ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
حقوق الزوجة المالية والنفسية على زوجها
د / احمد نصير
المطلب الأول
حقوق الزوجة المالية والنفسية على زوجها
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) (21)
عددت الآيات صور ظلم المرأة في كثير من المواطن حتى ظلمها لنفسها حين يغرر بها فتأتي الفاحشة ، وظلم المجتمع لها حين يحرمها من ميراثها ، ثم ها هي الآيات تعرض لنا لونا آخر من ظلم المرأة حين يعتبرها الناس سلعة تورث بعد وفاة زوجها ، ويُهِينَهُنَّ حين يَسلبهُنَّ حقوقهَنَّ المادية إما خديعةً أو غصبًا ، وقد يصل الظلم من المنافقين إلى اتهامهن بالفاحشة ليستحلوا مهرهُنَّ كرهًا ، كل ذلك نهت عنه الآيات ، بل عززت مكانتها .
وبذلك انتقل الحديث إلى الزواج ومشكلاته ، ولتبين أن العشرة بين الزوجين بالمعروف هي قوام استقرار بينت الزوجية ، فبينت كيف يعامل الرجل المرأة إن كره منها خلقا دون أن يفركها ، فأرشدتنا الآيات للنظر في الجوانب الإيجابية في المرأة ليظل تعلق الرجل بها دافعا له إلى تجديد روح المودة والرحمة في البيت دون ملل أو كلل ، بيد أن الأمر قد يصير إلى عكس ما كان يتمناه ، فيضطر إلى أن يستبدل أخرى – إن لم يكن الظلم منه – مكانها ، فإن أصر على ذلك فلا يظلمها وعليه أن يحفظ لها مالها وما آتاها من مهر ويؤدي ما عليه لها من حقوق كنفقة العدة والمتعة والحضانة وغير ذلك متى تحقق موجبه ، ذلك أنه إذا كان له الخيار في إنهاء علاقته بها بالطلاق فلا خيار له الحفاظ على الأسرة برمتها ، بل عليه أن يجبر خاطرها ، فيعوضها شيئا من الضرر قدر المستطاع بأداء ما أوجبه الله عليه من نفقات وحقوق تعلقت في ذمته لها .
ففي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) تحرير للمرأة من رق العبودية الذي كان يأسرها حين تصير زوجة أو يموت زوجها ويتركها لورثته فيسيئون التصرف معها ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ) ، قال ابن عاشور "خوطب الذين آمنوا ليعم الخطاب جميع الأمة، فيأخذ كل منهم بحظه منه، فمريد الاختصاص بامرأة الميت يعلم ما يختص به منه، والوالي كذلك، وولاة الأمور كذلك" ، قال الإمام البقاعي أي (لا حامل لكم على نكاحهن إلا رجاء الإرث ، وذلك أنهم كانوا ينكحون اليتامى لمالهن ، وليس لهم فيهن رغبة إلا تربص الموت لأخذ مالهن ميراثاً) .
وفي ذلك دلالة واضحة على أن الإسلام انتشل المرأة من ظلم بهيم ،وارتقى بها من أقل المرتبة التي كانت تقبعها – في الجاهلية - حيث كانت سلعة تورث إلى أعلى المراتب حيث لا تنكح إلا بإذنها وبمهر ترضى عنه ، واعتبر الكفاءة في نكاحها فلا تُنكح بمن لا يكافئها ، فاحتفظ لأهلها بالحق في الفسخ إن غُرِر بها وغُبِنت في شرط الكفاءة ، وحقها كذلك في الفسخ – حين يحين وقته- إن لم ترض أو تزوجت بغير كفء عند عدم اعتبار رضاها .
وفي قوله تعالى (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ) قال ابْنِ عَبَّاسٍ (لَا تَعْضُلُوهُنَّ) (لَا تَقْهَرُوهُنَّ) ، قال الشيخ عبد العزيز آل شيح فالقهر : (هو المؤدي إلى كبت عواطف النساء ومشاعرهن، إهدارًا لكرامتهن، وإلغاءًا لإنسانيتهن من غير خوف من الله ولا حياء من الخالق ، ودون نظر إلى العواقب، ولا رعاية لحقوق الرحم والأقارب، مخالفة لدين الله والفطرة، ومجانبة لمسلك أهل العقل والحكمة، ومجافاة للخلق الكريم ، ولا يخفى ما في ذلك من الشدة والحبس والتشديد والتضييق والتأثير المؤلم والمؤذي للمرأة في نفسها وحياتها وعيشها) .
