المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 325740
يتصفح الموقع حاليا : 234

البحث

البحث

عرض المادة

الزّعْمُ أنّ مُدّةَ عذابِ النّارِ لا تتجاوز مُدّةَ دوامِ السموات وَالْأَرْضِ

قالوا: قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 106-107]. وهذا دليلٌ على أنّ مُدّةَ بقاءِ النّارِ هي مُدّةُ دوامِ السموات وَالْأَرْضِ، وهذا دليلٌ على فنائِها."

 

قال ابن كثير في تفسيره: "{خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} قال الإمام أبو جعفر بن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبداً قالت: "هذا دائمٌ دوامَ السموات والأرض"، وكذلك يقولون: هو بَاقٍ ما اختلف الليل والنهار، وما سَمر ابْنَا سمير، وما لألأت العفر بأذنابها. يعنون بذلك كلمة: "أبدا"، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم، فقال {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض}"

 

قال ابن الجوزي (597 ھ) في تفسيره «زاد المسير»: "قَوْلُهُ تَعالى: {خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ} المَعْرُوفُ فِيهِ قَوْلانِ:

 

أحَدُهُما: أنَّها السَّمَواتُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَنا، والأرْضُ المَعْرُوفَةُ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ: لِلْعَرَبِ في مَعْنى الأبَدِ ألْفاظٌ؛ تَقُولُ: لا أفْعَلُ ذَلِكَ ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما دامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ، وما اخْتَلَفَتِ الجِرَّةُ والدِّرَّةُ، وما أطَّتِ الإبِلُ، في أشْباهٍ لِهَذا كَثِيرَةٍ، ظَنًّا مِنهم أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا تَتَغَيَّرُ، فَخاطَبَهُمُ اللَّهُ بِما يَسْتَعْمِلُونَ في كَلامِهِمْ.

 

والثّانِي: أنَّها سَماواتُ الجَنَّةِ والنّارِ وأرْضُهُما" اھ. كلامُ ابنِ الجوزي.

 

والقولُ الثاني الذي أوْردَه ابنُ الجوزي، ردّهُ الإمامُ البيضاوي (685 ھ) بِقوْلِه في «أنوار التنزيل»: "وقِيلَ المُرادُ سَمَواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماوات} وإنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لا بُدَّ لَهم مِن مُظِلٍّ ومُقِلٍّ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يَعْرِفُ أكْثَرُ الخَلْقِ وجُودَهُ ودَوامَهُ."

 

*  وقْفَةٌ أُصُولِيّةٌ وتأمُّلِيّةٌ مع الشُّبَهِ: الثالثةِ والرّابعةِ والخامِسةِ:

 

إنّ أوّلَ آيةٍ تَوَعَّدَت الكُفّارَ بالخلودِ في النّارِ، هي آيةٌ مكِّيّةٌ جاءت في قوله تعالى: {وَیَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى. ٱلَّذِی یَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ. ثُمَّ لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ} [الأعلى: 11-13].

 

وقولُه تعالى: {ثُمَّ لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ} واضحٌ في الدّلالة على الخلود الأبدي في النّارِ.

 

ثمّ نزل بعد ذلك -في مَكّةَ المُكرَّمَةِ- قولُه تعالى: {وَٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ عَنۡهَاۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ} [الأعراف: 36]؛ ثمّ نزل قولُه: {إِلَّا بَلَـٰغࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦۚ وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدًا} [الجِن: 23].

 

ولا شكّ في أنّ كفّارَ قريش قدْ فهموا من لفظ {خَـٰلِدُونَ} الخلودَ الأبَدِيَّ في النّارِ؛ لأنّهم عَلِموا قبْل ذلك أنّ مَن دخل النّارَ فإنّه {لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ}.

 

ولا شكّ -أيضاً- في أنّهُم قد فهموا أنّ قولَه تعالى: {خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدًا} جاء لتوكيد الخلودِ السَّرْمَدِيِّ في جهنّمَ.

