المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 413069
يتصفح الموقع حاليا : 177

البحث

البحث

عرض المادة

اﻹسلام: دنيا ودين

بقلم: فاتن صبري
Www.fatensabri.com 
من كتاب: دين عالمي

سألني سائل من المكسيك عن أهمية غطاء رأس المرأة المسلمة.

قلت له: غطاء الرأس يشبه ما ترتديه راهبات كنائسكم.

قال: لا، الوضع مختلف. الراهبات متدينات لا يتزوجن.

قلت له: عجيب. ألا تستطيع  المرأة أن تكون متدينة ومتزوجة في نفس الوقت؟ هذه اﻷفكار هي ما نفرت الناس من الدين.

إن من أحد الأسباب التي تدعو الناس للنفور مِن الدين واللجوء الى الأخذ بالعِلم وحده، هو وجود تناقضات في بعض المفاهيم الدينية عند بعض الشعوب، لذلك فإنه من أهم السمات والأسباب الرئيسة التي تدعو الناس إلى الإقبال على الدين الصحيح، هو وسطيته وتوازنه. وهذا ما نجده بوضوح في الدين الإسلامي.

إن مشكلة الديانات الأخرى، والتي نشأت من تحريف الدين الصحيح الواحد:

إما أن تكون روحية صِرفه، وتشجع أتباعها على الرهبانية والانعزال. كما هو الحال في تعليمات جوتاما بوذا وعلماء النصرانية والهندوسية اليوم.

وإما أن تكون مادية بحتة.

 وهذا ما تسبب في صرف كثير من الناس عن الدين عمومًا في كثير من الشعوب وأصحاب المِلل السابقة.

إن التطرف، التشدد والتعصب، ما هي إلا صفات قد نهى عنها الدين الصحيح أساسًا. وقد دعا القرآن الكريم في آيات كثيرة للأخذ باللطف والرحمة في التعامل، والأخذ بمبدأ العفو والتسامح.

قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( آل عمران: 159).

وقال عز وجل:

ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل: 125).

الأصل في الدين هو الحلال، باستثناء بعض المُحرمات المَعدودات التي ذُكرت بوضوح في القرآن الكريم والتي لا يختلف عليها أحد.

يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)  (الأعراف).

إن ما يدعو إلى التطرف والتشدد أو التحريم بغير دليل شرعي، نَسبهُ الدين الى أفعال شيطانية، والدين منها برئ.

قال تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البقرة: 169).

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا  (النساء: 119).

إن الدين في الأصل يأتي ليُخفف عن الناس كثيرًا من القيود التي يفرضونها على أنفسهم. ففي الجاهلية وقبل الإسلام على سبيل المثال، كانت قد انتشرت ممارسات بغيضة كوأد البنات وتحليل أنواع من الطعام للذكور وتحريمها على الإناث، وحرمان الإناث من الميراث، إضافة إلى أكل المَيتة والزنا وشرب الخمور وأكل مال اليتيم والرِّبا وغيرها من الفواحش.

كما نجد عند بعض الشعوب الأخرى كثيرًا من التشريعات والأحكام والممارسات الخاطئة، والتي نُسبت إلى الدين، كذريعة لإجبار الناس عليها، والتي انحرفت بهم عن طريق الصواب، وعن مفهوم الدين الفِطري، وبالتالي فَقَدَ كثيرٌ من الناس القدرة على التفريق بين المفهوم الحقيقي للدين والذي يُلبي الحاجات الفطرية للإنسان والتي لا يختلف عليها أحد، وبين القوانين الوضعية والتقاليد والعادات والممارسات الموروثة من قِبل الشعوب، مما أدى لاحقًا إلى المطالبة باستبدال الدين بالعِلم الحديث بزعمهم.

إن الدين الصحيح هو الذي يأتي للتخفيف عن الناس ورفع المعاناة عنهم، وليَضَع الأحكام والتشريعات التي تهدف بالدرجة الأولى التيسير على الناس.

   ...يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ..... (البقرة: 185).

 يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا  (النساء :28).

...وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا  (النساء:29).

...وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  (البقرة: 195).

 ....وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ... ( الأعراف: 157).

وقوله عليه الصلاة والسلام:

 يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلاَ تُنَفِّرُوا (رواه أبو داوود).

وأذكر هنا قصة الثلاثة رجال الذين كانوا يتحادثون فيما بينهم. حيث قال أحدهم: أمّا أنا فإنّي أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال:

أنتم الّذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوّج النّساء، فمن رغِبَ عن سنّتي فليس منّي (صحيح البخاري).

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  (الأنبياء: 107 ).

وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لعبد الله بن عمرو وقد بلغه أنه يقوم الليل كله، ويصوم الدهر كله، ويختم القرآن في كل ليلة فقال:

فلا تَفْعَلْ، قُمْ ونَمْ، وصُمْ وأَفْطِرْ، فإنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا (صحيح البخاري).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  اﻹسلام: حضارة خالدة

قامت حضارة العالم على علوم المسلمين وحضارتهم، فقد نقل الأوروبيون وغيرهم  في بداية عصر النهضة كل ما وقع تحت أيديهم من العلوم والمعارف الإسلامية إلى لغاتهم وكانت هناك مراكز إشعاع حضاري مثل الأندلس وصقلية كان الأوروبيون يأتون اليها لتلقي العلم على أيدي العلماء العرب والمسلمين.

يقول ريتشارد كوك المحامي والسياسي الأمريكي وحاكم ولاية تكساس سابقًا[1]:

"إن أوروبا لتدين بالكثير لأسبانيا العربية، فقد كانت قرطبة سراجًا وهاجًا للعلم والمدنية في فترة كانت أوروبا لاتزال ترزح تحت وطأة القذارة والبدائية، وقد هيأ الحكم الإسلامي في أسبانيا مكانة جعلها الدولة الوحيدة التي أفلتت من عصور الظلام".

الأديب الفرنسي جوستاف لوبون فى كتاب "حضارة العرب" يتكلم عن عالمية الحضارة الاسلامية فيقول[2]:

" لم يقتصر فضل العرب والمسلمين في ميدان الحضارة على أنفسهم فقد كان لهم الأثر البالغ في الشرق والغرب فهما مدينان لهم في تمدنهم، وإن هذا التأثير خاص بهم وحدهم فهم الذين هذبوا بتأثيرهم الخلقي البرابرة".

إن مخترع أول محرك بخاري ومكتشف القوة البخارية كقوة متحركة هو تقي الدين الشامي الشهير بالراصد.

قفد وضع أول نموذج للمحرك البخاري عام 1552 ثم بعدها بسنوات صنع أول عنفوانة بخارية قبل الايطالي برانكا ب80 سنة والمحرك البخاري قبل الاروبيين 140سنة.

وحتي نموذج جيمس واط لأول محرك بخارية تجد عناصره ومكوناته عند الجزري وتقي الراصد و المرادي الأندلسي.

عندما كان العرب المسلمون في أوج الحضارة، كان الغرب لا زال يبحث النتيجة النهائية التي خرج بها المؤتمر الشهير:

هل المرأة انسان أم حيوان؟

ومنهم من قال: إنما هي شيطان.

فقد انعقد ﺑﻔﺮﻧﺴﺎ ﻋﺎﻡ 673 ﻣﺆﺗﻤﺮ أوروﺑﻲ ﺣﻮل ﺗﺤﺪﻳﺪ الطبيعة اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ للمرأة، ﻫﻞ ﻫﻲ إنسان أم حيوان، فإذا ﻛﺎﻧﺖ إﻧﺴان ﻓﻬﻞ ﺗﺴﺘﻔﻴﺪ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ الحقوق أم ﻻ. وإذا ﻛﺎﻧﺖ حيوان ﻓﻼ ﺗﺴﺘﻔﻴﺪ ﻣﻦ الحقوق، وﺑﻌﺪ ﻧﻘﺎﺷات ﺣﺜﻴﺜﺔ ﺗﻮﺻﻠوا ﺑﺎلإﺟﻤاع أﻥ اﻟﻤﺮأة إﻧﺴان، ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﻻ ﺗﺴﺘﻔﻴﺪ ﻣﻦ اﻟﺤﻘﻮق!