قال السيوطي (يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر، فيضر بها لتفتدي)
وَظُلْمُ ذَوِي الْقُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً عَلَى "الْبِنْتِ" مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ
والمعنى الذي تشير إليه الآية كما قال ابن عباس " أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ فَيَعْضُلُهَا حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ صَدَاقَهَا ، فَأَحْكَمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ" ، وعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى (لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) أي "مِنَ الْمَهْرِ فَهُوَ الرَّجُلُ يَعْضُلُ امْرَأَتَهُ فَيَحْبِسُهَا وَلاَ حَاجَةَ لَهُ فِيهَا إِرَادَةَ أَنْ تَفْتَدِىَ مِنْهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ) يَقُولُ وَلاَ تَحْبِسُوهُنَّ (لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) يَعْنِى (مَا أَعْطَيْتُمُوهَنُّ) ، فيكون اعتراف الإسلام بحقها في المهر واستقلالها به دون أن يمسه أحد تكرمة لها بما يميزها عن ملك اليمين .
وفي قوله تعالى (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) استثناء من حرمة أخذ مهرهن حال إتيانهن بفاحشة ، حيث يحل الفداء اتفاقًا أو قضاءً، لا غصبًا ، والمقصود بالفاحشة المبينة في هذا السياق (النشوز أو سوء العشرة أو عدم التعفف) ، جاء في الشرح "وَالْفَاحِشَةُ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَذَى ، وَالْبَذَاءُ" وَقَالَ قتادة (الْفَاحِشَةُ النُّشُوزُ) ، قال أبو السعود (أي بيِّنةِ القُبحِ : من النشوز وشكاسةِ الخلُقِ وإيذاءِ الزوجِ وأهلِه بالبَذاء والسَّلاطةِ، ..فإن السببَ حينئذٍ يكون من جهتهن وأنتم معذورون في طلب الخُلْع) ، قال مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ (يَعْنِى الْعِصْيَانَ الْبَيِّنَ ، وَهُوَ النُّشُوزُ فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ الضَّرْبَ وَالْهِجْرَانَ فَإِنْ أَبَتْ حَلَّتْ لَهُ الْفِدْيَةُ) .
ومن المقرر أن من العقوبات التأديبية للزوجة الناشز الهجر ، ويمكن أن يندرج تحت معنى الهجر (الإخراج من البيت) عقوبة لها – إذا ما أتت بفاشحة بالمعنى المتقدم ذكره - حتى ينصلح حالها ، فعن ابن عباس قال (إذا بذت بلسانها فهو الفاحشة له أن يخرجها) ، لأن بإخراجها من بيته يحفظ حرمته من بذاءتها وإن كان ينقصها حقا من حقوقها على سبيل التأديب ، وفي ذلك تهديد بمخالعته لها إن لم ترجع عن ذلك وتتوب .
فالإبعاد للزوجة حال النشوز عقوبة مقررة في الفقه الإسلامي قد يقصد بها التهديد بالطلاق أو الطلاق ذاته ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ (إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ قَالَ غَرِّبْهَا قَالَ أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي قَالَ (فَاسْتَمْتِعْ بِهَا) ، والشراح على أن لفظ (غَرِّبْهَا) يعني (أبعدها يقصد بذلك أن يطلقها) ، فالإبعاد يكنى به عن الطلاق .
فإذا اختار طلقها ترتبت أحكام على هذا الحال ، قال ابن عاشور (إذا طلقها لأجل النشوز فلا سكنى لها) ، فيكون طلاقه لها متى ثبت نشوزها أشبه بالمخالعة ، وهو ما يستتبع حكمًا يتضمن إسقاط مهرها ونفقة متعتها إذا ما تأكد وقوع الفاحشة المبينة منها قضاءً.
