المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 412121
يتصفح الموقع حاليا : 335

البحث

البحث

عرض المادة

يهود اليديشية أو يهود شرق أوربـا

يهود اليديشية أو يهود شرق أوربـا
Yiddish or East European Jews
«يهود اليديشية» مصطلح نستخدمه في معظم الأحيان بدلاً من مصطلح «يهود شرق أوربا». وهذا المصطلح الأخير هو المصطلح الشائع في الدراسات التي تتناول الجماعات اليهودية، وهو مصطلح مطاط غير محدَّد ولكنه يشير عادةً إلى الجماعات اليهودية الموجودة شرق ألمانيا، (في بولندا وروسيا). ولذا، فهو لا يتفق بالضرورة مع الحدود السياسية المعروفة بمنطقة شرق أوربا في الوقت الحالي والتي تضم، على سبيل المثال، رومانيا وتشيكوسلوفاكيا. وأصل المصطلح ألماني، ويعبِّر عن إحساس يهود ألمانيا بأنهم ينتمون إلى الغرب، أي غرب أوربا، وأنهم يختلفون عن يهود الشرق. وقد انتشر المصطلح مع القرن التاسع عشر وبداية حركة القومية السلافية.


ونحن نفضل استخدام مصطلح «يهود اليديشية» الذي استخدمه يهود إنجلترا، من السفارد وغيرهم، للإشارة إلى المهاجرين الجدد من روسيا وبولندا. ويهود اليديشية يشكلون أغلبية يهود العالم، وتعود أصولهم إلى القرن الثاني عشر، مع حروب الفرنجة، حين بدأت تهاجر جماعات من اليهود الألمان، مع التجار الألمان، واستوطنت بولندا بدعوة من حكامها لتشجيع حركة التجارة وحملت معها لغتها وثقافتها الألمانية. وقد دخلت على لغتهم الألمانية بعض الكلمات السلافية والعبرية، ثم كتبوها بالحروف العبرية حتى أصبح يُشار إليها باللغة اليديشية، وهي في واقع الأمر لهجة ألمانية وحسب. وأصبحت هذه اللهجة، التي يُقال لها لغة، سمتهم الثقافية الأساسية التي حملوها معهم أينما ذهبوا ومن هنا كانت التسمية. ويذهب آرثر كوستلر إلى أن أصل يهود اليديشية ما يسميه هو «الدياسبورا الخزرية»، أي تشتُّت أو انتشار يهود الخزر واستقرار أعداد منهم في شرق أوربا.

وينقسم يهود اليديشية إلى تقسيمات فرعية مثل يهود البولاك والليتفاك والجاليسيانر، وهي كلمات يديشية تعني «البولندي والليتواني والجاليشـي». (كانت جاليـشـيا وليتـوانيا أجـزاء من بولندا). وثمة اختلافات دقيقة بين الأنواع الثلاثة لها دلالاتها، ولكن هناك وحدة أساسية وخصوصية يستمدها أعضاء الجماعة اليهودية من وجودهم داخل التشكيل السـياسي الحضاري البولندي بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف المال والتجارة وبمهن وحرف معيَّنة. والجماعات الوظيفية عادةً ما تحتفظ بعزلتها وبسماتها الإثنية (التي أحضرتها معها من وطنها الأصلي، وهو ألمانيا) حتى يتسـنى لها الاضطلاع بوظيفتها في المجتمع التقليدي التي وفدت إليه. وكان يهود شرق أوربا يتحدثون اليديشية في وسط يتحدث إما البولندية وإما الأوكرانية، ويرتدون أزياء مميَّزة، ويؤمنون باليهودية في وسط يؤمن بالمسيحية. وقد عاشوا في مدن صغيرة تُسمَّى «شتتل» وفرت لهم تربة يهودية يديشية معزولة نسبياً عن عالم الأغيار. ولكن عقيدتهم اليهودية نفسها، بدأت تدخلها عناصر صوفية بتأثير القبَّالاه وبتأثير المسيحية الأرثوذكسية الشعبية والهرطقات الدينية المختلفة التي وجدوها بين الفلاحين السلاف.

