المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 412126
يتصفح الموقع حاليا : 359

البحث

البحث

عرض المادة

أفـكارهـرتزل

أفـكارهـرتزل
Herzl's Ideas
هرتزل ليـس صاحب فكـر وإنما صاحب أفكار وانطباعات متناثرة في نصوص كثيرة لا يتسم معظمها بالذكاء أو التسلسل المنطقي أو الوضوح أو التماسك، فهو ينتقل من نقطة إلى أخرى ثم يعود إليها، ولا يتعمق في أيٍّ من النقاط التي يطرحها. ولذا فيمكنه أن يطرح حلاًّ للمسألة اليهودية بكل جراءة دون إدراك لتضميناته الفلسفية والعملية. وسنحاول في هذا المدخل أن نجمع شتات أفكاره فيما يشبه النسق المتكامل، وهو نسق ليس فيه ارتباط كبير بين المقدمات والنتائج وإنما يتسم بالترهل والهلامية، وهو مليء بالثغرات لعل هرتزل تركها عمداً كي يملأها كل من يقرأ نصه بالطريقة التي تروق له. والنصوص التي سنستخدمها هي دولة اليهود، والخطاب الذي ألقاه هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول (1897)، ويومياته. كما سنشير إلى رواية الأرض القديمة الجديدة وبعض تصريحات أصدقاء هرتزل المقربين، أمثال ماكس نوردو، لتوضيح نقطة ما أو مفهوم كامن لم يتضح تماماً في كتابات هرتزل نفسها.


يَصدُر هرتزل عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، ولكنه طوَّر الخطاب الصهيوني المراوغ وهو ما فتح الباب لتهويد الصيغة الأساسية. وقد يكون الخطاب المراوغ أحد أهم إسهاماته في عملية تطوير الفكر الصهيوني والحركة الصهيونية، فهرتزل يقدم حله للأطراف المعنية بصياغة مراوغة تجعل من الصعب على أي طرف رفض الصيغة، إذ أنها ستُرضي الجميع وستتعايش داخلها التناقضات، وهي صيغة منفتحة جداً تسمح بكل التحورات والتلونات، كالحرباء كل شيء فيها يتغيَّر إلا عمودها الفقري (يستخدم هرتزل صورة الحرباء المجازية للإشارة إلى يهود الغرب في عصره الذين يتلونون ببيئتهم. وفي العصور الوسطى، كان يشار لليهود بأنهم إسفنجة تمتص أي شيء، وهما صورتان مجازيتان متقاربتان في أنهما يؤكدان عدم وجود حدود صلبة، حيث الداخل والخارج متماثلان أو متداخلان رغم وجود "داخل" و"خارج"). ويمكن القول بأن الصياغة الهرتزلية المراوغة هي محاولة أولية لتهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة حتى تستطيع المادة البشرية المُستهدَفة استيعابها، أو هي على الأقل محاولة لفتح الصيغة الأساسية الشاملة المصمتة حتى يمكن استيعاب الديباجات اليهودية ومن ثم يمكن تهويدها.

وقد ساعدته الصياغة المراوغة على وضع إطار تعاقدي بين يهود الغرب والعالم الغربي، نشير إليه باعتباره «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية» الذي يُعبِّر عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ولكن المراوغة جزء من اتجاه أهم وأشمل في كتابات هرتزل، فقد قرَّر تحديث فَهْم المسألة اليهودية وتحديث الحلول المطروحة ومحاولة تقديم حل رشيد. والواقع أن المفتاح الحقيقي لفهم كتابات هرتزل هو العنوان الفرعي لكتابه دولة اليهود: محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية.

ولا تتبدَّى حداثة هرتزل في الأفكار وحسب وإنما تتبدَّى كذلك في النبرة الهادئة، وهو يَصدُر عن فكرة الشعب العضوي المنبوذ ويفسره ويطرح حلولاً عملية للموضوع:

1 ـ الشعب العضوي المنبوذ.

يذهب هرتزل إلى أن معاداة اليهود أساسية في الحضارة الغربية لا مجال للتخلص منها، فهي إحدى الحتميات العلمانية التي تعلَّمها هرتزل من داروين وغيره، ولذا فهو يقابل الظاهرة بكثير من الهدوء والتجرد ويفسرها على عدة أسس:

أ) أساس تاريخي اجتماعي.