أما في قوله (فَاسْتَمْتِعْ بِهَا) أي حال امتناعه عن إنزال عقوبة الإبعاد لها لشغفه بها ، رخص له أن يمسكها إن لم يقدر على فراقها مخافة أن يقع في الزنا ، أو ليس لديه قدرة على الزواج بغيرها ، قال بعض العلماء (يجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته ويحرم عليه أن يتزوج بالزانية) ، ولا شك أن قصدهم ليس من تأتي فعل الزنا ويثبت عليها ، لأن حكمها الرجم ، وإنما يقصدون بذلك من حامت حولها شبهات وتهمة بالزنا بمعناه العام كزنا النظر أو اللمس والعطر دون أن يقصدون بذلك الحد ، فعن الأشعري قال قال رسول الله (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية) ، أي (هي بسبب ذلك متعرضة للزنا ساعية في أسبابه) ، (فسميت لذلك زانية مجازًا ، ومجامع الرجال قلما تخلو ممن في قلبه شدة شبق لهن سيما مع التعطر ، فربما غلبت الشهوة وصمم العزم فوقع الزنا الحقيقي) .
وفي قوله (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) قال ابن كثير أي : (طيِّبُوا أقوالكم لهن ، وحَسّنُوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم ، كما تحب ذلك منها ، فافعل أنت بها مثله) ، قال النيسابوري (وهو الإجمال في القول والإنصاف في المبيت والنفقة) ، قال أبو السعود (هو خطابٌ للذين يُسيئون العِشرةَ معهن ، والمعروفُ ما لا يُنكِرُه الشرعُ والمروءةُ) ، قال تعالى (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة:228] وقال رسول الله "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وأنا خَيْرُكُم لأهْلي" وكان من أخلاقه أنه جَمِيل العِشْرَة دائم البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بهم، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه" .
قال الشيخ سيد طنطاوي (واحتمال الأذى منهن ترحما عليهن ، لقصور عقلهن ،.. وأيضا أن يزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة والمزح والملاعبة ، فهى التى تطيب قلوب النساء) ، وقد كان رسول الله يمزح معهن وينزل لهن حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين يَتَوَدَّدُ إليها بذلك رغم أنه كان كبيرًا في السن وكانت هي صغيرة ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ قَالَتْ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ) ، وقال الورتجبي : "كونوا في معاشرتهن في مقام الأنس وروح المحبة وفرح العشق ، فإن معاشرة النساء لا تليق إلا في المستأنس بالله " ، كالنبي قال : « حُبِّبَ إليّ من دنياكم النساء ، والطيب ، وجُعل قرة عيني في الصلاة» ، فليس هناك تعارض البتة بين أن يحب الرجل زوجته ، وتكون العبادة خاصة الصلاة قرة عينه ، قال عمر : (إنه ليعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي ، ثم إذا بغي منه ، وجد رجلاً) ، وعن لقمان : (ينبغي للعاقل أن يكون في أهله كالصبي ، وإذا كان في القوم وجد رجلاً) .
وما تقدم هو الأصل وليس بشرط ، فقلما تجده عند الكثير ، قال الشعراوي : " وكلمة «المعروف» أوسع دائرة من كلمة « المودة » ؛ فالمودة هي أنك تحسن لمن عندك ودادة له وترتاح نفسك لمواددته ، تفرح به وبوجوده ، لكن المعروف قد تبذله - ولو أنت كاره له - ) ، بدليل قوله تعالى (وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً) [لقمان : 15] فالود يكون عن حُب ، لكن المعروف ليس ضروريا أن يكون عن حُب ، وكان نتيجة ذلك أن يحاول كل منهما أن يتصنع للآخر ، وسوف يظل الأمر على ذلك حتى يعتادا التصنع فيصبح عندهما سجية بلا تكلف ، قال ابن عجيبة "بأن تلاطفوهن في المقال وتجملوا معهن في الفعال ، أو يَتَزَيَّنُ لها كما تتزين له" .
وخير التصنع وأوله التبسم" ، فعليه (أن يتصنَّع لها كما تتصنَّع له) ، ولا ينتظرها أن تبدأ هي بالتصنع ، فعن ابن عباس قال : " إنى لأتزين لامرأتى كما تتزين لى" ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ) ، لأن شأن الكُمَّل إظهار الانبساط والبِشْر لمن يريدون تألفه واستعطافه ، قال رسول الله (لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ) (أي : ضاحك مستبشر) ، وكان ذلك دأبه فعَنْ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي) ، (والمقصود أني لم أحتج إلى الاستئذان) .
