ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
التدابير المتبعة حال جنوح الصغير
د / احمد نصير
المبحث الثالث
التدابير المتبعة حال جنوح الصغير
قال تعالى (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)
انتقل الخطاب القرآني من الحديث عن أنصبة الوارثين إلى الحديث عن فقه التعامل مع الجانحين ، أي مرتكبي الفواحش من الصغار والمراهقين ، وقد أشكل هذا الانتقال على بعض العلماء مثل ابن عاشور قال "موقع هذه الآية في هذه السورة معضل، وافتتاحها بواو العطف أعضل، لاقتضائه اتصالها بكلام قبلها ، وقد جاء حد الزنا في سورة النور، والحكم الثابت في سورة النور أشد من العقوبة المذكورة هنا" ، لكن لهذا الانتقال علة مفهومة وظاهرة ، حيث كشف ذلك - إلى حد ما - عن الأسباب النفسية التي حملت الرجال – في المجتمع الجاهلي - على حرمانهن من الميراث فضلا عن حقوقهن اللصيقة بالإنسانية ، باعتبارهن مبدأ الشهوة ،وسبب انتشار الفاحشة في الجاهلية .
وهذه العلة صحيحة من حيث المقدمة وليس النتيجة ، أي من حيث أن المرأة عورة ، وفتنة للرجال ، فذلك صحيح ، لكن لا يمكن أن يترتب على ذلك أن تحرم من الميراث لهذا السبب ، فمن حيث إنها كذلك فقد شرع الله غض البص لأجل هذه الفتنة ، ولذلك أمر علي الذي كرم الله وجهه بغض البصر دونما اعتبار لنيته أو أنه يأمن الفتنة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِعَلِيٍّ بن أبي طالب (يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ) .
من جماع ما تقدم نفهم أنه قد يتذرع الرجال –لاسيما المنافقون- بهذا السبب لتضييع الحقوق عليهن ، وليس ذلك بسبب يحول دون أن تُعْطى للمرأة حقوقها المادية ، ولا يسوغ استخلاص هذه النتيجة من سبب غير سائغ ، وليس أغلب النساء على هذا النحو ، فكثير من النساء يتصفن بالعفة والطهارة والحجاب والشرف .
كذلك وفي المقابل فليس الرجال بأسلم حالا منهن ، فقد يُفتتن الصبية ببعضهم البعض لاسيما في سن المراهقة ، ولذلك منع العلماء النظر – المستدام - للشاب الأمرد الذي في سن البلوغ ، وكذا الصغيرة إذا كانت تستحسن وإن لم تبلغ ، قال ابن تيمية (فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنة وجب المنع من ذلك ، وهكذا الرجل مع الرجال ، والمرأة مع النساء .. لو كان في المرأة فتنة للنساء ،وفي الرجل فتنة للرجال لكان الأمر بالغض للناظر من بصره متوجها كما يتوجه إليه الأمر بحفظ فرجه ، فالإماء والصبيان إذا كُنَّ حِسانا تخشى الفتنة بالنظر إليهم كان حكمهم كذلك) .
من هنا تصدت الآيات لهذه المسألة ، فكما بينت السنة الاجراءات الاحترازية التي تحول دونها ، فقد بينت الآيات الاجراءات الاحترازية التي تعقب إتيانها ، فقوله (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ) أمر بالتثبت –أولا- من إتيان الفاحشة – أيا كان المقصود بها – وذلك حماية للشريفات من نساء الأمة أن تمتد إليهن ألسنة المنافقين ، ثم وضعت إجراءا احترازيا بإمساكهن في البيوت حتى يجعل الله لهن سبيلا ، منعا لأن ينتهز المنافقون هذه المناسبة في التعرض لهن ، وفي ذلك حجر لحريتهن الشخصية عندما يثبت جنوحهن وإساءتهن استعمالها
فالتدبير القرآني في هذه المسألة نهج نهجًا وسطًا بين من يريد أن يتذرع بحالة عموم البلوى التي كانت سائدة عند كثير من نساء الجاهلية ، فيأكل عليهن حقوقهن في الميراث ، ومن ثم يهضم عليهن سائر الحقوق ، وبين من يحاول أن يتذرع بإنسانياتهن فيسمح لهن بإطلاق العنان لحريتهن ، فينزلقن في الشهوات ويأتين الفاحشة تحت مسمى حرية المرأة عند جاهلية العصر ، فجعل الله تعالى من حبسهن في البيوت أمر محكم يحفظ الأسر المسلمة عن تنتشر فيها الفاحشة ، إذا ما أطلق لهؤلاء البنات حريتهن في التجول في المجتمع فيتعرضن أكثر للفتنة وليس لديهن مقومات كافية لصدها ، وهن صغيرات ، لاسيما وهن قليلات الخبرة ويسهل التغرير بهن من الذئاب من المنافقين .
ولما كان الصبية ليسوا بأسعد حالا من البنات في زمن الفتنة ، فقد عرَّضت السورة كذلك لحكم من يأتي الفاحشة منهم ، فأوجبت تأديبهم وعقابهم بلفظ (فَآَذُوهُمَا) إشارة إلى الرجل والمرأة ، أو الرجل والرجل في كل من لم يبلغ فعله مبلغ الحد بالجلد أو الرجم أو القتل بحسب الأحوال ، أو من يأتي الفعل الموجب للحد دون أن يبلغ سن التكليف ، قال ابن تيمية (صُحْبَةُ المردان عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ بِأَحَدِهِمْ - كَمَا يَفْعَلُونَهُ - مَعَ مَا يَنْضَمُّ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْخَلْوَةِ بِالْأَمْرَدِ الْحَسَنِ وَمَبِيتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَهَذَا مِنْ أَفْحَشِ الْمُنْكَرَاتِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَعِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَدِينِ سَائِرِ الْأُمَمِ بَعْدَ قَوْمِ لُوطٍ : تَحْرِيمُ الْفَاحِشَةِ اللُّوطِيَّةِ وَلِهَذَا بَيَّنَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهَا قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ أَحَدٌ مِنْ الْعَالَمِينَ) .
