المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 405242
يتصفح الموقع حاليا : 215

البحث

البحث

عرض المادة

الجمود الإدراكي

ورث الصهاينة الرؤى الأسطورية والتوراتية المعادية للتاريخ، ولهذا تتسم الرؤية الصهيونية للتاريخ بكثير من جمود ولا تاريخية وحلولية الرؤية اليهودية القديمة. وتزخر الكتابات الصهيونية بعبارات تلمودية تؤكد انعزالية اليهود وتميزهم الحضاري ونقاءهم العرقي. ويتضح أثر الرؤية التلمودية على طريقة إدراك الصهاينة للواقع التاريخي في فلسطين في أواخر القرن الماضي، فهم حينما نظروا إلى فلسطين لم يروا أرضاً فيها شعب أو واقعاً إنسانياً تاريخياً وإنما رأوا مفهوماً تلمودياً يُدعى "إرتس يسرائيل". ولذلك، بدلاً من التعامل مع الواقع ،الحي بذكاء نجدهم يلفقون شعارات مثل "ارض بلا شعب لشعب بلا أرض" وهي شعارات جامدة تقترب في اتساقها الهندسي مع نفسها من الحسابات القبالية الرائعة.  

وقد سيطرت الرؤية المعادية للتاريخ على القيادة الصهيونية في إسرائيل بل وعلى المجتمع الإسرائيلي ككل . وليس من قبيل الصدفة أن الزعيم الصهيوني بن جوريون هو أيضاً عالم توراتي يعرف التلمود تمام المعرفة. والإسرائيليون لا يزالون ينظرون إلى أنفسهم على أنهم جزء من "التاريخ اليهودي" المقدس ويرون أن انتماءهم القومي هو يهودي وحسب، وأن ثمة رابطاً تاريخياً يربط بين كل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم (وحتى الآن ترفض المحاكم تسجيل المواطنين على أنهم إسرائيليو القومية، إذ أن كلمة "إسرائيل" تصف الجنسية وحسب أما القومية فهي "يهودي"

ولعل هذا الإحساس بالانتماء الزائف لقومية وهمية ولبناء تاريخي وهمي هو الذي يفسر فشل الرأي العام الإسرائيلي حتى الآن في إدراك الوجود القومي لفلسطينيين (لأن مثل هذا الإدراك ينسف الادعاءات الصهيونية/الإسرائيلية من جذورها)، ويفسر تصورهم أن مقاومة الاحتلال الصهيوني ضرب من ضروب الإرهاب.  

ونظراً لأنه يدور في مطلقات لا سند لها في الواقع، يظهر هذا الإحساس المعادي للتاريخ على هيئة جمود إدراكي حاد. ولا شك أن هرتزل حينما حضر إلى مصر أدرك أن المنطقة مليئة بالإمكانيات البشرية وأن التاريخ سيكنس المستعمرين حتماً، ولكنه كان في اليوم التالي لتدوينه ملاحظته الذكية يفاوض المندوب السامي البريطاني في إمكانية إنشاء دولة استيطانية لحماية المصالح البريطانية التي سينسفها جدل التاريخ! والأمر لا يختلف كثيراً بالنسبة لمعظم الزعماء الصهاينة الذين كانوا يتعامون دائماً عن الوجود العربي (إلا قلة قليلة مثل بوبر أوماجنيس).  

وقد لعب هذا الجمود الإدراكي ذاته دوراً خطيراً في حرب أكتوبر/تشرين الأول ١٩٧٣ ،فلقد كان عند الإسرائيليين من الدلالات ما يؤكد أن العرب يستعدون للحرب وأن المصريين سيعبرون القناة إلى سيناء. ولكن الدلالات ظلت معلومات مبعثرة لا ينظمها أي إطار ولا يحددها اتجاه واضح، لأن الإطار والاتجاه لا يمكن أن يدركهما إلا قارئ للتاريخ ومؤمن به، والإسرائيليون لا يمكنهم أن يقرأوا التاريخ بذكاء ولا أن يؤمنوا بحركته لأنهم لو فعلوا لآمنوا بحتمية يقظة العرب (وهذه مقولة قد اقتطعوها من الاعتبار تمامًا )، وهي يقظة ستؤدي إلى سقوط واختفاء الكيان الصهيوني الشاذ المزروع ميكانيكياً في تاريخ المنطقة.  

ويظهر الرفض الصهيوني والإسرائيلي للتاريخ بشكل واضح في تصريحات الزعماء الصهاينة والقادة الإسرائيليين . فهم حينما يستخدمون كلمة "تاريخ"، فإنهم كأساس لا يشيرون إلى التاريخ الحي المتعين وإنما إلى العهد القديم أو إلى تراثهم الديني، المكتوب منه أو الشفوي. ولذا، تصبح الحدود التاريخية هي "الحدود المقدسة المنصوص عليها في العهد القديم (من نهر مصر إلى الفرات)"، وهي حدود لم يشغلها اليهود في أي لحظة من تاريخهم، ولا حتى أيام داود أو سليمان، ولم يرها أي زعيم صهيوني حتى الآن. و"الحقوق التاريخية" هي أيضاً الحقوق المقدسة التي وردت في العهد القديم والتي تؤكد أنهم شعب مقدس مختار له حقوق تستمد شرعيتها من العهد الإلهي الذي قطعه الإله على نفسه لإبراهيم.  

