المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 325750
يتصفح الموقع حاليا : 194

البحث

البحث

عرض المادة

إقناطُ أصحابِ النّارِ عن تحْقيقِ تَمنِّياتِهم

قال تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51].

 

قال فخر الدين الرازي: "وفي تفسير هذا النسيان قولان:

 

القول الأول: أن النسيان هو الترك. والمعنى: نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، وهذا قول الحسن ومجاهد والسدي والأكثرين.

 

والقول الثاني: أن معنى {ننساهم كما نسوا} أي: نعاملهم معاملة من نسي، نتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض عن آياتنا، وبالجملة فسمى الله جزاء نسيانهم بالنسيان كما في قوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى : 40]؛ والمراد من هذا النسيان أنه لا يجيبُ دعاءهم ولا يرحمُهم."

 

  • وقال تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا. لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} [سورة الفرقان: 13-14].

 

قال الإمامُ الشوكاني (1250 ھ) في تفسيره: "والمعنى: لا تدعوا على أنفسكم بالثبور (أي: الهلاك) دعاءً واحداً وادعوه أدعية كثيرة، فإنّ ما أنتم فيه من العذاب أشدُّ من ذلك لطول مُدّتِه وعدم تناهيه، ... والأَوْلى أنّ المرادَ بهذا الجواب عليهم، الدّلالةُ على خلود عذابهم، وإقناطُهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المُنجي لهم ممّا هم فيه."

 

  • وقال تعالى: {قَالُوا۟ رَبَّنَاۤ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَیۡنِ وَأَحۡیَیۡتَنَا ٱثۡنَتَیۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجࣲ مِّن سَبِیلࣲ. ذَ ٰ⁠لِكُمبِأَنَّهُۥۤإِذَادُعِیَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن یُشۡرَكۡ بِهِۦتُؤۡمِنُوا۟فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِیِّ ٱلۡكَبِیرِ} [غافر: 11-12].

 

قال مكي بن أبي طالب (437 ھ) في تفسيره «الهداية إلى بلوغ النهاية»: "ثم قال تعالى: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ}. في الكلام حذف، والتقدير: فأجيبوا أنْ لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دُعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وَحّدَهُ مُوَحِّدٌ أشركتم،وإنْ أشرك به مُشرِك صدّقْتموه."

 

وقال الإمامُ فخر الدين الرازي (606 ھ) في تفسيره «مفاتيح الغيب»: {فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ} أيْ: هَلْ إلى نَوْعٍ مِنَ الخُرُوجِ سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِن سَبِيلٍ، أمِ اليَأْسُ وقَعَ فَلا خُرُوجَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ؟ وهَذا كَلامُ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ اليَأْسُ والقُنُوطُ، واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الصَّرِيحَ عَنْهُ أنْ يُقالَ: لا أوْ نَعَمْ؛ وهو -تَعالى- لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، بَلْ ذَكَرَ كَلامًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخُرُوجِ، فَقالَ: {ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا}أيْ: ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، وهو أنْ لا سَبِيلَ لَكم إلى الخُرُوجِ قَطُّ، إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وإيمانِكم بِالإشْراكِ بِهِ {فالحُكْمُ لِلَّهِ} حَيْثُ حَكَمَ عَلَيْكم بِالعَذابِ السَّرْمَدِيِّ. وقَوْلُهُ: {العَلِيِّ الكَبِيرِ} دَلالَةٌ عَلى الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وعَلى أنَّ عِقابَهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ."

 

وقال الآلوسي (1270 ھ) في تفسيره «روح المعاني»: "والجَوابُ إقْناطٌ لَهم بِبَيانِ أنَّهم كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ؛ فَجُوزُوا بِاسْتِمْرارِ العِقابِ والخُلُودِ في النّارِ كَما يَقْتَضِيهِ حُكْمُهُ تَعالى، وذَلِكَ جَوابٌ بِنَفْيِ السَّبِيلِ إلى الخُرُوجِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ،... وحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ {فالحُكْمُ لِلَّهِ} الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَقْضِي إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. {العَلِيِّ الكَبِيرِ} المُتَّصِفُ بِغايَةِ العُلُومِ نِهايَةَ الكِبْرِياءِ فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ولِذا اشْتَدَّتْ سَطْوَتُهُ بِمَن أشْرَكَ بِهِ واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ خُلُودَهُ في النّارِ فَلا سَبِيلَ لِخُرُوجِكم مِنها أبَدًا إذْ كُنْتُمْ مُشْرِكِينَ."

 

  • وقال تعالى: "{رَبَّنَاۤ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ. قَالَ ٱخۡسَـُٔوا۟ فِیهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 107-108].

 

قال الثعلبي (427 ھ) في تفسيره «الكشف والبيان»: "{رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها} أي: من النار. {فَإِنْ عُدْنا} لما تكره {فَإِنَّا ظالِمُونَ}. فيُجابُون بعد ألف سنة {اخْسَؤُا فِيها}أي: اِبْعَدُوا، كما يقال للكلب: اِخْسأ، إذا طُرِد وأُبعِد، {وَلا تُكَلِّمُونِ} في رفع العذاب، فإنّي لا أرفعه عنكم ولا أخفّفه عليكم، وقيل: هو دلالة على الغضب اللازم لهم، فعند ذلك أيِس المساكين من الفرج."

 

وقال العلاّمةُ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن»: "وَهَذا الخُرُوجُ مِنَ النّارِ الَّذِي طَلَبُوهُ قَدْ بَيَّنَ تَعالى [في مواضعَ أخرى من القرآن] أنَّهم لا يَنالُونَهُ ... وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ أجْوِبَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِطَلَبِ أهْلِ النّارِ فَهُنا قالُوا: {رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها} فَأُجِيبُوا {اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ}، وفي السَّجْدَةِ {رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا} [السجدة: 12] فَأُجِيبُوا {وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ} الآيَةَ [السجدة: 13]، وفي سُورَةِ المُؤْمِنِ {قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ} [غافر: 11] فَأُجِيبُوا {ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ} [غافر: 12]، وفي الزُّخْرُفِ {وَنادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ} [الزخرف: 77]، فَأُجِيبُوا {إنَّكم ماكِثُونَ} [الزخرف: 77]، وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ {فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ} {نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ} [إبراهيم: 44] فَيُجابُونَ {أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالِ} [إبراهيم: 44]، وفي سُورَةِ فاطِر {وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37] فَيُجابُونَ {أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ} {فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ} [فاطر: 37] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأجْوِبَةِ ... وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: {وَلا تُكَلِّمُونِ} أيْ: في رَفْعِ العَذابِ عَنْكم، ولا إخْراجِكم مِنَ النّارِ."

 

إنّ عدمَ الاستجابة لأدعية الكافرين، يدلّ على أبدية النار ودوام عذابها؛ لأنّه بِفنائِها سينالون طلبهم: وهو رحمتُهم وعدمُ تَرْكِهِم في العذابِ!

 

وإنّ نَهْيَ أهلِ النّارِ عن تَكْليم اللّه في إخْراجِهم مِنَ النّارِ، لَدليلٌ على أنّ طلبَهم الخروج منها غيرُ قابِل للتّلْبِية، وأنّه محكومٌ عليهم بالعذاب الأبدي السّرمدي، وهذا يستلزمُ أبديّةَ النّارِ وعدمَ فنائِها.

  • الاربعاء PM 05:11
    2020-11-04
  • 484
Powered by: GateGold