المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 418872
يتصفح الموقع حاليا : 213

البحث

البحث

عرض المادة

مقدمة كتاب: شبهات وأباطيل خصوم الإسلام والرد عليها

بين يدي هذا الكتاب

وفي هذا المناخ الفكري والأيديولوجي ظهر الشـيخ محمد متولي الشـعراوي، بتوفيق إلهي، ودونمـا مقدمات منظورة، ليشـيع موجـات وموجـات مـن المنطـق الإيمانـي والإيمان العقلانـي، انطلاقـا من تفسـير غير مسـبوق لآيـات الله في كتابه المسـطور، تعانق آيات الله في كتابـه المنظور، وعلى نحو اجتذب مئات الملايين من المسـلمين، الذين لم تكن لهم مـن قبل اهتمامات بالفكرالديني والمنطق الإيماني، فاجتذب الشـيخ إلى الديـن والتدين جماهير لم يسـبق لهـا مثيل في تاريخ الدعوة والدعاة. 

ولقـد أصبح الشـيخ الشـعراوي -منذ عقد السـتينات- واحدا من أبرز حراس الإيمان الديني، والتوجه الإسلامي، وفي مقدمة المناهضين للغزو الفكري، والخصوم الألداء للملاحدة والعلمانيين - كما نراه في كتاب: «شـبهات وأباطيل خصوم الإسـلام والرد عليها» والذي نقدم إشـارات إلى أبرز المحاور التي جاءت فيه: 

١ -لقد اتخذ الشـيخ الشـعراوي شـعارا له حديث رسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول: " كل منكم على ثغرة من ثغور الاسلام، فليحذر ان يؤتى الاسلام من قبله " [1]

وحتى يقوم بمهمة الرباط على ثغور الإسلام، كان لا بد أن يعي مشـكلات الأمة، والمخاطر المحيطة بها، وبدينها، ليذب عن هذا الدين، وليحصن الأمة ضد مخاطر الاختراق.

ولقد تحدث عن هذه المهمة وهذه الرسالة - في هذا الكتاب سنة ١٩٨٢م - فقال: 

«لقد تلقيت في بحر هذا العام سـنة ١٩٨٢م سـبعة عشر كتابا ً، كلها من بلاد إسـلامية، وهذه الكتب تشـترك في سـمة واحدة هي ما وصل إلى هذه البلاد من تشـكيكات في دينها، مرة يتصـل ذلك بأصل الديـن والإيمان بإله قـادر، وبعضها يتصـل بالتشـكيك في أمـرالوحي، وفـي أمرالقـرآن، وفي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ومرة يأتي التشكيك في نظام الإسلام وعدم صلاحيته لقيادة حركة الحياة في ذلك العصر.

٢- بعـض الكتب التـي وصلتني -من نيجيريـا بالذات -تقـول لي: إنا نسـتحلفك بالله ألا تترك الإجابة عن شـيء من هـذا المذكور في ذلك الكتاب اتكالا ًعلى أنك تناولته في كثير من أحاديثك، فنحن نريد ان تكتب في كل قضية طلبنا منك ان تكتب فيها.

٣ -كذلك تحدث الشـيخ الشعراوي عن ضرورة الوعي بما لـدى الأعـداء، لتحصين الأمة ضـد المخاطرالتـي يدبرونها؛ فقال: 

«من مصلحة المسـلمين لصالح إسلامهم أن يعرضوا على من يتولون تربيتهم وتنشـئتهم الفكرالمناهض للإسلام حتى لا يدعوا فرصـة للفكر المهاجم أن يهاجم من خلفهم؛ لأنه إن هاجـم من خلفهم هاجم بشراسـة، وهاجـم وليس مع أولادنا دليل نقده. 

ونحن فـي الأمور المادية، حين نتخوف على أبنائنا مرضا ً من الأمراض القاتلة نقوم بتحصينهم ضد هذا المرض.

إن خصـوم الإسـلام يدرسـون الإسـلام، ويعملـون لـه الإحصائيـات التي يسـتطيعون بها أن يعلنـوا أنهم لم يقولوا ذلك الا عن دراسة، ولينفذوا إلى الأشـياء التـي ربما لم ينفذ اليها الكثير من المؤمنين بالقرآن؛ لأن المؤمنين بالقرآن حين يقـرءون القـرآن يقرءونه بقداسـة؛ لأنه كلام الله، والسـماع للقرآن بقداسـة على أنه كلام الله يسد منافذ النقد؛ لأنه مؤمن أن كلام الله حق وصدق، وهو فوق النقد. 

ولذلـك فـإن كثيرا مـن خصوم الإسـلام هم الذيـن نبهوا المسـلمين إلى جمال قضايا الإسلام، فالحسود هو الذي ينبه على الفضيلة، أما غير الحسود فلا يتنبه لمثل هذه الأمور التي أثارها الملحدون ضد القرآن الكريم. 

٤ -وتحـدث الشـيخ الشـعراوي عن تشـكيك الأعـداء في الكتاب المؤسس «القرآن» فقال:

لقد قالوا -في الرسالة التي وصلتنا-: إن القرآن ليس من اللـه في شـيء؛ لأن الإله لا يمكن أن يتضـارب قوله، والقرآن متضارب في كثير من آياته. 

لقد قالوا ذلك في المخطوط الذي عنونوه: «سـفرالبرهان في متناقضات القرآن».. وفي هذا المخطوط ادعاء بأن القرآن يدعـو لعقوق الوالديـن، وإلى معاملة النـاس آباءهم معاملة قاسية: " لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ (22)" المجادلة: 22.

ففي هذه الاية منع الاولاد من "ود" آبائهم، بينما يقول في آية اخرى: " وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8) " العنكبوت: 8.

ونحن نقول: إنهم لـم يفهموا الفارق بين الود والمعروف، فالـود: حب القلـب، وحب القلـب يدعو إلى انجـذاب القالب «الجسـم».. لكـن المعروف ليس هـو الحب، وإنمـا هو بذل القالب مع من تحب ومن لا تحب. 

