المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 402293
يتصفح الموقع حاليا : 249

البحث

البحث

عرض المادة

الصُّدفة في ميزان الفلسفة والعلم والدين دراسة تحليلية نقدية - المبحث الثاني- المطلب الاول

بقلم أ.د عماد العجيلي
استاذ ورئيس قسم العقيدة بجامعة الازهر والجامعة الإسلامية بمنيسوتا

المبحث الثاني

 نقد القول بالصُدفة

المطلب الأول

 نقد القول بالصُدفة في الاتجاه الفلسفي

إنَّ المتأمل في العالم الذي نعيش فيه يستطيع أن يقف على بطلان الصُدفة بالبراهين العقلية، فالكون من حولنا من ذراته إلى مجراته حوى نظامًا بديعًا محكمًا.

فالنظام المحكم، والقوانين الكونية لم تختلف يومًا عن نظامها؛ فهذه الشمس لم تغير نظامها في الشروق والغروب، والنجوم والكواكب، كل شيء بحساب دقيق، وضبط كوني، والأمر كذلك من أصغر وحدة للمادة في هذا الكون ألا وهي الذرة تقوم على نظام محكم، إلى أكبر مجرة، كل ذلك يسير في نظام مطرد.

والصُدفة أمر لا يتفق مع كل هذا الإحكام والاطراد، إذ الصُدفة هي فعل بدون قصد، ولا غاية، وكل ما في الوجود مقصود، وموضوع لغاية محدودة، قال تعالى:﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [ البقرة: 29].

فإنّ الصُدفة عمياء لا يمكن لها أن تخلق شيئًا من العدم إلى الوجود، وكل ما يمكن نسبته إليها هو حركة التلاقي بين الموجودات، وهذه الحركة قد تحدث مرة بين آلاف المرات.

فالقول بالمصادفة إذن أمر لا يتخيله عقل ولا منطق، فكيف يحدث هذا الكون بشكل عشوائي، ثم إنَّ الطبيعة غير عاقلة، وجافة ليس بها إحساس، فكيف وهبت العقل والإحساس، هي لا تملكه، وفاقد الشيء لا يعطيه.

 أضف إلى ذلك فرضية (الصدفة) تتهافت أمام مبدأ (السببية) الضروري.

وتتعدد تعريفات السبب عند الفلاسفة باختلاف مدارسهم وعصورهم - وليس الغرض استقصاءها - لكنها وفق ما يتفق عليه الغالب الأعم منهم: "ما يحتاج إليه الشيء في حقيقته، أو وجوده"([1]).

وعلى مستوى أيسر من التعبير هي: "العلاقة بين السبب والمسبب"([2])، ومبدأ السببية من الضرورات العقلية، والبديهيات الفطرية التي لا يختلف فيها العقلاء.

السببية (أو العلية) هي "إحدى بداءة الفكر الأساسية، فإنه لا يحدث شيء بلا علة، أو على الأقل بلا سبب محدد" ([3])

نجد أرسطو قد اهتم بدرس العلل، " وقسمها إلى علل أربع: المادية، والصورية(الهيولى)، والفاعلية، والغائية"([4])، "والله عنده هو العلة الأولى، وليس معلولًا لشيءٍ آخر"([5]).

 والمتأمل في الكون وما فيه " وحوادثه المستمرة يجد أمورًا لم تكن ثم كانت، وكل شيء لم يكن شيئًا مذكورًا، ثم كان لابد له حتمًا من موجد أوجده، ولا بد أن يتصف هذا الموجود بالصفات التي تؤهله لعمليات الإيجاد، ولا بد أن يكون أزليًا غير حادث، وإلا احتاج هو أيضًا إلى موجد يوجده. (وهذا هو دليل السببية)"([6])

 والقول بالصُدفة معناه الاستغناء عن قانون السببية، ويعد هذا استغناءً عن العقل في مقام يقتضي الإيمان بالعقل.