 

ثُمّ نزل بعد ذلك -بِمَكّةَ المُكرَّمَةِ- قولُه تعالى: {خَـٰلِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُوَٱلۡأَرۡضُإِلَّامَاشَاۤءَرَبُّكَۚإِنَّرَبَّكَفَعَّالࣱلِّمَایُرِیدُ} [هود: 107]،وقولُه: {ٱلنَّارُمَثۡوَىٰكُمۡخَـٰلِدِینَفِیهَاۤإِلَّامَاشَاۤءَٱللَّهُۗإِنَّرَبَّكَحَكِیمٌعَلِیمࣱ} [الأنعام: 128]،وقولُه: {لَّـٰبِثِینَفِیهَاۤأَحۡقَابࣰا} [النّبأ: 23].

 

ولقد فهم بعضُ النّاسِ من هذه الآيات عدمَ خلودِ الكُفّارِ في النّارِ، وقد يرى بعضُهم أنّها جاءت لتنسخَ الخلودَ الأبدي في النّارِ، الذي جاء حُكمُه في الآياتِ السابقة التي نزلتْ قبلها، والتي وَرَدَتْ في السُّوَر: الأعلى، والأعراف والجن. وهذا يُسمَّى عند علماءِ الأصول بالنَّسْخِ في القرآن الكريم.

 

ومعنى النسخ عند الأصوليين هو: "رَفْعُ الحُكْم الشرعي بِدَليلٍ شَرْعيٍّ مُتَأخِّرٍ". [الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، محمد مصطفى الزحيلي، ج 1 ص 226].

 

وأَوْضَحَ بعضُ أهلِ العلْمِ هذا التعريفَ بقولِه: "أي: رفْعُ استمرارِ العملِ بالحُكْمِ السّابِق، والعملُ بالحُكْمِ الثّابِتِ آخِراً" [الواضح في علوم القرآن، أ. د. مصطفى ديب البغا ومحيي الدين ديب مستو، ط 2 سنة 1998، دار الكلم الطيب، ص 140].

 

والذين فهموا من الآيات السابقةِ عدمَ خلودِ الكُفّارِ في النّارِ، يُرَدُّ عليهم بما يأتي:

 

أوّلاً: لقد كان كفارُ قريش إذا نزلت آيةٌ بأمْرٍ أو نهْيٍ، ونسخَتْ حُكمَ آية أخرى، يقولون: "هذا افتراء ولو كان من عند الله لم يُبَدّل"؛ قال تعالى -مُبَيِّناً موقِفَهم من النّسْخ-: {وَإِذَا بَدَّلۡنَاۤ ءَایَةࣰ مَّكَانَ ءَایَةࣲ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا یُنَزِّلُ قَالُوۤا۟ إِنَّمَاۤ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ} [النحل: 101].

 

قال ابن الجوزي (597 ھ) في تفسيره «زاد المسير»: "قَوْلُهُ تَعالى: {وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً} سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يُنْزِلُ الآيَةَ، فَيُعْمَلُ بِها مُدَّةً، ثُمَّ يَنْسَخُها، فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ إلّا يَسْخَرُ مِن أصْحابِهِ، يَأْمُرُهُمُ اليَوْمَ بِأمْرٍ، ويَأْتِيهِمْ غَدًا بِما هو أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والمَعْنى: إذا نَسَخْنا آيَةً بِآيَةٍ، إمّا نَسْخُ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ، أوْ نَسْخُ الحُكْمِ مَعَ بَقاءِ التِّلاوَةِ {واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ} مِن ناسِخٍ ومَنسُوخٍ، وتَشْدِيدٍ وتَخْفِيفٍ، فَهو عَلِيمٌ بِالمَصْلَحَةِ في ذَلِكَ {قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ} أيْ: كاذِبٌ."

