ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
فرية النص علي علي -رضي الله عنه-
فرية النص علي علي -رضي الله عنه-
الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أما بعد،
كنا انتهينا إلى أصل من أخطر، أو هو أخطر وأعظم أصول دين الشيعة، وهو اعتقادهم في قضية الإمامة، التي يعتبرونها قطب رحى الدين، وأصل الأصول في الدين كما ذكرنا من قبل.
وشرع المصنف حفظه الله تعالى في ذكر أقوى دليل لهم من القرآن، وهو ما يزعمونه من قوله: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، وبيّن أنه لا يصح على الإطلاق للشيعة أن يستدلوا بها على إثبات الإمامة لعلي رضي الله تعالى عنه قبل الخلفاء الثلاثة.
أيضًا، أكبر حديثين من حيث الآثار: الحديث الذي هو حديث غدير خم، الذي ادعوا أن فيه النص على إمامة أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، وقد ناقشناه أيضًا من قبل بالتفصيل.
لكن أصل دعوى الرافضة في قضية الإمامة هو دعوى النص. مسألة النص في كتب الشيعة هي بزعمهم أقوى دليل على قضية الإمامة، فتنوعت احتجاجاتهم على مسألة النص.
النص معناه أن قد نزل نص إلهي من الله سبحانه وتعالى يثبت أحقية الأئمة الاثني عشر بالإمامة، وأن هذا منصوص عليه من قبل الله تبارك وتعالى، ومن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
يقول: أصل قول الرافضة هو دعوى النص، وقد تنوعت احتجاجاتهم على مسألة النص.
فهي تارة نصوص في كتب إلهية تنزل من السماء، يزعمون أن كتبًا إلهية نزلت غير القرآن الكريم من السماء تنص على الأئمة الاثني عشر، فيها النص على علي رضي الله تعالى عنه والأئمة، لكن هذه الكتب يقولون: هي كانت موجودة لكنها اختفت منذ سنة 260 هجرية مع اختفاء المهدي المنتظر المزعوم، مع مهديهم الذي لم يخلق أصلًا.
وأحيانًا أخرى هناك القرآن الكريم يحتوي على نصوص صريحة تنص على علي وعلى الأئمة الاثني عشر، لكن هذه النصوص اختفت من القرآن بفعل الصحابة، الذين هم بزعمهم قد حرفوا القرآن، وحذفوا هذه النصوص.
وثالثًا: هي نصوص صريحة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على إمامة أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، والأئمة من بعده، لكن الأمة، أي الصحابة، أجمعت على كتمانها. كل الصحابة أجمعوا على إخفاء هذه النصوص وكتمانها، لأنهم جميعًا تآمروا ضد علي والأئمة.
وكان أول من أظهر القول بها، كما في رجال الكشي وغيره، عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام، فهو كان له فضل في نظرهم، أنه أول من أظهر النصوص التي نص فيها النبي صلى الله عليه وسلم. فبئس هذا الدين الذي لا يظهره أحد قبل عبد الله بن سبأ. وفي نفس الوقت يتهمون الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين بأنهم تآمروا على إخفاء وكتمان النصوص النبوية في هذا الشأن.
وفي صورة رابعة، هناك أسلوب آخر من أساليب إثبات النص، وهو عن طريق التأويلات الباطنية لآيات القرآن الكريم، بأن هذه الآيات إنما يقصد بها الأئمة، في نمط من التأويل الذي يشبه تمامًا الأساليب الباطنية في محاولة إفساد معاني القرآن الكريم.
لكن هذه التأويلات التي هي في القرآن الكريم لا يعرف تأويلها الباطني إلا الأئمة، ولا يستطيع أحدنا أن يفهمها سوى الأئمة، وقد ناقشنا هذا من قبل بالتفصيل.
ثم يدعمون ذلك بدعاوى غريبة في الأئمة، من معجزات خارقة، وعصمة مطلقة، وكتب موروثة، وعلوم متلقاة عن الوحي السماوي، وعلامات في الأئمة ينفردون بها دون سائر البشر، إلى آخر دعاواهم.
تفرد بنقل دعوى النص في بدايتها ابن سبأ، ثم عممت هذه الدعوى على آخرين من آل محمد. اختلفت فرق الشيعة في أعدادهم وأعيانهم اختلافًا كبيرًا، وقد تولى كبرها هشام بن الحكم وشيطان الطاق، كما يقوله طائفة من أهل العلم، ثم كان استقرار القول باثني عشر إمامًا من بعد سنة 260 هجرية.
ساعتها استقروا على أن عدد الأئمة 12 إمامًا، على يد ثلة ممن ادعوا واخترعوا فكرة الإمام الغائب، أن في الإمام الثاني عشر، لكنه اختفى في السرداب، دخل السرداب وهو صبي صغير، واختفى فيه، وهو حي إلى الآن، وسيخرج في آخر الزمان.
ادعوا أيضًا أنهم نواب عنه، وفتحوا باب الارتزاق باسمه، كما سيأتي في مسألة الغيبة.
ورواياتهم في النص على الأئمة قد استحوذت على حيز كبير من كتبهم المعتمدة، في الكافي والبحار وكتب التفسير، وعمدة كتب شيوخهم كالمفيد، وابن بابويه، والطوسي، وابن المطهر وغيرهم.
وما دام قد قام ما يشبه الاتفاق بين كتب السنة والشيعة على أن الذي تولى كبر فرية النص هو ابن سبأ، ونقلت كتب الشيعة أن أحاديث النص كانت موضع التداول السري بين العناصر المنتسبة للتشيع، ولم تعلن ذلك أمام علماء الإسلام، بما فيهم أئمة أهل البيت، فهذا الجو السري مجال واسع للوضع والافتراء.
وقد كانت بداية التدوين من عناصر ليست من الإسلام في شيء، يعني بداية تدوين أحاديث ونصوص تدل على النص، الذين بدأوا بتدوين هذه النصوص أناس لا يعتد بقولهم على الإطلاق. لماذا؟ لأنهم أناس جوزوا أن يكون القرآن الكريم محرفًا، وبالتالي صاروا لا يؤتمنون على أن يقبل منهم شيء، لأن من اعتقد بتحريف القرآن فلا حظ له في الإسلام.
فبدأ عصر تدوين النصوص حول قضية النص على يد عناصر ليست من الإسلام في شيء، لافترائها على كتاب الله، كالصفار، وإبراهيم القمي، والكلبي، والكليني.
فما دام الأمر كذلك، فهل يثق المسلم بمثل هذه النصوص التي تكاثرت على مر الزمان؟ وبعض الشيعة الأصوليين قد لا يثقون بكل ما جاء في هذه المدونات، حتى قال جعفر آل كاشف الغطاء في كتابه كشف الغطاء، والذي تعتمد عليه الشيعة اليوم: المحمدون الثلاثة كيف يوثق بتحصيل العلم عليهم، يعني بهم أصحاب الكتب الأربعة المعروفين.
والكتاب الوحيد الذي تطمئن الشيعة إلى كل كلمة فيه هو كتاب نهج البلاغة، الذي ينسب زورًا إلى أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، مع أنه لم يجمع إلا في القرن الرابع، ونسب إلى علي رضي الله تعالى عنه في القرن الأول، وهذا الكتاب ليس له سند معروف.
فإذا كان هذا هو عمدة كتبها، فما حال الكتب الأخرى؟ يعني عمدة ما يعتمد عليه الشيعة ومتفقون عليه كلهم كتاب نهج البلاغة، مع أنه لا يصح نسبته إلى أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه.
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس أحد من الإمامية ينقل هذا النص، يعني على علي، بإسناد متصل، فضلًا عن أن يكون متواترًا. فهم يدعون النص، ولا يوجد إسناد واحد متصل، فضلًا عن أن يكون إسنادًا متواترًا.
فإذا قال مثل هذه العبارة التي تدل على الاستقراء إنسان في حجم ووزن شيخ الإسلام ابن تيمية، فلا شك أنها كلمة لها قيمتها، كما قال ابن الوردي في التدليل على سعة علم شيخ الإسلام ابن تيمية وإلمامه بالسنة: كل حديث ليس يعرفه ابن تيمية فليس بحديث.
فيقول شيخ الإسلام: ليس أحد من الإمامية ينقل هذا النص بإسناد متصل، فضلًا عن أن يكون متواترًا، يعني حتى قضية النص لا يوجد دليل إطلاقًا عليها بإسناد وحيد صحيح أو متصل.
ومع ذلك، إذا أردنا أن نحتكم إلى نهج البلاغة، نجد فيه ما ينفي دعوى النص، ويهدم كل ما زعموه في هذا الباب، أو يثبت التناقض، والتناقض دليل بطلان المذهب.
