المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 422035
يتصفح الموقع حاليا : 116

البحث

البحث

عرض المادة

أهل السنة بين مطرقة الخوارج وسندان المرجئة

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجهاد في الله حق جهاده فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وأزواجه أمهات المؤمنين وسلم تسليماً كثيراً . وارض اللهم عن أصحابة الطاهرين واحشرنا معهم برحمتك يا كريم .

أما بعد .

فإن الناظر للواقع الذي نعيش فيه الآن يري مظاهر الردة في كل مكان

  • نسأل الله السلامة والعافية وحسن الخاتمة لنا ولجميع المسلمين
  • يري ويسمع من يسب الله ويسب دينه جهاراً نهاراً في كل وقت
  • يري من يشركون بالله ليل نهار من عبادة القبور الذين يصرفون العبادة التي هي حق لله مثل الدعاة والاستغاثة والاستعانة والنذر والذبح والطواف والخوف والرجاء والتوكل وغيرها من العبادات التي هي حق خالص لله وحده يصرفونها لأهل القبور والأضرحة والقباب بزعم التقرب إلي الله وابتغاء مرضاته بإتخاذ هؤلاء الأولياء وغيرهم شفعاء ووسائط بينهم وبين الله تماماً كما فعل المشركون الأوائل وكما حكي الله عنهم في القرآن الكريم في أكثر من موضع قولهم ""أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) " وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ  "(18)  مع إعتراف كفار  قريش وكفار زماننا أن الله هو النافع الضار المحي المميت  هو سبحانه خالق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم إلا أن الله كفرهم وأرسل لهم الرسول صلى الله عليه وسلم  يقاتلهم ويحاربهم من أجل أن  يعبدوه ويوحدوه ويصرفوا العبادة لله وحده سبحانه
  • وكذلك المتأمل في واقعنا الذي نعيش فيه اليوم يري الحكام والطواغيت الذين يحاربون دين الله ويبدلون دين الله ويشرعون من دون الله تشريعات باطلة فاسدة جرت الويلات والدمار والخراب علي البلاد والعباد
  • ويري المحاكم الوضعية بقوانينها الكفرية المحادة لله ورسوله في كل مكان تطارد الموحدين وتلزم الناس بالتحاكم إليها ومعاقبة كل من يخالفها
  • ويري العلمانية والديمقراطية ذلك النظام الطاغوتي الكافر وقد اعتنقها كثير ممن ينتسبون إلي الإسلام واتخذوها ديناً لهم يدافعون عنها
  • ويري جنود الطواغيت وأنصارهم وأعوانهم وهم يستهزئون بدين الله وبسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ليل نهار ليصدوهم عن الإلتزام الحق بهذا الدين الحق دين الإسلام
  • ويري موالاة اليهود والنصارى عباد الصليب ونصرتهم علي المسلمين وتمكينهم من بلاد الإسلام ومساعدتهم علي احتلالها وغزوها
  • يري الشرك والكفر بالله العظيم من إقامة الأصنام والأوثان التي تعبد من دون الله والقيام علي توسيعها وتزيينها وتشييدها وحراستها وحمايتها من قبل الطاغوت وأنصاره وجنوده وأصبحت هذه القبور والأضرحة والقباب والمقاصير وكذلك المحاكم الوضعية الكفرية التي تحارب دين رب البرية تحرس وتصان باسم القانون والدستور والمعتدي عليها خارج علي القانون
  • وكذلك المتأمل في الواقع يجد بيوت الدعارة وأوكار الزنا والخنا وصروح الربا والخمارات والبارات والغناء والموسيقى والسينما والأفلام والمسلسلات التي تدعوا إلي الرذيلة والفاحشة والفساد  والإستهزاء بالدين وأهله وإن كانت هذه معاصٍ دون الكفر لا يكفر صاحبها إلا بالإستحلال علي  مستوي الأفراد وبالتقنين والتشريع والحراسة والحماية علي مستوي الجماعات والحكومات المتأمل يري هذه المظاهر المفزعة المفجعة لكل مسلم صحيح الإسلام غيور علي دين الله يحترق قلبه علي ما أحل بالإسلام وأهله في هذا الزمان  وليس العجب من هذه المظاهر الكفرية والشركية فهي نتيجة طبيعية لغياب الشريعة وتعطيل حكم الله ومحاربة سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ولكن العجب من أناس ينتسبون إلي الإسلام ومنهم من ينشغل بالدعوة ويتصدر المجالس  ويعتلي المنابر وتجده مدافعاً شرساً عن هؤلاء المرتدين أو شيطاناً أخرس لا ينكر ولا يتكلم عن هذه الشركيات الظاهرة ومع هذا الشرك الظاهر الجلي المعلوم من دين الله بالضرورة الذي أرسل الله الرسل من أجل إبطاله وإزالته وسفكت دماء الصحابة والمجاهدين في سبيل الله من أجل التوحيد والقضاء علي الشرك حتى يعبد الله وحده لا شريك له في حكمه وفي أمره وفي ملكه ومع هذه الردة الصريحة إلا أنك تجد هؤلاء يحكمون بالإسلام لأهل الردة والشرك والكفر وكأن حكم الردة أسقط من عند هؤلاء في هذا الزمان ولا يوجد في الإسلام ردة ولا أحكاماً  للمرتدين وتجد هؤلاء يدافعون عن المشركين ويلتمسون لهم الأعذار والتأويلات الفاسدة من الكلام السمج الساذج التي تأباه الفطر السليمة والعقول الصحيحة والقلوب المستقيمة .

- فمن هؤلاء من يقول إن المسلم لا يكفر ولا يرتد ولا يخرج من الإسلام لأن لا إله  إلا الله عاصمة من الكفر ومهما فعل من الشرك والكفر فهو مسلم ([1] ) وقول لا إله إلا الله تكفر الشرك والكفر الأكبر والمسلم يقول لا إله إلا الله في كل يوم أكثر من مرة فمهما عمل من شرك ووقع في كفر فهو مسلم لا بأس عليه . 

- ومنهم من يقول إن الإيمان في القلب وهذه الأعمال الشركية والأقوال الكفرية هي عمل وليس هناك كفر إلا كفر القلب فمهما يأتي المسلم من أعمال الكفر والشرك ويسب الله ويستهزء بدين الله فهي كبائر دون الشرك المخرج أو هي كفر دون كفر لأن القلب لم يقصد[2]عمل الكفر ولا قول الكفر ونحن لم نشق عن قلبه لنعرف كفر أم لم يكفر فالأصل أنه مسلم وعندما يقول هو كافر أو هو يهودي أو نصراني وبدل دينه وملته ننظر في قلبه ونسأله أكفرت بالله أم لا فإن قال أنا مؤمن بالله وبدين الله وبعيسي أو موسي عليهماالسلام واليهودية هي الإسلام أو النصرانية هي الإسلام الصحيح وما عداها كفر وضلال وخرافه وتتطرف إن قال ذلك  فهو كافر لأن ذلك دلالة علي كفر قلبه وليست هذه الأعمال كفر بذاتها

- ومنهم من يقول نعم إن الفعل الذي فعله شرك وكفر أكبر مخرج من الملة لكنه لا يكفر به ولا يسمي مشركاً لجهله وعدم علمه وإن كان الشرك ظاهراً جلياً وإن مات علي هذا الشرك الأكبر مات مسلماً تجري عليه أحكام الإسلام كاملة لأنه لم تبلغه الرسالة ولم يعلم أن هذا شرك ظاهر جلي وإن كان يعيش بين المسلمين وفي بلاد المسلمين وإن سمع من الدعاة والمشايخ والإخوة أن هذا شرك أكبر إلا أنه جاهل ملبس عليه من مشايخ الضلال والصوفية وغيرهم وإن كانت القنوات الفضائية دخلت كل بيت في الأرض وحجة الله قائمة علي العباد والرسول بلغ الدين أحسن بلاغ وإن كان الصراع بين الإسلام والكفر في كل مكان ويعلمه الصغير والكبير ومع كل ذلك فهذا المشرك لا يكفر ولا يسمى مشركاً وربما تستغرب أيها الموحد هذا الكلام وتستنكره وتستبعد أن يصدر من مسلم عاقل فضلاً علي أن يصدر هذا العبث وهذا الخبل من داعية ينتسب إلي العلم والدعوة .

بل لا يقبله الصبيان والعربان وعوام أهل التوحيد لفساده وتناقضه ومعارضته لأصول الإسلام وأساس دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام .

فإن قلت لهؤلاء إن قولكم باطل ولا يصح لأنه يهدم الإسلام ويلزم منه ولا بد إن طردتم أصله وقلتم به في كل من اتحد في العلة وهي الجهل وعدم العلم بالتوحيد ومعرفة الشرك يلزمكم لوازم باطلة منها:

إعذار اليهود والنصارى وعدم تكفيرهم وتسميتهم مشركين لأن العلة هي الجهل وعدم العلم وليس الإعراض لأن لهم قساوسة ورهبان وكنائس يتعلمون فيها دينهم على أنه الحق وما سواه باطل ويأتون عليهم بشبهات وتلبيسات وأقوال تثبت أنهم علي الحق فإن قلتم إن علماء اليهود والنصارى والمجوس وسائر المشركين كفار لعلمهم أما الأتباع وعوام اليهود والنصارى ورعاع الناس ليسوا بكفار لأنهم جهال وملبس عليهم من قبل القساوسة والرهبان فقد خالفتم إجماع المسلمين وكفرتم بالله العظيم

 ويلزم علي قولكم بالعذر بالجهل وعدم تكفير المسلم الواقع في الشرك الأكبر الظاهر الجلي لجهله وعدم علمه مع أنه يعيش بين المسلمين وفي بلادهم يلزمكم إعذار أهل الفترات وأبوي النبي صلي الله عليه وسلم لأنهم جهال ولم يبعث فيهم رسول ؟ فإن قلتم بل كانت فيهم بقية دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهم مشركون لأنهم كان فيهم خمسة حنفاء علي ملة إبراهيم فقطع الله عذرهم بهؤلاء الذين كانوا فيهم ؟

قلنا هذا عليكم إن كنتم تعقلون ؟ فإذا كان الله لم يعذر هؤلاء المشركون وقطع عذرهم ببقية دعوة إبراهيم ووجود خمسة حنفاء فأيهما أولي بالعذر يا أهل الدعوة .؟ قوم لم يبعث فيهم رسول بل فيهم بقية من دين وحنفاء خمسة لم يشركوا بالله شيئاً .أم قوم بعث فيهم رسول وبلغ الرسالة أفضل بلاغ وقام بالدعوة إلي التوحيد خير قيام والقرءان يتلى في كل مكان ودعاة التوحيد داخل كل بيت وفي كل طريق فإن قلتم بأن أهل الفترة مسلمين فقد خالفتم إجماع المسلمين وكفرتم بالله العظيم

ويلزم من قولكم بإعذار المشركين مرتكبي الشرك الأكبر والكفر الأكبر يلزمكم إعذار جهلة المنافقين وعوامهم وهذا خلاف إجماع السلف

 ويلزمكم إعذار كل من أنكر ربوبية الله جهلاً وكذلك إعذار الشيعيون الذين ينكرون وجود الله جهلاً أو تأويلاً ومكابرة وهذا والله من أبطل الباطل وأقبح الفحش أن يصدر مثل هذا الكلام من مسلم يتصدر الدعوة فإذا كان عدم تكفيركم للمسلم المتلبس بالشرك الأكبر هو الجهل وعدم العلم فهذا الجهل هو السبب في كفر اليهود والنصارى وكفار قريش وأهل الحلول والإتحاد والقدرية والجهمية فلماذا فرقتم بين جهل وجهل وبأي دليل من القرآن والسنة والله لم يفرق بينهما ؟؟

بل يلزم من قولكم الفاسد هذا أن الحجة لم تقم علي أحد من هذه الأمة لا بالرسول ولا بالقرآن ولا حصل البلاغ وسيأتي رسول آخر وقرآن آخر يفهمه الناس ويبلغه الرسول إلي كل أحد بعينه في بيته ويقيم عليه الحجة  حتى يسمعه ويفهمه فإن بلغه ولم يفهمه فما قامت عليه الحجة ؟؟؟

  بل منهم من يقول هناك فرق بين اليهود والنصارى وبين المسلم الذي يعيش في بلاد المسلمين وبين المسلمين ويقوم بشعائر الإسلام ومتمكن من العلم قادر علي رفع الجهل عنه غير عاجز ولكنه عمل أعمال الشرك الأكبر  ووقع في النواقض المكفرة المتفق علي خروج صاحبها من الإسلام ومات  هذا المسلم علي شركه الأكبر مات علي نواقضة المكفرة المخرجة من الملة فهو مسلم باقٍ علي إسلامه تجري عليه أحكام الإسلام كاملة وهذه الأعمال الشركية والنواقض الكفرية نعترف أنها مكفرات ونواقض لكنها لا تبطل إسلامه ونحن لم نتمكن من سؤاله قبل أن يموت أجاهل هو بهذه النواقض والمكفرات ؟ أيعلم أن الذي مات عليه شرك  وكفر أم يجهل ؟ أيعتقد بقلبه هذا الكفر وأراده وانشرح قلبه به أم لا .؟        أي والله يقول هذا الكلام بعض دعاة هذا الزمان ويقلدهم بعض عوام المسلمين الذين لا يهتمون بطلب العلم وفيهم أطباء ومهندسين وأساتذة جامعة بل ويدعون إلي هذا الضلال عبر الفضائيات ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل .

 إذا كان مرتكب الشرك الأكبر والكفر الأكبر الظاهر الجلي وهو يعيش بين المسلمين وفي بلاد المسلمين لا يكفر ولا يسمى مشركاً وإن مات علي شركه وكفره تجري عليه أحكام المسلمين, إذا كان هذا كذلك فما هو الشرك الذي حذرنا الله منه وأرسل جميع الرسل  لينذروا أقوامهم ويحذرونهم من الوقوع فيه ؟      

إذا كان مصير هذا الجنة لأنه مسلم عند القوم فمن هو المشرك الكافر الذي يدخل النار أم لا يدخل النار إلا المعاند والمكابر كإبليس وفرعون ؟                      

 ما هو الشرك الذي قال الله فيه  وفي من مات عليه "{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً }النساء48

 وما هو الشرك الذي قال الله فيه " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72المائدة  72   

وقال تعالى {حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ }الحج31

 ما هو الشرك الذي قال الله لصاحبه{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً }النساء116

ما هو الشرك الذي حذر الله فيه جميع الرسل فقال لهم "{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }الزمر65                      

  ما هو الشرك الذي يحبط العمل كله{وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأنعام88 حتى رسول الله صلي الله عليه وسلم (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ )                          

 ما هو هذا الشرك وما هي حقيقته حتى يقول فيه الرسول صلي الله عليه وسلم في صحيح مسلم في حديث الموجبتان " من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة "

ما هو هذا التوحيد الذي قال فيه الرسول صلي الله عليه وسلم " لا تدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة طيبة , وهي الموحدة ".  إذا كان الذي يموت علي الشرك الأكبر والكفر الأكبر مسلم ومآله إلي الجنة فما هو الفرق بين الشرك الأكبر والكبائر ؟ ياأيها الناس يا من تلبسون علي الأمة دينها اتقوا الله في دين محمد صلي الله عليه وسلم

 يا من تتصدرون المجالس وتعتلون المنابر علموا الناس التوحيد وحذروهم من الشرك وعلموهم الفرق بين الإسلام والكفر ؟

 إذا كان لهؤلاء عذر فما هو عذرك أنت أيها الداعية  في كتمان الحق ؟

 نقول لهؤلاء الدعاة ومن يقول بقولهم إنصروا الإسلام بالدعوة إلي التوحيد

 يا هذا فسر لنا كيف يرتكب المسلم الشرك الأكبر ويقع في النواقض المكفرة ويموت عليها ومع ذلك يسمى مسلما ولا تجري عليه أحكام الكفر والردة ؟

 هذا خبل وعبث وفساد وجهل قبيح بحقيقة الإسلام والكفر وعدم التفريق بين التوحيد والشرك والكبائر وهذا تناقض ظاهر يرده العقل والشرع

 أما العقل فيستحيل الجمع بين الكفر الأكبر والإسلام  في شخص واحد كما يستحيل  الجمع بين الليل والنهار  والنور والظلمات في وقت واحد فإما إسلام وإما كفر فالناس أحد رجلين إما مسلم مؤمن وإما كافر مشرك

كما قال الله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2))التغابن

 والمسلم هو الذي دخل في الإسلام والتزم الشرائع ومات علي هذا الإسلام ولم ينقضه بشرك أكبر أو ناقض مكفر قولي أو عملي أو إعتقادي

والكافر إما كافرا أصليا وهو الذي لم يدخل في الإسلام ابتداءً كاليهود والنصارى وغيرهم وإما كافرا مرتدا خرج من الإسلام بوقوعه في الشرك الأكبر وارتكابه ناقض من نواقض الإسلام المكفرة والإسلام يكون بالقول والعمل والإعتقاد  وكذلك الكفر يكون بالقول والعمل والإعتقاد والشك والترك

 يا إخواني هذه من المسلمات في دين الإسلام ألف باء توحيد هذه هي أولويات عقيدة أهل السنة والجماعة ولكن ما العمل إذا وجدنا من أبناء الإسلام من يناقشون ويجادلون في هذه الثوابت والأصول ولا أدري لمصلحة من ينشرون هذا الضلال  ويحكمون للكافر المشرك بالإسلام ؟

لو رأيت إنساناً يصلي وأثناء صلاته خرج منه ريح أو قطرة بول وأنت تسمع وتري ذلك , أتعتقد أن صلاة هذا الرجل الذي خرج منه الريح والبول صحيحة ولم تبطل بخروج الريح والبول وهو مازال عندك في صلاة ؟

 فإن قلت نعم لم تبطل صلاته بخروج الريح والبول ولا عبرة بما خرج منه , فقد خالفت إجماع المسلمين واتبعت غير سبيل المؤمنين وكفرت بالله العظيم

 وإن قلت صلاته بطلت وحبط عمله ولم تنفعه ولم تجز عنه ولم تصح منه وبطلت بخروج الريح والبول لأنه ارتكب ناقضاً من نواقض الوضوء ومبطلات الصلاة وهذا أمر بديهي مسلم به وأصل ثابت مجمع عليه .

فإذا كان الرجل تبطل صلاته بخروج قطرة بول صغيرة تنقض وضوءه فألا ينتقض إسلامه بإرتكاب مكفر وناقض من نواقض الإسلام ؟

  إن لم يرتد المسلم بإرتكاب الشرك الأكبر ووقوعه في النواقض المكفرة فبما تكون الردة؟ وبما يكون الكفر ؟ فإن قلتم لا يعاقب لأنه جاهل : قلنا لك دعك من عقوبته فنحن لا نتكلم في عقوبته من عدمها فإن العقوبة ليست لنا , ولكن ما هو أسٍمه الذي سماه الله به عندما وقع في الشرك وارتكب النواقض ؟ يسمى مشركا أم مسلما؟ أم في منزلة بينهما ؟

 والشرك الذي نقصده ونتكلم عنه في هذه الرسالة هو الشرك الأكبر والكفر الأكبر المخرج من الملة ولا يدخل فى حديثنا الشرك الأصغر أو الكبائر الغير مكفرة  التي هي دون الشرك .