 

إنّ كفّارَ قريش كانوا يَعِيبُون على النَّبِيِّ محمّد -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- كلّما جاء بآيةٍ فيها أمرٌ أو نهيٌ، تنسخ حكمَ آية أخرى؛ ولكن لَمْيثبتْ عنهم أنّهم عابوا عليه نزولَ الآياتِ التي جاء فيها قولُهُ تعالى: {خَـٰلِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُوَٱلۡأَرۡضُإِلَّامَاشَاۤءَرَبُّكَۚ} وقولُهُ: {خَـٰلِدِینَفِیهَاۤإِلَّامَاشَاۤءَٱللَّهُۗ} وقولُه: {لَّـٰبِثِینَفِیهَاۤأَحۡقَابࣰا}؛ولوأنّهمفهموامنتلكالآياتِعدمَالخلودِ في جهنّمَ، لكان تعجُّبُهم أشدّ، وردُّهُم أقوى، ولقالوا: "لقد سبق لِمُحمّد أنْ حَكمَ علينا بالخلود في النّارِ، والآن يتراجعُ ويحكم علينا بعدم الخلود؛ فلنصبرْ عليه ريْثما يَحْكم علينا بدخول الجَنَّة معه"!

 

وهذا يدلُّ على أنّ كفّار قريش -الذين هم أهل اللُّغَة والفصاحة بالطبيعة والسليقة- لم يفهموا من تلك الآياتِ عدمَ الخلودِ في النّارِ؛ فهل الذين جاءوا بعدهم، واسْتدلّوا بتلك الآيات على فناء النّارِ، أعلمُ بلغة العرب من كُفّار قريش؟

 

ملحوظة: حسب ترتيب نزول السور، نزلت السُّوَرُ التي اسْتَدْللْنا بالآيات الواردة فيها، مرتبةً كما يأتي: سورة الأعلى، ثمّ الأعراف، ثمّ الجن، ثمّ هود، ثمّ الأنعام، ثمّ النحل، ثمّ النبأ. [انظر: ترتيب السُّوَر في معجم علوم القرآن، إبراهيم محمد الجرمي، دار القلم-دمشق، ط 1 سنة 2001، ص 86-87].

 

ثانيا: النسخُ لا يكون في الاعتقاداتِ والأخلاقِ وأصولِ العباداتِ، والأخبارِ الماضيةِ والأخبارِ التي ستقع في المستقبل (مثل: أحوال أهل الجَنَّة، والحكم على أهل النّارِ بالخلود فيها، وأبدية النّار)؛ وإنّما يكون في الأوامر والنواهي الشرعية. ومِن أمثلة النّسخ الذي وقع في الأوامر والنواهي الشرعية، في القرآن الحكيم:

 

  • قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180].

 

فالآية تفيدُ وجوبَ الوصِيّة على مَن حضرته الوفاة وله من يُوصَى له من الوالدين أو الأقربين. والجمهورُ على أن حكم هذه الآية منسوخ بآيات المواريث، التي بَيّنتْ لكلٍّ من الوالدين والأقربين حقّه ونصيبَه من الميراث.

 

  • قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15].

 

فالآية تدلّ على أن عقوبةَ مَن ثبت زناها الحبسُ في البيوت حتى الموت، وقد كان الحكم كذلك في ابتداء الإسلام، حتى نُسِخَ بوجوب الجَلْد بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2].

 

والجَلْدُ الثابتُ في الآية بالنسبة لِلْبِكْر رجلاً كان أو امرأةً، وأمّا المُحْصَنُ مِن كلٍّ منهما، فالعقوبةُ هي الرجمُ، والتي ثبَتَتْ بأدِلّة أخرى. [الواضح في علوم القرآن، د. مصطفى ديب البغا ومحيي الدين ديب مستو، ط 2 سنة 1998، دار الكلم الطيب، ص 144-145].

 

وأمّا ما يَقْبَلُ النّسْخَ وما لا يَقْبَلُهُ، فلقد بيَّنَهُ علماءُ الأُصولِ، وإليك أقوالَ بعضِهم:

 

  • قال أ.د. مصطفى سعيد الخن: "من النصوص التي لا تقبل النسخَ الإِخبارُ بما وقع وبما سيقع، وهي لا تقبل النسخ؛ لأنّ النسخَ لهذا النوع من الأخبار تكذيبٌ لمن أَخبَر به، والكذبُ على الشّرع محال." [الكافي الوافي في أصول الفقه الإسلامي، أ.د. مصطفى سعيد الخن، مؤسسة الرسالة، ط 1 سنة 2000، ص 352].

