المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 411190
يتصفح الموقع حاليا : 228

البحث

البحث

عرض المادة

الصهيونية ذات الديباجات المسيحية

في الآونة الأخيرة، بدأ يتواتر في الدراسات العربية مصطلح «الصهيونية المسيحية »، الذي انتشر في اللغات الأوربية وتسلَّل منها إلى اللغة العربية. والواقع أن هذا المصطلح يضفي على الصهيونية صبغة عالمية تربطها بالمسيحية ككل، وهو أمر مخالف تماماً للواقع، إذ ليس هناك صهيونية مسيحية في الشرق. بل إن أوائل المعادين للصهيونية بين عرب فلسطين كانوا من العرب المسيحيين، وأول مفكر عربي تنبأ بأبعاد الصراع العربي - الصهيوني وبمدى عمقه هو المفكر المسيحي (اللبناني الأصل الفلسطيني الإقامة) نجيب عازوري. كما أن الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية تعارضان الصهيونية على أساس عقائدي ديني مسيحيوإن حدث تقارب ما (كما هو الحال مع الفاتيكان)، فإن ذلك يتم مع دولة إسرائيل ولاعتبارات عملية خارجة عن الإطار الديني العقائدي إلى حدٍّ كبير. وفي الغرب المسيحي البروتستانتي، هناك عشرات من المفكرين المسيحيين الذين يرفضون الصهيونية على أساس ديني مسيحي أيضاً. ولهذا، فإن مصطلح «الصهيونية المسيحية» مصطلح غير علمي نظراً لعموميته ومطلقيته. ومن هنا، يجب الحديث عن «الصهيونية ذات الديباجة المسيحية»، فهي صهيونية غير مسيحية بأية حال، بل صهيونية استمدت ديباجتها (عن طريق الحذف والانتقاء) من التراث المسيحي دون الالتزام بهذا التراث بكل قيمه وأبعاده، ودون استعداد منها لأن يُحكَم عليها من منظوره الأخلاقي.  

وهذا هو الفارق بين أية عقيدة دينية وأية عقيدة علمانية، فالمؤمن بعقيدة دينية يؤمن بمجموعة من القيم المطلقة المتجاوزة لإرادته (فهي ليست من إبداعه ولا من إبداع غيره من البشر)، ومن ثم يمكن تقييمه وتقييم سلوكه من منظور هذه القيم. أما العقيدة العلمانية، فهي مجموعة من القيم النسبية المتغيرة، ولا يمكن أن يُحاكَم الإنسان العلماني من منظورها إذ بوسعه أن يرفضها ويتنكر لها ويعدِّلها بما يتفق مع مواقفه المتغيِّرة واحتياجاته المتطورة وأهوائه المتجددة ورغباته التي لا تنتهي. ولذلك فإن المسيحيين الذين يقومون بتعديل عقيدتهم لتتفق مع رؤيتهم ومصالحهم السياسية، يقومون بتطويع العقيدة الدينية لأهوائهم السياسية.  

وتستند الصهيونية المسيحية إلى العقيدة الألفية الاسترجاعية التي تعود جذورها إلى اليهودية وإلى كثير من العقائد الشعبية، ولكنها مع هذا أصبحت فكرة مركزية في المسيحية البروتستانتية، إذ يؤمن كثير من المسيحيين البروتستانت بأنه حينما يعود المسيح المخلص (الذي يُشار إليه بأنه "الملك الألفي) سيحكم العالم (باعتباره الملك المقدس)، هو والقديسون، لمدة ألف عام يشار إليها أحياناً باسم "أيام المسيح" أو "الألف السعيدة"، وهي فترة سيسود فيها السلام والعدل في عالم التاريخ والطبيعة وفي مجتمع الإنسان والحيوان.  

وكما تبدأ الألف السعيدة، لابد أن يتم استرجاع اليهود إلى فلسطين تمهيداً لمجيء المسيح. ومن هنا، فإن العقيدة الاسترجاعية هي مركز وعصب العقيد الألفية. ويرى الاسترجاعيون أن عودة اليهود إلى فلسطين هي بشرى الألف عام السعيدة، وأن الفردوس الأرضي الألفي لن يتحقق إلا بهذه العودة. كما يرون أن اليهود هم شعب االله المختار "القديم أو الأول" (باعتبار أن المسيحيين هم شعب االله المختار الجديد أو الثاني)، وأن أرض فلسطين هي أرضهم التي وعدهم الإله بها، ووعود الرب لا تسقط حتى وإن خرج الشعب القديم عن الطريق ورفض المسيح (وصلبه). ومن الطبيعي، في إطار هذه الرؤية، أن يُنظر إلى كل من يقف في وجه هذه العودة باعتباره من أعداء الإله والخلاص المسيحي، فأعداء اليهود هم أعداء الإله.  