فالممنوع من الآباء ان يكون لك ود خالص اذا كانوا كافرين، ولا يمنع ان تكون صاحب معروف للأب الكافر، ومن الممكن أن تكون صاحب معروف حتى على أعدائك. إذن الممنوع هنا هـو الود؛ لأن الود عمليـة قلبية، والمأمور بـه هنا المعروف، يكون مع من تحب ومع من لا تحب. 

إن القرآن نزل باللسان العربي الفصيح، ولا أقول: كل جملة لها مراد ومعان، بل أقول: كل حرف. إن العرب ما أمكنهم أن يأخذوا على القرآن أي مأخذ، وإذا كان في زمن العرب، الذين كانوا يتكلمون العربية سليقة وفطرة، لم يستطيعوا أن يجدوا ثغرة في القـرآن للقدح فيه، فهل يمكن لهؤلاء المستشـرقين الذيـن لا يفهمـون العربيـة أن يقدحوا في القـرآن ويصفوه بالتناقض؟! لا ريب أنهم لن يستطيعوا ذلك. 

٥ -ولقـد قالـوا: إن القـرآن والحديث القدسـي والحديث النبوي هي كلام محمد. 

ونحن نقول لهم: هاتوا لي في عالم الإنس إنسانا ً له موهبة القول، وسـجلوا له ظاهرة أسلوبه، ثم سلوه أن يغيرالأسلوب إلى اسلوب آخر، وسجلوا اسلوبا ً آخر، ثم اطلبوا منه اسلوبا ً ثالثا ً، فستجدونه لا يستطيع ان يخرج عن اسلوبه أبدا ً لان الاسلوب هو الطريقة اللازمة  للشخص في أداء المعاني.

فإذا ما جئنا بالأسلوب القرآني، وأسلوب الحديث القدسي، وأسلوب الحديث النبوي، فسنجد أساليب ثلاثة، لا يمتزج فيها أسلوب بأسلوب، أساليب ثلاثة، لكل أسلوب خواصه ومميزاته وطبائعه. 

فهل يستطيع بشرأن يجعل لموهبته الأدائية ثلاثة أساليب بحيث يقول: أنا سأتكلم الآن أسلوب قرآن، وأتكلم الآن أسلوب حديث قدسي، وأتكلم الآن أسلوب حديث نبوي؟ هذا لا يوجد في طاقة البشر. 

" وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ " الشورى: 51.

فالرسول قد أُعطي ثلاثة أساليب للأداء، لا يشترك أسلوب مع اسلوب، ولا تشتبه طريقة أدائية بطريقة أدائية اخرى.

وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسبة للقرآن كاللائحة التنفيذية للدستور أو القوانين المكملة لمطلوبات الدستور. والقرآن لم يأت كتاب تشريع فقط، وإنما جاء كتاب معجزة أيضا، وجاء بالتشـريع إجمالا، وترك التفسـير والتفصيل لما أجمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

٦ -وإذا كان قـد جـاء بذلـك، وأنتم تنسـبونه إلى الكذب، فنقول لهم: فما الكذب؟ 

كل كـذاب يكذب يحـاول أن يحقق لنفسـه نفعا لم يوجد قبـل الكذب، فما النفع الذي يريده محمد صلى الله عليه وسلم حتى يدعوه إلى الكذب؟ 

إنه - كمـا نعلم - عاش فقيـرا، عاش مسـكين عاش يلبس المرقع، عاش لم يشبع من خبز الشعير، فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذن يكذب؟ 

لو أنه اقتصر على ما كان فيه من أمانة التجارة لعاش في يسر، وعاش في أمن ورخاء، وعاش في أسرة مترفهة، لم يكن كذلك، لكنه لم يرد لنفسه الحياة، وإنما أراد الله له وهو واهب الحياة. 

إن صاحب الكمال ينسـبه إلى نفسه، والقرآن المعجزة في غاية الكمال، لم ينسبه إلى نفسه. 

إذن، فقـول الكفار والملاحـدة: إنه كذاب، نقـول لهم: إن الكـذاب عادة يكـذب لغاية. فما الغاية التـي من أجلها يكذب محمد؟ 

لقد كانت حياته حياة هادئة رتيبة في مستوى يحسد عليه، وفي مركز تجارة خديجة من الممكن أن يعيش به عزيز قوم، فما الذي أداه إلى هذا الكذب لنفسه، ليصنع ماذا؟ والمتاعـب كلهـا انصبت عليه بعد قيامه بهـذه الدعوة، ثم بعـد أن انتصر في الفتح ودانت له الجزيرة وأصبح سـيدها، كيف عاش؟ 

إنه دخل مكـة في منتهى التواضع وفي منتهى الانكسـار لله، وقالوا: إنه من خشيته وتواضعه لله كانت رأسه وهو على دابته تمس قربوس[2] فرسه.

ولقـد كان يمـرالشـهر ولا يوقد في بيته نـار للطهي، ولا يشـبع من خبز الشـعير ليلتين متواليتيـن، كل ذلك يدل على ماذا؟ 

يدل على أنه ليس هناك سبب للكذب. 

لقد منع أهله من أن يأخذوا حظهم من الزكاة وإن كانوا فقراء، ومنع أهله ان يرثوه: " إنا معشر الأنبياء لا نورّث، ما تركنا فهو صدقة " [3].

إذن فليس هناك سبب يدعوه أن يكذب ليعيش هذه العيشة في هذه الدنيا التي يحاول الناس فيها أن يأخذوا حظهم منها.

كل هذا يدل على أن محمدا لم يستلب هذه الزعامة، وإنما وهبت له من السـماء، وكانت لها تبعات لم يسـتفد منها هو، ولم يستفد منها واحد من بنيه، ولا واحد من أهله.

٧- ويقـول الملحدون: إن محمدا نشـأ في أمـة بليغة، لها فـي البلاغة مجال، ولها فـي الفصاحة تميز، ولهـا في الأداء المستنير سـوابق. فلماذا لا تجعلون مسألة القرآن من محمد سابقة جميلة من هذه السوابق، كما وجد منهم شعراء وخطباء وحكماء؟ ومـا دامت هذه الظاهرة في البلاغة شـائعة، لماذا لـم تجعلوا القرآن من هذه الظاهرة الشـائعة، إلا أنها ظاهرة متفوقة؟ 

نقـول لهم: إذا كان صاحب هـذه الظاهرة لميقل بها، ولم ينسبها له، وقال لهم: ليست هذه المعجزة لي، وإنما أنا ناقلها مـن إله بعثني إليكم، بدليـل أنكم لم تجربوا عليّ طيلة عمري أنـي بليغ أو أني أديـب، أو أني كاتب، أو أني شـاعر، أو أني خطيب " قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) " يونس: 16.