وإذا كانت الرؤية اليهودية القديمة تستند إلى اقتصاديات الجيتو الهامشية، فإن الرؤية الإسرائيلية الحديثة المعادية للتاريخ تستند إلى اقتصاديات إسرائيل الهامشية الطفيلية، فهي دولة طفيلية ممولة من الخارج من قبل يهود الدياسبورا والإمبريالية العالمية. والدارس للحياة في إسرائيل يجد أن الوكالة اليهودية تمول كل شيء ابتداءً من البرامج الإذاعية واستيعاب المهجرين وانتهاءً بالمخابرات الإسرائيلية. ومثل هذا التمويل يساهم بلا شك في عزل الإسرائيليين عن واقعهم الاقتصادي والتاريخي ويجعلهم قانعين بالتهويم في أجواء المطلقات اللاتاريخية.  

  

إجماع المستوطنين

  

تساقطت وتفككت كثير من بنود الإجماع الصهيوني، حتى أن دارسي الكيان الصهيوني يذهبون إلى أن الصهيونية لم تعُد هي الأيديولوجية التي تهدي المستوطنين في سلوكهم ولم تعُد هي الإطار الذي يدركون العالم من خلاله. وهذا القول - في تصوري - صحيح إلى حدٍّ كبير. ولعل أكبر دليل على هذا هو الفتور وعدم الاكتراث تجاه المؤتمرات الصهيونية. انظر على سبيل المثال إلى ما حدث في المؤتمر الصهيوني الثالث والثلاثين الذي عُقد في القدس في ديسمبر/كانون الأول ١٩٩٧ :وصل عيزرا وايزمان، رئيس الدولة، وبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء، متأخرين عن موعدهما. ولذا، فإن الصحف الإسرائيلية لم تُعر المؤتمر اهتماماً كبيراً، ونشرت أخباره مقابل صفحة الوفيات. وفي المؤتمر الثاني والثلاثين الذي عُقد في القدس في يوليو/تموز ١٩٩٢ أحس الجميع بأن "المولد الصهيوني" قد أوشـك على الانفضـاض، وأن المنظمــة الصهيونية أصبحت "عظاماً جافة" و"هيكلاً بدون وظيفة(ميزانية المنظمة ٤٩ مليون دولار مقابل ميزانية الوكالة اليهودية التي بلغت ٤٥٠ مليون دولار). وقد تساءل مراسل الإذاعة الإسرائيلية "هل لا تزال هذه المؤسسة قائمة؟" وقد استُنفد معظم الوقت في تدبير التعيينات في المناصب والصراع على الوظائف رغم أنه كان قد وُوفق على معظمها قبل المؤتمر.  

وقد أُثيرت في الآونة الأخيرة شكوك قوية - من جانب كثير من القيادات والتيارات الصهيونية - حول جدوى المؤتمرات الصهيونية ومدى فاعليتها. إذ يرى الكثيرون أن المؤتمرات تحوَّلت إلى منتديات كلامية وأصبحت عاجزة عن مواجهة المظاهر المتفاقمة للأزمة الشاملة للحركة الصهيونية ودولتها، والتي تتمثل في مشاكل النزوح والتساقط واندماج اليهود في مجتمعاتهم والزواج المُختلَط والتمايز بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين، بالإضافة إلى انفضاض يهود العالم عن حركة الصهيونية مما يكرس عزلتها. ومن أبرز الدلائل على تلك الأزمة أن المؤتمرات الصهيونية المتتالية لم تفلح حتى الآن في الاتفاق على حلٍّ لمشكلة من هو اليهودي ومن هو الصهيوني رغم أنها تأتي دائماً في مقدمة الموضوعات المطروحة على جدول الأعمال في المؤتمرات المختلفة. ورغم أن البعض يحاول أن يُرجع هذا العجز إلى أسباب فنية وتنظيمية، إلا أنه بات واضحاً أن مظاهر الأزمة ذات طبيعة تاريخية وحتمية تتجاوز الحدود التنظيمية لتصل إلى جذور المشروع الصهيوني نفسه وإلى طابع نشأته وتطوره. ولهذا، فليس من قبيل المبالغة أن يُضاف عجز المنظمة الصهيونية العالمية بهيئاتها المختلفة، ومنها المؤتمر، إلى مجمل المظاهر العامة لأزمة الحركة الصهيونية.  