والمعنى المحترز منه ألا يظلمها ، (فحسن المعاشرة جامع لنفي الإضرار والإكراه ، وزائد بمعاني إحسان الصحبة) ، فلا ينبغي أن يتعالى عليها تحديًا لها أو تكبرًا ، لأنه (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) ، وإنما يجب أن يترفق بها ويتواضع معها ، ولا يشعرها بفضله عليها – وإن كان صاحب فضل – ولا يمن بنفقته عليها ولا بهديته لها ، فكثرة المنِّ يجعلها تتأفف العشرة معه ، وتستنكف طُعْمَته ، وقد كانت عند أبيها لا يمن عليها بمثل ذلك ،كما ينبغي ألا يكون فظًا فتنفض عنه ، ولا غليظًا فتخاف منه ، ولا يحاسبها على كل خطأ بدر منها ، فذلك يثير قلقها ، فتكثر أخطاؤها ، وقد تضطر إلى الفكاك منه عند أول فرصة تسنح لها أو أن تلجأ إلى مخالعته ، وسبيله إلى ذلك كله أن يشعر بضعف المرأة ولو تظاهرت أمامه بالقوة ، وأن يفقه إنسانيتها وعاطفتها ، وإن تظاهرت أمامه بالجمود والعقلانية ، فالمرأة شديدة الإحساس بالكلمة الطيبة ، وشديدة التأثر بالمعاملة الدونية ، لكنها تتغلب على جفاء الرجل وغلظته بالتظاهر بالقوة والجمود والعقلانية ، لكن داخلها لا ينفك عن الضعف والمشاعر الفياضة والإنسانية ، فمن الظلم أن يتجاهل الرجل هذه الحقيقة أمدادًا طويلة .
وأعلى الأخلاق سموًا الحلم عليها والصفح عنها ، فهن ناقصات عقل ، ولا ينبغي أن يعاملها بخلاف ذلك ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(التغابن/14) ، قال القاسمي (واعلم أن حسن الخلق معها كف الأذى عنها ، بل احتمال الأذى منها ، والحلم عن طيشها وغضبها ، اقتداء برسولا لله ، فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام) ، قَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ قَالَ فَبَيْنَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ إِذْ قَالَتْ امْرَأَتِي لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَقُلْتُ لَهَا مَا لَكَ وَلِمَا هَا هُنَا وَفِيمَ تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ فَقَالَتْ لِي عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ لَهَا يَا بُنَيَّةُ إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ فَقَالَتْ حَفْصَةُ وَاللَّهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ فَقُلْتُ تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ " ، هذا ولم تكن أم المؤمنن خديجة رضي الله عنها تراجعنه في الكلام ، لكونها أكمل النساء عقلا ، وليس أحد من نساء العالمين يعدلها ، فهي لهن قدوة.
ولا غرو أن تأديب الرجل زوجته في المواطن التي تستوجب ذلك - ودون بغي منه عليها - لا يخل بالمعروف الذي بينهما ، فهو إن اضطر إلى ذلك ، فذلك لحرصه على استدامة العشرة ، واحترازًا عن أن يصل الأمر إلى التفحش ، لكن لا يحمله حقه في تأديبها أن يجور عليها ، فإن أخذ ما له عليها ، فعليه أن يراعي ما لها عليه ، فعَنْ النبي قَالَ (أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ) ، وهو ما سوف نذكره تفصيلا في موضعه .
وفي قوله تعالى (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (19) يدل على أن كره الزوج لزوجته يجب ألا يحمله على الإخلال بواجب العشرة معها بالمعروف ، فنبي الله آدم انزعج ولا شك من خيانة حواء له ، لكنه تغاضى عن ذلك وأكرمها وأنجب منها قابيل وهابيل ، وقد ثبتت خيانتها له في قول النَّبِيُّ (..وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ" ، قال ابن حجر " فيه إشارة إلى ما وقع من حواء في تزيينها لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك ، فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زينته لآدم) ، فهذا أمر ولا شك وقعت فيه كثير من النساء ، رغم أن كل زوج كان يأمل أن تكون زوجته هي من توقظه لقيام الليل ، لكن هذا هو ابتلاء الله لكل إنسان ، وكذلك الزوجة تتمنى أن يعينها زوجها على طاعة الله ، قال رسول الله (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا ، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ) ، لكن ليس للإنسان كل ما يتمنى ، وإلا فأين الابتلاء في الأهل والمال والزوجة ؟
فإذا كان ذلك هو شأن حواء مع آدم ، فأولى بنا أن نتغاطى عما نكره في شأنهن لتستمر الحياة بالمودة والرحمة أو بالمعروف على أقل تقدير ، ولذلك ندب الشرع أن ينظر الرجل إلى الجانب الإيجابي الذي يحبه في زوجته ، وكذلك هي، وليتغاضى كل طرف عما يكرهه من الآخر ، يقول رَسُولُ اللَّهِ " لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" .