إن الحضارة الإسلامية بانشغالها أيضًا بجمع ما صح من أقوال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وانشغالها بحفظ القرآن الكريم قد أحسنت التعامل مع خالقها، لأنها تكون بذلك قد حافظت على دين يضع العلاقة بين الخالق ومخلوقاته في المكان الصحيح، في الوقت الذي أساءت فيه الحضارات البشرية الأخرى التعامل مع الله، فقد كفرت به، وأشركت معه مَخلوقاته في الإيمان والعبادة، وأنزلته منازل لا تتلاءم مع جلاله وقدره.

والمسلم الحق لا يخلط بين الحضارة والمدنية، فينهج منهج الوسطية في تحديد كيفية التعامل مع الأفكار والعلوم، والتمييز بين:

العنصر الحضاري: المتمثل بالشواهد العقائدية، العقلية، الفكرية، والقِيم السلوكية والأخلاقية.

العنصر المدني: المتمثل في الإنجازات العلمية، والاكتشافات المادية، والمُخترعات الصناعية.

المسلم يأخذ من هذه العلوم والاختراعات في إطار مفاهيمه الإيمانية والسلوكية.

على سبيل المثال:

الحضارة اليونانية آمنت بالله، ولكنها أنكرت صفة الوحدانية والوجود له، وتصفه بأنه لا يعمل ولا يريد.

الحضارة الفارسية قبل الإسلام، كفرت بالله وعبدت الشمس من دونه وسجدت للنار وقدَّستها.

الحضارة الهندوسية، تركت عبادة الخالق وتعبد الإله المخلوق، والمُتجسد بالثالوث المقدس، والمتكون من ثلاث صور إلهية: الإله ” براهما” في صورة الخالق، والإله “فشنو” في صورة الحافظ، والإله "سيفا" في صورة الهادم.

  • الحضارة البوذية تنكرت للإله الخالق، وجعلت من بوذا المخلوق إلهًا لها.
  • حضارة الصابئين، كانوا من أهل الكتاب وتنكروا لربهم، وعبدوا الكواكب والنجوم.
  • الحضارة الفرعونية مع بلوغها درجة كبيرة من التوحيد والتنزيه للإله في عهد أخناتون، إلا أنها لم تتخل عن صور التجسيم والتشبيه للإله ببعض مخلوقاته كالشمس وغيرها، فكانت رمزًا للإله. وقد بلغ الكُفر بالله ذروته عندما ادعى فرعون في زمن موسى الألوهية من دون الله، وجعل من نفسه المُشرع الأول.
  • حضارة العرب التي تركت عبادة الخالق وعبدت الأصنام.
  • الحضارة النصرانية كما ذكرنا كفرت بوحدانية الله، وأشركت به المسيح عيسى وأمه مريم، وتبنت عقيدة التثليث وهي الإيمان بإله واحد متجسد في ثلاثة أقانيم (الآب، الابن، الروح القدس)
  • الحضارة الرومانية التي تنكرت للخالق بدايةً، وأشركت به عند اعتناقها النصرانية، حيث دخلت عقائدها مَظاهر الوثنية، من عبادة الأوثان ومظاهر القوة.
  • الحضارة اليهودية التي تنكرت لخالقها، واختارت إلهًا خاصًا بها، وعبدت العجل، ووصفوا الإله في كتبهم بصفات بشرية غير لائقة به.

فعندما اضمحلت الحضارات السابقة، وتحولت الحضارة اليهودية والنصرانية إلى حضارتين لا دينيتين، وهما الرأسمالية والشيوعية، فإنه وفقًا لأساليب تعامل هاتين الحضارتين مع الخالق والحياة عقائديًا وفكريًا.

 فإنهما متخلفتين وغير متقدمتين، ويتسمان بالوحشية وغير الأخلاقية، وخسروا القيم والأخلاق والغاية من وجودهم، مع وصولهم الذروة في التقدم المدني، والعلمي والصناعي، لكن ليس بهذا يقاس تقدم الحضارات.