ومعلوم أن الرجل إما مسلم وإما كافر كما أخبرنا الله بذلك والمسلم هو الذي مات لا يشرك بالله شيئاً وهو في الجنة حالاً  أو مآلاً إبتداءً أو إنتهاءً  والكافر هو الذى مات يشرك بالله شيئاً وهو فى النار خالداً فيها أبداً لا يخرج منها تصديقاً لقول الله تعالى " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72 المائدة  72

ومعلون أن المنافق يلحق بالكافر بل هو شر منه وهو فى الدرك الأسفل من النار ومعلوم أيضاً عند أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة- التى هى دون الشرك- مسلم ناج من الخلود فى النار وإن مات عليها فهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه بقدر ذنوبه وإن شاء غفر له ابتدأ وأدخله الجنة بفضل التوحيد ،لأن التوحيد ينجى من الخلود فى النار,وهذا من فضائل التوحيد

 إذا تقرر هذا فما هو اسم من وقع فى الشرك الأكبر والكفر الأكبر ومات عليه ؟ أيسمى مسلماً ويدخل الجنة مع المسلمين أم يسمى مشركاً ؟ أم مسلم مرتكب كبيرة من الكبائر أم نخترع له أسما ونقول هو مسلم مشرك الشرك الأكبر مسلم مرتكب الشرك الأكبر فهو مسلم بإسلامه وكافر بشركة!!! [3]      هل رأيتم مثل هذا الهوس وهذا الخبل وهذا العبث والتناقض ؟                   

 وقد قررنا قبل ذلك فى أكثر من موضع أن كل من وقع فى الشرك يسمى مشركاً لأن أحكام الدنيا تجرى على الظاهر من إسلام وكفر فمن أظهر لنا الإسلام حكمنا بإسلامه وقلنا أنه مسلم ، ومن أظهر لنا الشرك حكمنا بكفرة وقلنا أنه مشرك هذا هو أسمه الذى سماه الله به ولا يوجد له أسما أخر فى الإسلام لا فى القران ولا فى السنة ولا عند الصحابة ولا عند علماء المسلمين وستأتى الأدلة المستفيضة على ذلك إن شاء الله ولا يوجد لها معارض فمسألة الاسم مسألة وفاقية لاختلاف فيها عند أهل السنة والجماعة بل الإجماع على أن مرتكب الشرك يسمى مشركاً وأهل الفترة لا يسمون مسلمين بحال بل هم مشركين نقل هذا الإجماع ابن تيميه وابن سمحان وإسحاق بن عبد الرحمن وأفتت به اللجنة الدائمة وقال به كبار العلماء أن مرتكب الشرك يسمى مشركاً والأدلة من القرآن والسنة على ذلك وفاقية ليس لها معارض لا بدليل ولا بشبهة دليل وسيأتي كل ذلك إن شاء الله تعالى وبحوله وقرته ومعونته وتأييده وتوفيقه ونسأله سبحانه الرشد والسداد

.ولكن هؤلاء ظنوا أن كل كافر معاقب فقالوا إذا سميناه مشركاً حكمنا عليه بالعذاب فقالوا بالتلازم بين الاسم والعقوبة والصحيح أنه ليس كل مشرك معاقب وظنوا كذلك أن هناك تلازم بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة ولم يفرقوا بين حكم المعين فى حالة حضور الشريعة والقدرة عليه,وحكمه فى حالة غياب الشريعة وعدم القدرة عليه ،وأعملوا الحكم بالظاهر فى ثبوت الإسلام فقط دون الكفر وهذا منشأ الضلال والانحراف الذى أدى إلى هدم الدين وإسقاط أحكام الشريعة ولا تخفي الآثار السلبية التى تترتب على ذلك من انتشار الشرك والكفر والردة فى المجتمع والاستهانة بالدين وأهله وتطاول المنافقين والفسقة والفجرة من العلمانيين وغيرهم  على أهل الدين والدعوة وظهور الأفكار والمذاهب الهدامة فى المجتمع ومع تطاول العمر ومر السنين يصبح هذا الأمر هو الأصل الصحيح ، والتدين والالتزام هو الدخيل على المجتمع ، وأهله هم أهل الإرهاب والتطرف والرجعية والتخلف والأصولية والتشدد, والأشد والأقصى على الموحد هو ظهور جيل من الدعاة وطلبة العلم يمكن لهم فى الدعوة ويعتلون المنابر ثم لا يدعون إلى الإسلام الصحيح ولا يلتزمون أصل دعوة الرسل ولا يحققون مسألة الإيمان والكفر والتوحيد والشرك تحقيقاً علمياً سنياً سلفياً ويعتمدون على دعوتهم على الكتب والمطالعة ولا يرجعون إلى كبار العلماء لأنهم عند أنفسهم هم العلماء وهم الدعاة ومن هنا كان الخلل والاضطراب والتخبط فإذا ظن الإنسان أنه يصل إلى مرحلة لا يكون عندها بحاجة إلى العلماء فقد جهل نفسه

فلا بد من سؤال كبار العلماء ولا سيما فى أمور العقيدة والتوحيد وأصول الدين والإسلام والكفر لأن العقيدة لا تخذ من الكتب وحدها ولامن المطالعة وحدها فإن اعتمد الطالب على الكتب دون فهم العلماء فلن تزيده إلا اضطراباً وحيرة وشك وستتكاثر عليه الشبهات ولن يصل إلى الحق هذا إن لم يضل وينتكس لأن العقيدة لا تخذ إلا من العلماء  ودروس العلماء واستفسارات العلماء وتوضيحاتهم وتوجيهاتهم لأن هذا هو الطريق الوحيد الذى أرشدنا الله إليه ودلنا عليه ووجهنا نحوه بقوله سبحانه {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43 وكرر ذلك لأهميته فقال{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }الأنبياء7

أسألوا أهل العلم أهل التخصص أهل المعرفة والعلم المتحققين به حتى يسلم للمرء دينه وقد فصلنا ذلك مرارن فى البيان والإشهار " وأصول البحث والطلب فى التنبيهات فإن المرء لو قرأ ألاف الكتب لن يصل إلى الحق لأنه فقد المرشد الذى يرشده فقد الهادي الذى يهديه إلى الحق بأذن الله –فهناك إشكالات ترد أثناء القراءة وكلمات مبهمة مجملة محتملة وفتاوى عامه مطلقة حمالة أوجه فلابد من  عالم يوضح لك المجمل ويرشدك إلى المفصل ويبين لك العام من الخاص والمطلق من المقيد والناسخ من المنسوخ لا بد من العلماء العاملين الراسخين فى العلم الذين يعلمون المحكم من المتشابه وإلا سنظل فى هذه العشوائية وهذه الغثائيه التى لاتؤثر  فى الناس إلا بالسلب فانظر إلى الكم الهائل من الأشرطة المسجلة والرسائل والكتب المؤلفة والدروس والمحاضرات عبر الفضائيات كمٌ هائل من الدعاة وطلبة العلم  ولكن الأثر ضعيف جداً غير ملحوظ نعم هناك خير كثير والحمد لله وقد انتفع كثير من الناس بهذه الدعوة وإن لم يكن منها إلا وصول رسالة إلى الناس أن هناك دعاة وحجاب ونقاب ولحية فهذا خير والحمد لله ، ولكن نريد الأثر نريد الثمرة نريد الإلتزام الحقيقي بالإسلام والتحول الظاهر من حياة الجاهلية الخبيثة إلى حياة الإيمان الطيبة ولن يكون ذلك إلى بالدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك لن يكون ذلك إلا بالدعوة إلى أصل  دعوة الرسل لن يكون ذلك إلا باقتفاء أثار النبي صلى الله عليه وسلم فى الدعوة والتربية النبوية التى ربى الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة عليها  لا بد أن ندعو كما دعي النبي ونربى كما ربى النبي ونؤسس الدولة الإسلامية كما أسسها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بغير ذلك لن يكون البناء سليماً متيناً بل هو كما نرى التزام أجوف وانفصام نكد بين العلم والعمل بين القول والفعل والكل يعانى من ذلك حتى الدعاة أنفسهم يشكون من الإلتزام الأجوف والواحد منهم أصبح ريشة فى مهب الرياح يكثر التنقل من قول إلى قول ومن كتاب إلى كتاب والذي يقرره اليوم ينقضه بعد غد وهكذا حتى يضيع عمره فى ذلك نسأل الله السلامة والعافية وحسن الخاتمة

ربما يكون السبب فى عدم طرح الدعاة لمسألة التوحيد وعدم التفصيل فى مسألة الإيمان والكفر هو قوة القبضة الأمنية أو الخوف من الاعتقال والحرمان من الدعوة أو فهم الداعية أن المصلحة تكون فى عدم تفصيل مسألة التوحيد والشرك والإيمان والكفر وطرق هذه المسائل يفسد الدعوة ويجر عليها ويلات ويفتح عليها جبهات كثيرة وربما يخاف الداعية من طرق هذه المسائل حتى لا يتهم بالتشدد والغلو أو بالإرجاء والتفريط ولو ذهبنا إلى أبعد مدى حسن الظن بالدعاة –وهذا هو الواجب- إلا أننا لا بد وأن نجدد منهج الدعوة ولا يهمنا من كل ذلك إلا ما يرضى ربنا والسير على طريق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فى الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك وتكفير المشركين والبراءة منهم وعداوتهم وقتالهم مع القدرة والتمكن لا يهمنا إرضاء الناس ونختار من القول ما يعجب الناس حتى نستمر فى القناة الدعوية هذا باطل ويخالف منهج الدعوة فكل من دعا إلى مادعت إليه الأنبياء وسار على طريق الأنبياء سيصيبه مثل ما أصاب الأنبياء ولا بد وهذه ضريبة الدعوة ٍفليفهم الدعاة ذلك وليصبروا حتى يلقوا الله ثابتين على الحق ولايضرهم من خالفهم فالحق أحق أن يتبع والداعية أجير عند الله لاعند الناس فليحرص على رضا الله ولايلتفت للناس فقد اختلفوا على الله ورسله وهذه سنة الله الصراع بين الحق والباطل

نسأل الله الثبات وحسن الخاتمة 0

وصلى الله على نبينا محمد وعلى أله وصحبه وسلم

أبو سلمان

عبد الله بن محمد الغليفى (صابر مصطفى )

27شعبان 1433هـ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أهل السنة بين مطرقة الخوارج وسندان المرجئة

 

إن أهل السنة والجماعة وسط بين الإفراط والتفريط , بين غلو الخوارج ومن شابههم وبين إفراط المرجئة ومن شابههم وقال بقولهم وأهل السنة والجماعة هم الذين تمسكوا بالسنة واجتمعوا عليها ولهم خصائص ومميزات يُعرفون بها بين أهل الفرق والطوائف ومن أهم ما يميزهم منهج الاستدلال ومصادره وقواعده التى يتمسكون بها ولا يحيدون عنها وهى القرآن والسنة بفهم الصحابة فمصادر الاستدلال عندهم أيه محكمة من كتاب الله, وحديث صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سالم من المعارضة, وفهم الصحابة رضى الله عنهم للقرآن والسنة وفهم الصحابة مقدم على فهم غيرهم وإجماعهم مقدم على إجماع غيرهم[4]

هذا الأصل العظيم من أصول أهل السنة والجماعة مع وضوحه ومع إدعاء الكثيرين أنهم عليه ومتمسكون به إلا أنه فى الواقع وعند التطبيق العملي تجد العجب العجاب من الهوى والزيغ والضلال والانحراف عن هذا الأصل وعند تحديد المسألة المتنازع عليها وتحقيق قول الصحابة فيها فعندما نقول للمخالف هل قال الصحابة بما تقول هل قال بعض الصحابة بمثل قولك عندها يحيد عن هذا الأصل ويأتي يقول متشابه من أقوال العلماء وتجده يعتمد على العبارات المطلقة والكلمات العامة ويعتبرها دليلاً يعارض الأصل الذى أقر به وأدعى الانتساب إليه وهذه آفة من أفات الدعاة وبعض طلبة العلم فى هذا العصر وفى الحقيقة أن سبب هذه الظاهرة هو التعالم والتصدر قبل التمكن والبعد عن كبار العلماء فى تلقى العلم والطلب وأهل السنة فى هذه الحالة غرباء وهم بين مطرقة الغلو وشدتهم وبين سندان المرجئة وتفريطهم وكلاهما يتنازعون أهل السنة ليكسبوهم فى صفهم ويلزمونهم بقولهم ومنهجهم والداعية الحق لا يبقى فى مثل هذه الحيرة لأنه لا يهتم بإرضاء الناس بل يصدع بالحق غير هياب ولا وجل همه إرضاء الله عز وجل وحده سبحانه فإذا تكلم عن الإيمان والكفر والتوحيد والشرك وجدت أهل الغلو فى التكفير والتوقف والتبين وغيرهم يحملون الكلام على منهجهم الفاسد ويشيعون عنا أننا نكفر بالعموم ونقول بعدم العذر بالجهل بإطلاق وليس هناك عذر مطلقاً وأننا نكفر كل من دخل البرلمانات من الإخوان وغيرهم من الإسلاميين وأننا نقول بكفر الجيش ولا نفرق بين المجند المكره وبين المتطوع الراضي ويلزمونك بتكفير علماء أهل السنة لأنهم أعضاء فى اللجنة الدائمة وهيئة كبار العلماء أو أنهم يخالفون منهج بعض المجاهدين ويختلفون معهم فإن خالفناهم فى هذه المسألة وفصلنا القول فيها على وفق عقيدة أهل السنة والجماعة بالإنصاف والعدل وقلنا لهم إن

أهل السنة لا يكفرون بالشبهة ولا بالتأويل ولا بالظن ولا بالاحتمال

ويفرقون بين الولاءات المكفرة الولاءات  الغير مكفرة

وأهل السنة يفرقون بين التكفير المطلق بالعموم وبين تكفير المعين

 وإذا قلنا لهم إن أهل السنة لا يقدسون العلماء ويأخذون الحق ممن قاله ويحفظون للعلماء احترامهم وتقديرهم ويلتمسون لهم الأعذار إذا قلنا لهم إن أهل السنة لا يكفرون إلا بمكفر ظاهر جلي ولا يكفرون إلا من كفره الله ورسوله

 إذا فصلنا لهم القول وحققنا [5] لهم العلم فى هذه المسألة قالوا مرجئ متخاذل منتكس ضل طريق الحق مدافع عن الطواغيت وعلماء السلطة ,بل وكفرنا بعضهم لأننا خالفناهم فى هذه المسألة ولم نوافقهم على تكفير الإخوان وعلى تكفير كبار العلماء أمثال سماحة الشيخ ابن باز والشيخ إبن عثيمين –رحمهما الله تعالى وغفر لهما والشيخ بن جبرين والشيخ الفوزان حفظهما الله تعالى وقالوا كيف لا تكفر الكافر فمن لم يكفر الكافر فهو كافر وهذا جهل قبيح بالشرع وتعالم فاضح إذ أنهم لا يفرقون بين الكافر الأصلي أو الكافر المرتد التى  ثبتت ردته بيقين ،وبين المتأول بشبهة المخالف بدليل وإن كان مرجوحا لذلك فأهل السنة لا يكفرون من خالفهم فى مسألة الحاكمية ومسألة العذر ومسألة خروج الأعمال من الإيمان والسلف لم يكفروا المرجئة ولا الخوارج ولا الأشاعرة ولا أصحاب المقالات الخفية ولا أصحاب التأويل السائغ ,وهؤلاء الغلاة يريدون منا أن نكفر العلماء ومرجئة العصر مخالفين بذلك القاعدة الشرعية التى تقول( الإسلام الصريح لا ينقضه إلا الكفر الصريح ومن أسلم بيقين لا يخرج منه إلا بكفر يقين وجلي فالظن لا يقاوم اليقين والمتشابه لا يقاوم المحكم والمرجوح لا يقاوم الراجح والمفهوم لا يقاوم المنطوق) وهذه قاعدة هامه لو أهملناها لكفرنا هؤلاء الغلاة لأن فيهم من يعمل فى المحاماة ويدخل المحاكم ويترافع أمام القضاة الذين لا يحكمون بالشرع وفيهم من يدرس فى كلية الحقوق ويتعامل بقانون المرور ويدخل إلى المحاكم الوضعية والخلل عندهم في عدم التفريق بين الحكم والشريعة والتدرج في التطبيق اللبس عندهم في مفهوم تطبيق الشريعة وأصل الالتزام بها ولو درسوا كتب السياسة الشرعية  للجوينى والخطابى والماوردى وأبى يعلى وبن تيمية وبن القيم لعلموا الحق ولعلموا (أنه في حياة النبى صلى الله عليه وسلم لم تكتمل الشريعة إلا قبل موته بأيام قليلة وكانت الأحكام تنزل بحسب الأسباب والظروف وثَم أحكام لم يعمل بها لفوات شروطها أو لقيام الموانع مما يدل على التدرج ومراعاة عدم الإنقلاب على الشريعة وهذا يؤكد أن تطبيق الشريعة يعنى مراعاة القواعد الشرعية والمصالح الظنية التى بنيت عليها تفاصيل النصوص  والنظر في كيفية إنفاذ هذا الحكم على الواقع والعقوبات المناسبة للمتجاوزين  )

 فمع هذا الطرق القوى من مطرقة الخوارج على أهل السنة نرى أن الجهل وفهم النصوص على غير فهم الصحابة والتشدد وسوء الظن بالمسلمين والتكفير بالتأويل والاحتمال  كل هذه الأمور أدت إلى هذه العقيدة الفاسدة الضالة المنحرفة عن طريق الحق والاستقامة طريق أهل السنة والجماعة

 وأهل الغلو يغلب عليهم الجهل عكس أهل التفريط من المرجئة فإنه يغلب عليهم التعصب والزيغ والهوى والكذب  هذا هو حال أهل السنة مع أهل الغلو فى التكفير

 وسنبين إن شاء الله تعالى و بحوله وقوته فى معرض الرد على أهل الغلو فى التكفير المسائل التى خالفوا فيها أهل السنة وكفروهم وبدعوهم وضللوهم بها ,وإن كان أهل الغلو لهم سلف فى تكفيرهم لأهل السنة ,إلا أننا لانذكر إلا المسائل المعاصرة التى كفر بها أهل الغلو أهل السنة فى زماننا وهى تتلخص فى المسائل التالية :

  • فهمهم لقاعدة من لم يكفر الكافر أو شك فى كفره أو صحح مذهبه فهو كافر.
  • تكفيرهم بالتأويل والشك والظن والاحتمال والمقالات الخفية قبل إقامة الحجة.
  • تكفيرهم للمخالف لهم فى المسائل الاجتهادية بالشبهات والتأويل واللازم.
  • تكفيرهم لكل من خالف الشريعة وعدم تفريقهم بين الأحكام الأصلية والقواعد الكلية للإسلام وبين الشريعة وأحكامها التفصيلية ولم ينظروا إلى العجز والإضطرار والتدرج مراعاة للواقع والمناط

ومن أشهر المسائل التى خالف فيها أهل الغلو ,أهل السنة وكفروهم بها

  • مسألة الحاكمية فمن لم يكفر الحاكم فهو كافر ومن لم يكفر الكافر فهو كافر,وتفرع من هذه المسألة تكفيرهم للإخوان وبعض الدعاة  العاملين للإسلام الذين يرشحون أنفسهم للمجالس النيابية من أجل التغيير وتحكيم الشريعة دون تفريق ولا تفصيل .
  • مسألة تكفيرهم للدعاة المخالفين لهم فى قضية الحاكمية والعذر بالجهل.
  • مسألة تكفيرهم لزوجات وأولاد أنصار الطواغيت بالظن واللازم.
  • مسألة تكفيرهم لكبار العلماء الذين يعملون فى الدولة كمفتين أو قضاة أو فى هيئة كبار العلماء أو اللجنة الدائمة والمؤسسات العلمية الدعوية .
  • توقفهم فى من ظهرت منه دلالات الإسلام الظاهرة مثل الصلاة والحج والآذان والإقامة بشبهة أهل التوقف والتبين وأن الأصل فى الناس الكفر.

       هذه من أشهر المسائل عند أهل الغلو فى التكفير والذين كفروا بها أهل السنة والجماعة ,وهو منتشرة الآن فى عصرنا بشدة من بعض أهل الأهواء والبدع ,وسنرد عليها بالتفصيل إن شاء الله تعالى وسنبين بحول الله وقوته ضلال أهل الغلو وانحرافهم عن منهج القرآن والسنة ومخالفة فهمهم لفهم الصحابة رضى الله عنهم ,وهدفنا من ذلك براءة أهل السنة من بدع الخوارج والإرجاء ,والدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة ,وحتى تبقى عقيدة  التوحيد والدعوة والجهاد بيضاء نقية خالية من شوائب أهل الأهواء والبدع والافتراق ,والله يقول الحق وهو يهدى السبيل ,وهو حسبنا ونعم الوكيل,واليك أولا الرد على أهل الغلو.