تَطوَّر اليهود داخل الجيتو وأصبحوا جزءاً من الطبقة الوسطى المسيحية التي لن تتردد في أن تلقي بهم للاشتراكية، فاليهود قوة مالية مستقلة ونفوذ اقتصادي رهيب. ولذا، فإن الشعوب المسيحية تدفع عن نفسها هذه السيطرة "فليس بمقدورهم أن يخضعوا لنا في الجيش والحكومة وفي جميع مجالات التجارة". وتتضح حداثة هرتزل في هدوئه وهو يستنتج مشروعية معاداة اليهود، فهي "شكل من أشكال الدفاع عن النفس" والمعادون لليهود بطردهم إياهم كانوا ببساطة يدافعون عن أنفسهم. السبب الكامن وراء معاداة اليهود، إذن، سبب موضوعي اجتماعي بنيوي هو المنافسة التجارية. ولكن هرتزل يضيف سبباً آخر هو "التعصب الموروث"، وهو سبب ذو بُعد تاريخي. ولعل هرتزل كان يعني بذلك أن المنافسة التجارية في المجتمعات الغربية البورجوازية كان يجب ألا تؤدي بالضرورة إلى معاداة اليهود. ولكن بسبب التعصب المـوروث، أو بسـبب أنماط الإدراك التقليدية الموروثة عن العصور الوسطى، أدَّى نجاح اليهودي في المجتمع البورجوازي إلى رفضه.

ب) أساس عرْقي.

كان هرتزل يرى أحياناً أن اليهود عرْق مستقل، ولذا فقد تحدَّث عن أنوفهم المعقوفة المشوهة وعيونهم الماكرة المراوغة. وكثيراً ما تحدَّث عنهم من خلال الأنماط العرْقية التقليدية الشائعة في أدبيات اليهود.

وقد قرأ هرتزل كلاسيكية دوهرنج عن معاداة اليهود عام 1882 فتركت فيه أثراً عميقاً. ويبدو أنه اعتقد صحة ما جاء فيها أو تقبَّلها بشيء من التحفظ.

جـ(أساس إثني ثقافي.

كان هرتزل ينظر لليهودي (في عمله المسرحي الجيتو الجديد) من خلال الأنماط الإثنية لأدبيات معاداة اليهود، فاليهودي متسلق اجتماعياً وتاجر في البورصة وشخص يعقد زيجات من أجل المنفعة والمصلحة المالية. واليهود شخصيات كريهة خارجية طفيلية تشكل خطراً على القوميات العضوية في أوربا. وقد كان هرتزل يرى أن اليهود، بماديتهم الموغلة وألمانيتهم الفاسدة (اليديشية)، يقومون بإفساد الروابط العضوية التي تربط أعضاء الفولك الألماني بعضهم ببعض، وتزخر يومياته بالمقارنات التي يعقدها بين الشخصية الألمانية المنفتحة الصحيحة والشخصية اليهودية العليلة.

ويبدو أن ادعاء الأرستقراطية كان من قبيل محاولة اللجوء إلى عالم الأغيار الرحب هـرباً مما ســماه «المادية اليهودية المفـــرطة» التي زادت بتَساقُط الدين اليهودي. ومن الطريف أن التواريخ الصهيونية ترى أن واقعة دريفوس هي التي هزت هرتزل وأعادته إلى يهوديته، ولكن المقالات التي كتبها لصحيفته عام 1894 تدل على أنه كان مقتنعاً بأن الضابط اليهودي كان مذنباً، ولعل اقتناعه بوجاهة الاتهامات هو الذي قاده إلى الصهيونية. فالكره العميق لليهود واليهودية هو الأساس العميق الكامن للصهيونية.

وقد أصبحت معاداة اليهود واليهودية الإطار المرجعي الوحيد لفكره وهويته، فمعاداة اليهود هي التي حولت اليهود إلى شعب «شعب واحد» (بالألمانية: أين فولك Ein Volk) "هكذا علمنا أعداؤنا سواء رغبنا في ذلك أم لم نرغب، ولذا فإن مصيبتنا تَربطنا، تُوحِّدنا". إن عداء اليهود هو الرابط الحلولي العضوي وليس الإله أو العقيدة كما هو الحال في الحلولية التقليدية. ولذا، فإن ثمة علاقة عضوية بين هويته اليهودية وبين واقع معاداة اليهود: الأولى تنمو بنمو الثانية. ويجب أن نلاحظ أن هذا الشعب قد نُزعت القداسة عنه تماماً، فهو شعب مثل كل الشعوب، وهو مادة بشرية استيطانية.

