ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
حجية القرأن عند الشيعة
حجية القرأن عند الشيعة
الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، فنشرع بإذن الله تعالى في دراسة اعتقاد الرافضة في مصادر الإسلام، وهذا البحث فيه ثلاثة أصول: الأول عقيدتهم في كتاب الله تعالى، والثاني عقيدتهم في السنة، والثالث عقيدتهم في الإجماع.
أما فيما يتعلق باعتقادهم في القرآن الكريم، فيعرض المصنف هنا لأقوال الشيعة التي تبين اعتقادهم في كتاب الله تبارك وتعالى، فيذكر أولًا مذهبهم في حجية القرآن وخروجهم في هذا الأمر عما أجمع عليه المسلمون، وذلك بقولهم إن القرآن ليس بحجة إلا بقيم. وهذه الفكرة الأساس التي سنناقشها هذه الليلة: القرآن لا يعتبر حجة إلا بقيم، وهو أحد الاثني عشر. كذلك قولهم إن علم القرآن عند الأئمة، وقد اختصوا بمعرفته لا يشركهم فيه أحد، وكذا زعمهم بأن قول الإمام يخصص عام القرآن ويقيد مطلقه إلى آخره.
ثم يعرض ثانيًا عقيدتهم في تأويل القرآن الكريم، وفيه قولهم بأن للقرآن معاني باطنة لا يعرفها إلا الأئمة، وقولهم الآخر بأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم. أما ثالثًا فعقيدتهم في نص القرآن الكريم، ويناقش هذه المسألة: هل الشيعة تقول بنقص القرآن وتغييره؟ علمًا بأن الشيعة أيضًا تقول بالنسبة لموقفها من القرآن: إن القرآن مخلوق، حيث اقتفت الشيعة أثر المعتزلة في ذلك. كما أن للشيعة دعوى شائعة في كتبها، ولم أر من خصها بدراسة أو إشارة، وهي دعواهم تنزل كتب إلهية على الأئمة. هذه المسألة خفيت، يعني حتى رايت من الباحثين من خلط بينها وبين ما ينسب للشيعة من قولهم بتحريف القرآن، كجولد تسيهر، ومحب الدين الخطيب، وإحسان إلهي ظهير رحمهم الله. كذلك تدعي الشيعة بأن عند أئمتهم الكتب التي نزلت على الأنبياء.
إذا هذا فيما يتعلق بمجمل القضايا التي توضح لنا أو عناوين البحث المتعلق بموقف الرافضة من كتاب الله تبارك وتعالى.
ثم يذكر الموضوع الأول، وهو اعتقادهم في حجية القرآن، الذي يلخصه ما يزعمونه من القول بأن القرآن قرآنان: هناك قرآن صامت وقرآن ناطق، وأن القرآن الناطق هو علي أو أحد الأئمة من بعده. وخلاصة الكلام أن القرآن يقرأ، يعني عموم الناس، كل الناس يقرؤون القرآن، لكن تفسير القرآن ليس إلا للأئمة فقط كما سنرى.
يقول: هذا البحث ينقسم إلى مسائل ثلاث: الأولى قولهم إن القرآن ليس بحجة إلا بقيم، والثانية حصر علم القرآن ومعرفته بالأئمة، والثالثة زعمهم بأن قول الإمام يخصص عام القرآن ويقيد مطلقه إلى آخره.
أما المسألة الأولى فهي اعتقادهم أن القرآن ليس بحجة إلا بقيم. يقول: هذه المسألة يؤكد عليها أكثر من كتاب من كتبهم المعتمدة عندهم، وما كان يخطر بالبال أن تذهب طائفة من الطوائف التي تزعم لنفسها الإسلام إلى القول بأن القرآن ليس بحجة، والله عز وجل يقول لمن طلب آية تدل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم. فالقرآن العظيم هو الشاهد والدليل والحجة.
ولكن شيخ الشيعة ومن يسمونه بثقة الإسلام، الكليني، يروي في كتابه "أصول الكافي" والذي هو عندهم كصحيح البخاري عند أهل السنة، يروي ما نصه: إن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم، وإن عليًا كان قيم القرآن، وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. هذه المقالة توجد أيضًا في طائفة من كتبهم المعتمدة كرجال الكشي، وعلل الشرائع، والمحاسن، ووسائل الشيعة وغيرها.
فماذا يعنون بهذه العقيدة؟ أيعنون بذلك أن النص القرآني لا يمكن أن يحتج به إلا بالرجوع إلى قول الإمام؟ وهذا يعني أن الحجة هي في قول الإمام لا في قول الرحمن. القرآن ليس بحجة إلا بالرجوع إلى الإمام يخبرنا ما الذي يراد بالقرآن الكريم. أم يعنون أن القرآن لا يؤخذ بنظامه إلا بقوة السلطان وهو القيم على تنفيذه؟ فيقترب هنا على هذا المعنى من قول أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه عثمان رضي الله عنه حينما قال: إن الله لا يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. فالكلمة تحتمل المعنيين.
يقول: ولكن ورد عندهم في تتمة النص ما ينفي هذا الاحتمال، أن يراد به القرآن لا يؤخذ بنظامه إلا بقوة السلطان القيم على تنفيذه. هذا الاحتمال ينفيه قولهم في آخر النص: "فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئ والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم". ومعنى هذا أن قول الإمام هو أفصح من كلام الرحمن. ويظهر من هذا أنهم يرون أن الحجة في قول الإمام؛ لأنه الأقدر على البيان من القرآن نفسه، ولهذا سموه بالقرآن الصامت، المصحف الشريف سموه القرآن الصامت، وسموا الإمام بالقرآن الناطق.
ويروون عن علي رضي الله عنه أنه قال: "هذا كتاب الله الصامت وأنا كتاب الله الناطق"، وقال: "ذلك القرآن فاستنطقوه فلن ينطق لكم، أخبركم عنه". ويبدو أن النص فيه نوع من الخلل هنا. ويقولون في روايتهم: "وعلي تفسير كتاب الله". كلام علي هو الذي يفسر كتاب الله. ومرة أخرى يدعون بأن الأئمة هم القرآن نفسه، ولهذا نجد أنهم يفسرون قول الله سبحانه وتعالى: واتبعوا النور الذي أنزل معه، يقولون: النور، "واتبعوا النور الذي أنزل معه"، ما هو النور عند الرافضة؟ النور: علي والأئمة عليهم السلام. يعني "الذي أنزل معه" أيضًا علي، أما "أنزل من السماء" إنزالًا، لأن الآية تقول: واتبعوا النور الذي أنزل معه.
أيضًا يفسرون قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ، فيقولون في تفسير قوله تعالى: ائت بقرآن غير هذا أو بدله يعني أمير المؤمنين. فأمير المؤمنين هو قرآن. ائت بقرآن غير هذا أو بدله يعني أمير المؤمنين، أي علي رضي الله تعالى عنه.