حال أهل السنة مع الخوارج وأهل الغلو

الرد على الخوارج وأهل الغلو

الأدلة على بطلان مذهب الخوارج وأهل الغلو في التكفير في عدم الاعتبار بالدلالات الظاهرة على ثبوت عقد الإسلام للمعين

القرآن الكريم:

وسنذكر محل الشاهد من الآيات:

قال تعالى في سورة الإسراء : " وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ " فالعلم الذي كلفنا الله به هو الظاهر ، والباطن يعلمه الله ، فبأي دليل من القرآن والسنة أو الإجماع فهمت أن الدلالات الظاهرة للإسلام غير كافية في إبطال المعتقدات الفاسدة ؟ هل رأيت عليه كفرًا ؟ هل ظهرت منه ردة؟ من أين عرفت أن عنده معتقدات باطلة وهي باطن؟ فإن قلت : أنه لم يتبرأ من الكفر والطاغوت ، وظننت أن وجوده في المجتمع الذي ينتشر فيه الشرك دليل على كفره فهذا ظن أبطله وقطعه ظهور الإسلام فيه ، ثم عدم ارتكابه مكفر ولا ناقض دليل على ثبوت عقد الإسلام له ، والظن لا يبطل اليقين.

قول الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً "[6] فجعل الله مجرد إلقاء تحية السلام دلالة معتبرة على ثبوت عقد الإسلام في الظاهر ، مع العلم أن ذلك الرجل كان مجهولاً لا يعرفون حاله أهو مشرك أو كافر أصلي ، ومع ذلك عاتبهم الله عز وجل لأنهم تعدوا حدود الله ولم يقفوا حيث أوقفهم الله من الحكم على المعين بما ظهر منه وغير ذلك تعد وظلم.

قال الله تعالى : " فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ "[7] وقوله تعالى : " فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "[8] . فجعل الله التوبة من الشرك وإقامة الصلاة وأداء الزكاة سببًا في الكف عنهم  ، عن كل من أظهر ذلك بل وجعل ذلك في الآية الأخرى سببًا للإخوة في الدين وأثبتها الله تعالى لمن ظهرت منه هذه الثلاث.

فهل رأيت شركًا أو رأيت امتناعًا عن الصلاة وأداء الزكاة ممن ظهرت منه هذه الدلالات؟ أم أنك لا تعتبر بها أصلاً وتخالف القرآن والسنة والصحابة ؟ فبأي دليل توقفت في ثبوت عقد الإسلام لمن ظهر منه الإسلام ودلالاته ولم يظهر منه شرك ، والله تعالى جعل الصلاة دلالة واضحة محكمة على ثبوت عقد الإسلام في الظاهر ، فيجب التقيد بالنص وطرح التأويل والظن والاحتمال لأنه لا يسلم من ذلك أحد حتى أنت وجماعتك ولو عاملك الناس بما عاملتهم به لحكموا عليك بالكفر والردة.

قال تعالى في سورة المنافقين : " اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً " فدلت الآية على أن إظهار الإيمان عاصم من القتل مع ظهور النفاق لكن لم يثبت عليه الكفر بأدلة الثبوت الشرعية من الإقرار والشهود والبينة ، فكيف بمن ظهرت منه دلالة ، بل دلالات أقوى من الأيمان والحلف بالله كذبًا - هذا من باب أولى - وهو المانع من عدم قتلهم.(وللوقوف على عقيدة الخوارج وتاريخهم ينظر كتابنا (الكفر بالطاغوت بين غلو الخوارج وتفريط المرجئة )

السنة القولية:

قال صلى الله عليه وسلم" من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم " رواه البخاري من حديث أنس رضى الله عنه- نسأل الله أن يجنبنا وإياك الهوى والزيغ والضلال وأن لا يجعلنا ممن يتبعون المتشابه ، ونسأله سبحانه أن يطهر قلوبنا من الهوى والتعصب - فهل هناك أوضح كلامًا وأحسن بيانًا من كلام الله وبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والحديث لا يحتاج إلى تعليق ، والمسلم المتجرد يقف عند النص ويطرح التأويل الفاسد ، والإشكال أنك لم تعتبر بهذا الظاهر أصلاً الذي اعتبره الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا مع ظهور الشرك والكفر.

قول النبي صلى الله عليه وسلم  : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا ، واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرم علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " رواه البخاري مرفوعًا.

وهذا أوضح وأحكم من الذي قبله في ثبوت عقد الإسلام بقول الشهادتين والصلاة وجعلهما دلالة ظاهرة معتبرة لمن أتى بهما وظهرتا عليه ، فهذا حكم بالظاهر معتبر بدلالة الصلاة ، ثم قال  " إلا بحقها " : يعني من ظهرت منه دلالات الإسلام مثل الصلاة فهو المسلم ، ويظل على إسلامه ما لم يرتكب ناقضًا يخرجه من الإسلام ، وذلك فيه دلالة على اعتبار الظاهر لأن الأحكام تجري على الظاهر من إسلام وكفر وليس لنا إلا ذلك ، ثم قال  مبينًا ذلك : " وحسابهم على الله " الذي يعلم حقيقتهم الباطنة لأنه علام الغيوب أما نحن فليس لنا إلا الحكم بالظاهر وهذا الذي كلفنا الله به فيجب التقيد بالنص ومعاملة الصحابة للمنافقين خير دليل.

وأوضح من ذلك كله حديث اليهودي الذي قال للنبي  : أشهد أنك رسول الله ، ثم مات ولم يعمل بالإسلام ولم يصل لله ركعة ولا سجد لله سجدة ومع ذلك قال النبي  : " صلوا على صاحبكم الحمد لله الذي أنقذ بي نفسًا من النار" ولم يقل النبي  أن الإتيان بدلالات الإسلام الظاهرة غير كافٍ في بطلان عقائده الفاسدة ، لم يقل أنه قالها فرقًا من الموت أو احترامًا وإكرامًا للنبي  أو مجاملة له أو أي احتمال آخر من الاحتمالات التي لا تنتهي وتخرجنا عن التقيد بالنص إلى التأويلات الفاسدة المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة الذين لا يكفرون بالظن ولا بالشبهة ولا بالتأويل ويقولون : إن كل من ثبت له الإسلام بيقين لا يزول بالشك أو الظن المحتمل ، فالذي لا يعتبر بدلالات الإسلام الظاهرة التي اعتبرها الله U ولم يكلفنا إلا بها ، وكذلك النبي  اعتبر بدلالات الإسلام الظاهرة وثبوت عقد الإسلام لكل من أتى بها ، وحسابه على الله ولم يفهم الصحابة رضوان الله عليهم من نبيهم  غير ذلك ، وعملوا به وسار عليه كل من أتى بعدهم حتى القرون المفضلة مع ارتداد العرب وظهور الشرك فمن لا يعتبر بدلالات الإسلام الظاهرة مثل الصلاة والحج فهو متهم للنبي  بعدم الإحاطة بما يقول ، بعدم شمول قوله  للقرون الآتية من بعده ، وكذلك من لا يعتبر بدلالات الإسلام الظاهرة في ثبوت عقد الإسلام ولم يجعلها كافية ، متهم للصحابة رضى الله عنهم  وهذا فيه مدخل للعلمانيين للقول بأن الدين لا ينفع في هذا الزمان لأن الواقع تغير وكلام الرسول  كان في واقع معين مخصوص ولا كان يدري بما سيأتي من تطور أحوال الناس وكلامه وكلام أصحابه لا يتعدى عصر النبوة والخلافة الراشدة فقط والدين لا يصلح في هذا العصر ، وهذه ردة صريحة وكفر بالله وتكذيب بالقرآن والسنة وما عليه الصحابة وسلف الأمة ، وليس في ذلك دليلاً للمرجئة لأن الأحكام تبنى على الظاهر من إسلام وكفر على السواء. 

لا يخفى عليك حديث أسامة بن زيد  وعن أبيه - المتفق عليه - وليس فيه تفريق بين كافر وكافر ابتداءً ، بل اعتبار الظاهر هو الدليل المعتبر لإجراء الأحكام في الدنيا وهذا واضح في حديث الغلام اليهودي والأحاديث يوضح بعضها بعضًا فلو جمعنا حديث أسامة وحديث الغلام اليهودي لظهر بوضوح أن النبي  لم يسأله هل تخليت عن اعتقادك القديم في اليهودية أم لا ؟ وهل كفرت بالطاغوت أم لا وهل كفرت بالتوراة المحرفة وآمنت بالقرآن أو لا؟ وهل اعترفت بأني رسول الله إلى العالمين كافة وليس للعرب خاصة أو لا ؟ بل النص ورد بقول اليهودي : " أشهد أنك رسول الله " وهذا ظاهر كاف في ثبوت عقد الإسلام في أحكام الدنيا ابتداءً واستمرارًا وانتهاء ، فلو كان عاكفًا على الشرك والكفر فلا تقبل منه حتى يتخلى عن الشرك والكفر كما فعل النبي  مع وفد ثقيف حين ساوموه على ترك صنمهم مدة من الزمن حتى يدخل قومهم في الإسلام. فاعتبار الظاهر بدلالات الإسلام في ثبوت عقد الإسلام نص لا معارض له ، ويجب التقيد بالنص.

ولا يخفى عليك كذلك حديث المقداد - المتفق عليه - وهو نص في محل النزاع : قال يا رسول الله ! أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار - ( أي كفار مطلق الكفار ومعلوم أن النبي  كان يقاتل المشركين من العرب ويقاتل اليهود في المدينة ، ويقاتل النصارى في مؤتة وتبوك فقاتل  أنواع الكفار ولم يفرق في اعتبار الظاهر وانتبه إلى هذه الكلمة فإنها مجردة ومحتملة لأكثر من معنى ) - أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال   " لا تقتله " . ولم يقل  لا تقبل منه حتى تعلم أنه تخلى عن المعتقدات الباطلة أو لا، أو حتى تعلم أنه قالها هربًا من السيف أم لا ، فهذه دلالة ظاهرة على اعتبار ثبوت عقد الإسلام بالدلالات الظاهرة ابتداءً ووجوب الكف عنه والحكم له بالإسلام الظاهر ما لم يأتي بناقض ظاهر جلي حتى لو غلب على ظنك أنه قالها خوفًا من السيف ، حتى لو قاتلك وقطع يدك ثم قال لا إله إلا الله وجب الكف عنه ابتداءً وهذا واضح في حديث المقداد.

أما السنة العملية:

وهي الدلالات الظاهرة لشعائر الإسلام التي يثبت بها عقد الإسلام للمعين منها.

الصلاة وهي دلالة ظاهرة معتبرة لثبوت حكم الإسلام لمن أتى بها ابتدءًا لحديث أنس : " من صلى صلاتنا ". وحديث بريدة في السنن والمسند " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة " ولحديث جابر عند مسلم : " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " فالصلاة دلالة ظاهرة معتبرة عند أهل السنة في ثبوت عقد الإسلام للمعين في الدنيا.

الأذان والإقامة دلالتان ظاهرتان على ثبوت عقد الإسلام لمن أتى بهما " وكان النبي  لا يُغِيرُ على قوم إلا عند صلاة الفجر فإن سمع أذان أمسك وإلا أغار"  رواه مسلم عن أنس   ، وكذلك كان يفعل خالد بن الوليد بأمر خليفة رسول الله  الصديق الأكبر أبى بكر  وعن ابنته الصديقة الحِصَان الرزان حبيبة رسول الله  المبرأة من السماء أمّنا الطاهرة المطهرة عائشة - رضي الله عنها - ولعن الله من أبغضها ، فتأمل هذه الأحاديث العملية تجدها حجة قاطعة في ثبوت عقد الإسلام للمعين الذي ظهرت منه دلالات الإسلام مثل : الصلاة والأذان والإقامة ولم يتطرق إلى الاحتمال والظن والتأويل وهذا واضح في حديث الأذان مع أنه  ذهب للقتال ، ولكنه توقف عنده لدلالته الظاهرة على الإسلام مع أنه لم يراهم بل سمعهم والاحتمال وارد أنهم ربما أذنوا تقية أو هربًا من القتل لاحتمالات كثيرة والباب فيها واسع جدًا ، لكنه  أمسك حتى يتبين ظهور ناقض منهم فهو  وقف حيث أوقفه الله وهو الاعتبار بالظاهر ودلالاته وهذا ما كلفنا الله به التقيد بالنص والظاهر معتبر في الإسلام والكفر.

الحج فكل من نراه في الحج محرمًا بملابس الإحرام في المشاعر سواء في مِنى أو مزدلفة أو عرفات أو في الحرم من المحرمين الحجاج - الأصل فيهم الإسلام - ونعاملهم معاملة المسلمين لحديث الرجل الذي وقصته دابته فمات فأمر  أن يُغسَّل ويكفن ولا يُخمَّر وجهه ولا يمس طيبًا. والحديث متفق عليه من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - ومعلوم أن النبي  حج حجة واحدة قبل موته بقليل وحضر معه عدد كبير جدًا أكثر من مائة ألف مسلم وفيهم من الأعراب وغيرهم والمنافقين ولم يسأل عن الرجل ولم يتحرى عنه ولم يتوقف في إسلامه ، لأن الأحكام تجري على الظاهر والرجل ظهر منه إسلام ودلالته وهي الحج ، وكان من المحتمل أن يكون منافقًا أو أعرابيًا جاهلاً مشركًا لم يتمكن الإسلام منه ـ يحتمل كل ذلك ، والاحتمالات كثيرة جدًا ، لكن أهل السنة والجماعة يتقيدون بالنص ويطرحون التأويل وهذه دلالة ظاهرة على ثبوت حكم الإسلام ولا تحتمل التأويل والرد وهي محكمة قطعية.

حديث جارية معاوية بن الحكم في عتق جاريته فإن النبي  شهد لها بالظاهر ولم يسأل أهي مشركة أم من أهل الكتاب أم من المجوس ؟ فالحكم بالظاهر يثبت به عقد الإسلام والدلالات الظاهرة من القول والعمل محكمة في ذلك ، وكذلك حديث عبد الله بن رواحة في عتق جارية له ، وكذلك في المرأة السوداء ، فالحكم على الظاهر.

قوله  : " إني لم أؤمر أن أنقب في قلوب الناس ولا أشق بطونهم " رواه مسلم ، فأنت عندما ترى رجلًا - أي رجل - يصلي أو عليه ملابس الإحرام أو يؤذن ، ليس لك إلا أن تحكم له بالإسلام ابتداءً ، وتعامله معاملة المسلمين ابتداءً ، حتى يظهر عليه ناقض من نواقض الإسلام ، وحين صدور منه ناقض مكفر واضح جلي به يزول إسلامه ، أما إذا رأيت منه إسلام وظهرت عليه دلالات الإسلام كما مر معك من الأدلة ، فلا يجوز ذلك ، ولا يجوز لك أن لا تعتبر بهذه الدلالات الظاهرة ولك في رسول الله  أسوة وقدوة حسنة وقوله هو الحجة القاطعة.

فهذا الذي ظهرت منه دلالات الإسلام هو مسلم بكل ذلك ما لم يكن كفره من باب آخر ، كما تقدم فإن أهل السنة والجماعة يعتبرون بدلالات الإسلام الظاهرة ابتداءً وهذا يقين ، وكل من ثبت له الإسلام بيقين لا يزول بالشك أو الظن أو الاحتمال.

 

الإجماع:

 

 

وهو ما عليه الصحابة والتابعين والقرون الثلاثة المفضلة والأئمة الأربعة وشيوخ الإسلام وابن تيمية وابن عبد الوهاب ، وهذا ما تعلمناه من أئمة الدعوة واللجنة الدائمة وهيئة كبار العلماء ، وتلقينا هذا منهم وهو موجود مسطور في مؤلفاتهم بكثرة لمن طلب الحق وتجرد له بصدق وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( كل من توقف في مستور الحال الذي ظهرت عليه دلالات الإسلام الظاهرة فهو مبتدع ضال ، متوقف في مسلم ، وهو مخالف لإجماع المسلمين وهذا ما عليه الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة بالاتفاق ) وقد أمرنا الله تعالى برد المتشابه إلى المحكم وبرد المطلق إلى المقيد ، والعام إلى الخاص حتى يكون الدليل على فهم الصحابة ، وسالم من المعارض وحتى لا تكون ممن يتبعون المتشابه المطلق ويتركون المحكم ، نعوذ بالله من الزيغ والهوى ، وهذا ما عليه أئمة الدعوة الذين هم أعلم الناس بكلام جدهم شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب ، لأنهم تلقوا العلم مباشرة منه بدون واسطة وقد أمرنا الله بسؤال أهل الذكر المشهود لهم بالإمامة في الدين ، فهل قال أحد من الصحابة أو شيوخ الإسلام بعدم اعتبار دلالات الإسلام الظاهرة؟

الخلاصة: أنه يجب التقيد بالنص المتفق عليه ، وهو آية محكمة ، وحديث صحيح ثابت بفهم الصحابة y وقد فهم الصحابة من كلام نبيهم r الاعتبار بدلالات الإسلام الظاهرة في ثبوت عقد الإسلام لمن ظهرت عليه ابتداءً ، فمن كان ظاهره الإسلام فهو مسلم حكمًا وهو المسلم مستور الحال : أي لا يعلم عنه غير الإسلام وهو من ظهرت منه علامة من علامات الإسلام ، ولم يعرف عنه ناقض من نواقضه ، وذلك لأن علامات الإسلام هي أسباب ظاهرة رتب عليها الشارع الحكم لصاحبها بالإسلام ابتداءً فيثبت له حكمه ، إلا أن يعارض هذا الظاهر ظاهرًا أقوى منه كإتيانه ناقض من نواقض الإسلام ، لأن كل من ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين ، والأحكام تجري على الظاهر وتبنى عليها الأحكام من الإسلام والكفر .

