المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 401779
يتصفح الموقع حاليا : 307

البحث

البحث

عرض المادة

ظلم العلماء

ومن الأشـياء التـي عابوها علـى ديننا: أن العلمـاء الذين ابتكروا الأشياء النافعة والمفيدة وبخاصة في مجال الأمراض التـي تفتك بالبشـر، فـكان مـا ابتكـروه نهاية لتلـك الآلام، والعلماء الذين أفنوا حياتهم في ابتكار أشياء ترَفّه عن الناس وتسـعدهم، وتوفر عليهم جهدهم، لأنها تعطيهم الثمرة بأقل مجهود وفي أقل زمن، قالوا: الإسلام يقول: إن الله لا يجازيهم، وليس لهم عند الله نصيب.

يريدون أن يحمسـوا الناس ضد الإسـلام الذي يقول هذا،  لأنك إذا عُولجت من مرض بدواء عالم غير مسلم قلت: وهل الإسلام يحرِم هـذا العالم من الجزاء؟ فكأن الإسـلام لا يعدل في الجزاء.

وهـؤلاء نقول لهـم: ما حظ الإنسـان من حركتـه؟ مطلق الإنسان، لماذا يتحرك في الحياة؟ يتحرك الإنسان لغاية أولى هي نفع نفسه اقتياتا ً لإبقاء حياته، وكذلك مـن يعوله فإذا ما فعلت لإنسان شيئا ً ففعلك هذا أساسا ً لتأخذ أجرا ً، لتأخذ القوت وتقتات، والذي فعلت له ما مقصده ؟ مقصده أنه لا يقدر على الحركة، فجاء بك لتتحرك له هذه الحركة، وبالتالي لا بد أن تكون حركتك هذه نافعة له.

إذن فحركتك إما أن تكون نافعة لك، أو نافعة لغيرك، لماذا أعطاك غيرك الأجر؟ لأنك فعلت له. فعلت له أو لنفسك؟ فعلت لنفسك أولا، ولماذا أعطاك الأجر؟ أعطاك الأجر من أجل نفسه هو.

إذن فقضيـة الأجـر على العمـل إما أن تكـون عند الفاعل المباشر، أو تكون عند المفعول له.

أيعمل لك واحد عملا ً، ثم يطالب غيرك بالأجر؟ الأجر يدفعه من عملت له، وهذا الكافر أكان الله في باله ساعة ابتكر؟ أكان الله في باله سـاعة أتعب نفسـه في معملـه؟ لا، إنما كان في باله جاهه وشـرفه بالعلم وشـهرته والمـال، إذن لم يكن الله في باله.

إذن فالذي عمل من أجله أعطاه الأجر، ً تقديرا ً وتكريما ً ومالا وشـهرة وشـهادات فإذا ما جاء الله يوم الجزاء أيعطيه أجرا ً وهـو لم يكن فـي باله؟ هذا هو الفارق بيـن المؤمن والكافر، حتى في العمل الذي يقوت به الإنسـان نفسـه: الكافر يعمل لذاتـه، والمؤمن يعمـل لأن الله أمره أن يتحرك حركة تَسَعَهُ وتَسَع غير القادر على الحركة.

فالله في باله ما دام يتحرك حركة فوق حاجته، لأنه يقضي حاجته ويرد الباقي على غير القادر فالله يعطيه الجزاء.

والحق يصور لنا هذه الصورة تصويرا ً واضحا ً فيقول: " وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ " النور: 39.

ويقول: " قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) " الكهف: 103، 104.

ويقول: " وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا " الفرقان: ٢٣

فماذا تنتظر؟ أن يعطي الله لمن لم يكن الله في باله ساعة فعل، هذه عدالة؟ اجتهد فأعطـاه الله النتيجة، أخذ حظه من الدنيا، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل "[1].

إذن، إذا حدثنـا بـأن الذين كفروا بربهم أعمالهم كسـراب بقيعة فليسـت هذه نظرة الإسـلام فقط، بل هي نظرة الأديان جميعا ً.

فإذا جاءت آية: " إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا " الكهف: ٣٠

فأجـره أن الناس تقـدّره، وتصنع له التماثيـل، ويعطونه الجاه، ويعود عليه عمله بالمال الوفير في الدنيا، إنما عند الله فلا شيء له.

 

[1] رواه مسلم من حديث أبي هريرة برقم 152.

  • الجمعة PM 11:09
    2022-04-08
  • 834
Powered by: GateGold