المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 387393
يتصفح الموقع حاليا : 222

البحث

البحث

عرض المادة

وافد الإلحاد

أما الموجة التي وفدت إلينا من الشرق فأمرها معلوم، وهو التشكيك في الدين، سواء كان اسلاميا ً او مسيحيا ً او يهوديا ً.

وذلـك أمر يـراد به نفي القداسـات عـن أشـياء يعتقدها ِرواد حركـة حياتهم على منهجهـا، وبذلك يخلوالناس، لمريدي التسـلط على الأمم، والمتسـلطين على الحكم، حتى لا يجدوا منازعا لهم، لا من قانون السماء، ولا من قوانين الأرض. 

وإذا كان الامر سيسير منطقيا ً، فإننا نتكلم اولا ً لنرد وافدة الالحاد عن أبنائنا المسلمين.

وكل مـا تـدور حوله وافـدة الإلحاد من الأفـكار ليس هو مناقشة النظام الذي جاء به الإسلام، وإنما هو مناقشة النظام الذي جاء به الدين الذي يسـبق الإسلام، فلم تنشأ هذه الوافدة لمناقشة الإسلام ابتداء. 

فهـم يقولون: لا نجد في ذلك الدين نظاما يحكم لنا حركة الحيـاة، وهم صادقون في ذلك، ولكنهم لـو امتد بهم البحث قليلا، فدرسوا نظام الإسـلام، لوجدوا الشيء كل الشيء الذي يحكم حركة الحياة بما لا يمكن أن يتفوق عليه نظام بشـري على الإطلاق. 

ولذلـك نقول لهم: إنكم قاصرون حتى في دراسـة الأديان التـي تهاجمونها، فالمسـيحية لم تأت لتنظـم حركة الحياة، ولكنها جاءت لتعطي شـحنة إيمانية وجدانية، وهذه الشحنةهي التي كانت مفقودة عند اليهود. 

فاليهود سيروا الامر كله ماديا ً، لدرجة انهم أرادوا ان يجعلوا الله جسما ً، يجلس ويضع رجليه على قصعة، وقالوا لموسى: " لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً " البقرة: 55.

هم أرادوا ان يكون الله إله الغيب أمرا ً ماديا ً، وكذلك جاءوا فـي كل النظـم وجعلوها مادية، ولو أنك اسـتعرضت التوراة بطولها، فإنك لن تجد شيئ يتعلق باليوم الاخر ابدا ً.

إذن فالمسـيحية لم تجئ لتنظـم حركة الحياة، حتى يقال في الفلسفة الشيوعية: إنها دين لا ينظم حركة الحياة، ونحن جئنا لننظم حركة الحياة. 

وإذا قلنا لهم: إذا كنتم تريدون تنظيم حركة الحياة؛ فلماذا بعدتـم عن دراسـة الإسـلام؟ فادرسـوه إذن لتصلـوا إلى ما تريدون؟! قالوا: إن مصدر الإسلام خرافي لا وجود له.

فكأنهم نقلوا البحث من بحث نظم الإسـلام إلى البحث عن المصدر الذي جاء منه الإسـلام، وما دمت تقول لنا: إن الدين الـذي جاء بنظام ينظم حركة الحياة جاء من إله خرافي. فإنا نقول لك: إنك جئت بنظام الشيوعية وقلت: إنه من عندك؛ فخذ هـذا النظام الإسـلامي وقارنه بنظامك، ولـو على أنه حصيلة نظام إسلامي نسب إلى إله أنتم تقولون: إنه خرافي.

ناقشـوا إذن قضية النظام في ذاتهـا، وابتعدوا عن مصدر ذلـك النظام؛ لأننا لا نريد أن تؤمنوا بذلك الإله، ولكننا نريد أن تقارنوا نظمكم بنظمنا. 

نحن نقول: إنها من الله وأنتم تقولون: لا إله. إذن فناقشوا نظامـا بنظـام؛ فلو فعلتم ذلـك، ثم جئتم إلـى أي جزئية من جزئياتكم لتبحثوها فستجدون التطبيق يفسد قولكم.

التطبيـق الذي طبق منذ عام ١٩١٧م إلى الآن في كل دولة من الدول التي وقعت تحت سـيطرة هذا المنهج من الفكر، لم يؤد إلى ثمرة، بل بالعكس، أدى إلى خراب. 

