المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 413068
يتصفح الموقع حاليا : 179

البحث

البحث

عرض المادة

إمام الدعاة - الشيخ محمد متولي الشعراوي

الشيخ محمد متولي الشعراوي

( 1329 – 1419 هــ / 1911 – 1998 م )

في المأثور الإسـلامي، الذي بلغ مبلغ الحكمة: إن ألسـنة الخلق هي أقلام الحق وعندما ننظر إلى مئات الملايين من أبناء الأمة الإسـلامية، على امتداد وطن العروبة وعالم الإسلام، وخارج عالم الإسلام، وكيـف اجتمعت قلوبها، وتعلقت عقولهـا، وارتبطت أفكارها بشـيخنا الراحل - شيخ العصر وإمام الزمان - الشيخ محمد متولـي الشـعراوي (١٣٢٩ - ١٤١٩هـ/ ١٩١١ - ١٩٩٨م)  نقول - مع المأثور الإسـلامي - دون أن نزكي على الله ً أحدا” : نعم، إن ألسنة الخلق هي أقلام الحق»، ناهيك أننا - في حالة الشيخ «الشـعراوي».. لسنا بإزاء الألسنة وحدها، وإنما بإزاء الألسـنة الناطقة بما في القلوب والعقـول، فهذا رجل ندر أن اجتمعت وأجمعت على داعية سـواه هذه المئات من الملايين، فهو لم يكـن - ككثيرين من عظماء علماء الأمة - مفكر نخبة أو فيلسوف صفوة، وإنما كان داعية أمة، تعلقت به الجماهير كما لم تتعلق بداعية في عصرنا الحديث وواقعنا المعاصر. 

وفـي المأثور الإسـلامي - أيضا - أن «الحسـن البصري« (٢١ - ١٠٠هــ/ ٦٤٢ - ٧٢٨م) - وكان إمام عصره - الذي رضع في بيت النبوة، ورأت أم المؤمنين عائشـة - رضي الله عنهـا - أنـه - في قراءته للقرآن - يشـبه قـراءة الأنبياء - أن الحسـن البصري هذا قد سـمع موعظة واعظ، فلم تؤثر فيه، فسأله: 

- يا أخي، أبقلبك مرض أم بقلبي؟! 

ذلـك أن فارقا ً كبيرا بين العالم الذي ينثر المعلومات، حتى لكأنه «بنك معلومـات»، وبين العالم - صاحب العلم النافع – الذي يعيش علمه والذي صاغ العلم قلبه ووجدانه حتى اذا خرجت الموعظة من فمه، وجدت القنوات مفتوحة أمامها إلى القلوب، تستقر فيها، وتعيد صياغتها من جديد.

ومـن هذا القبيل كان الشـيخ «الشـعراوي» - رحمه الله-  فحصيلتـه مـن أسـرار البلاغة -علـى وفرتها- هـي معلومة مشـهورة ومبذولة في كتب التراث، لكن هـذه المعلومات قد صاغت قلبـه فجعلته قلبا ً نورانيا ً فلمـا قرأ القرآن في ضوء هذا النور القلبي إذا به يكتشـف من أسـرار التركيب القرآني والإعجـاز البياني الوحي الإلهي مـا يمر عليه الحفاظ والقراء صباح مساء دون أن يكتشـفوه، لذلك بهر «الشعراوي» الأمة بالقـرآن الكريم كما لم يبهرها داعية في العصرالحديث؛ لأنه كان قلبا ً متوقدا ً وفؤادا ً حيا ً وعقلا واعيًـا ً وإنسانا ً صالحا ً ولم يكن " بنك معلومات ".

ولقد شاء الله - سبحانه وتعالى - أن ينجزالرجل ما أنجز عندمـا علا صوت الفكـرالمادي والإلحادي، مهـددا بإحداث فتنـة في الديـن والتديـن والإيمـان الديني، فكانت رسـالته الدعوية اصطفاء إلهيا ً ولبنة في البناء الإسـلامي الخالد على مر التاريخ. 

