المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 418784
يتصفح الموقع حاليا : 277

البحث

البحث

عرض المادة

حال أهل السنة مع الخوارج وأهل الغلو

القرآن الكريم:

وسنذكر محل الشاهد من الآيات:

قال تعالى في سورة الإسراء : " وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ " فالعلم الذي كلفنا الله به هو الظاهر ، والباطن يعلمه الله ، فبأي دليل من القرآن والسنة أو الإجماع فهمت أن الدلالات الظاهرة للإسلام غير كافية في إبطال المعتقدات الفاسدة ؟ هل رأيت عليه كفرًا ؟ هل ظهرت منه ردة؟ من أين عرفت أن عنده معتقدات باطلة وهي باطن؟ فإن قلت : أنه لم يتبرأ من الكفر والطاغوت ، وظننت أن وجوده في المجتمع الذي ينتشر فيه الشرك دليل على كفره فهذا ظن أبطله وقطعه ظهور الإسلام فيه ، ثم عدم ارتكابه مكفر ولا ناقض دليل على ثبوت عقد الإسلام له ، والظن لا يبطل اليقين.

قول الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً "[1] فجعل الله مجرد إلقاء تحية السلام دلالة معتبرة على ثبوت عقد الإسلام في الظاهر ، مع العلم أن ذلك الرجل كان مجهولاً لا يعرفون حاله أهو مشرك أو كافر أصلي ، ومع ذلك عاتبهم الله عز وجل لأنهم تعدوا حدود الله ولم يقفوا حيث أوقفهم الله من الحكم على المعين بما ظهر منه وغير ذلك تعد وظلم.

قال الله تعالى : " فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ "[2] وقوله تعالى : " فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "[3] . فجعل الله التوبة من الشرك وإقامة الصلاة وأداء الزكاة سببًا في الكف عنهم  ، عن كل من أظهر ذلك بل وجعل ذلك في الآية الأخرى سببًا للإخوة في الدين وأثبتها الله تعالى لمن ظهرت منه هذه الثلاث.

فهل رأيت شركًا أو رأيت امتناعًا عن الصلاة وأداء الزكاة ممن ظهرت منه هذه الدلالات؟ أم أنك لا تعتبر بها أصلاً وتخالف القرآن والسنة والصحابة ؟ فبأي دليل توقفت في ثبوت عقد الإسلام لمن ظهر منه الإسلام ودلالاته ولم يظهر منه شرك ، والله تعالى جعل الصلاة دلالة واضحة محكمة على ثبوت عقد الإسلام في الظاهر ، فيجب التقيد بالنص وطرح التأويل والظن والاحتمال لأنه لا يسلم من ذلك أحد حتى أنت وجماعتك ولو عاملك الناس بما عاملتهم به لحكموا عليك بالكفر والردة.

قال تعالى في سورة المنافقين : " اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً " فدلت الآية على أن إظهار الإيمان عاصم من القتل مع ظهور النفاق لكن لم يثبت عليه الكفر بأدلة الثبوت الشرعية من الإقرار والشهود والبينة ، فكيف بمن ظهرت منه دلالة ، بل دلالات أقوى من الأيمان والحلف بالله كذبًا - هذا من باب أولى - وهو المانع من عدم قتلهم.(وللوقوف على عقيدة الخوارج وتاريخهم ينظر كتابنا (الكفر بالطاغوت بين غلو الخوارج وتفريط المرجئة )

السنة القولية:

قال صلى الله عليه وسلم" من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم " رواه البخاري من حديث أنس رضى الله عنه- نسأل الله أن يجنبنا وإياك الهوى والزيغ والضلال وأن لا يجعلنا ممن يتبعون المتشابه ، ونسأله سبحانه أن يطهر قلوبنا من الهوى والتعصب - فهل هناك أوضح كلامًا وأحسن بيانًا من كلام الله وبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والحديث لا يحتاج إلى تعليق ، والمسلم المتجرد يقف عند النص ويطرح التأويل الفاسد ، والإشكال أنك لم تعتبر بهذا الظاهر أصلاً الذي اعتبره الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا مع ظهور الشرك والكفر.

قول النبي صلى الله عليه وسلم  : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا ، واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرم علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " رواه البخاري مرفوعًا.