فـإذا ما نظرنا إلـى هذه النظـم، وجدنا أن الإسـلام بالرحمة الهينة اللينة، لينشئ جيلا ً مبنيا ً على شيئ من الهوادة، لا شيء من العنف، فهو حينئذ لا يريد ما تريدون.

أنتـم تقولون: إنكم نظمتم حركة الحياة في الأرض، ونحن نقـول لكم: لا، أنتـم لم تنظمـوا حركة الاقتصـاد للناس في الأرض، بل عمدتم إلى حصيلة جهد أناس لتفرقوها على أناس يجدوا ولم يعملوا.

وكان من الأصلح أن تجعلوا الناس سواسية في الحركة إذا أردتم أن يكونوا سـواء في الإنتاج والمحصول والغلة، ولكنكم أخذتـم من قـوم تعبوا؛ لتعطوا قوما لم يتعبـوا، ثم لم ترضوا بهذا أيضـا؛ لأنكم حكمتم بقضية فلسـفية هذه القضية هي: الدعوى ونقيض الدعوى، والجامع بين الدعوى ونقيضها.

الدعوى كانت شراسـة الرأسـمالية، فالنقيـض جاء ليأخذ السلطة ويعطيها للعمال، ضد الرأسمالية، ولكن العمال بشر أيضـا، قد يأخذون هذه السـلطة، وبعد ذلك يطغون فيها كما طغى أصحاب الرأسمالية. 

فقلتـم: لا بد مـن أن توجد هيئة تجمع بيـن الدعوى وبين نقيض الدعوى في يد واحدة، وهذه هي اليد الحاكمة فقط.

فأصبحت اليد الحاكمة هي التي تملك الثروة، وتتحكم في العالم، ولا سـلطة لأحـد بجانبها في أي حركة، وسـموا هذه الهيئة «السيطرة الموجهة»

ونحن نرد على ذلك لنعطي الجيل الإسلامي الناشئ خميرة يمكن أن يرد بها على كل هذه الوافدات. 

إن الثورة التي بدأت عام ١٩١٧م، وأشاعت مبادئها، ادّعت فيما أشاعته، أنها لم تأت بالشيوعية التي يحبون أن يؤصلوها في المجتمع، وإنما جاءت بمقدمة للشـيوعية، وهذه المقدمة هي «الاشتراكية»

إذن هـم لـم يدخلوا في مجـال الشـيوعية، ومعنى هذا أن النظام الشيوعي أيضا من الاشتراكية فيما يريدون.

ونقـول لهـم: إذا كنتم قـد قمتم بهـذه المقدمـة لتقدموا للشـيوعية، فانظروا أتقدمتم إلى الشـيوعية، أم تأخرتم حتى عن الاشتراكية؟ 

إنكـم فوجئتم بواقع الحياة يصـور أخطاءكم ورعوناتكم، وجدتم أن الشعور بالنفعية الشخصية في النفس قد انطفأت جذوته، ولـم يعد هناك وازع في النفـس للعمل، ما دام الأمر سـيتركز في أن كل فائض يؤخذ، فلا داعي لأن يجهد الإنسان نفسـه إلا بمقدار حاجته، إن الطموحات البشرية لا تجيء في كل الأفراد، وإنما الطموحات البشرية تأتي في أفراد معدودين، في كل مجتمع، وفي كل عصر. 

فـإذا كانت المنفعـة الذاتية هي التي تسـيطر على الانسان اقداما ً وأدبا ً وإخلاصا ً وغيره، لأن كل هذا سيعود على الإنسان العامـل، فإن هذا الحافز قد فقد في نظامكم؛ مما أدى إلى أن البلاد التي كنتم تصدرون منها حبوبكم جاعت حتى أصبحتم أنتم تستوردون الحبوب من الخارج. 

فهـذا يدل على أنكـم لا بد أن تتراجعوا فـي النظام، حتى يكون اقرب الى الطبيعة، الى نظام يستغل فيه حب الذات في النفس البشرية، حتى يكون له حافز يجعل يعمل وان لم يكون المجتمع في باله لانه ان عمل والمجتمع ليس في باله فسيدخل المجتمع في الفائدة قهرا ً عنه.