ويلاحظ أن الفكر الحلولي المسيحي، شأنه شأن الفكر الحلولي اليهودي، يجعل اختيار الإله لليهود ليس منوطاً بفعلهم الخير وتحاشيهم الشر، فهي مسألة عضوية حتمية تتجاوز الخير والشر. كما أنه يجعل الخلاص مسألة مرتبطة باليهود، ومنح اليهود مركزية في رؤيا الخلاص.  

ومن الواضح أن العقيدة الاسترجاعية، شأنها شأن العقيدة الألفية، تفترض استمراراً كاملاً ووحدة عضوية بين اليهود في الماضي والحاضر والمستقبل، ومن ثم فهي تنكر التاريخ تماماً. ولكن هذا "التقديس" لليهود يُضمر كرهاً عميقاً لهم ورفضاً شاملاً لهم ولوجودهم، ذلك أن بنية العقيدة الاسترجاعية هي نفسها بنية فكرة الشعب العضوي المنبوذ، أي أن اليهود شعب مختار، متماسك عضوياً، يرفض الاندماج في الشعوب الأخرى، ولذا لابد من نبذه ونقله إلى مكان آخر! ويمكن تلخيص هذا الكُره وذلك الرفض في العناصر التالية

  • يذهب الاسترجاعيون إلى أن اليهود أنكروا المسيح وصلبوه، وأن عملية استرجاعهم إن هي إلا جزء من عملية تصحيح لهذا الخلل التاريخي وجزء من عملية تطهيرهم من آثامهم. فاليهود ليسوا مركز الخلاص بل هم مركز الخلل وسببه. والواقع أنهم إذا كانوا مركز الخلاص، فهذا يعود إلى أنهم بإنكارهم المسيح أصبحوا مركز الخلل وسببه الأساسي وتجسيداً للشر في التاريخ. والخلاص لا يمكن أن يتم إلا بتطهير مركز الخطيئة (تنصير اليهود أو إبادتهم). ولعل هذا التركيز على أن اليهود أصل الخطيئة يُفسر أن المسيخ الدجال (الذي سيكون ظهوره أقصى درجات الشر) سيكون يهودياً (من سوريا)، وأنه هو الذي سيقود ملوك الأرض ضد المسيح في المعركة الأخيرة (هرمجدون).  
  • تذهب العقائد الألفية والاسترجاعية إلى أن عملية الخلاص النهائي ستصاحبها معارك ومذابح تصل ذروتها في معركة واحدة أخيرة (هرمجدون)، وهي معارك سيروح ضحيتها ثُلثا يهود العالم وستُخرب أورشليم (القدس). بل إنه كلما ازداد العنف ازدادت لحظة النهاية اقتراباً، فكأن التعجيل بالنهاية لا يتم هنا من خلال فعل أخلاقي يقوم به المسيحيون وإنما من خلال تقديم قربان مادي جسدي للإله (هولوكوست) يُشوى بأكمله. بل إن أبعاد هذه المذبحة ستكون أوسع مدىً من المحرقة النازية، فكأن العقيدة الاسترجاعية هي عكس العقيدة المسيحية. ففي العقيدة المسيحية، يأتي المسيح وينزف دمه ويُصلب ويُهزم، فهو قربان يُقدم الإله فداءً للبشر بأسرهم، قربان لا حاجة بعده إلى قرابين. أما العقيدة الاسترجاعية فتذهب إلى أن المسيح قائد عسكري يدخل المعارك ويثخن في الأعداء ثم ينتصر. واليهود هم الذين سينزفون، وهم قربان للرب الذي لا حاجة به إلى قرابين، ولذلك فإن ذبحهم (أو صلبهم) يشير إلى النهاية الألفية السعيدة. كما أن اليهود، حسب الرؤية المسيحية التقليدية، كانوا دعاة القومية، على حين أن المسيح هو داعية العالمية. أما هنا، فإن العكس هو الصحيح، فاليهود هم مركز خلاص العالم والمسيح هو القائد القومي الذي سيؤسس مملكته في صهيون
  • انتهت حياة المسيح الأولى بإنكار اليهود له وصلبه، أما حياته الثانية فستنتهي بإعلان انتصاره وبالتدخل في آخر لحظة لإنقاذ البقية الباقية من اليهود (وإعادتهم إلى أرضهم)، فيخر اليهود أمام المسيح ويعترفون بألوهيته ويقابلونه باعتباره الماشيَّح المنتظر ويتحولون إلى دعاة تبشير بالمسيحية ينشرون الإنجيل في العالم، أي أن المسيح سينجح في إقناع اليهود بما فشل في إقناعهم به أول مرة. وحينما يحدث ذلك، تكون الدائرة قد اكتملت وتمت هداية العالم بأسره
  • العقيدة الاسترجاعية عقيدة تُحوسل اليهود تماماً، أي تُحولهم إلى وسيلة أو أداة نافعة وأساسية لخلاص المسيحيين. ولكنها، في حد ذاتها، لا قيمة لها، فهم يستمدون قيمتهم من مقدار أدائهم لوظيفتهم ومقدار تعجيلهم بعملية الخلاص المسيحية.  