وهذا أوضح وأحكم من الذي قبله في ثبوت عقد الإسلام بقول الشهادتين والصلاة وجعلهما دلالة ظاهرة معتبرة لمن أتى بهما وظهرتا عليه ، فهذا حكم بالظاهر معتبر بدلالة الصلاة ، ثم قال  " إلا بحقها " : يعني من ظهرت منه دلالات الإسلام مثل الصلاة فهو المسلم ، ويظل على إسلامه ما لم يرتكب ناقضًا يخرجه من الإسلام ، وذلك فيه دلالة على اعتبار الظاهر لأن الأحكام تجري على الظاهر من إسلام وكفر وليس لنا إلا ذلك ، ثم قال  مبينًا ذلك : " وحسابهم على الله " الذي يعلم حقيقتهم الباطنة لأنه علام الغيوب أما نحن فليس لنا إلا الحكم بالظاهر وهذا الذي كلفنا الله به فيجب التقيد بالنص ومعاملة الصحابة للمنافقين خير دليل.

وأوضح من ذلك كله حديث اليهودي الذي قال للنبي  : أشهد أنك رسول الله ، ثم مات ولم يعمل بالإسلام ولم يصل لله ركعة ولا سجد لله سجدة ومع ذلك قال النبي  : " صلوا على صاحبكم الحمد لله الذي أنقذ بي نفسًا من النار" ولم يقل النبي  أن الإتيان بدلالات الإسلام الظاهرة غير كافٍ في بطلان عقائده الفاسدة ، لم يقل أنه قالها فرقًا من الموت أو احترامًا وإكرامًا للنبي  أو مجاملة له أو أي احتمال آخر من الاحتمالات التي لا تنتهي وتخرجنا عن التقيد بالنص إلى التأويلات الفاسدة المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة الذين لا يكفرون بالظن ولا بالشبهة ولا بالتأويل ويقولون : إن كل من ثبت له الإسلام بيقين لا يزول بالشك أو الظن المحتمل ، فالذي لا يعتبر بدلالات الإسلام الظاهرة التي اعتبرها الله U ولم يكلفنا إلا بها ، وكذلك النبي  اعتبر بدلالات الإسلام الظاهرة وثبوت عقد الإسلام لكل من أتى بها ، وحسابه على الله ولم يفهم الصحابة رضوان الله عليهم من نبيهم  غير ذلك ، وعملوا به وسار عليه كل من أتى بعدهم حتى القرون المفضلة مع ارتداد العرب وظهور الشرك فمن لا يعتبر بدلالات الإسلام الظاهرة مثل الصلاة والحج فهو متهم للنبي  بعدم الإحاطة بما يقول ، بعدم شمول قوله  للقرون الآتية من بعده ، وكذلك من لا يعتبر بدلالات الإسلام الظاهرة في ثبوت عقد الإسلام ولم يجعلها كافية ، متهم للصحابة رضى الله عنهم  وهذا فيه مدخل للعلمانيين للقول بأن الدين لا ينفع في هذا الزمان لأن الواقع تغير وكلام الرسول  كان في واقع معين مخصوص ولا كان يدري بما سيأتي من تطور أحوال الناس وكلامه وكلام أصحابه لا يتعدى عصر النبوة والخلافة الراشدة فقط والدين لا يصلح في هذا العصر ، وهذه ردة صريحة وكفر بالله وتكذيب بالقرآن والسنة وما عليه الصحابة وسلف الأمة ، وليس في ذلك دليلاً للمرجئة لأن الأحكام تبنى على الظاهر من إسلام وكفر على السواء. 

لا يخفى عليك حديث أسامة بن زيد  وعن أبيه - المتفق عليه - وليس فيه تفريق بين كافر وكافر ابتداءً ، بل اعتبار الظاهر هو الدليل المعتبر لإجراء الأحكام في الدنيا وهذا واضح في حديث الغلام اليهودي والأحاديث يوضح بعضها بعضًا فلو جمعنا حديث أسامة وحديث الغلام اليهودي لظهر بوضوح أن النبي  لم يسأله هل تخليت عن اعتقادك القديم في اليهودية أم لا ؟ وهل كفرت بالطاغوت أم لا وهل كفرت بالتوراة المحرفة وآمنت بالقرآن أو لا؟ وهل اعترفت بأني رسول الله إلى العالمين كافة وليس للعرب خاصة أو لا ؟ بل النص ورد بقول اليهودي : " أشهد أنك رسول الله " وهذا ظاهر كاف في ثبوت عقد الإسلام في أحكام الدنيا ابتداءً واستمرارًا وانتهاء ، فلو كان عاكفًا على الشرك والكفر فلا تقبل منه حتى يتخلى عن الشرك والكفر كما فعل النبي  مع وفد ثقيف حين ساوموه على ترك صنمهم مدة من الزمن حتى يدخل قومهم في الإسلام. فاعتبار الظاهر بدلالات الإسلام في ثبوت عقد الإسلام نص لا معارض له ، ويجب التقيد بالنص.

