المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 325740
يتصفح الموقع حاليا : 237

البحث

البحث

عرض المادة

السلطة التشريعية لله وحده

يُردّدُ القرآنيون ناعين على المسلمين تحكيمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتخاذ سنته شرعاً (1) قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [سورة الأنعام 6: الآية 57 وسورة يوسف 12: الآية 40 والآية 67].

وينفون عنه أنهُ يُحرّمُ شيئاً أو يُحلِّله، وأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد عن الالتزام بما في القرآن الكريم مما حُلّلَ أو حُرّم، ويستشهدون بقوله عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة التحريم 66: الآية 1].

وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} [سورة الأحزاب 33: الآية 50] (2).

ويروق لهم أن يذكروا قوله تعالى عن المشركين: {وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ} [سورة الأنعام 6: الآية 140].

وقوله: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [سورة النحل 16: الآية 116].

ويحلو لهم أن يرددوا قوله تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [سورة الأنعام 6: الآية 50 وسورة يونس 10: الآية 15 وسورة الأحقاف 46: الآية 9].

والجواب على هذا من وجوه:

الأول: أما قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} فهو مُنتزَعٌ من ثلاث آيات:

أما الآية الأولى فهي ردٌّ على طلبِ الكفارِ الآياتِ منه صلى الله عليه وسلم، فذكر لهم أنّ الأمرَ بيد الله وحدَه، وليس المرادَ بحالٍ التحريمُ والتحليل.

قال تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} [سورة الأنعام 6: الآية 57 - 58].

وأما الآية الثانية فهي نصيحةٌ من سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام للسجينَين معه بتركِ عبادة الأوثان، ولا ذكرَ فيها لِحلالٍ أو حرام.

قال عزّ وجلّ: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة يوسف 12: الآيتان: 39 - 40].

وأما الآية الثالثة فهي بيانٌ من سيدنا يعقوبٍ عليه السلام لبنيه أنه لا يملك لهم شيئاً، ولا إيحاء فيها بحُرمة أو حلٍّ لشيءٍ أبداً.

قال جلّ وعلا: {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [سورة يوسف 12: الآية 67].

ثمّ إننا نجد أنّ الله تعالى قد نفى الإيمان عمن لم يُحكم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء 4: الآية 65].

وقال: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [سورة النور 24: الآيات: 48 - 52].

فالاحتكام إلى من لا يحكُمُ عبثُ وهراءٌ يُنزّهُ القرآن الكريم عنه، وهو يُثبِتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصّيّة الحكم.

فإن قال القرآنيون: المراد مجرّد القضاء والفصل في الخصومات دون استقلالٍ بالتشريع؛ كما هو حال القاضي العاديّ من الناس لا يحكم من عند نفسِه، بل بما بين يديه من الموادّ القانونية، بدليل قوله تعالى: {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء 4: الآية 65].

قلنا لهم:

هل منصب القضاء الدنيوي يتطلّب أن لا يجد المرءُ في نفسه تضايُقاً ما من حكم القاضي عليه بشيءٍ ما، وأن يُسلّم له تسليماً كاملاً (3)؟

وأين وجهُ الإيمان في الرضوخ لحُكم قاضٍ أيّاً كان في أمرٍ من أمور الدنيا، ومشكلاتِ الخلائق، وهل إذا قبل إنسان بحُكمِ قاضٍ في محكمةٍ ما يُؤجَرُ عليه.

فإن كان ذلك لمجرّد القضاء ولم يكن خصوصيةً للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لشاركه فيها كلُّ قاضٍ تصدّى للحُكم في قضايا العباد.

وأية خُصوصية ستكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُجرَّد ناقلٍ لحُكمٍ في القرآن؛ حتى يُؤكّدَ أمرُ الالتزام بقوله، والانقياد لِحُكمه بكلّ هذه المؤكدات في الآية الكريمة.

الوجه الثاني:

أما الاستشهاد بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة التحريم 66: الآية 1].

فدلالتُهُ واضحةٌ في أنّه صلى الله عليه وسلم حرّمَ ما حرّمَهُ ليُرضيَ بعضَ نسائه، وأنّ لم يُحرّمه تشريعاً.

ومَعاذَ الله أن يكونَ فيما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشركين ما تذكرون من قوله تعالى: {وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ} [سورة الأنعام 6: الآية 140].

وقوله: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [سورة النحل 16: الآية 116] ثم يسلُكَ سبيلهم، ولعلكم لا تنسَون أنّ سورتَي الأنعام والنحل مكّيتان، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده أزواج، بل زوجةٌ واحدة فحسب، وصارتِ الأزواج لديه في المدينة إذ نزلت سورة التحريم.

وإنّه صلى الله عليه وسلم حين حرّمَ على نفسِه لم يُحرّم ذلك تشريعاً لنفسِه.

بل إنه أقسمَ أن لا يأكل عسل المغافير، أو أن لا يدخل على إحدى زوجاته؛ فعوتِبَ على قسَمِهِ الذي فيه بَونٌ من القِسطِ المطلوب منه، فعل ذلك اجتهاداً بهدَفِ إرضاء بعضِ حلائله؛ فلا شاهِدَ لكم بهذه الآيات.

والذي ينسِفُ ما يراه أولئك من سلب رسول الله صلى الله عليه وسلم سلطة التحريم والتحليل أنّ الله تعالى قد نسبَ في صريح القرآن التحليلَ التحريمَ إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

قال الله تبارك وتعالى يصف المؤمنين: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة الأعراف 7: الآية 157].

ويقول آمِراً هؤلاء المؤمنين: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [سورة التوبة 9: الآية 29].

فأخبرونا أيها القرآنيون: ما المراد من الآيتين؟

إن زعمتُم أنه يُخبِرُ المؤمنين بما شرعه الله حلالاً وحراماً؛ فلا يصحُّ ـ لغةً ولا عقلاً ـ أن يُنسَبَ التحليل والتحريم إليه على سبيل الإفراد في الآية الأولى.

أو أن يُنسَبَ على سبيل الإشراك مع الله تعالى في الآية الثانية.

 

 


(1) سلف معنا من قبلُ في المطلب الأول من المبحث الثاني تصريح بعضِ القرآنيين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُشرّع، ولا يُحلل، ولا يحرم.
(2) يُنظَر: «موقع أهل القرآن»: مقال «لبس الذهب للرجال حلال» للمدعو علي عبد الجواد.
(www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php? main_id=2781)

(3) الكمال في الآية مستفاد من التوكيد بالمفعول المطلَق.

 

  • الخميس AM 07:18
    2022-05-26
  • 426
Powered by: GateGold