ولد الشيخ الشعراوي بقرية «دقادوس» - مركز ميت غمر - محافظـة الدقهليـة - بدلتا النيل - فـي ١٥ من ربيع الآخر سنة ١٣٢٩هـ/ ١٥ من أبريل سنة ١٩١١م. 

وأتـم حفـظ القـرآن الكريم بكتّاب القريـة – وهو في العاشرة من عمره، وأتم تجويده وهو في الخامسة عشرة من عمره. 

والتحق بمعهد الزقازيق الديني الابتدائي سنة ١٣٤٥هـ/  سـنة ١٩٢٦م، ثـم بالقسـم الثانـوي، بالمعهـد ذاته، سـنة ١٣٥١ هـ/ سنة ١٩٣٢م. 

ونـال شـهادة العالميـة مـن كليـة اللغـة العربية سـنة ١٣٦٠هـ/ سـنة ١٩٤١م، وحصل على إجازة التدريس سنة ١٣٦٢هـ/ سنة ١٩٤٣م. 

وفـي مراحل طلبـه للعلـم كان خطيبا ً مفوها ً، وزعيما ً طلابيا ً، حتى إنه رأس اتحاد الطلاب وهو في المرحلة الابتدائية الأزهرية، وبسـبب نشاطه السياسـي، وانتمائه لحزب الوفد، ومشـاركاته مع الطلاب في الحراك الوطني، لوحق، وتعرض للسجن والاعتقال أكثر من مرة.

وعقـب تخرجـه، عمل مدرسـا ً بالمعهد الأحمـدي الديني بطنطا، ثم انتقل للتدريس بمعهد الإسـكندرية الديني، ثم إلى التدريـس بمعهد الزقازيق، ثم عيّن وكيلا ً لمعهد طنطا سـنة ١٣٧٩هـ/ سـنة ١٩٦٠م، ثم ً مديرا للدعـوة بوزارة الأوقاف سنة ١٣٨٠هـ/ سنة ١٩٦١م، ومفتشا للعلوم العربية بالأزهر سنة ١٣٨١هـ/ سنة ١٩٦٢م، ثم ً مديرا لمكتب شيخ الأزهر - الشيخ حسن مأمون (١٣١٢ - ١٣٩٣هـ/ ١٨٩٤ - ١٩٧٣م)  سـنة ١٣٨٣ هـ/ سـنة ١٩٦٤م، ثم ً مديرا ٍّعاما لمكتب وزير شئون الأزهر سنة ١٣٩٥هـ/ سنة ١٩٧٥م، ً ووزيرا للأوقاف وشئون الأزهر (١٩٧٦ - ١٩٧٨م). 

وفـي خارج مصر:  أعير للعمل مدرسـا بكلية الشـريعة - جامعة الملك عبد العزيز آل سـعود - بمكة المكرمة - سنة ١٣٦٩هـ/ سـنة ١٩٥٠م، ورأس البعثـة الأزهرية بالجزائر سنة ١٣٨٥هـ/ سنة ١٩٦٦م. 

ثم عمل أسـتاذا ً زائرا بجامعة الملك عبد العزيز آل سـعود سنة ١٣٩٠هـ/ سـنة ١٩٧٠م، ورأس قسم الدراسات العليا بها سـنة ١٣٩٢هـ/ سـنة ١٩٧٢م، واختارتـه رابطة العالم الإسلامي - بمكة المكرمة - عضوا بالهيئة التأسيسية لمؤتمر الإعجاز العلمي للقرآن الكريم. 

ونال عضوية مجمع البحوث الإسلامية - بالأزهـرالشريف سنة ١٤٠٠هـ/ سـنة ١٩٨٠م، كما نال عضوية مجمع اللغة العربيـة سـنة ١٤٠٨هــ/ سـنة ١٩٨٨م، وعضوية مجلس الشورى سنة ١٤٠٠هـ/ سنة ١٩٨٠م. 