فهب أن انسانا ً يريد ان يبني عمارة، وعنده مال مكنوز فيدخل الله عليه خاطر استثمار المال، فيقـول: وما لي لا أستغل مالي في بناء عمارة ضخمة تدر عليّ كذا وكذا؟

نقـول لـه: إن المجتمع سـيفيد من ذلـك اردت ام لم ترد: العامل ومصانع الطوب والاسمنت والبنّاء والكهربائي والمهندس ومهندس الديكور وتاجر الادوات الصحية وغير ذلك كثيرون سيفيدون من هذا العمل.

فـإذا نظرت وجـدت أن المجتمع قد اسـتفاد منها قبل أن يستفيد منها صاحبها، من أفقر الطبقات إلى أغناها.

إذن فالحركـة الذاتية في النفـع الذاتي لا بد أن توجد نفعا ً للمجتمـع ولـو لم يكن المجتمـع في بال صاحـب المال؛ لأن المجتمع سيفيد رغما عنه، رضى أم أبى. 

إذن فأنتـم اضطررتم إلـى أن تدخلوا نظـام الحافز، إذن فأنتم لم تتوسـعوا في نظام الاشـتراكية إلى الشيوعية، وإنما رجعتم حتى من بعض أبواب الاشتراكية.. 

وإذا نظرتـم إلـى الدعوى الأصيلة، وهـي أنكم جئتم بذلك لتخلصـوا الدنيا من شـرور الرأسـمالية، فلننظـر في الجهة المقابلـة إلى شراسـة رأس المال، أبقيت على شراسـتها؟ أم أعطي العمال الحقوق، والراحات، والمكافآت؟

إذن فلا الرأسـمالية سـارت في شراسـتها، ولا الشيوعية سـارت في شراسـتها، تلك مخطئة، وهذه مخطئـة، والواقع كذب الاثنين معا ً.

إذن فلا بد أن تتنازل الشـيوعية عن شراستها، وأن تتنازل الرأسمالية عن شراسـتها، ومعنى تنازل الطرفين المتقابلين أنهما تواجها ولم يتدابرا، وإذا ما تواجها التقيا بالضرورة في منتصف الطريق، ومنتصف الطريق هو الذي جاء به الإسلام.

فلـو أنكـم نظرتـم، لوجدتـم الإسـلام قد صحح شراسـة الشيوعية، وصحح شراسـة رأس المال، فلو أنصفتم لجعلتم هذا النظام الإسلامي منقذا ً لكم مما تورطتم فيه، سواء كان ما تورطتم فيه هو فكرة الشيوعية، أو فكرة الرأسمالية.

فإذا أردنا أن نقهرهم على أن يقارنوا نظمهم بنظام الإسلام الذي أبقـى على الحافز، وأشـاع الخير الفاضـل، ثم الحركة الإنسـانية، وجدنا أنهم قد أحرجوا، ووجدنا أنهم يذهبون إلى شـيء آخر لا يدخل في مقـام المناظرة، ولا تقـوم به حجة؛ لأنهم فرّوا من مناقشـة النظام، ومقارنته بالنظام الآخر، إلى الكلام في مصدر هذا النظام. 

قالـوا: الكلام الذي جئتـم به أيها المسـلمون جئتم به من أصل خرافي، إذن فالنظـام موجود أولا، أما كونه ممّن؟ فهذا أمـر لا يعنيكـم، فقارنوا نظامـا بنظام وقد قارنتم ففشـلتم، وتبين تفوق النظام الإسلامي على نظمكم جميعا، وأنه سابق ومتميز وأنـه لا إذلال فيه لأحد على أحد؛ لأن احدا ً لم يدّع انه أتى به ليسـتذل بـه الناس، أو يحاول بذلـك أن يجد له مكان بين الناس؛ لأنهم يقولون: إنه ليس من عندنا، إنه من عند الله.

لقد بدءوا يناقشون فكرة الله. 

نقول لهـم: هذا فرار من ميدان المناظرة، وميدان الجدال، ما لكم والله، الذي قلنا: إننا جئنا بالنظام من عنده؟

ناقشـوا نظاما بنظام، ناقشـوه على أنه نظام بشـري في مواجهة نظام بشري آخر، ومع ذلك فسنحاول أن ندخل معكم في النقاش، حتى لا تظنوا أننا فررنا من نقاش هذه المسألة.

إنكم تقولون: إن الإله الذي تنسـبون إليه هذا النظام إله لا وجود له، وأن العالم يسـير هكـذا بطبيعته، إلى غير ذلك من الكلام. 