جاء في نهج البلاغة أن أمير المؤمنين عليًا قال لما أراده الناس على البيعة ـ ودي من خصائص كتب الشيعة أن تجد فيها التناقض، التناقض في كثير من القضايا، بالذات هذه القضايا الخطيرة ـ فنفس نهج البلاغة الذي جميعهم يتفقون على أنه من كلام علي، وهذا لا يثبت إطلاقًا، لكن مع ذلك على سبيل التنزل، إذا أقررنا بأنه من كلام علي، ماذا قال علي في قضية الإمامة؟ نجد في نهج البلاغة ما يهدم عقيدتهم في قضية النص.
قد جاء فيه أن أمير المؤمنين لما الناس ضغطوا عليه من أجل أن يقبل البيعة، قال: دعوني والتمسوا غيري، دعوني من الإمارة والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإن تركتموني فإني كأحدكم، اتركوني أعيش كواحد من سائر الناس، لا أريد أن أكون أميرًا، وإن تركتموني فإني كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا.
إذا طبعًا هذا الكلام يدل على أنه لم يكن منصوصًا عليه بالإمامة من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا لما جاز له أن يقول: دعوني، ولعلي، ووأنا لكم وزيرًا، إلى آخره.
فكيف يرفض الإمام المعصوم مبايعته بالإمامة مع قوله: دعوني، مع أن ذلك في نظرهم هو أهم ركن من أركان الدين؟ وكيف يأمرهم بمبايعة غيره حينما يقول: والتمسوا غيري، دعوني والتمسوا غيري، مع أن كتب الشيعة تقول: ثلاثة لا ينظر الله إليهم، ولا يكلمهم، ولهم عذاب أليم: من بايع إمامًا ليس من عند الله، من بايع إمامًا ليس منصوصًا عليه من الله تبارك وتعالى.
وقال المفيد في الإرشاد: ومما حفظ العلماء من كلام أمير المؤمنين أنه قال: أتيتموني فقلتم بايعنا، فقلت لا أفعل، فقلتم بلى، فقلت لا، وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتكم فجذبتموها، وتداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتليّ، وأن بعضكم قاتل بعض لدي، فبسطت يدي فبايعتموني.
فهذا الكلام لا يمكن أن يخرج من شخص يتطلع إلى الخلافة، ويعتقد أنه أولى بها من غيره، ثم يزعم الرافضة أنه أخذ فاطمة رضي الله تعالى عنها، وأخذ يطوف بها على بيوت الصحابة، يطالب المسلمين ببيعته. هذا مما يفتريه الرافضة، ويدعون أن عليًا كان حريصًا على الإمامة في أساطيرهم.
لأن معنى أن عليًا يقول لهم: بايعوا غيري، دعوني، وبايعوا غيري، إلى آخره، معناه الحكم بالكفر. لماذا؟ لأن من لم يبايع الإمام المنصوص عليه هو كافر في قواميس الشيعة، فكان علي كان يدعوهم إلى الكفر، كانه بيقول لهم: بايعوا غيري، معناه بيدعوهم إلى الكفر، لأن من بايع غير الإمام المنصوص عليه فهو كافر. فهل يعقل مثل هذا؟
فهل يأمرهم بالكفر بعد الإيمان؟ أو أن دعاوى الشيعة في هذا الباب لا صلة لها إطلاقًا بأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وإنما هي دسيسة حاقد، وصنيعة كافر موتور أراد تفرقة الأمة، وبث النزاع والخلاف في صفوفها؟
إن ابن المطهر الحلي يقرر بأن من طلب الإقالة فليس بإمام. لو إمام من الأئمة طلب الإقالة، يعني أنه يعتذر عن تولي الإمامة، فليس بإمام. يقول: إذ لو كان إمامًا لم يجز له طلب الإقالة. فكيف بمن يرد بيعته، ويأمر بمبايعة غيره؟ ألا تكون من باب أولى؟ ألا يكون عنده نص بإمامته من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
وهذا المعنى الذي جاء في النهج، نهج البلاغة، يتفق مع ما أثبتته القرائن والأحداث التاريخية من أن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم ما كانوا يتطلعون لمنصب الخلافة، ولا يستشرفونه، لأن ذلك في نظرهم أمانة عظيمة وتكليف باهظ.
يقول: وقد اتفق أهل السنة والشيعة على أن عليًا ـ هذا في منهاج السنة ـ يقول شيخ الإسلام: وقد اتفق أهل السنة والشيعة على أن عليًا لم يدعُ إلى مبايعته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ولا بايعه على ذلك أحد. هذا أمر متفق عليه بين السنة والشيعة، أنه في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم لم يدعُ إطلاقًا إلى مبايعته، إطلاقًا، ولا يوجد واحد من الصحابة بايعه معه في زمن الخلفاء الثلاثة.
ولكن الشيعة تفسر ذلك بتفسير لا يليق بمقام أمير المؤمنين، إذ تعتقد أنه كان يريد ذلك، كان عايز يبقى هو الإمام، وحريصًا على ذلك، وكان يريد من الناس أن يبايعوه، وتعتقد أنه الإمام المستحق للإمامة دون غيره، ولكن كان عاجزًا عنه، يعني أنه استعمل التقية.
فكيف يلوذ بالتقية، ويتخلى عن أعظم أمر من أمور الدين كما يراها هؤلاء؟ وهذا ما حدا بطائفة من الشيعة، هناك طائفة من الشيعة تسمى الكاملية، كفروا أمير المؤمنين رضي الله عنه، لأنه في عهد الخلفاء الثلاثة لم يطالب ببيعته، ويصرح بأنه هو الإمام الحق، ففي طائفة من الشيعة كفروه من أجل تخليه عن المطالبة بهذا الأمر. وهذا لأن من وضع هذا الاعتقاد لا يقصد نصرة أمير المؤمنين ومشايعته، وإنما يرمي إلى تفرقة الأمة والكيد لها، ولهذا كانت النتيجة لمقالته الحكم بالضلال على جميع الأمة، بما فيهم أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه.
ثم قرر أمير المؤمنين، كما يذكر صاحب النهج، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، فبأنه رضي الله عنه سيكون أكثر سمعًا وطاعة لمن ولاه المسلمون واختاروه خليفة. وهذا ينقض دعوى التقية في مبايعته لمن سبقه وطاعته لهم رضي الله عنه، إذ إن من يتعامل معهم بالتقية لا يكون كأحد المسلمين المبايعين، فضلًا عن أن يكون أكثرهم سمعًا وطاعة.
وقوله: لمن وليتموه يقتضي أن أمر الولاية يعود إلى رأي جمهور المسلمين واتفاقهم، لا إلى نص مزعوم، كما لا ينحصر في شخص معلوم، فهذا ينقض مبدأ النص من الأساس، ثم يدفع أمر مبايعته مرة أخرى وبطريق آخر في قوله: وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا.
وهذا أيضًا ينفي ما نسب الروافض إليه رضي الله عنه من التفاخر بالفضائل، والتظاهر بالخوارق والمعجزات، والطعن في الخلفاء السابقين، للاحتجاج على أحقيته بالإمامة.
أيضًا في نص آخر يشير أمير المؤمنين في نهج البلاغة إلى أن قبوله للخلافة لا عن رغبة بها، ولا تطلع إليها، ولكنه استجابة لحمل المسلمين له على ذلك، ولم يدعِ نصًا ولا وصية.
فهو يقول رضي الله عنه: والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، يعني غرض وطلب، ولكنكم دعوتموني إليها، وحملتموني عليها.
ويذكر أن ثبوت خلافته تم بمبايعة المهاجرين والأنصار، الذين كانت الشورى لهم. يعني كيف ولي أمير المؤمنين الخلافة؟ بمبايعة المهاجرين والأنصار. وكان إجماعهم هو المعتبر في هذا المقام. لو كان هؤلاء مرتدين، كما تصفهم كتب الشيعة، لم يجز اعتبار بيعتهم وإجماعهم. ولو كانت ثمَّ نص، لم يحتج إلى بيعتهم وإجماعهم.
فهي ولاية أمير المؤمنين كيف ثبتت؟ ثبتت بإجماع الصحابة واتفاقهم رضي الله عنهم، أهل الشورى. فلو كان هؤلاء كفارًا، هل إجماعهم واتفاقهم يكون له قيمة؟ ثم لو كان هناك نص، لما احتيج إلى بيعة أهل الشورى ولا إلى إجماعهم.
يقول أمير المؤمنين كما جاء في نهج البلاغة ـ يعني طبعًا نهج البلاغة كما قلنا لا يثبت عن علي، لكن دي نصوص موجودة فيها، وإحنا بنلزمهم بها لأنهم كلهم متفقون على الإيمان بهذا الكتاب ـ ففيه عن علي يقول: إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، يعني أني وليت الخلافة بنفس الطريقة التي ولي بها الخلفاء الراشدون الثلاثة، فطريقة بيعته لا تختلف عمن سبقه.
