المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 405246
يتصفح الموقع حاليا : 232

البحث

البحث

عرض المادة

الحرباء الصهيونية والمؤتمر الصهيوني

اختتم المؤتمر الصهيوني الرابع والثلاثون أعماله في القدس يوم ٢٠ يونيو /حزيران ٢٠٠٢ وأصدر بعض القرارات وأثار بعض القضايا. وحتى نفهم ما جرى حق الفهم، وحتى ندرك العلاقة الحقيقية بين الأيديولوجية الصهيونية والتجمع الصهيوني قد يكون من الضروري أن نبدأ بذكر بعض الحقائق.  

فالمؤتمر الصهيوني هو الهيئة العليا للمنظمة الصهيونية العالية وقراراته هي التي ترسم الخطوط العامة لسياسات المنظمة. ويتألف المؤتمر من المجلس الصهيوني العام الذي يتولى مهام المؤتمر في غير أوقات انعقاده ويراقب تنفيذ قراراه)، واللجنة الصهيونية التنفيذية (التي تدير الشؤون اليومية للمنظمة الصهيونية عبر دوائرها المختلفة والتي يرأسها عضو أو أكثر من أعضاء اللجنة). وإلى جانب المنظمة الصهيونية توجد الوكالة اليهودية، وهي هيئة مشكلة اسماً ولكنها تُعد فعلاً الساعد التنفيذي (الاستيطاني) للمنظمة الصهيونية العالميةويحاول يهود الشتات (أي يهود العالم خارج فلسطين) الذين يشكلون المصدر الأساسي للموارد المالية للوكالة أن يمارسوا بعض الضغط على الحكومة الإسرائيلية وعلى المنظمة الصهيونية من خلال الوكالة. ولذا يلاحظ أن ٥٠ بالمئة من أعضاء الأجهزة القيادية للوكالة اليهودية تعينهم المنظمة الصهيونية (من الأحزاب السياسية الإسرائيلية طبقاً لنسبة تمثيلها في الكنيست ومن التجمعات الصهيونية في أنحاء العالم) أما الباقون، أي ٥٠ بالمئة، فإنهم يعينون من قبل منظمات الجباية العاملة بين الجماعات اليهودية في العالم. وبهذا فإن العناصر التي لا تنضوي تحت لواء الصهيونية (والحكومة الإسرائيلية) تتوفر لها فرص هيكلية تنظيمية ونفوذ سياسي متزايد.

هذه، باختصار شديد، بعض الحقائق اللازمة لفهم ما حدث في المؤتمر الصهيوني الأخير، والصراعات التي ثارت حوله. ولمعرفة منزلة الأيديولوجية الصهيونية والمنظمة الصهيونية في إسرائيل تجدر الإشارة إلى أنه منذ المؤتمر الصهيوني الثاني والثلاثين (١٩٩٢ (خيَّم على المؤتمرات الصهيونية إحساس عميق بأن "المولد الصهيوني" قد أوشك على الانفضاض، وأن المنظمة الصهيونية أصبحت "عظاماً جافة" و"هيكلاً بدون وظيفة "، وقد تساءل مراسل الإذاعة الإسرائيلية: "هل ما زالت هذه المؤسسة قائمة؟". وتكرر نفس الوضع في المؤتمر الثالث والثلاثين (١٩٩٧ (فقد وصل عيزرا وايزمان رئيس الدولة حينذاك وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء متأخرين عن موعدهما، ويقال إن أحد الوزراء فضَّل أن يمكث في منزله ليشاهد مباراة كرة قدم على أن يحضر جلسات المؤتمر الصهيوني. ولم تعر الصحف الإسرائيلية المؤتمر اهتماماً كبيراً، ونشرت أخباره في مقابل صفحة الوفيات.  

 ولم يختلف الأمر كثيراً هذه المرة. فقد تجاهلت الصحف اليومية المؤتمر تماماً ولم تكرس الطبعة العبرية لصحيفة "هآرتس" سوى ثلاثة أسطر له في الصفحة السادسة، ولم يحضر رئيس الوزراء ولا أي من الوزراء المؤتمر، ولم يحضره سوى رئيس الدولة كاتساف (ومنصب رئيس الدولة في إسرائيل منصب شرفي محض ليس له أي ثقل)، ومع هذا لم يمكث رئيس الدولة سوى بضع دقائق ثم انصرف لحال سبيله.  