وبالرغم من كل ذلك فإن الفهم السليم يقضي بأن الحقوق المادية لا تكتسب بالصلاح أو التقوى ، فمناط اكتسابها تحقق عللها الظاهرة كما في كتاب الله " لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا " فهي حقوق مفروضة دون اعتبار للصلاح ولا للتقوى ، وقد ضمنها الله لمن استوفى شرائط اكتسابها وتحقق فيه مناط استحقاقها ، ولا فرق في ذلك بين تقي أو عاص طالما أن الجميع تحت وصف المستحقين للميراث من المسلمين .
ولأجل أنهم مسلمين لم تقطع الآيات الرجاء في احتمال توبتهم ، لاسيما إذا كان السوء قد صدر منهم بجهالة فبادروا بالتوبة فور علمهم بحق الله ، لذلك شرعت الآيات في بيان فقه التوبة وشروطها وأحوالها بما يحملهم عليها والإسراع بها وعدم تأخيرها وحذرتهم من عاقبة الإسراف في المعصية حتى لا ينغلق بابها .
ففي قوله تعالى (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ) ذكر النساء – تغليبا- لأنهن مبدأ للشهوة ومنتهى الفتنة ، يقول رسول الله (وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ) ، ولفظ "الفاحشة" ، أعم من الزنا ، فيشمله وغيره من مقدماته ، وما أشد منه فيشمل السحاق واللواط ، ذلك أن لفظ " الفاحشة" أشكل على بعض المفسرين تحديد مقصوده في هذا السياق ، فمنهم من أوله على أنه "الزنا" ثم انتهى إلى أن الآية منسوخة بحد الزنا الوارد في سورة النور ، ومنهم من قال أنه "السحاق" لقوله تعالى (واللاتي يأتين) ، وفي الآية التالية فسره على أنه "اللواط" لقوله تعالى (واللذان يأتيانها منكم )، لكن عند البحث والتحقيق يتبين أن لفظ "الفاحشة" عام ويتضمن أكثر من معنى ، فيشمل ضمن معانيه معنى الزنا بصريح القرآن لقوله تعالى " وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) {الإسراء/32} ، ولذلك فإن معظم المفسرون يرون أن المقصود به في هذا السياق هو الزنا ، لكن "الزنا" كذلك لفظ عام يشمل الوطئ ومقدماته ، وأرى أنه هو المقصود في هذا السياق ، لقول النبي (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ) ، قال السيوطي (معناه أن بن آدم قدر عليه نصيب من الزنى فمنهم من يكون زناه حقيقيا بإدخال الفرج في الفرج الحرام ، ومنهم من يكون زناه مجازا.. بالنظر الحرام ونحوه من المذكورات فكلها أنواع من الزنى المجازي) ، لكن إذا ابتلي المرء بكثرة اللمم فإن ذلك علامة جنوحه وميل للفساد فتكون فاحشة بهذا المعنى .
كما يشمل لفظ "الفاحشة" ما هو أشد من الزنا مثل اللواط كما في قوله تعالى " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ " {النمل/54-55} ، كما يتضمن في مدلوله كذلك ما هو أقل من الزنا ، وما لا يوجب الحد ، وإن أوجب التعزير عقوبة ، فعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ قَالَ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنِكْتَهَا لَا يَكْنِي قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ)
كما تضمن لفظ "الفاحشة" ما ليس له علاقة بالزنا ، وإنما يعد من سائر الكبائر ، فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ فِيهِمْ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ (هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ) ، وتضمن اللفظ كذلك البذئ من القول ، أي "الفحش من القول" ، فعن ابن عباس ، أنه سئل عن هذه الآية « ولا تخرجوهن من بيوتهن ، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة » فقال ابن عباس : «الفاحشة المبينة أن تفحش المرأة على أهل الرجل وتؤذيهم » ، وعنه قال لعائشة "مَهْ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ" في معرض ردها على اليهود لما سبوا النبي فقالت ردا عليهم " عَلَيْكُمْ السَّامُ وَالذَّامُ " ، فرد عليها النبي فقال "يَا عَائِشَةُ لَا تَكُونِي فَاحِشَةً" ، وقد جمع الله تعالى ذلك كله فقال سبحانه "وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ..الآية " {الأنعام/151} ، وقال تعالى " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ .. الآية "{الأعراف/33}
من جماع ما تقدم يمكن القول بأن تعدد صور جنوح القاصر تحتم على ولي أمره أن يتخذ ضده اجراءات اجترازية ليحمله على جادة الطريق حتى وإن لم يكن بعد بلغ سن التكليف أو العقاب ، قال أبو حيان الأندلسي (تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع، منها : التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله : "يأتين الفاحشة " ، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها ، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه) ، من ذلك نفهم أن لفظ " الفاحشة " الوارد في تلك الآية عام ، وإن جاز تخصيصه بالزنا ، فإنه ينصرف بحكم اللزوم إلى معنى الزنا بمفهومه الشامل أي (ما لا يوجب الحد) ، لأن الحكم المتعلق به لا يقرر عقوبة أو حدا ، وإنما تدبيرا احترازيا حال جنوح القاصر عن الصراط المستقيم ، وتبين من مسلكه أنه معرض للانحراف والفساد .