ولا يخفى عليك كذلك حديث المقداد - المتفق عليه - وهو نص في محل النزاع : قال يا رسول الله ! أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار - ( أي كفار مطلق الكفار ومعلوم أن النبي  كان يقاتل المشركين من العرب ويقاتل اليهود في المدينة ، ويقاتل النصارى في مؤتة وتبوك فقاتل  أنواع الكفار ولم يفرق في اعتبار الظاهر وانتبه إلى هذه الكلمة فإنها مجردة ومحتملة لأكثر من معنى ) - أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال   " لا تقتله " . ولم يقل  لا تقبل منه حتى تعلم أنه تخلى عن المعتقدات الباطلة أو لا، أو حتى تعلم أنه قالها هربًا من السيف أم لا ، فهذه دلالة ظاهرة على اعتبار ثبوت عقد الإسلام بالدلالات الظاهرة ابتداءً ووجوب الكف عنه والحكم له بالإسلام الظاهر ما لم يأتي بناقض ظاهر جلي حتى لو غلب على ظنك أنه قالها خوفًا من السيف ، حتى لو قاتلك وقطع يدك ثم قال لا إله إلا الله وجب الكف عنه ابتداءً وهذا واضح في حديث المقداد.

أما السنة العملية:

وهي الدلالات الظاهرة لشعائر الإسلام التي يثبت بها عقد الإسلام للمعين منها.

الصلاة وهي دلالة ظاهرة معتبرة لثبوت حكم الإسلام لمن أتى بها ابتدءًا لحديث أنس : " من صلى صلاتنا ". وحديث بريدة في السنن والمسند " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة " ولحديث جابر عند مسلم : " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " فالصلاة دلالة ظاهرة معتبرة عند أهل السنة في ثبوت عقد الإسلام للمعين في الدنيا.

الأذان والإقامة دلالتان ظاهرتان على ثبوت عقد الإسلام لمن أتى بهما " وكان النبي  لا يُغِيرُ على قوم إلا عند صلاة الفجر فإن سمع أذان أمسك وإلا أغار"  رواه مسلم عن أنس   ، وكذلك كان يفعل خالد بن الوليد بأمر خليفة رسول الله  الصديق الأكبر أبى بكر  وعن ابنته الصديقة الحِصَان الرزان حبيبة رسول الله  المبرأة من السماء أمّنا الطاهرة المطهرة عائشة - رضي الله عنها - ولعن الله من أبغضها ، فتأمل هذه الأحاديث العملية تجدها حجة قاطعة في ثبوت عقد الإسلام للمعين الذي ظهرت منه دلالات الإسلام مثل : الصلاة والأذان والإقامة ولم يتطرق إلى الاحتمال والظن والتأويل وهذا واضح في حديث الأذان مع أنه  ذهب للقتال ، ولكنه توقف عنده لدلالته الظاهرة على الإسلام مع أنه لم يراهم بل سمعهم والاحتمال وارد أنهم ربما أذنوا تقية أو هربًا من القتل لاحتمالات كثيرة والباب فيها واسع جدًا ، لكنه  أمسك حتى يتبين ظهور ناقض منهم فهو  وقف حيث أوقفه الله وهو الاعتبار بالظاهر ودلالاته وهذا ما كلفنا الله به التقيد بالنص والظاهر معتبر في الإسلام والكفر.

الحج فكل من نراه في الحج محرمًا بملابس الإحرام في المشاعر سواء في مِنى أو مزدلفة أو عرفات أو في الحرم من المحرمين الحجاج - الأصل فيهم الإسلام - ونعاملهم معاملة المسلمين لحديث الرجل الذي وقصته دابته فمات فأمر  أن يُغسَّل ويكفن ولا يُخمَّر وجهه ولا يمس طيبًا. والحديث متفق عليه من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - ومعلوم أن النبي  حج حجة واحدة قبل موته بقليل وحضر معه عدد كبير جدًا أكثر من مائة ألف مسلم وفيهم من الأعراب وغيرهم والمنافقين ولم يسأل عن الرجل ولم يتحرى عنه ولم يتوقف في إسلامه ، لأن الأحكام تجري على الظاهر والرجل ظهر منه إسلام ودلالته وهي الحج ، وكان من المحتمل أن يكون منافقًا أو أعرابيًا جاهلاً مشركًا لم يتمكن الإسلام منه ـ يحتمل كل ذلك ، والاحتمالات كثيرة جدًا ، لكن أهل السنة والجماعة يتقيدون بالنص ويطرحون التأويل وهذه دلالة ظاهرة على ثبوت حكم الإسلام ولا تحتمل التأويل والرد وهي محكمة قطعية.