 وقد بدأت أعمال المؤتمر بطريقة مسرحية مثيرة فنُفخ في "الشوفار "، وهو بوق مصنوع من قرن كبش ويبلغ طوله ما بين عشر واثني عشر بوصة، ويُنفخ في البوق في المناسبات الدينية العامة مثل عيد رأس السنة اليهودية ويوم الغفران. وعادة ما يُتلى مزمور ٤٧ الذي جاء فيه "يا جميع الأمم صفقوا بالأيادي لأن الرب عليّ، يدخل الخوف على القلوب، ملك كبير على الأرض، يخضع الشعوب تحتنا، والأمم تحت أقدامنا". وقد قامت الحركة الصهيونية بعلمنة هذا التقليد الديني، فيُنفخ في البوق حين يؤدي رئيس الدولة اليمين أو حين تحقق القوات الإسرائيلية نصراً عسكرياً مثل احتلال شبه جزيرة سيناء (عام ١٩٥٦) أو احتلال القدس (١٩٦٧ .(

وهذه هي إحدى سمات الصهيونية، أي استخدام الرموز الدينية (الشوفار) وإفراغها من مفهومها حتى تتحول إلى رموز صهيونية دينية المظهر علمانية (بل وثنية) المخبر. ولذا ليس من الصعب أن يتبع النفخ في الشوفار عزفٌ على القيثار ثم يتبع كل هذا بعض الرقصات والموسيقى الصاخبة والصواريخ، كما كانت هناك آلات تنفث الدخان (كما هو الحال في صالات الديسكو وفي بعض الأفراح الحديثة). والطريف أن هذه الآلات استُخدمت أثناء إلقاء كاتساف لخطابه وكأنه أحد كبار المغنيين أو النجوم السينمائيين، بل وكان هناك لاعبا أكروبات قدما ألعابهما بدون شبكة أمان. ثم عُرض فيلم على خمس شاشات، وكان الفيلم خليط من الرؤية الأسطورية الصهيونية القديمة ورؤى ما بعد الصهيونية التي تحاول أن تتجاوز الأساطير الصهيونية. فعلى سبيل المثال، تحاشى الفيلم استخدام عبارة "إرتس يسرائيل "، بتضميناتها التوسعية، حيث تضم كل الأراضي من النهر إلى البحر (نهر الأردن إلى البحر المتوسط) أو على جانبي النهر (أي نهر الأردن بما يعني شرق الأردن) بل وأحياناً (حينما تتفتح الشهية الصهيونية) من النهر إلى النهر (من النيل إلى الفرات، وهذه ليست فِرية عربية كما يدعي الصهاينة. وعلى من يريد أن يجد توثيقاً لهذه العبارة أن يعود إلى يوميات هرتزل وإلى كثير من تصريحات الصهاينة قبل عام ١٩٤٨ .(ويشير الفيلم إلى إسرائيل باعتبارها دولة يهودية وديموقراطية، أي أنها لا تستبعد الأقليات مثل العرب (مسلمين ومسيحيين). ولم تكن هناك إشارات ليهودا أو السامرة ولا المستوطنات. وبالمثل، لا يشير الفيلم إلى اليهود الأرثوذكس الذين تمت صهينتهم وأصبحوا العمود الفقري للاستيطان في الضفة الغربية.  