وفي قوله تعالى (مِنْ نِسَائِكُمْ) قال الشافعي (فيه دَلَالَةٌ على أن اللَّهَ عز وجل سَمَّاهُنَّ من نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخَاطَبُونَ بِالْفَرَائِضِ) ، وفي ذلك تخصيص للمقصود "بالنساء" بعد استئناف الخطاب بحرف العطف الواو ، لنوع معين من النساء ، والمقصود (الصغيرات) ، وقد التفت ابن عاشور لذلك فقال (فالواو عاطفة "حكم تشريع" "عقب تشريع" لمناسبة : هي "الرجوع إلى أحكام النساء" ، فإن الله لما ذكر أحكاما من النكاح إلى قوله (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) ..، ناسب أن يعطف إلى ذكر أحكام اجتماع الرجل بالمرأة على غير الوجه المذكور فيه شرعا ، وهو الزنا المعبر عنه بالفاحشة) .
وبالتأمل في هذه المسألة والرجوع لسياق السورة من أولها نجد أنها كانت تتحدث عن اليتيمات ، أي الصغيرات اللاتي لم يبلغن رشدا وقد مات أبوها ، ومن ثم جاز أن يكون لفظ "نسائكم" عائد إليهن ،استئنافا للحديث السابق ذكره ، لاسيما وهن يتيمات الأب ، فقد يغفل عنهن وليهن في مراقبتهن وتأديبهن ، فلا يستبعد أن تقع بعض المراهقات في شيء من الفواحش ، أو يتعرض لهن المنافقون في هذه السن الحرجة ، ولذلك أوصد القرآن عليهن باب المفسدة أول ما تظهر علاماتها بإتيان الفاحشة –بمفهومها الواسع العام-ولو كانت صغيرة ، وقبل أن يستفحل الأمر إلى الزنا ، وتعميم الحكم بالنسبة لسائر النساء جائز – بالتبعية- في ظل دياثة بعض الآباء - لكن تصوره في شأن المستضعفات باليتم أوقع وأنسب للسياق .
ويعزز هذا المفهوم طبيعة التدبير المقرر لهن ، ذلك أن الثيب أي (المتزوجة) ، إذا زنت فعقوبتها الرجم ، بناء عليه يكون السياق منصرفا إلى قصد "البكر" دون "الثيب" ، قال الصنعاني " والمراد بالبكر ثم-عند- الفقهاء الحر البالغ الذي لم يجامع في نكاح صحيح " ، والعرف جرى على أن البكر هن الصغيرات اللائي لم يتزوجن ، وقلما تجد بكرا لم تتزوج حتى بلغت سن الرشد - عند العرب - ، مما يدل على أنها مدار الحديث ، ولما اشتهر من أن المنافقين كانوا يتحرشون بالجواري في الشوارع ، فإن تجرئهم في التحرش باليتيمات الصغيرات أيسر من غيرهن ، لاسيما إذا ما كانت في كنف ضعيف أو منشغل عنها ، من هنا ظهر فرض كفائي بوجوب انشغال أهل الحق بهن سعيا لحمايتهم من الفتنة وتعرض الفاسقين لهن بتدبير الحبس في البيوت أو دور الرعاية – بحسب الأحوال - إذا ما ظهرت أمارات فتنتهن أو إذا ما انتشر المنافقون في الطرقات بلا رادع لهم ، وذلك بحسب كل مجتمع على حدة .
وفي قوله (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) تحديد الطريق المخصص لإثبات وقوع مثل هذه الجرائم ، سواء بلغت حد الزنا أو لم تبلغ ، ذلك أن الحديث في أعراض النساء يجب أن لا تلوكه الألسنة دون بينة ، وقد أمر الشرع بألا تقل البينة عن أربعة شهداء ، ويشترط فيهم العدالة ، أي الاشتهار بالأمانة والثقة ، فلا تثبت تلك الجرائم الأخلاقية إلا بالإقرار أو بقدر هذا النصاب من الشهود ، وقد تعددت الآراء الفقهية في تحديد المراد بعدالة الشهود ، وقد أجمل بعض الباحثين اشتراطاتها في تعريفها الاصطلاحي بأنها " هيئَةٌ راسِخَةٌ تَدْعُو صَاحِبْهَا الاستِقَامة علىٰ الدِّيْن، باجتِنَابِ الكبِائِرِ، وَتَرْكِ الإِصْرَارِ عَلَىٰ الصغَائِرِ، واستعمال المروءة بفعل ما يُجَمِّلَهُ، وتَرْكِ مَا يُشِيْنَهُ عُرْفاً وَعَادةً" ، قال الغزالي (والعدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه) ، والمرجع في اعتبار العدالة في موطن القضاء ما يطمئن إليه القاضي بعد اختبار الشهود والتأكد من عدالتهم .
فإذا كان أهل المرأة أحد الشهود عليها ، وليًا كان أو أحد عصباتها ، فقد يتعجل أحدهم ولا يصبر حتى يأتي بنصاب الشهادة ، وإنما قد يبادر بإيذائها إفتئاتا منه على سلطة الحاكم ، لكن صفته هذه لا تعفيه من العقاب ، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَعَمْ قَالَ كَلَّا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ إِنَّهُ لَغَيُورٌ وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي) ، يعني أنه ليست غيرته سببا مسوغا له لتبرير قتلها وقد شرع الله الإتيان بنصاب الشهود ، فغيرته ليس بأشد من غيرة رسول الله ،ولا من غيرة الله على محارمه ، وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَا قَالَ سَعْدٌ بَلَى وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ " ، قال الزرقاني (وفيه قطع الذريعة عن سفك الدم بمجرد الدعوى والنهي عن إقامة حد بغير سلطان ولا شهود) .