وحينًا يزعمون بأن القرآن لم يفسر إلا لرجل واحد، وهو علي رضي الله تعالى عنه. أيضًا في الآية الأخرى قول الله تعالى: أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين، جاء في تفسير القمي: أم يقولون تقوله يعني أمير المؤمنين، بل لا يؤمنون أنه لم يتقوله ولم يقله برأيه، ثم قال: فليأتوا بحديث مثله أي رجل مثله من عند الله، فليأتوا برجل مثل علي. فليأتوا بحديث مثله أي رجل مثله من عند الله إن كانوا صادقين.
وما ندري لم يكون علي قيم القرآن، ولما يكون علي هو القرآن نفسه، وإذا كان هو القرآن أو هو القيم على القرآن فلماذا يفسر له؟ وكيف يفسر له وهو نفسه تفسير القرآن؟ إنها أقوال يضرب بعضها بعضًا، وهي برهان أكيد على أنها من وضع زنديق أراد إفساد دين المسلمين.
وكيف يقال مثل ذلك في كتاب أنزله الله سبحانه ليكون هداية للناس: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم؟ وقال أمير المؤمنين الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قسمه الله". هذا هو كلام، هذا هو الموقف الحقيقي لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه من كتاب الله، ليس كما يدعي الرافضة. "من تركه من جبار قسمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم".
قال ابن كثير: وقد وهم بعضهم في رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه. وقد أخرجه مرفوعًا الترمذي والدارمي والإمام أحمد، والحديث في سنده مقال. يقول الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث، وهو أحد رجال الإسناد، مقال. وقال الحافظ ابن العربي المالكي: وحديث الحارث لا ينبغي أن يعول عليه. وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إسناده ضعيف جدًا من أجل الحارث. وقال الألباني: إسناده ضعيف، فيه الحارث الأعور، وهو لين، بل اتهمه بعض الأئمة بالكذب، ولعل أصله موقوف على علي رضي الله عنه، فأخطأ الحارث فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والشيخ الألباني رغم أنه قال هو ضعيف الإسناد قال: هو جميل المعنى، لأن فعلًا معاني هذا النص في غاية الجمال والتعبير عن كتاب الله عز وجل.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "تضمن الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة"، ثم قرأ هذه الآية: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى.
ومسألة أن كتاب الله هو الحجة والإمام لا تحتاج إلى بسط الأدلة والتوسع في إقامة البراهين. منهج الدكتور القفاري هنا في هذا الموضع أنه يعني يأتي بالدليل من كتاب الله تبارك وتعالى على الحقيقة التي خالفها الشيعة، يدلل عليها بالقرآن، ثم يأتي بما يدلل عليها من كلام أهل البيت من مصادر أهل السنة أيضًا. أي نعم.
ثم يذكر ما ينقض هذه العقيدة من كتب الشيعة نفسها كبرهان على تناقضهم. في بعض مصادرهم المعتمدة جاء النص التالي: ذكر الرضا رضي الله عنه يومًا القرآن، فعظم الحجة فيه، فقال: "هو حبل الله المتين، وعروته الوثقى، جعل دليل الحيران، وحجة على كل إنسان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد". هي الأصح تكون إيه؟ "جعل دليل الحيران"، لأن البرهان نفسه دليل، كأنها "الدليل الدليل". على أي الأحوال دي عن الرضا، ففيها تعظيم القرآن الكريم.
في نص آخر لهم: "فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل".
أما "نهج البلاغة" وهو الكتاب المنسوب لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وقد شكك في صحة نسبة كتاب "نهج البلاغة" إلى علي النقاد قديمًا وحديثًا، حتى قال الذهبي رحمه الله: "ومن طالع نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه". وهذا بحث مستقل نرجو فيما بعد أن يناقش بالتفصيل. ومع ذلك جاء في هذا الكتاب المنسوب لعلي رضي الله عنه، وهذا كتاب عند الشيعة لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، جاء النص التالي: "فالقرآن آمر زاجر، وصامت ناطق، حجة الله على خلقه".
يقول الهادي كاشف الغطاء، وهو أحد شيوخ الشيعة المعاصرين: إن إنكار نسبة هذا الكتاب إلى علي يعد عندهم من إنكار الضروريات، يعني ما علم من الدين بالضرورة. يزعمون أن القطع بنسبة "نهج البلاغة" إلى علي مما علم من الدين بالضرورة. وقال: إن جميع ما فيه حاله كحال ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ولهذه النصوص شواهد أخرى، وهي تكشف لنا مدى التناقض والاضطراب الواقع في مصادر هؤلاء القوم، فرواياتهم كما ترى يعارض بعضها بعضًا. لكنهم في حالة التناقض تلك قد وضعوا لهم منهجًا خطيرًا، وهو الأخذ بما خالف العامة، وهم أهل السنة. عندهم من المرجحات أن تخالف العامة، تخالف أهل السنة. فمخالفة أهل السنة شيء يتقرب به كما نتقرب نحن إلى الله بمخالفة المشركين. فعند الشيعة أحد المرجحات أن تشوف أهل السنة إيه وتخالفه، فيأخذون بالجانب الشاذ عن الجماعة وإن جاء نص يخالفه، وإن استيقظ شيخ من شيوخهم واستمع إلى نداء الحق وأعلن مخالفته لضلالهم قالوا في ذلك كله: "تقية"، إنما قال ذلك تقية.
والمتأمل في كتب الشيعة يلاحظ أنها من وضع عدو حاقد أراد أن يصد الشيعة عن كتاب الله تعالى ويضلهم عن هدى الله. فما دامت تلك المقالة ربطت حجية القرآن بوجود القيم، والقيم هو أحد الأئمة الاثني عشر، لأن القرآن فسر لرجل واحد وهو علي رضي الله عنه في زعمهم، وقد انتقل علم القرآن من علي إلى سائر الأئمة الاثني عشر، كل إمام يعهد بهذا العلم إلى من بعده حتى انتهى إلى الإمام الثاني عشر، وهو غائب مفقود عند الاثني عشرية منذ ما يزيد على أحد عشر قرنًا، ومعلوم ومعدوم عند طوائف من الشيعة وغيرهم. فما دامت هذه المقالة ربطت حجية القرآن بهذا الغائب أو هذا المعدوم، فكان نهايتها أن الاحتجاج بالقرآن متوقف لغياب قيمه أو لعدمه، وأنه لا يرجع إلى كتاب الله ولا يعرج عليه في مقام الاستدلال، لأن الحجة في قول الإمام فقط، وهو غائب، فلا حجة فيه حينئذ.
ولذلك فإن طائفة الأخبارية من الاثني عشرية أنكرت كما يعترف شيوخ الاثني عشرية الأدلة الثلاثة: الإجماع، والعقل، والقرآن الكريم، بما فيها القرآن الكريم، وخصت الدليل بالواحد منها أعني الأخبار، فلذلك سموا بالاسم المذكور، وحسبك بهذا ضلالًا واضحًا عن صراط الله.
