المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 411499
يتصفح الموقع حاليا : 273

البحث

البحث

عرض المادة

توهم خطأ القرآن الكريم في إسناده فعلا واحدا إلى فاعلين

               توهم خطأ القرآن الكريم في إسناده فعلا واحدا إلى فاعلين(*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المتوهمين أن القرآن الكريم قد أخطأ في قوله عز وجل: )وأسروا النجوى الذين ظلموا( (الأنبياء: ٣)؛ حيث أسند الفعل "أسر" إلى فاعلين: "واو الجماعة" و "الذين"، والصواب في ظنهم حذف "الواو" من "أسروا"؛ فيقال: "وأسر النجوى الذين ظلموا"**.

وجوه إبطال الشبهة:

إن الأصل في الجملة الفعلية أن يكون للفعل فاعل واحد يدل على من قام بالفعل أو من اتصف به.

وغير المتأمل من القارئين لقوله تعالى: )وأسروا النجوى الذين ظلموا( يظن أن للفعل "أسر" في الآية فاعلين؛ الأول الضمير المتصل "واو الجماعة"، والثاني: اسم الموصول "الذين"، ويظن هذا القارئ أن القرآن الكريم قد أتى بفاعلين لفعل واحد، وكان الصواب في ظنهم أن يكون للفعل فاعل واحد.

وهذ الزعم الواهي مردود عليه من وجوه:

1)     أن يكون قوله: )الذين ظلموا( بدلا من "الواو" في )وأسروا(.

2)  أن يكون قوله: )الذين ظلموا( فاعلا، و "الواو" في )وأسروا( حرف للجمع وليس اسما، وهذا على لغة "أكلوني البراغيث"[1].

3)     أن يكون قوله: )الذين ظلموا( منصوبا على الاختصاص، وتقدير الكلام: أعني الذين ظلموا.

التفصيل:

أولا. إن لفظة "الذين" في قوله تعالى: )الذين ظلموا( يجوز أن تعرب بدلا من "الواو" في قوله عز وجل: )وأسروا(، وهو عائد على "الناس" المتقدم ذكرهم في قوله تعالى: )اقترب للناس حسابهم( (الأنبياء: ١)، قال المبرد: وهو كقولك: إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله، فلفظة "بنو" بدل من "الواو" في "انطلقوا"، وإنما أعربت "الذين" بدلا؛ إذ هم المقصودون من النجوى؛ ولما في الموصول من الإيماء إلى أن سبب تناجيهم هو كفرهم وظلمهم أنفسهم؛ وللتنبيه على قبح ما هم متصفون به[2].

ثانيا. أن تكون لفظة "الذين" في قوله تعالى: )الذين ظلموا( فاعلا على لغة "أكلوني البراغيث"، و "الواو" في "أسروا" علامة جمع.

ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يتعاقبون فيكم ملائكة؛ ملائكة بالليل وملائكة بالنهار»[3].

وحكى البصريون عن "طيء"، وحكى بعضهم عن أزد شنوءة نحو: "ضربوني قومك" و "ضربنني نسوتك" و "ضرباني أخواك"، وفي الحديث: «أومخرجي هم»[4]؟ وقال عمرو بن ملقط الجاهلي:

ألفيتا عيناك عند القفا

أولى فأولى لك ذو واقية

فـ "ألفيتا" بالبناء للمجهول فعل ماض، و "عيناك" نائب الفاعل، فألحق الفعل علامة التثنية مع إسناده إلى الظاهر، ونائب الفاعل "عيناك" كالفاعل[5].

ثالثا. أن يكون قوله تعالى: )الذين ظلموا( منصوبا على الاختصاص، ويكون تقدير الكلام: أعنى"الذين ظلموا" [6].

الأسرار البلاغية في الآية الكريمة:

  • أول ما يشرق علينا في هذه الآية من أسرار النظم القرآني ذلك الأسلوب البلاغي الرائع ألا وهو "الاستئناف البلاغي"، وضابط هذا الأسلوب أن تتقدم جملة من الكلام تثير في ذهن السامع تساؤلا لطيفا، يدب في نفسه؛ فتأتي جملة أخرى تجيب على هذا التساؤل الذي ليس له صورة في الكلام، بل يبرق كالشعاع في ذهن السامع، ومن أمثلته في القرآن قولـه عـز وجـل: )وقضينـا إليـه ذلك الأمـر أن دابـر هــؤلاء مقطــوع مصبحين (66)( (الحجر)، فجملة )أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين( جواب على سؤال تقديره: ما ذلك الأمر الذي قضاه الله؟

وهذه الآية جرت على نسق الاستئناف البلاغي؛ لأن جملة )وأسروا النجوى( تثير في النفس التساؤل نفسه: من هم الذين أسروا النجوى؟ فكان الجواب )الذين ظلموا(.