والواقع أن صيغة الشعب العضوي صيغة خروجية تصفوية، إن صح التعبير، فهي تعني حتمية خروج الجسم الغريب (اليهود) من الكيان العضوي الأكبر (الحضارة الغربية) واختفائه تماماً، فالخروج هو "الحل النهائي". وقد بيَّن هرتزل أن ثمة علاقة بين خروج موسى والمشروع الصهيوني، ولكن الخروج على الطريقة الموسوية حل قديم بال. ويُعلمن هرتزل الخروج ويشير إلى طرق غير موسوية لإنجازه. ومع هذا، فهي تؤدي جميعاً إلى الهدف المنشود النهائي: يمكن أولاً أن يتم الخروج عن طريق الزواج المُختلَط، ولكن هذا يتطلب ارتفاع المستوى الاقتصادي. ومن الواضح أن ازدياد قوة اليهود المالية وتزاوجهم مع المسيحيين سيزيد تحكُّم اليهود في الاقتصاد، الأمر الذي سيزيد المسألة اليهودية حدة. وقد اقترح هرتزل كذلك عام 1893 تعميد اليهود وتنصيرهم حلاًّ نهائياً للمشكلة. ولعل انضمام اليهود للحركات الاشتراكية كان يشكل أيضاً أحد الحلول من وجهة نظر البعض. ويشير هرتزل في دولة اليهود إلى إحدى المحاولات في عصره، وهي محاولة تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج عن طريق توجيههم من التجارة الهامشية والربا إلى الأعمال الزراعية بحيث يصبح اليهود فلاحين. ويعترض هرتزل على هذا الاتجاه، فالطبقة الصاعدة هي العمال، كما أن اشتغال اليهود بالزراعة لن يزيل المشكلة فمراكز اشتغال اليهود بالزراعة في روسيا هي مراكز حركة معاداة اليهود.

وبإمكان اليهود الاختفاء أيضاً عن طريق الخروج الفردي أو الهجرة الفردية. ولعل هرتزل كان يشير هنا إلى ملايين اليهود التي هاجرت إلى الولايات المتحدة، ولكن اعتراضه على الهجرة الفردية يدخل ضمن اعتراضه على الصهيونية التسللية وصهيونية الأثرياء التوطينية، وهي في الواقع جهود فردية، ولا يمكن تحقيق الخروج إلا بشكل جماعي. ولنلاحظ أن كل الحلول "حلول نهائية" تنطوي على فكرة اختفاء اليهود، وقد ظل هذا هو جوهر الحل الصهيوني، فهرتزل (الصهيوني اليهودي غير اليهودي) لم يكن له اعتراض على الاندمـاج والذوبان والانصـهار والاختفاء، فهو يقرر في دولة اليهود ، بشيء من الاستحسان، أن اليهود لو تُركوا وشأنهم لاختفوا ولكنهم لا يُترَكون وشأنهم. كما أن كل الحلول النهائية المطروحة حلول يراها هرتزل غير رشيدة (وقد تَوصَّل النازيون إلى أن أكثر الحلـول رشـداً في مجـــال الخروج أو الترانسفير النهائي هو الإبادة، عن طريق السخرة وأفران الغاز، فهو توظيف للمادة البشرية يؤدي إلى نتائج مذهلة، وهذا ما تَوصَّل إليه صديق هرتزل: ألفريد نوسيج الذي تعاون مع النازيين وقدَّم لهم خطة تؤدي إلى الخروج النهائي من خلال الإبادة).

2 ـ نَفْع اليهود والحل الإمبريالي.

إذا كان اليهود شعباً عضوياً منبوذاً، فإن أوربا منذ عصر النهضة اكتشـفت نَفْع اليهود وإمكانية حوسـلتهم لصـالح الحضارة الغربية، وهذا ما يفعله هرتزل في دولة اليهود. فهو أيضاً يكتشف إمكانية نفع اليهود وتوظيفهم لصالح أي راع إمبريالي يقوم بوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.