ولا غرابة في ذلك، فالخطاب الصهيوني مثل الحرباء يتلون حسب الظروففالصهيونية في بداية القرن العشرين، كانت تبحث عن شرعية استعمارية، ولذا طرحت نفسها على أنها حركة استيطانية استعمارية لا تختلف عن الاستيطان البريطاني في روديسيا أو كينيا أو الاستيطان الفرنسي في الجزائر. وإذا كان الإنسان الغربي قد أخذ يستعمر إفريقيا وآسيا ويسخر العالم ويستغله بسبب تفوقه العرقي (عبء الرجل الأبيض) على شعوب آسيا وأفريقيا، فقد قررت الصهيونية استعمار فلسطين بسبب تفوق العرق اليهودي على الفلسطينيين المتخلفين! ولكن في الستينيات، مع تزايد قوة حركة التحرر الوطني في العالم الثالث، تحولت الصهيونية بقدرة قادر من حركة استعمارية إلى حركة التحرر الوطني للشعب اليهودي. ولم يكلف الصهاينة أنفسهم أن يوضحوا للعالم ممن كان اليهود يتحررون؟ والآن في الألفية الثالثة مع تصاعد الخطاب البيئي وتزايد مركزية أحزاب الخضر، بدأت الحرباء الصهيونية تخضوضر هي الأخرى، فشعار "تخليص الأرض"، والذي كان يعني في الماضي الاستيلاء على الأرض الفلسطينية ومنع العرب من العمل فيها والاقتصار على العمل العبري وحسب، أصبح شعاراً بيئياً، والصندوق القوي اليهودي أصبح حركة بيئية خضراء. فهم يستولون على الأرض الآن من أجل التوازن البيئي، وليس بغرض استغلالها لحساب المستوطنين الصهاينة!. 

 وخلال المؤتمر هاجم بعض نشطاء حركة "ميرتس" (اليسارية) الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية، فرفعوا لافتةً تدعو إسرائيل للانسحاب من الضفة الغربية، ولكن رغم كل هذا أطلت العنصرية الصهيونية بوجهها القبيح، وظهرت الأساطير الصهيونية العنصرية بكل قوتها وعنفوانها. فهاجم بعض أعضاء حزب الليكود من منظمة "بيتار" نشطاء حركة "ميرتسوتبادلوا اللكمات. وإذا كان مصطلح "إرتس يسرائيل" (بما في ذلك الضفة الغربية وغزة) قد أُخفي بعناية في الأفلام الافتتاحية الدعائية، فقد ظهر بكل قبحه أثناء المناقشات، حيث لاحظ المؤتمرون أن الأغلبية اليهودية آخذة في الانكماش (والعرب بطبيعة الحال آخذون في التكاثر)  ولذا لابد من معالجة الأمر. وهذه قضية تعود إلى المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧ .(فأثناء المؤتمر سمع ماكس نورداو أن فلسطين يوجد فيها فلسطينيون (ويا له من اكتشاف مذهل) أي أن أرض الميعاد لم تكن جالسة تنتظر عودة اليهود إليها بعد فترة غياب استمرت قرابة تسعة عشر قرون، ولذا ذهب إلى صديقه تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية وقال له: "أنت لم تخبرني أن فلسطين مأهولة بالسكان؟"، فهدَّأ هرتزل من روعه وأخبره أن الأمر سيُعالج فيما بعد. "وفيما بعد" هذه مسألة مستمرة منذ ذلك الوقت.  

فما هي الحلول التي اقترحها المؤتمر الصهيوني الرابع والثلاثون؟ الحرب ضد حق العودة للفلسطينيين، والقيام بعمليات طرد واسعة للعمال الأجانب والعرب، أي الترانسفير، بدون استخدام المصطلح!  

 وهكذا فرغم أن الحرباء الصهيونية تتلون حسب الظروف، فإن وجهها العنصري الحقيقي القبيح، بكل وحشيته، يظهر بشكلٍ واضحٍ وصريح.  

  

المؤتمر الصهيوني وخداع النفس

  

