المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1899890
يتصفح الموقع حاليا : 153

البحث

البحث

عرض المادة

حماية الإسلام لحق الرحم وآمانات المستضعفين من عدوان المنافقين من أهل الملل دراسة فقهية وتربوية لسورة النساء

د/ احمد نصير

حماية الإسلام لحق الرحم وآمانات المستضعفين

من عدوان المنافقين من أهل الملل

دراسة فقهية وتربوية لسورة النساء

 

تمهيد:-

 

اُستهِلت سورة النساء بنداء للمؤمنين آمرة لهم بتقوى الله تعالى عطفًا على صلة الأرحام ، بما يؤكد التلازم والترابط في إحسان العبد علاقته مع ربه وإحسان علاقته مع الناس ، فليست التقوى قاصرة على محض عبادات تؤدى ، والعبد مهمل أو مقصر في معاملاته مع الناس ، فحقيقة التقوى وترجمتها العملية بإيصال الحقوق لأهلها والحرص على أدائها لاسيما مع أولوا القرابات من الأرحام ، فمن لم يحسن لرحمه فأنى يحسن للناس .

 

 ولما كانت المرأة أعجز من الرجل ، والصغير يسهل غبنه عن الكبير ، واليتيمة التي لا تأمن على نفسها ومالها وبل دينها ، لاسيما إذا كانت مستضعفة في دار غير ديار الإسلام ، أقل اطمئنانا من الذي يستقوي بالعيش مع أهله وعشيرته وقد بلغ أشده ، فقد عنيت السورة بالنساء اليتيمات اللاتي لم يبلغن رشدًا لتكون محور اهتمامها على وجه الخصوص ، قال تعالى " وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء" {النساء/127} .

 

 واستمرت السورة في المقارنة بأن أخذت من كل وجه من أوجه المقارنة سالفة الذكر أقله وأضعفه فعنيت بالنساء اليتيمات الصغيرات اللاتي يعشن في غربة أو تحت وصاية أوليائهن ممن يقومون عليهن قضاءا أو عرفا ، وذلك سواء أكان القائم عليهن مسلمًا إن كن مسلمات أو غير مسلم إن كن يعشن في أسرة أو عائلة غير مسلمة ، ولذلك كان ظلمهن أسهل وهضم حقوقهن أيسر على كل منافق ، ومن لا يتقي الله ولا يرعى له حقا ولا ذمة ، قال رسول الله r (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ)[1] ، أي (ألحق الحرج وهو الإثم بمن ضيعهما فأحذره من ذلك تحذيرا بليغا وأزجره زجرا أكيدا)[2] ، أي (أضَيّقُه وأُحرِّمُه على مَن ظَلَمَهُما)[3] والمقصود بحقهما أي (ما يستحقانه بملك أو غيره ، لذا عبر به دون مال وليشمل سائر الحقوق المالية وغيرها)[4].

 

 وفي المقابل استظهرت الآيات صورا عدة لتضييع المنافقين حقوق المستضعفين ومن هم في ولايتهم ، إذ ينتهب المنافق منها لنفسه خلسة وبخبث ما ليس حقه حتى لا ينكشف أمره ،  ويأكل أموال اليتامى ظلما ، ويغبن المرأة حقها سواء أكانت أختا - في ميراثها - أو زوجة - في مهرها ومالها-  أو أما – حال كبرها وضعفها وشيخوختها - ... الخ ، فقد كشف العمل أن المنافقين هم أكثر الناس تغولا على هؤلاء المستضعفين (يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) ، وكذلك من سبقهم ممن أوتوا نصيبا من الكتاب ، ولم يرعوا حقا ، وعليه فإن البحث يتناول الحماية التي أولاها الإسلام لهؤلاء المستضعفين من النساء والولدان واليتامى وأصحاب الحقوق التي لم تكن مضمونة ولا محمية إلا بعد أن أوصى الإسلام القائمين عليها وحض على الوفاء بها وعمل على حمايتها ، بل إن الإسلام ليجيش الجيوش لأجل هذه القضية ، فإذا تطلب الأمر التدخل بعمل عسكري لأجل هذه الحماية فقد وجب ، كما في قوله (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ).

 

 من هنا ولأجل تلك الغاية تصدت السورة لهؤلاء الظالمين - من المنافقون والصادين عن سبيل الله من أهل الكتاب - ،فشرعت في الحديث عن هذين الصنفين –بشكل مفصل- ابتداءً من الآية 37 ، فتناولت الآيات من 37 إلى 42   الحديث عن المنافقين ، وتناولت الآيات من 44 إلى 56 الحديث عن الصادين عن سبيل الله من الكافرين من أهل الكتاب ، ثم الفتت الآيات من 57 حتى 59 إلى الطائفة المؤمنة موجهة الحديث إليها لتأمرهم بأداء الأمانات وطاعة ولي الأمر ثم استأنفت الآيات من 60 حتى 68 الحديث عن المنافقين مرة أخرى ثم عادت لتوجه الخطاب للمؤمنين في كيفية التعامل مع هؤلاء المنافقين والصادين عن سبيل الله تعالى ، وظلت على هذا الحال إلى آخر السورة ، لتفرد الآيات من 137 إلى 147 حديثا مفصلا عن المنافقين ثم انتقلت الآيات من 150 إلى  175 لتفرد حديثا آخر مستقلا عن الضالين من أهل الكتاب ثم اختتمت السورة بآية الكلالة التي تضمنت أحكاما متصلة بالأحكام الذي ذكرتها أيتي المواريث لتتم أنصبة أصحاب الفروض تذكيرًا بما بدأته أول السورة .