إذن فلابد ان يكون صادقا ً.

٨ -ولقد أشـاعوا - فيما وصلني من كتب - أن محمدا َ صلى الله عليه وسلم رجـل كان يصيبه الصرع، وكل ما حدث مما قال: إنه قرآن أو حديث قدسي أو حديث نبوي، كل ذلك كان نتيجة الصرع.

وللـرد على هـؤلاء نقول: هـل المصروع يمكنـه أن يقول ويردد ما قاله حين َصَرِعه؟ 

إن المصروع يفعل، وحين يفيق ينكر ما فعل ولا يذكره، ولكن الذي حدث لمحمـد صلى الله عليه وسلم أنه كان حين يأتيه الوحي تراه في منتهى الهدوء والسكون، وإذا ما انفصلت عنه هذه الحالة حكى ما أوحي به إليه، وكتبه عنه كتاب الوحي، فهل يوجد واحد يستطيع ان يأتي بكلام يستغرق الساعة فأكثر، ثم يقال له: أعده كما قلته فيعيده كما قاله ؟

لا شـك أنه حين قال فكتب عنه، وحين قال ما كتب فجاء طبق ما قال، دليل على انه يصدر عن قضية قالها القرآن " سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ " الأعلى: 6.

لأن هذا أمر خارج عن نطاق البشر. فهات أي إنسان ليتكلم ربع سـاعة، ثم سـجل عليه ما تكلم به، ثم قل له: أعد عليّ ما قلت، إن لم يكن حافظا ً وربما إن كان  حافظا أيضا فإنه ينسى ولا يستطيع إعادته طبق ما سجل عليه.

أما الرسول فلا نجد فارقا ً بين ما قاله فكتب عنه، وبين ما يردده في الصلاة بعد أن كتب عنه.

٩ -وفي رد الشـبهات عن تعدد زوجات الرسـول صلى الله عليه وسلم قال الشيخ الشعراوي: 

إن الذي أبيح له معدود، لا عدد: " لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ " الاحزاب: 52.

ذلك حكم ليس لتابع مـن أتباع محمد، إذن فالعدد الأربعة قـد يدور عند تابع محمد في أربعـة، بمعنى أن يتزوج أربعة ثم يطلقهن ثم يتزوج غيرهن، فالعدد دائر، ولكن عند رسـول  الله غير دائر، فهو محصور بهؤلاء، فلو مُتن جميعا ً لا يحل للرسول الزواج بعدهن بواحدة.

لقد تزوج الرسـول واجتمع عنده تسع زوجات حين شرع الله تحديـد الزوجات بأربع. وكان صلى الله عليه وسلم إمـا أن يحتفظ بأربع ويسرح الخمسة، وحين يسرح الخمسة، وهن أمهات المؤمنين، أي محرمـات على أي واحد آخر مـن المؤمنين، لا يحل لواحد أن يتزوج بواحدة منهن. 

وسرح الخمسة لم يتزوجن؛ إذن لو احتفظ الرسول بأربعة لأنهن محرمات على جميع المسلمين لأنهن أمهات لهم. لقـد أبـاح لأمته - ممن عنـده أكثر من أربعة - أن يمسـك بأربعـة ويفارق الباقي؛ لأنه يمكن أن يصبحن زوجات لأزواج آخرين، ولكن ذلك في حق زوجات الرسـول صلى الله عليه وسلم غير حاصل؛ فإنهن يصبحن بذلك محرمات؛ لأنهنّ أمهات لجميع المؤمنين.

إذن لا بد أن يكن مستمرات زوجات لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم إن الرسـول صلى الله عليه وسلم وسـنه ٢٥ سـنة تزوج امرأة في سـن الاربعين من الكهولة قبل أن يُبعث، بفارق ١٥ سـنة، رغم أن المعروف أن الرجل يتزوج عادة بمن كانت دونه في السن.

وظـل مع خديجـة حتى ماتـت، وعندمـا ماتت مـر بعام الحـزن. ومات عمه وماتت خديجة، فكان لا بد أن يتزوج بمن تقوم بخدمته، فتزوج سـودة بنت زمعة. امرأة تقوم بواجبات الزوجية. 

ومن زوجاتـه َمن كانت تتبرع بليلتهـا لأخرى، مع حرص المـرأة على أن تحتفـظ بالزوج - وتلك شـهادة منها بأنها لا تصلـح في ذاتهـا لأن تكون امرأة يقضي معهـا الرجل ليلته، وهذا يدل على أنها إنما تزوجت لمعنى غير هذا المعنى نهائي فكأنها فهمت من نفسها أنها لا مصلحة لها ولا للرسول إلا أن تكون أمّا ً للمسلمين، وهو وسام من الأوسمة. 

كذلك نجد أم سـلمة، وعندها أولاد كثيرون من زوجها أبي سـلمة، أراد الرسـول صلى الله عليه وسلم أن يجعلها أمّا ً للمؤمنين، وأن يلقن الناس درسا ً بأن الإنسان عندما يصاب في عزيز يقول: " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " البقرة: 156.

" اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا ً منها " [4].

حين مات أبو سلمة، وكانت أم سلمة تحبه، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولي: " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ "

" اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا ً منها " فقالت: أهناك خير من أبي سلمة ؟

فكأن رسـول الله يعلمها أن هذا الدعاء لا بد أن يأتي بخير من أبي سلمة. 