ويقول: فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد. فما دام أجمع أهل الشورى وأهل الحل والعقد من الصحابة على إمامة علي، فالشاهد، الناس الحضور الذين كانوا في المدينة، بعد اتفاق أهل الشورى وأهل الرأي على تثبيته إمامًا، لم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، اللي مش موجود داخل المدينة من الصحابة أو من المسلمين في الخارج، أيضًا ليس له أن يرد بعد ثبوت إمارته ببيعة أهل الشورى.
يقول: فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وهذا يوحي بأن بيعته لم تكن ثابتة من قبل كما يزعم الإمامية، وإنما بعد ثبوتها بالبيعة لم يكن ثمَّ مجال للرد حينئذ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضا.
فإجماعهم هو الأصل في الاختيار، وليس النص. ما فيش نص، لكن هو ثبتت البيعة بالإجماع. فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى.
هذا نص صريح أيضًا موجود في نهج البلاغة في عدم وجود نص. فالشورى في أمر الإمامة هي للمهاجرين والأنصار، ومن أجمعوا عليه هو الإمام، ومن خرج عن ذلك وجب قتاله لاتباعه غير سبيل المؤمنين. ولو كان هناك نص في الإمام لم يقل علي رضي الله عنه ذلك.
هذه النصوص من كتاب نهج البلاغة، الذي ترى الشيعة أنه من الكلام الذي لا ريب فيه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو من كلام المعصوم على وجه اليقين عندهم، ولا يشك الشيعة في كلمة منه، وهي تهدم كل ما بنوه من دعاوى حول النص على علي والأئمة.
وهذا المعنى المروي عن علي في النهج يتفق مع ما جاء عن طريق أهل السنة عن أمير المؤمنين، فيأخذ صفة الإجماع عند الفريقين. فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن وكيع، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن سبع ـ أو ابن سبع ـ قال: سمعت عليًا يقول كلامًا يفهم منه أنه سوف يقتل. قالوا: فاستخلف علينا، لو الأمر كده يبقى استخلف شخصًا يلي الأمر بعده. قال: لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: ما تقول لربك إذا أتيته، يعني ولم تستخلف أحدًا؟ قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم.
وروى الإمام أحمد مثله عن أسود بن عامر، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الله بن سبع.
وفي هذا الباب رواية أخرى، وقد قال العباس لعلي رضي الله عنهما: فاذهب بنا إليه، يعني ده في اللحظات الأخيرة قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم، يعني في نفس يوم الاثنين الذي هو يوم وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، فالعباس قال لعلي: فاذهب بنا إليه، تعال نذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله في من هذا الأمر، فإن كان فينا عرفناه، وإن كان في غيرنا أمرناه فوصى بنا.
وقد كان هذا، كما جاء في بعض الروايات، يوم الاثنين، يوم وفاته صلى الله عليه وسلم، فدل على أنه عليه السلام توفي عن غير وصية في الإمارة، توفي عن غير وصية، لأنه واضح من السياق أنه لم يحدد، لم يوصِ بأحد.
وقد جاء في صحيح البخاري أنهم ذكروا عند عائشة رضي الله عنها أن عليًا رضي الله عنه كان وصيًا، فقالت أم المؤمنين: متى أوصى إليه؟ متى أوصى إليه؟ وقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت حجري، فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري فما شعرت أنه قد مات، فمتى أوصى إليه؟
فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم لم يوصِ، أخرجها ابن أبي شيبة من طريق أرقم بن شرحبيل عنه.
ثم يذكر تحت عنوان الاستدلال بالأمور المعلومة والمتفق عليها في مسألة النص، يقول: إن لدى أهل السنة أدلة ثابتة صحيحة عندهم في أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينص على علي بالإمامة، وما تنسبه الشيعة من نصوص لأهل السنة هي باطلة في أصلها أو في دلالتها، ولا حجة فيها عليهم.
ولدى الشيعة أدلتهم في ثبوت النص، سجلوها في كتبهم الخاصة بهم، وأهل السنة لا يؤمنون بها، ويرون أنها وضعت على الأئمة من قبل بعض الروافض.
وما في كتب الشيعة من أدلة تنقض ما ادعوه في هذا الباب، كما في نهج البلاغة وغيره، ففي نصوص في كتبهم تنقض موضوع النص، فماذا يفعلون؟ يلجؤون في ردها إلى التأويل أو إلى دعوى تقية، يقولوا: أيوه قال علي ذلك، ولكنه قالها تقية.
فيقول: فليرجع في الحكم في هذه المسألة، التي هي أصل الأصول عند الشيعة، إلى الأمور المعلومة والمتواترة والمتفق عليها.
الحقيقة هو هنا يتناول هذا الفصل بذكاء عالٍ جدًا، يعني هو يقول: أهل السنة عندهم أدلة ثابتة وصحيحة في أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم ينص بالإمامة، والنصوص التي تدعي الشيعة أنها نصوص لأهل السنة تثبت النص هي باطلة أصلًا، وحتى لو صحت فإنها لا حجة لهم فيها.
كذلك الشيعة عندهم أدلتهم الخاصة في ثبوت النص في كتبهم الخاصة، ونحن أهل السنة لا نؤمن بها لأننا نرى أنها موضوعة من بعض الروافض.
وفي نفس الوقت، ما في كتب الشيعة متناقض، هناك أشياء تثبت في زعمهم، ثم هناك ما يبطلها، كما ذكرنا بعض النقول من نهج البلاغة.
طيب، يبقى إيه الحل؟ هو هنا يتخلص من هذا الخلاف كنوع من الإلزام للرافضة، وهو الانتصار للحق في هذه المسألة، بيقول: نسيب الحاجات المختلف عليها، لا أدلة السنة ولا أدلة الشيعة، ولنأتِ إلى الأشياء المتفق عليها جميعًا، الشيعة والسنة. فهي طريقة في الاستدلال، الحقيقة، ذكية جدًا.
يقول: فليرجع في الحكم في هذه المسألة، المسألة الخطيرة، هي أصل أصول الدين عند الشيعة، إلى الأمور المعلومة والمتواترة والمتفق عليها.
يقول: نقدر، كما يقول شيخ الإسلام، أن الأخبار المتنازع فيها لم توجد، يعني في أخبار عندنا أهل السنة، الشيعة ينازعون فيها، ونحن أهل السنة ننازع في الأخبار التي عند الشيعة في مسألة النص، فنقدر أن هذه النصوص لم توجد في الوجود أصلًا، ما حدش سامع بها، نلغيها وننحيها جانبًا، نقدر أن الأخبار المتنازع فيها لم توجد، أو لم يعلم أيها الصحيح، ونترك الاستدلال بها في الطرفين، ونرجع إلى ما هو معلوم بغير ذلك من التواتر.
خلينا بقى في النصوص المتواترة التي يقطع بصحتها، وما يعلم من العقول والعادات، وما دلت عليه النصوص المتفق عليها، لا شك أن هذه خطة رشد وكلمة سواء.
طيب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن أهل العلم يعلمون بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ شيئًا من إمامة علي، ولهم على هذا طرق كثيرة يثبتون بها هذا العلم.
يقول الدكتور القفاري: ونذكر من ذلك جملة من هذه الأمور، وهي تستحق مؤلفًا خاصًا.
إيه بقى هي الأمور دي؟ الأمور المعلومة والمتواترة والمتفق عليها بين الشيعة وبين السنة، فدي طريقة في الاستدلال طيبة جدًا، مع أننا بنمارس نوعًا من التنازل، لأن أدلة أهل السنة قوية وصحيحة وعندهم أسانيد وكذا، لكن مع ذلك نوع من التنزل مع الخصم لإقناعه بالتي هي أحسن.
فبيقول له: عندنا أدلة، وأنتم عندكم أدلة، نلغي الأدلة اللي إحنا بنتنازع فيها، التي لا يسلم بعضنا لبعض فيها، ولنذهب إلى الأدلة التي نتفق عليها جميعًا.
يقول أولًا: لندع الروايات المختلفة فيها، ونحتكم إلى كتاب الله سبحانه من طريق فهمه من خلال اللغة العربية، فالله سبحانه وتعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وقد اتفق أهل السنة والشيعة على حدود العربية، واتفقوا على ما وضع لمفرداتها من المعاني، ومعنى هذا أن اللغة العربية يمكن أن تكون المرجع في الحكومة في هذا الأمر.
المفروض إحنا نفهم القرآن بالأحاديث وبالنصوص، هو بيقول: لا، ما دمنا متنازعين في النصوص، ننحيها جانبًا، وخلينا نفهم القرآن بلغة العرب.
ثم يقول: فهل نجد في كتاب الله ذكرًا للأئمة الاثني عشر بأسمائهم، كما ذكر رسول الهدى صلى الله عليه وسلم باسمه ووصفه؟ وآمنوا بما نزل على محمد، وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وهكذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم منصوصًا على اسمه الشريف وصفاته في القرآن الكريم.