وتلك ليست نهاية التآمر على كتاب الله وعلى الشيعة، ولكنها حلقة من حلقات ومؤامرات طوحت بالشيعة بعيدًا عن جماعة المسلمين، وهي مقدمة أو إرهاص لبدء المحاولة بتفسير كتاب الله على غير وجهه، وزعمهم أن هذا هو ما جاء عنه القيم والإمام من أهل البيت، والحجة فيه لا في غيره، وهو الناطق عن القرآن والمبين له، ولا حجة في القرآن إلا به.
هذه المسألة الأولى.
أما المسألة الثانية فهي اعتقادهم بأن الأئمة تختص بمعرفة القرآن لا يشركهم فيه أحد. فإنه مما علم من الإسلام بالضرورة أن علم القرآن لم يكن سرًا تتوارثه سلالة معينة، ولم يكن لعلي اختصاص بهذا دون سائر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنهم، وأن الصحابة رضوان الله عليهم هم الطليعة الأولى الذين حازوا شرف تلقي هذا القرآن عن رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ونقله إلى الأجيال كافة.
ولكن الشيعة تخالف هذا الأصل، وتعتقد أن الله سبحانه وتعالى قد اختص أئمتهم الاثني عشر بعلم القرآن كله، وأنه مختص بتأويله، وأن طلب علم القرآن من غيرهم فقد ضل. وتذكر بعض مصادر أهل السنة بأن بداية هذه المقالة وجذورها الأولى ترجع لابن سبأ، فهو القائل بأن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي.
وقد استفاض ذكر هذه المقالة في كتب الاثني عشرية بألوان الأخبار وصنوف الروايات. مثال: جاء في "أصول الكافي" في خبر طويل عن أبي عبد الله قال: "إن الناس يكفيهم القرآن لو وجدوا له مفسرًا". القرآن يكفينا، بس يكون لازم إيه؟ هناك من يفسره. "إن الناس يكفيهم القرآن لو وجدوا له مفسرًا، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله فسره لرجل واحد، وفسر للأمة شأن ذلك الرجل، وهو علي بن أبي طالب". يعني الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفسر للأمة القرآن، ولكن كانت وظيفته تنحصر في أن يدل الأمة على من يعلم تفسير القرآن وحده، وهو علي بن أبي طالب.
وجاء في طائفة من مصادر الشيعة المعتمدة لديهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "إن الله أنزل عليَّ القرآن، وهو الذي من خالفه ضل، ومن يبتغي علمه عند غير علي هلك". "إن الله أنزل عليَّ القرآن، وهو الذي من خالفه ضل، ومن يبتغي علمه عند غير علي هلك". يعني ابن عباس ما ينفعش، والرسول دعا له: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
وزعمت أيضًا كتب الشيعة أن أبا جعفر قال: "يا قتادة، أنت فقيه أهل البصرة؟" فقال: هكذا يزعمون. فقال أبو جعفر رضي الله عنه: "بلغني أنك تفسر القرآن". فقال له قتادة: نعم. إلى أن قال: "ويحك يا قتادة، إنما يعرف القرآن من خوطب به". وفي تفسير فرات: "إنما على الناس أن يقرؤوا القرآن كما أنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا"، يعني الأئمة.
ورواياتهم في هذا الباب كثيرة جدًا، ولو ذهبت أنقل ما بين يدي منها لاستغرق مجلدًا. ففي "الكافي" مجموعة من الأبواب، كل باب يتضمن طائفة من أخبارهم في هذا الموضوع، مثل: باب أن الأئمة رضي الله عنهم ولاة أمر الله وخزنة علمه، باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم، فاسألوا أهل الذكر، هم الأئمة، باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم فهم الأئمة، باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة، باب أن الأئمة قد أوتوا العلم وأثبت في صدورهم.
أما صاحب "البحار" فقد ضرب بسهم وافر كعادته في هذا المضمار، ومن أبوابه في ذلك: باب أنهم أهل علم القرآن، هذا الباب فقط ذكر فيه 54 رواية كلها تثبت أنهم هم أهل علم القرآن، باب أنهم خزان الله على علمه، وفيه أربع عشرة رواية، كما ذكر أيضًا طائفة من روايات هذا الموضوع ضمن باب أنهم لا يحجب عنهم علم السماء والأرض، وباب أنهم لا يحجب عنهم شيء.
وفي "وسائل الشيعة" للحر العاملي: باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من كلام الأئمة رضي الله عنهم، فيه 80 حديثًا من أحاديثهم. يعني ليس الحق حق أحد أبدًا أن يستنبط أو يجتهد في فهم القرآن، لا بد أن يرجع إلى أئمتهم.
طبعًا كما كررت مرارًا، كل كلمة معزوّة إلى مصادرها ومخرجة في الهامش وفي الفصول المهمة. في "أصول الأئمة" باب: "أنه لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة". طبعًا هذا أسلوب حصر: لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة. وفي "تفسير الصافي" يخصص إحدى مقدمات تفسيره لهذه القضية، وهي المقدمة الثانية في نبذ مما جاء في أن علم القرآن كله إنما هو عند أهل البيت رضي الله عنهم.
أما صاحب مقدمة "البرهان" فيقول: الفصل الخامس في بيان ما يدل على أن علم تأويل القرآن بل كله عند أهل البيت عليهم السلام، ويذكر في هذا الفصل طائفة من أخبارهم في هذه المسألة، ثم يقول: "والأخبار في هذا الباب أكثر من تحصى". طبعًا الأكاذيب في هذا الباب وليست الأخبار.
ولو ذهبنا نستقصي الكتب الشيعية التي تعرضت لهذا لطال المقام، لأن هذا من أصولهم. قال أحد آياتهم المعاصرين: "اعلم أن علم القرآن مخزون عند أهل البيت، وهو مما قضت به ضرورة المذهب، من لم يعتقد هذا فلا ينسب للشيعة إطلاقًا". هذا مما علم من مذهبهم بالضرورة، أن علم القرآن الكريم فقط عند الأئمة.
ومن العجب أنهم بدعواهم أن علم القرآن عند الأئمة نسبوا إلى الأئمة علم كل شيء. يقول أبو عبد الله، طبعًا هذه الأكذوبة المعروفة، أبو عبد الله يعني جعفر الصادق كذبًا وزورًا، يقول: "إني لأعلم ما في السماوات، وأعلم ما في الأراضين، وأعلم ما في الجنة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون". ثم مكث هنيئة، فرأى أن ذلك كبر على من سمع، فقال: "علمت ذلك من كتاب الله، إن الله يقول فيه: تبيان كل شيء".