وكما هو واضح من الأدلة القطعية ومن فهم الصحابة لها ولا يوجد لهم مخالف من أهل السنة ، والذين لا يعتبرون بدلالات الإسلام الظاهرة ليس عندهم دليل إلا الظن والاعتماد على بعض أقوال العلماء المطلقة المحتملة والمجملة التي قيدت وفصلت في أماكن أخرى ، والذي لا يعتبر بدلالات الإسلام الظاهرة ابتداءً مكذب بالقرآن والسنة ومُعرِض عن فهم الصحابة لهما ، بل اتهامه لهم بعدم الفهم ، وهو أفهم منهم ، وكذلك متهم للعلماء بالجهل وأنهم لم يتفهموا فهمه للدليل ، مع أن هؤلاء لا يقرؤون كتب السنة ، وإذا سألت أحدهم هل قرأت البخاري ومسلم ؟ هل قرأت السنن ؟ هل قرأت " اعتقاد أهل السنة " : اللالكائي ؟ هل قرأت " الشريعة " : للآجري؟ هل قرأت كتب ابن تيمية وابن القيم؟ هل قرأت مجموعة مؤلفات ابن عبد الوهاب؟ هل قرأت الدرر السنية؟ هل قرأت الرسائل والمسائل النجدية؟ هل قرأت فتاوى ابن إبراهيم؟ هل قرأت فتاوى اللجنة الدائمة ؟ لم يقرأ ، وإن قرأ لا يفهم فهم السلف.والعاقل هو الذي يتدبر ويفكر في نفسه : أن الذي لا يعتبر بالأدلة وفهم الصحابة يحصر الإسلام والمسلمين فيه هو ، أو في من يوافقه على فهمه وهؤلاء لا يتعدون أصابع اليد الواحدة - إن لم يكفر بعضهم بعضًا - ويلزم من قوله التكذيب بكلام رسول الله  : أن الأمة لا تجتمع على ضلالة ؟ فهو وحده المسلم وباقي أمة محمد  كافرة أو مرتدة - إن أثبت لها الإسلام أصلاً - وهو كذلك متناقض لأنه يستدل بكلام ابن عبد الوهاب والعلماء على فهمه هو ، مع أن الأقدر على فهم كلام الشيخ هم من عاصروه وتلقوا العلم منه وهم أولاده وأحفاده وهذا لا يعتبر بهم ولا بفهمهم ، بل يكفرهم ، ويقدم فهمه على فهمهم مع العجز والجهل وقلة العلم بأبسط أمور الدين ، والاعتماد على فهم من لا فهم عنده فهؤلاء مخالفين للشرع والعقل من كل وجه وليس عندهم دليل إلا الظن والشبهات.فالواجب على من طلب الحق وتجرد له بصدق أن يقف حيث وقف القوم ويسلم بالأدلة ويتقيد بالنص لأنه لا يوجد له معارض ، ويستحيل أن يأتي بنص يدل على عدم اعتبار دلالات الإسلام الظاهرة في ثبوت عقد الإسلام ابتداءً يستحيل عليه ذلك ؛ لأن هذا محل اتفاق بين أهل السنة والجماعة كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين ، بل حتى يومنا هذا ، ولا يوجد لهم معارض إلا أهل الأهواء والزيغ والبدع والانحراف من أهل الغلو في التكفير الذين يقدمون فهمهم للنصوص على فهم الصحابة وعلماء الإسلام ، وليس عندهم نص ولا دليل إلا الشبهات العقلية ؛ وسببها هو عدم التقيد بالنص والوقوف عنده كما فهمه الصحابة بدون تأويل ، والعاقل هو الذي يسأل نفسه أنا أعلم أم الصحابة؟ أنا أعلم أم أئمة الإسلام؟ أنا أعلم وأفهم للنصوص أم أولاد الشيخ ابن عبد الوهاب وأحفاده؟ أنا أعلم بالكتاب والسنة أم اللجنة الدائمة؟ هل أنا أفهم للنصوص الشرعية من هيئة كبار العلماء؟ وإجماع أهل السنة؟ هي يسعني ما وسع الصحابة وأهل السنة وأقف حيث وقف القوم؟ أم أخالفهم بشبهات وأخرج عن النص وأعتقد فيهم أنهم لا يفهمون الإسلام ولا الواقع وليس هؤلاء على شيء؟ وأكفرهم ولا أثبت لهم الإسلام أصلاً لأن دلالات الإسلام الظاهرة غير معتبرة في الحكم على المعين؟

وإني أنصح هذا ومن هم على شاكلته بالتوبة إلى الله والرجوع عن هذه المعتقدات الفاسدة والأفكار الباطلة الضالة من تكفير المسلمين والتكذيب بالنصوص من القرآن والسنة والإجماع ، وبتقديم العقول على النصوص ضل من ضل ، وأنصحه كذلك بالرجوع إلى أهل العلم وتلقي العلم منهم ويسألهم فيما أشكل عليه فهمه - كما أمر الله بذلك – و يعترف بتقصيره وقلة بضاعته وتقوّلِهِ على الله من غير علم ولا فهم للنصوص ، ولا حتى قدرة على قراءتها قراءة

صحيحة ، فكيف يفهمها فهمًا صحيحًا؟([9])  

وأخيرًا لقد اجتهدت في بيان الحق لك ، وبيان مذهب أهل السنة والجماعة مذهب الصحابة والتابعين وشيوخ الإسلام في رد شبهة أهل الغلو وهي عدم الاعتبار بدلالات الإسلام الظاهرة لثبوت عقد الإسلام للمعين ، وهذا محل اتفاق بين أهل السنة كما نقلت لك الأدلة على ذلك.

فتب إلى الله واقرأ هذه القواعد أكثر من مرة ، وقم لله في السحر متجردًا مخلصًا وتضرع إليه سبحانه ، واسأله التوفيق والهدى والرشاد والثبات على الحق ، وقل : يا مفهم سليمان ! ويا معلم إبراهيم ! علمني ، وفهمني ، وخذ بناصيتي إلى الحق والصواب ، فإذا علم الله من قلبك الصدق والإخلاص والتجرد لقبول الحق حتمًا سيهديك إليه ، نسأل الله أن يهدينا وإياك إلى الحق ويثبتنا عليه ويتوفانا مسلمين.. آمين.

 

الرد على الخوارج وأهل الغلو فى التكفير

بدعة التوقف والتبين والرد عليها

 

وأهل التوقف والتبين فرقة  من فرق الغلو فى التكفير يتوقفون فى من ظهرت منه دلالات الإسلام الظاهرة مثل الصلاة والأذان والإقامة والوضوء ولا يصلون إلا خلف من يعرفون عقيدته وحاله ,أما مستور الحال الذى ظهرت عليه سمات الإسلام فيتوقفون فيه ولا يصلون خلفه بحجة أن الدار دار كفر ردة وظهور الشرك فى المجتمع دليل على تكفير المعين أو الناس بالعموم أو التوقف فيه ,وهذا باطل وضلال ومخالف لأهل الإسلام والصحابة الكرام والأئمة الأعلام وتكذيب بالنصوص القرآنية والسنة النبوية وإلغاء للأصل  وعدم الاعتبار بالظاهر وقد فصلنا ذلك مرارا  فيما كتبناه من قبل وحذرنا من أهل الغلو وأبطلنا حججهم  الواهية                       

 وقد سألنى أحد هؤلاء وهو مصري من أبو كبير –شرقية ,وقال:

 إن أمه ماتت ولم يصل عليها وتهرب من أداء صلاة الجنازة عليها مع أنه إمام مسجد ,فقلت له هل كانت أمك تصلى ؟قال نعم كانت محافظة على الصلاة

قلت له :هل ظهر منها شرك ظاهر جلى ؟أو ارتكبت  ناقضا من نواقض الإسلام ؟  

قال لا ,لم تقع فى الشرك الأكبر لا قولاً, ولا عملاً. فقلت له : فبأي دليل امتنعت عن الصلاة عليها ؟ وبأي حجة تقابل الله يوم القيامة ؟ والأصل أن كل من ثبت له الإسلام بيقين لا يزول بالشك أو الظن المحتمل ، والصلاة من أقوى دلالات الإسلام وشعائره الظاهرة ، ولنا الظاهر لأن أحكام الدنيا تبني على الظاهر من إسلام وكفر ، فمن ظهر منه الإسلام حكمنا بإسلامه وقلنا أنه مسلم ، ومن ظهر منه الشرك والكفر حكمنا بكفره وقلنا أنه كافر ، ولم يكلفنا الله أكثر من ذلك ، وقد ظهر منها الإسلام ولم يظهر منها كفر ولا شرك ، والباطن والقلوب يعلمها علام الغيوب.

وبعد أن سقتُ له الأدلة من القرآن والسنة وأقوال الصحابة وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في من توقف في مستور الحال الذي ظهرت منه دلالات الإسلام فهو مبتدع ضال منحرف عن الحق ، ومخالف لمذهب أهل الحق أهل السنة والجماعة ، ونقل شيخ الإسلام الاتفاق على ذلك ؛ فقال إني تائب إلى الله من هذه البدعة وراجع عنها ، ولكن الشبهة كانت قوية وأهل قريتي ومن حولها على هذا المنهج المنحرف شبَّ عليه الصغير وشاب عليه الكبير ، ومن بدعتنا وضلالنا جعلوني إمامًا لهم في مسجد لا يصلي فيه إمام غيري ، لأننا لا نصلي خلف أحد لا نعرفه أو خارجًا عن جماعتنا ، قلت له : عرفت الحق فالزمه واعمل به وادعُ إليه ، فقال أخ له من جماعته وبلدته وعلى نفس البدعة لقد كنا في ضلال وانحراف والحمد لله الذي أكرمنا بك وعلمتنا الحق ، فقلت لهما: توبا إلى الله وعليكما بالدعوة إلى الحق ، وقلت للذي توقف في أمه : استغفر لها وادع لها ، قال : سأفعل ، ولم يستغفر لها ، وبعد فترة قصيرة ظهرت عداوتهما وبغضهما لنا ، ففهمت أنهما ما زالا على بدعتهما ، وقاما بنشر الشائعات عنا ، وهذا حال أهل البدع في كل زمان ومكان ؛ كذب وبهتان وفجر في الخصومة ، وبُعد عن أخلاق الإسلام ، والتعامل مع المسلمين بالتقية كالشيعة الروافض ، مع أن الله سترهم ، إلا أن العبد مع ستر الله عليه يأبى إلا أن يفضح نفسه فقام أحدهم واعتذر لنا في المصلى أمام الجميع وكذَّب نفسه في كل ما رمانا به ، وافترى علينا فيه ، مع أنني لم أرغب في ذلك ، وكنت أتمنى أن يعلنوا براءتهم من بدعة التوقف والتبين لأن في ذلك الصدق ، الشاهد من ذلك أن البدعة إذا تمكنت من الإنسان يصعب عليه التوبة منها وتبقى رواسبها في النفس - إلا من رحم الله تعالى - وهذه من الآثار السلبية الناتجة عن : البُعد عن العلماء والتلقي منهم والاستفسار عما أشكل ، وأما العكوف على الكتب والتلقي من الأصاغر حدثاء الأسنان ؛ نتج عنه الانحراف عن مذهب أهل السنة والجماعة والتمسك بالبدع والأهواء وتعلم كبار المسائل قبل صغارها فتجد أحدهم ([10]) يتكلم في الإيمان والكفر والتوحيد والشرك ، وهو يجهل الأصول الثلاثة ، ونواقض الوضوء ، وأصول الإسلام ، فأحد هؤلاء لا يعرف حكم قيام الليل ويجعله واجبًا تارة وسنة مؤكدة أخرى ، والثاني كان يُعلم أخًا جامعيًا من حملة كتاب الله معنى الدعاء في النوازل ، فقال هذا الجاهل الأحمق لحامل كتاب الله, تعالى أعلمك الفقه قبل العقيدة ، ومعنى الدعاء في النوازل أي : تدعو وأنت نازل إلى الركوع ، وتدعو وأنت نازل إلى السجود هذه هي النوازل - وشر البلية ما يضحك -وهكذا أهل البدع دائمًا ، نسأل الله أن يرزقنا الثبات على الحق وأن يتوفانا على مذهب الحق مذهب أهل السنة والجماعة.

 

شيخ الإسلام بن تيمية يرد على أهل التوقف والتبين

 

قال –رحمه الله-( وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ مَسْتُورٍ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَمَنْ قَالَ : لَا أُصَلِّي جُمْعَةً وَلَا جَمَاعَةً إلَّا خَلْفَ مَنْ أَعْرِفُ عَقِيدَتَهُ فِي الْبَاطِنِ فَهَذَا مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ . )4/331

وقال أيضاً(يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَالْجُمُعَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ خَلْفَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ بِدْعَةً وَلَا فِسْقًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ . وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِائْتِمَامِ أَنْ يَعْلَمَ الْمَأْمُومُ اعْتِقَادَ إمَامِهِ وَلَا أَنْ يَمْتَحِنَهُ فَيَقُولُ : مَاذَا تَعْتَقِدُ ؟ بَلْ يُصَلِّي خَلْفَ مَسْتُورِ الْحَالِ . وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ فَاسِقٌ أَوْ مُبْتَدِعٌ فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَالِكٍ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ الصِّحَّةُ . وَقَوْلُ الْقَائِلِ لَا أُسَلِّمُ مَالِي إلَّا لِمَنْ أَعْرِفُ . وَمُرَادُهُ لَا أُصَلِّي خَلْفَ مَنْ لَا أَعْرِفُهُ كَمَا لَا أُسَلِّمُ مَالِي إلَّا لِمَنْ أَعْرِفُهُ كَلَامُ جَاهِلٍ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ . فَإِنَّ الْمَالَ إذَا أَوْدَعَهُ الرَّجُلَ الْمَجْهُولَ فَقَدْ يَخُونُهُ فِيهِ وَقَدْ يُضَيِّعُهُ . وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَوْ أَخْطَأَ أَوْ نَسِيَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِذَلِكَ الْمَأْمُومُ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { أَئِمَّتُكُمْ يُصَلُّونَ لَكُمْ وَلَهُمْ . فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ } . فَجُعِلَ خَطَأُ الْإِمَامِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَهُمْ وَقَدْ صَلَّى عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُوَ جُنُبٌ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ فَأَعَادَ وَلَمْ يَأْمُرْ الْمَأْمُومِينَ بِالْإِعَادَةِ وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ . وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ الْإِمَامُ مَا يَسُوغُ عِنْدَهُ وَهُوَ عِنْدَ الْمَأْمُومِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مِثْلَ أَنْ يَعْتَقِدَ وَيُصَلِّيَ وَلَا يَتَوَضَّأَ أَوْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ يَتْرُكَ الْبَسْمَلَةَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ وَالْمَأْمُومُ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ بَلْ فِي أَنَصِّهِمَا عَنْهُ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ . وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْإِمَامَ صَلَّى بِلَا وُضُوءٍ مُتَعَمِّدًا وَالْمَأْمُومُ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى مَاتَ الْمَأْمُومُ لَمْ يُطَالِبْ اللَّهُ الْمَأْمُومَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إثْمٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُصَلٍّ ؛ بَلْ لَاعِبٌ وَلَوْ عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ صَلَّى بِلَا وُضُوءٍ فَفِي الْإِعَادَةِ نِزَاعٌ . وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ مُبْتَدِعٌ يَدْعُو إلَى بِدْعَتِهِ أَوْ فَاسِقٌ ظَاهِرُ الْفِسْقِ وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ الَّذِي لَا تُمْكِنُ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَهُ كَإِمَامِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ . وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْعَقَائِدِ : إنَّهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إلَّا إمَامٌ وَاحِدٌ فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ الْجَمَاعَاتُ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فَاسِقًا . هَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ : أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا بَلْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد . وَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْفَاجِرِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَد . وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ .)مجموع الفتاوى23/199

 وقال:( يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَالْجُمُعَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ خَلْفَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ بِدْعَةً ، وَلَا فِسْقًا ، بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ .

وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِائْتِمَامِ أَنْ يَعْلَمَ الْمَأْمُومُ اعْتِقَادَ إمَامِهِ ، وَلَا أَنْ يَمْتَحِنَهُ ، فَيَقُولُ : مَاذَا تَعْتَقِدُ ؟ بَلْ يُصَلِّي خَلْفَ مَسْتُورِ الْحَالِ .)الفتاوى الكبرى 3/37باب الصلاة خلف المبتدعة

وقال رحمه الله تعالى (فَالصَّلَاةُ خَلْفَ الْمَسْتُورِ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ قَالَ إنَّ الصَّلَاةَ مُحَرَّمَةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ خَلْفَ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةوَالْجَمَاعَةِ)الفتاوى3/175

وقد كان بعضهم يستدل بحرص الإمام أحمد على الصلاة خلف من يعرف عند انتشار بدعة الجهمية ,ونحن لاننكر جواز حرص المسلم على الصلاة خلف الأفاضل  وأصحاب السنة  فى مساجد أهل السنة ,ولا ننكر جواز هجر المبتدع لزجره وإنكار بدعته ,إنما الكلام على منع الصلاة وعدم جوازها أو كراهتها أو إعادتها خلف من لايكفر ببدعته أو من لايعلم منه كفر ولا بدعة أصلا ,فضلا عن منعها وإعادتها خلف مستور الحال بحجة انتشار البدع والكفر والشرك والردة  فى المجتمع ,وأقبح من ذلك التوقف فى إسلامه وإبطال الصلاة خلفه  مع أنه لم يظهر منه ناقضا جليا ,وانتشار الكفر والشرك فى المجتمع ليس دليلا على كفر المعين أو التوقف فيه  بدون دليل ظاهر ,لأن الأصل جواز الصلاة خلف المسلم مالم يظهر منه ناقضا مكفرا ,فإن ظهر منه ناقض مكفر ظاهر جلى لم يعدى حاله مستورا ,بل كفر وارتد .

فإذا تصادفت صلاتنا خلف المسلم  المستور وهو الذى  ظهرت منه دلالات الإسلام وعلاماته ولم يظهر منه ماينقض ذلك ,صلينا ولم نتحرج ,وهذا لايمنعنا من الحرص فى الظروف المعتادة على الصلاة خلف الأفاضل أصحاب الدين والسنة والإتباع,مع أن فعل الأمام أحمد –رحمه الله- محمول على الاستحباب لاعلى الوجوب ,مع أن الاستحباب حكم شرعى يحتاج إلى دليل لأن هذا دين لابد فيه من الصدق وتحرى الدليل والعمل به كما فهمه الصحابة  رضى الله عنهم ,لأن الله تعبدنا بذلك

 

,ويرد عليهم شيخ السلام ويبطل بدعتهم  ويثبت مخالفتهم   لأصول أهل السنة والجماعة وإجماع المسلمين

فقال رحمه الله-:

 

( وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ الْجُمَعَ وَالْأَعْيَادَ وَالْجَمَاعَاتِ لَا يَدَعُونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مَسْتُورًا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ بِدْعَةٌ وَلَا فُجُورٌ صَلَّى خَلْفَهُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَ مَنْ عُلِمَ بَاطِنُ أَمْرِهِ بَلْ مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَعْدِ نَبِيِّهِمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْمُسْلِمِ الْمَسْتُورِ وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَ مِنْ الْمُصَلِّي بِدْعَةٌ أَوْ فُجُورٌ وَأَمْكَنَ الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ أَوْ فَاسِقٌ مَعَ إمْكَانِ الصَّلَاةِ خَلْفَ غَيْرِهِ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُصَحِّحُونَ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ . وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ أَوْ الْفَاجِرِ كَالْجُمُعَةِ الَّتِي إمَامُهَا مُبْتَدِعٌ أَوْ فَاجِرٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ جُمُعَةٌ أُخْرَى فَهَذِهِ تُصَلَّى خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ وَالْفَاجِرِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ . وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا كَثُرَتْ الْأَهْوَاءُ يُحِبُّ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِمَنْ سَأَلَهُ . وَلَمْ يَقُلْ أَحْمَدُ إنَّهُ لَا تَصِحُّ إلَّا خَلْفَ مَنْ أَعْرِفُ حَالَهُ . وَلَمَّا قَدِمَ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مَرْزُوقٍ إلَى دِيَارِ مِصْرَ وَكَانَ مُلُوكُهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مُظْهِرِينَ لِلتَّشَيُّعِ وَكَانُوا بَاطِنِيَّةً مَلَاحِدَةً وَكَانَ بِسَبَبِ ذَلِكَ قَدْ كَثُرَتْ الْبِدَعُ وَظَهَرَتْ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يُصَلُّوا إلَّا خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُونَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَحَهَا مُلُوكُ السُّنَّة مِثْلُ صَلَاحِ الدِّينِ وَظَهَرَتْ فِيهَا كَلِمَةُ السُّنَّةِ الْمُخَالِفَةُ لِلرَّافِضَةِ ثُمَّ صَارَ الْعِلْمُ وَالسُّنَّةُ يَكْثُرُ بِهَا وَيَظْهَرُ . فَالصَّلَاةُ خَلْفَ الْمَسْتُورِ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ قَالَ إنَّ الصَّلَاةَ مُحَرَّمَةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ خَلْفَ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُونَ فُجُورَهُ كَمَا صَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ خَلْفَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي معيط وَكَانَ قَدْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَصَلَّى مَرَّةً الصُّبْحَ أَرْبَعًا وَجَلَدَهُ عُثْمَانُ بْنُ عفان عَلَى ذَلِكَ . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ . وَكَانَ الصَّحَابَةُ وَالَتَا بعون يُصَلُّونَ خَلْفَ ابْنِ أَبِي عُبَيْدٍ وَكَانَ مُتَّهَمًا بِالْإِلْحَادِ وَدَاعِيًا إلَى الضَّلَالِ .)مجموع الفتاوى 3/280

 

 

 

 

الفرق بين التحاكم الإداري والتحاكم الشرعي

 