وأنتم تقولون إن الإمام كالنبي، ومنكر الإمام كمنكر النبي أو أعظم، اللي يجحد الإمام أخطر وأسوأ ممن يجحد النبي. لماذا؟ لأن يقولوا إن النبوة لطف خاص، بمعنى أن النبي إذا مات، لا مانع أن يكون العالم خاليًا من نبي، لكن لا يجوز أن يكون العالم خاليًا من إمام، فهذا لطف عام. فمنكر اللطف العام أخطر وأسوأ من منكر اللطف الخاص.
فمن ثم، إذا كان الموضوع بهذه الخطورة: كفر وإيمان، وركن الدين الأعظم عندهم الإمام، ومن لا يؤمن بالأئمة الاثني عشر كافر خالد في جهنم، هذا كلام ما في خلاف في أنه ثابت عند الرافضة، فهل نجد في كتاب الله ذكرًا للأئمة الاثني عشر بأسمائهم، كما ذكر رسول الهدى صلى الله عليه وآله وسلم باسمه ووصفه؟ لأن الإمام عندهم كالنبي، ومنكر الإمام كمنكر النبي أو أعظم.
وهل نجد لإمامة الاثني عشر ذكرًا صريحًا في كتاب الله، كما ذكرت أركان الإسلام صريحة واضحة في مواضع متفرقة من كتاب الله، من غير حاجة في معرفة أصلها إلى تأويل باطني أو روايات موضوعة؟ والإمامة عندهم أعظم أركان الإسلام.
رأينا القرآن ينص صراحة على ركنية الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فكيف تكون الإمامة ركن الدين الأعظم، ويخلو القرآن تمامًا منها؟ لا يوجد فيها أي إشارة من قريب أو بعيد لمسألة الإمامة كما يعتقدها الرافضة. فكيف لا تذكر ولا يشار إليها؟
هو هنا طبعًا عامل قيد جميل جدًا، بيقول: ذكرت أركان الإسلام صريحة واضحة في مواضع متفرقة من كتاب الله، انتبهوا، بيقول: من غير حاجة في معرفة أصلها إلى تأويل باطني أو روايات موضوعة. فبنفس الدرجة، هات لنا نصوصًا صريحة على هذا الركن الأعظم اللي هو الإمامة، لكن من غير ما تلجأ إلى التأويل الباطني، ولا إلى الروايات الموضوعة، لأن هذا شأن ما هو أقل شأنًا من الإمامة، كالصلاة والزكاة والحج والصيام، ما احتجناش عشان نفهمها أن احنا نخترع أحاديث موضوعة، ولا إلى أن نلجأ إلى تأويل باطني.
بخلاف سلوك الرافضة هنا، ما يقولون: لا، القرآن موجودة فيه نصوص تنص على إمامة الاثني عشر، وإذا بهم يلجؤون إلى الروايات المختلقة الموضوعة المكذوبة، أو إلى التأويل الباطني، فيقول لهم: يعني استدلوا بالقرآن، لكن أوعوا تستعملوا هذا الدجل من الروايات المصنوعة الموضوعة، ولا التأويلات الباطنية الملحدة.
يقول: فكيف لا تذكر الإمامة ولا يشار إليها؟ أليس هذا دليلًا على أن مزاعم الإمامية في هذا الباب لا أصل لها؟ وحينئذ لا بد من رفض هذه المزاعم لمناقضتها لكتاب الله تعالى.
وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية في مناقشته لابن المطهر الحلي إلى هذا المنهج فقال: فإن تركوا الرواية رأسًا أمكن أن تترك الرواية، يعني ماشي، مش عايزين أحاديث، ممكن نسيب الأحاديث، وخلينا في القرآن الكريم، وهذا الذي استعمله المصنف آنفًا.
ثم طبق شيخ الإسلام هذا المنهج في الاحتجاج لإبطال دعوى الروافض في الإمامة، فقال: وهب أنا لا نحتج بالحديث. خلاص، نفترض أن ما فيش أحاديث تثبت أنه لا نص في إمامة علي، لنفترض أن ما فيش أحاديث، زي ما عملنا في المنهج كده.
فقد قال الله تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقًا، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم.
فشهد لهم بالإيمان من غير ذكر للإمامة. ولو كانت الإمامة ركنًا من أركان الدين فعلًا، لكانت أولى بالذكر من الصلاة ومن النفقة في سبيل الله، لأن عندهم أخطر من هذه الأركان هي أخطر أركان الدين.
فالله سبحانه وتعالى يقول هنا: إنما المؤمنون، إنما بصيغة حصر، أولئك هم المؤمنون حقًا، ولم يذكر في صفتهم الإيمان بالأئمة.
وقال تعالى: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون، فجعلهم صادقين في الإيمان من غير ذكر الإمامة.
وساق شيخ الإسلام شواهد أخرى من هذا القبيل، وهي وغيرها تبين أن إمامة الاثني عشر التي تجعلها الاثنا عشرية أصل الدين وأساسه ليس لها أصل في كتاب الله سبحانه وتعالى.
إذًا، هذا فيما يتعلق بأن ننحي الروايات جانبًا، سواء روايات السنة أو الشيعة، ولننظر، نحتكم إلى القرآن الكريم، فالخلاصة أنه لا يدل القرآن على الإطلاق لمزاعم الرافضة في أن الإمامة هي ركن الدين الأعظم.
الدليل الثاني، أو الأسلوب الثاني في الاستدلال بما اتفق عليه بين السنة والشيعة، يقول:
ثانيًا: إن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان له أصل لنقل كما نقل أمثاله من حديثه، لا سيما مع كثرة ما ينقل في فضائل علي من الكذب الذي لا أصل له، فكيف لا ينقل الحق الذي قد بلغ للناس؟ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه، فلا يجوز عليهم كتمان ما أمرهم الله بتبليغه.
فموضوع النص هذا لو وقع، لا شك أنه كانت تتوفر همم الجمع الغفير من الصحابة على نقله، كما رأينا في حادثة شق القمر، في حادثة الإسراء والمعراج، في أشياء كثيرة نجد أن تتوفر الدواعي على نقلها، وتنقل بطريق متواتر. تتوفر همم الصحابة على نقله، لأن الرسول أمرهم: بلغوا عني ولو آية، ونضر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه فبلغه كما سمعه، إلى آخره.
فهناك حث على التبليغ في مثل هذا، فقضية الإمامة التي هي بهذه الأهمية، يعني مما تتوفر الهمم على نقله، فلما لم ينقل ولا حتى حديث واحد صحيح في مسألة النص على الأئمة أو علي رضي الله تعالى عنه، فهذا يدل على أنه ليس لادعاء النص أصل في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فإذا كانت هناك أحاديث مكذوبة فيها مبالغة في حق أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فضائله، ونقلت، مش هينقلوا الحق الذي أمروا أن يبلغوه للناس؟ والرسول عليه الصلاة والسلام أمر الصحابة أن يبلغوا ما سمعوا منه، فلا يجوز عليهم أن يكتموا ما أمرهم الله بتبليغه.
طيب، ولو كان الصحابة، والعياذ بالله، كما يحاول أن يصورهم الرافضة، متآمرين، وأحزابًا سياسية متصارعة على الدنيا، إلى آخر هذا التشويه من هؤلاء القوم، لو أن الصحابة كتموا مسألة النص على أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، لكتموا فضائل علي ومناقبه.
مين الذي روى مناقب وفضائل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه؟ الصحابة الذين يكفرهم الشيعة هم الذين نقلوا مناقب أمير المؤمنين. ما فيش أي نوع من الحساسية إطلاقًا، ولا نظرية المؤامرة الرافضية الخبيثة. فهم الذين نقلوا إلينا الأحاديث الكثيرة جدًا جدًا التي فيها فضائل أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه ومناقبه.
فلو كانوا كتموا مسألة النص، طيب ليه ما كتموش المناقب وفضائل علي؟ وهذا خلاف الواقع، فعلم أنه لو كان شيء من ذلك لنقل، لأن النص على الخلافة، كما يقول الرازي، واقعة عظيمة، والوقائع العظيمة يجبارها جدًا، فلو حصلت هذه الشهرة لعرفها المخالف والموافق، وحيث لم يصل خبر هذا النص إلى أحد من الفقهاء والمحدثين علمنا أنه كذب. هذا كلام الرازي في أصول الدين.
الأمر الثاني الذي يثير الريبة والتهمة: أن الذي تفرد بمسألة النص وبالروايات في النص تفرد بها من؟ الشيعة. والشيعة متهمون، لأن هذا دينهم، وهذا هواهم، فلما يروون شيئًا يوافق هواهم فلا يقبل منهم.
يقول: وإنما تفرد بنقله الشيعة، يقول الآمدي: وهم فيه مدعون كذابون، يعني يدعون، وهم فيه مدعون، وفيما نقلوه متهمون، لا سيما ما ظهر من كذبهم وفسقهم وبدعتهم، وسلوكهم طرق الضلال والبهت، بادعاء المحال، ومخالفة العقول، وسب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم. فمع كل هذا لا تقبل روايتهم ولا أخبارهم لأنهم متهمون.
