المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 325741
يتصفح الموقع حاليا : 227

البحث

البحث

عرض المادة

بذور منكري السنة (في تاريخ المسلمين القديم) - المعتزلة

المعتزلة (1):

لقد تفنَّن المعتزلةُ ـ بحسبِ اتباعِ كلٍّ من كُبرائهم لآرائه ونظراته ـ في ردّ ما يبلغهم من الأحاديث النبوية الثابتة التي جاوزت قنطرةَ الشكّ باجتماع شروط الصحّة المعتبرة فيها (2).

ولكن المعتزلة ـ وأؤكِّد على هذا ـ لم يُنكِروا السنةَ جملةً؛ بدليل روايتهم واحتجاجهم بما لا يُحصى من الأحاديث النبوية الشريفة.

فعلى سبيل المثال لا الحصر هذا هو كتاب القاضي عبد الجبار (3) «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ومباينتهم لسائر المختلفين» يعُجُّ بما يُصحِّحُه القاضي من الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم.

من ذلك على سبيل المثال أنه قال: وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تفكروا في نعماء الله، ولا تتفكرون (4) في الله» (5).


(1) ينظر:
«الملل والنحل» للشهرستاني ص 56 - 96، «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي ص 114 - 201، و «الفصل في الملل والنحل» لابن حزم 5/ 58 - 72.
(2) الناظرُ في علم مصطلح الحديث بتمعُّن يجدُ أن شروطَ الصحةِ الخمسةَ التي توطأ عليها المحدثون شروطٌ غيرُ نقلية، بل هي شروطٌ منطقية عقلية بحتة؛ يفرضها اتباعُ العقل الباحث عن التثبُّتِ من واقعةٍ كانت في الماضي الغابر.
(3) القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الأسدآبادي، شيخ المعتزلة، وكبار فقهاء الشافعية.
تولى القضاء في الري وهمدان وغيرهما. توفي سنة (415 هـ)
يُنظَر: «سير أعلام النبلاء» 17/ 244 - 245 الترجمة (150)، «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي 5/ 97 - 98 الترجمة (443).
وتُنظَرُ ترجمته قُبيل كتابه «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ومباينتهم لسائر المختلفين» للقاضي عبد الجبار المطبوعُ ثانيَ ثلاثة كتبٍ بعنوانٍ جامعٍ هو «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 121 - 127.
(4) كذا.
(5) «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ومباينتهم لسائر المختلفين» للقاضي عبد الجبار ضمن «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 140.
والحديث الذي ذكره صحيح المعنى، إلا أنه يُتوقَّفُ في صحته من جهة الإسناد.
أخرج الطبراني في «المعجم الأوسط» برقم (6319)، والبيهقي في «شعب الإيمان» برقم (119) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَفَكَّروا في آلاء الله، ولا تَفَكَّروا في الله»
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» برقم (260): فيه الوازع بن نافع وهو متروك.
وروى أبو نعيم في «حلية الأولياء» 6/ 75 - 76 عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقال: ما جمعكم؟ » فقالوا: اجتمعنا نذكر ربنا ونتفكر في عظمته، فقال: «تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله؛ فإن ربنا خلق ملكاً قدماه في الأرض السابعة السفلى ورأسه قد جاوز السماء العليا ما بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ست مئة عام وما بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ست مئة عام والخالق أعظم من المخلوق»؟
وقد قال العجلوني في «كشف الخفا» (1005) بعد أن ساق أحاديثَ: وأسانيدها ضعيفة، ولكن اجتماعها يكسبه قوة ومعناه صحيح، وفي «صحيح مسلم» [برقم (343)] عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلَقَ اللهُ الخلقَ، فمن خلَقَ اللهَ؟ فمن وجد ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله».
وقد نقصَ العجلوني في متن الحديث فزدتُه.

ثم صحّح في الصفحة التالية حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزّ وجلّ: «إني حرّمتُ الظلم على نفسي، وجعلته محرماً بينكم فلا تظالَموا، يا عبادي أنتم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوبَ ولا أبالي، فاستغفِروني أغفِرْ لكم» (1).

وهذا هو الجاحظ (2) إمام أهل الأدب الفذُّ، وإمامُ الفرقة «الجاحظية» من فرق المعتزلة (3) يروي آلافَ الأحاديثِ النبويةِ في كتبه التي طُبِعَ كثيرٌ منها.