وقد تشتد الضائقة إذا ما كانت تلك المرأة هي زوجة الرجل ، لكن الله تعالى جعل لذلك مخرجا في هذه الحالة استثناء من القواعد العامة في الإثبات ، بما يسمى باللعان ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ "جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ ، وَاللَّهِ لَأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ افْتَحْ وَجَعَلَ يَدْعُو فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) ..الحديث ، وفي رواية سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أن رسول الله "فَرَّقَ بَيْنَهُمَا" ، أي المتلاعينين ، ويرجع إلي سورة النور لمعرفة تفصيل حكم اللعان ، وخلاصته أنه يرخص له في اتهامها ويرخص لها في رد اتهامه ، ثم يفرق بينهما ، فلا يحمل إثمها إن كان صادقا ، ولا تحمل إثمه إن كان كاذبا ، ويترتب علي ذلك التفريق بين الزوجين ، وبذلك منع الشرع أن يؤذيها بغير بينة ، وحفظ عرضه وصانه بالتفريق بينه وبينها .
ففي قوله (فَإِنْ شَهِدُوا) تفريج لهن قبل أن تقام الشهادة عليهن ، لأن الأصل في الإنسان البراءة حتى يأتي الدليل ، وهي وقبل أداء الشهادة عليها تكون في عداد الأبرياء ، فإذا قامت عليها الشهادة وأقرها القاضي ، أضحت مدانة ، فالشهادة هي الدليل المعتبر في الإثبات في موطن الجنايات ، أما القرائن الأخرى فلا تعدل دليلا واحدا وإن تعددت وتضافرت ، فإذا ثبت الفعل المادي المكون للركن الإجرامي في حقها ، فإن التدابير الاحترازية تسبق الاجراءات العقابية ، حيث يمكن تأجيل العقاب لكن لا يمكن تأجيل التدبير ، ومن التدابير التي شرعها الله تعالى في هذه الحالة حبسهن في البيوت ، حيث تمنع من الاختلاط بالرجال ، ويحفظ عرضها من تعرض الفساق لها ، وتكون في مسئولية أبيها أو متولي تربيتها ويعيد تأهيلها مرة أخرى ، لتكون صالحة بعد ذلك للزواج إن يسر الله لها .
قوله تعالى (فِي الْبُيُوتِ) أطلق لفظ البيوت لفائدة ، فلم يقل (في بيوتكم) لحفظها من أن تنتشر الفاحشة فيها ، فإن لم يكن ثمة ضابط ورقيب عليهن في البيت فلا يؤمن منهن بعد ثبوت الفاحشة أن يختلطن بأهله ، أو قد تعذر ذلك فعندئذ يستحب أن يُنقلن لمكان يؤمن فيه عليهن من تكرار مثل هذه الفاحشة حتى تهذب أخلاقهن ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَعَنَ النَّبِيُّ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ ، وَقَالَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ قَالَ فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ فُلَانًا وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا" ، قال الحافظ (وأخرجوا فلانا وفلانا يعني المخنثين) ، قال ابن حجر (المراد بالمخنثين المتشبهون بالنساء) ، (أي المتشبهين بالنساء من الرجال في الزي واللباس والخضاب والصوت والصورة والتكلم وسائر الحركات والسكنات من خنث يخنث)
وذات الحكم بالنسبة للمرأة كتدبير وليس كعقوبة ، فالعقوبة يقررها ولي الأمر إذا ما وصل الحد إليه ، لكن يبدو من سياق الآيات أنها تومئ بالستر عليهن إذا لم يجب الحد ، فعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ" .
قوله تعالى (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) (15) تدبير من جنس الوصاية عليهن ، وقد ثبت أنهن غير مؤهلات لحفظ أنفسهن من الفواحش ، كالقاصر اليتيم لا يُمَكن من ماله حتى يبلغ راشدا ، فهن مثله ، وتكون الغاية من حبسهن وقايتهن حتى يأمن المجتمع من تكرار هذه الفاحشة ، ولا يغرر بهن أحد من الفساق وقد عُلم ما سبق منهن من فعل الفاحشة ، ولو لم تتعدَ اللمم كـ "النظرة المحرمة" حتى تعود لرشدها فتتأدب لفترة بحسب نوع الجرم ومقداره ، وبحسب سرعة إفاقتها لرشدها وانتباهها ، وقد شبه الشعراوي هذا التدبير بالحجر الصحي الذي نضع فيه أصحاب المرض المعدي فكذلك الحكم لمن أصبن بالعطب والفضيحة .
ومن جهة أخرى فقد فرق الشارع في هذا "التدبير" بين المرأة والرجل ، فأوجب حبس "المرأة" في بيتها حتى الزواج ، هذا إذا كانت الفاحشة مغلظة ، بينما أمر بتغريب "الرجل" عاما إذا كانت الفاحشة هي "الزنا الكامل" ، قال الدكتور عبد البديع أبو هاشم " لما جاء الحكم - وهو الجلد مائة جلدة - زيد في عقوبة الرجل ، التغريب سنة ، وهي عقوبة ملائمة له ، لأنه يقوى على الغربة ، خلاف المرأة التي يخشى عليها من الغربة ، فكانت هذه الزيادة في عقوبة الرجل ، مقابلة لزيادة عقوبة المرأة في الحكم الأول " ، يقصد بذلك الإمساك في البيوت .