بهذا تأكد المعنى بأن الإسلام قد ضمن حماية الحقوق وأدائها لأصحابها وخص بذلك أولي الأرحام والمستضعفين وحماها من اعتداء المنافقين والصادين عن سبيل الله ممن زعموا أنهم أهل كتاب ، وقد شملت هذه الحماية كافة الجوانب التشريعية والسياسية والعسكرية والقضائية ، وشملت كذلك التوجيه الفكري والمعنوي والاعتقادي لأصحاب الأفكار الضالة والباطلة .

 

وفي هذا الإطار فقد ابتدأت السورة ببيان أحكام الولاية وحدودها سواء على النفس أو المال لتضمن لهؤلاء الضعفاء حقوقهم وتحميها من تغول الطامعين فيها بأن جعلت حقوقهم أمانة في رقابة من يحسن الظن بهم وهم أقرب الناس لهم ، وتحت إشراف مجالس حسبية متخصصة يعينها ولي الأمر تشهد على حسن التصرف في حقوقهم .

 

وفي هذا الإطار كذلك حددت بدقة بالغة أنصبة الوارثين بحسب نوع ودرجة وجهة القرابة وبقدر صلة الرحم قال تعالى (آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) ، وهي دقة حسابية تتضمن إعجازا رياضيا عرف بعد بعلم " النسبة والتناسب " ، وسمت أنصبة الوارثين بالفريضة (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) ، تنزيلا من عند الله بلا اعتراض ، فلا يعاد النظر في تلك الأنصبة بعد حكمه سبحانه، وشددت على مخالفتها بأنها انتهاكا صريحا لحدود الله ، (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ..... وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا ) فليس أعدل ولا أقسط من الله ، ومن تجاوزها كان متعديا.

 

وإذ يحض الإسلام على حمايتهن ورعاية حقوقهن فإنه يقوم بإعادة ميزان العدل في حق الميراث ، ليستنهض حقوقهن ، فلم يجعل الله لهن خيار في قبول حقوقهن أو رفضها ، لأن ميزان العدل هو حد الله ، لا تقبل فيه شفاعة ولا يجوز فيه تنازل منهن ولا إبراء أو صلح وهن على هذا الحال من الضعف الذي لا يصح معه إبراء أو صلح ، فهي حقوق نسبها الله لذاته العلية حماية لهن من أن يُغبن أو يُظلمن ، فسمى أنصبة الوارثين بالفرائض ، فقال "فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ" ، وإن كان فيها حظ للمكلفين ، فإن حق الله غالب ، فدخلت هذه الحقوق في حومة حدود الله تعالى ، بقوله (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) ، فلو جاز للضعيف أن يبرئ القوي مما في ذمته له من حقوق قبل قبضها واستيفائها لاستقوى كل قوي على كل ضعيف ليبرئه حقه الذي عنده .

ورغم أن المنافقين يعلنون الإسلام - ظاهرا - فإنهم يضمرون ولايتهم لأهل الباطل باطنا (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (138-139) ، فتلك هي أخلاق المنافقين كذلك من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من قبل ، الذين بدلوا دينهم وحرفوا نصوصه ونقضوا مواثيقه ، قال تعالى " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ" (النساء/44) ، فالمنافقون – في كل ملة - أحرى الناس باتباع أهل الضلال والبدع ، والتجرؤ  على حقوق الضعفاء مثلهم ، ولذلك تصدت سورة النساء لهم ، ببيان الأحكام التشريعية التي تضمن لهؤلاء الضعفاء حقوقهم من تغول ضعاف النفوس عليها ، لا سيما المنافقون من أهل الكتاب كذلك .

 

فالنساء المستضعفات - على وجه الخصوص - لسن مطمعا للمنافقين وحسب بل إن كثير من الكافرين وأهل الكتاب ليطمعون فيهن وحقوقهن فيستضعفونهن ويستقوون عليهن ، ولأنهم أهملوا كلام الله وضيعوا شرعه ولم يرعوا أحكامه خاطبهم الله تعالى مشددا عليهم " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً "{النساء/47} ، من هنا كانت حكمة الله تعالى أن تتناول سورة النساء ما يضمن لهن حقوقهن من التغول أو الإهمال أو التضييع ، وكانت الحكمة بينة في أن تسمى السورة بهذا الاسم ، أي سورة النساء ، باعتبار أن النساء في مثل هذه الظروف موطنا للاستضعاف ، وأسهل مطمع للطامعين .

 

ذلك أن البر-كما أشارت إليه سورة البقرة- ليس مجرد التوجه للقبلة ، وإنما لابد من أن تقترن العبادة بحسن معاملة الناس وأداء الحقوق لأهلها ، فإذا ما رجعنا لسورة البقرة لوجدناها قد عنيت بالجماعة المؤمنة وعرضت في لمحات سريعة – وإن استطردت شيئا ما في بعض منها – لسيرة اليهود من أهل الكتاب كنموذج للصد عن سبيل الله ، فإذا عرجنا على سورة آل عمران لوجدناها قد عنيت بالمرابطين في سبيل الله من تلك الجماعة المؤمنة التي وصفتها سورة البقرة ، وهي طائفة خاصة من المؤمنين ، وإزاء هذه الجماعة المرابطة في سبيل الله تحدثت السورة عن بعض النصارى من أهل الكتاب كنموذج آخر للصادين عن سبيل الله ، وها نحن الآن نقرأ سورة النساء ، فنجدها قد عنيت بالمجاهدين من المرابطين في سبيل الله من الجماعة المؤمنة التي تحدثت عنهما سورتي البقرة وآل عمران ، وهم القائمون على حقوق الناس بالقسط ، وحذرت من المنافقين وأحوالهم في كل ملة ، فلا عهد لهم ولا أمانة ولا دين .