حديث جارية معاوية بن الحكم في عتق جاريته فإن النبي  شهد لها بالظاهر ولم يسأل أهي مشركة أم من أهل الكتاب أم من المجوس ؟ فالحكم بالظاهر يثبت به عقد الإسلام والدلالات الظاهرة من القول والعمل محكمة في ذلك ، وكذلك حديث عبد الله بن رواحة في عتق جارية له ، وكذلك في المرأة السوداء ، فالحكم على الظاهر.

قوله  : " إني لم أؤمر أن أنقب في قلوب الناس ولا أشق بطونهم " رواه مسلم ، فأنت عندما ترى رجلًا - أي رجل - يصلي أو عليه ملابس الإحرام أو يؤذن ، ليس لك إلا أن تحكم له بالإسلام ابتداءً ، وتعامله معاملة المسلمين ابتداءً ، حتى يظهر عليه ناقض من نواقض الإسلام ، وحين صدور منه ناقض مكفر واضح جلي به يزول إسلامه ، أما إذا رأيت منه إسلام وظهرت عليه دلالات الإسلام كما مر معك من الأدلة ، فلا يجوز ذلك ، ولا يجوز لك أن لا تعتبر بهذه الدلالات الظاهرة ولك في رسول الله  أسوة وقدوة حسنة وقوله هو الحجة القاطعة.

فهذا الذي ظهرت منه دلالات الإسلام هو مسلم بكل ذلك ما لم يكن كفره من باب آخر ، كما تقدم فإن أهل السنة والجماعة يعتبرون بدلالات الإسلام الظاهرة ابتداءً وهذا يقين ، وكل من ثبت له الإسلام بيقين لا يزول بالشك أو الظن أو الاحتمال.

 

الإجماع:

وهو ما عليه الصحابة والتابعين والقرون الثلاثة المفضلة والأئمة الأربعة وشيوخ الإسلام وابن تيمية وابن عبد الوهاب ، وهذا ما تعلمناه من أئمة الدعوة واللجنة الدائمة وهيئة كبار العلماء ، وتلقينا هذا منهم وهو موجود مسطور في مؤلفاتهم بكثرة لمن طلب الحق وتجرد له بصدق وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( كل من توقف في مستور الحال الذي ظهرت عليه دلالات الإسلام الظاهرة فهو مبتدع ضال ، متوقف في مسلم ، وهو مخالف لإجماع المسلمين وهذا ما عليه الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة بالاتفاق ) وقد أمرنا الله تعالى برد المتشابه إلى المحكم وبرد المطلق إلى المقيد ، والعام إلى الخاص حتى يكون الدليل على فهم الصحابة ، وسالم من المعارض وحتى لا تكون ممن يتبعون المتشابه المطلق ويتركون المحكم ، نعوذ بالله من الزيغ والهوى ، وهذا ما عليه أئمة الدعوة الذين هم أعلم الناس بكلام جدهم شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب ، لأنهم تلقوا العلم مباشرة منه بدون واسطة وقد أمرنا الله بسؤال أهل الذكر المشهود لهم بالإمامة في الدين ، فهل قال أحد من الصحابة أو شيوخ الإسلام بعدم اعتبار دلالات الإسلام الظاهرة؟

الخلاصة: أنه يجب التقيد بالنص المتفق عليه ، وهو آية محكمة ، وحديث صحيح ثابت بفهم الصحابة y وقد فهم الصحابة من كلام نبيهم r الاعتبار بدلالات الإسلام الظاهرة في ثبوت عقد الإسلام لمن ظهرت عليه ابتداءً ، فمن كان ظاهره الإسلام فهو مسلم حكمًا وهو المسلم مستور الحال : أي لا يعلم عنه غير الإسلام وهو من ظهرت منه علامة من علامات الإسلام ، ولم يعرف عنه ناقض من نواقضه ، وذلك لأن علامات الإسلام هي أسباب ظاهرة رتب عليها الشارع الحكم لصاحبها بالإسلام ابتداءً فيثبت له حكمه ، إلا أن يعارض هذا الظاهر ظاهرًا أقوى منه كإتيانه ناقض من نواقض الإسلام ، لأن كل من ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين ، والأحكام تجري على الظاهر وتبنى عليها الأحكام من الإسلام والكفر .