وفى الآية أيضا ما يسمى عند البلاغيين "الإضمار على شريطة التفسير"، وضابط هذا الأسلوب هو أن تأتي بالضمير أولا ثم تفسره بعد ذلك بذكر مرجعه، ومن أمثلته شعرا قول الشاعر:

هي الدنيا تقول بملء فيها

حذار حذار من بطشي وفتكي

فلا يغرركم مني ابتسام

فقولي مضحك والفعل مــبكي

وتخريج الآية على ذلك سائغ وذائع، فقد أتى بالضمير أولا )وأسروا(، ثم فسره ثانيا هكذا: )الذين ظلموا([7].

  • ومن ذلك أيضا الاستفهام، وغرضه في قوله تعالى: )هل هذا إلا بشر مثلكم( إنكارى يقتضي أنهم خاطبوا من قارب أن يصدق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وتقدير الكلام: كيف تؤمنون بنبوته وهو واحد منكم[8].
  • ومثله في الغرض الاستفهام في قوله: )أفتأتون السحر( فهو غرض إنكاري وأراد بالسحر الكلام الذي يتلوه عليكم. والمعنى: أنه لما كان بشرا مثلكم فما تصديقكم لنبوءته إلا من أثر سحر سحركم به، فتأتون السحر بتصديقكم بما يدعوكم إليه.
  • ومن بلاغة السياق إطلاق الإتيان على القبول والمتابعة على طريق المجاز، أو الاستعارة؛ لأن الإتيان لشيء يقتضى الرغبة فيه، ويجوز أن يراد بالإتيان هنا حضور النبي - صلى الله عليه وسلم - لسماع دعوته؛ فجعلوه إتيانا؛ لأن غالب حضور المجالس أن يكون بإتيان إليها، وجعلوا كلامه سحرا فنهوا من ناجوهم عن الاستماع إليه، وهذا كقوله تعالى: )وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26)( (فصلت).

وقوله: )وأنتم تبصرون(3)( (الأنبياء) في موضع الحال، أي: تأتون السحر وبصركم سليم؟ وأرادوا به العلم البدهي؛ فعبروا عنه بالبصر؛ لأن المبصرات لا يحتاج إدراكها إلى تفكير[9].

وبعد هذا البيان لا يحق لمدع أن يتوهم في الآية نقصا أو تجاوزا، وكيف تجانب الصواب، وقد جاءت تنزيلا من لدن حكيم حميد؟!

 

 

(*) تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة، شرحه ونشره: السيد أحمد صقر، المكتبة العلمية، بيروت، ط3، 1401هـ/ 1981م. الأخطاء اللغوية في القرآن، إبراهيم عوض، مكتبة زهراء الشرق، مصر، د. ت. رد مفتريات على الإسلام، عبد الجليل شلبي، دار القلم، الكويت، ط1، 1402هـ/ 1982م. الإعجاز اللغوي في القرآن، زكريا بطرس، موقع الكلمة.

www.ebnmaryam.com. www.alkaema.net. www.saaid.net.

[1]. لغة "أكلوني البراغيث": هي لغة طيء وأزد شنوءة، وهم يلحقون الفعل علامات التثنية والجمع، مع وجود الفاعل الظاهر المثنى والجمع.

[2]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج11، ص268، 269.

[3]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر (530)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما (1464).

[4]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب سورة العلق (4670)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (422).

[5]. إعراب القرآن الكريم وبيانه، محيي الدين الدرويش، دار الإرشاد، دمشق، 1408هـ/ 1988م، ج6، ص283.

[6]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج11، ص269.

[7]. البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، مطابع النصر الحديثة، الرياض، 1954م، عند تفسير هذه الآية.

[8]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج8، ج17، ص13.

[9]. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، ص14.

 

  • الاثنين PM 03:27
    2020-09-07
  • 1122
Powered by: GateGold