 فتعرضت السورة في أكثر من مناسبة أحوال المنافقين إما تصريحا أو بطريق الإشارة أو تعريضا كنموذج ثالث للصد عن سبيل الله ، وضمت إليهم المغالين في دينهم من النصارى والمفرطين في دينهم من اليهود ، لتكتمل بذلك طوائف المجتمع الذي يحيط بالدعوة الإسلامية في المدينة المنورة في العهد المدني ، من هنا نستقرئ منهج الإسلام في ضمان وحماية حقوق الضعفاء ولو في ظل تغول الطامعين وشراهة المنافقين وجشع الصادين عن السبيل من أهل الكتاب والكافرين ، وهؤلاء جميعا جمعتهم سورة الفاتحة في قوله تعالى (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) .

 

والسورة وإن بينت ما للنساء من حقوق ، فإنها بينت لولاة أمروهن ما عليهم من واجبات ، لاسيما المراهقات إذا ما وقعن في الطيش والهوى أو انزلقن في الغواية ، فوضعت من الإجراءات الإحترازية ما يضمن حمايتهن من الغواية أو الطيش ، وأوجبت على ولاة الأمور تأديب الفاعلين سواء أكانوا ذكورا أم إناثا ، وفتحت باب التوبة لهما لتدارك ما فات .

 

وعلى النقيض من فعل الفاحشة شرعت في بيان أحوال النساء في إطار الأسرة المسلمة ، فستبان بذلك أن الزواج شطر الدين ، وعاصم من الفتن والشهوات ، وبه تتحقق التوبة النصوحة ، ومن ثم عادت الأيات لتتحدث عن الحقوق المنبثقة من عقد الزواج ، وكيف أن المنافق يعود مرة أخرى ليمارس هوايته في ظلم الضعفاء ، فنهت المؤمنين أن يسترسلوا في عادات الجاهلية والتي تتمثل في عدم الاعتراف لهن بحقوقهن سواء المادية منها أو المعنوية ، وحذرت الذين يرغبون في التوبة بالزواج واستكمال شطر دينهم أن يفتحوا على أنفسهم بوابة جديدة من الظلم والنفاق عندما تسوء العلاقة بينه وبين زوجته  " لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا .. " ، واستثنت من ذلك اللاتي يأتين بفاحشة مبينة ، .... وفي خارج حدود هذا الاستثناء أوصت الرجال بمعاشرتهن بالمعروف ، والصبر على أخلاقهن " ، كما أكدت على استقلال الذمة المالية للمرأة عن زوجها سواء بعد العقد أو عند الطلاق : "أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً" .

 

وبهذه المناسبة حصرت الآيات المحرمات من النساء إعلاءً لحق الرحم وتقديما له على الحق في الزواج منعا لتضارب الحقوق مع بعضها البعض

 ولما كان المنافقون لا يتورعون عن إتيان الفواحش فإن المتقين ينأون بأنفسهم عنها ، ومن ثم فرَّج الله عن المؤمنين الذين يرغبون في العفاف وليس لديهم مقدرة مادية على تحمل أعباء الزواج بأن ينكحوا الإيماء من النساء ، فرغبت في الزواج المبكر من المسلمات العفيفات تحصيلا للعفة وتحررا من الشكليات ، وفي ذلك أيضا تحقيق للمصلحة الأولى بالرعاية ، ليكون الاستعفاف مقدما علي مراعاة الكفاءة في الزواج ، وقطعا لأي طريق لإتيان الفواحش ، ومن لم تردعه نفسه عن ذلك تكون العقوبات له زواجر مع مراعاة الشارع للظروف النفسية المخففة للعقاب ، والمقصد من كل تلك التشريعات والتدابير والمحظورات والرخص تحقيق الإرادة الشرعية ، والمتمثلة في قوله تعالى (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) .

 

ثم انتقلت الآيات إلى مجال المعاملات المالية والتي هي القوام المادي للأسرة المسلمة سواء في مبتدأ نشأتها أو استمرارها ، فبدون كسب الرجل تضيع زوجته وعياله ، وتلك هي إشكالية التقوم المادي والكسب الحلال لاستقرار بيت الزوجية ، وتحت هذا الضغط النفسي قد يتسارع الرجال لاكتساب الأموال بالباطل ، وبذلك تظهر صورة أخرى من صور النفاق ، ولذلك تنزلت الآيات لتنهاهم عن ذلك ، وتضبط معاملاتهم بضابط الإسلام ، بأن يكون اكتساب أموال الناس بمقابل عادل عن عمل أو خدمة تؤدى ، لا بالباطل ، ويكون مبدأ حسن النية هو الضابط لكل المعاملات التجارية ، وعلى أساس الرضاء المتبادل ، بيد أنه في ظل تزايد حاجات الأولاد وقلة المتاح من مصادر الحلال ، وكثرة الإغراءات في المحرامات ، قد يزيد العبء النفسي علي المرء مما قد يدفعه للاكتئاب ، وهنا قد يقتل نفسه تهربا من تحمل المسئولية ، أو يقتل أخاه ليأكل ماله ظلما ، ومن ثم جاء النهي القرآني مشددا على أن هذه الجريمة من كبائر الذنوب ، وبتحليل هذه الظاهرة نجد أن الإنسان لم يصل إلى هذه الدرجة من الاكتئاب إلا بسبب الحسد الذي هو نتيجة التمني لما في يد الغير من نعمة ، متناسيا فضل الله ، وليس ذلك من الإسلام في شيء ، فلا يشغل المرء نفسه بقسم الله لغيره ، وليشغل نفسه بأصحاب الحقوق عليه من الموالي ومما عقدت به الأيمان ، ولو لم يكن شهيد عليها غير الله ، وكفى به شهيدا .