ومن المعلوم أن مجرد الذهاب إلى المحاكم الوضعية والتعامل معها ، ليس كفرًا ، بل يكون كفرًا مخرجًا من الملة وهو الأصل ، وأحيانًا يكون محرمًا وأخرى يكون جائزًا ، فالتحاكم نوعان : شرعي وإداري ، فالتحاكم الإداري : ليس كفرًا بل حكمه على حسب حال المتحاكم ، ومعلوم أن الطواغيت نحُّوا شريعة الله بالكلية وأبدلوها بالقوانين فمن ذهب إلى هذه المحاكم وتعامل بهذه القوانين الوضعية مثل : أن يخرج رخصة قيادة ، أو ترخيص سيارة ، أو جواز سفر ، أو يوثق عقدًا للبيع ، أو الشراء ، أو الزواج ، أو يضيف مواليد جديدة ، أو يعمل بطاقة هوية (البطاقات الشخصية)، ذهب إلى هذه المحاكم ليعمل تظلُّم لمعتقل ، أو طعن ودفع لحكم صادر ضده في مخالفات مرورية ، أو تعاملات مالية مع الغير ، أو رد عدوان وظلم الغير من الشكاوي الكيدية والظلم الذي لا يسلم منه الموحد ، من السفهاء في هذا الزمان فكل ذلك من التحاكم الإداري الذي لا يخالف شرع الله ، ولا يغير حكمًا من أحكام الله ولا حدًا من حدود الله فهذا التحاكم بهذه الصورة جائز بل أحيانًا يكون واجبًا فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وخصوصًا إذا ترتب على ذلك ضررًا في نفسه وماله وأهله ومفسدة في دينه وتعرض السفهاء لعرضه وأهله وأولاده ، فالضرر يزال بقدر الحاجة والمفسدة تدفع وتدرأ بأقل منها ، حتى لا يتجرأ السفهاء على الموحدين ويكون المسلم مطية لأهل الفساد والفجور ، فهذا كله من التحاكم الإداري الذي لا يسلم منه أحد في هذا الزمان ، ولو استطاع المسلم أن يبتعد عن كل ذلك من غير مضرة ولا مفسدة واقعة عليه فهذا أفضل وأحسن ، ولكن هذا متعذر الآن لأن المسلم فرد من أفراد المجتمع ، ويعيش في هذا الواقع ولابد من المخالطة حتى وإن أراد الهروب من كل ذلك ، فهم لن يتركوه وفي هذه الحالة الضرورية فقط ، ولا يسارع المسلم إلى التحاكم الإداري إلا في حالة الضرورة القصوى التي يترتب على عدم ذهابه مفسدة عظيمة في دينه وأهله وماله ، كأن يترتب على ذلك سجنه أو اعتقاله أو تغريمه غرامة مالية تُذهب ماله ، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، بشرط الموازنة بين المفاسد وارتكاب أقلهما ، فإن قال قائل : هذا تحاكم إلى الطاغوت وإلى المحاكم الوضعية المخالفة لدين رب البرية ، قلنا : تحاكم إداري حتمته الضرورة وألجأت إليه الحاجة ودرء للمفاسد ، وليس مجرد دخول هذه المحاكم والتعامل معها في هذا العصر كفر وردة ، بل على حسب حال الذاهب إليها والتعامل معها مع عدم وجود حكم الله وشرعه

         والضابط في ذلك هو:

- تغيير حكم من أحكام الله ،

- أو تبديل حد من حدود الله

-أو عقوبة شرعية مقدرة ومحددة في دين الله  

هذا هو ضابط التحاكم بنوعيه الإداري والشرعي ، وكل امرئ حسيب نفسه فلا يذهب الموحد إلى هذه المحاكم إلا وهو كاره لها كافر بها ويعلم الله من قلبه ذلك ، ولولا هذه الضرورات وهذه المفاسد لما دخلها ولا تعامل معها ، يعلم الله صدقه ولو وجد شرع الله وحكم الله لسارع إليه فرحًا مسرورًا منشرح الصدر ، ولو خير بين الذهاب إلى حكم الله وحكم غيره لاختار حكم الله طائعًا مختارًا راضيا محبًا ، مع أن الذي يخير الناس بين حكم الله وحكم القانون ويقول نضع حكم الله ونضع حكم القوانين فمن شاء فليذهب إلى ما يريد فهذا كافر مرتد وكيف يخير الناس بين حكم الله وحكم الطاغوت؟

هذا ليس فيه اختيار ، بل فيه إلزام وفرض على كل مسلم التحاكم إلى شرع الله وهدم هذه المحاكم الوضعية ، ومن سوَّى بينها وبين حكم الله ، وخير الناس في ذلك فهو كافر مرتد ، أفتى بذلك الشيخ محمد بن إبراهيم في فتاويه وهي مشهورة معلومة –

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حكم زوجات وأولاد المرتدين أعوان الطواغيت من الجيش والداخلية

كانت هناك فكرة منتشرة بين جماعات الغلو فى التكفير ممن يرون الخروج على الحكام والقيام بعمليات ضدهم  فى بلاد المسلمين –وليس كل من يخرج على الحكام الكفار والمرتدين من الخوارج-وإلا فما هو حكم الحسن بن على رضى الله عنه وهو صحابى من أهل الجنة ؟وسعيد بن جبير إمام التنابعين ؟- مفادها القيام بخطف وقتل زوجات وأولاد ضباط الشرطة  بحكم أنهم مرتدون لحمايتهم وحراستهم  الكفر والشرك فكذلك زوجاتهم وأولادهم كفار ومرتدون مثلهم ,وقد دارت بيني وبين أهل الغلو فى التكفير ,وأهل التوقف والتبين مناظرات عديدة فى ذلك .   

  من المعلوم أنه من كان ظاهره الإسلام فهو مسلم حكمًا ، وهو المسلم مستور الحال أي لا يعلم عنه غير الإسلام ، وهو من ظهرت منه علامة من علامات الإسلام ولم يعرف عنه ناقض من نواقضه ، وذلك لأن علامات الإسلام ودلالاته الظاهرة ومن أقواها التلفظ بالشهادتين أو الصلاة أو الأذان أو الإقامة أي واحدة من هذه العلامات هي أسباب ظاهرة رتب الشارع عليها الحكم لصاحبها بالإسلام ، فيثبت له حكمه ابتداءً ، بمجرد ظهورها عليه ، إلا أن يعارض هذه الظواهر والدلالات ظاهرةً أقوى منها كإتيانه ناقض من نواقض الإسلام كما سيأتي من النصوص الشرعية التي تواترت في التفريق بين ردة المرتد وزوجته وأولاده وباقي أهله ، فالمرتد ارتد وخرج من الإسلام بناقض جلي ظاهر بعمله أو قوله  وصده عن سبيله الله وحراسته للشرك ومحاربته للإسلام والمسلمين والوقوف تحت راية الطاغوت والدخول معه في حزبه وطائفته وجماعته وهي راية ظاهرة ولا يلزم من ردة ضباط الجيش والداخلية  ؛ ردة زوجاتهم وأولادهم ما لم يظهر منهم ناقض ، وهل مجرد أنهم أزواج لأنصار الطاغوت يعتبر هذا ردة منهم وخروج من الإسلام ؟ وقد قلنا أن أهل السنة لا يكفرون باللازم ولا بلا الظن ولا بالاحتمال ، فالردة غير متعدية

 والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن والسنة

 فقد فرق الله بين آسية بنت مزاحم المؤمنة الصابرة وبين فرعون أعتى وأكفر هذه الأمة فلم يكفرها لمجرد أنها زوجة فرعون ،

وكذلك كفرت زوجة نوح عليه السلام ,

وكفرت زوجة لوط عليه السلام,فلا يكفر هؤلاء إلا بارتكاب مكفر ومجرد أنهن زوجات للمرتدين ليس بمكفر ولا ناقض يستوجب الردة عن الإسلام

وأكبر دليل على ذلك فى الكافر الأصلى وفى المرتد سواء

 أن زينب بنت رسول الله  كانت تحت كافر حتى بعد الهجرة وبعد غزوة بدر ، وكثير من الزوجات اللاتي كن تحت الكفار لم يحكم رسول الله  بكفرهن وردتهن

زوجة الأسود العنسى  مدعى النبوة فى اليمن ارتد ولم تكفر زوجته ويحكم بردتها

زوجة مسيلمة الكذاب  ارتد ولم تكفر زوجته

زوجة المختار بن عبيد  ارتد ولم تكفر زوجته

، وهذا ظاهر واضح لا يحتاج إلى تفصيل لأن الردة لا تكون إلا بقول مكفر أو عمل مكفر , أو شك مكفر , أو اعتقاد مكفر, أو ترك عمل تركه كفر  ـ كما سبق ،كما هو اعتقاد أهل السنة.

 والأولاد([11])  كذلك فإن كانوا صغارًا تحت سن التكليف فهم في حكم الإسلام وإن كانوا فوق سن التكليف .

علامات البلوغ الشرعية :والبلوغ  يثبت بإنبات شعر العانة أو اللحية والشارب ، أو بالاحتلام وإنزال المني ، أو ببلوغ خمس عشرة سنة ، وهذا للرجال ويزيد النساء بالحيض فهذه علامات البلوغ الشرعية ، فإذا حصل البلوغ ولم يرتكب الأولاد مكفر فإسلامهم باق على الأصل مثل أمهاتهم ، وإن ارتكبوا ناقضًا مكفرًا فهم كفار. وهذا ليس كلام أبو سلمان وحده بل كلام الشيخ المقدسي الذى هو مقدم عندهم وكلام كل من يعتد به من أهل العلم عند أهل السنة والجماعة.

الرد على شبهات أهل الغلو في التكفير وأسباب الضلال

أما الوالدين فإذا كان الوالد يعمل في نصرة الطاغوت وفي عونه وحمايته ومحاربة الإسلام والمسلمين وتحت راية الجيش أو الشرطة والداخلية - وغالبًا ما يحدث ذلك يعمل الأب في الشرطة وآمن الدولة ثم يلحق ابنه بنفس عمله - وهذا الغالب فهذا مرتد وأبوه مرتد ولا يصير كافرًا أصليًا إلا بالقدرة على توريث الكفر وتعاقب الأجيال عليه

 الشاهد أن زوجة المرتد لا تكفر بمجرد ردة زوجها ، إلا إذا ناصرته مع علمها بحقيقة عمله ، ولكن الواقع المشاهد أن هؤلاء المرتدين أنصار الطاغوت يلبسون على زوجاتهن أنهم العين الساهرة حفاظ الأمن والأمان للناس ، حماة العدل والقانون من الإرهاب والتطرف - وكما سبق أن هؤلاء وخصوصًا أمن الدولة - يتلونون بكل لون على حسب الحال وعلى حسب الموقف والشخص مع الآلة الإعلامية التي يملكها الطاغوت ومسيطر عليها وعلى صناع القرار فيها التي مهمتهم قلب الحقائق وتزييفها لنصرة الطاغوت فلا ينسحب حكم الردة على زوجات الطواغيت وأنصارهم إلا بارتكاب ناقض مكفر واضح جلي يحكم عليهم به بالردة والخروج من الإسلام وهذا واضح والحمد لله.

وقد سألني أحد دعاة الغلو في التفكير وهو من طائفة تسمى (الناجون من النار) والشوقيون([12])   فقال لي هذا الشاب الذي ينتمي إلى هذه الجماعة المنحرفة عن أهل السنة ، إن ظهور دلالات الإسلام على المعين من قوله لا إله إلا الله والصلاة والأذان والإقامة ، كل هذه الدلالات غير كافيه لثبوت عقد الإسلام وغير كافية لإبطال المعتقدات القديمة التي كان عليها قبل ذلك ولا يوجد مسلم على ظهر الأرض إلا من ينتمي لجماعتي ويفهم فهمي ويقول بقولي فقلت له : اعلم - رحمني الله وإياك - أن مسائل العقيدة والتوحيد والشرك والإيمان والكفر من أهم مسائل الدين وأعظمها وأخطرها لأن الأمر فيها ليس خطأ وصواب ، بل هدى وضلال ، لذلك لا يؤخذ الدين إلا من العلماء أهل العلم الذين تلقوه كابرًا عن كابر وهذه هي طريقة السلف لأنهم أعلم وأحكم ، وما ضل من ضل من هؤلاء إلا بالعكوف على الكتب أو التلقي ممن أخذ من الكتب ، أو كان شيخه الكتاب واعتمد على فهمه ، لذلك كان خطأه أكثر من صوابه ، والسبب في ذلك ، إن سلم المرء من الهوى والتعصب الاعتماد على كلمات العلماء المطلقة أو المحتملة أو المجملة التي فصلوها في مواضع أخرى ، والبعد عن العلماء ومجالسهم هو السبب في ذلك.

ولا أظنك تخالفني في أن أئمة الدعوة ، وهيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة هم امتداد طبيعي لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لأنهم أولاده وأنصاره وطلابه الذين أخذوا العلم عنه وهو متصل إلى شيخ الإسلام ابن تيمية والأئمة الأربعة والصحابة - رضي الله عن الجميع - وهم أعلم أهل الأرض لأن سندهم متصل إلى شيخ الإسلام وهم قد أخذوا العلم بالتلقي مشافهة بهذا السند المتصل إليه ، وهذه من خصائصهم التي لا يشاركهم فيها أحد غيرهم ، ومؤلفاتهم شاهدة على ذلك ، ولا ندعي لهم العصمة ولا نحصر الحق كل الحق فيهم وحدهم ، بل هم بشر يخطئون ويصيبون ، وقد تعلمنا من هؤلاء الأفاضل - جزاهم الله عنا كل خير وغفر لهم - علمونا التقيد بالنص وطرح التأويل ، ومسائل العقيدة قطعية قد بينها الله U ورسوله  ولا مجال فيها للأخذ والرد ولا تدخل فيها الأفهام والعقول والجدل حولها إذ هي ثابتة واضحة إلى يوم القيامة ، مصدرها وأصلها آية محكمة من كتاب الله وحديث صحيح ثابت عن رسول الله بفهم الصحابة الكرام y ، وفهم الصحابة مقدم على فهم غيرهم ، ولا مجال للعقل فيها فهي توقيفية ،      

 فأسباب انحراف أهل الغلو وغيرهم عن الحق مذهب أهل السنة والجماعة هي:

عدم الاعتبار بدلالات الإسلام الظاهرة في ثبوت عقد الإسلام ابتداءً .

عدم التفريق بين : الإسلام الحكمي الذي يثبت بالنص أو الدلالة أو التبعية ويحكم له بالإسلام ابتداءً ويعصم به دمه وماله وعرضه في الدنيا ، وبين : الإسلام على الحقيقة الذي ينجي من الخلود في النار يوم القيامة وهو الموت على التوحيد.

أهل السنة يفرقون بين حكم الدار وحكم الأفراد ولا تلازم بينهما إلا في دار الكفر الأصلي ويحكم على المعين بما ظهر منه ، وأهل الغلو لا يفرقون بين حكم الدار وحكم الأفراد ويكفرون الجميع.

أهل الغلو لا يفرقون بين التكفير المطلق وتكفير المعين والخلط بينهما يؤدي إلى انحراف إما إلى الغلو في التكفير وإما إلى التفريط في الأرجاء ، وكلاهما ضلال.

أهل الغلو لا يفرقون بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة ، فأحكام الدنيا تجري على الظاهر من إسلام وكفر ، فمن أظهر لنا الإسلام حكمنا بإسلامه ، وقلنا : إنه مسلم ، ومن أظهر لنا الكفر حكمنا بكفره وقلنا : إنه كافر ، ويثبت الإسلام بالدلالات الظاهرة الغير محتملة من التلفظ بالشهادتين أو الأذان أو الإقامة أو الصلاة أو الوضوء فلو رأيت شخصًا يصلي - أي شخص - فهو مسلم لأنه ظهر منه ما يدل على إسلامه الظاهر ، والله لم يتعبدنا إلا بالظاهر ، فهو مسلم ما لم يظهر منه ناقض مكفر قولي أو عملي يدل على كفره ونقضه لما ظهر منه من إسلام ، وسألته([13]) سؤالاً واضحًا ، فهل قال أحد من الصحابة دلالات الإسلام الظاهرة غير معتبرة وغير كافية لثبوت عقد الإسلام للمعين الذي ينتسب إلى الإسلام وتظهر عليه شعائره ؟ هل قال أحد بذلك ؟ مع أن الاتفاق على أن المرتد الذي ثبت له عقد الإسلام لا يدخل في الإسلام من جديد ولا يرجع إليه إلا من الباب الذي خرج منه ، وهذا محل اتفاق بين أهل السنة والجماعة قاطبة ، والذي لا يعتبر بدلالات الإسلام الظاهرة لثبوت عقد الإسلام متناقض في قوله ناقض للقواعد السابقة وخصوصًا الحكم بالظاهر الذي لم يكلفنا الله إلا به ، والذي لا يعتبر بالظاهر مكذب للقرآن والسنة والإجماع.

أهل الغلو لا يفرقون بين التحاكم الشرعي والتحاكم الإداري فيكفرون عموم المسلمين لمجرد دخولهم المحاكم الوضعية أو لمجرد تواجدهم في المحاكم مع أن الحكم والتحاكم المكفر هو الذي غير حكمًا من أحكام الله ، أو حدًا من حدود الله أو بدل عقوبة ثابتة في كتاب الله ، هذا هو التحاكم المكفر المعتبر ، أما التحاكم الإداري أو مجرد التواجد في هذه المحاكم ودخولها فليس كفر لأنه لم يبدل ولم يغير ولم يرضى بحكم غير حكم الله ، ولكن أهل الغلو في التكفير أتباع الخوارج الأول لا يفرقون ، وقد فصلنا ذلك في : " الوجاء " وفي هذه الرسالة أيضًا.

كلام أهل العلم فى موانع التكفير( الخطأ والإكراه والتأويل)

ومن كلام شيخ الإسلام بن تيمية  وعلماء أهل السنة فى عدم تكفير المتأول

قال أبو عون  : « ربما اختلف الناس في الأمر ، وكلاهما له الحق »               

 قال الشيخ : فاختلاف الفقهاء يا أخي رحمك الله في فروع الأحكام ، وفضائل السنن رحمة من الله بعباده ، والموفق منهم مأجور ، والمجتهد في طلب الحق إن أخطأه غير مأزور ، وهو يحسن نيته ، وكونه في جملة الجماعة في أصل الاعتقاد والشريعة مأجور . قال النبي صلى الله عليه وسلم : « بعثت بالحنيفية السمحة » ، وإن تأول متأول من الفقهاء مذهبا في مسألة من الأحكام خالف فيها الإجماع ، وقعد عنه فيها الإتباع ، كان منتهى القول بالعتب عليه : أخطأت لا يقال له : كفرت ، ولا جحدت ولا ألحدت ، لأن أصله موافق للشريعة ، وغير خارج عن الجماعة في الديانة.

تعريف التأول

التأول هو الخطأ في فهم دلالة النص الشرعي، بإنزال بعض النصوص في غير محلها، أو إخراجها عن مدلولاتها الصحيحة التي تشهد لها النصوص الأخرى وقواعد اللغة والشرع.

فمن استحل حراما أو حرم حلالا، أو وقع في كفر وهو يحكم عليه بأنه ليس كفرا، وكان في هذا كله متأول تأويلا مستساغا في الجملة، امتنع تكفيره حتى تقام عليه الحجة الشرعية، فإن أصر على ما هو فيه من الباطل. وقع عليه حكم التكفير,وما يقتضيه من الأحكام الشرعية الدنيوية.

 والدليل على هذا الأصل العظيم حادثة قدامة بن مظعون وحاصلها أن قدامة وطائفة معه شربوا الخمر وتأولوا قوله تعالى: { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، فلما بلغ الخبر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار الصحابة في ذلك، ثم وقع إجماعهم على رأي علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا. وأرسل عمر لقدامة يقول له:" أخطأت إستك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر"

ووجه الدلالة من هذه القصة أن الصحابة أجمعوا- والإجماع حجة شرعية كما هو معلوم - على عدم إقامة حد الردة- وهو القتل- على قدامة ومن معه، رغم كونهم وقعوا في الكفر، الذي هو استحلال شرب الخمر.

 والمانع من إلحاق حكم الكفر بهم هو تأولهم الآية القرآنية المذكورة على غير وجهها، وهو تأول سائغ في الجملة، وإن كان باطلا كما لا يخفى من تأمل سبب نزول الآية وما ذكره فيها أئمة التفسير.

ثم إن الصحابة أجمعوا أيضا على أن هؤلاء المستحلين، لو أصروا على الاستحلال بعد إقامة الحجة عليهم، لوجب إقامة الحد عليهم. وهذا الإجماع المذكور ليس خاصا بالصحابة، فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله:" وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك"(2).