هل يعقل أن جعفر الصادق يلحن في الاستدلال بآية قرآنية؟ يبقى ده واضح أن ده واحد زنديق اللي عمل هذا الكلام، لأن القرآن ليس فيه آية تقول: "فيه تبيان كل شيء"، وإنما وصف القرآن بأنه تبيانًا لكل شيء. واضح؟ فلا شك أن جعفر الصادق رضي الله عنه بريء من هذا النص، فأمانته ودينه ينفيان ذلك عنه. فكيف يعني يعلم كل شيء وهو يجهل أقرب شيء لديه، وهو أن القرآن الكريم ليس فيه عبارة "تبيان كل شيء"، وإنما في القرآن تبيانًا لكل شيء، وهو يزعم أن هذا من القرآن الكريم! فهذا يدل على أن واضع هذا النص رجل ملحد.
ثم يناقش هذه المقالة فيقول أولًا: مناقشة النصوص. يلاحظ أنه لا يسمح المقام بجمع نصوصهم في هذه المسألة لكثرتها، إذ جمعها ونقدها يستغرق صفحات كثيرة. حسبنا أن نذكر بعض الأمثلة، إذ كلها تحوم حول معنى واحد، هو اختصاص الأئمة الاثني عشر في علم القرآن، وأنه مخزون عندهم، وبه يعلمون كل شيء.
أما النص الأول الذي يزعمون فيه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبين القرآن إلا لعلي، ولم يبين القرآن إلا لعلي، وإن عليًا هو الذي عهد به إلى الإمام الذي يليه، ثم كل إمام يعهد بالعلم السري هذا إلى من بعده، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم. وكتب الشيعة تقول كما سلف: ليس من وظيفة الرسول بيان القرآن للناس، وإنما مهمته بيان شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب. أما بيان القرآن للناس وتفسيره فهو رسالة علي لا محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن القرآن يقول: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم.
وكلام الاثني عشرية هنا يذكر بكلام فرقة من فرق الغلاة، وهم الغرابية. فرقة الغرابية، لماذا سموا الغرابية؟ نعم، هل في حد يقدر يميز غرابًا من غراب لو فيه مجموعة من الغربان؟ تجد الشبه شديدًا. ففيعني هذه الفرقة، فرقة الغرابية، قالت: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان أشبه بعلي من الغراب بالغراب، كانت الملامح متشابهة تمامًا، كان أشبه بعلي من الغراب بالغراب، وإن الله عز وجل بعث جبريل عليه السلام بالوحي إلى علي، فغلط جبريل عليه السلام وأنزل الوحي على محمد محمد صلى الله عليه وسلم. طبعًا هذا لا يقول به كل فرق الشيعة، لكن هي فرقة من الفرق الضالة اللي هي الغرابية، نسبت إلى الغراب لقولهم هذا.
وكلام الاثني عشرية هنا يذكر بكلام فرقة من فرق الغلاة وهم الغرابية، التي قالت إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان أشبه بعلي من الغراب بالغراب، وإن الله عز وجل بعث جبريل عليه السلام بالوحي إلى علي. جبريل اتلخبط بقى لأن الشبه شديد، فغلط جبريل عليه السلام وأنزل الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم. ما الفرق بين تلك المقالة ونص الاثني عشرية؟ إن الاثني عشرية أعطوا عليًا الرسالة دون دعوى الغلط، وزعموا أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم هي التعريف بعلي فقط. الرسول لا يبين القرآن لكن يبين لنا هو صاحب تفسير القرآن، وهو علي.
أما النص الثاني الذي يقول: "إن من ابتغى علم القرآن عند غير علي فقد هلك"، يقول: من ابتغى علم القرآن من القرآن أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن فيهم علي فقد اهتدى. والقول بأن من طلب علم القرآن عند غير علي هلك ليس من دين الإسلام، وهو مما علم بطلانه من الإسلام بالضرورة. فلم يخص النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا من الصحابة بعلم من الشريعة دون الآخرين. قال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم. فالآية تدل على أن البيان للناس، فهو بيان لجميع الناس، ولم يبين لعلي خاصة.
فالآية تدل على أن البيان للناس، وليس لفرد أو طائفة منهم ولو كانوا أهل بيته. وقد نفى أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه أن يكون قد خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم دون الناس. وقد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة ومن بعدهم ورغبهم في تبليغ سنته، ولم يخص أحدًا منهم، فقال كما جاء عن زيد بن ثابت وغيره: "نضّر الله امرأً سمع منا حديثًا فبلغه"، أي واحد من الصحابة، "فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". هذا الحديث مروي في كتب الاثني عشرية المعتمدة، فيكون حجة عليها أيضًا.
أما النص الثالث فهو يدعي أن القرآن لم يخاطب به سوى الأئمة الاثني عشر، ومن هنا فلا يعرف القرآن سواهم، كما جاء في الرواية الخاصة بهم: "إنما يعرف القرآن من خوطب به"، وهم الأئمة الاثنا عشر. ولهذا يعتبر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون وأئمة الإسلام على امتداد العصور قد هلكوا وأهلكوا بقيامهم بتفسير القرآن وفق أصوله، أو اعتقادهم أن في كتاب الله ما لا يعذر أحد بجهالته، ومنه ما تعرفه العرب من كلامها، ومنه ما لا يعرفه إلا العلماء، ومنه ما لا يعلمه إلا الله. فالشيء، هذا المعنى منقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فالشيعة تزعم أنه لا يعرف القرآن سوى الأئمة، وأنهم يعرفون القرآن كله. وهذه دعوى تفتقر إلى دليل، وزعم يكذبه العقل والنقل، وينقضه واقع التفسير عندهم كما سيأتي.
أما النص الرابع، فهو يبين أن وظيفة الناس جميعًا سوى الأئمة الاثني عشر هي قراءة القرآن فقط. كل الناس فقط علاقتها بالقرآن أنها تقرأ القرآن، ولا يجوز لأحد أن يتولى منصب تفسير القرآن، حتى ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن وظيفته بيان شأن ذلك الرجل، مش بيان القرآن. وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام مش أنه يفسر ويبين، لا، وظيفته أن يبين لنا من هو مفسر القرآن، وهو علي. كما أنه من باب أولى ليس لأحد من الصحابة والسلف والأئمة أن يتولى شيئًا من ذلك. وإن احتاج أحد إلى تفسير آية فليرجع إلى من عنده علم القرآن، إلى أئمتهم.
وماذا سيجد من يرجع إلى تفاسير الشيعة كتفسير القمي والعياشي والبرهان وتفسير الصافي، أو ما في الكافي والبحار من تفسير آيات القرآن يزعمون نسبتها لأئمتهم؟ سيجد تأويلات باطنية ليس لها صلة بنص القرآن ولا سياق الآيات ولا معانيها ومفهوماتها كما سيأتي فيما بعد. إن أوضح برهان في رد هذه الدعوى هو واقع التفسير عند هؤلاء القوم.