قال ابن القيم " وتضمن تغريب المرأة كما يغرب الرجل، لكن يغرب معها محرمُها إن أمكن، وإلا فلا، وقال مالك: ولا تغريب على النساء، لأنهن عورة" ، وبذلك يكون إمسكاهن في البيوت بديلا عن تغريبهن ، وذلك من باب التربية والتأديب وإعادة التأهيل ، ووجه التفرقة بينهما أمرين : الوظيفة والقوة ، للتباين فيهما ، ذلك أن الرجل مطلوب منه الانطلاق في المجتمع لكي ينتج ، وهو قادر على أن يحمي نفسه من مراودة النساء ، فأمر الشرع بأن يغرب عامًا ، وهذا المقدار كافي لأن يتوب عما فعل ، وينعزل فترة كافية عن أسباب المعصية ، بينما مجال المرأة في الإنتاج هو بيتها بتربية الأبناء ، ولأجل ضعفها وكثرة تعرضها للفتن من قبل المنافقين حماها الشرع بهذا التدبير حتى يجعل الله لها سبيلا بالزواج أو الموت ، فأمر بحبسهن من باب سد الذرائع.
والحبس في البيوت هو الأصل بالنسبة للمرأة ، سواء صدر منها فعل مشين أو لم يصدر ، فلا تخرج إلا لحاجة ، وتلك الحاجة يقدرها وليها ، كالخروج للصلاة أو للسوق أو زيارة مريض..الخ ، يقول رسول الله (المرأة عورة ، وإنها إذا خرجت استشرفها الشيطان ، وإنها لا تكون أقرب إلى الله منها في قعر بيتها) ، قال المباركفوري (الأصل في الاستشراف رفع البصر للنظر إلى الشيء وبسط الكف فوق الحاجب ، والمعنى أن المرأة يٌستقبح بروزها وظهورها ، فإذا خرجت أمعن النظر إليها ليغويها بغيرها ، ويغوي غيرها بها ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة) ، وقال المناوي (يعني رفع البصر إليها ليغويها أو يغوي بها ، فيوقع أحدهما أو كليهما في الفتنة) ، و(المراد شيطان الإنس سماه به على التشبيه بمعنى أن أهل الفسق إذا رأوها بارزة طمحوا بأبصارهم نحوها ، والاستشراف فِعْلُهُم ، لكن أُسْنِدَ – الفعل- إلى الشيطان لما أشرب في قلوبهم من الفجور ، ففعلوا ما فعلوا بإغوائه وتسويله وكونه الباعث عليه) .
قال ابن تيمية " فالنساء يؤذين –يقصد يؤدبن - ويحبسن، بخلاف الرجال فإنه لم يأمر فيهم بالحبس؛ لأن المرأة يجب أن تصان وتحفظ بما لا يجب مثله فى الرجل؛ ولهذا خصت بالاحتجاب، وترك إبداء الزينة، وترك التبرج، فيجب فى حقها الاستتار باللباس والبيوت ما لا يجب فى حق الرجل؛ لأن ظهور النساء سبب الفتنة، والرجال قوامون عليهن" ، أضف إلى ذلك أن الرجل مطالب بالكسب ، وفي حبسه إهدار للطاقة التي يرتجيها المجتمع منه بالعمل والخدمة ، قال الرازي " وأما الرجل فانه لا يمكن حبسه في البيت لأنه يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه وترتيب مهماته واكتساب قوت عياله" .
أما بالنسبة للعقوبة فيجدر التنويه إلى أن عقوبة الزنا بالنسبة لغير المحصنات تختلف عن المحصنات ، فالمحصنة حدها الرجم ، لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ صَدَقَ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَقَالُوا لِي عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَقَالُوا إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَقَالَ النَّبِيُّ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ لِرَجُلٍ فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا) ،وفي رواية :" اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا قَالَ فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ فَرُجِمَتْ " ، وأما حد غير المحصنة فالجلد ، لقوله تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) (النور/2) ، وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ" ، أي أن الجلد حد وعقوبة ، والتغريب تدبير واحتراز ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ (أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ) .
قوله تعالى (يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ) يحمل على التوبة ، أي قبول الناس توبتها ، وعلامته أن يتقدم إليها الخاطبون للنكاح ، قَالَ رسول الله (لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، وذلك يتفق مع سياق الآيات حيث انتقل الحديث في هذه الآية والتي تليها إلى التوبة مباشرة ، " فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا" ثم استرسلت الآيات التي بعدها في الحديث عنها ، فإن تحققت التوبة تأهلت للزواج ، فيكون الزواج سبيلا لأن يُعفى عنها ويُطلق سراحها من الحبس في البيت ، وقد أعيد تأهيلها تربويا حتى نالت شهادة العفة بالزواج العفيف ، قال أبو حيان أي "يكون السبيل تيسر الشهوة لهن بطريق النكاح" ، فتغادر بيت وليها إلي بيت زوجها حيث لا يعرفها أحد ممن شهد عليها من قبل ، وتطوي صفحة الماضي بعد التوبة ، وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال (أحب لمن أصاب ذنبا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب) ، (والجمهور على أن ستر العبد على نفسه وتوبته فيما بينه وبين الله أولى من الإظهار وعفا عنه ، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه) .
وفي قوله تعالى (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا) عطف استئنافي للحكم الشرعي المتعلق بفعل الفاحشة ، وقد جاء اسم الوصل (اللذان) بصيغة التذكير من باب التغليب – رغم وقوع الفعل من الرجل والمرأة –، وعموم لفظ "الفاحشة" العائد عليه ضمير الغائب في(يأتيانها) يتضمن "فعل "اللواط" كذلك ، كما ذكرنا في الآيتين السابقتين ، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ -في هذه الآية- " وَذَكَرَ الرَّجُلَ بَعْدَ الْمَرْأَةِ ثُمَّ جَمَعَهُمَا فَقَالَ (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ ...) ، والمقصود بقوله (منكم) من فعل فعلا يعد فاحشة لكنه لم يبلغ الحد ، وذلك إما لعلة الصغر فلم يكن مكلفا ، أو أن فعله لم يبلغ حد "الزنا"، قال السدي: (نزلت في الفتيان قبل أن يتزوجوا) ، وعَنْ مُجِاهِدٍ قَالَ "السَّبِيلُ" "الْحَدُّ" قَالَ سُفْيَانُ (فَآذُوهُمَا) الْبِكْرَان ، وعَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ "وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ" قَال: الرَّجُلانِ الزَّانِيَانِ" ، وعن مجاهد –كذلك - قال: "نزلت في الرجلين إذا فعلا لا يُكنى، وكأنه يريد اللواط" ، ومن ثم انصرف المقصود من الفعل المكون للركن المادي للجريمة إلى كل ما يطلق عليه لفظ "الفاحشة" ، سواء بلغ الحد أو لم يبلغ حد الزنا لعلة الصغر أو عدم اكتمال الركن المادي للجريمة ، كما يشمل ما يفوق الزنا –كاللواط أو مقدماته- كما تقدم .