وحين يكون الذي هو خير من أبي سـلمة هو رسـول الله، فهـذا لا يطعن في أبي سـلمة، ولكن حين يكون غير رسـول الله، فإن هذا يخدش أبا سـلمة، فحين تصير زوجة للرسـول 

وأما للمؤمنين، فهذا يرضيها ويرضي أبا سلمة. وعندما خطبها الرسول، وقالوا لها: « أوجدت خيرا من أبي سلمة؟» ضحكت وقالت: نعم، وهل يجادل في ذلك أحد؟» ومن هنا فإن كل زيجة من زوجات رسـول الله صلى الله عليه وسلم قضية إيمانية يريد أن يثبتها الرسول في قلوب المؤمنين.

ويجب أن يلحظ في زواج الرسول أنه لم يوسع عليه، بل لقد ضيق عليه في ذلك؛ لأن الذي له أربعة من أتباع الرسـول من الممكـن أن يبدلهن إن ماتت واحدة أو طلقها. ولكن الرسـول لا يستطيع أن يتزوج غير التسعة، ولو متن جميعا لا يستطيع أن يتزوج ولا واحدة. 

١٠ -ومـن الأشـياء التـي يذيعهـا الملاحـدة، ويحاولون جاهدين أن يؤثروا بها على الشباب المسلم أنهم يقولون: «دعوهـم في إسـلامهم الـذي أوقفهم فـي الأرض موقف التخلف، وجعلهم في الكون في منزلة الأتباع».

ونحن نقول لهم: 

أكان ذلك الأمرالذي عرض للمسـلمين في بقاع الأرض في هذا العصر، هل كان أمرا ً لازما عليهم كمسلمين في كل عصر؟ الجواب - الذي يجيبونه -: لا. 

لماذا؟ لأنهم كانوا يسـمون عصورهم في أوروبا العصور المظلمـة، وكنا نحـن في غايـة الازدهار والحضـارة. ونحن إذا نسـبنا أي علم موجود الآن وجدنـا أن بذرته ونواته للرواد الأوائل من العلماء المسلمين، وأنهم كانوا القنطرة التي عبرها الغرب إلى الحضارة، وذلك بإقرارهم أنفسهم. 

إن نـواة كل حضارة وبـذرة كل علم تقدمي هي من عندنا، وهم بأنفسـهم يشهدون أننا كنا متحضرين، وأنهم أخذوا عنا كل شيء من الممكن أن يكون أساسا لهذه الحضارة.

والاسلام لم ينزل الآن حتى يقال: ان المسلمين بمجرد ان اعتنقوه تخلفوا، لقد نزل منذ اربعة عشر قرنا ً، وأول من تأثر به أمة متبدّية، أمة أمية في ذلك العالم وبعد ذلك قادت أمما متحضرة. ولا يعقل أن يمنع الإسلام ابتكار الأشياء النافعة للجميع.

إن واقـع المسـلمين - لا الإسـلام – هو الـذي خذل قضية الإسـلام، والخصـوم قد جعلـوا حـال المسـلمين حكما على الإسـلام، وواجب ألا نأخذ من عصيان العاصين الذين اعتنقوا الإسـلام دون أن يلزمـوا أنفسـهم بتطبيق مناهجـه ومبادئه حكما ً على الإسلام. 

نعم، المسلمون اليوم متخلفون، لكن الإسلام ليس متخلفا ً، وتخلف المسـلمين راجع إلى أنهم لم يكونوا مسـلمين، بدليل أنهـم حينما كانوا مؤمنيـن - كما عرفناهم في الصدر الأول - كان دينهم هو الغالب. 

١١ -وعن العلاقة بالآخر، وماذا نأخذ منه؟ وماذا ندع؟ قال الشيخ الشعراوي: 

لقـد خلق اللـه الكون كله بنواميسـه وعناصره وأجناسـه وقوانينه، وهذه الأمور تخضع دائما للتجربة المعملية، سـواء أقـام بها مؤمن أم قام بها كافر، فهـي تعطي ثمرتها للمؤمن وللكافر على السـواء، كما أن الله تعالى بعطاء الربوبية جعل خير الأرض لكل أجناسها، للمؤمن والكافر. 

وإشـرافا إلى هذه القضية في أنه يجب أن نفرق بين أمانة المؤمنين المسلمين لله حين يحملونها وحين يؤتمنون عليها، وبيـن رزق أهل الأرض.. فمسـألة الرزق بقانونه ونواميسـه وبعطـاء الأرض والشـمس والريـاح والماء كل ذلـك أمر من عطاء الربوبية يسـتوي فيه المؤمن والكافر، ولذلك كانت كل التجارب عليه لا تخضع للإيمان، ولكن تخضع لقضية الحركة في الأرض وللتجربة المعملية. 

إن كل من تحرك واسـتنبط وجد واجتهديؤتى خيرالأرض وإن كان كافرا. 

" أنتم أعلم بشئون دنياكم " [5]، اي التي يعطيها العمل، السماء لا دخل لها فيها؛ لأنها أعطت كل الرزق بكل أسـبابه ومقوماته وأنتم تجتهدون فيما هدتكم تجربتكم العملية إليه. إن عالم اليوم فيه موجتان: 

الموجة الأولى: موجة نظرية، لكلُّ نظريته التي يأتي بها حسب هواه. 

والموجة الثانية:  معملية، أي: علم مادي تجريبي.

والحضـارة التـي نعيش في ظـل ارتقاءاتهـا الآن تجارب معملية، حضارات توصل إليها من سبقنا، واكتشفوا ً كثيرا من آيات الله في الكون. 

١١ -وإذا كانـت الموجة النظرية مبنيـة على الهوى، فإن المسـألة المعملية يسـتفاد بها، ذلـك أن الأمـور المعملية لا اجتهاد فيهـا، وإنما تخضع للتجربة المعمليـة المادية، والله قد أنطق رسوله ليقول: " أنتم اعلم بأمور دنياكم " والسماء لا تتدخل فقد ذهبت العقول لتبحث، وذهبت الجوارح لتعمل، والأشياء التي خلقها الله لخدمة الإنسان مسخرة، بمعنى أنه لا رأي لها في أن تفعل أو لا تفعل، مادام الله قد خلقها مسخرة فهي مسخرة للكل، وتعطي خيرها للمؤمن والكافر، ومادامت تعطي خيرها للكل فهي فاعلة بنفسها.