 

  • وقال ابنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (320 ھ): "فصل: والنسخ إنما يقع في الأمر والنهي، ولا يجوز أن يقع في الأخبار المحضة". [الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 8]

 

  • وقالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (437 ھ): "فأمّا ما لا يجوز نسخُه فهو كلُّ ما أخبرنا الله تعالى عنه أنه سيكون أو أنه كان، أوْ وَعَدنا به، أو قصّ علينا من أخبار الأمم الماضية، وما قصّ علينا من أخبار الجنة والنار، والحساب والعقاب والبعث والحشر، وخلقُ السموات والأرضين، وتخليدُالكُفّار في النار والمؤمنين في الجنة." [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 65-66].

 

  • وقالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): "والنسخ إنما يكون في الأحكام، ولا نَسْخَ في الأخبار؛ لأن خبرَ اللَّهِ عز وجل حقٌّ، لا يصح أنْ يكون على خِلافِ ما هو عليه." [جمال القراء: 248].

 

  • وقال أبو جعفرٍ النّحّاس في مَعْرِض رَدِّه على مَن قال بجواز نسخ الأخبار: "وهذا القولُ عظيمٌ جِداً يؤول إلى الكفر، لأنّ قائلا لو قال: قام فلانٌ ثمّ قال: لم يقم، فقال: نسخته، لكان كاذباً". [نقل قولَه ابنُ الجوزي في «نواسخ القرآن»: 93- 94].

 

ثالثا: مَن رأى أنّ الخلودَ الأبدي في النّارِ قد نُسِخَ بما جاء في سورَتَيْ هود والأنعام، نُجِيبُه بأنّه قد جاء الخلودُ الأبدي في النّارِ في سورتين مَدنِيَّتَيْن نزلتا بعدَهما، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِیرًا. خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدࣰاۖ لَّا یَجِدُونَ وَلِیࣰّا وَلَا نَصِیرࣰا} [الأحزاب: 64-65]، وقولِه تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمۡ یَكُنِ ٱللَّهُ لِیَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِیَهۡدِیَهُمۡ طَرِیقًا. إِلَّا طَرِیقَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدࣰاۚ وَكَانَ ذَ ٰلِكَعَلَىٱللَّهِیَسِیرࣰا} [النساء: 168-169].

 

وهذا يُحتِّمُ عليه -حسب مذهبه الباطل- أن يقولَ بأنّ الخلودَ الأبدي رجعَ مرّةً أخرى؛ لينسخَ عدمَ الخلودِ في النّارِ!

 

تنبيه: العصيانُ الذي ورَدَ في قولِه تعالى: {وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدًا} [الجِن: جزء من الآية 23]، لا يعني عصيان أهل التوحيد والإيمان -كما زعم البعضُ-، بل يعني الكفر وعدم الإيمان برسالة الإسلام، وإليك البيان:

 

قال تعالى: {وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ یَدۡعُوهُ كَادُوا۟ یَكُونُونَ عَلَیۡهِ لِبَدࣰا. قُلۡ إِنَّمَاۤ أَدۡعُوا۟ رَبِّی وَلَاۤ أُشۡرِكُ بِهِۦۤ أَحَدࣰا. قُلۡ إِنِّی لَاۤ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرࣰّا وَلَا رَشَدࣰا. قُلۡ إِنِّی لَن یُجِیرَنِی مِنَ ٱللَّهِ أَحَدࣱ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًاّ. إِلَّا بَلَـٰغࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦۚ وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدًا} [الجِن: 19-23].

 

قال ابن الجوزي (597 ھ) في تفسيره «زاد المسير»: "{وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ} بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ."