ولعل مستند هذا الإجماع النصوص الدالة على رفع المؤاخذة عند الخطأ، مثل قوله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } وغيرها، والله أعلم.

 وفي تقرير هذه القاعدة ودليلها يقول ابن تيمية رحمه الله: " ... أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل"(1).

ويقول في موضع آخر، يجمع فيه جل موانع التكفير:" والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا".

وكنت دائما أذكر الحديث الذى فى الصحيحين فى الرجل الذى قال إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني فى اليم فوالله لئن قدر الله على ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ففعلوا به ذلك فقال الله له ما حملك على ما فعلت قال خشيتك فغفر له ,فهذا رجل شك فى قدرة الله وفى إعادته إذا ذرى بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك(مع أنه كان موحدا ,فالخشية أعلى درجات التوحيد ,ومع أنه لم يجهل قدرة الله ولا عموم القدرة ,ولكن جهل مفردات القدرة ,ولا يخفى الفرق بين جهل بالصفة يؤدى إلى جهل بالموصوف سبحانه ,وبين جهل بمفردات الصفة )

و المتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا

ودليل آخر أقوى من دليل قدامة وهو ماحدث من اختلاف بين أفضل الأمة على الإطلاق بعد نبيها صلى الله عليه وسلم وهما وزيراه من أهل الأرض ,الصديق ,والفاروق رضى الله عنهما وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ,فى حروب أهل الردة فقد كفرهم أبو بكر الصديق وعارضه عمر الفاروق ولم يكفرهم ,وقال كيف تكفر من قال لاإله إلا الله ,فتوقف عمر فى تكفيرهم ,وناظره الصديق وبين له بالدليل أن هؤلاء كفروا بعد إسلامهم  حتى شرح الله صدر عمر لكلام الصديق رضى الله عنهما .

فهذا من أقوى الأدلة فى عدم كفر المتأول قبل إزالة شبهته وإقامة الحجة علية بالعلم والدليل وانقطاع حجته وزوال شبهته بمواجهته والسماع منه ومناظرته ومناقشته 

حُكْمُ الْمُرْتَدِّ - سُئِلَ : عَنْ رَجُلَيْنِ تَكَلَّمَا فِي " مَسْأَلَةِ التَّأْبِيرِ " فَقَالَ أَحَدُهُمَا : مَنْ نَقَصَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ تَكَلَّمَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصِ الرَّسُولِ كَفَرَ ؛ لَكِنْ تَكْفِيرُ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ ؛ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَدْ يَتَكَلَّمُ فِي مَسْأَلَةٍ بِاجْتِهَادِهِ فَيُخْطِئُ فِيهَا فَلَا يَكْفُرُ ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكْفُرُ مِنْ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الْمُكَفِّرَةُ ، وَلَوْ كَفَّرْنَا كُلَّ عَالِمٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ لَزِمَنَا أَنْ نُكَفِّرَ فُلَانًا - وَسَمَّى بَعْضَ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ الَّذِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ التَّكْفِيرَ وَهُوَ الْغَزَالِيُّ - فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ تَخْطِئَةَ الرَّسُولِ فِي مَسْأَلَةِ تَأْبِيرِ النَّخْلِ : فَهَلْ يَكُونُ هَذَا تَنْقِيصًا بِالرَّسُولِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ؟ وَهَلْ عَلَيْهِ فِي تَنْزِيهِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْكُفْرِ إذَا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ تَعْزِيرٌ ، أَمْ لَا ؟ وَإِذَا نَقَلَ ذَلِكَ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ نَفْسُ الْكِتَابِ الَّذِي نَقَلَهُ مِنْهُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالصِّدْقِ : فَهَلْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ تَعْزِيرٌ أَمْ لَا ؟ وَسَوَاءٌ أَصَابَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْعَالِمِ أَمْ أَخْطَأَ ؟ وَهَلْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ تَنْقِيصٌ بِالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ اعْتَدَى عَلَى مِثْلِ هَذَا ، أَوْ نَسَبَهُ إلَى تَنْقِيصٍ بِالرَّسُولِ ، أَوْ الْعُلَمَاءِ ، وَطَلَبَ عُقُوبَتَهُ عَلَى ذَلِكَ : فَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ .

الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ .

لَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ تَنْقِيصٌ بِالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا فِيهِ تَنْقِيصٌ لِعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ؛ بَلْ مَضْمُونُ هَذَا الْكَلَامِ تَعْظِيمُ الرَّسُولِ وَتَوْقِيرُهُ ، وَأَنَّهُ لَا يُتَكَلَّمُ فِي حَقِّهِ بِكَلَامٍ فِيهِ نَقْصٌ ؛ بَلْ قَدْ أَطْلَقَ الْقَائِلُ تَكْفِيرَ مَنْ نَقَصَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ تَكَلَّمَ بما يدل عَلَى نَقْصِهِ ، وَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي تَعْظِيمِهِ ؛ وَوُجُوبُ الِاحْتِرَازِ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى نَقْصِهِ .

ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذَا بَيَّنَ أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الدُّنْيَا بِاجْتِهَادِهِمْ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ أَحَدِهِمْ بِمُجَرَّدِ خَطَأٍ أَخْطَأَهُ فِي كَلَامِهِ ، وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ تَجِبُ مُوَافَقَتُهُ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ ؛ وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا مِنْ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِيهِ مِنْ الدِّينِ وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ ؛ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ الْمَحْضِ ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُتْرَكُ بَعْضُ كَلَامِهِ لِخَطَأٍ أَخْطَأَهُ يَكْفُرُ وَلَا يَفْسُقُ ؛ بَلْ وَلَا يَأْثَمُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ : { أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ قَدْ فَعَلْت } .

وَاتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُنَازِعِينَ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَاَلَّذِينَ قَالُوا : إنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الصَّغَائِرُ وَالْخَطَأُ وَلَا يُقِرُّونَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكْفُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : إنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ كَفَرَ هَؤُلَاءِ لَزِمَ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالْمَالِكِيَّةِ ، وَالْحَنَفِيَّةِ ، وَالْحَنْبَلِيَّةِ ، وَالْأَشْعَرِيَّةِ ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالتَّفْسِيرِ ، وَالصُّوفِيَّةِ : الَّذِينَ لَيْسُوا كُفَّارًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ؛ بَلْ أَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِذَلِكَ .

فَاَلَّذِي حَكَاهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حامد الغزالي قَدْ قَالَ مِثْلَهُ أَئِمَّةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَصْحَابُ الْوُجُوهِ الَّذِينَ هُمْ أَعْظَمُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَبِي حَامِدٍ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ الَّذِي هُوَ إمَامُ الْمَذْهَبِ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ سُرَيْجٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَذَلِكَ أَنَّ عِنْدَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ كَمَا يَجُوزُ عَلَيْنَا وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَنَا أَنَّا نُقَرُّ عَلَى الخطأ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقَرَّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَسْهُو لَيَسُنَّ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّمَا أَسْهُو لِأَسُنَّ لَكُمْ } وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ ذَكَرَهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ هَذَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، وَأَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ .

وَكَذَلِكَ ذَكَرَهَا بَقِيَّةُ طَوَائِفِ أَهْلِ الْعِلْمِ : مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ادَّعَى إجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ وَنَحْوِهِ ؛ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ ؛ وَمَنْ كَفَّرَهُمْ بِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الْغَلِيظَةَ الَّتِي تَزْجُرُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي مِثَالِ ذَلِكَ : قَوْلُهُمْ صَوَابٌ أَوْ خَطَأٌ .

فَمَنْ وَافَقَهُمْ قَالَ : إنَّ قَوْلَهُمْ الصَّوَابُ .

وَمَنْ نَازَعَهُمْ قَالَ : إنَّ قَوْلَهُمْ خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ قَوْلُ مُخَالِفِهِمْ .

وَهَذَا الْمَسْئُولُ عَنْهُ كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ؛ لَكِنَّهُ يَنْفِي التَّكْفِيرَ عَنْهُمْ .

وَمِثْلُ هَذَا تَجِبُ عُقُوبَةُ مَنْ اعْتَدَى عَلَيْهِ ، وَنَسَبَهُ إلَى تَنْقِيصِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الْعُلَمَاءِ ؛ فَإِنَّهُ مُصَرِّحٌ بِنَقِيضِ هَذَا ، وَهَذَا .

وَهَذَا الْقَائِلُ إنَّمَا ذَكَرَ لِدَفْعِ التَّكْفِيرِ عَنْ مِثْلِ الْغَزَالِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْبَابِ ؛ بَلْ دَفْعَ التَّكْفِيرِ عَنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَئُوا : هُوَ مِنْ أَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّةِ ؛ حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّ دَفْعَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْقَائِلِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ حِمَايَةً لَهُ ، وَنَصْرًا لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، لَكَانَ هَذَا غَرَضًا شَرْعِيًّا حَسَنًا ، وَهُوَ إذَا اجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِنْ اجْتَهَدَ فِيهِ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ .

فَبِكُلِّ حَالٍ هَذَا الْقَائِلُ مَحْمُودٌ عَلَى مَا فَعَلَ ، مَأْجُورٌ عَلَى ذَلِكَ ، مُثَابٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ لَهُ فِيهِ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ ؛ وَالْمُنْكِرُ لِمَا فَعَلَهُ أَحَقُّ بِالتَّعْزِيرِ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي قَوْلَهُ الْقَدَحُ فِي عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكُفْرِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ بِالتَّعْزِيرِ مِنْ الثَّانِي إنْ وَجَبَ التَّعْزِيرُ لِأَحَدِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُجْتَهِدًا اجْتِهَادًا سَائِغًا بِحَيْثُ يَقْصِدُ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ فَلَا إثْمَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَسَوَاءٌ أَصَابَ فِي هَذَا النَّقْلِ أَوْ أَخْطَأَ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَنْقِيصٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَكَذَلِكَ أَحْضَرَ النَّقْلَ أَوْ لَمْ يُحْضِرْهُ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي حُضُورِهِ فَائِدَةٌ ؛ إذْ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْغَزَالِيِّ قَدْ قَالَ مِثْلَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى ؛ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْ الْغَزَالِيِّ ؛ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ دُونَهُ .

وَمَنْ كَفَّرَ هَؤُلَاءِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ؛ بَلْ أَكْثَرُ علماء المسلمين وَجُمْهُورُ السَّلَفِ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ ، حَتَّى الْمُتَكَلِّمُونَ ، فَإِنَّ أَبَا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ قَالَ : أَكْثَرُ والأشعرية وَالْمُعْتَزِلَةِ يَقُولُونَ بِذَلِكَ ؛ ذَكَرَهُ فِي " أُصُولِ الْفِقْهِ " وَذَكَرَهُ صَاحِبُهُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْحَاجِبِ .

وَالْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمْ مِنْ الظَّنِّيَّاتِ ؛ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْمَعَالِي ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا ؛ فَكَيْفَ يُكَفَّرُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسَائِلِ الظُّنُونِ ؟ ، ، ، أَمْ كَيْفَ يُكَفَّرُ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ؛ أَوْ جُمْهُورُ سَلَفِ الْأَئِمَّةِ وَأَعْيَانُ الْعُلَمَاءِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ أَصْلًا ؟ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

وقال (من كان متأولا في محاربته مجتهدا لم يكن كافرا كقتل أسامة بن زيد لذلك المسلم متأولا لم يكن به كافرا وإن كان استحلال قتل المسلم المعصوم كفرا وكذلك تكفير المؤمن كفر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ومع هذا إذا قالها متأولا لم يكفر كما قال بن عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة دعني أضرب عنق هذا المنافق وأمثاله وكقول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة إنك لمنافق تجادل عن المنافقين في قصة الإفك)

وقال(ومنهم من قال المسائل الأصولية هي ما كان عليها دليل قطعي والفرعية ما ليس عليها دليل قطعي

قال أولئك وهذا الفرق خطأ أيضا فإن كثيرا من المسائل العملية عليها أدلة قطعية عند من عرفها وغيرهم لم يعرفها وفيها ما هو قطعي بالإجماع كتحريم المحرمات الظاهرة ووجوب الواجبات الظاهرة ثم لو أنكرها الرجل بجهل وتأويل لم يكفر حتى تقام عليه الحجة كما أن جماعة استحلوا شرب الخمر على عهد عمر منهم قدامة ورأوا أنها حلال لهم ولم يكفرهم الصحابة حتى بينوا لهم خطأهم فتابوا ورجعوا

وقد كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم طائفة أكلوا بعد طلوع الفجر حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم يؤثمهم النبي صلى الله عليه وسلم فضلا عن تكفيرهم وخطؤهم قطعي,وكذلك أسامة بن زيد وقد قتل الرجل المسلم وكان خطؤه قطعيا

وكذلك الذي وجدوا رجلا في غنم له فقال إني مسلم فقتلوه وأخذوا ماله كان خطؤهم قطعيا وكذلك خالد بن الوليد لما قتل بني جذيمة وأخذ أموالهم كان مخطئا قطعا وكذلك الذين تيمموا إلى الآباط وعمار الذي تمعك في التراب للجنابة كما تمعك الدابة بل والذين أصابتهم جنابة فلم يتيمموا ولم يصلوا كانوا مخطئين قطعا,وفي زماننا لو أسلم قوم في بعض الأطراف ولم يعلموا وجوب الحج أو لم يعلموا تحريم الخمر لم يحدوا على ذلك وكذلك لو نشأوا بمكان جهل

وقد زنت على عهد عمر امرأة فلما أقرت به قال عثمان إنها لتستهل به استهلال من لم يعلم أنه حرام فلما تبين للصحابة أنها لا تعرف التحريم لم يحلدوها واستحلال الزنا خطأ قطعا)

وقال(قال الشافعي لأن أتكلم في علم يقال لي فيه أخطأت أحب إلي من أن أتكلم في علم يقال لي فيه كفرت فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفرا وقد يكون كفرا لأنه تبين له أنه تكذيب للرسول وسب للخالق والآخر لم يتبين له ذلك فلا يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر إذا قاله أن يكفر من لم يعلم بحاله

والناس لهم فيما يجعلونه كفرا طرق متعددة فمنهم من يقول الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول ثم الناس متفاوتون في العلم الضروري بذلك

ومنهم من يقول الكفر هو الجهل بالله تعالى ثم قد يجعل الجهل بالصفة كالجهل بالموصوف وقد لا يجعلها وهم مختلفون في الصفات نفيا وإثباتا ومنهم من لا يحده بحد بل كل ما تبين أنه تكذيب لما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر جعله كفرا إلى طرق أخر ولا ريب أن الكفر متعلق بالرسالة فتكذيب الرسول كفر وبغضه وسبه وعداوته مع العلم بصدقه في الباطن كفر عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة العلم وسائر الطوائف إلا الجهم ومن وافقه كالصالحي والأشعري وغيرهم فإنهم قالوا هذا كفر في الظاهر وأما في الباطن فلا يكون كفرا إلا إذا استلزم الجهل بحيث لا يبقى في القلب شيء من التصديق بالرب وهذا بناء على أن الإيمان في القلب لا يتفاضل ولا يكون في القلب بعض من الإيمان وهو خلاف النصوص الصريحة وخلاف الواقع ولبسط هذا موضع آخر

والمقصود هنا أن كل من تاب من أهل البدع تاب الله عليه وإذا كان الذنب متعلقا بالله ورسوله فهو حق محض لله فيجب أن يكون الإنسان في هذا الباب قاصدا لوجه الله متبعا لرسوله ليكون عمله خالصا صوابا قال تعالى " وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ "(112) سورة البقرة 111- 112 ,

وقال(ما نقوله دائما إن المجتهد في  مثل هذا من المؤمنين إن استفرغ وسعه في طلب الحق فإن الله يغفر له خطأه وإن حصل منه نوع تقصير فهو ذنب لا يجب أن يبلغ الكفر وإن كان يطلق القول بأن هذا الكلام كفر كما أطلق السلف الكفر على من قال ببعض مقالات الجهمية مثل القول بخلق القرآن أو إنكار الرؤية أو نحو ذلك مما هو دون إنكار علو الله على الخلق وأنه فوق العرش فإن تكفير صاحب هذه المقالة كان عندهم من أظهر الأمور فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي تكفر تاركها كما ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم  في الرجل الذي قال إذا أنا مت فأحرقوني ثم استحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله على ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فقال الله له ما حملك على ما فعلت قال خشيتك فغفر له.

 فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شك وأنه لا يبعثه وكل من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة لكنه كان يجهل ذلك ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته

 فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالا من الرجل فيغفر الله خطأه أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه, وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فعظيم,  فقد ثبت في الصحيح عن ثابت بن الضحاك عن النبي ص قال لعن المؤمن كقتله ومن رمى مؤمنا بالكفر فهو كقتله

 وثبت في الصحيح أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما

وإذا كان تكفير المعين على سبيل الشتم كقتله فكيف  يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد فإن ذلك أعظم من قتله إذ كل كافر يباح قتله وليس كل من أبيح قتله يكون كافرا فقد يقتل الداعي إلى بدعة لإضلاله الناس وإفساده مع إمكان أن الله يغفر له في الآخرة لما معه من الإيمان فإنه قد تواترت النصوص بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان

 وقد رواه مسلم في صحيحه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بينا جبريل قاعدا عند النبي صلى الله عليه وسلم  إذ سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته

 وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت "لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(284) سورة البقرة 284 دخل في قلوبهم منها شئ لم يدخل قلوبهم من شئ فقال النبي  قولوا سمعنا وأطعنا قال فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا )سورة البقرة 286 قال قد فعلت

 وكلام المشايخ في مسألة العلو كثير مثل ما ذكر محمد بن طاهر المقدسي الحافظ الصوفي المشهور الذي صنف للصوفية كتاب صفة التصوف ومسألة السماع وغير ذلك ذكر عن الشيخ الجليل أبي جعفر الهمداني أنه حضر مجلس أبي المعالي الجويني وهو يقول كان الله ولا عرش وهو على ما عليه كان أو كلاما من هذا المعنى فقال يا شيخ دعنا من ذكر العرش أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو ولا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا قال فصرخ أبو المعالى ولطم على رأسه وقال حيرني الهمدانى حيرني الهمداني

وقال (كان أهل العلم و السنة لا يكفرون من خالفهم و إن كان ذلك المخالف يكفرهم لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه و تزني بأهله لأن الكذب و الزنا حرام لحق الله تعالى و كذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله و رسوله

 و أيضا فإن تكفير الشخص المعين و جواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها و إلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر

 ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة و التابعين كقدامة بن مظعون و أصحابه شرب الخمر و ظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة اتفق علماء الصحابة كعمر و علي و غيرهما على أنهم

يستتابون فإن أصروا على الاستحلال كفروا و إن أقروا به جلدوا فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق فإذا أصروا على الجحود كفروا

 وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله إذا أنا مت فاسحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين فأمر الله البر فرد ما أخذ منه و أمر البحر فرد ما أخذ منه وقال ما حملك على ما فعلت قال خشيتك يا رب فغفر له فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر الله على إعادته و أنه لا يعيده أو جوز ذلك و كلاهما كفر لكن كان جاهلا لم يتبين له الحق بيانا يكفر بمخالفته فغفر الله له

 و لهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية و النفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم أنا لو وافقتكم كنت كافرا لأني أعلم أن قولكم كفر و أنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال وكان هذا خطابا لعلمائهم و قضاتهم و شيوخهم وأمرائهم و أصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح و المعقول الصريح الموافق له وكان هذا خطابنا

 فلهذا لم نقابل جهله و افتراءه بالتكفير بمثله كما لو شهد شخص بالزور على شخص أو قذفه بالفاحشة كذبا عليه لم يكن له أن يشهد عليه بالزور ولا أن يقذفه بالفاحشة وقد كفانا ذلك شيخه وغيره من الناس فبينوا من ضلاله و جهله ما ذكروه و ذموه و عابوه و تنقصوه به كما هو معروف عن شيخه الجزري و غيره من أهل العلم