إن معيار التقدم الحضاري السليم، يستند إلى شواهده العقلية، والفكرة الصحيحة عن الخالق والإنسان والكون والحياة، والتحضر الصحيح الراقي، هو الذي يُوصِل إلى المفاهيم الصحيحة عن الخالق وعلاقته بمخلوقاته، ويضع هذه العلاقة في مكانها الصحيح[3].

وهي تواصل مخلوقات الله معه مباشرة وعبادته وحده، وهذا الدين الإسلامي العظيم الذي أسس لهذه العلاقة بين العبد وربه.

الحق الذي أقره الخالق بالإيمان به على أنه الإله الواحد الأحد الذي ليس له شريك في الملك وليس له ولد، ولا يتجسد في صورة إنسان، حجر أو حيوان.

وعلى الإنسان التواصل مع هذا الخالق مباشرة وليس عن طريق قسيس ولا قديس.

وبالتالي نصل إلى أن الحضارة الإسلامية هي الوحيدة المتقدمة بين هذه الحضارات، لأنها ببساطة حققت التوازن المطلوب.

 

 

الإسلام: بيئة حاضنة للعلم

 

لقد كانت اكتشافات العلماء المسلمين هي المعتمدة خلال العصور الوسطى. وقد كان العلماء المسلمون يتعبَّدون إلى الله بعلمهم، ويتقربون به إليه، دون أن يظهر أي تعارض بين العلم المادي والدين، بل كثيرًا ما كان مِن العلماء المسلمين فقهاء في علوم الدِين، ورجال علم في نفس الوقت. قلا تعارض بين اكتشاف قوانين الكون وبين عبادة الخالق واضع قوانين الكون.

يشهد على هذا الكلام تلك الدواليب المائية التي كانت تستخدم لتدوير المطاحن ومعاصر القصب وعصر الحبوب والبذور، وفي رفع المياه للسقي.

وقد استخدم المسلمون طاقة الماء والهواء على نطاق واسع، وكانت العلاقة وثيقة بين العلوم النظرية وتطبيقاتها التقنية في مجالات الحياة العملية التي شملت تصميم المدن ومنشآت الري والسدود والأبنية والآلات وغيرها.

وقد كان المهندسون والتقنيون في عصر الحضارة الإسلامية يتبعون المنهج العلمي في أعمالهم ويبدؤون برسم المخططات في الحالات الصعبة ثم يصنعون نموذجًا مصغرًا لما ينوون تنفيذه.

وإلى هذا يشير "ج . كراوثر" في كتابه قائلاً[4]:

"كان من الطبيعي بعد أن اطمأنوا إلى قوتهم العسكرية ومعتقداتهم الإيمانية -يعني المسلمون -أن يتجهوا لتشييد المدن الرائعة ودراسة ثقافة الحضارات التي دانت لهم وكان العرب المسلمون أمة جديدة بلا تراث علمي سابق، فقرأوا التراث الفكري للقدماء بعقول متفتحة بلا خلفيات تعوقهم . ولذلك وقفت الثقافات اللاتينية والإغريقية والهندية والصينية جميعًا بالنسبة لهم على قدم المساواة. وكان من نتائج هذه العقلية المتعطشة للمعرفة عند المسلمين أنهم أصبحوا بالفعل المؤسسين الحقيقيين لمفهوم العالمية في المعرفة أو وحدة المعرفة الإنسانية. وهي إحدى السمات بالغة الأهمية بالنسبة للعلم الحديث".

لكن حدث تزوير وتزييف للحقائق وخرق مبدأ الأمانة العلمية في النقل، فنسبت الإكتشافات والاختراعات إلى غير أهلها، هذا ولا ننسى الكتب التي سرقت أو أتلفت أو أحرقت أثناء سقوط الدول الإسلامية نموذج ما فعله التتار في بغداد وما فعله الصليبيين في الأندلس وغيرها.

قال لي عربي نصراني يومًا:

انظري إلى تخلف المسلمين وانتشار الإلحاد في بلاد المسلمين.