ثم إن النص المذكور يدعو إلى الإعراض عن تدبر القرآن وفهم معانيه، وهذا من الصد عن دين الله وشرعه. ولعل الدافع لوضع مثل هذه الروايات هو محاولة منع جمهور الشيعة من قراءة كتاب الله وتدبره وفهمه، لأن في ذلك افتضاحًا لكذب مؤسسي هذا المذهب، وكشفًا لضلالهم، وتعريه لمناهج الباطنية في تأويل كتاب الله تعالى.
أما نقد هذه المقالة التي تقوم على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أودع عليًا رضي الله عنه علم القرآن، فقد وجد لهذه المقالة أصل في حياة أمير المؤمنين، وأظهرت السبئية القول بأن عند علي غير ما عند الناس، فنفى أمير المؤمنين ذلك نفيًا قاطعًا، وقال: "والذي فلق الحبة"، حينما سئل: "هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس؟" فقال علي رضي الله عنه: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهمًا يعطى رجلًا في كتابه..." إلى آخره.
ومما يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم يتناول هذا وذاك. وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي، وهو مقرئ الكوفة، الإمام العلم عبد الله بن حبيب بن ربيعة الكوفي، وهو من أولاد الصحابة، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ القراءات عن عثمان وعلي وزيد وأبي وابن مسعود، وعبد الرحمن السلمي غير أبي عبد الرحمن السلمي هذا شيخ الصوفية صاحب "حقائق التفسير" الذي نسب إلى جعفر الصادق أقوالًا في تأويل القرآن على طريقة الباطنية، وجعفر بريء من ذلك.
يقول: وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى تعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا". ويقول الشيخ شاكر: هذا إسناد صحيح متصل.
فإذا هذا هو الذي كان يحدث في العهد النبوي: تعلم القرآن ألفاظه ومعانيه وأحكامه وتدبره، يعني نصوصه. لهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وذلك أن الله تعالى قال: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته، وقال: أفلا يتدبرون القرآن، وقال: أفلم يتدبروا القول. وتدبر القرآن بدون فهم معانيه لا يمكن. وكذلك قال تعالى: إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون. وعقل القرآن متضمن لفهمه. ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.
ولهذا لم تعد فئة من الشيعة تهضم هذه المقالة، وخرجت عن القول بكل ما فيها، فقالت: بأن ظواهر القرآن لا يختص بعلمها الاثنا عشر، بل يشركهم غيرهم فيها، أما بواطن الآيات فمن اختصاص الأئمة. وقام خلاف كبير حول حجية ظواهر القرآن بين الأخبارين والأصوليين، وهما فئتان أو فرقتان من فرق الشيعة. فالفئة الأولى ترى أنه لا يعلم تفسير القرآن كله ظاهره وباطنه إلا الأئمة، والأخرى ترى حجية ظواهر القرآن لعموم الأدلة في الدعوة إلى تدبر القرآن وفهمه.
إن دعوى أن القرآن لم يفسر إلا لعلي هي مخالفة لقول الله سبحانه وتعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون، فالبيان للناس لا لعلي وحده. لتبين للناس لا لعلي وحده. فليس لمن قال بهذه المقالة إلا أحد طريقين: إما القول إن الرسول لم يبلغ ما أنزل إليه، وإما أن يكذب القرآن، وهي مخالفة للعقل وما علم من الإسلام بالضرورة.
ودعوى أن علم القرآن اختص به الأئمة ينافيه اشتهار عدد كبير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم بتفسير القرآن، كالخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم. وكان علي رضي الله تعالى عنه يثني على تفسير ابن عباس. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذا ابن عباس نقل عنه من التفسير ما شاء الله بالأسانيد الثابتة، ليس في شيء منها ذكر علي، وابن عباس يروي عن غير واحد من الصحابة، يروي عن عمر، وأبي هريرة، وعبد الرحمن بن عوف، وعن زيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأسامة بن زيد، وغير واحد من المهاجرين والأنصار، وروايته عن علي قليلة جدًا، ولم يخرج أصحاب الصحيح شيئًا من حديثه عن علي، وخرجوا حديثه عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم، وما يعرف بأيدي المسلمين تفسير ثابت عن علي، وهذه كتب الحديث والتفسير مملوءة بالآثار عن الصحابة والتابعين، والذي منها عن علي قليل جدًا، وما ينقل من التفسير عن جعفر الصادق عامته كذب على جعفر". انتهى كلام شيخ الإسلام في "منهاج السنة".
ثم إن تعميم القول بأن الأئمة يعلمون القرآن كله غلو فاحش، ذلك أنه كما يقول ابن جرير الطبري: إن مما أنزل الله من القرآن ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك تفصيل ما هو مجمل في ظاهر التنزيل، وبالعبادة، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ومنه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان العربي الذي نزل به القرآن. انتهى كلام الطبري.
هذا، وقولهم إن علم القرآن انفرد بنقله علي يفضي إلى الطعن في تواتر شريعة القرآن من الصحابة إلى سائر الأجيال، لأنه لم ينقلها على حد زعمهم عن رسول الله إلا واحد، وهو علي.
وبعد، فهذه المقالة مؤامرة، الهدف منها الصد عن كتاب الله سبحانه، والإعراض عن تدبره، واستلهام هديه، والتفكر في عبره، والتأمل في معانيه ومقاصده. فالقرآن في دين الشيعة لا وسيلة لفهم معانيه إلا من طريق الأئمة الاثني عشر. أما غيرهم فمحرم من الانتفاع به. وهي محاولة أو حيلة مكشوفة، الهدف مفضوح، القصد، لأن كتاب الله نزل بلسان عربي مبين، وخوطب به الناس أجمعون: إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. وأمر الله عباده بتدبره، والاعتبار بأمثاله، والاتعاظ بمواعظه، ومحال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له ولا يعقل تأويله: اعتبر بما لا فهم لك به ولا معرفة من البيان والكلام. وهي محاولة للصد عن ذلك العلم العظيم في تفسير القرآن، والذي نقله إلينا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف والأئمة. فهذه الكنوز العظيمة لا عبرة بها ولا قيمة لها في دين الشيعة، لأنها ليست واردة عن الأئمة الاثني عشر.
وقد صرح بذلك بعض شيوخهم المعاصرين، فقال، وهو محمد رضا النجفي في كتابه "الشيعة والرجعة": "إن جميع التفاسير الواردة عن غير أهل البيت لا قيمة لها ولا يعتد بها". إن جميع التفاسير الواردة عن غير أهل البيت لا قيمة لها ولا يعتد بها.
المأساة، سورة المأساة تكتمل إذا رأينا نماذج بقى من كيفية تحريف آيات القرآن الكريم بطريقة جنونية، حتى إنهم يصرحون بأن معظم القرآن نزل فينا، نزل في الشيعة، وفي أئمة أهل البيت، وأن قضية الإمامة هي المحور الذي يدور حوله الدين، وهي أخطر من قضية الشرك والتوحيد.