ومما يجدر ذكره أن المستوى المعيشي ليهود اليديشية حتى بداية القرن الثامن عشر، كان مرتفعاً قياساً إلى عامة الشعب من الفلاحين والأقنان، بل إلى أعضاء الطبقات الوسطى الهزيلة في بولندا. وكان لا يفوقهم في مستواهم المعيشي سوى النبلاء البولنديين (شلاختا). بل إن النخبة الثرية بين اليهود كانت تعيش في مستوى اقتصادي يفوق صغار النبلاء. ولكن بعد ذلك التاريخ، ونتيجة تحولات عديدة، أخذ مستواهم الاقتصادي ينحدر.

وتعرَّض تَماسُك يهود اليديشية لعدة هجمات وضربات من الخارج كانت أولاها هجمات شميلنكي عام 1648، التي بدأت تُخلخل وضع الجماعة اليهودية، ثم كانت الضربة الثانية تقسيم بولندا (الأول والثاني والثالث) في الفترة 1772 ـ 1795 والذي انتهى باختفاء بولندا عام 1795 بوصفها وحدة سياسية مستقلة، وبتقسيمها بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية النمساوية وألمانيا (بروسيا). وكانت الأراضي التي ضمتها روسيا تضم أكبر عدد من يهود اليديشية.

وكانت البلاد الثلاثة التي اقتسمت بولندا فيما بينها بلاداً زراعية متخلفـة. ومع هذا، بدأت تظهر فيها، بتشـجيع من الملـكيات المطلقة، اتجاهات نحو التصنيع. ورغم ضعف النظام الإقطاعي، فإن الأرستقراطية الزراعية ظلت ممسكة بزمام السلطة. وشهدت هذه الفترة حركة تحرير الأقنان في روسيا، الأمر الذي أدَّى إلى خلل في الأوضاع الاجتماعية، وخصوصاً أن الرقعة الصالحة للزراعة لم تكن واسعة، وهو ما أدَّى إلى زيادة الصراعات الاجتماعية وإلى ظهور توترات بين النبلاء والفلاحين. وقد ازداد بؤس الفلاحين وزاد تعاطيهم للخمور. ومع تركز أعضاء الجماعة اليهودية في صناعة الخمور، وجدوا أنفسهم في مركز الأزمة الاجتماعية، وأشارت أصابع الاتهام إليهم باعتبارهم مسئولين عن بؤس الفلاحين. وقد كانت حكومات البلاد الثلاثة، التي اقتسمت بولندا وسكانها اليهود فيما بينها، يحكمها حكام مطلقون مستنيرون (فريدريك الثاني في بروسيا، وجوزيف الثاني في النمسا، وكاترين الثانية في روسيا)، فتبنت هذه الحكومات مقياس مدى نفع اليهود وإمكانية إصلاحهم وتقليل عزلتهم. فتم تقسيمهم إلى نافعين وغير نافعين. وكان الهدف هو إصلاح اليهود، وزيادة عدد النافعين بينهم، وطرد الضارين منهم أو منع زيادة عددهم. وارتبطت هذه العملية بعملية إعتاق اليهود، فلم يكن يُعتَق منهم سوى النافعين.

ومن السمات المشتركة الأخرى لهذه البلاد ظهور القوميات العضوية فيها جميعاً التي تدور حول مفهوم الشعب العضوي (فولك)، وهي قوميات تنبذ الأقليات ولا تفتح أمامها فرصة الاندماج، كما حدث في إنجلترا وفرنسا وغرب أوربا بشكل عام. فالقوميات العضوية تنكر إمكانية تحول الإنسان واندماجه إذ أن الشخصية والهوية، حسب تصورها، ليست مكتسبة وإنما موروثة، وتكاد تكون بيولوجية.

وتتميَّز الدول الثلاث بأن الدولة المركزية فيها كانت مطلقة ومستنيرة على عكس البيروقراطيات التابعة لها، التي كانت متخلفة وغير مستنيرة بالمرة ومليئة بالأحقاد ضد الأقليات، وخصوصاً في ظروف التحول الاجتماعي. ولذا، فحينما حاولت الدولة إصلاح اليهود بإصدار قرارات كانت البيروقراطية تعوق تنفيذ هذه القرارات.