١٢ -وعـن جزاء المحسـنين من غير المؤمنيـن بالله، قال الشيخ الشعراوي: 

لقد وصلتنا رسالة تقول: 

هل الكفار من العلماء الذين أفادوا البشـرية باكتشافاتهم وابتكاراتهم لهم نصيب من جزاء الله في الآخرة؟ ونحن نجيب على ذلك فنقول: 

إن قاعدة الجزاء تقضي بأن يكون «الأجر ممن عملت له». والحق سبحانه وتعالى يقول: " وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا " الفرقان: 22.

" وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ " النور: 39.

" مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ " هود: 15

وهذا في شأن الكافرين.

١٣ -وفي الحديث عن التنوير الغربي، والرفض الإسـلامي له، قال: 

عندمـا قامت الثـورة - في أوروبا - بـدأت أوروبا ترتقي، فلما ارتقت أوروبا، جاء الذين يكرهون الدين. 

ونحـن نقول لهم: لا، أنتم مخطئون في هذا. الدين لا يدعو مطلقا للتخلف، والدليل على ذلك أن العلماء المسلمين الأوائل الذين فهموا دينهم، وفهموا لفتة الدين إلى العلم التجريبي، قد قالوا: إننا نبحث في اسـتنباط أسرار الله في آياته؛ لأن الله له آيات مكتوبات هي القرآن، وله آيات في الكون، هذه الآيات في الكون آيـات منظورة، وهذه الآيات في القـرآن آيات مكتوبة، ونحـن نريد تطبيق ما نجده في القرآن من آيات مكتوبة على ما نشاهده في الكون من آيات منظورة. 

١٤ -وفي رفض العلمانية، قال: 

إن الخـلاف مـع العلمانيين هو خلاف فـي أصل الأصول، والعلمانيـة هي بدعة المنافقين، ولقد تنبه أعداء الإسـلام إلى أن هـذا الدين القوي الحق لا يمكـن أن يتأثر بطعنات الكفر، بـل يواجهها ويتغلب عليها، فما قامت معركة بين حق وباطل إلا انتصر الحق، ولقد حاول أعداء الإسلام أن يواجهوه سنوات طويلـة، ولكنهم عجزوا، ثم تنبهوا إلـى أن هذا الدين لا يمكن هزم إلا من داخله، وأن اسـتخدام المنافقين في الإفسـاد هـو الطريقـة الحقيقيـة لتفريق المسـلمين، فانطلقـوا إلى المسـلمين اسـما ليتخذوا منهم الحربة التـي يوجهونها ضد الإسـلام، وظهرت مذاهب واختلافات، وغير ذلك، وكل هذا قام به المنافقون في الإسلام وغلفوه بغلاف إسلامي، ليفسدوا في الأرض ويحاربوا منهج الله. 

15- وردا على الداعين للتغريب، بدعوى ضرورة أن نعيش العصر، وكأن العصر هو التغريب، قال الشيخ الشعراوي:

إنه لا يصح لعالم مطلقا أن يقول: يجب أن نعيش العصر، فالعصر هو الشـرع، فإذا اضطرت ظروف العصر إلى أشياء أن نأخذها، والدين لا يمانع فيها فلا مانع، ورجل الدين يجب أن يقول: أن نعيش الدين، وليخضع العصر لمنطق الدين .

١٦- وفي مواجهة الإلحاد، كشـف الشـيخ الشعراوي عن أن الإلحاد هو المقدمة الممهدة للاستبداد، ففي تمرد الإنسان 

على سلطان الله قمة الاستبداد، وفي ذلك قال: إن التشكيك في طبيعة الدين وفي أصله - سواء كان إسلاما أو مسـيحية أو يهودية – هو أمريراد به نفي القداسـات عن أشـياء يعتقدها الناس ليسـيروا حركة حياتهم على منهجها، وبذلك يخلوالجو لمريدي التسـلط على الكون والمتسـلطين على الحكم حتى لا يجدوا منازعا لهم لا من قانون السماء ولا من قوانين الأرض. 

١٧ -وفـي نقـض فرضيـة الداروينية - التي هـي ركيزة الإلحاد المعاصر - قال: 

يقـول علمـاء السـلالات: إن السـلالات تصيـر دائمـا في المسـتقبل إلـى كثرة، وكلمـا أوغلت في القـدم نقص العدد، فالتكاثـر نشـأ في الاسـتقبال، والقلة ناشـئة فـي الماضي، ونتـدرج إلى أن نصل إلى أقل عدد يأتي منه التكاثر وهو عدد اثنين، ولا نقول: واحدا؛ لأن الواحد لا يأتي منه التكاثر. والذي حل لغز التكاثر والسلالات وأصل الإنسان هو الدين: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً " النساء: 1.

ومن هذا المنطلق وهذه الحقيقة نرد على الذين يقولون: إن الإنسان أصله قرد،نقول لهم: إن كل جنس موجود باستقلاله.

يقول الملحدون: أنتم تؤمنون بإله خرافي ليس موجودا.

ونحـن نقول لهم: الإله الـذي تقولون عنه: إنه خرافي، هو الذي فسـر لنا الحقائق التي وصلتم إليها، والإيمان بهذا الإله الذي يسـيطر علـى الوجود كله، والذي يجـب أن ينفذ قانونه ليمنعهـم مـن أن يكونـوا جبارين فـي الأرض ومتسـلطين، ويمنعهم أن يكونوا حكاما آمرين بأهوائهم. 

١٨ -وعـن أجناس الوجـود: الجماد، والنبـات، والحيوان، والإنسان، قال: 

إن أجنـاس الوجود التي أمامنا متدرجة، جنس يسـلم إلى جنس، وتجد كل جنس في خدمة الأجناس التي فوقه.

فالجمـاد «مـاء، هـواء، عناصـر أرض، شـمس، قمر» كل هـذه جمادات هي في خدمـة النبات، تغذيـه بالضوء، تغذيه بالعناصر، الماء يذيب له العناصر ليتغذى. 

ثم النبات يخدم ما فوقه، وهو الحيوان، والحيوان يخدم ما فوقه وهو الإنسان. 

فالإنسان تصب فيه كل الأجناس لخدمته هو. 