قوله (فَآَذُوهُمَا) قيل أنها عقوبة من قبيل (التعزير) لا (الحدّ)" ، ورأى البعض أن هذا من قبيل التدرج في التشريع ، حيث كانت عقوبة الزنى في صدر الإسلام خفيفة مؤقَّتة لأن الناس كانوا حديثي عهد بجاهلية ، ومن سنة الله جل وعلا في التشريع ، (التدرج ) ليكون أنجح في العلاج " ثم جعلت العقوبة بعد ذلك بين الجلد والرجم والقتل بحسب الإحصان وطريقة إتيان الفعل المادي الذي هو مناط التجريم ، إذا وقع على رجل أو امرأة ، فيغلظ العقاب في اللواط ليكون القتل لما روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ " مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" .
قال ابن تيمية في قوله تعالى (فَآذُوهُمَا) (أمر بالأذى مطلقًا، ولم يذكر كيفيته وصفته ولا قدره، بل ذكر أنه يجب إيذاؤهما) ، أي أن العقوبة المقررة ليست حدا ، وبذلك يكون الحكم الوارد بالآية باق على أصله لم يطله نسخ ،حيث ينصرف إلى ما لا يوجب الحد ، ولذلك جاء اللفظ مطلقا ليعم ذلك كله ، فيكون الإيذاء من باب التأديب وليس العقوبة
وقد حقق هذه المسألة العلماء فقالوا (أن الصحابة قد اختلفوا فى حكم اللِّواط ، ولم يتمسّك أحد منهم بهذه الآية ، فعدم تمسكهم بها مع شدَّةِ احتياجهم إلى نَصٍّ يدلُّ على هذا الحكم من أقوى الدَّلائل على أنَّ هذه الآية ليست في اللواطة) أي أنها لا تقرر عقوبة لهذه الجريمة ، وإنما يجوز القول بأن الإيذاء تأديب لفاعليها من "غير المكلفين" أو ممن لم يصل فعلهم إلى اكتمال الركن المادي للجريمة ، يعني أن الإيذاء عقوبة علي من لا يجب عليه الحد .
أما إذا بلغ الفعل الصادر منهما ما يوجب الحد ، وكانا مكلفين ، فإن الأذى الوارد بالآية ينصرف من باب المجاز المرسل - وعلاقته المسببية - إلى عقوبة "الجلد" للبكر ، وذلك بحمل المطلق (الفاحشة) على المقيد (الزنا) الوراد في سورة النور .
فإن قيل أن المسئولية الجنائية لا تقع علي الصغير استنادا لقول رَسُولَ اللَّهِ قَالَ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ " ، وَلقَول عَلِيٌّ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ" - ، فكيف يلحقهما الإيذاء ، فإنه يجاب على ذلك أن الإيذاء ليس عقوبة ، وإنما هو من باب التأديب لهما وزجرهما عن تكرار الفعل مرة أخرى
ولا إشكال كذلك في القول بأن الآيات أوجبت عليهما توبة ، فقد يسأل سائل كيف يتوبان وهما غير مكلفان ؟ فيجاب عليه بأن الصبي يؤدب على ترك الصلاة عند العاشرة ولم يبلغ ، ويضرب على ذلك حتى ينصلح حاله ويتعود على التوبة من ترك الصلاة ، لا من باب التكليف ، وإنما من باب التأديب والتربية ، فتكون التوبة المقصودة تلك التي يثاب عليها ، وليست تلك التي لو تركها لوقع عليه إثم ، أما الصبي البالغ فيجب عليه توبة إذا ما ارتكب ما لا يوجب الحد ، فيكون الإيذاء عقوبة تعزيرية له.
وفي قوله (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (16) إظهار للغرض من الإيذاء والحبس في البيوت ، وأن غاية الأمر منه أن يتحقق الردع الخاص للجاني ، فالمقصود هو إصلاحه وتهذيبه ، فإن أظهرا صلاحا فقد تحقق المقصود من الردع ، ووجب الكف عن إيذاءهما لقوله (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) .
ولكي يتحقق "الإصلاح" المقصود من الآية لابد من توعية الصغار بمغبة "إتيان الفاحشة" ، لاسيما الشذوذ الجنسي ، فقد ينتشر فحش الأولاد مع الأولاد لصعوبة الاتصال بالمرأة ، كما قد تفحش المرأة مع المرأة لصعوبة الاتصال بالرجل ، وذلك كنتيجة لكثرة اختلاط الولدان مع الولدان ، والبنات مع البنات في سن المراهقة دون ضابط أو رقيب أو مشرف عليهم ، مثل المدارس الداخلية أو فرق الأندية وغرف تغيير الملابس ...الخ ، فالتوعية تفترض أن المجتمع تغلب عليه صفة الإيمان ، فيسارع إلى إنكار المنكر ، والاهتمام بالنشء والتربية ، وإدراك الخطر قبل وقوعه ، يقول الشيخ الشعراوي " إذا كنا قد اهتدينا إلى معرفة أن اتصال سلك صحيح بسلك صحيح ، فالكهرباء تعطي نورا جميلا ، أما إذا حدث خطأ في الاتصال ، فالماس يحدث وتنتج منه حرائق " .