وكما هو واضح من الأدلة القطعية ومن فهم الصحابة لها ولا يوجد لهم مخالف من أهل السنة ، والذين لا يعتبرون بدلالات الإسلام الظاهرة ليس عندهم دليل إلا الظن والاعتماد على بعض أقوال العلماء المطلقة المحتملة والمجملة التي قيدت وفصلت في أماكن أخرى ، والذي لا يعتبر بدلالات الإسلام الظاهرة ابتداءً مكذب بالقرآن والسنة ومُعرِض عن فهم الصحابة لهما ، بل اتهامه لهم بعدم الفهم ، وهو أفهم منهم ، وكذلك متهم للعلماء بالجهل وأنهم لم يتفهموا فهمه للدليل ، مع أن هؤلاء لا يقرؤون كتب السنة ، وإذا سألت أحدهم هل قرأت البخاري ومسلم ؟ هل قرأت السنن ؟ هل قرأت " اعتقاد أهل السنة " : اللالكائي ؟ هل قرأت " الشريعة " : للآجري؟ هل قرأت كتب ابن تيمية وابن القيم؟ هل قرأت مجموعة مؤلفات ابن عبد الوهاب؟ هل قرأت الدرر السنية؟ هل قرأت الرسائل والمسائل النجدية؟ هل قرأت فتاوى ابن إبراهيم؟ هل قرأت فتاوى اللجنة الدائمة ؟ لم يقرأ ، وإن قرأ لا يفهم فهم السلف.والعاقل هو الذي يتدبر ويفكر في نفسه : أن الذي لا يعتبر بالأدلة وفهم الصحابة يحصر الإسلام والمسلمين فيه هو ، أو في من يوافقه على فهمه وهؤلاء لا يتعدون أصابع اليد الواحدة - إن لم يكفر بعضهم بعضًا - ويلزم من قوله التكذيب بكلام رسول الله  : أن الأمة لا تجتمع على ضلالة ؟ فهو وحده المسلم وباقي أمة محمد  كافرة أو مرتدة - إن أثبت لها الإسلام أصلاً - وهو كذلك متناقض لأنه يستدل بكلام ابن عبد الوهاب والعلماء على فهمه هو ، مع أن الأقدر على فهم كلام الشيخ هم من عاصروه وتلقوا العلم منه وهم أولاده وأحفاده وهذا لا يعتبر بهم ولا بفهمهم ، بل يكفرهم ، ويقدم فهمه على فهمهم مع العجز والجهل وقلة العلم بأبسط أمور الدين ، والاعتماد على فهم من لا فهم عنده فهؤلاء مخالفين للشرع والعقل من كل وجه وليس عندهم دليل إلا الظن والشبهات.فالواجب على من طلب الحق وتجرد له بصدق أن يقف حيث وقف القوم ويسلم بالأدلة ويتقيد بالنص لأنه لا يوجد له معارض ، ويستحيل أن يأتي بنص يدل على عدم اعتبار دلالات الإسلام الظاهرة في ثبوت عقد الإسلام ابتداءً يستحيل عليه ذلك ؛ لأن هذا محل اتفاق بين أهل السنة والجماعة كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين ، بل حتى يومنا هذا ، ولا يوجد لهم معارض إلا أهل الأهواء والزيغ والبدع والانحراف من أهل الغلو في التكفير الذين يقدمون فهمهم للنصوص على فهم الصحابة وعلماء الإسلام ، وليس عندهم نص ولا دليل إلا الشبهات العقلية ؛ وسببها هو عدم التقيد بالنص والوقوف عنده كما فهمه الصحابة بدون تأويل ، والعاقل هو الذي يسأل نفسه أنا أعلم أم الصحابة؟ أنا أعلم أم أئمة الإسلام؟ أنا أعلم وأفهم للنصوص أم أولاد الشيخ ابن عبد الوهاب وأحفاده؟ أنا أعلم بالكتاب والسنة أم اللجنة الدائمة؟ هل أنا أفهم للنصوص الشرعية من هيئة كبار العلماء؟ وإجماع أهل السنة؟ هي يسعني ما وسع الصحابة وأهل السنة وأقف حيث وقف القوم؟ أم أخالفهم بشبهات وأخرج عن النص وأعتقد فيهم أنهم لا يفهمون الإسلام ولا الواقع وليس هؤلاء على شيء؟ وأكفرهم ولا أثبت لهم الإسلام أصلاً لأن دلالات الإسلام الظاهرة غير معتبرة في الحكم على المعين؟