ويبدو أن هرتزل كان يرفض في بادئ الأمر «الخروج» على الطريقة الصهيونية الاستيطانية، شأنه في هذا شأن يهود الغرب المندمجين. وقد نشر في المجلة التي كان يكتب فيها عام 1892 تقارير تفصيلية عن أحوال الاستيطان اليهودي في الأرجنتين. وقد سافر زميل له مندوباً عن يهود برلين (الذين أخافهم وصول يهود اليديشية، تماماً كما أخاف ذلك يهود فيينا) ليَدرُس احتمالات توطين اليهود في البرازيل. كما كان هرتزل يعرف عن مشروع توطين اليهود في الساحل الشمالي الغربي في الجزيرة العربية (الأحساء)، فكتب مقالاً عام 1892 يرفض فيه فكرة عودة اليهود إلى فلسطين وقال: "إن الوطن التاريخي لليهود لم يَعُد ذا قيمة بالنسبة لهم، ومن الطفولي أن يستمر اليهودي في البحث عن موقع جغرافي لوطنه". كما سخر في مقال له من إحدى مسرحيات ألكسندر دوماس لما تحتويه من أفكار وحلول صهيونية. ولكن هذا كان قبل أن يكتشف الاستعمار الغربي.

ويجب ألا ننسى أن عملية التحديث في الغرب متلازمة تماماً مع العملية الاستعمارية، ولا يمكن فصل الواحدة عن الأخرى. فتراكم رؤوس الأموال الذي يُسمَّى «التراكم الرأسمالي» الذي جعل تشييد البنية التحتية الهائلة في الغرب ممكناً، هو في واقع الأمر «تراكم إمبريالي»، فهو نتاج العملية الاستعمارية التي بدأت بالاحتكار المركنتالي وانتهت بالتقسيم الإمبريالي للعالم. كما أن كثيراً من مشاكل التحديث الغربية من بطالة وانفجار سكاني وسلع زائدة، تم حلها عن طريق الاستعمار، أي عن طريق تصديرها للشرق، واكتشاف هرتزل الطريقة الغربية الإمبريالية الحديثة لحل المشاكل، أي تصديرها وفَرْضها بالقـوة على الآخر، يشـكل الانتقال النوعي في فكره وحياته.

قبل أن يطرح هرتزل حله، وجَّه نقداً للمحاولات الاستيطانية الصهيونية في عصره (محاولة التسلليين من شرق أوربا بدعم أثرياء الغرب المندمجين) ووصفها بأنها رومانسية مستحيلة دخلت طريقاً مسدوداً. ثم ينتقل هرتزل بعد ذلك فيرفض الفكر المركنتالي الذي يدَّعي أن هناك قيمة محددة في حالة توزيع دائم، ويؤكد بدلاً من ذلك أن العصر الصناعي الرأسمالي والتقدم الفني يؤدي إلى خلق القيم الجديدة المستمرة ويسمح بالتوسع الدائم. ثم يطرح هرتزل رؤيته القائلة بأن ثمة تقدماً هائلاً ودائماً في جميع مجالات الحياة فهناك "سفن تجارية تحملنا بسرعة وأمان عبر البحار الواسعة" و"القطارات تحمل الإنسان عبر جبال العالم، فالمساحات الشاسعة لا تُشكِّل عائقاً الآن. ومع هذا، فنحن نتذمر من مشكلة تكاثُف السكان (وخصوصاً اليهود). إن الانقلاب الصناعي وحركة المواصلات يمكنها أن تحل مشاكل الإنسان [الغربي] ومن بينها المسألة اليهودية". وعبارة «الانقلاب الصناعي وحركة المواصلات» البريئة تعني في واقع الأمر الانقلاب الإمبريالي الذي هيمن على العالم، والذي أمكنه، من خلال الاستعمار الاستيطاني، حل "مشكلة تكاثف السكان".

وبعد أن أكد هرتزل للدول الغربية أن نَقْل الشعب العضوي المنبوذ هو الحل المطروح، فإنه يبين لهم منافع الحل الصهيوني المطروح. فبالنسبة للدولة الراعية، ستكون الهجرة هجرة فقراء وحسب، ولذا فإنها لن تؤثر على اقتصادها. كما أن الخروج سيتم تدريجياً، دون أي تعكير، وستستمر الهجرة من ذلك البلد حسب رغبة ذلك البلد في التخلص من اليهود. كما أنه يذكر بشيء من التفصيل الثمن الذي سيدفعه اليهود (الدور الذي سيلعبونه والوظيفة التي سيؤدونها) ومدى نفعهم للراعي الاستعماري الذي سيضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ:

أ) ومن الجدير بالذكر أن الحكومات المعنية ستستفيد من هذه الهجرة استفادة كبيرة.

ب) ولو كانت الحكومات المعنية هي السلطان العثماني، فإن الفوائد تكون بالغة الكثرة:

ـ فلو يعطينا جلالة السلطان فلسطين لكنا نأخذ على عاتقنا مقابل ذلك إدارة مالية تركية كاملة.