قال ابن تيمية (وَالْإِعْرَاضُ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْإِيذَاءِ ، فَالْمُذْنِبُ لَا يَزَالُ يُؤْذَى وَيُنْهَى وَيُوعَظُ وَيُوَبَّخُ وَيُغَلَّظُ لَهُ فِي الْكَلَامِ إلَى أَنْ يَتُوبَ وَيُطِيعَ اللَّهَ وَأَدْنَى ذَلِكَ هَجْرُهُ فَلَا يُكَلَّمَ بِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ -كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ الْمُؤْمِنُينَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُمْ وَصَلَاحُهُمْ - ، فَإِنَّهُ يَجِبُ إيذَاؤُهُ بِالْكَلَامِ الزَّاجِرِ لَهُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ إلَى أَنْ يَتُوبَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَحْدُودًا بِقَدَرِ وَلَا صِفَةٍ إلَّا مَا يَكُونُ زَاجِرًا لَهُ دَاعِيًا إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ ، وَهُوَ تَوْبَتُهُ وَصَلَاحُهُ وَقَدْ عَلَّقَهُ تَعَالَى عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ : "التَّوْبَةُ" وَ"الْإِصْلَاحُ" .
وهذا يعني – من جهة أخرى - أن المجتمع المسلم يجب عليه ألا يغالي في التدابير المتبعة ، بل عليه أن يعرض عنهم بعد التوبة فلا يعيرون ، قال البيهقي "ولا أن يعيره – أي بعد حصول التوبة والإصلاح- .. فإن إيذاء المؤمن في الجملة حرام قال الله عز وجل : (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) .
وليس معنى ذلك أن يتركون بلا تهمة ، فالعدالة تنجرح بمثل ذلك ، قال ابن عطية (وفي قوة اللفظ "فأعرضوا" غض من الزناة وإن تابوا – أي تقليل من شأنهم - ، لأنّ تركهم إنما هو إعراض ، ألا ترى إلى قوله تعالى (وأعرض عن الجاهلين) وليس هذا الإعراض في الآيتين أمراً بهجرةٍ ، ولكنها متاركة معرض ، وفي ذلك احتقار لهم بسبب المعصية المتقدمة) .
وفي قوله تعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (17) إيضاح لشروط التوبة التي يقبلها الله تعالى ، وأوجب - قبولها - على نفسه وعدا وكرما وتفضلا ، ويسبق هذه الشروط توصيف للحالة التي يقترف فيها الذنب ، حيث يكتنفها الغفلة ، وينتفي عنها الجراءة والخشية ، أي لا يكون العاصي جرئيا في المعصية ، وفي ذات الوقت قلت عنده الخشية لسوء تقديره واغتراره ، وعن ابن مسعود (كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْمًا وَكَفَى بِالِاغْتِرَارِ بِاَللَّهِ جَهْلًا) .
فقوله (يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) أي (يُقَارِفُونه فِي لَحَظَاتِ الطَّيْشِ وَالانْفِعَالِ وَالضَّعْفِ الإِنْسَانِيِّ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يُقَارِفُونَ مُحَرَّماً مُنْكَراً ، ثُمَّ لاَ يَلْبَثُونَ - حِينَمَا تَهْدَأُ نُفُوسُهُمْ - أَنْ يَثُوبُوا إِلَى رُشْدِهِمْ ويَتُوبُوا إِلَى ربهم ، وَيَسْتَغْفِرُوهُ ، شاعرين بِالنَّدَمِ وَوَخْزِ الضَّمِيرِ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُمْ) ، فالجهالة هي أحد العوارض التي توقع الإنسان في الظلم، ويعزى هذا العارض إلى الاغترار بعفو الله ، والله تعالى يقول (اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة/98) .
فحالة الجهالة كانت سببا في تأخر إسلام كثير من الصحابة ، كخالد بن الوليد أسلم بعد غزوة "أحد" ، وعمر بن الخطاب وإن أسلم قبل الهجرة إلى المدينة إلا أن إسلامه تأخر إلى ما بعد الهجرة إلى الحبشة ، حيث كانت "الجاهلية" عارضا حال دون التبكير بإسلامهم ، فلما زال هذا العارض ، وفاقوا إلى رشدهم ، دخلوا الإسلام وانحازوا إليه ونصروه ، ثم تداركوا ما فاتهم منه بعد ذلك ، فقد يرجع تأخر إسلام بعضهم إلى ظنه الخاطئ أن رسول الله يقيم موازين مختلفة عما ألفوه للروابط المجتمعية فيستبدل رابطة الإيمان برابطة النسب ، ويستبدل عرى الدين بعرى العصبية والقبلية ، وكانوا حرصين على صلة الارحام ، ومشتهرين بنصرة الضعيف ، فانزعجت قريش من هذا الأمر "جهالة" منها بأن الإسلام لا يهدم عرى الرحم ، وإنما يوصي بحفظها ويأمر بصلتها ، وأمر ببر الوالدين ولو كانا مشركين ، فلما زالت عنهم غشاوة الجاهلية وتعرفوا على أخلاق الإسلام ،كانوا أسرع الناس دخولا فيه وتأييدا لرسوله ونصرة لدينه .
