يبلغ غيره ما بُلِّغ به ، يقول رسول الله (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) ، فليس ثمة معنى أن يقف البلاغ عند سامع فلا يبلغ من بعده.
قال الشعراوي (فسبحانه جعل البيت أمنا وأماناً ، وهذا إخبار شرعي لا إخبار كوني ، والفرق بين الإخبار الكوني والإخبار الشرعي أن الإخبار الكوني لا بد أن يحدث لأنه لا دخل للناس به ، أما الإخبار الشرعي فهو أمر يجب أن يقوم الناس بتنفيذه ، فإن أطاع الناس الخبر القادم من الله جعلوا البيت آمنا ، وإن أساءوا جعلوه غير آمن) .
وقد نفت الآية أن يكون للرسول وظيفة أخرى غير البلاغ ، وأوكلت العلم بما في صدور الناس إلى الله تعالى ، ما يعني أن الله وحده سبحانه الذي يطلع على قلوب البشر ، وليس الرسول أو المبلغ بمنقب عن خبايا النفس والضمائر ، يقول السمرقندي يعني (أن الرسول ليس عليه طلب سرائرهم ، وإنما عليه بتبليغ الرسالة ، والله تعالى هو الذي يعلم سرائرهم) ، فتكليف النبي بالوقوف على ذلك دون أن ينقب عما في صدور الناس يدل على سماحة الإسلام وأنه كفل حرية الاعتقاد للجميع .
وفي المقابل نجد في التاريخ الكنسي محاكم التفتيش التي ظهرت فى القرن الثانى عشر فى عهد تيودوسيوس وكان أعضاؤها من الرهبان ، كانوا ينقبون عن المخالف لعقيدتهم فيعدمونه ويذيقونه أشد ألوان العذاب ، وغيرها من المذابح العنصرية والحروب القائمة على الأفكار السامية ....الخ .
-
الاحد PM 01:54
2025-12-14 - 379