وإني أنصح هذا ومن هم على شاكلته بالتوبة إلى الله والرجوع عن هذه المعتقدات الفاسدة والأفكار الباطلة الضالة من تكفير المسلمين والتكذيب بالنصوص من القرآن والسنة والإجماع ، وبتقديم العقول على النصوص ضل من ضل ، وأنصحه كذلك بالرجوع إلى أهل العلم وتلقي العلم منهم ويسألهم فيما أشكل عليه فهمه - كما أمر الله بذلك – و يعترف بتقصيره وقلة بضاعته وتقوّلِهِ على الله من غير علم ولا فهم للنصوص ، ولا حتى قدرة على قراءتها قراءة

صحيحة ، فكيف يفهمها فهمًا صحيحًا؟([4])  

وأخيرًا لقد اجتهدت في بيان الحق لك ، وبيان مذهب أهل السنة والجماعة مذهب الصحابة والتابعين وشيوخ الإسلام في رد شبهة أهل الغلو وهي عدم الاعتبار بدلالات الإسلام الظاهرة لثبوت عقد الإسلام للمعين ، وهذا محل اتفاق بين أهل السنة كما نقلت لك الأدلة على ذلك.

فتب إلى الله واقرأ هذه القواعد أكثر من مرة ، وقم لله في السحر متجردًا مخلصًا وتضرع إليه سبحانه ، واسأله التوفيق والهدى والرشاد والثبات على الحق ، وقل : يا مفهم سليمان ! ويا معلم إبراهيم ! علمني ، وفهمني ، وخذ بناصيتي إلى الحق والصواب ، فإذا علم الله من قلبك الصدق والإخلاص والتجرد لقبول الحق حتمًا سيهديك إليه ، نسأل الله أن يهدينا وإياك إلى الحق ويثبتنا عليه ويتوفانا مسلمين.. آمين.

 

([1]) سورة النساء : آية 92.

([2]) سورة التوبة : آية 5 .

([3]) سورة التوبة : آية 11.

([4])  ولمزيد من البحث في هذا الموضوع وهذه المسألة الهامة والخطيرة لمن طلب الحق بتجرد أن يراجع هذه المسألة في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يقرر ثبوت عقد الإسلام واعتبار الدلالات الظاهرة عليه وعصمة الدم والمال بالظاهر في مجموع الفتاوى : 4/331 ، 23/199 ، 3/175ـ280 ، 7/133 – 193 ، ودرء التعارض : 8/432/434 ، والصارم : 370و459 ، وإعلام الموقعين لابن القيم : 3/113 - 117 ، ومعارج القبول للحكمي : 2/48 و 608 ، وانظر رد هذه الشبهة وهي عدم الاعتبار بدلالات الإسلام الظاهرة في : المغني لابن قدامه \ كتاب المرتد \ باب اللقيط ، وروضة الطالبين ، تجد ما يشرح صدرك ، بل ستجد العجب العجاب من أقوال الفقهاء في ثبوت عقد الإسلام لمن مات في دار الحرب أو دار كفر الردة ولم تظهر عليه دلالات الإسلام ، ألحقه الفقهاء بالإسلام لعصمة دم المسلم ، وكذلك لمزيد من الإطلاع على هذه المسألة في : الدرر السنية لأئمة الدعوة في الرد على بدعة الغلو في التكفير وتفصيل كلامهم المجمل تجده في : 1/466 ـ 478 ، 10/144 – 146 ، 223 ـ 225 ، 239 ـ 248 ، 469 ـ 472 ، 12/260 ـ 265 ، 395 ـ 398 ، وراجع في ذلك رسالة جامعة مانعة وافية في هذه المسألة بعنوان (الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير) للشيخ السلفي الأثري  أبي محمد المقدسي حفظه الله : فهي أفضل ما كُتب في هذا الموضوع والرد على شبهات وأخطاء أهل الغلو ، وعليك بكتب أهل السنة وسؤال أهل العلم فيما أشكل عليك.

  • الجمعة AM 04:10
    2020-12-11
  • 1315
Powered by: GateGold