قلت له:

أنت تتكلم عن أفراد، الإسلام أسرع الديانات انتشارًا بإحصائيات عالمية وباعترافات دولية.

ومع ذلك فإن ابتعاد بعض المسلمين عن دينهم الصحيح وعجزهم عن نشر مبادئ الإسلام بصورة صحيحة ساهم في العقود الأخيرة بازدياد نسبة الملحدين والمشككين والحائرين في العالم.

ولقد تقدم الناس في الغرب بالعلوم والمعارف عندما تركوا المعتقدات الخاطئة والتي كانت تقوم على أساس الدين المشوه لديهم، وأخذوا بأسلوب العلم والمنطق، لكن مع توجههم للعلم بطريقة سليمة كانوا قد خسروا القيم والأخلاق والغاية من وجودهم بتغاضيهم عن اعتناق الدين الصحيح.

قال: وكيف تتطور دول ملحدة وتتخلف دول مؤمنة بالله؟

قلت له: وهل يُعطي مدير المدرسة لابنه الفاشل شهادة النجاح، لمجرد أنه ابنه فقط؟

هناك قوانين وأنظمة يجب أن تُتبع في هذه المدرسة، ويُحدَّد بناءً عليها الناجح والراسب. لكن هذا لا يغير واقع أن مدير المدرسة يحب ابنه أكثر من الجميع وهو حامل اسمه ووريثه الوحيد.

قلت له أيضًا:

فالكون كالمدرسة له قوانينه وسُننه، ولقد حقق غير المؤمنين التقدم المادي والتطور التكنولوجي بسبب أخذهم بالقوانين الكونية والسنن الإلهية، ومن ثم استطاعوا بناء أنظمة سياسية جيدة، وأنظمة تعليمية وتربوية قوية وذات معايير منهجية.

وكان هذا التقدم المادي فقط لمن أخذ منهم بزمام السنن الإلهية والقوانين الكونية، وهذا دليل على أن النجاح الدنيوي لا يحابي أبيض ولا أسود، والعدل من أسمائه عز وجل، والظلم من أقبح ما حذرنا الله منه. ولكن مع هذا فالله لن يُعط غير المؤمن الآخرة التي هي لعباد الله المؤمنين وأحبائه.

يقول الأديب الفرنسي" جوستاف لوبون":

"إن العرب هم الذين علموا العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين".

ويقول الأديب الفرنسي جوستاف لوبون أيضًا[5]:

"إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوربية الوحشية في عالم الإنسانية، فلقد كان العرب أساتذتنا وإن جامعات الغرب لم تعرف موردًا علميًا سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مَدَّنوا أوروبا مادةً وعقلًا وأخلاقًا، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه. إن أوروبا مَدينة للعرب بحضارتها. وإن العرب هم أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين فهم الذين علموا الشعوب النصرانية، وإن شئت فقل: حاولوا أن يعلموها التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان، ولقد كانت أخلاق المسلمين في أدوار الإسلام الأولى أرقى كثيرًا من أخلاق أمم الأرض قاطبةً".

فكما شهد هذا الأديب الفرنسي، فإن في الحضارة الإسلامية لم يَظهر ما يُسمى بالنزاع بين العِلم والدين كقضية، بل قد اعتبر العلماء الطبيعيون والفلكيون والرياضيون أنفسهم في عبادة.

إن الاسلام ينظر للحياة كما ينبغي أن تكون، إن ما يتطلع اليه الناس هو دين مُتوازن يُلبِّي الحاجات الروحية التي لا غِنى عنها، ولا يُهمِّش الحاجات المادية للإنسان.

الدين يدعو إلى الوسطية، وهو المبدأ الذي شدَّد عليه الدين السماوي الخاتم الذي جاء به خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، ليصحح الخطأ الذي وقعت فيه الأمم السابقة، والذي أدى لتشويه مَفهوم الدين وربطه بالروحانيات فقط، وبالتالي أدَّى إلى انتشار الخرافات، مما أدى إلى صرف الناس عن الدين بالكلية.