نقول: لو أنكم نظرتم إلى نظامكم، أيمكن أن يدعي أحد أن النظـام جاء هكذا دون مقنن له؟ إنكـم قلتم: ماركس، لينين، إذن فالنظام الذي عندكم لم تسـتطيعوا أن تنسـبوه إلى قوة خفية، وإنما نسبتموه إلى قوة مادية. 

فالنظـام عندنا جـاء متميزا عـن نظامكـم، ألا تحبون أن ننسـبه إلى أحد كما نسـبتم نظامكم إلى نـاس، وحاولتم أن تجعلوهم آلهة. 

إنه نظـام جئتم به لم تقولوا: إنما جـاء هكذا، ولكن قلتم: إنه جاء معتمدا على فلاسفة وأساتذة ومدارس وغير ذلك فإذا كان هذا النظام الذي أصبح مرجوحا بعد مقارنته بالإسلام لم يجـئ بطبيعته، ولم تجدوه هكذا، أنظام يتفوق عليه تقولون: إنه جاء هكذا من غير أحد؟ 

وهنا تقولون: لا، إنه جاء من أحد مثلنا. 

نقـول: إن الـذي جاء بشـيء عجيب لا يمكـن أن يتملص منه لينسـبه إلى غيره؛ لأن الناس قـد تصيّدوا كمالات غيرهم لينسـبوها إلى أنفسهم، فإذا ما جاء أحد بهذا النظام المتفوق فهل يمكن أن ينسبه إلى شيء آخر، ويقول: أنا لم أصنعه؟ إن الإنسـان منـا يدعي ما ليس له، هل يعقـل أن مثل هذه الكمـالات تترك بلا دعـوى، أو أن الذين يحملـون هذا النظام يريـدون أن يرتفعوا به عن مسـتواهم، فقالوا: إنه من عند إله قادر؟ 

فلـو أنه كان من عندهم لقالوا كما قلتم، ومجّدوا الذي جاء به كما مجّدتم.

إذن فقولكم: إن مصدر هذا النظام خرافي. شيء لا يعنيكم، ولا يدخل في موضوع النقاش.

وأيضا فإننا لو نقلناكم نقلة قبل أن يكون النظام، فالنظام الـذي تحكمون به لم يكـن موجودا ثم وجـد، ووجد بموجد، وأنتـم قلتـم: إن موجده فلان، إذن كل شيء وجد وطُرح في عالم الوجود لا بد أن يكون له موجِد. 

مـادمتم قلتم: إنكم أتيتم بنظـام لم يكن موجودا قبل عام ١٩١٧م، وهـذا النظام لم تجدوه هكـذا، ولكن أوجده موجد، إذن فكل شـيء يمكن أن يكون أثرا لا بد أن يكون هناك مؤثر أوجده. 

فالضجـة التي قمنا بهـا وقلنا: إنها إسـلام، وانتصر على الفرس والروم، أيمكن أن يكون قد وجد هكذا بلا موجد؟

دعـوا النظام الذي يحكم حركة الحياة، وابحثوا في الحياة نفسـها، هذه الحيـاة التي توجد على ظهـر الأرض في صور مختلفة، أيعقل أن توجد هكذا دون موجد؟

لو أن إنسـانا ً ما كان في مفازة، اي صحراء، لا يجد فيها ماء ولا طعاما ً يقيم حياته، ثم نام واستيقظ فوجد مائدة عليها اطايب الطعام والشراب، أظنه قبل ان يتناول لابد أن يسـأل فكـره، ويبحث فيما حوله، ليعـرف َمن أمده بهذا؟ وإن كان معجلا ً فأكل وشرب حتى شبع وروى، فإنه لابد ان يفكر: من هو الذي أحضر له هذا ؟

فلما لم يجد أحدا يقـول له: أنا الذي بعثت لك بهذا، ولكنه سمع صوتا ً من بعيـد يحل له اللغز، ويقـول: أنا الذي فعلت ذلـك، ولـم يوجد أحـد يعارضه في هـذه الدعـوى، ألا تصح الدعوى له، ويصبح هو صاحبها؟ 

إذن فالدين لم يجئ من تلقاء نفسـه، وإنما جاء بواسـطة أناس، إذن فالأثر لابد أن يسبقه مؤثر.