ومن يدعي بأنّ الصُدفة وراء الخلق والإماتة لا يستند إلى دليل أو برهان بل " إنّ القول بالصُدفة يتنافى مع القول بقانون السببية أو العلية الذي هو أساس كثير من العلم والذي يؤمن به حتى الأطفال والصبيان، إننا لا نفهم كيف يمكن للمصادفة التي تعني الفوضى واللاقصد والاتفاق والتشويش أن تنتج هذا النظام الدقيق " ([7])

 هذا ويتفق الجميع على افتقار الكون، وما فيه إلى محدث؛ إلا أنّ هذا المحدث في نظر زعماء الصُدفة هو الصُدفة، وزعماء الطبيعة هو الطبيعة، وكل هذه لا تعبد، وما ينبغي لها أن تعبد؛ لأن غاية الملحدين التخلص من ربقة الدين التي تأمر بالعبادات، وذلك هو مفترق الطرق بين طائفة المؤمنين، والملحدين والكلمة الفاصلة في قضيتهم.

والقول بالمصادفة في ظهور العالم يسقط تلقائيًا عند إثبات حدوث العالم، حيث إنَّ المصادفة تثار على أساس القول بقدم العالم.

 أيضًا القول بالمصادفة نوع من التجهيل يلجأ إليه الإنسان عند جهله بالأسباب، وإذن القول بالمصادفة من شأنه أن يكون متناقضًا مع وظيفة العلم، الذي يقوم منهجه على البحث عن الأسباب لا على التجهيل بها، وإنكارها.

إذ الصُدفة " لفظة تدل على التجاهـل لمـا وراء الحـوادث الوجودية مـن علـل وأسـباب، ومـا تترتب علـى تلـك العلـل والأسـباب والـنظم مـن نتـائج وغايات، فهي سـتار مـن الباطـل يخفون وراءه مـا يجهلونه مـن أسـباب للحـوادث".([8])

يقول الأستاذ إسماعيل مظهر:" إذا سألتهم – أي الماديين- كيف وجد السديم - المادة الأولية التي ظهر منها الفلك في زعمهم- أصلًا؟ وأية قوة حركته؟ ومن أحكم تلك التغيرات بحيث انتهت إلى ذلك النظام المحكم؟ لم يجدوا مخرجًا إلا بالركون إلى القول بالمصادفة".([9])

أي أنّ احتمال الصُدفة ليست إلا تعبيرًا عن الجهل، وهكذا فإنَّ الجهل بالأسباب هو السبب في افتراض الصُدفة، أو بعبارة الفيلسوف الفرنسي (بول جانبه) " الصُدفة كلمة خالية من المعنى اخترعها جهلنا" ([10]).

فهم يهربون من الإرادة الإلهية التي لا مفر منها في تفسير الكون ونشأته إلى القول بالصُدفة في تفسير ظواهر الكون والكائنات.

يقول الدكتور ليكونت دي نوى:" نكرر القول بأنه لا توجد حقيقة واحدة، أو نظرية واحدة في يومنا هذا تقدم تفسيرًا قاطعًا لمولد الحياة وتطور الطبيعة، ولقد درسنا مسألة أصل الحياة، فوجدنا أننا مضطرون إلى أن نقبل فكرة تدخل قوة سامية يدعوها العلماء أيضًا " الله" وهي عكس الصُدفة"([11]).

فالمذاهب الإلحادية تدور حول القول بنشوء العالم إما على سبيل الصُدفة، وإما على سبيل القانون الضروري، وهذا يتنافى مع العقل والواقع.

فإنَّ هذه الأقوال تحتوى على تناقض آخر ذاتي، إذ أنها تجعل نفس العالم خالقًا ومخلوقًا في وقت واحد، وهذا ما يسمى بالدور([12])، وهو باطل بالضرورة.

يقول عالم الطبيعة الأمريكي جورج إيرل ديفيس: " لو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه فإنَّ معنى ذلك أنه يتمتع بأوصاف الخالق، وفى هذه الحال سنضطر أن نؤمن بأنّ الكون هو الإله، وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود (الإله)، ولكن إلى هنا هذا سوف يكون عجيبًا، إلهًا غيبيًا وماديا في آن واحد! إنني أفضل أن أؤمن بذلك الإله الذي خلق العالم المادي، وهو ليس بجزء من هذا الكون، بل هو حاكمه ومديره ومدبره"([13])

 ونجد أن ما درج عليه الفلاسفة الإلهيون، منذ أقدم العصور، أنَّهم جعلوا في تقسيم الفلسفة: الطبيعية، وما بعد الطبيعة.