يقول محمد رضا النجفي في "الشيعة والرجعة" صفحة 19: "إن جميع التفاسير الواردة عن غير أهل البيت لا قيمة لها ولا يعتد بها"، والقيمة في كتب التفسير عندهم وحدها.
وإذا ذهبنا نبحث عن هذه القيمة في كتبهم فماذا نجد؟ لقد حولت كتب التفسير المعتمدة عندهم، كتفسير القمي والعياشي والصافي والبرهان، وكتب الحديث كالكافي والبحار، تأويلات لكتاب الله منسوبة لآل البيت تكشف في الكثير الغالب عن جهل فاضح بكتاب الله، وتأويل منحرف لآياته، وتعسف بالغ في تفسيره، ولا يمكن أن تصح نسبتها لعلماء آل البيت، فهي تأويلات لا تتصل بمدلولات الألفاظ ولا بمفهومها ولا بالسياق القرآني كما سيأتي أمثلة ذلك.
ومعنى ذلك، بناء على هذه العقيدة، أن هذا هو مبلغ علم علماء آل البيت، وفي ذلك من الافتراء عليهم ونسبة الجهل إليهم الشيء الكثير من قوم يزعمون محبتهم والتشيع لهم. وأمر آخر أكبر وأخطر، وهو أن تلك التأويلات هي علم القرآن ومعانيه، وأنه لا معنى للقرآن أعظم مما عندهم في التفاسير المنسوبة لآل البيت. لماذا؟ لأنها خرجت من المصدر الأصيل والوحيد والصحيح لتلقي معاني القرآن الكريم. وهذا تهوين من أمر القرآن وشأنه، بل محاربة له وصد عنه بوسيلة ماكرة خبيثة.
أما المسألة الثالثة فهي اعتقادهم بأن قول الإمام ينسخ القرآن، ويقيد مطلقه، ويخصص عامه.
بناء على اعتقاد الشيعة بأن الإمام هو قيم القرآن، وهو القرآن الناطق، وأنهم هم خزنة علم الله وعيبته، والعيبة من الرجل موضع سره، وأنه بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكمل التشريع. ودي نقطة في غاية الخطورة، دي الشيعة طبعًا من ضروريات مذهبهم، يعني لا يستطيعون إنكارها إطلاقًا، أن الشريعة لم تكتمل بوفاة رسول الله إطلاقًا عليه الصلاة والسلام، وإنما باب التشريع لسه ما زال مفتوحًا، الأئمة يكملون الشريعة، وأن الرسول عليه السلام في أشياء ما قالهاش، الأئمة يعني، وكتمها بحجة بقى أن وقتها لم يأت بعد، فتركها الأئمة يبينوها بعد ذلك. واضح.
فيعني، يعني تبًا للناس اللي بيقولوا وما زالوا يصرون من وقت لآخر إنه لا خلاف بيننا وبينهم في الأصول، دي مسائل هينة. ما أدري يعني أين عيش هؤلاء الناس، في كوكب آخر! فلا هم درسوا حقيقة دين الرافضة، ولا هم عاشروهم معاشرة كافية، وإنما يكتفون بتلقي التصريحات المخدرة.
تصريحات مخدرة من رؤوس الشيعة. خبر امبارح، هي أذيع أو أعلن يعني، طبعًا هناك نسبة كبيرة من أهل السنة في إيران، فأهل السنة دول فيهم ناس يعني تابعين لجماعة الإخوان المسلمين، في جماعة هناك، فرع لجماعة الإخوان المسلمين داخل سنة إيران، أعلنوا بالأمس سحبهم من جماعة الإخوان المسلمين، خروجهم عن هذه الجماعة وقطع علاقتهم بها، أنه مش من الإنصاف أن يكونوا إخوانًا مع الإخوان المسلمين. لماذا؟ قال: لأن الإخوان المسلمين في كل مشكلة بينهم وبين الرافضة في إيران انحازوا للرافضة، ولم يساندوهم المساندة الواجبة لإخوانهم في العقيدة. فأعتقد ما فيش تصريح أقوى من كده أن المفروض أن الناس دي تفيق وتكفر عما حصل منها من قبل، تزوير الحقيقة عمدًا، ومغازلة الشيعة مثل هذا الغزل الكاذب الذي فيه تضليل، وفيه فتح الأبواب للتبشير بدين الشيعة داخل ديار السنة. فده خبر طبعًا لا يمر مرور الكرام، إن الناس اللي تابعين لجماعة الإخوان المسلمين في داخل إيران من أهل السنة هم أنفسهم أعلنوا قطع صلاتهم بجماعة الإخوان احتجاجًا على مبالغة الإخوان في كسب ود الشيعة على حساب أهل السنة، وأنهم ما نصروهم فيما يعانونه من اضطهاد وأذى وقتل وتشريد وغير ذلك مما هو معروف مما يحصل في إيران بالذات.
معاناة أهل السنة في إيران ده نموذج حي لما يمكن أن يفعلوه معنا إذا تمكنوا. ينضم إلى النماذج الحية أيضًا في العراق وغيرها.
يقول: بناء على اعتقاد الشيعة بأن الإمام هو قيم القرآن، وهو القرآن الناطق، وأنهم هم خزنة علم الله وعيبته ووحيه، وأنه بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكمل التشريع، بل إن بقية الشريعة أودعها الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي، وأخرج علي منها ما يحتاجه عصره، ثم أودع ما بقي لمن بعده من الأئمة، في علوم سرية بقى في الإسلام. الرسول عليه السلام كتم، والعياذ بالله، ولم يبلغ كل ما أوحي إليه، ثم بعد ذلك أودع الأسرار، العلوم السرية دي، عند علي. وطبعًا الصوفية أحيانًا يقولون كلامًا قريبًا من هذا. وعلي أخرج في حياته للناس العلم اللي هم محتاجين إليه في عصرهم، وأودع الباقي إلى من يأتي بعده، وهكذا كل إمام، حتى الثاني عشر. الموضوع ماشي في السلسلة دي بهذه الطريقة.
يقول: "وأخرج علي منها ما يحتاجه عصره، ثم أودع ما بقي لمن بعده، وهكذا إلى أن بقيت عند إمامهم الغائب". بناء على ذلك، فإن مسألة تخصيص عام القرآن أو تقييد مطلقه أو نسخه هي مسألة لم تنته بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن النص النبوي والتشريع الإلهي استمر ولم ينقطع بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل استمر عندهم إلى بداية القرن الرابع الهجري، وذلك بوقوع الغيبة الكبرى. كان في غيبة صغرى يمكن للناس، بعض الخواص، يستطيعون أن يتصلوا بمين؟ بالإمام في السرداب ويأخذوا منه الرقاع والفتاوى والأشياء دي. واضح، خرافات في خرافات. لكن حصلت بعد كده إيه؟ غيبة كبرى، وانقطع الاتصال بالإمام. ولذلك كل ما يذكر عندهم الإمام يقولوا إيه؟ "عج"، يعني "عجل الله خروجه". يقولوا له: "اخرج يا إمام، فقد شمَّت فينا اللئام"، يعني أهل السنة بيضحكوا على هذه العقيدة بتاعة السرداب دي.