                 

فإذا ما تخطت الأسرة المسلمة هذه الإشكالية ، فعليها أن تتعلم آداب العلاقة بين الزوج والزوجة ، حيث يكون الرجل مسئولا عن زوجته ، باعتباره الطرف الأقوى ، وهي الطرف الأضعف في هذه العلاقة ، ولذلك أضحت القوامة للرجل بهذا الاعتبار ، فالإسلام لا يأتي بأحكام تخالف الفطرة ، وإنما يعترف للرجال بقوامتهم (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) لأجل الاضطلاع بالمسئولية التي هم ميسرون لها خلقا ، تحقيقا لمقاصدها بعد تحقيق شروطها ، فضلا عما تقتضيه الرجولة من حفظ المرأة سلامتها ،وأمنها ومراعاة حقهن في النفقة ، أما إذا أسندت القوامة للمرأة جدلا ،فذلك إيذان بضياع الأسرة ، باعتبار أنهن لم ييسرن لتلك المسئولية ، والله أعلم بخلقه .

 

 وإذا كان الرجل لا يسلم من التهمة من النفاق ، فكذلك المرأة إذا نشزت عن طاعة زوجها فإن ذلك عين النفاق ، (الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ) [5]، ولذلك ألقت على الرجل واجب أن يؤدب زوجته تأديبا شرعيا وله ضوابطه كي لا يبغي عليها ، وفي ذات الوقت يتوقى نشوزها قبل أن يبدأ ، فيتدرج معها من الوعظ والتوبيخ إلى الهجر والتأنيب ثم الضرب غير المبرح إن اضطر لذلك دون تعسف أو شطط ، وذلك للحيلولة دون تهديد البيت بالانهيار ، أخذ بقاعدة ارتكاب أخف الضررين ، فحق التأديب أوضح مظاهر حق القوامة ، ليقطع الشك في تأويله تأويلا فاسدا ، فالإسلام حينما شرعه وضع له ضوابط وشروط وحدود وغاية ، كما في قوله (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) .

 

 وقبل أن يصل الأمر إلى مرحلة الشقاق جعل القرآن التحكيم سبيلا للإصلاح إذا ما أراد الله التوفيق بينهما ، فشرعت للعائلة أن تتحسس ما يعتري أي عضو منها من مشكلات لتبادر بعلاجها قبل أن يستحكم النفور والشقاق ، فانتدبت حكمين لهذه المهمة ، فإذا لم يتمكن الحكمان من التوفيق ، كان التطليق للشقاق - قضاءً - ما يعفي المرأة من حرج إثبات الضرر  ، لنفهم من ذلك أن الإسلام اعتبر للمرأة مكانتها ، بعد أن كانت في الجاهلية سلعة تباع وتشترى وتورث إلى امرأة لها استقلالها ومالكة لقرارها ، فجعل الرضاء شرط لاستمرار  عقد الزواج كما أنه شرط انعقاد وصحة ، فإذا ما انهار هذا الركن انفسخ العقد ، شريطة أن تتحمل وحدها تبعة قرارها إن لم يكن بها بأس ، لقوله r (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)[6].

 

وعلى وجه العموم حضت الآيات على الإحسان ورتبت مستحقيه ، فالإحسان موضع يستبين فيه المنافق من المحسن ، حيث يعزف المنافق عن ذلك ، فلا يحسن للأصحاب الحقوق بل ويسئ لأهلها ، حيث الشرك بالله وعقوق الوالدين وهضم حق القريب واليتيم والمسكين والجار وابن السبيل وملك اليمين ، فيكون أكثر الناس بخلا في إيصال الحقوق لأصحابها ، ولا يفعل ذلك إلا رياء ، متخذا الشيطان قرينا له ، والله قد اتخذ من الرسول شهيدا عليهم ، فلو صلحت النية لله لصحت العبادة ،لكنها وإذ لم تكن لله ، فالمنافق لا يكترث بشرائط صحتها من جهة ، ولا يعقل منها شيئا من جهة أداء أركانها كذلك ، فخاطبت الآيات الذين آمنوا ليستوفوا شروطها ، ويتعقلوا معانيها .

والمنافق في أخلاقه تلك يقتدي باليهود الذين خانوا أمانة الكتاب وحرفوا وبدلوا وأشركوا بالله ، ولم يحملهم على ذلك إلا طلب الملك والسلطة حسدا منهم لما آتاه الله للناس من فضل ، لا لأجل مرضاة الله برعاية الناس وخدمتهم تأسيا بأنبيائهم ، فكان نصيبهما اللعن من الله تعالى والعذاب في النار .