ومن أهم الجوانب التي ينبغي أن ينظر إليها الرجل في المرأة الدين ، فإن كان قد تزوجها على الدين ، فذلك يكفيه ، قال الغزالي " كانت عادة النساء في السلف كان الرجل إذا خرج من منزله تقول له امرأته أو ابنته إياك وكسب الحرام فإنا نصبر على الجوع والضر ولا نصبر على النار" .
فإن لم يجد ما يحبه فيها من الإعانة على طلب الآخرة ، فليستعن بها علي ما يعينه منها على التعفف والاستغناء بما أحله الله على ما حرمه ، وبفضل الله تعالى عليه عما سواه ، ففي الآية إشارة إلى إصابة القدر الكافي من العلاقة الزوجية ، والذي إن فات ينحل معه العقد كله ، ودعوة من الشارع لأن يتلمس الزوج الجوانب الإيجابية في زوجته ، ولا يقصر النظر في عيوبها وسيئاتها ، فهي دعوة منه إلى إنصاف المرأة ، ففي الجوانب الإيجابية ما يغطي نقص عقلها ودينها ، وقد أشار الشيخ الشعراوي إلى هذا القدر من تلك علاقة الرجل بامرأته فقال "ليس المفروض في الزوجة أن تثير غريزة الزوج ، لكن المفروض فيها أن تكون مصرفا ، إن هاجت غريزتك كيماويا بطبيعتها وجدت لها مصرفا) ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ (رَأَى امْرَأَةً فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهْىَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ (إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِى صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِى صُورَةِ شَيْطَانٍ فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِى نَفْسِهِ) ،وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن من دعاء النبي التي علمها له (اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ) .
ومن جهة أخرى ينبغي عليهما أن يعلما أن الزواج يدوم بالعشرة والمعروف ، وكلما طالت العشرة وحسن المعروف كلما قويت الصلة بينهما ، وليس بلازم أن يدوم بالعشق والحب ، فعَنْ عُمَر قَالَ: إنما يتعاشر الناس بالأحساب والدين ، فعن الزهري ، عن ابن عزرة الدؤلي ، أنه أخذ بيد ابن الأرقم فأدخله على امرأته فقال : أتبغضينني ؟ قالت : نعم . قال له ابن الأرقم : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : كبرت علي مقالة الناس . فأتى ابن الأرقم عمر بن الخطاب رحمة الله عليه فأخبره ، فأرسل إلى ابن عزرة فقال له : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : كبرت علي مقالة الناس . فأرسل إلى امرأته ، فجاءته ومعها عمة لها منكرة ، فقالت : إن سألك فقولي : إنه استحلفني ، فكرهت أن أكذب ، فقال لها عمر ما حملك على ما قلت ، قالت إنه استحلفني فكرهت أن أكذب ، فقال عمر : بلى ، فلتكذب إحداكن ولتجمل ، فليس كل البيوت يبنى على الحب ، ولكن معاشرة على الأحساب والإسلام) .
واحترازًا من أن يتغلب الكره على القلب فيؤول الأمر إلى شدة النفور ثم طلاق ، كان لابد من (الإِنصاف في الفعل) و(الإِجمال في القول) ، قال النَّبِيِّ " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُتْ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا" ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ "إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا " ، ذلك أن كثرة المعاتبة وقلة الصفح يؤديان إلى الرفض ثم الشقاق ثم الفراق .
وفي قوله تعالى (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ) فيه دلالتان أو إشارتان :-
الأولى : بيان مقدار حاجة الرجل للمرأة ، وكأنه إذا أراد طلاق واحدة لم يصبر حتى يستبدل أخرى بها ، وكأنه بدون زوجة معرض العنت والمشقة ، فهو مضطر – على سبيل الغالب - حال فراقه زوجته الأولى أن يستبدل أخرى محلها ، بل إن الشرع ندبه إلى ذلك بتلك الآية .