المؤتمرات الصهيونية مثل الأسطوانة المشروخة تكرر نفس الكلمات والنغمات إلى أن يدفعها المستمع بيديه. ولننظر الآن لقرارات المؤتمر الصهيوني الرابع والثلاثين (يونيو /حزيران ٢٠٠٢ .(قرر المؤتمر ضرورة الحرب ضد معاداة السامية (أي معاداة اليهود واليهودية).  وهذا القرار لا يختلف عن مجموعة من القرارات صدر أولها في المؤتمر الصهيوني الثاني (١٨٩٨ (وصدرت بعد ذلك عدة مرات. ولكن الجديد هذه المرة هو أن المؤتمر قرر الحرب ضد كل من معادة السامية ومعاداة الصهيونية. ويبدو أن من صاغوا القرار نسوا الخط الصهيوني الذي يجعل من العداء للصهيونية ولإسرائيل ضرباً من ضروب معاداة الساميةومع هذا تم تدارك الأمر، فانتفاضة الأقصى (أو وحرب التحرير الفلسطينية) فضحت الكيان الصهيوني وجعلته يكشف عن وجهه الحقيقي الإرهابي أمام العالم بأسره. ولذا قرر المؤتمر تكوين لجنة من خبراء الإعلام والقانونيين والتربويين والشخصيات العامة تكون مهمتها محاربة العداء للسامية، أي أن العداء للصهيونية والدولة الصهيونية الإرهابية أصبح مرة أخرى تعبيراً عن كره عميق لليهود وليس ً تعبيرا عن كره عميق للظلم والإرهاب. وعلى أية حال، فقد أكد المؤتمرون تأييدهم لرئيس الوزراء شارون وللحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي وقوات الأمن، أي لكل مؤسسات الإرهاب الصهيوني. بل إن المؤتمر طالب الحكومة الإسرائيلية بضرورة دعم الاستيطان في النقب ووادي عربا والجليل وتشجيعه، كما دعا الحكومة إلى تذليل كل العقبات البيروقراطية التي تعوق الاستيطان في هذه المناطق.  

 المنظمة الصهيونية إذن تؤيد الإرهاب الصهيوني والتوسع الصهيوني وكل أفعال الدولة الصهيونية، ولهذا قرر المؤتمر ضرورة أن يُرفع علم إسرائيل في كل المؤسسات والمنظمات والمشروعات التي تدعمها المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية. ولا أعرف على وجه الدقة معنى هذا القرار – فالعلم الإسرائيلي يُرفع حتى في كثير من المعابد اليهودية في الولايات المتحدة، وكأن الدولة الصهيونية، بكل جرائمها اليومية، أصبحت جزءاً من العقيدة اليهودية. هل هناك بعض المؤسسات اليهودية في الولايات المتحدة التي تدعمها المنظمة الصهيونية لا ترفع علم إسرائيل؟ وهل المطلوب أن ترفع هذه المؤسسات العلم حتى يؤكد الصهاينة انتماء هذه المؤسسات للشعب اليهودي وليس للولايات المتحدة؟ هل هي محاولة صهيونية لتعميق الولاء المزدوج: أي أن يشعر اليهودي أنه لا ينتمي بشكل كامل لوطنه، فهو  – حسب الرؤية الصهيونية – يدين في المقام الأول بالولاء للوطن القومي اليهودي؟  

لو قبلنا بهذا التفسير فإن هذا يوضح مغزى قرار المؤتمر بأن يطالب الرئيس جورج بوش بالعفو عن جوناثان بولارد وإطلاق سراحه. وجوناثان بولارد هو المواطن اليهودي الأمريكي الذي كان يعمل في إحدى المؤسسات الأمنية الأمريكية وانطلاقاً من صهيونيته قام بالتجسس على الولايات المتحدة لحساب إسرائيل، وسرب لها كماً هائلاً من الوثائق والمعلومات السرية مما أضر بالأمن القومي الأمريكي. فبولارد بهذا المعنى هو الرمز المتعين للولاء المزدوج.  

 كما أصدر المؤتمر بعض القرارات الأخرى التي يمكن أن نصفها بأنها تقليدية، نظراً لأن معظم المؤتمرات السابقة قامت بإصدار قراراتٍ مماثلة. فقد أصدر المؤتمر قراراً بتأكيد مركزية القدس وأهمية دعم السياحة والتربية في اقتصاد عاصمة إسرائيل (أي القدس). كما أكد المؤتمر ضرورة تنمية التعليم اليهودي الصهيوني وزيادة ميزانية الحركات الشبابية. وقد لوحظ أن ٢٥ بالمئة من المندوبين في هذا المؤتمر كانوا تحت سن الثلاثين. وقد رحب المؤتمر بمشاركة الشباب ودعا الوكالة اليهودية أن تعيد لحركات الشباب المسئوليات التي كانت تضطلع بها في الماضي وأن تدعم حركات الريادة الشبابية. وقرر المؤتمر أنه يتعين على جميع مؤسسات المنظمة أن تضم ٢٥ بالمئة من القيادات الشبابية.  