أصبت فيه لخدمته هو بفكره، وبقدرته عليها ؟

لا، إنهـا تخدمه بدون قدرة له عليهـا، تخدمه ولا قدرة له، وهـو صغير، وهـو طفل، وهو جنين، شـمس تمـده بالضوء والحـرارة، والمـاء يمـده بالحياة، والهـواء يمـده بالتنفس، والنبات يمده بالطعام، والحيوانات تمده بأشـياء كثيرة، قبل أن توجد له قوة. 

أما كان من العقل أن تبحث عن القوة التي سخرت لك ما لا يدخل تحت قدرتك ليكون في خدمتك؟ لقد كان من الواجب عليـك أيهـا العاقل أن تقف وقفة لتبحث عن هذا السـر، الذي سخر لك ما هو أقوى منك. 

١٩ -وفي تميز العقلانية الإسـلامية المؤمنة عن العقلانية اللادينية، قال: 

الإسلام يريد من العقل أن يثبت أن هناك وحيا ً، ولذلك قالوا: العقل كالمطية، توصلك إلى حضرة السلطان ولا تدخل معك.

العقل يوصلني إلى إثبات الأمور التكليفية، إلى أن فيه إلها، وأن فيه بلاغا عنه، وأيضا لأن علوم الشـرع -كما قلنا- جاءت لتعصمنا من اختلاف الأهواء، ولذلك في العلوم التجريبية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنتم اعلم بشئون دنياكم " في الامور التجريبية المعملية حتى لا يتدخل فيها الدين. 

٢٠ -وعن التشريع الإسلامي المنظم لكل أمور الحياة، قال: لقد شمل التشريع الإسلامي كل أمور الحياة، من القمة، من لا إله إلا اللـه - والتي ربما ينكرها البعض - إلى إماطة الأذى عن الطريق. 

لقـد جاء التشـريع الإسـلامي بنظام فيه حل لـكل قضايا الحيـاة، حل ذهـب إليه حتى الذين يدينون بغيرالإسـلام، لم يذهبوا إليه تدينا ً ولكن لأنهم وجدوها حلولا ً مثلى لكل قضايا الحياة التي عضتهم.

انظروا إلى موقف الغرب من «الطلاق»، وكيف كان يرفضه، بل لعلهم كانوا يعيبونه على الإسـلام، هذا الموقف انتهى إلى ماذا؟ 

انتهـى إلـى أنهم واجهوا مشـاكل لا حل لهـا إلا بالطلاق، ولذلـك كان عليهـم أن يطالبوا بأن تكون المرجعية للإسـلام فـي كل الأمور: اقتصادية واجتماعية وتنظيمية إلى آخره؛ لأن الإسلام جاء بالنظام الذي استوعب كل أقضية الحياة.

21- وعن صيانة المرأة بالحجاب قال: 

إن المرأة الواعية هي التي تعشـق مهمة التسـتر، تعشـق مهمة الاحتجاب؛ لأن الحجاب فيه كرامة المرأة.

إن التشـريع لم يمنـع أن تدرك، ولم يمنـع أن تجد إعجاب في نفسـك، ولكن التشريع وقف عند العملية النزوعية، إلا في مسألة المرأة، لماذا؟ 

لأنـك لا تسـتطيع أن تفصـل الإدراك عـن الوجـدان، ولا تسـتطيع أن تفصل الوجدان عن النزوع، لمـاذا؟ لأن العملية سيترتب عليها شيء مادي في تكوينك، هذا الشيء المادي في التكوين اما ان تكبته واما ان تنطق به، فإذا نطقت به ولغت في اعراض الناس، وإن لم تنطق به أتعبت نفسـك، وحمّلت نفسـك ما لا تطيق، فكأن الله -رحمة بك- قال: أنا سـأتعدى في عملية التشـريح مرتبـة النزوع، وأحـرم الإدراك، حتى لا يوجد وجدان، وحتى لا يوجد نزوع، وبذلك أكون قد رحمتك.

إذن، فالتشـريع الإسـلامي حيـن قال للمـرأة: احتجبي، لا تعرضي مفاتنك، هـو تكريم للمرأة، ومنـع للعملية النزوعية التي تنشأ عن الوجدان الذي ينشأ عن الإدراك؛ لأنك إذا أدركت وجدت، وإذا وجدت حاولت أن تنزع. 

٢٢ -وفي الرد على شـبهة ظلم الإسلام للمرأة في الميراث قال: 

إن الإسـلام، في ميراث المرأة، لم يكـن ضدها، وإنما كان محابيا ً لها.

وليس في كل أحوال الميراث تأخذ المرأة نصف الرجل، بل في كثير من مسائل الميراث تأخذ مثله، كالابنة تأخذ مثل الأب فـي حالات معينـة، والأخوات من الأم يأخـذ الذكر مثل الأنثى تماما ً مستويا ً، ولكن المسألة في الاخ والاخت فقط.

إن المرأة غير مسـئولة عن نفقة نفسـها، فـإن كانت بنت تكون مسـئولة مـن أبيها، وإن كانـت أما فهي مسـئولة من زوجهـا، ومن أبنائهـا، وإن كانت متزوجةفهي مسـئولة من زوجها، ولا يلزمها الإسـلام أن تنفق من مالها ولو كانت غنية وزوجها فقير. بل على الرغم من فقر المتزوج من غنية، عليه أن يقترض من سواها كي ينفق عليها! 

فإذا ما أعطاها الشـرع نصف أخيها فلأن النصف يكفيها إن هي ظلـت دون أن تتزوج، وإن تزوجـت فإن هذا النصف وفر لها؛ لأنها ستلحق بمن ينفق عليها. 

ولكـن الأخ الذي أخذ ضعفها مطلوب منـه أن يبني حياته بزوجة يأتي بها لينفق عليها. 

ولذلك كان الكلام المنطقي هو: لماذا حابى الإسلام المرأة؟ والجـواب: أنه حاباهـا؛ لأنه راعى أن المـرأة قد يكون من سـلاحها في الحياة أنوثتها، فهو أراد أن يسـتعصمها من أن تستعمل سلاح الأنوثة في حياتها، فأعطاها هذا النصف، فإذا مـا ظلت بلا عائـل يمكن أن يكفيها، وإن جـاء لها عائل فهذا الدخل يكون وفرا لها. 