والإشارة الثانية : أن ثمة أسباب قد تدعو الرجل أن يطلق زوجته ، فإذا حصلت فإنه لا يعد متعسفا في حقه أو باخسًا لحقها عليه ، وقد ندبه الشرع إلى ذلك في بعض الحالات ، منها أن تفشي سر بيتها ، قال رسول الله (إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) ، قال رسول الله (إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) ، قال المناوي (فهو كناية عن الجماع (وتفضي إليه) أي تستمتع به (ثم ينشر سرها) أي يتكلم بما جرى بينهما قولاً أو فعلاً فيحرم ذكر ذلك حيث لا حاجة شرعية) ، كما قال المناوي في حرمة إفشاء هذا السر (كأن تدعي عجزه عن الجماع أو إعراضه عنها) .
روي أنه (جَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ فَشَكَتْ إِلَيْهِ قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَالَ هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ قَالَ فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ قَالَتْ نَعَمْ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ قَالَ ذَاكِ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا قَالَ كَيْفَ أَنْتُمْ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ مَا طَعَامُكُمْ قَالَتْ اللَّحْمُ قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ قَالَتْ الْمَاءُ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ قَالَ النَّبِيُّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ قَالَ فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ نَعَمْ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ قَالَ فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ قَالَتْ نَعَمْ هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ قَالَ ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ" .
والرجال ليسوا على شاكلة واحدة في هذا الأمر ، فمنهم يؤثر الصبر ومنهم الحازم الذي لا يتغاضى عن مثل ذلك ، كل بحسب طبعه وصبره ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ (إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ قَالَ غَرِّبْهَا قَالَ أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي قَالَ فَاسْتَمْتِعْ بِهَا) ، فالملاحظ أن النبي لم يفرق بينهما لأنه لم يلاعنها وإنما شكى -على قول أحد الشراح- "أنها رجلة"، أي " عندها توسع في مخاطبة الرجال والكلام معهم ولا تبتعد عن الرجال، وقد يلمسها الرجال مجرد لمس من دون أن يكون هناك فاحشة ، وهذا أمر معيب في النساء ، وقد أرشده الرسول إلى أن يطلقها ويتخلص منها " لكنه آثر أن يمسكها وأقره النبي على ذلك فقال (فاستمتع بها) كما تقدم .
وفي قوله تعالى (وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) قال القرطبي (فيها دليل على جواز المغالاة في المهور؛ لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح) ، وذلك وفقا لاعتبار الكفاءة بين الزوجين ، حيث تتفاوت مهور النساء بحسب أحوالهن ، أكانت ثيبًا أو بكرًا ، وسنهن أكانت كبيرة أم صغيرة ، ولعدة اعتبارات أخرى منها الجمال والحسب والنسب والمال ، فيكون المعتبر في المهر هو مهر المثل ، فإن كانت من عائلة غنية فعليه أن يمهرها بمهر مثلها ، أي من يماثلها من الفتيات من تلك العائلات ، ففي ذلك استشراف للمعيشة التي يرميان لإدراكها ، ويصبوان إليها ، ولا غرو أن يُمهرها أقل من ذلك متى أجاز وليها ذلك .
فإن أمهرها مهرًا كثيرًا فليس ذلك من الإسراف في شيء ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ فَرَأَى النَّبِيُّ بَشَاشَةَ الْعُرْسِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ (إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ ) ، قال الدكتور وهبة الزحيلي (اتفق فقهاء المذاهب الأربعة في الراجح عند الحنابلة والمعتمد عند المالكية والأظهر عند الشافعية على أن الكفاءة شرط لزوم في الزواج، وليست شرطاً في صحة النكاح، فإذا تزوجت المرأة غير كفء، كان العقد صحيحاً، وكان لأوليائها حق الاعتراض عليه وطلب فسخه، دفعاً لضرر العار عن أنفسهم، إلا أن يسقطوا حقهم في الاعتراض فيلزم) ، قال ابن حجر (اعتبار الكفاءة بالمال مختلف فيه عند من يشترط الكفاءة ، والأشهر عند الشافعية أنه لا يعتبر) ، وقيل (الكفاءة في الدين والمال والنسب) .
فإذا كانت الاعتبارات التي يقوم عليها الزواج هي الدين والأخلاق والسيرة الحسنة ، وكانت لهذه الاعتبارات الأولوية ، فلا شأن لتقدير المهر في شيء من ذلك ، حيث يظل المعتبر مهر المثل.