والصحابة رضوان الله عليهم نقلوا إلينا ما صدر عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله، وفعله، وأمره، ونهيه، وأكله، وشربه، وقعوده، ونومه، وسائر أحواله عليه الصلاة والسلام، فكيف يتصور أن ينص النبي صلى الله عليه وسلم على علي بالخلافة، ولا ينقل ذلك بحاله؟
يعني إذا كانوا نقلوا أدق الأشياء عن حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، فمسألة خطيرة مثل قضية الإمامة، ويتفقون كلهم على أن يكتموا مسألة النص؟ هذا لا شك أنه أقبح وأسوأ الظن بخير أمة أخرجت للناس رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
يقول الحافظ ابن حزم رحمه الله: وبرهان ضروري، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات، وجمهور الصحابة رضوان الله عليهم ـ حاشا من كان منهم في النواحي يعلم الناس الدين ـ فما منهم أحد أشار إلى علي بكلمة يذكر فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص عليه، ومن المحال الممتنع الذي لا يمكن البتة اتفاق أكثر من عشرين ألف إنسان، متنابذي الهمم والنيات والأنساب، على طي عهد عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وما وجدنا قط رواية عن أحد في النص المدعى، إلا رواية واهية عن مجهولين إلى مجهول يكنى أبا الحمراء، لا يعرف من هو في الخلق.
ثالثًا، ده يبقى تاني دليل من الأدلة اللي المفروض يتفق عليها الشيعة والسنة: أن هذا الحديث لو وقع أكيد كانت تتوفر الهمم والدواعي على روايته، فلما لم تنقل، دل على أنه لم يقع النص على أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه.
ثالثًا: أن الإمامة من المفترضات التي تتعلق بها مصالح الناس كلهم، فإذا قيل فيها إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أحد بعينه، والصحابة غيروا وبدلوا، لو قبلنا المبدأ، وهي دعوى الرافضة، أن الرسول عليه الصلاة والسلام نص على علي، ثم كلهم، أكثر من عشرين ألف صحابي، تواطؤوا وتآمروا والعياذ بالله على أن يكتموا هذا النص ويخفوه، إيه معنى هذا الكلام؟ معناه خطير للغاية.
دي دعوى واحد بيدعي دعوى، وللكذب، يعني ما يردعه عن الكذب إذا كان لا يتقي الله؟ فالذي كذب وقال إن الرسول عليه السلام نص على علي، وأن أكثر من عشرين ألف صحابي كلهم تواطؤوا وتآمروا على أن يكتموا هذا النص، ما معنى هذا؟ معناه هدم الدين.
يقول: إن الإمامة من المفترضات التي تتعلق بها مصالح الناس كلهم، فإذا قيل فيها إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أحد بعينه، والصحابة غيروا وبدلوا، أمكن حينئذ لكل ملحد أن يقول: إن الصلوات الخمس كانت عشرًا، وإنما الصحابة كتموها، وجعلوها خمسًا لأهوائهم. وهكذا إذا ادعى مدع تغيير ما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم، أمكن ذلك في جميع الفرائض، ويتعدى ذلك إلى ألا تحصل الثقة بشيء من أمور الدين أصلًا.
فهي مسألة مبدأ ومنهج تفكير. إذا قلنا إن الرسول نص، والصحابة تواطؤوا على كتمان هذا النص، يبقى مش هتوقف عند قضية الإمامة، يبقى الصلوات كان ممكن كانت عشرين صلاة، والصحابة خلوها عشر، والزكاة ليست بهذا المقدار، لكن الصحابة أرادوا تخفيضها فجعلوها كذا، وهكذا. يبقى كل قضية من قضايا الدين هنبدأ نهدم الدين من أساسه، وبالتالي لا يحصل أي درجة من درجات الثقة بأي شيء من أمور الدين، لاحتمال أن يكون الصحابة، والعياذ بالله، غيروها وبدلوها وكتموها. واضح؟ فده دليل عقلي طبعًا في غاية القوة والوضوح، لأن أقصى ما عند الرافضة هو الدعاوى، والدعوى إن لم تقيموا عليها بينات، أبناؤها أدعياء.
رابعًا: أن قول الروافض بالنص على علي، لو هم الروافض بيدعوا مجرد دعوى أنه قد نص على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فهنرد عليه نقول له: لا، ده الرسول عليه الصلاة والسلام نص على العباس أن يكون الخليفة بعده، العباس.
فهيرد يقول له إيه؟ لا، لم يصح النص على العباس. نقول لهم: ولم يصح النص على علي. ها؟
يقول: إن قول الروافض بالنص على علي كقول من يزعم النص على العباس، فإن قالوا ليس النص على العباس بصحيح، قيل: ولا النص على علي بصحيح، وبإبطالهم النص على العباس يبطل النص على علي، لأن الكل لم يرد به نص صحيح صريح.
وهناك فرق شيعية كثيرة تنازع الروافض في النص على الكثير ممن تدعي إمامته، يعني في فرق من فرق الشيعة مش متفقين على الاثني عشر، يوافقون على بعضهم، ولا يثبتون إمامة غيرهم، حتى ينازعها في إمامها الثاني عشر عشرون فرقة، والكل يزعم بطلان نص الآخر. حجج تهافت كالزجاج تخالها حقًا، وكل كاسر مكسور.
والنص، لما نمسك كلمة النص في اللغة، إيه معنى النص؟ يقول: نص الشيء رفعه وأظهره، لما ترفعه كده وتبينه للناس يبقى أنت نصصته. ونص حديثه رفعه وأسنده إلى المحدث عنه، ونص المتاع جعل بعضه فوق بعض، ونص فلانًا أقعده على المنصة. فالنص في اللغة مأخوذ من المنصة، وهي الظاهر على الفرس لظهوره.
فأين ظهور النص؟ ولو كان لذلك أصل ظهر واشتهر ونقل وتداولته الألسنة، وشاع بين الخاص والعام، فين هو النص على أمير المؤمنين؟ فإن قالوا: قد نص ولكنهم كتموه، قيل لهم: فقد نص على عمه العباس ولكنهم كتموه، أيه؟ فما كان جوابكم فهو جوابنا. هتقولوا: لا لم يثبت أن العباس نص عليه، وأيضًا لم يثبت أن... المسألة مش بالدعوى، لابد أن تقيم أدلة.
وأيضًا، فإذا أمكن أن يكتم مثل هذا ولا يظهر، يسوغ لقائل أن يقول ـ هو يتمادى معهم في نفس المنطق ـ يعني ممكن لو حاجة زي كده يبقى فيها نص وممكن تتكتم، لكن لنفرض جدلًا: إذا أمكن أن يكتم مثل هذا ولا يظهر، إذًا يسوغ لقائل أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان له ابن، ونص عليه، وإن الصحابة حسدوه وقتلوه.
ما هي دعوى بقى! اللي يمنع أن أي واحد يدعي أي دعوى؟ وما أشبه هذه الدعوى الفاسدة التي لا يصير إليها عاقل.
خامسًا: وسلم أن رأي أبا بكر حيث نص على عمر ما اختلف عليه اثنان. حينما نص أبو بكر على أمير المؤمنين عمر أن يكون الخليفة من بعده، هل اختلف اثنان من الصحابة؟ ما اختلف على أمير المؤمنين عمر اثنان. ولا وقع في ذلك خفاء.
كذلك حيث نص عمر على ستة أنفس من قريش، ظهر ذلك عنهم ظهورًا لا يسع جحده ولا يمكن رده. فإذا كان، يعني، أبو بكر، ولا شك أن أبا بكر هو أقل من رسول الله عليه الصلاة والسلام، أبو بكر نص وظهر النص بتاعه، وما حدش اختلف عليه، وعمر لما نص على ستة أنفس ظهر أيضًا ذلك ظهورًا لا يسع أحدًا جحده ولا يمكن رده، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل، ومبادرة الخلق إلى امتثال أمره أكثر، وتشوف النفوس إلى نقل ما صدر عنه أعظم.
فمن المحال البين أن ينص أبو بكر على واحد، ولا يقع خلاف فيمن استخلفه، ولا أمكن أحدًا أن يكتمه، وكذلك عمر، بل أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه، حيث نص على ابنه يزيد، اشتهر ذلك ونقل عنه اشتهارًا ظاهرًا متواترًا، لا نزاع فيه ولا مراء. فكيف نقل نص معاوية، وكتم نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نقله أحد؟ لا شك أن اهتمام الصحابة بنص الرسول عليه وسلم هيكون أكثر وأعظم.
وهذا كله باعتراف الشيعة الذين يقرون بأن مسألة الولاية وأحاديثها سر من أسرارهم.