فلو أنهم نظروا إلى الوجود حولهم قبل أن يوجد منهم هذا النظام، لوجدوا نظاما يحكم حركة الحياة قد يكون من صنع البشر، وقد يكون من بقايا أديان درست، نقول لهم: تجاوزوا عـن ذلك، وانظروا إلى الأشـياء الثابتة في الوجود، والتي طرأ عليها النظام. 

فالنظام جاء ليحكم حركة الحياة، إذن فابحثوا عن الحياة قبل أن تبحثوا عن حركة الحياة. 

وما دمنا قد استدللنا على أن كل أثر لا بد أن يسبقه وجود مؤثر، وقد سـبق وجود نظام لكم تحكمـون به حركة الحياة الاختيارية وجود مؤثرين أصحاب مدرسة وضعوا ذلك النظام.

انظروا ماف وق ذلك، وابحثوا في المنظم "بفتح الظاء" له، المنظم له هو حركة الحياة بالنسـبة للإنسان، والإنسان ليس وحده في هذا الوجود الذي نظمتم له حركته؛ لأن الإنسان إنما هـو جنس من أجناس كثيرة، وأنتم نظمتم للإنسـان، ولكنكم لم تنظموا شيئا ً لبقية الأجناس غير الإنسان، والنظام الموجود لغير الإنسـان لـه موجد، وأنتم لـم تدعوه، وهـذا النظام في أخريات أموره إلى الإنسان.

فالإنسـان جنس، وهو جنس أعلى، ومعنى أنه أعلى: أنه لا يوجد في الوجود المرئي للإنسان جنس يفوقه في خصائصه. أقـول: في المرئي، لأنـه قد يوجد في الغيبـي جنس أعلى من الإنسـان إنما نتكلم عن الإنسان المرئي المشهود في عالم الملك، ولا نتكلم عن الأجناس التي توجد في عالم الغيب وعالم الملكوت، لأن ذلك أمـرٌ لم نعرفه إلا عن طريق الدين، وطريق الدين مختلف فيه؛ ولهذا لا يصح أن يحتج به عندكم.

إذن فالإنسـان جنس أعلـى، والأجناس الأخـرى دونه في التكوين المسخر، ودونه في المهمة. 

فالإنسان إذا نظر حوله فوجد نفسه متحركا ًحساسا ً وجد بجانبه جنسا ً اخر متحركا ً حساسا ً هو الحيوان الذي هو دونه، ولكن الإنسـان يفخر على الحيوان بأنه مفكر، ومعنى مفكر: أنه يختار بين بديلات متعددة. 

الحيوان لا يختار بين بديلات؛ لأنه محكوم لا بنظام بشري، ولكنه محكوم بنظام قهري وجد في جبلته، لم يتعلمه أبدا ً، والغايات القهرية القسرية دائما ً لا بدائل لها، لأنها امر واحد.

فأنت مثلا اذا اذيت قطة بأي نوع من الايذاء فلها رد واحد، أما إذا آذيت انسانا ً فضربته فقد يضربك ضربة مثل ضربتك، او ضربة فوق ضرتك، او يوقعك في شر، او يسخر منك، او يعفو عنك، إذن فهناك بدائل متعددة والذي يرجّح واحدا ً منها هو الفكر المميز للإنسان عن الحيوان.

والإنسـان منا يـأكل، فإذا جـاء عزيز عليـه، وعرض عليه الطعـام فإنه يأكل معه أيضا، ويأتـي ثالث فيأكل معه، ولكن الحيوان بعد أن يشبع لا يمكن أن يأكل أبدا؛ لأنه محكوم بحكم الغريزة التي لا تجامل، ولا بدائل عندها. 

فـإذا كان الإنسـان يختار بيـن بدائل متعـددة، فما الذي يجعلـه يختار بديـلا على بديل؟ إنما يختـار بديلا على بديل وفق ما يرى من الخير في البديل الذي يختاره.

وقـد يختلـف الناس فـي تقرير ذلـك الخير على حسـب أهوائهم ومشاعرهم ومواجيدهم. 

إذن فلا بد من وجود قوة عليا لتنظم سـلطان الهوى، حتى لا يفسد على الإنسان أمر اختياره، فتتدخل هذه القوة لتفرض نظاما لاختيار الشيء الذي إن لم تختره يحصل الاضطراب. وبعـد ذلك تأتي لتجد الحيـوان متمتعا بفضله على جنس آخر تحته، وهذا الجنس هو النبات، والنبات يمتاز عن الجماد، إذن فالوجـود جنس فوق جنس، وتجـد كل جنس في خدمة الأجناس التي فوقه. 