ومن جهة أخرى روي عن عمر بن الخطاب أنه لم يكن يحبذ المغالاة في المهور ، فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِى الْعَجْفَاءِ السُّلَمِىِّ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ :" إِيَّاكُمْ وَالْمُغَالاَةِ فِى مُهُورِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ أَوْ مَكْرُمَةً عِنْدَ النَّاسِ لَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَوْلاَكُمْ بِهَا مَا نَكَحَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ وَلاَ أَنْكَحَ وَاحِدَةً مِنْ بَنَاتِهِ بِأَكْثَرِ مِنِ اثْنَىْ عَشَرَةَ أُوقِيَّةً وَهِىَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُغَالِى بِمَهْرِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَبْقَى عَدَاوَةً فِى نَفْسِهِ فَيَقُولُ : لَقَدْ كُلِّفْتُ لَكِ عَلَقَ الْقِرْبَةِ "
وبالرغم من ذلك لم يثبت دليل صحيح يقوي الندب لتخفيف المهور ، هذا وقد استأنس البعض بما روي "إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا" ، قال عروة : (يعني يتيسر رحمها للولادة) ، وقال (وأنا أقول من عندي) "من أول شؤمها أن يكثر صداقها" ، والمقصد من ذلك أنها لو كانت ذات دين لما اكترثت بمقدار المهر بقدر اهتمامها بدين من يتقدم لخطبتها .
والحق أن مسألة المغالاة وعدم المغالاة في مقدار المهر أمر نسبي محض ، فمن كانت تعيش في القصور مع أبيها لا تغالي في المهر إذا ما ارتضت أن تعيش معه في الأبراج العالية ، فمثلها لا يقاس عليها في تقدير المهر .
أما الحد المعتاد في المهر والذي جرت عليه السنة ، والثابت بحديث أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ قَالَتْ كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا قَالَتْ أَتَدْرِي مَا النَّشُّ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَتْ نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فَتِلْكَ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ لِأَزْوَاجِهِ) ، قال النووي استدل أصحابنا بهذا الحديث على استحباب كون المهر خمس مائة درهم ، مع مراعاة فروق البيئة الجغرافية لمن تعيش في الحضر عمن كانت من البدو الرحل ، لكن ما ذكر أقرب تقدير لمهر المثل في المعتاد .
وفي قوله تعالى (فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (20) قال أبو حيان " لما أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة – أي : في قوله تعالى "وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ "- بيَّن تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة .
يروى أن (الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج المرأة يريدها فنهوا عنه) ، وهذا من كبائر الذنوب ، ولو ثبت كذبه فإنه يحد بذلك لقذف المحصنات ، ولا يعفيه اللعان من وجوب الحد عليه طالما ثبت بهتانه عليها وإثمه المبين .
فإذا لم يصل إفترائه عليها إلى حد الاتهام بالفاحشة ، وإنما حاول إثبات نشوزها –زورًا- ليسقط حقوقها من مهر ومتعة وخلافه ، أو حاول مضاراتها بغير حق فذلك بهتان وإثم مبين ، من جهة أنه افتراء وبهتان ، يقول النبي (ما التقم أحد لقمة شرا من اغتياب مؤمن إن قال فيه ما يعلم فقد اغتابه وان قال فيه بما لا يعلم فقد بهته) ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ) .
ومن جهة أخرى لا يجوز الرجوع في الهبة ، فما وهبها لك من مهر لا يجوز أن يسترده بدون وجه حق ، ولو بالحيلة والمحايلة والمخادعة ، فليس له أن يخدعها فيأخذ مهرها بالحيلة حتى ترضى ، قَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ أَوْ كُلَّهُ ثُمَّ لَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى طَلَّقَهَا فَرَجَعَتْ فِيهِ قَالَ : (يَرُدُّ إِلَيْهَا إِنْ كَانَ خَلَبَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَعْطَتْهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ خَدِيعَةٌ جَازَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ) .
وفي قوله تعالى (وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) استنكار وتبكيت وتوبيخ ، الأمر الذي قد يوهم بوقوع الحرج في الخلع - أي الطلاق مع الإبراء اتفاقًا - ويجاب بأن ذلك محمول على الأخذ جبرًا وبغير رضائها ، أما موطن الاستنكار في الآية أن يكون ذلك إما غصبًا أو بالخديعةً والحيلةً ، فعن النَّبِيُّ قال "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ" .