سادسًا: كيف يقبل المهاجرون والأنصار والمسلمون جميعًا أمر أبي بكر في عمر حين استخلفه، ولم يختلف اثنان على إمامة عمر، ولا يقبلون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي؟ أيعقل الذين قبلوا إشارة أبي بكر بتعيين عمر من بعده، قبلوها ولم يختلف اثنان فيه، بقى معقول هؤلاء الصحابة الأطهار يرفضون نص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علي؟ فهل صار المسلمون أطوع لأبي بكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
يقول أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه في كتابه إمامة أبي بكر الصديق: كيف يحتمل عقل عاقل، أو يشتبه على بر أو فاجر، إلا من أراد الله فتنته، أن المهاجرين والأنصار، وجميع التابعين لهم بإحسان، علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نص على علي بن أبي طالب، وأمرهم أن يوالوه، فعصوه وتركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أبو بكر أن يولوا عمر بن الخطاب فاتبعوه وأطاعوه، وأمرهم عمر بن الخطاب أن يولوا الستة فلم يخالفوه ولم يعصوه؟
يعني معنى كلامه: فيعقل أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أمرهم بتولية علي، ثم هم يعصون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
وكيف يتصور أن يقوم المسلمون بالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغيرها من فرائض الإسلام، ويتركون فريضة واحدة تحبط عملهم كله، وهي بيعة علي؟ طبعًا من وجهة نظر الشيعة أن الإمامة، الذي لا يبايع الإمام أو لا يؤمن بالإمام، يكون كافرًا خرج من الملة، فيعني كيف يتصور أن يقوم المسلمون بالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد، وغيرها من فرائض الإسلام، ويتركوا فريضة واحدة تحبط عملهم كله، وهي بيعة علي؟ وأي مصلحة لهم في مبايعة أبي بكر وترك مبايعة علي؟ تابعًا.
لو كان النص على علي صحيحًا، لم يجز لعلي رضي الله عنه أن يدخل مع الستة الذين نص عليهم عمر، لأن عمر رضي الله عنه ترك الأمر في ستة أشخاص أن يختاروا واحدًا منهم. طيب، لو كان علي منصوصًا عليه لاعترض، ولا قال: لا، أنا ليه أتحط مع الخمسة دول؟ ده أنا منصوص علي، فأنا أولى. فلم يقل علي ذلك.
لو كان النص على علي صحيحًا، لم يجز لعلي رضي الله عنه أن يدخل مع الستة الذين نص عليهم عمر، وكان يقول: أنا المنصوص علي، فلا حاجة لي إلى الدخول في نص عليه عمر. ولم يجز له أن يبايع أبا بكر وعمر وعثمان.
ولا يجوز أن يظن بعلي رضي الله عنه أنه أمسك عن ذكر النص عليه خوف الموت، لأن في الحقيقة الشيعة يشتمون أمير المؤمنين ولا يعظمونه، لأن في قضية هي أخطر قضايا الدين، وأعظم قضايا الأمة، وهم يجعلونها حدًا فاصلًا بين الإيمان والكفر، فقضية زي دي، والناس تهلك بها وتدخل النار، وعلي يكون معه الحق والنجاة لهؤلاء الناس، ثم إزاء كل هذا يكتم الحق تقية خوفًا من القتل؟ هل هذا يتصور؟ وهل علي كان يخاف من القتل، وهو كان من أشجع الصحابة رضي الله تعالى عنهم؟
فلا يجوز أن يظن بعلي رضي الله عنه أنه أمسك عن ذكر النص عليه خوف الموت، وهو الأسد شجاعة، وقد عرض نفسه للموت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات، ثم يوم الجمل ويوم صفين، فما الذي جبنه بين هاتين الحالتين، وألجأه إلى التقية؟ فأي تقية؟ هذا شتم لأمير المؤمنين، ووصف ـ والعياذ بالله ـ بالجبن عن إظهار الحق.
وإذا كان منصوصًا عليه بالإمامة، ومفوضًا إليه أمر الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كلف أمرًا يجب عليه القيام به، ده واجب عليه، فريضة، ومدافعة المبطل عنه بكل وجه، وإن أهمل ذلك وتركه من غير سبب فقد خالف، وحاشاه من ذلك. ولو كان مغلوبًا عليه، فلا بد أن يجري سبب يوجب عذره في أخذ حقه، سيما مع التفويض إليه.
ورأينا عثمان بن عفان، وهو أضعف عندكم من علي، لم يسلمها إلى غير أهلها، ولم يضيع ما جعل إليه. أما أبا عثمان، فرفض أن يتنازل عن الخلافة، حتى لو كان في ذلك قتله على يد الثوار رضي الله تعالى عنه، وذكر أنه لا ينزع قميصًا قد قمصه الله إياه.
فهذا عثمان، وهم يعتبرون عثمان أضعف من أمير المؤمنين علي، ومع ذلك عثمان ما تنازل عن حقه في الخلافة.
ورأينا أبا بكر، حين ارتدت قبائل العرب، ومنعوا الزكاة، لم يهمل أمر الأمة، ولو أهمله لانهدم الإسلام، فقاتلهم ونصره الله عليهم.
وما كان في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من يسكت عن حق رآه، فكيف ينسب هؤلاء الروافض إلى أمير المؤمنين علي الرضا بالباطل، والجبن، والخوف، عن المطالبة بحقه، حتى ارتد الناس كلهم بسبب تأخره عن إعلان حقه والدعوة إليه؟ وهم يحكمون على الصحابة بالردة لأجل أنهم لم يثبتوا إمامة علي رضي الله عنه، وعينوا الخلفاء: عمر، وأبا بكر.
فشيء يترتب عليه أن معظم الأمة ترتد، ما عدا ثلاثة، بسبب أن عليًا كتم الحق الذي عنده تقية، لا شك أن هذا من أسوأ الظن بأمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه.
فكيف ينسب هؤلاء الروافض إلى أمير المؤمنين علي الرضا بالباطل، والجبن، والخوف، عن المطالبة بحقه، حتى ارتد الناس كلهم بسبب تأخره عن إعلان حقه والدعوة إليه، ولم يبق منهم إلا النزر اليسير كما يقولون، وهو علي أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فكيف يجبن عن إظهار الحق خوف القتل أو غيره؟
بل لم ينقل أنه دعا إلى نفسه، وجادل من أجل بيعته، فضلًا عن القتال، ولو وقع ذلك لاشتهر. وقد وقعت مناسبات مهمة، وأحداث خطيرة توجب إظهار النص، كحادثة السقيفة، كان أولى في حادثة السقيفة بعد وفاة الرسول عليه السلام أن يقف علي ويقول: قد نص علي رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويثبت ذلك، وتنتهي القضية، لكنه ما تكلم في حادثة السقيفة.
كذلك حادثة الشورى، اللي هو لما جعلهم عمر، جعل الخلافة في ستة ورشحهم بذلك، كان ممكن علي في هذا الوقت، كان يجب عليه أن يقف ويقول: لا ينبغي أن تكون هناك شورى، أقصد يعني اختيار بين الستة، لأنني أنا المنصوص علي، ومع ذلك لم يفعل شيئًا من ذلك، بل إنه دعا أصحابه إلى بيعته كما تقر الرافضة، ولم يدعِ نصًا، كما نقلنا ذلك عن نهج البلاغة.
وقد ذكر شيخ الإسلام بأن من الطرق التي نعلم منها بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ شيئًا من إمامة علي، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات، وطالب بعض الأنصار أن يكون منهم أمير، ومن المهاجرين أمير ـ وهذا طبعًا أمر يقر به الشيعة، أن بعض الصحابة الأنصار قالوا: منا أمير ومنكم أمير، واحد أمير من المهاجرين، وأمير من الأنصار ـ فأنكروا ذلك عليه، وقالوا: الإمارة لا تكون إلا في قريش.
وروى الصحابة في متفرقة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإمامة في قريش، ولم يرو واحد منهم، لا في ذلك المجلس ولا غيره، ما يدل على إمامة علي. يعني لابد أن يكون الخليفة قرشيًا، كما في الحديث: الناس تبع لقريش، وبلفظ آخر: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان.
فلو كان في تخصيص بعلي، لكان هذا هو وقت إظهار هذه الروايات، ولم يرو واحد منهم لا في ذلك المجلس ولا غيره ما يدل على إمامة علي.
وبايع المسلمون أبا بكر، وكان أكثر بني عبد مناف من بني أمية وبني هاشم وغيرهم لهم ميل قوي إلى علي بن أبي طالب، يختارون ولايته، ولم يذكر أحد منهم هذا النص.
وهكذا جرى الأمر في عهد عمر، وعثمان، وفي عهده أيضًا لما صارت له الولاية، لم يذكر هو ـ يعني حتى أمير المؤمنين، لما صار هو أمير المؤمنين، وتولى الخلافة، هل جاب سيرة، ذكر موضوع النص؟ حتى لما تمكن، ما فيش بقى تقية، لأن ما فيش تمكين أكثر من أن واحدًا يكون هو نفسه الخليفة، فأولى الأوقات أن يعلن مسألة النص هي وقت لما يمكن، ولم يذكر إطلاقًا علي لما مكن من الخلافة، وصار أمير المؤمنين، موضوع النص على الإطلاق.