 وتبين الخبرة الطويلة مع الخطاب الصهيوني أن التصريحات والمخططات الصهيونية قد تكون تعبيراً عن أمنيات لا أساس لها في الواقع. وأنه لابد من دراستها واختبارها على محك الواقع. لو فعلنا ذلك لاكتشفنا أن الشباب من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة لم يتصرف عن الصهيونية وحسب، بل وعن اليهودية ذاتها، وهو في هذا لا يختلف عن الشباب الأمريكي من أعضاء الأغلبية في انصرافه عن العقيدة المسيحية وعن أي انتماء ديني أو قومي. فمعدلات العلمنة آخذة في التصاعد والتوجه نحو اللذة "أصبح السمة الغالبة على الشباب اليهودي (وغير اليهودي) والزواج المختلط (أي مع غير اليهود) وصل إلى معدلات عالية للغاية (٨٠ بالمئة في بعض الولايات). كما أن هناك نسبة عالية من الشذاذ جنسياً بين أعضاء الجماعات اليهودية. وقد قرأت أكثر من دراسة عن عدم اشتراك الشباب اليهودي في الولايات المتحدة في انتخابات المنظمة الصهيونية ورفضهم دفع تبرعات للمنظمات والمؤسسات الصهيونية. ولذا فإنني أميل للقول أن القيادات الشبابية التي تشكل ٢٥ بالمئة من كل القيادات، الصهيونية هم في الغالب شباب يهودي حضر المؤتمر "للفرجةوللسياحة.  

 ووسط كل هذا التأييد المحموم للدولة الصهيونية هنأ المؤتمر الوكالة اليهودية والمجلس الصهيوني لتعاونهما مع الجماعة الدرزية ودعا لتعميق العلاقة بينهما وبين هذه الجماعة باعتبارها شريكاً يمكن الاعتماد عليه في المشروع الصهيوني. ومرة أخرى يجب ألا نأخذ التصريحات الصهيونية على عواهنها. إذ إن السؤال يطرح نفسه: المشروع الصهيوني مشروع لتأسيس دولة يهودية خالصة، تضم أعضاء ما يُسمى "الشعب اليهودي "، وأعضاء الشعب اليهودي وحده، ولذا فقانون العودة الصهيوني ينطبق على اليهود أينما كانوا، ويستبعد من سواهم، بما في ذلك الدروز! وهذا ما عرفه عملاء إسرائيل من أعضاء جيش لحود في جنوب لبنان. فحينما فر الجيش الإسرائيلي حاول العملاء الفرار معه، فمنعتهم القوات الإسرائيلية من دخول أرض الميعاد! ومن نجح منهم في دخول إسرائيل عُزل في مخيمات خاصة وتم التخلص منه في أول فرصة ممكنة! وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن نصدق دعوة المؤتمر المواطنين العرب في إسرائيل إلى الاندماج في المجتمع الإسرائيلي كمواطنين لهم كافة الحقوق في الدولة؟  

ومن المفارقات المضحكة أن يطالب المؤتمر بعدم التمييز ضد القطاع العربي، ثم يطالب في الوقت نفسه بالتصدي بعنف للمطلب العربي بحق العودة. ويذكرني هذا التناقض العميق بتعليق عالم الاجتماع النمساوي اليهودي جومبلوفينش في خطاب أرسله إلى هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، الذي كان يدعي أنه يمكن تأسيس الدولة اليهودية على الأرض الفلسطينية دون إلحاق أي أذى أو ضرر بالفلسطينيين. قال جومبلوفيتش: "هل تريد تأسيس دولة دون إرهاب أو ورعب؟" وقد علق أحد دارسي الحركة الصهيونية على مزاعم هرتزل الليبرالية بقوله: إن الزعيم الصهيوني كان يود أن يعد طبقاً من "الأومليت" دون أن يكسر البيض؟ وما يحدث الآن في الأرض الفلسطينية يدل على أن مزاعم هرتزل كانت إما من قبيل خداع النفس، أو خداع العالم، أو لعلها خليط من الاثنين.  

  • الخميس PM 04:10
    2022-08-18
  • 609
Powered by: GateGold