إضافةً إلى أن الدين أصبح مستغلاً لتحقيق أهداف ومآرب خاصة، ومستخدمًا كوسيلة للضغط على الشعوب، وهذا ما دفع كثير من الدول لاتباع نهج ما يُدعى ب "العلمانية"، وهو فصل الدين عن الدولة.

وإذا ما رغِبنا في استرجاع أمجاد الماضي، فلا بد مِن تصويب الوضع، وإعادة ترتيب الأولويات.

 

 

 

اﻹسلام: فتح وليس استعمارًا

 

يتسائل البعض عن الميزة التي يتسم بها الإسلام عن بقية الديانات المنتشرة بين شعوب الأرض.

ونستطيع أن نحصل على الإجابة بمجرد معرفة الغاية الذي جاء دين الإسلام لتحقيقها.

فلقد جاء دين الإسلام ليقيم العدل على الأرض.

وهو الدين الذي جاء به جميع أنبياء الله لجميع الأمم، والذي انحرفت عنه جميع ديانات الأرض التي قدس أتباعها أنبياءهم والصالحين منهم.

ولكن أي عدل؟

إنه العدل الذي يضع الأمور في نصابها، ويعطي كل ذي حق حقه.

  • إعطاء الخالق حقه بعبادته وحده، وشهادة أنه الواحد الأحد الذي ليس له شريك في الملك ولا ولد، و الإقرار بأن الخالق منزه عن أن يكون له ولد، ومنزه عن التجسد في صورة إنسان أو حيوان أو صنم.
  • إعطاء البشر حقهم بالتواصل مع خالقهم مباشرة دون قسيس ولا قديس ولا أي وسيط، والطلب عند الحاجة والشدائد من الخالق مباشرة، وليس من أي نبي بما فيهم نبي الله محمد.
  • إقامة المساواة بين البشر وتخليص البشرية من التعصب العرقي المقيت. فلا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( الحجرات:13).

  • عدم اﻹكراه على الدين.

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة:256).

  • رفع الاضطهاد والظلم عن البشرية، ونصرة المظلوم.

كان مما لفت انتباهي عبارة للكاتبة الإيطالية لورا فيتشا فاليري حيث تقول: "حسبُك أن الحروب التي هي أقصى ضرورات الحياة الإنسانية قد صارت بفضل محمد أقل وحشية وقسوة. إذ إنه كان يطلب من جنودِه ألا يقتلوا شيخًا ولا امرأة ولا طفلاً، ولا يهدموا بيوتًا لم تُتخذ معاقل حربية، ولا يدمروا ما بها من أسباب الحياة، ولا يَمسوا الأشجارَ المثمرة والنخيل[6]".

وتعجبت من الحقيفة التي تقرها هذه الكاتبة في كلمتها عن واقع الحروب الذي كان بمثابة ضرورة من ضروريات الحياة على حسب قولها.

فيبدو أن الحرب شكلت منذ نشأة الحضارات البشرية وحتى هذه اللحظة من التاريخ صفة ملازمة لها.

ولما كانت الحضارة البشرية قد شهدت حروبًا كثيرة، محلية ودولية، فإنها مع الأيام حاولت أن تجعلها أقل وحشية و همجية.

وقد كان نبي الله موسى مقاتلاً، ونبي الله داوود وغيرهم.

وتذكرت حينها قصة جعفر بن أبي طالب عندما وصف حال العرب قبل بعثة نبي الله محمد عليه الصلاة والسلام.

 

حيث قال للنجاشي ملك الحبشة:

"أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيئ الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف، وبقينا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه.فدعانا إلى الله، لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن واَباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وقد أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم، وحقن الدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات. وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأن نقيم الصلاة ونؤتى الزكاة ونصوم رمضان. فصدقناه واَمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فحللنا ما أحل لنا وحرمنا ما حرم علينا. فما كان من قومنا أيها الملك إلا أن عدوا علينا. فعذبونا أشد العذاب ليفتنونا عن ديننا ويردونا إلى عبادة الأوثان. فلما ظلمونا وقهرونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا فى جوارك ورجونا إلا نظلم عندك".