ولقد تلقَّى يهود اليديشية هذه الضربات من الخارج، في مرحلة كانت اليهودية تمر فيها بأخطر أزماتها الداخلية ابتداءً من القرن الثامن عشر. فقد رجَّت المناظرة الشبتانية الكبرى أرجاء العالم اليهودي، وظهرت الحركة الفرانكية والحسيدية التي تحدت سلطة مؤسسات اليهودية الحاخامية. ونشب صراع حاد بين الحسيديين والمتنجديم، كما كانت التوترات الاجتماعية على أشدها داخل الجماعة.

ومما أدَّى إلى تفاقم الأوضاع السيئة، الانفجار السكاني الذي حدث بين يهود العالم الغربي، وخصوصاً يهود اليديشية، إذ زاد عدد يهود العالم، في الفترة 1850 ـ 1935 ستة أضعاف. وحيث لم يكن يهود الغرب يتزايدون، بل كانوا آخذين في التناقص، فإن نسبة الزيادة بين يهود اليديشية كانت في واقع الأمر أكثر من ستة أضعاف.

ولكل ما تقدَّم، بدأت وحدة يهود اليديشية وخصوصيتهم في التداعي ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر. واستغرقت هذه العملية مرحلة زمنية طويلة (امتدت حتى منتصف القرن العشرين) وانتهت باختفاء اللغة والثقافة اليديشية ودمج أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم حضارياً واقتصادياً وتَحوُّلهم من جماعة وظيفية وسيطة في المجتمع الروسي والبولندي إلى أعضاء في الطبقات الوسطى وغيرها من الطبقات في المجتمعات التي ينتمون إليها، وهذه المرحلة الزمنية هي في واقع الأمر مرحلة المسألة اليهودية التي كانت مسألة يهود شرق أوربا بالدرجة الأولى.

هاجرت أعداد كبيرة من يهود اليديشية، وخصوصاً في الفترة 1881 ـ 1914، فبلغت نحو 2.750.000 ؛ ذهب منهم 350 ألفاً إلى أوربا، وخصوصاً ألمانيا وفرنسا، و200 ألف إلى إنجلترا، و115 ألفا إلى الأرجنتين، و100 ألف إلى كندا و40 ألفاً إلى جنوب أفريقيا، ومليونان (أي حوالي 85%) إلى الولايات المتحدة. وهم بذلك يكّونون الأغلبية الساحقة من يهود تلك البلاد التي كانت تضم جماعات يهودية صغيرة جداً قبل وفود يهود اليديشية. وأدَّى وفودهم إلى زيادة معدلات معاداة اليهود نظراً لتخلفهم وتميزهم الوظيفي والإثني.

ومن هنا كان رد الفعل العنصري في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، الأمر الذي أدَّى إلى طرح الفكرة الصهيونية في إنجلترا في بداية الأمر، ثم بقية دول غرب أوربا ومنها إلى وسطها فشرقها. قام هرتزل بزيارته الأولى إلى إنجلترا لمناقشة موضوع يهود اليديشية وكيفية التخلص منهم أو حل مسألتهم، وفي هذا المناخ وُلد وعد بلفور. أما في الولايات المتحدة التي هاجر إليها الملايين، فكانت تُوجَد أمام المهاجرين من يهود اليديشية مجالات للعمل، ولذلك لم تحدث توترات اجتماعية. وقد تزايد عددهم حتى أصبحوا العنصر الغالب بين أعضاء الجماعة اليهودية هناك. وكان يهود اليديشية العنصر اليهودي الغالب في الإمبراطورية النمساوية المجرية وألمانيا. وغني عن القول أن يهود اليديشية كانوا هم أيضاً العنصر الغالب في الاتحاد السوفيتي حيث كانت تُوجَد جماعات يهودية أخرى مثل يهود جورجيا ويهود الجبال.