 

 فتوجه الخطاب للذين آمنوا ليحفظوا الأمانات ويؤدونها لأهلها والولايات أمانات ، وأعظم الأمانات الولايات العامة ،ومن هنا نشأ واجب طاعة ولاة الأمر من المؤمنين ، في حين أن المنافقون يخونون تلك الأمانة كذلك ، سواء أكانوا في موضع ولاية عامة أو خاصة ، فلا يطيعون الله تعالى ورسوله ولا ولاة أمورهم ، بل ويجادلون في أمرهم ولا يذعنون ، فالمنافق يخشى أن يضحي بماله ونفسه في سبيل الله ، رغم أن الجهاد يجلب له مصلحتين طاعة الله وصلاح دنياه ومعاشه ، لكنهم يريدون أن يخلوا دينهم من الجهاد والمشقة ، طلبا للعيش وكراهية للموت .

 

 وليتهم وقفوا عند ذلك ولكن منهم مثبطين ، (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) ، في حين أن المؤمنين الصادقين يقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ، والذي حملهم على ذلك أداء الأمانات والحقوق لأهلها ولأصحابها ، ولذلك تحفزهم الآيات على الجهاد ، وترغبهم فيه ، وتبكت الجبناء والمثبطين لعزائم المؤمنين ، وتكشف المتآمرين (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ) ، والله تعالى كف نبيه والذين آمنوا معه بأس الذين كفروا ، فهم ليسوا بحاجة لهؤلاء المنافقين ، فالإسلام يحيا بالسنة الحسنة ، فإذا حيا وانتصر فلينتبه المؤمنون إلى إفساد هؤلاء المنافقين .

 

ومن جهة أخرى فالإسلام لم يكتفِ بوضع تشريعات قرآنية تحمي حقوقهن في النكاح والميراث والوصية ، وحقوقهن المعنوية كــــ : "برِّ الأبناء وحسن معاشرة الأزواج لهن بالمعروف ورعاية الأوصياء لليتيمات وصونهن " ، ولم يقف عند ضمان الإنفاق عليهن اجتماعيا ، وإعالة الزوج لها ، كما لم يكتف بالحض على إكرامهن وحسن معاملتهن ، حتى شبههن النبي r بالأسيرات المستضعفات بمقتضى عقد الزواج ، فقال r (هن عوان عندكم)  ليرقق قلب الرجال عليهن .

 

 بل إنه ليجيش الجيوش لأجل هؤلاء المستضعفين ، وأمثالهم ، قال تعالى (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) ، إذن حق الرحم لآدم وحواء أوجب مثل هذه الحركة العسكرية من أدنى البلاد لأقصاها إذا اشتكى فرد من عائلة الإنسانية ظلم الولاة والحكام له .

 

 ذلك أن الإعتداء علي حقوق المستضعفين ظاهر من أهل الكتاب – على سبيل الغالب- والمنافقين –كذلك – الذين يبطنون العداوة ويظهرون خلاف ذلك للمؤمنين ، فأما الذين أوتوا نصيبا من الكتاب فكما أنهم لم يرعوا حق الله تعالى في التنزيل فحرفوا وبدلوا ، فليس بعيي عليهم أن يكونوا أول من يضيعون حقوق هؤلاء المستضعفين

 وأما المنافقون أولئك الذين يصلون بلا وضوء أو يكونون أشبه بالسكارى في صلاتهم ، الذين أفسدوا شرائط صحة الصلاة الشكلية قبل أن يفسد جوهرها الرياء ، فأمرهم مكشوف ومفضوح ما في قلوبهم حالما يكونون مسئولين عن حقوق الناس ، وبخاصة الضعفاء منهم ، كما ينفضح أمرهم حينما يكون الدِّين في نظرهم مغرما ، وذلك عندما يدعوهم الإمام إلى الجهاد أو الإنفاق في سبيل الله أو ترك الدنيا والهجرة إلى دار الإيمان ، قال تعالى "وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً " {النساء/77}، فكل ذلك يكشف المنافق أمام نفسه قبل أن يكشفه أمام الناس ، والله يشهد إنهم لكاذبون .

 

ومن هنا شرعت الآيات في بيان أحكام المنافقين ، وكيف يتعامل النبي r معهم ، فهم لا يزيدون المسلمين إلا ضعفا ، فوجبت مخاصمتهم في الله حتى يثبت صدق إيمانهم ، ومع ذلك لا يجوز قتالهم ماداموا يظهرون الإيمان ، فإذا ما ثبتت وولاية المنافق للكافرين المحاربين على المسلمين فإنه ليس بمعصوم الدم وإن ادعى إسلاما (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا)

وإزاء هذه الإشكالية فقد يقع القتل خطأ ،إذ  يحق لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ، وعندئذ تقع عليه الدية والكفارة ، ليتحقق التمييز بين المسلم معصوم الدم ، ولو كان منافقا ما لم يظهر كفرا  ، لما له من حق على المسلمين ، وبين الكافر غير المسالم فإنه غير معصوم الدم ، ولا يجوز تطبيق هذه الأحكام بشيء من العفوية أو التسرع دون التثبت والتيقن ، فإن كانت الدنيا مغنما فسوف يخيبون ، وإن كان ما عند الله فسوف يصيبون.