يقول: لم يذكر هو ولا أحد من أهل بيته، ولا من الصحابة المعروفين، هذا النص، ولو كان للنص وجود ما حصل الاختلاف في عهده، إذ لم تتفق الأمة فيه لا عليه ولا على غيره، وقد جرى تحكيم الحكمين ومعه أكثر الناس، فلم يكن في المسلمين من أصحابه فضلًا عن غيرهم من احتج في مثل هذا المقام، الذي تتوفر فيه الهمم والدواعي على إظهاره.
وقد احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: تقتل عمارًا الفئة الباغية، وهذا الحديث خبر واحد، أو اثنين أو ثلاثة ونحوه، وليس متواترًا، مع أن عند الذين يقولون بالنص، النص يزعمون أنه متواتر.
طب هم لو كان متواتر، كان قالوه، وما كانوش يحتجوا بـ تقتل عمارًا الفئة الباغية، مع أنه حديث آحاد أو حديث مشهور، وليس متواترًا. فإذا كان في نص متواتر بالفعل، كان أولى أن يحتجوا به، لما جم يثبتوا أن عليًا هو أقرب إلى الحق، وأن الخارجين على علي فئة باغية. استدلوا بإيه؟ استدلوا مثلًا بـ تقتلهما أولى الطائفتين إلى الحق في خروج الخوارج استنباطًا من الحديث، أو استدلوا في هذا الحديث: ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، وهم الجيش الذي كان يقاتل أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه.
فعشان يثبتوا إمامة علي، احتاجوا لحديث آحاد أو حديث مشهور، والجماعة اللي بيدعوا النص، الرافضة بيدعوا أنها نصوص متواترة، طيب ما كان الصحابة ساعتها بقى يستدلوا بالأقوى، ولا يستدلون بالأضعف؟
يقول: وليس هذا متواترًا، والنص عند القائلين به متواتر، قال: العجب، كيف ساغ عند الناس احتجاج شيعة علي بذلك الحديث، ولم يحتج أحد منهم بالنص؟
فشيعة علي عشان يثبتوا أنه كان على الحق استدلوا بـ ويح عمار، أو تقتل عمارًا الفئة الباغية، ولو كان في نص، كان أولى أن يستدلوا على أنه إمام حق بالنص، فدل على أنه لم يكن موجودًا، وإلا لاحتج به أنصار علي رضي الله تعالى عنه.
أما دعوى النص على إمامة الاثني عشر، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على ذلك، فهي أعظم استحالة، وأوضح بطلانًا، وأظهر كذبًا.
فلم ينقله الاثنا عشرية ـ موضوع إن الرسول عليه السلام نص على اثني عشر إمامًا بأسمائهم كده من واحد إلى 12 ـ طبعًا هذا يعني من أفرى الفرية وأكذب الكذب، والذي يدعيه فقط هم فئة الاثني عشرية، وسائر فرق الشيعة تكذبها، وهم فرقة من نحو سبعين فرقة من طوائف الشيعة.
والنصوص التي ينقلها الاثنا عشرية تعارضها نصوص القائلين بإمامة غير الاثني عشر من فرق الشيعة البالغة الكثرة، فإن كل طائفة تدعي من النص غير ما تدعيه الاثنا عشرية، وهذه الدعوى لم تظهر إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من مائتين وخمسين سنة، فهو من اختلاق متأخر الشيعة، ومن قبلهم يخالفهم في ذلك.
لأن كما تعلمون أن الفرق، فرق الضلالة دائمًا نستطيع أن نحدد لها بداية زمنية، فرق الضلالة نستطيع أن نحدد لها زمانًا معينًا ظهرت فيه، ولم تكن موجودة من قبل، ومنها الشيعة، لأن هذه فرقة متأخرة في ظهورها، فكيف تكون على الإسلام الحق؟
وتذكرون القصة، قصة أحد العلماء الأذكياء، والحمد لله كل علمائنا أذكياء، لما كان في موعد لمناظرة الروافض أمام الحاكم أو الأمير، فحضر علماء الشيعة، وهو تأخر قليلًا، عالم من علماء السنة، فجاء متأخرًا، ودخل، والجميع طبعًا خلع حذاءه عند الباب، هو ده بقى خلع الحذاء ومسكه بحرص شديد كده أمام الناس، ودخل به الاجتماع.
فقالوا له: يعني كل الناس خلعت الحذاء في الخارج، مش معنى أنت ماسك النعال كده، والنعل بتاعك وخايف عليه قوي؟ فقال لهم: لأنه بلغني أن الشيعة كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسرقون الأحذية. فرد واحد من الشيعة قال: لم يكن هناك شيعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأراد بهذا أن يستخرج منهم الاعتراف بأنهم فئة طارئة على الحق.
وهو منهج، يعني أهل السنة والجماعة أهل السنة والجماعة ليسوا فرقة. الناس الجهلة اللي بيتكلموا عن أهل السنة على أنها طائفة، هذا من أجهل الجهل. أهل السنة ليسوا طائفة. يقول لك: الخلافات الطائفية. فأهل السنة والجماعة هي كلمة الإسلام، لكن في أنقى صورها، مش بتعارض الإسلام، زي ما اتكلمنا قبل كده أن هذا عموم وخصوص، زي ما تقول: أنا مصري، إسكندراني. دي طائفية؟ بتعرف نفسك أن الوصف ده أخص من هذا، واضح؟
فمسلم أعم من سني، أو من أهل السنة والجماعة. أهل السنة والجماعة، كما يقول شيخ الإسلام، هم نقاوة أهل الإسلام، فهي أفضل صورة من صور الإسلام، لأن كما تعرفون الدائرة الكبيرة في داخلها 72 فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.
فإذا الناس بتتصور أن موضوع أي وقت يذكر فيه كلمة أهل السنة في مقابلة الرافضة مثلًا أو غيرهم من الفرق الضالة، أن دي فرقة من الفرق، يعني طائفة كده وخلاص، وأن: يا جماعة ما تفرقوش، وتقعدوا تقولوا سنة وشيعة... واحد الضلال من الرافضة ألّف كتابًا مسميه: لا سنة ولا شيعة. طبعًا هو بيستثمر هذا المفهوم، فيقول: لا سنة ولا شيعة. بالضبط العنوان ده يساوي: لا إسلام ولا شيعة.
لأن سنة ما ينفعش تقول: لا سنة. إزاي؟ كيف نقول لا سنة، وهي الإسلام نفسه في أنقى، وأنصع، وأنظف صورة حاليًا من كل شوائب البدع والضلالات والانحرافات؟ فمسألة لا سنة ولا شيعة، وما فيش فرقة، إزاي؟ لأن سنة تساوي إلغاء للإسلام، فلا شيعة، آه، لأنها فرقة طارئة، لكن لا سنة ما ينفعش. الله المستعان.
يقول: وأهل السنة وعلماؤهم، وهم أضعاف أضعاف الشيعة، يعلمون أن هذا كذب، هذا يعني الإشارة إلى أن الرسول نص على 12 واحدًا كمان، مش بس علي، ده على الاثني عشر إمامًا، أن هذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم علمًا يقينيًا لا يخالطه الريب، ويباهلون الشيعة على ذلك.
والمنقول بالنقل المتواتر عن أهل البيت يكذب مثل هذا، وأنهم لم يكونوا يدعون أنه منصوص عليهم، بل يكذبون من يقول ذلك، فضلًا عن أن يثبتوا النص على 12.
ولو كان الأمر في الإمامة على ما يقوله هؤلاء الروافض، لما كان الحسن رضي الله عنه في سعة من أن يسلمها إلى معاوية رضي الله تعالى عنه. أليس الحسن رضي الله عنه تنازل طواعية عن الخلافة إلى أمير المؤمنين معاوية طواعية؟ فلو كان الحسن منصوصًا عليه، لما جاز له أن يتنازل، ويوقع الناس في كفر، لأن عندهم لو الذي بايع إمامًا غير منصوص عليه يبقى كافر.