وقال(وأما تكفير من لم يكن منافقا فهذا فيه تفصيل قد بسطناه  في غير هذا الموضع وبينا الفرق بين من قامت عليه الحجة النبوية التي يكفر تاركها وبين المخطئ المجتهد في اتباع الرسول إذا اقتضى خطؤه نفى بعض ما أثبته أو إثبات بعض ما نفاه حتى نفس المقالة الواحدة يكفر بتكذيبها من قامت عليه الحجة دون من لم تقم كالذي قال إذا مت فاسحقوني ثم اذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين, فإن الإيمان بقدرة الله على كل شيء ومعاد الأبدان من أصول الإيمان ومع هذا فهذا لما كان مؤمنا بالله وأمره ونهيه وكان إيمانه بالقدرة والمعاد مجملا فظن أن تحريقه يمنع ذلك فعل ذلك ومعلوم أنه لو كان قد بلغه من العلم أن الله يعيده وإن حرق كما بلغه أنه يعيد الأبدان لم يفعل ذلك,وقد بسطنا الكلام في مقالات الناس في التكفير وبيان الصواب في غير هذا الموضع

وقال(وأما ما يظهر له ضرر فيقع في محل الاجتهاد والنظر فيحتمل أن يكفر وأن لا يكفر ومن جنس ذلك ما يدعيه بعض من يدعي التصوف أنه قد بلغ حالة بينه وبين الله تعالى أسقطت عنه الصلاة وحل له شرب الخمر والمعاصي وأكل مال السلطان فهذا ممن لا أشك في وجوب قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر وقتل مثل هذا أفضل من قتل مائة كافر إذ ضرره في الدين أعظم ويفتح به باب من الإباحة لا يسد فضرر هذا فوق ضرر من يقول بالإباحة مطلقا فإنه يمتنع من الإصغاء إليه لظهور كفره وأما هذا فإنه يهدم الشرع من الشرع ويزعم أنه لم يرتكب فيه إلا تخصيص عموم الكتاب إذ خصص عموم آيات التكليفات لمن ليس له مثل درجته في الدين وربما يزعم أنه يلابس الدنيا ويفارق المعاصي بظاهره وهو بباطنه بريء عنها ويتداعى هذا إلى أن يدعي كل فاسق مثل حاله وينحل به عصام الشرع ولا ينبغي أن يظن أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعا في كل مقام بل التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدماء والحكم بالخلود في النار فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية فتارة يدرك بيقين وتارة يدرك بظن غالب وتارة يتردد فيه ومهما حصل تردد فالتوقف عن التكفير أولى والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل

وقال(ولو فرض أن شخصا مؤمنا باطنا وظاهرا ولكن جهل وضل في صفة القدرة أو العلم حتى ظن أن القدرة تقوم بغيره والعلم بغيره كما هو قول الباطنية لكان حاله كحال من هو مؤمن باطنا وظاهرا وقد جهل وضل حتى اعتقد أن الكلام لا تقوم به بل بغيره وكثير من أهل المقالات قد أخرج بعض الموجودات عن قدرته ومنع قدرته عن أشياء كحال الذي قال لولده ما قال فهذه المقالات هي كفر لكن ثبوت التكفير في حق الشخص المعين موقوف على قيام الحجة التي يكفر تاركها وإن أطلق القول بتكفير من يقول ذلك فهو مثل إطلاق القول بنصوص الوعيد مع أن ثبوت حكم الوعيد في حق الشخص المعين موقوف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه ولهذا أطلق الأئمة القول بالتكفير مع أنهم لم يحكموا في عين كل قائل بحكم الكفار بل الذين استمحنوهم وأمروهم بالقول بخلق القرآن وعاقبوا من لم يقل بذلك إما بالحبس والضرب والإخافة وقطع الرزق بل بالتكفير أيضا لم يكفروا كل واحد منهم وأشهر الأئمة بذلك الإمام أحمد وكلامه في تكفير الجهمية مع معاملته مع الذين امتحنوه وحبسوه وضربوه مشهور معروف

 وإنما القصد هنا التنبيه على أن عامة هذه التأويلات مقطوع ببطلانه وأن الذي يتأوله أو يسوغ تأويله فقد يقع بالخطأ في نظيره أو فيه بل قد يكفر من يتأوله ونحن قد بسطنا الكلام في هذه الأبواب في غير هذا الموضع وإنما الغرض في هذا الجواب التنبيه على مخالفة أقوال هؤلاء المتفلسفة لدين الإسلام وأن أقوالهم هذه التي أدخلها من أدخلها من المتكلمة والمتصوفة في دين الإسلام ليست موافقة لأقوال الرسل بل نقطع بمخالفتها وأنا أنبه على نكت فيما ذكره

 

 

 

 

عدم التكفير فى مسائل التأويل

وقال(مع أنى فى عمرى إلى ساعتى هذه لم أدع أحدا قط فى أصول الدين إلى مذهب حنبلى وغير حنبلى ولا انتصرت لذلك ولا أذكره فى كلامى ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وقد قلت لهم غير مرة أنا أمهل من يخالفنى ثلاث سنين إن جاء بحرف واحد عن أحد من أئمة القرون الثلاثة يخالف ما قلته فأنا أقر بذلك وأما ما أذكره فأذكره عن أئمة القرون الثلاثة بألفاظهم وبألفاظ من نقل إجماعهم من عامة الطوائف

 هذا مع أنى دائما ومن جالسنى يعلم ذلك منى أنى من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التى من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى واني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ فى المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية

 وما زال السلف يتنازعون فى كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية كما أنكر شريح قراءة من قرأ " بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) "الصافات12وقال إن الله لا يعجب فبلغ ذلك إبراهيم النخعى

فقال إنما شريح شاعر يعجبه علمه كان عبد الله أعلم منه وكان يقرأ بل عجبت وكما نازعت عائشة وغيرها من الصحابة فى رؤية محمد ربه وقالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ومع هذا لا نقول لابن عباس ونحوه من المنازعين لها إنه مفتر على الله وكما نازعت فى سماع الميت كلام الحى وفى تعذيب الميت ببكاء أهله وغير ذلك

 وقد آل الشر بين السلف الى الاقتتال مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعا مؤمنتان وان الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم لأن المقاتل وان كان باغيا فهو متأول والتأويل يمنع الفسوق

 وكنت أبين لهم أنما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهى مسألة الوعيد فان نصوص القرآن فى الوعيد مطلقة كقوله إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية وكذلك سائر ما ورد من فعل كذا فله كذا فإن هذه مطلقة عامة

 وهى بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا فهو كذا ثم الشخص المعين يلتغى حكم الوعيد فيه بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أوشفاعة مقبولة

وقال فى قاعدة أهل السنة فى تكفير المتأول(ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة فإن الله تعالى قال"آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)  " البقرة    285    وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم

 والخوارج المارقون الذين أمر النبي بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم

 وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين أشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها وإن كانت فيها بدعة محققة فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضا وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ والغالب أنهم جميعا جهال بحقائق ما يختلفون فيه

 والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا تحل إلا بإذن الله ورسوله قال النبي صلى الله عليه و سلم لما خطبهم في حجة الوداع إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وقال صلى الله عليه و سلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وقال من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ذمة الله ورسوله وقال إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال أنه أراد قتل صاحبه وقال لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وقال إذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما وهذه الأحاديث كلها في الصحاح

 وإذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه و سلم أنه قد شهد بدرا وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدل فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وهذا في الصحيحين وفيها أيضا من حديث الإفك أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة أنك منافق تجادل عن المنافقين واختصم الفريقان فأصلح النبي صلى الله عليه و سلم بينهم فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم إنك منافق ولم يكفر النبي لا هذا ولا هذا بل شهد للجميع بالجنة

 وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلا بعد ما قال لا إله إلا الله وعظم النبي ذلك لما أخبروه وقال يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ومع هذا لم يوجب عليه قودا ولا دية ولا كفارة لأنه كان متأولا ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذا

 فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضها من أهل الجمل وصفين ونحوهم وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره قيل يثبت وقيل لا يثبت وقيل يثبت المبتدأ دون الناسخ والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى "  مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) " الإسراء وقوله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين)

 فالمتأول والجاهل المعذور- خلافا للجاهل غير المعذور – فليس كل جاهل معذور- ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل الله لكل شيء قدرا

وقال(وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة ونحو ذلك ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع من هؤلاء وغيرهم خلافا ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنا وظاهرا لكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ ما أخطأ من السنة فهذا ليس بكافر ولا منافق ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقا أو عاصيا وقد يكون مخطئا متأولا مغفورا له خطأه وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه فهذا أحد الأصلين

 والأصل الثاني أن المقالة تكون كفرا كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحليل الزنا والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب وكذا لا يكفر به جاحده كمن هو حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام فهذا لا يحكم بكفره بجحد شيء مما أنزل على الرسول إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول ومقالات الجهمية هي من هذا النوع فإنها جحد لما هو الرب تعالى عليه ولما أنزل الله على رسوله

 وتغلظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه(والكلام فى أصحاب المقالات الخفية وأهل التأويل)

 أحدها أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جدا مشهورة وإنما يردونها بالتحريف

 الثاني أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع وإن كان منهم من لا يعلم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله فأصل الكفر الإنكار لله        

 الثالث أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها وأهل الفطر السليمة كلها لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى يظن أن الحق معهم لما يوردونه من الشبهات ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله ورسوله باطنا وظاهرا وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة فهؤلاء ليسوا كفارا قطعا بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي وقد يكون منهم المخطئ المغفور له وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه

 وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة أن الإيمان يتفاضل ويتبعض كما قال النبي يخرج من النار من كان في قلبه مثال ذرة من إيمان وحينئذ فتتفاضل ولاية الله وتتبعض بحسب ذلك

 وإذا عرف أصل البدع فأصل قول الخوارج أنهم يكفرون بالذنب ويعتقدون ذنبا ما ليس بذنب ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب وإن كانت متواترة ويكفرون من خالفهم ويستحلون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي كما قال النبي فيهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ولهذا كفروا عثمان وعليا وشيعتهما وكفروا أهل صفين الطائفتين في نحو ذلك من المقالات الخبيثة

وأصل قول الرافضة أن النبي نص على علي نصا قاطعا للعذر وأنه إمام معصوم ومن خالفه كفر وإن المهاجرين والأنصار كتموا النص وكفروا بالإمام المعصوم واتبعوا أهواءهم وبدلوا الدين وغيروا الشريعة وظلموا واعتدوا بل كفروا إلا نفرا قليلا إما بضعة عشر أو أكثر ثم يقولون إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالا منافقين وقد يقولون بل آمنوا ثم كفروا

 وأكثرهم يكفر من خالف قولهم ويسمون أنفسهم المؤمنين ومن خالفهم كفارا ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دار ردة أسوأ حالا من مدائن المشركين والنصارى ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين ومعاداتهم ومحاربتهم كما عرف من موالاتهم الكفار المشركين على جمهور المسلمين ومن موالاتهم الإفرنج النصارى على جمهور المسلمين ومن موالاتهم اليهود على جمهور المسلمين

 ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة فجمهور العامة لا تعرف ضد السنى إلا الرافضي فإذا قال احدهم أنا سني فإنما معناه لست رافضيا ولا ريب أنهم شر من الخوارج

  ثم أن السلف والأئمة إشتد إنكارهم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم ولم أعلم أحدا منهم نطق بتكفيرهم بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون فى ذلك وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرا لهؤلاء أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع فى تكفيرهم فقد غلط غلطا عظيما والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة وأمثال هؤلاء ولم يكفر أحمد الخوارج ولا القدرية إذا أقروا بالعلم وأنكروا خلق الأفعال وعموم المشيئة لكن حكي عنه في تكفيرهم روايتان

 وأما المرجئة فلا يختلف قوله فى عدم تكفيرهم مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولا كل من قال إنه جهمي كفره ولا كل من وافق الجهمية فى بعض بدعهم بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وإمتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة لم يكفرهم أحمد وأمثاله بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ويرى الإئتمام بهم فى الصلوات خلفهم والحج والغزو معهم والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم وإن لم يعلموا هم أنه كفر وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان فيجمع بين طاعة الله ورسوله فى إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة وإن كانوا جهالا مبتدعين وظلمة فاسقين

والتحقيق فى هذا أن القول قد يكون كفرا كمقالات الجهمية الذين قالوا إن الله لا يتكلم ولا يرى فى الآخرة ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر فيطلق القول بتكفير القائل كما قال السلف من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن قال إن الله لا يرى فى الآخرة فهو كافر ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم كمن جحد وجوب الصلاة والزكاة واستحل الخمر والزنا وتأول فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه فإذا كان المتأول المخطئ فى تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته كما فعل الصحابة فى الطائفة الذين إستحلوا الخمر ففي غير ذلك أولى وأحرى وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح فى الذي قال إذا أنا مت فأحرقونى ثم اسحقونى فى اليم فوالله لئن قدر الله على ليعذبنى عذابا ما عذبه أحدا من العالمين وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك فى قدرة الله وإعادته إذا حرقوه وهذه المسائل مبسوطة فى غير هذا الموضع

فإن قال قائل : هل تكفرون أهل التأويل أو تفسقونهم ؟ (1)

قلنا : الحكم بالتكفير والتفسيق ليس إلينا بل هو إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة فيجب التثبت فيه غاية التثبت فلا يكفر ولا يفسق إلا من دل الكتاب والسنة على كفره أو فسقه .
والأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه لأن في ذلك محذورين عظيمين :
أحدهما : افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به
الثاني : الوقوع فيما نبز به أخاه إن كان سالماً منه ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما " وفي رواية : " إن كان كما قال وإلا رجعت عليه " كذلك إلا حار عليه " (1

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ص (180) جـ (12) مجموع الفتاوى لابن قاسم :

 " وأما التكفير فالصواب أن من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحق فأخطأ لم يكفر بل يغفر له خطؤه ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب ثم قد يكون فاسقاً وقد يكون له حسنات ترجح على سيئاته " ا0هـ
وبهذا علم أن المقالة أو الفعلة قد تكون كفراً أو فسقاً ولا يلزم من ذلك أن يكون القائم بها كافراً أو فاسقاً إما لانتفاء شرط التكفير أو التفسيق أو وجود مانع شرعي يمنع منه ومن تبين له الحق فأصر على مخالفته تبعاً لاعتقاد كان يعتقده أو متبوع كان يعظمه أو دنيا كان يؤثرها فإنه يستحق ما تقتضيه تلك المخالفة من كفر أو فسوق .
فعلى المؤمن أن يبني معتقده وعمله على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيجعلهما إماماً له يستضيء بنورهما ويسير على منهاجهما فإن ذلك هو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى به في قوله" وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)"   [ الأنعام : 153] .

وليحذر ما يسلكه بعض الناس من كونه يبني معتقده أو عمله على مذهب معين فإذا رأى نصوص الكتاب والسنة على خلافه حاول صرف هذه النصوص إلى ما يوافق ذلك المذهب على وجوه متعسفة فيجعل الكتاب والسنة تابعين لا متبوعين وما سواهما إماماً لا تابعاً وهذه طريق من طرق أصحاب الهوى لا أتباع الهدى وقد ذم الله هذه الطريق في قوله :" وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)" [المؤمنون : 71] .
والناظر في مسالك الناس في هذا الباب يرى العجب العجاب ويعرف شدة افتقاره إلى اللجوء إلى ربه في سؤال الهداية والثبات على الحق والاستعاذة من الضلال والانحراف .
ومن سأل الله تعالى بصدق وافتقار إليه عالماً بغنى ربه عنه وافتقاره هو إلى ربه فهو حرى أن يستجيب الله تعالى له سؤله يقول الله تعالى " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَريبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)" [ البقرة : 186] .

فنسأل الله أن يجعلنا ممن رأى الحق حقاً واتبعه ورأى الباطل باطلاً واجتنبه وأن يجعلنا هداة مهتدين وصلحاء مصلحين وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ويهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.

هذا هو حال أهل السنة مع أهل الغلو فى التكفير الذين يأخذون كلام العلماء المطلق ويعتمدون على المتشابه من الأدلة والنصوص ليكفروا المسلمين وعلماء المسلمين بالظن والتأويل والجهل  والهوى والزيغ والضلال

نسأل الله السلامة والعافية وحسن الخاتمة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حال أهل السنة مع المرجئة وأهل الإرجاء

 

 أما حالهم مع أهل التفريط والإرجاء من مرجئة وأشاعرة فهو عجب عجاب وقد مر بعض من أقوالهم فسما سبق فهم يريدون منا أن نقول بقولهم ونعتقد عقيدتهم الفاسدة من أن من قال لا إله إلا الله فهو من أهل الجنة وإن لم يعمل قط وإن أعرض عن العمل بالشريعة وأركان الإسلام والإيمان وترك أعمال الجوارح بالكلية مع قدرته وتمكنه وعدم عجزه يقولون أنه مسلم لأنه يقول لا إله إلا الله ولو وقع فى الكفر والشرك وأرتكب النواقض المكفرة الجلية الظاهرة فهو مسلم لو مات على هذا الشرك والكفر مسلم تجرى عليه أحكام الإسلام يريدون منا أن نثبت الإسلام لمرتكب الشرك الأكبر والكفر الأكبر لأنه جاهل بالتوحيد معذور بجهله يريدون منا أن نثبت الإسلام للحاكم المبدل لدين الله المغير للحدود الله الذى نحى شريعة الله وأتى  بقوانين م عنده وجعلها قانونا عامناً ملزماً للبشر وعاقب كل من لم يتحاكم إلى القانون وحارب كل من يطالب بتحكيم شرع الله فهو حاكم مسلم عندهم وكل ذلك من الذنوب والكبائر التى هى دون الكفر والشرك الأكبر لذلك فهو كفر دون كفر وهو مسلم تحت المشيئة يريدون منا أن نثبت الإسلام لجنود بالطاغوت وأعوانه وأنصاره الذين يحرسون الشرك والكفر ويحمونه ويقومون على تنفيذه بالقوة بين الناس , يريدون منا تسمية الكافر المشرك ولى أمر المؤمنين وإن قلنا لهم من قال من الصحابة أن تارك أعمال الجوارح بالكلية مع القدرة والتمكن وعدم العجز مسلم ؟ من قال ذلك من قال من الصحابة أن مرتكب الشرك الأكبر والكفر الأكبر يسمى مسلم ولا يسمى مشرك وبأي دليل قلتم ذلك عنهم من قال أن التشريع من دون الله تغير حكم الله وتبديل حكم الله كفر دون كفر –لو ألزمناهم بالدليل عن الصحابة يحيدون عن الجواب إلى شبهات من أقوال العلماء هى عليهم .لو قلنا لهم إن الله لم يفرق بينم الطاغوت وجنده فى القرآن فى الحكم والمسأل وليس هناك دليل على التفريق بينهم لو قلنا لهم ليس هناك دليل فى القرآن كله يسمى المشرك مسلم لو قلنا لهم ذلك وخالفناهم فى عقيدتهم الفاسدة قالوا عنا تكفير وتوقف وقطبي من أهل الغلو متشدد من الفئة الضالة ومع ذلك تجدهم فى منتهى التناقض إتباعاً للهوى فتجدهم يرمون المجاهدين بالخوارج والفئة الضالة لأنهم يحاربون اليهود والنصارى وأهل الصليب خوارج وضلال لأنهم  كشفوا حقيقة الحكام العملاء فأيهما أولى بالغلو والتشدد الذى لم يفرق بين مذهب الخوارج الحرورية وبين الذين يخرجون على الحكام الكفرة والظلمة ؟  فإذا خالفناهم فى عدم تكفير المجاهدين ورميهم بالفئة الضالة قالوا أنتم تدافعون عن الخوارج المبتدعة فأنتم مثلهم !!! يا سبحان الله العظيم هكذا بإطلاق، مع أن من هؤلاء من ينتسبون إلى السلف والسلفية ؟؟؟  ولو ناقشتهم فى مسائل الإيمان وأردت أن تحملهم على القول يكفر بعض الأعيان لاشتهار كفرهم وردتهم وكان كفرهم البواح ظاهر جلي بالقول والعمل ، قالوا لك هلا شققت عن قلوبهم وبطونهم وعرفت أنهم قد استحلوا الكفر فى قلوبهم . وألزموك بمعرفة القلب وما وقر فيه قبل أن تحكم عليهم بالكفر بناءً على ما ظهر منهم من الكفر البواح وإن كان كفرهم جاء من جهة اعتقادهم للكفر وأردت أن تكفرهم لذلك قالوا لك كيف تكفرهم وهم يقولون لا إله إلا الله ويظهرون الإيمان من صوم وصلاة وقرآن ؟ فإن أردت أن تكفر من كفره الله ممن ظاهره الكفر البواح اعترضوا عليك بأصول جهم بن صفوان وألزموك بشق القلوب والبطون وهذا أسلوب خبيث معلوم مشهور عن أدعياء السلفية ذكرناه لكي  ينتبه إليه طالب العلم فى حال ابتلى بمجالسة هؤلاء القوم أو بالحديث إليهم أو مناظرتهم .