ومنح وسـام الاستحقاق من الدرجة الأولى بمناسبة بلوغه سـن التقاعد، وتفرغه للدعوة، سنة ١٣٩٦هـ/ سنة ١٩٧٦م، وحصـل على جائزة الدولة التقديرية سـنة ١٤٠٨هـ/ سـنة ١٩٨٨م، كمـا حصـل علـى الدكتـوراه الفخرية مـن جامعة المنصورة سنة ١٤١٠هـ/ سـنة ١٩٩٠م، وعلى جائزة دبي لشخصية العام سنة ١٤٢٠هـ/ سنة ١٩٩٨م.

ورافق الرئيس محمد أنور السادات (١٣٣٧ - ١٤٠١هـ/  ١٩١٨ - ١٩٨١م) في زيارته للأمم المتحدة سنة ١٣٩٩هـ/   سـنة ١٩٧٩م، وخطـب الجمعـة وأم الناس فـي أول جمعة أقيمت هناك. 

وطاف الكثير من ديار العالم الإسلامي، ومواطن الجاليات الإسـلامية في الغرب، داعيا ً إلى الله وكاشـفا الشـبهات عن الإسلام، كما تناقلت أحاديثه وأماليه أجهزة البث - المسموعة والمرئية - ودور النشر في مختلف بلاد المعمورة.

لقد تميزالشـيخ الشـعراوي كمدرس للبلاغـة، وبرع في إدراك أسـرار الإعجاز القرآني، ودخل الإذاعة لأول مرة سـنة ١٣٦٩هـ/ سـنة ١٩٥٠م، ثم بهر جماهيـرالأمة عندما أطل مـن شاشـة التلفاز، في عقد السـتينات من القرن العشـرين ببرنامـج «نور علـى نور» - الذي كان يعده ويقدمه الأسـتاذ أحمـد فـراج (١٣٥٠ - ١٤٢٧هــ/ ١٩٣١ - ٢٠٠٦م) -  وكان المنـاخ الفكـري - المحلي والعالمـي - قد صعدت فيه جاذبية الفكـر المادي، فكأنما كان الشـيخ الشـعراوي على موعـد، إذ اجتذب جماهير غفيرة - عبر مصـر والعالم - إلى القرآن الكريـم والإيمان الديني، على نحـو جعله إمام الدعاة دونما منازع أو منافس، الأمر الذي جعله ً خصما ً عنيدا ً وهدفا لتطاول الماديين والزنادقة وغلاة العلمانيين. 

وإلى جانب عبقرية الدعوة، امتلك الشيخ الشعراوي ملكة الشـعر فكان له فيه عطاء وفير واكب قضايا الأمة الوطنية والدينية. 

وفي الدعوة، كان الإخلاص لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه وأمته، مـع المنطق، وجدل العقل والنقـل، وحقائق العلوم، وخبرات التاريخ، وفقه الواقع، ومقارنات الأديان، وتراث الملل والنحل، آليـات حاضرة في خواطرالشـيخ وأماليه، الأمرالذي فتح له عقول الخاصة والعامة، وقلوب الجماهيرالعريضة، على نحو ميّزه عن كثيرين من الدعاة المعاصرين. 

ولقد انبهر به ِقطاع من أهل الثقافة الرفيعة، فسأله واحد منهم - الأسـتاذ الدكتور/ حسين مؤنس (١٣٢٩ – ١٤١٦هــ / ١٩١١ - ١٩٩٦م) - في حوار بمجلة «المصور»:

- من أين لك كل هذا؟! 

فأجاب: 

- إنه فيض جود، لا بذل مجهود! 

فعبر بذلـك عن الإخلاص، والتواضع، والفتح الرباني الذي هيـأه لحراسـة التدين وتعميـق الإيمان الدينـي، في مواجهة المادية والزندقة والإلحاد. 

لقـد قـدم الإسـلام - فـي الاجتمـاع والاقتصـاد - بديلا للرأسمالية والشيوعية كليهما. 

وقـدم العقـل سـبيلا لمعرفة اللـه - سـبحانه وتعالى - وتوحيده، ومـن ثم للخضوع لمنهاج الله الذي يتغيا سـعادة الإنسان في المعاش والمعاد. 

كما قدم الإسلام بديلا وسطياً بين الغلو في المادية والغلو في المثالية. 