يقول: ولو كان الأمر في الإمامة على ما يقوله هؤلاء الروافض، لما كان الحسن رضي الله عنه في سعة من أن يسلمها إلى معاوية رضي الله عنه، فيعينه على الضلال، وعلى إبطال الحق، وهدم الدين، فيكون شريكه في كل مظلمة، ويبطل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوافق على ذلك أخوه الحسين رضي الله عنهما، فما نقض قط بيعة معاوية إلى أن مات، فكيف استحل الحسن والحسين رضي الله عنهما إبطال عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما، طائعين غير مكرهين؟
ده الحسن كان أمير المؤمنين، هو خامس الخلفاء الراشدين، مش زي ما الناس بتقول عمر بن عبد العزيز، لكن ساعات بيختزلوها باعتبار كانت فترة قصيرة جدًا، لكنه كان أميرًا ممكنًا، ففين التقية هنا بقى؟ فين التقية؟ هل الحسن كان هناك نص عليه وهو يكتمه تقية؟ أين التقية وهو أيضًا ممكن كما كان أبوه رضي الله عنه من قبل؟
فكيف استحل الحسن والحسين رضي الله عنهما إبطال عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما طائعين غير مكرهين، مع أن الحسن معه أزيد من مائة ألف عنان يموتون دونه، ومكن، معاه جيش كبير؟
فوالله، لولا أن الحسن رضي الله تعالى عنه علم أنه في سعة من إسلامها إلى معاوية، وفي سعة من ألا يسلمها، لما جمع بين الأمرين، فأمسكها ستة أشهر لنفسه وهي حقه، وسلمها بعد ذلك لغير ضرورة، وذلك له مباح، بل هو الأفضل بلا شك، لكي تجتمع الأمة، لأن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بذلك على المنبر، فقال: إن ابني هذا سيد، وهو كان طفلًا، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين، وهذا رواه البخاري، وهذه من أعلام النبوة.
وهذا الذي وقع، فسياق الحديث يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام يستحسن ذلك، ويمتدح الحسن بأنه تنازل عن الخلافة طواعية، لأجل اجتماع كلمة المسلمين على أمير المؤمنين معاوية رضي الله تعالى عنه.
والبراهين المعلومة الضرورية في هذا الباب كثيرة، ويكفي بعضها لمعرفة الحق لمن تجرد عن الهوى والتعصب.
بعدما ذكر هذه الجملة من الأدلة، ينتقل بعد ذلك إلى قول الرافضة في مسألة حكم من أنكر إمامة أحد الاثني عشر. ما حكم الشخص الذي ينكر إمامة أي واحد من الأئمة الاثني عشر؟
الإمامة صنو النبوة أو أعظم، يعني زي النبوة بالضبط، بل هي عندهم أعظم، وهي أصل الدين، وقاعدته الأساسية عند الرافضة، لهذا جاء حكم الشيعة الاثني عشرية على من أنكر إمامة واحد من أئمتهم الاثني عشر مكمِّلًا لهذا الغلو، الغلو يولد غلوًا، حيث حكموا عليه بالكفر والخلود في النار.
قال ابن بابويه ـ يعني ساعات الشيعة يشنعوا على المسلمين، السلفيين بالذات، فيقولوا: دول تكفيريون، الجماعة الوهابية اللي بيكفروا... ده أنتم أساتذة التكفير! هو ما فيش في الدنيا ناس أقبح، وأشد غلوًا في التكفير من الرافضة، لأنهم يكفرون كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كل أمة محمد، وكل الفرق الشيعية الأخرى خلافهم، الذين لا يؤمنون بالاثني عشر إمامًا.
فهم أصلًا أبعد الناس عن أن يرموا غيرهم بأنه تكفيري، لأن هم أصل الضلال في قضية التكفير، وأصل الغلو فيه، يعني ما حدش بيكفر قدهم، ده كل الأمة المحمدية كافرة عندهم، إذا كان الصحابة كلهم كفارًا ما عدا ثلاثة ولا سبعة، فمين التكفيري بقى؟
يقول ابن بابويه من أئمة الرافضة: واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة، أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء ثم أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وآله. انتهى كلام ابن بابويه.
هذا النص يقتضي أن الاثني عشرية تكفر كل فرق المسلمين، حتى فرق الشيعة التي وجدت على مدار التاريخ، طبعًا مقصود فرق الشيعة التي لم تقل بكل الاثني عشر، مع أنها تتلقى عنهم دينها، لأن روايتهم من رجالها.
قال شيخهم الطوسي: ودفع الإمامة كفر، كما أن دفع النبوة كفر، لأن الجهل بهما على حد واحد.
وهذا فيما يبدو لم يقنع ابن المطهر الحلي، فرأى أن إنكار إمامة الاثني عشر أعظم من إنكار النبوة، فقال: الإمامة لطف عام، والنبوة لطف خاص، لإمكان خلو الزمان من نبي حي، بخلاف الإمام، وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص.
إذًا ابن المطهر يجعل من لم يؤمن بأئمتهم أشد كفرًا من اليهود والنصارى، وقد بنى ذلك على أن الزمان لا يخلو من إمام، وهو إشارة إلى عقيدتهم بالإيمان بوجود إمامهم المنتظر الغائب، والذي أنكره طوائف من الشيعة، وقرر المحققون من علماء النسب والتاريخ أنه لم يولد أصلًا.
ولكن شيخ الشيعة يرى أن إنكاره أعظم الكفر.
وينقل شيخهم المفيد اتفاقهم على هذا المذهب في تكفير أمة الإسلام، فيقول: اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة، فهو كافر ضال، مستحق للخلود في النار. ده باتفاق الإمامية.
وبلغ الأمر بشيخهم نعمة الله الجزائري أن يعلن انفصال الشيعة عن المسلمين بسبب قضية الإمام. انظروا إلى ما يقوله نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية. انتبهوا جدًا لهذا التصريح، يقول على أهل السنة أو أهل الإسلام: لم نجتمع معهم على إله، ولا نبي، ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون إن ربهم هو الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيه، وخليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا، ولا ذلك النبي نبينا.
ونقول له: صدقت، أنت اللي اخترت ألا يكون الله عز وجل ربك، ولا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نبيك. يعني هو اللي بيحكم على نفسه.
فهذا تصريح في غاية الشناعة، الحقيقة، قاتله الله: لم نجتمع معهم على إله، ولا نبي، ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون إن ربهم هو الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيه، وخليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا، ولا ذاك النبي نبينا. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
بعد هذا التكفير العام لأمة الإسلام، أصلًا يعني، هو الناس بتستغرب ساعات لما نصدمها كده ونفوقها بأن المليار مسلم دول هم في نظر الشيعة كفار، أشد كفرًا من اليهودي والنصراني، ونجاسة السنيين نجاسة حسية، مش بس نجاسة معنوية زي المشرك، ده نوع من النجاسة الأشد والأغلظ في نظرهم. فلما بنقول لهم: بيكفرونا، الناس تستغرب وتقول لك: أنت بتشنع وبتعمل. فإزاي بنستغرب وهم بيكفروا عوام عموم المسلمين مثلنا، وهم قد طوعت لهم أنفسهم أن يكفروا الصحابة كلهم ما عدا ثلاثة، فشيء طبيعي أنهم بيكفروا جميع التابعين، وتابعي التابعين، والأئمة الأربعة، أما الثمانية، والبخاري، ومسلم، والمحدثين، كل هؤلاء كفار على مدى التاريخ الإسلامي كله، كل هؤلاء كفار، السواد الأعظم من المسلمين، وأمة الإسلام، وأمة أهل السنة والجماعة، وأيضًا الفرق الضالة المبتدعة التي لا تكفر، كل هؤلاء كفار لأنهم لا يؤمنون بما يدعون أنه أصل الدين الأعظم، وهو الإمامة.
فده واقع، حتى الذين يدافعون عن الشيعة، هؤلاء أيضًا هم كفار في نظر الشيعة قطعًا. مثلًا الدكتور يوسف القرضاوي، قطعًا عندهم كافر، دي ما فيها جدال، أو غير ممن نصبوا أنفسهم محامين.
فيقول: بعد هذا التكفير العام، خصصوا باللعن والحكم بالردة جميع فئات المسلمين ما عدا الاثني عشرية. كل المسلمين كفار، وده مش كلام دعوى أو تشنيع أو كذا، ده شيء مقطوع به، بس الناس مش فاهمة ومش عايزة تفهم.
فتعالوا نتأمل بقى مين اللي يترتب على هذا الكلام أن الرافضة بيكفروا مين؟
أولًا: الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى رأسهم خير هذه الأمة بعد خاتم الأنبياء: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وسيأتي تفصيل بيان هذا الكلام وموقفهم من الصحابة.
اثنين: أهل البيت. هم يكفرون أيضًا أهل البيت كما سنرى.
ثالثًا: خلفاء المسلمين وحكوماتهم. أي حاكم في الكرة الأرضية من بداية أبي بكر إلى اليوم، غير علي رضي الله عنه، فهؤلاء كلهم كفار مشركون.
رابعًا: الأمصار الإسلامية وأهلها. بلاد المسلمين عندهم هي دار كفر، وكل من يعيش في بلاد المسلمين أيضًا من أهل السنة هم كفار، حتى من أهل البدع أيضًا الذين لم يكفروهم.
خامسًا: قضاة المسلمين.
سادسًا: أئمة المسلمين وعلماؤهم.
سابعًا: الفرق الإسلامية.
ثامنًا: الأمة.
وهذا ما يفصله إن شاء الله تعالى فيما يأتي، تفاصيل نصوصهم في التكفير، وموقفهم، وكيف أن التكفير تعدى إلى كل الأمة الإسلامية.
نكتفي بهذا القدر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.
-
الاحد AM 11:22
2026-04-26 - 114