ـ ستستفيد هذه السلطات بالمقابل إذ أنها ستدفع قسطاً من دينها العام وستقيم مشاريع نحتاج إليها نحن أيضاً.

ـ يمكن وضع النفوذ الصهيوني في خدمة السلطان، كأن تقام حملة صحفية ضد الأرمن الذين كانوا يسببون له المتاعب.

ـ ويمكن أن يؤسِّس الصهاينة جامعة في إستنبول لإبعاد الشباب التركي عن التيارات الثورية في الغرب.

ـ وأخيراً، فإن هجرة اليهود ستبعث "القوة في الإمبراطورية العثمانية كلها" وهو مطلب ألماني إنجليزي في ذلك الوقت (ضد الزحف الروسي)


جـ) أما لو تم اختيار الأرجنتين كموقع للاستيطان، فمن مصلحتها أيضاً أن تقبلنا في أراضيها.

د) وسواءٌ تم التهجير إلى الأرجنتين أو إلى فلسطين أو أية منطقة أخرى، فإن فكرة خَلْق دولة يهودية أمر مفيد للأراضي المجاورة، ذلك لأن استثمار قطعة أرض ضيقة يرفع قيمة المناطق المجاورة، وستبعث هجرة اليهود قوة في تلك الأراضي الفقيرة.

هـ) ولأن هرتزل كما بيَّنا كان يعرف أن الحكومات المعنية هي في الواقع القوى الغربية، لذلك فهو يقدم لهم قائمة كاملة شاملة:

ـ بهذا الخروج ستكون نهاية فكرة معاداة اليهود، وبالتالي لن يحس الغرب الليبرالي بالحرج بسبب عنصريته الواضحة.

ـ ومما لا شك فيه أن الدول الغربية ستجني فوائد أخرى مثل تخفيف حدة الانفجار السكاني، كما ستفيد من كل المشاكل الناجمة عن وجود شعب عضوي غريب.

ـ وفي تحليله أسباب معاداة اليهود، قال هرتزل: "عندما نسقط نصبح بروليتاريا ثورية، نقود كل حزب ثوري، وعندما نصعد تصعد معنا قوتنا المخيفة"، ولذا فإن الصهيونية ستقوم بتخليص الغرب من أحد العناصر الثورية بتسريب طاقتها الثورية في القنوات الصهيونية.

و) ولكن أهم منافع الصهيونية أنها ستُحوِّل المادة البشرية اليهودية إلى عملاء للدولة الغربية مانحة السيادة ويأخذ هذا أشكالاً كثيرة:

ـ فبالنسبة للصهاينة الاستيطانيين: يمكن حل المسألة الشرقية والمسألة اليهودية في آن واحد. وسوف يكون لهذا الحل تأثير في العالم المتحضر [الغربي] بأسره ويكون ذلك بأن "يقام هناك [في فلسطين] حائط لحماية أوربا وآسيا [دولة وظيفية] يكون بمنزلة حصن منيع للحضارة في وجه الهمجية. ويتوجب علينا كدولة محايدة أن نبقى على اتصال مع أوربا التي ستضمن وجودنا بالمقابل". وهو يرجو أن تدرك إنجلترا مدى القيمة والفائدة التي ستعود عليها من وراء كَسْبها الشعب اليهودي.

ـ ولا ندري هل أدرك هرتزل منذ البداية الإستراتيجية الصهيونية الحالية الرامية إلى تفتيت الشرق العربي إلى جماعات دينية وإثنية، فهو يقول: "إن تَحسُّن وضع اليهود سيساعد على تَحسُّن وضع مسيحيي الشرق". فهو بعد أن ربط مصير اليهود بالغرب، يرى إمكانية طرح السيناريو نفسه بالنسبة لمسيحيي الشرق.

ـ أما بالنسبة لليهود الذين يمكثون خارج فلسطين (الصهاينة التوطينيون)، فيمكن تحويلهم إلى عملاء للدولة مانحة السيادة، فتحصل إنجلترا على عشرة ملايين عميل يضعون أنفسهم في خدمة جلالها ونفوذها.