ومن قرأ في كتابيه العظيمين «الحيوان» و «البيان والتبيين» وجدَهُ يذكرُ الكثير من الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك بغضِّ النظرِ عن كونه يروي دون أسانيد، وأنه يُصحِّحُ غير المعتبرِ عند حُفّاظ أهل السُّنّة، ويرُدُّ كثيراً من المعتَبَر لديهم.


(1) «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 141.
وأما الحديث فهو ـ ولم يأخذه القاضي عن هذه المصادر ـ مرويٌّ مطوَّلاً في «صحيح مسلم» برقم (6572)، وفي مواضعَ من «مسند أحمد» أولها برقم (21367) من حديث أبي ذرٍّ.
(2) عمرو بن بحر بن محبوب الليثي، أبو عثمان الجاحظ، كبير أئمة الأدب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة.
له تصانيف كثيرة، منها «الحيوان»، و «البيان والتبيين»، و «البخلاء»، و «المحاسن والأضداد»، وكثيرٌ غيرُها جُمعَ بعضُها في «رسائل الجاحظ». توفي في البصرة سنة (255 هـ).
يُنظر لترجمته: «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 275 - 277 ضمن الطبقة السابعة منهم.
ويُنظَر: «معجم الأدباء» 5/ 2101 - 2122 الترجمة (872).
(3) يُنظَرُ التعريفُ بالجاحظية وضلالاتِها في «الملل والنحل» ص 87 - 89، و «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي ص 175 - 178.

[المطلب الأول: رفض أحاديث رؤية الله تبارك وتعالى]

لقد تحققّ شبهُ إجماعٍ من المعتزلة على نفيِ رؤية الله تبارك وتعالى في الآخرة، وردِّ الأحاديث التي تُثبِتُ هذه الرؤية، وتأويلِ الآيات الواردة فيها.

حيث ذكر القاضي عبد الجبار أنّ المعتزلة أجمعوا على «أن أفعاله تدل عليه؛ لأنه لا يُرى ولا يُدرَكُ بالحواسّ» (1).

وها هو الجاحظُ يُجادلُ أصحابَ الرؤية بكلامٍ طويلٍ في فصلٍ من كتابه «الردّ على المشبّهة» بقول:

«ثم رجع الكلام إلى أول المسألة، حيث جعلنا القرآن بيننا قاضياً، واتخذناه حاكماً، فقلنا: قد رأينا اللهَ استعظَمَ الرؤيةَ استعظاماً شديداً، وغضبَ على من طلب ذلك وأراده، ثم عذّب عليه، وعجّب عبادَه ممن سأله ذلك، وحذّرهم أن يسلكوا سبيلَ الماضين، فقال في كتابه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} [سورة النساء 4: الآية 153].

فإن كان الله تعالى ـ في الحقيقة ـ يجوز أن يكون مرئياً، وببعض الحواسِّ مُدرَكاً، وكان ذلك عليه جائزاً، فالقوم إنما سألوا أمراً مُمكِناً، وقد طمعوا في مَطمَع، فلِمَ غضب هذا الغضب، واستعظم سؤالهم هذا الاستعظام، وضرب به هذا المثل، وجعله غاية في الجرأة وفي الاستخفاف بالربوبية ... ؟ » إلى آخر ما ذكر من المجادلة (2).

وقد نقل عُلماءِ العقائد والفرق إطباقَ السواد الأعظم من المعتزلة على نفيِ الرؤية، فقد قال الشهرستاني:

«واتفَقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه: جهة ومكاناً، وصورة وجسماً، وتحيُّزاً وانتقالاً، وزوالاً وتغيُّراً وتأثُّراً، وأوجَبوا تأويلَ الآياتِ المتشابهة فيها وسَمَّوْا هذا النمطَ: توحيداً» (3).


(1) «طبقات الاعتزال وفضل المعتزلة» ص 346.
(2) «كتاب المعلمين وكتاب في الرد على المشبهة»: فصول من كتاب في الرد على المشبهة: ص 117.
(3) «الملل والنحل» ص 57.

وقد ذُكرَ أنّ مما يجمع فرق المعتزلة أمورٌ، «ومنها قولهم باستحالة رؤية الله عزّ وجلّ بالأبصار، وزعموا أنه لا يرى نفسَهُ، ولا يراه غيره، واختلفوا فيه: هل هو راءٍ لِغيره أم لا؟ فأجازه قوم منهم، وأباه قومٌ آخرونَ منهم» (1).