اختفت اليديشية تقريباً مع نهاية الثلاثينيات من هذا القرن، واختفى يهود اليديشية واختفت المسألة اليهودية معهم. أما أبناؤهم وأحفادهم فتم دمجهم في مجتمعاتهم. ومن هنا يُشار الآن إلى المهاجرين اليهود السوفييت إلى إسرائيل والولايات المتحدة بأنهم «الروس» لأن معظمهم يتحدث الروسية، كما أنهم روس من الناحية الثقافية .

ومن الملاحظات الجديرة بالذكر أن جميع الحركات الإصلاحية في العقيدة اليهودية، أو بين أعضاء الجماعات اليهودية، كان مصدرها دائماً وسط أوربا داخل صفوف اليهود الذين يتحدثون الألمانية في ألمانيا والنمسا. فحركة التنوير كان زعيمها مندلسون الألماني. وظهرت اليهودية الإصلاحية وكذا علم اليهودية في ألمانيا، كما أن الصهيونية نفسها، في أطروحاتها الأولى التي طرحها كل من موسى هس وماكس نوردو وتيودور هرتزل حمل لواءها ألمان. وكانت اللغة الرسمية للمؤتمرات الصهيونية هي الألمانية. ونظراً لأن الكثافة البشرية اليهودية كانت متركزة في شرق أوربا، فإن هذه الأفكار والحركات الفكرية كانت تظل مجرد أطروحات فكرية إلى أن تصل ليهود اليديشية الذين كانوا يحولونها إلى حركات سياسية وثقافية حقيقية. ويظهر هذا في تاريخ كل من حركتي التنوير والصهيونية. فالقيادات والزعامات كانت في البداية من أصل ألماني، لكن المفكرين والزعماء من يهود اليديشية بدأوا يستولون عليهما بالتدريج، وظهرت حركة تنوير يديشية وأدب يديشي وقومية يديشية (إن صح التعبير) دعا إليها دبنوف منطلقاً من مفهوم اصطلاح «قومية الدياسبورا». وفكرة القومية اليديشية تَصدُر عن تجربة يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر، حين أصبح لهم ما يشبه الهوية القومية المستقلة التي استمدوها من وجودهم في وضع معيَّن داخل الحضارتين الروسية والبولندية إبان مرحلة الانتقال من وضعهم المتميِّز كجماعة وسيطة إلى أن تم دمجهم وصهرهم،وهي مرحلة اتسمت بتَعثُّر عملية التحديث في شرق أوربا. وهي تجربة تكاد تكون فريدة في تواريخ الجماعات اليهودية، ويتمثل تفردها في وجود كتلة بشرية يهودية بهذه الضخامة داخل رقعة أرض متصلة (منطقة الاستيطان) تتحدث لغة مختلفة عن لغة البلد الذي تعيش فيه.

وظهر حزب البوند ليعبِّر عن هذا الوضع الطبقي وشبه القومي المتميز. وحينما أسس الاتحاد السوفيتي منطقة بيروبيجان، فإنه كان يتحرك في إطار القومية اليديشية، ولم تنجح التجربة بسبب اختفاء اليديشية وثقافتها، واختفاء أية معالم للخصوصية اليديشية.

أما فيما يتصل بالصهيونية، فقد تولت العناصر اليديشية قيادتها ابتداءً من المؤتمر الحادي عشر عام 1913. وظل هذا العنصر هو المهيمن حتى إعلان الدولة الصهيونية، وتكوَّن منه عصب النخبة الحاكمة فيها. كما أنه يشكل ما يُسمَّى «الحرس القديم»، ومن صلبه جاء جيل الصابرا. ويبلغ تعداد يهود شرق أوربا في الوقت الحالي (ما عدا كومنولث الدول المستقلة، أي الاتحاد السوفيتي سابقاً) 88.600. ولأول مرة في التاريخ الحديث يزيد عدد يهود غرب أوربا (دعاة الصهيونية التوطينية) عن يهود شرقها (المادة البشرية الاستيطانية) فيهود غرب أوربا يبلغ عددهم 1.036.300 أما يهود شرق أوربا (وضمن ذلك كومنولث الدول المستقلة) فهو 868.400.

  • الثلاثاء PM 06:10
    2021-04-20
  • 1648
Powered by: GateGold