وانطلاقاً من كل هذا، يطرح هرتزل الحل: "يجب ألا يأخذ الخروج شكل هروب أو تسلُّل، وإنما يجب أن يتم بمراقبة الرأي العام [الغربي]. هذا ويجب أن تتم الهجرة وفقاً للقوانين وبمعاونة صادقة من الحكومات المعنية [الغربية طبعاً] التي يجب أن تضمن وجودنا لأن اليهود لا يمكنهم أن يفعلوا ذلك بأنفسهم". وهكذا رفض هرتزل تماماً فكرة الانعتاق الذاتي باعتباره حلماً رومانسياً، وطرح حتمية الاعتماد على الإمبريالية (وهذا هو مربط الفرس الذي لم يتنبه إليه أي مفكر صهيوني آخر من قبله). ولذا، فإن القول بأن أفكار هرتزل كانت كلها في كتابات أحباء صهيون قول صادق وكاذب في آن واحد! صادق إذا ما فتَّتنا الأفكار إلى وحدات صغيرة، مثل: فكرة الدولة اليهودية، فكرة وطن قومي لليهود، فكرة الاستيطان... إلخ، ولكنه كاذب إذا ما نظرنا إلى البنية الكامنة أو إلى الإطار الكلي المبتكر.

وعندما تتضح الأمور عند هرتزل، فإنه يتقدم بمطالبه للحكومات الغربية المعنية.. "امنحونا سلطة على قطعة من الأرض في هذا العالم [غير الغربي] تكـفي حاجاتنا القومـية المشـروعة، ونحن سـنعمل ما يتبقى". ويكرر هرتزل الفكرة نفسها في موضع آخر "متى أظهرت القوى الدولية [الغربية] رغبة في مَنْحنا السلطة فوق قطعة أرض محايدة [أي خارج أوربا] ستعمل جمعية اليهود مع السلطات الموجودة في تلك الأراضي [أي الدولة العثمانية أو الحكومة الأرجنتينية أو غيرها من الدول] وتحت إشراف القوى الأوربية [المصدر الوحيد للسلطة]". وبهذا، يكون هرتزل قد قدَّم الحل: دولة يهودية ذات سيادة تُؤسِّس خارج أوربا، مصدر سيادتها هو العالم الغربي، أي أنه سيحقق السيادة من خلال العمالة للقوى العظمى الغربية صاحبة القرار في العالم في ذلك الوقت. وهو بذلك قد توصَّل للآلية الكبرى لتنفيذ المشروع الصهيوني وهي الإمبريالية، وللإطار الأمثل وهو الدولة الوظيفية التي سيتم توظيف اليهود من خلالها لصالح العالم الغربي. بل ستُحل مشكلة الهوية اليهودية حلاًّ عبقرياً، فهو يُخرج اليهود من التشكيل القومي الغربي، ويُخلِّص الغرب منهم، ولكنه يُدخلهم الغرب مرة أخرى عن طريق التشكيل الاستعماري الغربي، إذ يبدو أن الدولة الوظيفية سيتم استيعابها في الحضارة الغربية وتصبح دولة مثل كل الدول الغربية. إن الغرب العنصري (ويهود الغرب المندمجين) لم يكونوا على استعداد لتقبُّل الشعب اليهودي العضوي المنبوذ داخل الغرب، ولكن مَنْ الذي يمكنه أن يرفض الشعب اليهودي العضوي الذي يحقق هويته اليهودية هناك بعيداً عن الغرب، داخل دولة وظيفية تقوم على خدمته وتظل تربطه به علاقة؟

قد يُقال إن هذا الحل الاستعماري ليس تحديثاً بقدر ما هو استمرار لوضع اليهود القديم في أوربا منذ العصور الوسطى كجسد غريب من المرابين والتجار، في أوربا وليس منها ويعيشون في مسام المجتمع (على حد قول ماركس). ولكن أن يعيش الإنسان على هامش المجتمـع خير له من أن يعيـش في مسـامه، لأن الحـالة الثانية خطرة جداً. كما أن الغرب الحديث على ما يبدو قد ضاقت مسامه كثيراً، ولذا فقد قام بتصفية معظم الجيوب الإثنية. كما أن عملية التحديث تأخذ أحياناً في الظاهر شكل العودة إلى الوراء، إلى القديم وإلى الأصول، ولكنها في الواقع عملية تغيير شاملة. وهذا أيضاً ما فعله هرتزل، فقد احتفظ بالأشكال القديمة (عقيدة الخروج وأسطورة الشعب والعودة) ولكنه أعطاها مضموناً جديداً أو حديثاً، وهذا مؤشر آخر على براعته.

  • الاحد PM 03:07
    2021-05-09
  • 868
Powered by: GateGold