وواجب على المسلمين في كل بقاع الأرض إن وفدت إليهم شـبهة من هذه الشـبهات أن تكـون عندهم المناعـة الكافية التي تدحضها، والتي تبطل كل الحجج الباطلة التي يأتي بها خصوم الإسلام. 

ثم إن الدين - وليس المال - هو معيار التفاضل بالنسـبة للرجال والنسـاء، هو المقياس بالنسـبة للرجـل، وهو بعينه بالنسـبة للمرأة، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم بالنسبة للرجل: " إن جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فزوّجوه " [6] ويقول أيضا ً -في المقياس بالنسبة للمرأة- " فاظفر بذات الدين، تربت يداك " [7].

٢٣ -وعـن الحكمة الإسـلامية في تشـريع الطـلاق، وعن ضوابطه الشرعية قال: 

لقـد امتـاز الطـلاق عن الـزواج بأن الـزواج يتـم بكلمة "زوجني" «زوجتك»، ولكـن الطلاق لا يأتـي بكلمة واحدة، وهي «طلقتك»؛ لأنه يعطي فرصة، وبعد ذلك إذا عزاللقاء في العشرة كان الطلاق أمرا لا بد منه. 

إذن فالطـلاق ليـس بكلمة كمـا يقولون، ولكنـه بكلمات. وكلمـات متفرقـات بمدة، فلم يقـل القرآن: الطـلاق كلمتان، وإنما قال: " الطلاق مرتان .. " البقرة: 229.

والمرة حدث في زمن، ثم يأتي بعدها حدث في زمن آخر، وبعد ذلك يأتي إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

وإذا قالوا: إن محاكم المسـلمين مملـوءة بقضايا الطلاق، فنقول لهـم: ليس ذلك حجة ضد قضية الطلاق في الإسـلام، ولكن قد تكون حجة ضد تطبيق الإسلام في مسألة اللقاء بين الزوج وزوجته، فالذين دخلوا على الزواج بغير معاييرالإسلام وقوانين القرآن فمن الضروري أن يحدث بينهم هذا الشقاق.

٢٤- وفـي الرد على مـن يقولون: لمـاذا لا يتعدد الأزواج للمرأة الواحدة كما تتعدد الزوجات للرجل الواحد؟

نقول: إن المرض الخبيث «السرطان» لا ينشأ إلا من تعدد دماء الرجال فـي المحل الواحد، أما أن يوجد محل واحد لماء واحد فلا خطر منه لمرض خبيث. 

٢٥ -وعن الغلو المادي في اليهودية قال: 

لقد أرادوا أن يجعلوا الله جسـما يجلس ويضع رجليه على قصعة! وقالوا: " لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً " البقرة: 55.

فهم أرادوا لإله الغيب ان يكون امرا ً ماديا ً، كذلك جاءوا في كل النظم وجعلوها مادية، وانت اذا استعرضت كل اسفار التوراة فلن تجد شيئا ً يتعلق باليوم الآخر ابدا ً.

٢٦ -وعن الوسطية الإسلامية قال: 

إنك لو نظرت إلى دين الله لوجدته قد أخذ جوانب الحُسـن فـي الديكتاتورية وترك ملامح القبح فيها، وأخذ الحُسـن في جوانب الديمقراطية وترك ملامح الشر فيها، فأعطانا الأمرين بفائـدة وبعدالة، فالأمـور التي يجب أن يبـت فيها بحزم ولا تُترك لأهواء البشـر لها مجال شـرعها الله تشريعا، ولا يجعل لأحد عليها استفتاء أبدا، ففي هذه القضية:

" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ " الاحزاب: 36.

" وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ " المؤمنون: 71.

وفي القضية الثانية :

" وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ " النساء: 83.

" وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " آل عمران: 159.

إن بعـض الناس يرى أن اجتهاده هـو الحق، وأن اجتهاد غيره هو الباطل، وأنه باجتهاده يمثل وجهة نظرالإسلام، وهذا لا يمثل وجهة نظر الإسلام. ومن هنا جاء الخلط والتخبط.

إن اللـه حين يترك نصا محتملا للفهم يجب أن يحترم فيه كل فريق رأي الفريق الآخر. 

٢٧ -وحول الأمراض الداخلية في الأمة الإسلامية، قال:

ان كل خلاف بين المسلمين يُستغل ضد الاسلام، والذي يصنع شيئا ً من هذا إما مفت او مطبق او منفذ سيكون مثل الذين يمسكون معولا ً يضربون به قضية الاسلام عند خصوم الاسلام.

ولقد رأى الخصوم أن للإسـلام مذاهـب وطرقا وطوائف، وكل مذهب يرى أنه هو الأحق أن ينسب إليه الإسلام أو ينسب إلى الإسلام، ويكفر الطوائف الأخرى. وعلى هذا يصبح الإسلام لا مبدأ تجميع للناس ولكنه يصبح مبدأ تفريق.

واسـتغلوا هذه المسـألة، وقالوا: أي إسلام هؤلاء صحيح؟

فإن كان الإسلام صحيحا في مذهب فالمذاهب الأخرى باطلة، وهكذا دخلوا من باب تمزيق الإسلام بالمذهبية والطائفية.

وهذه الظاهرة إنما نشـأت لخطأ المسـلمين في فهم كثير من قضايا الدين الأساسية. 

وآفة وجـود المذاهب: أن الأمر الذي تـرك الله فيه الأمر للمشـورة والاختيار والاجتهاد، جعل عند كل طائفة أمرا يجب الجـزم فيـه والبـت، وأن الذي يخالـف رأيهم يكـون مخالفا للإسلام، ويقولون له: أنت لم تفهم الإسلام. 

وتلك هي الآفة التي جرأت علينا الخصوم ليقولوا: إن الإسلام لم يعد دين تجميع وإنما عاد دين تفريق! إذن فالمسلمون هم الذيـن فتحوا الباب وجعلـوا الملحدين يجدون منافذ يدخلون بها علينا ليهدموا لنا قضية إيماننا وإسلامنا. 

إن اللـه حين يترك ٍّ نصا محتملا للفهميجب أن يحترم فيه كل فريق رأي الفريق الآخر. 