هذه هي النقطة المشتركة بين الإلهيين والماديين، وأما نقطة الافتراق فهي أنّ الإلهي يسند هذا النظام (أي نظام الأسباب والمسبّبات المادية الطبيعية) في نشأته، وبقائه إلى خالق، حكيم، قدير، أوجد هذه السنن والقوانين بقدرته المطلقة، وبعلمه الواسع الذي نعبر عنه بالمحاسبة الدقيقة؛ بينما يسندها المادي الى الصُدفة.

لقد أنكر الملحدون دليل العناية الإلهية والنظام الكوني، واستعاضوا عنه بالقول بالمصادفة، وأنّ هذا الكون ليس من صنع الله؛ بل إنّه وجد مصادفة دون أن يكون للقدرة الإلهية أي تأثير فيه، بيد أنّ العقل الصحيح يستنكر ذلك؛ لأنّ حدوث المحدثات بما هي عليه من قصد وإحكام يستلزم وجود قاصد فاعل مؤثر؛ ولذا يقال لهؤلاء من أين للعالم هذا النظام العجيب، وهذا الترتيب الدقيق الذي حارت فيه العقول؟ إنه لا يحدث صدفة!

 ثم إن الصدفة لا تجرى على نسق، ولا تسير بنظام، وكل ما في هذا العالم يجرى على نسق عجيب ونظام بديع، كما أن الصدفة فعل بلا قصد، ولا غاية، وكل ما في الكون له هدف، وغاية.

أيضًا الصدفة لا تتكرر، ويبقى الفعل بعدها بغير ممسك له أو حافظ، والعالم لم يتطرق إليه خلل، و هو متماسك بقدرة الله وعنايته به.

*****

 

([1]) الفخر الرازي، المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات، ط/انتقشاراتبيدار، ط1(1370هـ)، 1/586.

([2]) المعجم الفلسفي، جميل صليبا، /649

([3]) أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، وأشرف عليه أحمد عويدات، منشورات عويدات بيروت- باريس، ط2/ 2001م، 1/15.

([4]) جميل صليبا، المعجم الفلسفي، 2/96.

([5]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 148.

([6]) عبد الرحمن حبنكة، كواشف زيوف في المذاهب المعاصرة، ص 549

([7]) د. عبد الرحمن المراكبي، محاضرات في العقيدة والتوحيد، ص 416.

([8]) الـسید محمـود أبـو الفیـضى المنوفي، تهافت الفلسفة، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1387هـ، 1967م، ص52.

([9]) يحي هاشم فرغل، مداخل إلى العقيدة الإسلامية، مطبعة التقدم، طنطا، طبعة 1985م، ص 187، 188.

([10]) سامي عامري، براهين وجود الله في النفس والعقل والعلم، ص472.

([11]) د يحي هاشم فرغل، مداخل إلى العقيدة الإسلامية، ص197.

([12]) هو توقف وجود الشيء على ما يتوقف وجوده عليه، وهذا هو الدور الصريح أو المصرح، راجع، تعريفات الجرجاني 105، لأنه يلزم منه تقدم الشيء على نفسه، إذ من المعروف بالبديهة أنّ العلة سابقة للمعلول، فالعلة متقدمة، والمعلول متأخر، فإنكان المعلول علة نفسه، لزم أن يكون سابقًا على نفسه!، فيكون متقدمًا ومتأخرًا في نفس الوقت، وهذا تناقض، الإيجي: المواقف، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (ت:756ه)، تحقيق: د.عبد الرحمن عميرة، الناشر: دار الجيل – بيروت، ط1/ 1997م، ص89.

([13]) عبد الرحمن حبنكة، صراع مع الملاحدة حتى العظم، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع- دمشق، ط5/ 1412ه- 1992م، ص112.

  • الخميس PM 02:37
    2023-06-08
  • 605
Powered by: GateGold