وترفض العقيدة الألفية الاسترجاعية التفسير المجازي للعهدين القديم والجديد، وترى أن ما أتى فيهما هي نبوءات حرفية عن المستقبل. فيرى الألفيون، على سبيل المثال، أن العبارات التي وردت عن خراب أورشليم (القدس) تشير إلى حروب عام ١٩٦٧ أو عام ١٩٤٨ .أما الرؤية المسيحية التقليدية، فتذهب إلى أنها تحققت بالفعل عام ٧٠ ميلادية على يد تيتوس.  

ويقوم هؤلاء الاسترجاعيون، كما سبق القول، بحوسلة إسرائيل بشكل حاد. وعلى سبيل المثال، يرى تيري ريزنهوفر (المليونير الأصولي الأمريكي الذي يقوم بتمويل عملية إعادة بناء الهيكل) أن السلام بين إسرائيل وجيرانها مسألة مستحيلة. وبصفة عامة، ترى الرؤية الاسترجاعية أن هرمجدون نبوءة حتمية لابد أن تتحقق. بل ويرى الاسترجاعيون ضرورة تحريك الأمور باتجاه الحرب لإضرام الصراع والتعجيل بالنهاية (ولذا، فإن موقفهم من مفاوضات السلام أكثر تشدداً من موقف أكثر صقور إسرائيل تشدداً). ولا يختلف الأمر كثيراً بشأن حدود أرض الميعاد، فهذه الحدود مُعطى ثابت مقدس لا يمكن التفاوض بشأنه. كما أن حدود إسرائيل التي يتخيلها الاسترجاعيون أكثر اتساعاً من حدود إسرائيل الكبرى التي يتخيلها أكثر الصهاينة تطرفاً. فحدودها، حسب الرؤية الاسترجاعية، تضم الأردن وأجزاء من مصر ولبنان ومعظم سوريا (وضمنها دمشق)، أي أن الاسترجاعيين يرون ضرورة سفك الدم اليهودي تحقيقاً لرؤيتهم لنبوءات الكتاب المقدس.  

لكل هذا، لا يرحب يهود أمريكا كثيراً بهذه الصهيونية التي تدَّعي المسيحية (والتي تطالب بنقلهم إلى إسرائيل ووضعهم في حالة حرب دائمة). هذا على عكس الدولية الصهيونية التي تجد أن هؤلاء الصهاينة الذين يستخدمون الديباجات المسيحية يكوِّنون اللوبي الصهيوني القوي الذي يعيش في صلب المجتمع الأمريكي. إن القضية مركبة ومتداخلة إلى أقصى حد، ومع هذا فإننا نجد في عالمنا العربي من يتحدث عن "الصهيونية المسيحية" وكأنها بالفعل "مسيحية" وليست حركة حرفية تُخضع النص المقدس لأهوائها، وتستخدم ديباجات مسيحية لتخبئة المضمون السياسي الاستعماري العلماني.  

  • الخميس PM 04:14
    2022-08-18
  • 942
Powered by: GateGold