 

وقال ابن جُزَيّ (741 ھ) في «التسهيل لعلوم التنزيل»: "والآيةُ في الكفار، وحَمَلَها المعتزلةُ على عصاة المؤمنين؛ لأنّ مذهبَهم خلودُهم في النار. والدليل على أنها في الكفار وَجْهان: أحدُهُما أنها مكِّيّةٌ، والسورةُ المكّيةُ إنّما الكلامُ فيها مع الكُفّار. والآخَرُ دلالةُ ما قبْلَها وما بعدها على أنّ المرادَ بها الكفارُ."

 

ولذلك -أيضاً- قال الشوكاني (1250 ھ) في تفسيره «فتح القدير»: "{ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ} في الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ السِّياقَ فِيهِ."

 

وزِيادةً في التوضيح والبيان، قال العلاّمةُ السعدي (1376 ھ) في تفسيره «تيسير الكريم الرحمن»: "{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} وهذا المُرادُ به المعصِيّةُ الكُفْرِيّةُ، كما قيّدَتْها النُّصوصُ الأُخَرُ المُحْكَمةُ.

 

وأمّامُجَرَّدُالمَعصيّةِ، فإنّه لا يوجبُ الخلود في النار، كما دلت على ذلك آيات القرآن، والأحاديث عن النّبِيِّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-، وأجمع عليه سلفُ الأُمّةِ وأئِمَّةِ هذه الأمة."

 

ثُمّ لو صحّ أنّ العصيانَ الذي ورَدَ في قولِه تعالى: {وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدًا} يعني عصيان أهل التوحيد والإيمان؛ لفزع المسلمون واشتدّ حزنُهم، ولقالوا لِلنّبِيِّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-: أيَخْلُد المؤمنون العُصاةُ -الذين خطفَهم الموتُ قبْلَ أنْ يتوبوا- في النّارِ مع المشركين والكفّار؟ إذن، فما فائدةُ إيمانِهم؟

 

ولقد ثبتَ أنّهم اشتدّ فزَعُهم وحُزنُهم لمّا نزل قولُه تعالى في المدينة: {لِّلَّهِ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِوَمَافِیٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُوا۟ مَا فِیۤ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ یُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَیَغۡفِرُ لِمَن یَشَاۤءُ وَیُعَذِّبُ مَن یَشَاۤءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ} [البقرة: 284].

 

فإنّهم لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، التي تُخْبِرُهم أنهم سيُحاسَبون عَلَى مَا يُخفُون فِي صُدُورِهِمْ؛ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيهم، وَخَافُوا على أنفسِهم!

 

ولو صحّ أنّ العصاةَ المُؤمنين سيخلدون في النّارِ، لقال الكُفّارُ لِلنّبِيِّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-: إذا كان عصاةُ المسلمين سيخلدون في النّارِ معنا، فلِمَاذا تتبرّؤون منّا، ولا تتبرؤون من إخوانكم العُصاة الذين سيُخلّدون في النّارِ معنا؟ ولماذا تدعوننا إلى دينكم، ونحن مُعرّضون لعصيان اللّهِ حتّى ولو دخلنا في دينكم، ومصيرُنا سيكون أيضاً الخلودُ في النّار؟

 

إنّ سبَبَ الخلودِ الأَبَدِيِّ في النّارِ هو الكفرُ لا المعاصي، والكُفّارُ والمُنافقون كانوا يُدرِكون ذلك؛ ولذلك فإنّهم كانوا يُحاوِلون جرَّ المؤمنين إلى الكُفْر لا إلى المعاصي، قال تعالى: {وَدُّوا۟ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَاۤءࣰۖ} [النساء: جزء من الآية 89].

 

قال البيضاوي (685 ھ) في تفسيره «أنوار التنزيل»: "{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا} تَمَنَّوْا أنْ تَكْفُرُوا كَكُفْرِهِمْ. {فَتَكُونُونَ سَواءً} فَتَكُونُونَ مَعَهم سَواءً في الضَّلالِ."

 

وجاء في «المختصر في التفسير»/مركز تفسير: "تمنّى المنافقون لو تكفرون بما أُنْزِل عليكم كما كفروا، فتكونون مُسْتَوِينَ معهم في الكفر."

  • الاربعاء PM 05:29
    2020-11-04
  • 636
Powered by: GateGold