فالجمـاد من المـاء، والهواء، وعناصرالأرض، والشـمس، والقمـر كلهـا فـي خدمة النبـات، والنبـات يخـدم الحيوان، والحيوان يخدم الإنسـان، ولكن الإنسـان يخدم من؟ إنه سيدٌ مخدوم من هذه الأجناس كلها، ثم لا يجد له في عالم المرئيات والمحسوسات من يخدمه.

وهذه الأجناس تخدم الإنسـان بلا قـدرة له عليها منذ كان صغيرا، أليس من العقل أن نفكر إذن فيمن سخر هذه القوى للإنسان؟ 

أي قـوة تلـك التي تأمـر الشـمس فتأتمر؟ وتأمـر القمر فيجيب؟ والماء فينصب؟ 

إذن فواجب العقل أن يقف ليبحث عن القوة التي سـخرت هذه الظواهر، لتكون في خدمته. 

فـإذا جاء إنسـان وصاح: أيهـا الناس، إني قـد جئت لكم بحل هذا اللغز، جئت لأخبركم: من الذي سـخر هذا؟ فأبسـط الواجبات أن نسـمع لهذا الداعي الـذي يخبرنا بأن تلك القوة «الله»

يقول الرسـول صلى الله عليه وسلم ذلك، ويأتي بالمعجـزة الدالة على أنه صـادق، وبعد ذلك، هل قال الرسـول صلى الله عليه وسلم: أنـا فعلت؟ لا. هو أيضا خرج من هذه المسألة إنه يقول: أنا لم أفعل.

ولو أنه استغل المعجزة التي لا يستطيع أحد أن يقوم بها، وقال: أنا جئت بشـيء لا يسـتطيع أحد أن يأتي به، وأنا الذي فعلـت ذلك، فقد يجد من يصدقـه، ومع ذلك لم يقل ذلك أبدا؛ بل قال: أنا تلقيت هذا عن القوة التي فعلت.

ولذلك فقد جلّى الحق هذه الحقيقة تجلية علمية بتطلبها العقل ويؤيدها فقال:

" قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ " يونس: 16.

يقـول: أنـا أعيش بينكـم، فهل جربتـم عليّ هـذه الأمور المعجزة؟ إنني لا أدّعي ذلك، ولكني أنقله عن الله.

ومن العجيـب: أن المستشـرقين يقولون: لمـاذا لا يكون القرآن ثمرة نفث عبقري لمحمد، الذي نشـأ بين أمة فصيحة بليغة؟ 

ونحـن نقول هذا أيضا ً، ولكن صاحب الظاهرة نفسـه لا يدعيها؛ فما شأنكم أنتم تنسبونها إليه والآية صريحة في نفي هذه الشبهة. 

علـى أن العبقريـة لا تكون في الأربعيـن، وإنما تكون في آخر العقد الثاني وأوائل العقد الثالث. 

وإذا كان المستشـرقون يقولون: إنه كذب، وجازت كذبته على أجلاف العرب. 

نقـول لهم: ما المـراد بالكـذب؟ كل كذاب يكـذب، فإنما يحاول أن يحقق بكذبه لنفسـه نفعـا لم يكن موجودا قبل ان يكذب، فما النفع الذي حققه سـيدنا محمـد صلى الله عليه وسلم حتى يدعوه إلى الكذب؟ 

إنه عاش كما نعلم فقيرا مسكينا ً متواضعا ً، يلبس المرقعة، ولم يشبع من خبز الشعير، وكانت النار لا توقد في بيوته الشهر والشهرين، فلماذا كذب إذن ؟

ليـس للكذب مبرر فـي حياته، لأنه لو عـاش على ما كان عليـه من ائتمان الناس له فـي التجارة قبل البعثة؛ لعاش في يسـر ورخاء وعز بين قومه؛ بل إن المتاعب كلها انصبت عليه بعد هذه الدعوة، إنه لم يرد لنفسه الحياة، بل أرادها له واهب الحياة. 

وكذلك لم يجعل لأهله حظا ً من دنيا الاسلام، فقد منع اهله مـن أخذ الـزكاة، ومنع أهله مـن أن يرثوه، وعلـى هذا فليس هناك مبرر للكذب أبدا. 