كما تضمن التوبيخ التذكير بما بين الزوجين من "إفضاء" ، حيث يفضي إليها وتفضي إليه ، أي وصل من غير فصل ، ذلك أن حقيقة الإفضاء الدخول في الفضاء وهو مكان الخلاء ، يقول صاحب الظلال (الفعل (أفضى) يشع كل معانيه ، فلا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته ، بل يشمل العواطف والمشاع والتصورات والأسرار والهموم والتجاوب .. فيرسم اللفظ صور الذكريات لتلك الحياة المشتركة على مدار الزمان.... (وقد أفضى بعضكم إلى بعض) . . فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادي الصغير ، ليخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع ، وهو يستعرض في خياله صور الماضي والعشرة ! .
وفي قوله تعالى (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) (21) استكمال لجرعة التوبيخ واللوم والعتاب ، وتذكير للزوج بعظم شأن عقد الزواج ، فقد سماه الله تعالى ميثاقا غليظا ، فلفظ الميثاق لم يذكر في القرآن إلا في شأن الأنبياء والعهد الذي أخذه الله على بني إسرائل ، فأما ميثاق الأنبياء ففي قوله (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (الأحزاب/7) ، وقال في ميثاق بني إسرائيل (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ..) (البقرة/83) ، فإذا أخذ الله منا ميثاقا في الزواج فذلك يعني أن عقد الزواج ليس بعقد رضائي وحسب ، بل هو ميثاق بما يشرع للحياة المستقبلة بين الشريكين الله سبحانه هو الذي وضع أحكامه ، ولم يترك المتعاقدين أن ينظما شروطه وأحكامه وأثاره بخلاف شريعته عز وجل ، فإذا أضيف لذلك وصفه بالميثاق الغليظ ، علم بذلك مقدار الرعاية والاهتمام والتعظيم الذي منحه الإسلام لهذا العقد ، قال رسول الله (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا) ، ثم ترك للمتعاقدين مساحة أخرى أجاز لهم أن يضيفا في العقد من الشروط التي يتفقان عليها شريطة ألا تخالف شرع الله ، وما شرعه من أحكام بخصوصه ، ولذلك قَالَ النَّبِيُّ "أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ " .
فعقد الزواج ليس كسائر العقود ، فقد تشدد الإسلام في شروط إبرامه ، فجعل العلانية شرط لصحة انعقاده ، وبدونها يبطل العقد ، وقيل لا ينعقد ، وأقل مقدار للعلانية حد الشهادة ، حيث يشهد الناس على النكاح وما تضمنه من شروط منها تقدير المهر ، فكيف بعد أن شهدوا على ذلك تسول للزوج نفسه أن يخالف أحكامه ، يأخذ منها ما أعطاه لها ، وقد شهدوا على ذلك.
والأصل في الفروج المنع بخلاف سائر الأشياء ، حيث الأصل فيها الإباحة ما لم يأت نص بتحريمها ، أما الفروج فإنها عكس ذلك ، لا تُستحل إلا بهذا الميثاق الغليظ ، فذلك الميثاق يتضمن شروطا شكلية لا ينعقد عقد الزواج إلا باستيفائها ، منها تسمية المهر ، فلو لم يتفق الزوجان على المهر بأن قال لها أُنكحكي على أن أمهركي مهرا قدره سبعين جراما ذهبا فقالت أقبل بثمانين جراما ذهبا لم ينعقد العقد بذلك ، لاختلاف الإيجاب عن القبول ، وقد ألف العلماء في شروط الزواج وآثاره كتبًا ومجلدات ، تأكيدًا على هذا الميثاق الغليظ ، فعن النبي قال " فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ" ، (والمراد بكلمة الله أمره وحكَّمه وإباحته المنزلة في كتابه ، فإن حكم الله كلامه المتوجه للمحكوم عليه على جهة الاقتضاء أو التخيير ، إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم إلا بكلمة النكاح التي يستحل بها الفروج ، أي الصيغ التي ينعقد بها النكاح من الإيجاب والقبول لأن الله تعالى أمر بها) ، فكيف له بعد أن يستحل لنفسه ما لم يحله الله له إلا بشروطه أن ينكث - بعد ذلك - في عهده ، فيأخذ ما أعطاه لها مما فرضه الله عليه ، وبدون رضاها قال تعالى (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) (النساء/24) .
-
السبت PM 04:37
2025-12-27 - 268