المطلب الثاني: رفضُ بعض أعلام المعتزلة لبعض الأحاديث الشريفة:

وأما أفرادُ رجالات المعتزلة فقد وردَ أنّ عَمْرَو بنَ عُبَيدٍ (2) سمعَ حديثَ عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدِكُم يُجمَعُ في بطن أمه أربعين يوماً ... » الحديثَ (3).

فقال: لو سمعتُ الأعمشَ (4) يقول هذا لقلتُ له: كذبتَ، ولو سمعتُ زَيْد بن وَهْبٍ (5) يقول ذلك لقلتُ له: كذبتَ، ولو سمعتُ ابن مَسعُودٍ يقول ذلك ما قبلتُه، ولو سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك لرددتُه، ولو سمعتُ اللهَ يقول ذلك لقلتُ: ليس على هذا أخذتَ ميثاقنا (6).


(1) «الفرق بين الفِرَق» ص 114.
(2) عمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء، أبو عثمان البصري: شيخ المعتزلة في عصره، وأحد الزهاد المشهورين.
واشتهر بأخباره مع المنصور العباسي حتى قال المنصور: كلكم طالب صيد، غير عمرو بن عبيد. بل إنه رثاه، ولم يَرثِ خليفة مَن دونه سواه! له رسائلُ وخطب، ونُقلَتْ عنه أخبارٌ فيها بدعٌ كثيرة. توفي سنة (143 هـ).
يُنظر لترجمته: «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 242 - 248 ضمن الطبقة الرابعة منهم.
و«تهذيب الكمال» 22/ 123 - 135 الترجمة (4406)، «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» 5/ 329 - 334 الترجمة (6410).
(3) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (7454)، ومسلم في «صحيحه» برقم (6724)، وأحمد في «مسنده» برقم (3624).
(4) سليمان بن مهران الأسدي ولاءَ، الملقب بالأعمش تابعي ثقة. رأى أنس بن مالك وأبا بكرة الثقفي، أخرج له الجماعة، كان عالماً بالقرآن والحديث والفرائض، قال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش. توفي سنة (148 هـ).
يُنظر لترجمته: «تهذيب الكمال» للحافظ المزي 12/ 76 - 91 الترجمة (2570).
(5) زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي، تابعيٌّ ثقة، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إليه ولم يدركه حديث عن كثيرٍ من الصحابة. روى له الجماعة. توفي سنة (96 هـ).
يُنظر لترجمته: «تهذيب الكمال» للحافظ المزي 10/ 111 - 114 الترجمة (2131).
(6) «تهذيب الكمال» للحافظ المزي 22/ 129، «ميزان الاعتدال» للذهبي 5/ 333.

وقد رُويَ ردُّ القاضي عبد الجبار: «خلقَ اللهُ آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ... » الحديث (1).

بزعم أنّ مثلَ هذه الأخبار لا يجوزُ التصديقُ بها إذا كانت مخالفةً للأدلة القاطعة (2).

فإذا سألنا: ما هي الأدلة القاطعة التي يعنيها المعتزلة؟

فإن الجوابَ هو: إنها الأنظارُ العقلية الخاصّةُ بهم؛ بدليل أنّ النظّام (3) صرّح بأنه يرى «أنّ جهةَ العقلِ تنسخ الأخبار» (4).


(1) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (6227)، ومسلمٌ في «صحيحه» برقم (7163)، وأحمد في «مسنده» برقم (8171) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
مع لزوم التفطُّن إلى أنّ القاضيَ عبدَ الجبارِ أتهاُ الحديثُ من طُرُقٍ أُخرى، وهو لم يتناوله من أيٍّ من الصحيحين، وبذلك يُردُّ من يشغّبون على الإمام البخاري وغيره من الحفاظ بفرية أنهم افتَرَوا الكثير والكثير من الأحاديث.
{سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [سورة الزخرف 43: الآية 19].
(2) «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 151.
(3) إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو إسحاق النظام، إمام النظامية من المعتزلة، تبحر في علوم الفلسفة، وتفرد بآراء خاصة، وقد ألفت كتب خاصة للرد على النظام نُقلت عنه فيها العظائم، حتى اتهم بالزندقة وكان شاعرا أديبا بليغاً، توفي سنة (231 هـ).
يُنظر لترجمته: «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص 264 - 265 في الطبقة السادسة منهم.
«الوافي بالوفيات» 6/ 12 - 16 الترجمة (91).
(4) نقله عنه ابن قتيبة الدينوري في «تأويل مختلف الحديث» ص 32.

  • الخميس AM 06:50
    2022-05-26
  • 373
Powered by: GateGold