والملابسات التي مرت به جعلت الناس قسمين: قسما آمن به، وقسما تصدى له، والمتصدي لإبطال دعوى مقابلة يجند لها كل مواهبه لينتصر، وما داموا كفروا وجندوا كل قواهم، ثم انتهى امرهم الى ان ائمة الكفر تصرع، والباقي يذهب إليه مؤمنا ً ، وبعـد أن كان حربا ً عليه يصبح ناصرا ً له، كل هذا يدل على ان محمدا ً صلى الله عليه وسلم لم يدّع هذه الزعامة، وإنما اسندت إليه من السماء، وكانت له تبعات جسام، ولم يستفد منها واحد من اهله.

وأيضـا حين يقول رسـول اللـه صلى الله عليه وسلم: أنا أدلكـم على الإله الذي خلق ورزق وسخر لكم ما في الأرض مما لا يدخل تحت قدرتكـم، ثـم أعلنها في: «لا إلـه إلا الله» وأعلنهـا مدوية في آذان سـادة الجزيرة، أي: الذين ما كانت تستطيع أي قبيلة أن تقف فـي وجوههم، ولكن محمدا صلى الله عليه وسلم يقولهـا في آذان هؤلاء المسيطرين: إن الأصنام التي تعبدونها لا تضر ولا تنفع.

وبعد ذلك ظلت الكلمة منكرة ممن كذبها، ولم يدع إله ممن يعبدون أنه الإله، وظلت كلمة التوحيد دون رد من إله آخر.

إذن فقضية الإيمان انتهت بالصدق وبالواقع، فقولنا: لا إله إلا اللـه، بقـى بلا معارض من آلهة أو نـاس أو من أي جنس منظور أو غير منظور. 

وإن لـم يكتفوا بهذا نقـول لهم: إن الدين الذي جاء قد حل لكم كثيـرا من معضلات الحياة التـي واجهتكم بمجهوداتكم أنتم. 

علماء السلالات حينما سـردوا السلالات وجدوا أنها تكون دائما في المستقبل إلى كثرة، فهم وقفوا عند الظاهرة، لم يستطيعوا ان يتمشوا مع الظاهرة تمشيا ً يهديهم الى اصل الدين، لانهم ليس عندهم فكر في ان يذهبوا الى دين، ولو كان عندهم فكر في أن يذهبوا الى دين لأصبح من الميسور على الباحثين ان يذهبوا اليه.

نقول لهم: إن العالم سـكانه الآن مثـلا أربعة آلاف مليون، وقبـل قرن مـن الزمان مثـلا كان ١٠٠٠ مليـون وقبله ٥٠٠ مليـون، وهكذا سـتنتهي إلى أنـك كلما أوغلت فـي القدم قل العدد. 

إذن فالتكاثر ينشأ في الاستقبال، والقلة في القدم، ونتدرج في القلة حتى نصل إلى ١٠٠ نسـمة، ثم إلى١٠ نسـمات، ثم إلى نسمتين اثنتين، لأن الواحد لا يكون منه تكاثر.

إذن قد حُل لغز التكاثر والسـلالات، ولكن: من الذي حله، الـذي حله الديـن، لأن الاثنيـن اللذين كان منهمـا التكاثر قد تحدث عنهما الدين في قوله تعالى: " خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً " النساء: 1.

وهكذت حل لغز الانساب والسلالات والتكاثر في الوجود، هذه قضية لا يجادل فيها انسان.

ومن هذه القضية نرد على من قال: إننا من أصل واحد هو القرد، أو غيره، لأن كل جنس موجود باستقلاله، فالدين الذي سوف تقوم عليه الساعة يقول: " وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ " الذاريات: 49.

فهـذا الإله الذي تقولون عنه: إنـه خرافي. هل حل لنا هذه الألغاز، ومحمد صلى الله عليه وسلم بلغها لنا، وكونكم تنكرون رسالة محمد ؟ فمـن أين جاء لنا بهذه الحلول إذن؟! تلـك الحلول التي عجز عنها العلم إلى الآن. 

وإنمـا دخلنا معهم في البحث هكذا، لنثبت لهم أن كلامهم إنما هو فرار من جدية البحث، لأنهم نقلونا إلى شيء لا يدخل في باب المناظرة.

  • الاربعاء PM 11:07
    2022-08-24
  • 822
Powered by: GateGold