بل استمر عندهم إلى بداية القرن الرابع الهجري، وذلك بوقوع الغيبة الكبرى التي انتهت بها صلتهم بالإمام، وانقطع تلقي الوحي الإلهي عنه، لأنهم يعتقدون أن حديث كل واحد من الأئمة الطاهرين قول الله عز وجل. أي كلمة، حديث يقوله الإمام من الأئمة الاثني عشر، يساوي قول الله عز وجل، ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قوله تعالى. وهذا قاله المازندراني في "شرح جامع على الكافي" جزء 2 صفحة 272.
وقالوا: "يجوز لمن سمع حديثًا عن أبي عبد الله"، يريد به جعفر بن محمد الصادق، "يجوز لمن سمع حديثًا عن أبي عبد الله أن يرويه عن أبيه أو أحد أجداده، بل يجوز أن يقول: قال الله تعالى". طبعًا مش بيعتقد إنه هو الله تعالى، لكن هو كلامه كأنه كلام الله، في قوته، كأنه هو قول الله عز وجل. فكان للإمام في اعتقادهم تخصيص القرآن أو تقييده أو نسخه، وهو تخصيص أو تقييد أو نسخ للقرآن بالقرآن، لأن قول الإمام كقول الله كما يفترون.
ذلك أنهم يرون، كما يقول أحد آياتهم في هذا العصر، يقول إن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة. وفين قول الله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته؟ لا، هو يقول: لا، كتم أشياء. كتمها.
يقول أحد آياتهم، وهو محمد حسين آل كاشف الغطاء في "أصول الشيعة" صفحة 77: "إن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه سلام الله عليه أودعها عند أوليائه، كل وصي يعهد بها إلى الآخر لينشرها في الوقت المناسب لها حسب الحكمة، من عام مخصص، أو مطلق أو مقيد، أو مجمل مبين، إلى أمثال ذلك. فقد يذكر النبي عامًا، ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته، وقد لا يذكره أصلًا، بل يودعه عند وصيه إلى وقته". انتهى كلام كاشف الغطاء.
ومسألة النسخ والتقييد والتخصيص ليست إلا جزءًا من وظيفة الأئمة الكبرى. إيه بقى الوظيفة الكبرى للأئمة؟ هي التفويض في أمر الدين، والتي يقررها صاحب "الكافي" في باب يعقده في هذا الشأن بعنوان: "باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى الأئمة عليهم السلام في أمر الدين". فالأئمة قد فوضوا في أمر هذا الدين كما فوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهم حق التشريع.
تقول كتب الشيعة عن الأئمة: إن الله عز وجل فوض إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، فما فوض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقد فوضه إلينا، يعني إلى الأئمة الاثني عشر. وقال أبو عبد الله كما تزعم الشيعة: "لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا رسول الله صلى الله عليه وآله، وإلا الأئمة". قال عز وجل: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، وهي جارية في الأوصياء. يعني كانت الآية دي تخاطب مين تاني؟ الأئمة العشرة، إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، وهي جارية، حكم الآية جارٍ في الأوصياء كما هو جارٍ في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم إن الأئمة هم مستودع علوم الملائكة والأنبياء والرسل، وعندهم جميع الكتب التي نزلت من السماء، كما تقرره كتبهم المعتمدة في روايات كثيرة كما سيأتي، فهذه المهام التشريعية هي من فيض هذه العلوم المخزونة عند الأئمة.
أما التطبيق العملي لهذه العقيدة، فهو ذلك الكم الهائل من الروايات في مسائل العقيدة وغيرها، والتي شذوا بها عن أمة الإسلام. فمثلًا: ألفاظ الكفر والكفار والشرك والمشركين الواردة في كتاب الله سبحانه، والتي تعم كل من كفر بالله وأشرك، جاءت عندهم روايات كثيرة تخص هذا العموم بالكفر بولاية علي، يبقى الآية في الكفار عامة، وهم يفسرون الكفر هنا بولاية علي، والشرك باتخاذ إمام معه. يبقى ده الكفر وده الشرك عندهم. واضح؟
جاءت عندهم روايات كثيرة تخص هذا العموم بالكفر بولاية علي، والشرك باتخاذ إمام معه كما سيأتي. فخصصوا عموم الكتاب بلا مخصص، أو حرفوا النصوص وزعموا أنه تخصيص، واعتبروا مسألة الإمامة، وانتبهوا لهذا، هذا الأمر في غاية الخطورة، اعتبروا مسألة الإمامة أخطر من الشرك والكفر، واعتبروا مسألة... يا جماعة، لو تلاحظون البحث هنا بحث علمي محايد تمامًا، مش محايد يعني مالوش عقيدة، لكن هو يعني البحث مش قائم على شتائم ولا انفعالات ولا على عصبية. الكلام كله دي رسالة دكتوراه منقولة من مصادرهم مباشرة بدون وسائط. واضح؟ فالبحث علمي، وبحث هادئ، وما فيش شتائم إطلاقًا، ولا في كلام يلقى على عواهنه، كل دعوى مقرونة بإيه؟ بالنصوص من كتبهم. فمن أراد أن يناقش هذا الكلام أو يبرئ الرافضة لا يكتفي بالكلام الغوغائي أو العاطفي أو الأجوف، ولكن عليه أن يرجع للمصادر ويتحقق من صدقها. واضح؟ لأن هي مشكلة الشيعة طبعًا: التقية والكذب والدجل الكبير. ولذلك احنا بنقول لهم: لن يبرئهم مثل هذا الكلام، لأن أنتم تعبدون بالكذب. ما الذي يبرئهم؟ أن يعلنوا براءة من الكتب التي تضمنت هذا الكلام. يعني نريد منهم شيئًا شبيهًا بما فعل الشيخ الألباني رحمه الله مع الفارق طبعًا في كتب السنة، الكتب غير الصحاح يعني، سنن الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه إلى آخره. فالشيخ الألباني له اجتهاد، بغض النظر عن قول علماء الحديث في هذه المسألة دي قضية ثانية، لكن أنا بقول دي فكرة جيدة: أنه عمل "صحيح الجامع الصغير" و"ضعيف الجامع"، "صحيح النسائي" و"ضعيف النسائي"، "صحيح الترمذي"، وهكذا في ابن ماجه وأبي داود. طيب، اعملوا أنتم كده بقى، لو فعلًا تقرون أن هذه الروايات مش صحيحة وغير معتمدة، افصلوا، قولوا لنا بقى إيه المعتمد وإيه اللي مش معتمد. واضح؟ لكن مستحيل يفعلوا هذا. عند الكلام العلمي الدقيق: غوغائية وشتائم وكلام من هذا، لكن كلام دقيق.