 

فإذا ما فرغ المسلمون من جهاد الدفع ، فالآيات تدفعهم لجهاد الطلب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) ، ومن ثم فصلت الآيات طريقة صلاة الخوف أثناء القتال ، لتؤكد على أن مفهوم النصر عند المسلمين بأنه يختزل بصبر ساعة (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ).

 

ولا شك أن إصلاح النظام القضائي من أهم مقومات الدولة حديثة النشأة ، حيث لا تكون أعراض الناس وأموالهم محلا للتهمة بدون دليل ، فلا يفلت الجاني بيسر ويرمي التهمة على غيره ، (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) ، ولذلك من أهم التشريعات الإسلامية لتحقيق عدالة قضائية حقيقية مبدأ حياد القاضي (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) ، وهذا المبدأ ليس مجرد كلمات أو دورات تثقيفية يحضرها القاضي قبل أن يتولى مهام عمله ، بل هو تربية واختبارات لابد وأن يتجاوزها حتى يطلق عليه لفظ "قاضي" ، هي تربية نفسية وسلوكية ، واختبارات عملية ، وكذلك معاونوا القضاة من المحامين والوكلاء وغيرهم كل له نصيب من هذه التربية القرآنية ، وكذلك الجناة أنفسهم لهم حظ من تلك التربية ، فليس معنى أنهم يستحقون العقاب أن يهملوا فلا يؤهلوا للعودة من جديد في المجتمع كأعضاء صالحين ، بل لابد من تربية وتأهيل ، ولابد كذلك من إعادة لتأهيل الكل بحسب قدرته وواجبه ومسئولياته ، فلكل مسئول واجب ولكل واجب تأهيل وتدريب وتعليم (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) .

ومن جهة أخرى فإن الحماية التشريعية ليست بكافية لإصلاح المجتمع ، ولا الحماية القضائية ولا القوة العسكرية ، فلابد لتحقيق الإصلاح خطوات جادة من العمل المشترك وفي عمق المجتمع نفسه ، بحيث يتشارك المجتمع كله العمل العام بكل طوائفه مع اختلافهم واختلاف انتماءاتهم ، فإذا قدر المجتمع على توسيع دائرة العمل المجتمعي في إطار من الحريات لابد في المقابل وضع ضوابط احترازية ضد الخائنين والمندسين (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) ، فوضعت السورة ضوابط لحرية الاجتماع في الإسلام ، لاسيما المشركين الذين يمارسون طقوس سحرية تقربا للشياطين الذي يأمرونهم بتغيير الفطر السليمة وتغيير خلق الله ، فحرية الاجتماع وسيلة للمشاركة في العمل العام ، وليست غاية بذاتها ، بل الغاية هي أن يجتمع الناس جميعا على دين الإسلام ملة إبراهيم حنيفا .

 

والمقوم الثالث للمجتمع حديث النشأة هو إصلاح شأن الأسرة المسلمة ، فما معنى إنشاء دولة ولا يزال اليتيمات مهملات ، ولا يزال النشوز بين المرأة وزوجها أو الشح من الزوج لها ، ولا يزال بينهما إعراض ، فما معنى إنشاء الدولة والمحسوبية لا تزال مسيطرة على الجهاز الإداري ، ولا يزال القسط والعدل لا يقوم عليه الناس ، بل لابد من نهضة وإفاقة لإصلاح شأن المجتمع لاسيما في هذه اللبنة الصغيرة منه (الأسرة) ولذلك عنيت السورة بإصلاح حال اليتيمات ، وإصلاح العلاقة بين الزوج وزوجته ، في إطار عقد الصلح لجبر ما فات وتدارك ما يستقبل ، وحضت كذلك على إصلاح العلاقة بين المؤمنين وبعضهم البعض حتى يتجردوا من روابط العشيرة والأهل التي تقف أمامهم حائلا دون القيام بالقسط بين الناس ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ).

 

ثم انتقلت الآيات إلى الحديث عن الضالين الثلاثة أي من أهل الملل الثلاثة (الإسلام ، المسيحية ، اليهودية) (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (136) ، فبينت إشكالية المنافقين من أهل الكتاب مع الدعوة والدولة ، أي تحدثت بوجه خاص عن صور النفاق في هذه الملل ، فالمنافقون يعيشون بين أهل الإسلام يخادعون الناس ولا يخدعون إلا أنفسهم ، (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ، فكان جزاؤهم أنهم (فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) ، لكن رحمة الله أوسع فقد دعاهم للتوبة والإصلاح (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) .

 

وأما أهل الكتاب فعنيت بهم ، من خلال عرض نظرتهم المادية الخالية من التأمل في المعاني والمضامين ، فكما سألوا موسى رؤية الله جهرة سألوا محمد أن يأتيهم الكتاب جملة واحدة ، وليس ذلك بجديد منهم ، فقد كذبوا موسى فعبدوا العجل ، ورفضوا أخذ الكتاب إلا بالقوة والجبر ورفضوا الإذعان لأمر الله تعالى فعدوا في قصة السبت ، ونقضوا الميثاق (التوراة) ، وقتلوا الأنبياء وكفروا بالله ، فالنصارى ألهوا المسيح واليهود زعموا صلبه ، وأكلوا أموال الناس بالربا ظلما وبالباطل عدوانا ، فكان جزاؤهم أن حرمهم الله تعالى من الطيبات في الدنيا وأعد لهم العذاب في الآخرة .