ولقد اسـتطاع، بعبقريـة فذة، أن يفتح عقـول الجماهير العريضة لفلسفة الإيمان الديني، على نحو عجز عنه كثير من الفلاسـفة والمتكلمين، فكان «جامعة علمية شعبية»، انتقلت إلى الناس في منازلهم ومنتدياتهم، فنافست مدارس الفلسفة وجامعات العلم وتفوقت عليها .

ولقـد لفت الأنظار إلـى أن إعجاز القـرآن الكريم لا يقف فقط عند الكلمة والآية والسـورة، وإنما يشـمل كل حرف من حروف هذا الذكر الحكيم. 

وغير ميدان الدعوة، كان الشـيخ الشعراوي قلبا ً كبيرا ً في ميدان الإحسان.. فله في العمل الخيري مآثر وعطاءات فرجت الكثير والكثير من كربات الفقراء والمحتاجين وعندمـا انتقـل إلـى رحاب ربه فـي ٢٢ من صفر سـنة ودعتـه الجماهير١٤١٩هــ/ ١٧ مـن يونيه سـنة ١٩٩٨م ودعته الجماهير الغفيرة وداعا غير مسـبوق فـي جنازات العلمـاء والزعماء ودفن في قريته «دقادوس» - عليه رحمة الله - .

هذا هو شـيخ العصر وإمام الزمان - الشيخ محمد متولي الشـعراوي - الـذي خلـف لنا مع السـيرة العطـرة، والقدوة الحسـنة، آثارا فكرية هي أمالي جمعها المحبون والناشرون بلغت عناوينها نحو الستين.. منها: 

١ -خواطره حول القرآن الكريم - في العديد من المجلدات.

٢- كتاب الفتاوى الكبرى - في عشر مجلدات.

٣- من نبض الرحمن في معجزة القرآن - طبع بالإنجليزية في المملكة العربية السعودية. 

٤ -القضاء والقدر. 

٥ -السحر. 

٦ -الربا. 

٧ -الرحلات. 

٨ -الغيب. 

٩ -قصص الأنبياء. 

١٠ -قصص الحيوان في القرآن الكريم. 

١١ -معجزة القرآن. 

١٢ -الإسراء والمعراج. 

١٣ -١٠٠ سؤال وجواب. 

١٤ -محمد صلى الله عليه وسلم. 

١٥ -خطب الشعراوي. 

١٦ -الخير والشر.

١٧ -المرأة في القرآن الكريم. 

١٨ -شبهات وأباطيل خصوم الإسلام والرد عليها.

١٩- الحلال والحرام. 

٢٠ -التربية الإسلامية. 

٢١ -عقيدة المسلم. 

٢٢ -المختار من تفسير القرآن الكريم. 

٢٣ -الجهاد في القرآن الكريم. 

٢٤ -خطب الجمعة والعيدين. 

25- ردا على الملاحدة والعلمانيين.

وهو تراث لا يزال حيا ً وفاعلا ً في عقول الأمة وقلوبها، حتى الآن، وإلى أن يشاء الله..  

رحم الله شيخ الدعاة وإمام الزمان – الشيخ/ محمد متولي الشعراوي - وألحقنا به في الصالحين [1].

 

 

1 انظر:

  • الموسوعة القومية للشخصيات المصرية البارزة، جــ2 الطبعة الثانية – القاهرة سنة 1992م.
  • موسوعة الفلسفة والفلاسفة – د. عبد المنعم الحفني جــ2 – الطبعة الثانية مكتبة مدبولي – القاهرة سنة 1999م.
  • موسوغة أعلام الفكر الإسلامي – أ.د/ محمد رجب البيومي – المجلس الأعلى للشئون الاسلامية – القاهرة 1425 هــ 2004م.
  • الموسوعة العربية – محمد هشام برهاني – دمشق سنة 2005 م.
  • هذا إسلامنا خلاصات الافكار – د. محمد عمارة – دار الوفاء – المنصورة سنة 1421هــ / 2000 م.

  • الجمعة PM 06:33
    2022-04-08
  • 845
Powered by: GateGold