نفهم من هذه الخطبة أن الجزيرة العربية كانت بلا أمن، بلا قوانين، بلا نظام، بلا محاكم، و بلا حقوق.

كانت تخوض الحروب على أتفه الأسباب و باستمرار، كما حدث في حرب البسوس- على سبيل المثال- هذه الحرب التي قامت بسبب جمل، ودامت أربعين عامًا.

وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي في ذلك الوقت قد عرف التعامل مع الأقليات الدينية باضطهاد كبير، فقد هاجر النساطرة خوفًا من اضطهاد البيزنطيين لهم، ولجأوا بلاد فارس، وأقاموا في رعايتها وقتًا طويلاً حتى قدوم المسلمين.

وكانت الشعوب تحت الإضطهاد الروماني محرومة من أبسط الحقوق، وهو اختيار دينها، وحرية ممارسة شعائرها.

وبناءً على هذه المعطيات وغيرها، فلم يكن متاحًا للمسلمين في ظل الإمبراطورية الرومانية التعبد بحرية، فقد استشهد فروة الجذامي مصلوبًا بسبب إسلامه، وبدا جليًا أن الإمبراطورية الرومانية لن تتسامح مع الإسلام كدين.

كما كان الحال في بلاد مصر وغيرها حيث اضُطهدت الشعوب ورضخت تحت الاستبعاد والقهر.

ومن ناحية أخرى، فمن المعروف أن مفهوم السيادة لم يعرف الثبات والاستقرار بصورته الراهنة في ذلك الوقت، فلم يكن في التوسع في الأراضي الأخرى عيب أو ضير بمقياس القرون الوسطى.

 وهو في الحالة المتعلقة بالفتوحات الإسلامية كان حلاً لا مفر منه، إن أرادوا تأمين حرية التعبد للمسلمين في جزيرة العرب أو خارجها، وكذلك إن أرادوا الدعوة للإسلام بحرية ودون عوائق.

إضافة إلى أن الوضع في زمن بعثة الرسول لم يحتمل ظهور قوة ثالثة إلى جانب الفرس والروم، وقد بات جليًا خشية هرقل الروم من المسلمين كما تقول الروايات التاريخية.

فتأهب الفرس والروم للهجوم على المسلمين، و أرسل كسرى شخصين لإحضار رسول الله، وقام بأسر الصحابي الذي أرسله النبي برسالته، بالإضافة إلى قيام كسرى بتمزيق تلك الرسالة، وقيام الوالي الغساني في الشام بقتل رسول رسول الله.

وكان هذا بمثابة إعلان حرب، كان قد أدى إلى معركة مؤتة، ثم انتشرت الشائعات بتجهيز الغساسنة للهجوم على المدينة، وذلك بترتيب من المنافقون وأبو عامر الراهب المقيم عند قيصر الروم في ذلك الوقت. فكان خيار القتال هو خيار المسلمين الوحيد.

قال المؤرخ البريطاني "أرنولد توينبي":"عند دخول الأوربيين إلى قارتي أمريكا و أستراليا أبــادوا الهنود الحمر و سكان أستراليا الأصليين، بينما عند دخول المسلمين إلى أندونيسيا و ماليزيا و الفليبين لم يدخل معهم جندي واحد بل نشروا الإسلام بأخلاقهم، و هذه اندونيسيا اكبر بلد اسلامي في العالم 300 مليون مسلم "[7].

================================

[1]  كتاب مدينة السلام.

[2]  ترجمه الي العربية: عادل زعيتر. صدر عام 1883.

[3]  كتاب إساءة الحضارة الرأسمالية والشيوعية إلى الله.د. غازي عناية.

[4]  ج.كراوثر: قصة العلم . ترجمة يمنى الخولي و بدوي عبد الفتاح . ص57.

[5]   جوستاف لوبون. حضارة العرب. ترجمه الي العربية: عادل زعيتر. صدر عام 1883.

[6]  كتاب محاسن اﻹسلام. أحمد يوسف السيد.

[7]  كتاب تاريخ الحضارة.

  • السبت PM 03:09
    2022-06-04
  • 1298
Powered by: GateGold