فكل الأحـكام الاجتهادية التي تركها التشـريع لاجتهادات البشـر معناها إذن من الله، وأن مـا وصل إليه الاجتهاديقبله حقا في هذه المسألة.ٍّالله، ويعتبره 

فالشيء الذي ينفذ منه خصوم الإسلام هو ما يفعله بعض علماء المسـلمين، أو بعض الأتباع لعلماء الإسلام، حين يرون فـي اجتهاداتهمالتي أباح اللـهفيها أن نجتهدفي النصأنها أصوب، وأن ما عدا اجتهاداتهميجب أن تترك، وأن فهمهم هو الحق وما عداه فهو الباطل.

ومـن هنا نشـأت النكبة على المسـلمين فـي جميع بقاع الارض، ولذلك نجد امة مسلمة ينتقد اسلامها من امة اخرى، إسـلام في دولة ينتقد من إسلام في دولة أخرى. لماذا؟ لأنهم أرادوا أن يجعلوا من فهمهم للأمور المجتهد فيها نصا محكما، كما أنزله اللـه نصا محكما، وترتب على ذلك أن المخالف هو على الباطل في زعمهم. 

ولينظـروا إلى ثمار ذلك فيما يجدونه من الهجوم علينا في أن الإسلام لم يعد دين تجميع، وإنما أصبح دين تفريق. ونحن في البلد الواحد نشـاهد ذلك الآن، نجـد أننا في كل حي وفي كل مسـجد طائفة، ولو نظرت إلى إسلام هؤلاء لوجدته بعيدا عن إسـلام هؤلاء. لماذا؟ لأنهم جعلوا لسلوكهم فهما، ومن لم يوافقهم على فهمهم فهو خارج عن الإسلام لا عليهم.

ويجب أن ينظروا إلى تبعات هذه الأشياء الآن، هذه التبعات التي سنشقى بها طويلا من خصوم الإسلام. 

هكذا تحدث فيلسـوف الإيمان، وإمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي، في كتابه هذا: 

" شبهات وأباطيل خصوم الاسلام والرد عليها " [8] د. محمد عمارة.

 

مؤتمرات التشكيك في الإسلام

الحمـد للـه رب العالمين، والصلاة والسـلام على أشـرف المرسلين، سيدنا محمد، وبعد: 

فلقد تلقيت في بحر هذا العام سـبعة عشـر كتابا ً كلها من بلاد إسـلامية، وهذه الكتب تشـترك في سـمة واحدة، هي ما وصـل إلى هـذه البلاد من تشـكيكات في الدين مـرة، وفيما وصل إليه هذا التشـكيك من أصل الديـن، والإيمان بإله قادر مدبـر لذلك الكون، وبعضها يتصل بأمرالوحي، وأمر القرآن، وأمر رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. 

ومرة يأتي التشـكيك في نظام الإسـلام، وعـدم صلاحيته لقيادة حركة الحياة في ذلك العصر. 

ولقد عرفت مصدر كل ذلك فالمصدر الإلحادي الذي يتصل بنفي الإله القادر الخالق المدبر للكون لا شـك في أنه قد وفد إلينا من الشـرق الشـيوعي، وأما ما يتعلق بالتشكيك في أمر القرآن وأمر رسـالة سـيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه قـد وفد إلينا من الغرب؛ لأن رائحة الكلام الذي فيه تدل على أنهم يشككون في الإسلام، ولكنهم يؤمنون بدين يأتي من الله بواسطة رسل.

وقد شـاء الله أن يفسر لي ذلك اللغز بما وصلنا من أخبار عن مؤتمرات، عقد أولها في نيسان عام ١٩٧٤م، وعقد الثاني في ولايـة كاليفورنيا عام ١٩٧٧م، وأيضـا مؤتمر آخر، ختم حصيلة المؤتمرات التي سـبقته، ويدل على أن وراء ذلك قوة هائلـة مادية ودوليـة، وأن الذيـن دعوا إلى هـذه المؤتمرات هـم صفـوة المفكرين في هذه البلاد، وعلى رأسـهم أسـاتذة الاستشراق في العالم، وعلماء متخصصون في علوم الاجتماع يدرسـونها في الجامعات، وعلوم الإنسان والسلالات، ومعهم متخصصون في دراسة الأحوال الاجتماعية في الأمم النامية.

ولقد انتهت تلك الدراسـات والأبحاث إلى توصيات أعلنت، وتوصيات أخرى سترت...

-----------------------------------------------

[1] أورده المروزي في السنة عن يزيد بن مرقد مرفوعا ً بلفظ: " كل رجل من المسلمين على ثغرة من ثغر الاسلام، الله الله لا يؤتى الاسلام من قبله " رقم 28،29.

[2] القربوس: حنو السرج، اي جزؤه المقوس المرتفع من قدام المقعد ومن مؤخره. (المجلة)

[3] أخرجه البخاري بلفظ "لا نورث، ما تركنا صدقة" عن أبي بكر برقم 3093.

[4] رواه مسلم في صحيحه بلفظ: "اللهم اجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا ً منها" برقم 918 (المجلة).

[5] اورده مسلم في صحيحه من حديث انس بلفظ: " أنتم اعلم بأمور دنياكم " حديث رقم 2363 (المجلة).

[6] اخرجه الترمذي في سننه (1084) من حديث أبي هريرة، قال الحكام في المستدرك 2/164، هذا حديث صحيح الاسناد، ولم يخرجاه. (المجلة).

[7] رواه البخاري في صحيحه، برقم 5090 ومسلم في صحيحه برقم 1466 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[8] نص هذا الكتاب جمع واعداد وترتيب الاستاذ/ عبد القادر احمد عطا، نشرته مكتبة التراث الاسلامي – بالقاهرة – ولقد قمنا في هذه الطبعة بترجمة حياة الايام الشيخ الشعراوي، والتقديم بدراسة وافية بين يدي هذا الكتاب فلزم الشكر والتنويه بصاحب الفضل في صدور الطبعة السابقة لهذا الكتاب.

  • الاربعاء PM 11:12
    2022-08-24
  • 1205
Powered by: GateGold