فلما هم ينكروا تحريف القرآن، طيب، ماذا تقولون فيمن قال بتحريف القرآن الكريم أو نقصه؟ لا بد أن يقولوا: كافر. طيب، وماذا تقولون في الكتاب الذي يحتوي على نصوص تثبت هذه الفرية؟ يبقى يجب أن يحرق هذا الكتاب، وتسقط الثقة بهم. هم لا يفعلون هذا إطلاقًا، بالعكس، دائمًا ما يمتدحون البرسي وغيرهم ممن ألفوا في إثبات والعياذ بالله تحريف القرآن الكريم. طبعًا معروف هم أكذب خلق الله، يعني هم ما يعرفوش الروايات الصحيحة أصلًا.
يقول: واعتبروا مسألة الإمامة أخطر من الشرك والكفر، بلا دليل من عقل أو نقل صحيح، وخرجوا عن إجماع المسلمين وما تواتر من نصوص الدين، وتجاهلوا حتى اللغة التي نزل بها القرآن العظيم: إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون. سنرى أمثلة إن شاء الله تعالى فيما بعد لهذا الضرب من التحريف. يعني القرآن لا يؤخذ إلا عن أئمتهم الذين يكذبون هم عليهم، وانظروا بقى ماذا أتوا به في تفسير القرآن من الطامات، ونسبوها زورًا إلى الأئمة.
يعني يختم الدكتور القفاري حفظه الله تعالى بنقد هذه العقيدة في موقفهم من حجية القرآن الكريم، يقول: قد ختم الله سبحانه بمحمد صلى الله عليه وسلم الرسالات، وأكمل برسالته الدين، وانقطع بموته الوحي. وهذه أمور معلومة من دين الإسلام بالضرورة، وهذه المقالة تقوم على إنكار هذه الأركان أو تنتهي بقائلها إلى ذلك، وهذا بلا شك نقد لحقيقة شهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي لا يتم إسلام أحد إلا بالإيمان بها.
ولعل المتأمل لهذه المقالة والمحلل لأبعادها يدرك أن الهدف من هذه المقالة تبديل دين الإسلام وتغيير شريعة سيد الأنام، إذ إن كلام الله سبحانه في معتقدهم عرضة للتبديل والتغيير بناسخ أو مخصص أو مقيد أو مبين أو عام، يزعم شيوخ الشيعة نقلهم عن أئمتهم.
ولعل صورة التغيير تبدو بشكل أوضح وأجلى إذا أدركنا ما جبل عليه هؤلاء القوم من الكذب، حتى جعلوا الكذب دينًا وقربة كما سيأتي. ومن تأمل، كما يقول الذهبي في "المنتقى" اللي هو اختصار كتاب "منهاج السنة"، "ومن تأمل كتب الجرح والتعديل رأى المعروف عند مصنفيها بالكذب في الشيعة أكثر منهم في سائر الطوائف". أكذب خلق الله الشيعة، لأن الكذب عندهم عبادة. وقد شهد طائفة من أئمة المسلمين بأنه لم ير أكذب ولا أشهد بالزور منهم، وأنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا، وأن الناس كانوا يسمونهم بالكذابين، ونهى أهل العلم عن أخذ الحديث عن هؤلاء الروافض. وهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا كلام السيوطي في "تدريب الراوي". بل في كتب هؤلاء نصوص تتضمن شكوى آل البيت من كذب هؤلاء وبهتانهم، كما في كتب الرافضة، وذكرها معزوّة في الهامش.
وهذه الدعوى تقوم على أن دين الإسلام ناقص، وهم يهملون تمامًا قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا. وهذه الدعوى تقوم على أن دين الإسلام ناقص ويحتاج إلى الأئمة الاثني عشر لإكماله، وأن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يكمل بهما التشريع، إذ إن بقية الشريعة مودعة عند الأئمة، وأن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وحاشاه، لم يبلغ ما أنزل إليه من ربه، وإنما كتم بعض ما أنزل إليه وأسره لعلي. وكل ذلك كفر بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومناقض لأصول الإسلام.
قال تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا، ويقول سبحانه: ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء، وقال تعالى: لتبيننه للناس ولا تكتمونه، وقال تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا.
وقد نسب الإمام الأشعري هذه المقالة إلى الصنف الخامس عشر من أصناف الغالية من الشيعة حسب تقسيمه، فهم الذين يزعمون أن الأئمة ينسخون الشرائع، وتهبط عليهم الملائكة، وتظهر عليهم الأعلام والمعجزات، ويوحى إليهم. هذا ما ذكره في "مقالات الإسلاميين". وهذه العقائد، اللي هي أن الأئمة يوحى إليهم وتهبط عليهم الملائكة، وأنهم تظهر عليهم المعجزات، ستأتي بالتفصيل بالأدلة فيما بعد أن هذا من اعتقاداتهم.
وهذه العقائد أصبحت من أصول الاثني عشرية، لأنها شربت مذاهب الغلاة حتى الثمالة. وقد أشار أبو جعفر النحاس المتوفى سنة 338 إلى هذه المقالة، ولم ينسبها لأحد، فقال: "وقال آخرون: باب الناسخ والمنسوخ إلى الإمام، ينسخ ما شاء". فطبعًا الإمام أبو جعفر النحاس رحمه الله عد ذلك من عظيم الكفر، ثم بين بطلانه فقال: "لأن النسخ لم يكن إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي من الله عز وجل". هل الرسول كان ينسخ من عند نفسه أم بوحي؟ سواء كان وحيًا في القرآن أو وحيًا في السنة: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
يقول الإمام أبو جعفر النحاس رحمه الله تعالى: "وقال آخرون..." يظهر في زمنه بقى، في القرن، في النصف الأول من القرن الرابع، ما كانش لسه تبينت كل الضلالات، لأن في أشياء كانوا يعتبرونها شيء من الغلاة، نفس الرافضة اللي اعتبروها الغلاة، مع الوقت أصبحت من ضروريات المذهب، يحصل تطور دائمًا في الدين عندهم. فيحكي عنهم يقول: "وقال آخرون: باب الناسخ والمنسوخ إلى الإمام ينسخ ما شاء". فطبعًا الإمام أبو جعفر النحاس رحمه الله عد ذلك من عظيم الكفر، ثم بين بطلانه فقال: "لأن النسخ لم يكن إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي من الله عز وجل". أما بقرآن مثله على قول قوم، أو بوحي من غير القرآن اللي هو السنة. فلما ارتفع هذان بموت النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع النسخ.
نكتفي بهذا القدر. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. حريٌّ بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.
-
الثلاثاء PM 02:57
2026-04-21 - 16