 

وقد استدرك القرآن فاستثنى من الطائفة المذمومة من أهل الكتاب طائفة العلماء الراسخين في العلم منهم الذين أقاموا الدين وآمنوا بالآخرة ، فوعدهم بالأجر العظيم ، أولئك الذين اتبعوا سنن أنبياءهم من لدن الله نوح عليه السلام  والذين جاءوا من بعده ، رسلا أقام الله بهم الحجة على البشر .

 

 ثم عادت الآيات مرة أخرى لتعم الكافرين الصادين عن سبيل الله وتهددهم بعذاب جهنم جزاء  مغالاتهم في دينهم الله وتأليه المسيح ، وهو يتبرأ منهم في الآخرة ، وهكذا انتقلت الآيات تارة لتعرض صورة المؤمنين ثم تعرض لصورة الكافرين بما يحمل على عقد المقارنة بين الإيمان والكفر حتى تنتهي إلى توجيه الخطاب للناس جميعا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) ، فليس ثمة طريق للنجاة إلا سبيل المؤمنين الذين يستمسكون بدينهم دون إفراط ومغالاة كما فعل النصارى ،ولا تفريط مثلما فعل اليهود والمنافقين ، أولئك الذين اعتصموا بحبل الله تعالى وصراطه المستقيم .

 

ثم اختتمت السورة لتجيب على استفتاء الناس النبي r بشأن حقوق المستضعفين ، وهو من ينقطع عقبه أي ذريته ، فلا قريب له إلا من أخوته ، ولعل الخاتمة تأت من جنس المقدمة بطريق المشاكلة ، فمن العلماء من قال أن آية الكلالة هي دعوة بطريق التضمن لأمة محمد r ومن تبعه من أمة موسى وعيسى عليهما السلام  ليأخذ كل بنصيبه من هذه الرسالة المباركة يؤدي أمانة الدعوة كما أداها من قبلهم ، ودلالة هذا المعنى مستنبط من كون النبي r  كان يتيم الأب والأم ، ولم يكن له ولد يرثه ، والأنبياء لا يورثون دينارًا ولا درهمًا ،وإنما ورثوا العلم فمن ورثه أصاب حظ وافر ، أي أن ميراث النبي r هو لأمته جميعا ، وهو هذا الكتاب المبارك ليتدبروه ويعملوا به .

 

محاور سورة النساء

 

تمهيد:-. 1

مقدمة سورة النساء (الآية رقم 1) 14

المحور  الأول      (الآيات من 2-36 )

الضمان الاجتماعي في  نطاق الأسرة 17

 

المحور  الثاني     (الآيات من 37- 70 )

 تواصل الأجيال لتوارث أمانة "الدين" 210

 

المحور الثالث     (الآيات من (71-104)

 الجهاد مع ولاة الأمور لحماية المستضعفين في كل مكان  276

 

المحور الرابع        (الآيات من 105-136)

مقومات النظام الاجتماعي لدولة حديثة النشأة 366

 

المحور الخامس      (الآيات من 137-174 )

إشكالية المنافقين من أهل الكتاب مع الدعوة والدولة 449

 

خاتمة السورة  (الآية رقم 175) 507

خاتمة البحث.. 514


مقدمة سورة النساء

 

قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (1) النداء هنا والخطاب للناس كافة ، لينبههم إلى ما يلين قلوبهم للإسلام ، آمرا لهم بتقوى الله تعالى ، ويحضهم على عمل يجمع شتات قلوبهم وتفرق أفئدتهم ، وهو عمل لا يختلف عليه اثنان من البشر ، ألا وهو صلة الأرحام ، والمقصود صلة الأرحام بمعناه الواسع ، أي معناه الذي يشمل الناس أجمعين ، فقد احتج النبي r بهذه الآية في موطن الوعظ وهو يحض على رعاية ذوي الفاقة والحاجة ، وقد أهملهم الناس حتى أضحوا على هذا الحال .

 

 فعن عَنْ جَرِيرٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ r فِي صَدْرِ النَّهَارِ قَالَ فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوْ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ r لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنْ الْفَاقَةِ – أي الفقر والحاجة- فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا " وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ "اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ" تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ حَتَّى قَالَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ ، قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ r يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ )[7] .

 

 وهكذا تمعر وجه رسول الله r غضبا لما رأى بالناس من الفاقة ، وكذلك تهلل وجهه r لما رأى من تعاون الناس في البر ليسدوا حاجة إخوانهم ، بذلك يتحقق التضامن الاجتماعي الذي ينشده الإسلام وتتحقق صلة الأرحام بمفهومها القرآني الواسع ، وتتضح الصورة الحركية لهذا الدين بين الناس ، فيرون المسلمين لا يتركون الناس في حاجة  إلا وقد سدوها عنهم ، ولا في حرج إلا وقد رفعوه ، ولا في شدة إلا ويسروها عليهم .

 

وفي قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) اقتران النداء للناس بأداة الوصل (الَّذِي) ألمح  إلى معنى مخصوص من معاني التقوى ، فجملة الصلة ، تضمنت تذكيرا بأصل البشرية وأنها خلقت من رحم واحدة ومن أصل واحد ، هما آدم وحواء ، ومن هذا الأصل تناسلت الخلائق أجمعين ، قال رسول الله r (أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ) [8] ، وفي رواية (كلكم لآدم وآدم من تراب)[9] ، (كلكم لآدم وحواء)[10] ، (فلا يليق بمن أصله التراب النخوة والكبر)[11]أو التخاذل عن نصرة أقربائه لآدم وحواء .