وقد يتأخر عن الفتية -من المراهقين والمراهقات صغار السن- رشدهم لسوء التربية وقلة الخبرة ، أي قد يبلغ سن الرشد الذي يظنه الفقهاء أو ولي الأمر لكنه في الحقيقة ليس كذلك ، فكثير من الفتية أغر ، شديد النهم في التعرف على الدنيا ، وهؤلاء بحاجة ملحة لصحبة قوية تعينهم على الطاعة وتحذرهم مغبة المعصية ، فإن لم يلتزموا هذه الصحبة وانشغل عنهم أولياؤهم فإن جهالتهم تحملهم على اقتراف اللمم ، لا لشيء غير التعرف عليه ثم يكثرون منه ، حتى ينزلقون في الفواحش والمنكرات ، كشرب الخمر والتعرف على النساء .... الخ ، كل ذلك وهو لا يدرك أول الأمر أنه سوف يقع في مثل ذلك ، وسبب ذلك أنه فاته الصحبة التي تبصِّره برويَّة وتؤده ، وقد استعجل الشهوة بالمعصية ، وليس معه عاصم من القرآن أو السنة ، وليس لديه رصيد من الإيمان والفقه ، قليل الخبرة ، متطفلا على كل شيء ، جانحا إلى كسر الحواجز بينه وبين كل حرام ، تذوقا ولمسا وكسبا ....الخ ، ولعله بعد ذلك يقارن بين الحلال والحرام ، فإن تربى على الحلال ، فاق لرشده وأضحى الحرام عنده مفسدة ومضيعة ، فلا يقربه ، وإلا فإن نفسه تراوده بين الحين والآخر أن يقارفه لأجل الخبرة والمعرفة ، بيد أن الحال قد ينقلب عليه فيصير إلى عادة وإدمان ، فيستلطف المعصية ويألفها ، ولا راشد له أو ضارب علي يديه .
وقلما نجد مثل نبي الله إبراهيم والذي أوتي رشده وهو صغير ، قال تعالى " وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ "{الأنبياء/51-57} .
قوله (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) بيان للشرط الثاني الضامن لقبول التوبة ، وهي الإسراع إلى التوبة فور الإفاقة من المعصية ، فالعبد إذا بادر بالتوبة بعد المعصية قبلها الله منه ومحاها ، لقول النبي (اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) ، وذلك قبل (أن تَتَرَسَّخُ الذُنُوبُ فِي نُفُوسِهِمْ) ، قال الغزالي (ومعناه عن قرب عهد بالخطيئة بأن يتندم عليها ويمحو أثرها بحسنة يردفها بها قبل أن يتراكم الرين على القلب فلا يقبل المحو)
والأصل هو المبادرة بالتوبة ، فعن النبي قال (إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ أو المسيء ،فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها وإلا كتب واحدة" ، قال المناوي في الشرح (إن صاحب الشمال) وهو كاتب السيئات (ليرفع القلم) ست ساعات يحتمل أن المراد الفلكية ويحتمل غيرها (عن العبد المسلم المخطئ) فلا يكتب عليه الخطيئة قبل مضيها بل يمهله (فإن ندم) على فعله المعصية واستغفر الله منها أي طلب منه أن يغفرها وتاب توبة صحيحة (ألقاها) أي طرحها فلم يكتبها (وإلا) أي وإن لم يندم ويستغفر (كُتِبَت) يعني كتبها كاتب الشمال (واحدة) أي خطيئة واحدة ، بخلاف الحسنة فإنها تكتب عشرا) .
ولهذا السلوك أثر عظيم على القلب ، ذلك أن من يردف السيئة الحسنة يكسر غلواء الشهوة في قلبه ، ويخرج من أسرها ، فتظل نفسه في كبرياء عنها ، وفي غنى بالحلال عن الحرام ، وتظل روحه في سعادة الطاعة ، وأنس التلاوة ، فتحول مبادرته بالتوبة دون أن يصل بالشهوة إلى منتهاها ولا بالظلم إلى درجة الطغيان ، فيكون في أمان من دينه ، ويحظى باجتناب الكبائر ويتخفف من اللمم ، فلا يجتمعن عليه حتى يهلكنه .
أما الذي يؤجل التوبة ، فإنه قد يسترسل في المعصية ، وعندئذ يفوته أنس الروح وصحبة الملائكة ، ويتخبط في براثن الشيطان حتى يهلكه بالكبائر، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا) .
وفي قوله (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (18) تحذير من إهمال التوبة حتى دنو الأجل ، قال الغزالي (من ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين
أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصى حتى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو
الثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو) ، قَالَ تَعَالَى : (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) قال ابن تيمية "فَأَخْبَرَ أَنَّ سُنَّتَهُ فِي عِبَادِهِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الْإِيمَانُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ ؛ فَكَيْفَ بَعْدَ الْمَوْتِ ؟" .
والمقصود بحضور الموت ، التأكد من الموت ، وذلك بقرب خروج الروح ، لقول النبي (إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) ، مثلما حدث مع فرعون ، قال تعالى " وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ "{يونس/90-92}
قال ابن تيمية " في قوله تعالى (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) [ النساء : 17 ] قال : هذه في أهل الإيمان (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى حضر أحدهم الموت قال : إني تبت الآن) [النساء : 18] قال : هذه في أهل النفاق : (ولا الذين يموتون و هم كفار) [ النساء : 18 ] قال : هذه في أهل الشرك" .
قال ابن عجيبة (إنَّ الله يمهل العوام ترغيبًا لهم في الرجوع ، ويُعاقب الخواص على التأخير على قدر مقامهم في القرب من الحضرة ، فكلما عظُم القربُ عظمت المحاسبة على ترك المراقبة ، منهم من يسامح له في لحظة ، ومنهم في ساعة ، ومنهم في ساعتين ، على قدر المقام) .
-
السبت PM 04:34
2025-12-27 - 292