ولعل ظهور ما بعد الصهيونية هو تعبير عن مدى عمق أزمة الأيديولوجية الصهيونية  (كلمة «بعد» في الخطاب الفلسفي الغربي تعني أن النموذج المهيمن قد ضمر وذوى، ولم يولد نموذج جديد يحل محله، أي أن ثمة أزمة على مستوى النموذج لم يظهر لها حل بعد، ولعل الكلمة تعني أيضاً «نهاية». ومن أهم مصطلحات المابعد مصطلح «ما بعد الحداثة» الذي صيغ مصطلح «ما بعد الصهيونية» قياساً عليه.

ويصاحب ظاهرة ما بعد الصهيونية ظاهرة المؤرخين الجدد الذين جعلوا همهم تقويض الأساطير الصهيونية. ويمكن أن نضم لهؤلاء المؤرخ زئيف هرتزوج الذي بيَّن أن كثيراً من الأساطير التوارتية التي يستند إليها الصهاينة ليس لها سند تاريخي. وقد طُرح عليه السؤال التالي: "إذا كان الأمر كذلك، فماذا تفعلون هنا في شرقنا العربي؟" فأجاب: "نحن هنا لأننا هنا". وهي عبارة بسيطة لكنها تخبئ الوضع الصهيوني الحالي وهو أن الديباجات اليهودية هي مجرد ديباجات وأن الجيب الاستيطاني الصهيوني قائم في إطار الاستعمار الدارويني الذي يغيِّر الواقع عن طريق العنف وقوة السلاح والدعم الغربي. وأن المستوطنين الصهاينة لا يختلفون عن أي مستوطنين آخرين، سلبوا الأرض وحاولوا سحق السكان. وأن كل حديثهم عن السلام هو حديث عن سلام في ضوء إجماع المستوطنين على البقاء بحد السلاح.  

ولننظر الآن لمعزوفة السلام الإسرائيلية. تبدأ هذه المعزوفة بالمناداة بالبُعد عن عُقَد التاريخ وأن تتناسى كل دول المنطقة خلافاتها لمواجهة الخطر الأكبر (الاتحاد السوفيتي – الإسلام ... إلخ). وأن نقطة البداية لابد أن تكون الأمر الواقع. وهذا المفهوم يفترض أن إسرائيل ليست التهديد الأكبر. مع أن الأمر الواقع الذي يُطلَب منا أن نبدأ منه يقول عكس ذلك. فهو أمر واقع مؤسَّس على العنف ويؤدي إلى الظلم والقمع، وهو ليس ابن اللحظة وإنما هو نتيجة ظلم تاريخي ممتد من الماضي إلى الحاضر. وهذا الظلم والقمع هو مصدر الصراع والحروب والاشتباك. فالمسألة ليست عُقَداً آنية أو تاريخية، وإنما بنية الظلم التي تشكلت في الواقع ولا يمكن تأسيس سلام حقيقي إلا إذا تم فكُّها.  

وبعد تناسي عقد التاريخ، يطالب الصهاينة بوقف المقاومة واستسلام الفدائيين مقابل تسليم بعض مدن وقرى لا "تنسحب" منها القوات الإسرائيلية الغازية وإنما "يُعاد نشرها "، وهذا ما يسمونه «الأرض في مقابل السلام». والقوات الإسرائيلية لا تنسحب، لأن أرض فلسطين هي أرض الشعب اليهودي، والقوات الوطنية لا تنسحب من أرض الوطن وإنما يعاد نشرها وحسب. ولذا، رغم اتخاذ هذه الخطوة الرمزية الإعلامية، فإن الاستيطان سيستمر على قدم وساق والقدس ستظل عاصمة إسرائيل الأبدية.  

إن كل هذه التصورات للسلام تنبع من إدراك أن أرض فلسطين هي إرتس يسرائيل، وأن الإسرائيليين لهم حقوق مطلقة فيها. أما الحقوق الفلسطينية فهي مسألة ثانوية، فالأرض في الأصل أرض بلا شعب. وتتبدَّى هذه الخاصية بشكل واضح ومتبلور في المفهوم الإسرائيلي للحكم الذاتي.  

ولا يختلف تصوُّر إسرائيل لمستقبل المنطقة كثيراً عن ذلك، فالمركز هو إسرائيل وهي التي تمسك بكل الخيوط، أما بقية "المنطقة" فهي مساحات وأسواق. وإسقاط عُقَد التاريخ هنا يعني إسقاط الهوية التاريخية والثقافية بحيث يتحول العرب إلى كائنات اقتصادية تحركها الدوافع الاقتصادية التي ليس لها هوية أو خصوصية. هنا تظهر سنغافورة كصورة أساسية للمنطقة وكمثل أعلى: بلد ليس له هوية واضحة ولا تاريخ واضـح، نشــاطه الأسـاسي هو نشاط اقتصادي محض. وحينما يتحول العالم العربي إلى سنغافورات مفتتة متصارعة فإن الإستراتيجية الاستعمارية والصهيونية للسلام تكون قد تحققت دون مواجهة ومن خلال "التفاوض" المستمر.  

  • الخميس PM 04:09
    2022-08-18
  • 610
Powered by: GateGold