 

وفي قوله سبحانه (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) تأكيد على السعة الرحم ، وأنها لا تقتصر على القرابات من الدرجة الأولى أو الثانية حتى الرابعة والخامسة ، وإنما ترتبط البشرية برحم واحدة "حواء" عليها السلام ، وأب واحد "آدم" ، وفي ذلك توطئة قوية الصلة بمحور السورة الرئيسي ، والذي يحض الناس على أن ترتبط سلوكياتهم بعباداتهم ، ليكون كلاهما _ العبادة والمعاملة _ نابعان من عقيدة إسلامية صحيحة ذات أثر عظيم على الأفراد والمجتمعات ، وبذلك تتحقق الترجمة العملية لهذا الدين في سلوك الناس وأخلاقهم ، أي بما يعكس أثر العقيدة السليمة والعبادة الصحيحة على تعامل المسلم مع الناس .

 

وقوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) يؤكد أن الإسلام ليست مجرد شعائر تعبدية بعيدة الصلة عن سلوكيات الناس وأخلاقهم ومعاملاتهم ، فالدين المعاملة ، وهذا واضح من الأثر الدلالي لحرف العطف (الواو) في قوله سبحانه (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ..) حيث عطف الأرحام على لفظ الجلالة (الله) ، للتأكيد على هذا المعنى ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى (أَنَا اللَّهُ وَأَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنْ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ) ، قال المناوي " حروف الرحم موجودة في اسم "الرحمن" فهما من أصل واحد وهو الرحمة" [12]، قال ابن حجر " والمعنى أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها فالقاطع لها منقطع من رحمة الله" [13]، وفيه إيماء إلى أنه "يتعين على المؤمن التخلق بأخلاق الله تعالى والتعلق بأسمائه وصفاته الرحمن "أي التي تتعدى للبشر [14]

وذكر (الْأَرْحَامَ) بصيغة الجمع يدل على أنها ليست رحما واحدة ، وإنها هي أرحام وكلها موصولة بالأبوين آدم وحواء ، من هنا نعلم أن البشرية كلها متصلة بتلك الرحم ، فلكل واحد على أخيه حق الصلة والرحم ، سواء أكان مسلما وغير مسلم ، أعربي أم أجنبي ، كل بحسب درجة الرحم وقربها ، ومن يقطع هذه الصلة ولو بدرجة معينة يعد قاطع للرحم  ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ مَهْ قَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ قَالَ أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَذَاكِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [15] .

قال المناوي (الرحم ضربان رحم قرابة وولادة ورحم إيمان وإسلام ، ورحم القرابة نوعان رحم يرث ورحم لا يرث ، ورحم تجب نفقته بالحكم كالأصول والفروع ورحم لا تجب نفقته بالحكم كالحواشي بل بالصلة والإحسان ، والصلة تكون بالمال وتكون بالزيارة والإحسان وبالصفح في الأقوال وبالعون في الأفعال وبالألفة بالمحبة والإجتماع وغير ذلك من معاني التواصل هذا في الدنيا ، وأما فيما بعد الموت فبالاستغفار لهم والدعاء ونحو ذلك ، ومن الصلة للرحمين تعليمهم ما يجهلون وتنبيههم على ما ينفعهم ويضرهم) [16] ، وقال القرطبي (الرحم التي توصل عامة وخاصة ، فالعامة رحم الدين وتجب مواصلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة ، وأما الرحم الخاصة فتزيد للنفقة على القريب وتفقد أحوالهم والتغافل عن زلاتهم وتتفاوت مراتب استحقاقهم)[17] .

 

وليس هناك أبرك من صلة الأرحام ، يقول رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ " [18]، (النسأ) التأخير (والمراد طول عمره المراد بالزيادة في العمر توسعة الرزق وصحة والبدن)[19].

 

 

[1] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 74 رقم 3668 وحسنه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 298 رقم 2967

[2] ) فيض القدير ج3 ص 27

[3] ) النهاية في غريب الأثر لابن الأثير ج1 ص 928

[4] ) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لابن علان ج2 ص 378

[5] ) رواه الترمذي ج4 ص 432 رقم 1107 وغيره وصححه الالباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج2 ص 131 رقم 632

[6] ) رواه أبو داود ج6 ص 142 رقم 1899

[7] ) رواه مسلم ج5 ص 198 رقم 1691

[8] ) رواه أبو داود ج13 ص 320 رقم 4452 وحسنه الألباني ج11 ص 116 رقم 5116

[9] ) مسند الربيع ج1 ص 170

[10] ) رواه البيهقي شعب الإيمان ج4 ص 288 رقم 5136

[11] ) عون المعبود ج14 ص 16

[12] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 520

[13] ) فتح الباري ج10 ص 418

[14] ) تحفة الأحوذي ج6 ص 29 عون المعبون ج5 ص 77 مرقاة المفاتيح ج14 ص 211

أي عدا الصفات التي لا يستأثر بها الله سبحانه وحده كصفة التكبر فليس لأحد أن يتكبر غير الله سبحانه في عليائه

[15] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 32 رقم 50 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 22

[16] ) فيض القدير ج2 ص 315

[17] ) الاتحافات السنية بالأحاديث القدسية ج1 ص 71 فتح الباري ج10 ص 418

[18] ) رواه البخاري ج7 ص 228 رقم 1925

[19] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص800

  • الاحد PM 12:22
    2025-12-21
  • 399
Powered by: GateGold