 وهؤلاء خالفوا أهل السنة والجماعة فى قواعدهم وأصولهم وخالفوا قاعدة من أهم قواعد الإسلام عند أهل السنة والجماعة ألا وهى

 قاعدة بناء الأحكام على الظاهر من إيمان وكفر

وهى أن أحكام الدنيا تجرى على الظاهر من إسلام وكفر فكل من أظهر لنا الإسلام حكمنا بإسلامه وقلنا إنه مسلم ومن أظهر لنا الكفر حكمنا بكفره وقلنا إنه مشرك وهى من أعظم قواعد أهل السنة التى تميزهم عن أهل البدع من الخوارج والمرجئة

والأدلة عليها أكثر من أن تحصر ذكرنا طرفا منها فى " التنبيهات المختصرة " ومن ذلك

 قول النبي صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب –وكان من أسرى بدر – يا عباس افد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبى طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عقبة بن عمرو بن جحدم ، فإنك ذو مال فقال : يا رسول الله إني كنت مسلماً ولكن القوم إستكرهونى فقال " الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك به ، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك ولم يقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم وعاملة على ظاهره الذى ظهر منه .

وقد أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه - أنه قال : إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي فى عهد رسول الله صلى الله علية وسلم وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيراً أمناه وصدقناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسبه فى سريرته ، ومن أظهر لنا سوءاً لم نؤمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة "

فالحكم بالظاهر من إسلام وكفر من أهم أصول أهل السنة الذين خالفوا بها الخوارج الذين كفروا بالظن والاحتمال والتأويل والشبهات وكذلك خالفوا المرجئة الذين لم يعتبروا بالظاهر وحكموا على الكافر المظهر للكفر بالإسلام . وقيدوا الإسلام بباطن لا يمكن الوقوف علية مع الكفر الجلي الظاهر .

 وكثيراً ما نجد بعض دعاة أهل السنة مع هذه المطرقة والسندان نجده مع قوة الضغط وخصوصاً من مرجئة العصر يميل إليهم ويخشى الصدع بالحق خوفاً من هذه التهمة الشنيعة تهمة الغلو تجد بعض الدعاة لا يتكلم فى مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك خوفاً من أن ينحصر بين مطرقة الخوارج وسندان المرجئة وبعضهم فى كتاباته يراعى هذه المسألة فتجده يكتب ما يرضى الطرفين كالموفق بينهما فيفقد هويته السنية وطريقته المرضية التى كان يتقرب بها إلى رب البرية ومع ذلك لا يسلم من هؤلاء ولا هؤلاء فضلاً على أنه خسر نفسه وتخلى عن المبادئ والأصول والثوابت من الصدع بالحق وبيانه للناس لا يخشى فى الله لومة  لائم فهو أجير عند الله وعبد له سبحانه ولا يحق له ولا يجوز أن يلتفت إلى الناس وإرضائهم على حساب العقيدة والمنهج

 فقد أمرنا الله بقول الحق فقال سبحانه" وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) " الكهف 29 ,  وبين لنا كيف نبلغ هذا الحق فقال سبحانه " ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) "النحل 125

 وعندما سكت بعض أهل السنة عن الباطل ظهر وانتفش وأخذ يصول ويجول بين غلو وإرجاء حتى ظهر مرجئة العصر وقالوا ليس هناك كفر ردة إلا للمعاند فقط أما الجاهل فهو مسلم مع ردته وكفرة ولخطورة هذه المسألة وآثارها السلبية على المجتمع المسلم واللوازم الباطلة والفاسدة التى تبنى على هذا الضلال والانحراف كانت هذه الرسالة وهى الخامسة [14] من سلسلة مباحث ودراسات فى عقيدة أهل السنة والجماعة

 

الفصل الأول

أولاً تعريف الإيمان عند السلف الصالح, أهل السنة والجماعة .

قد تكلمنا عن حقيقة الإيمان بالتفصيل فى التنبيهات وهنا نقول باختصار أن الإيمان عند أهل السنة يتركب من أركان ثلاثة الاعتقاد والقول والعمل باعتقاد القلب وقول اللسان وعمل بالجوارح والأعمال من الإيمان وركن فيه ومن الأعمال ما يزول الإيمان بزوالها ومنها مالا يزول الإيمان بزوالها لأنه مراتبه ثلاثة أصل الإيمان والإيمان الواجب والإيمان المستحب ولا يزول الإيمان إلا بزوال أصله فهو أصل وشعب وكما جاء فى القرآن الكريم والسنة الصحيحة أنة يزيد وينقص والقول قولان قول القلب وقول اللسان ، والعمل عملان عمل القلب وعمل الجوارح وهذا هو قول أهل السنة خلافاً للمرجئة والخوارج والمعتزلة والشاعرة الذين يخالفون أهل السنة فى تعريف الإيمان وحقيقته

حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة

(من أصول الاعتقاد فى ملة الإسلام , الذى قامت عليه دلائل الكتاب ؛والسنة , والإجماع من الصحابة –رضى الله عنهم –فمن بعدهم من التابعين لهم بإحسان - : أن ((حقيقة الإيمان )) :

((قول وعمل ؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وذلك دين القيمة مضت الأمة على ذلك إلى مائة عام من الهجرة , ونحو عقدين من صدر القرن الثاني , مضوا على ذلك اعتقاداً؛ وواقعاً , علماً وعملاً, كما رباهم النبي –صلى الله عليه وسلم – على ذلك كما قال بعضهم : كنا مع النبي –صلى الله عليه وسلم – ونحن غلمان حزاورة –الحزور : الغلام الفطن – فتعلمنا الإيمان , قبل أن نتعلم القرآن , فازددنا به إيماناً )) رواه ابن ماجه : (برقم /61 ) وعبد الله بن الإمام أحمد فى ((السنة)) : (1/97 )

وكان الواحد منهم إذا سئل عن الإيمان أجاب بنصوص الوحيين الشريفين .

فهذا أبو ذر , والحسن بن على – رضى الله عنهم – سئلا عن الإيمان فأجابا بقول الله تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) الآية (البقرة 177 ) وانظر : (( فتح الباري)) : ( 1/50).

وتارة يكون الجواب بالحديث , كما أجاب النبي –صلى الله عليه وسلم – بذلك جبريل ((عليه السلام ))ووفد عبد القيس . كما فى حديث الإسلام والإيمان والإحسان , المشهور .

وحديث((الإيمان بضع وسبعون شعبة : أدناها إماطة الأذى عن الطريق )).

وعلى ذلك توافرت كتب السنة فى أصول الملة  بأقلام  سلفها الأمناء ,

مثل : ((السنة )) لا بن الإمام أحمد , والالكائى , وابن بطة ,وغيرهم .

كان الناس على ذلك المعتقد الصافي:

من أن (( الإقرار )) ركن الإيمان.

وأن ((القول )) ركن الإيمان .

وأن ((الفعل )) ركن الإيمان وأن الإيمان ((يزيد وينقص )) .

عقيدة سهلة ميسورة , وعمل دؤوب , حتى أن بعضهم يقول فى تعبيره ((الدين : قول وعمل )) . والآخر يقول : ((الإيمان قول وعمل )) .

إنه الاعتقاد الجازم , والعمل الجاد , بلا اصطلاحات منطقية ,ولا تكلفات فلسفية.   

فهم بذلك لا يحتاجون إلى تعريف أو بيان , كيف يعرفون أمراً يعيشونه اعتقاداً , وعلماً ,وعملاً, ودعوة , وجهاداً .

يقول الإمام الحجة أبو عبد الله البخاري – رحمة الله تعالى - :

((لقيت أكثر من ألف رجل من أهل  العلم : أهل الحجاز , ومكة , والمدينة , والكوفة , والبصرة , وواسط , وبغداد , والشام , ومصر,  لقيتهم كرات قرناً بعد قرن – أى طبقة بعد طبقة – أدركتهم , وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة –ثم أخذ فى تعدادهم على البلدان – وقال : فلما رأيت واحداً منهم يختلف فى هذه الأشياء  :

(( أن الدين : قول وعمل . . . )) .

مضت الأمة على ذلك المعتقد , لا يختلف فيه اثنان قط – وعلى المدعي الدليل – ثم إنه من محدثات الأمور : أن فاه بعض العباد, والفقهاء بالكلام فى (( حقيقة الإيمان )) فكان أول من حرك هذه الفتنة :

حماد بن أبى سليمان المتوفى سنة 120 هـ, شيخ أبى حنيفة , وعنه أخذ به.

وقيل : أول من فاه بها : قيس الماصر.

وقيل : ذر بن عبد الله الهروى . 

عندئذٍ ابتدرهم جماعة المسلمين بالرد , وأكذبوهم , وأبطلوا دعواهم , فصاروا بذلك ((أهل السنة والجماعة )).

ثم تشعبت بعد الفرق المتكلمة فى حقيقة الإيمان :

فالمرجئة الفقهاء , وابن كلاب اختزلوا ركنه الأعظم ((العمل )) .

والجهمية , والأشعرية , والماتريدية : اختزلوا (( القول والعمل )) .    

  والغسانية : اختزلوا ركنية الإعتقاد بالجنان فهو باللسان والجوارح  فقط .

والكرامية : قصرته علي " اللسان " فقط .

أما الخوارج , والمعتزلة, فقالوا عن حقيقة الإيمان هي :

" إعتقاد , وقول , وعمل " لكن لا يزيد بالطاعة , ولا ينقص

 بالمعصية .

ثم افترقوا :

فقالت الخوارج :يكفر صاحب الكبيرة .

    وقالت المعتزلة : هو بمنزلة بين المنزلتين .

وعلي الرغم من اتساع دائرة هذه الأهواء الهادرة , والفتن المتعددة ,

فقد ثبت الله الذين آمنوا " أهل السنة والجماعة " علي أصل الملة ,

حقائقها الشرعية من أن الإيمان : " قول , وعمل , ونية  , وسنة , يزيد

بالطاعة , وينقص بالمعصية "

وعليه : فلإيمان إذا كان قولاً بلا عمل , فهو كفر .

وإذا كان قولاًَ وعملاً بلا نية , فهو نفاق 

وإذا كان قولاً وعملاً ونية بلا سنة , فهو بدعة

كما قال سهل بن عبد الله التستري , والأوزاعي , والشافعي , وغيرهما .

 "وهنا ينبغي التنبيه علي أمر مهم , وهو أن ما ورد عن كثير من التابعين , وتلامذتهم , في ذم الإرجاء , وأهله , والتحذير من بدعتهم إنما المقصود به هؤلاء المرجئة الفقهاء – الذين يقولون : الإيمان التصديق والقول – فإن جهماً لم يكن قد ظهر بعد , وحتى بعد ظهوره كان

 بخراسان , ولم يعلم عن عقيدته بعض من ذم الإرجاء من علماء العراق , وغيره , الذين ما كانوا يعرفون إلا إرجاء فقهاء الكوفة , ومن اتبعهم, حتى أن بعض علماء  الغرب كابن عبد البر لم يذكر إرجاء الجهمية بالمرة " .

وبعد أن بين شيخ المفسرين ابن جرير الطبري –رحمه الله تعالى – معنى ((الإرجاء)) وأنه التأخير , ساق بسنده عن ابن عيينة , أنه سئل عن الإرجاء فقال : ((الإرجاء على وجهين : قوم أرجوا أمر على وعثمان , فقد مضى أولئك . فأما المرجئة اليوم : فهم يقولون : الإيمان قول بال عمل . فلا تجالسوهم , ولا تؤاكلوهم , ولا تشاربوهم , ولا تصلوا معهم , ولا تصلوا عليهم .

ثم قال الطبري –بعد نقل آثار عنهم – :

(( والصواب من القول فى المعنى الذى من أجله سميت مرجئة , أن يقال : إن الإرجاء معناها ما بينا قبل من تأخير الشيء .

فمؤخر أمر على وعثمان –رضى الله عنهما -  وتارك ولايتهما , والبراءة منها مرجئاً أمرهما فهو مرجئ.

ومؤخر العمل والطاعة عن الإيمان , مرجئهما عنه , فهو مرجئ .

غير أن الأغلب من استعمال أهل المعرفة بمذاهب المختلقين فى الديانات فى دهرنا , هذا الاسم , فيمن كان من قوله : الإيمان قول بلا عمل , وفيمن كان مذهبه , , أن الشرائع ليست من الإيمان وأن الإيمان ,إنما هو التصديق بالقول دون العلم المصدق بوجوبه )انتهى .

وعليه :فإذا رأيت وصف الراوي بأنه ((مرجئ )) فنظر فى ترجمته ,وروايته وصفه بالإرجاء ,فأين قيد بإرجاء أمر الشيخين أو إرجاء صاحب الكبيرة , ...وإلا فهو عند الإطلاق ينصرف إلى الرمي بالإرجاء , إرجاء الفقهاء , الذين يؤخرون العمل عن حقيقة الإيمان .

ولا تغتر بعد بتمحلات اللكنوى فى ((الرفع والتكميل )), ومن بعده الكوثرى , ثم فرح أبى غده بمنحهما , فما هى إلا مخارج بالحيل الباطلة , وصرف لتاريخ الراوي , وكلا م النقاد عن وجهه السليم المسلم به.

وفى نقد ((المرجئة ))الذين يؤخرون العمل عن حقيقة الإيمان  عقد البخاري –رحمه الله تعالى –فى كتاب الإيمان من ((صحيحة ))قوله (( باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر )) .فساق فيه مجموعة أثار للرد على ((مرجئة الفقهاء )).وهذا ((الإرجاء :تأخير العمل عن حقيقة الإيمان أخطر باب لإكفار الأمة , وتهالكها فى الذنوب,والمعاصي , والآثام , وما يترتب عليه من إنحسار فى مفهوم العبادة , وتميع التوحيد العملي ((توحيد الأولهيه )),وكان من أسوء أثاره فى عصرنا ((شرك التشريع )) بالخروج على شريعة رب الأرض والسماء , بالقوانين الوضعية فهذه على مقتضى أهل الإرجاء , ليست كفراً .

ومعلوم أن الحكم بغير ماأنزل الله معاندة لشرع , ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ورسوله[15] .). أ.هـ

 قال شيخ الإسلام بن تيمية –رحمه الله- فى العقيدة الواسطية
(وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الدِّينَ وَالإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، قَوْلٌ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ. وَأَنَّ الإيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ.)                                    وهذا أمر مجمع عليه ، قال البخاري رحمه الله (طفت الأمصار وأدركت نحو ألف من علماء المسلمين علماء الأمصار كلهم يقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) ولهذا يقال إن البخاري رحمه الله لم يُخَرِّجْ في صحيحه إلا لمن قال إن الإيمان قول وعمل .

وهذا القَدْرْ مُجْمَعٌ عليه بين أهل السنة وهو أن الإيمان قول عمل .
وبعض الأئمة كأحمد وغيره يزيد ويقول (قول وعمل ونية) .
و(القول والعمل) اثنان و(قول وعمل ونية) ثلاثة ولكنها ترجع إلى الاثنين كما سيأتي .
فتعدد عبارات السلف في بيان أركان الإيمان كلها ترجع إلى معنى واحد ، فليس ذلك من الخلاف كما سيتضح عند بيان كلام الشيخ رحمه الله .

قال من أصولهم (أَنَّ الدِّينَ وَالإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ) الدين يشمل مراتب الدين الثلاثة : الإسلام والإيمان والإحسان ، وعَطْفْ الإيمان عليه من باب عطف الخاص على العام وذلك للاهتمام به ولأن الكلام كان في الإيمان .
فالإيمان إذن قول وعمل ، فصَّل ذلك فقال :
(قَوْلٌ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ)
القول يرجع إلى القلب وإلى اللسان ، والقلب له قول واللسان له قول :
- أما القلب فقوله اعتقاده ، لأنه باستحضار أنه ينطق في قلبه بهذه المعتقدات أو يقولها قلبا.
- واللسان بتكلمه بالشهادتين .
- وعمل القلب هو النية .
- وعمل اللسان هو ما يجب أن يتكلم به المرء في عباداته بلسانه من مثل الفاتحة والأذكار الواجبة إلى غير ذلك مما يجب .
- والجوارح عملها بما يتصل بعمل اليدين والرجلين وسائر جوارح ابن آدم أو سائر جوارح المكلفين
هذا من حيث الجملة في صلة هذه الكلمات .
فإذن رَجَعَ أن (القول والعمل والنية) هو القول والعمل .
فإذا قلت إن الإيمان (قول وعمل) عند أهل السنة فالعمل هو عمل القلب واللسان والجوارح وعمل القلب هو نيته .
فإذن من قال هو (قول وعمل ونية) فَصَّلَ العمل فأخرج عمل القلب فنص عليه وقال هو النية .
ومعلوم أن عمل القلب أوسع من النية يدخل فيه أنواع عبادات كثيرة كما سيأتي بيانه ، إنما أردت بذلك أَنَّ تَنَوُعْ العبارات في هذا راجع إلى شيء واحد وإنما هو تفصيل لبعض المجملات ، فمنهم من فصّل ومنهم من قال قول وعمل واكتفى بذلك والكل صحيح موافق للأدلة .
هذه مقدمة لبيان تنوع العبارات في الإيمان .
والإيمان من الألفاظ التي لها استعمال في اللغة ولها استعمال في الشرع .
لها استعمال في الكتاب والسنة ولها استعمال في اللغة .
فالإيمان لغة مشتقٌ من الأَمْنْ (أمِنَ يأمنُ أمانا) واشتُقَ منه (إيمان) .
فالإيمان من حيث الاشتقاق راجع إلى الأمن .
ومعنى الإيمان في اللغة : التصديق والاستجابة .

التصديق الجازم والاستجابة إذا كان فيما صُدِّقَ استجابة له بعمل ، بل إن التصديق في الحقيقة في اللغة وفيما جاء في القرآن لا يطلق إلا على من استجاب .
ولهذا بعض أهل العلم يقول : الإيمان في اللغة هو التصديق الجازم ولا يذكر قيد الاستجابة وذاك لأن التصديق لا يقال له تصديق حتى يكون مستجيبا في ما كان يحتاج إلى الاستجابة في أمور التصديق .
وقد قال جل وعلا في قصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل قال ?فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا? ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام كان مصدِّقا للرؤيا لأنه هو الذي رآها فلم يكن عنده شك من حيث اعتقاد أنه رأى ، ورأى هذا الشيء الذي رآه ، ولكن سمي مصدقا للرؤيا لما استجاب بالفعل ?وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا? متى ؟
لما ?أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ? .
فإذن التصديق الجازم في لغة العرب :
* تارة يكون من جهة الاعتقاد .
* وتارة يكون من جهة العمل .
فما كان من الأخبار فتصديقه باعتقاده وما كان من الأوامر والنواهي يعني من الإنشاءات فتصديقه بامتثاله ، هذا من جهة دلالة اللغة وكذلك جاءت في استعمال القرآن .
لهذا نقول إن الإيمان يقال عنه في اللغة التصديق الجازم هذا صحيح واشتقاقه من الأمن كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان وغيره من أهل العلم .                                    والأوضح أن يقال التصديق والاستجابة ، الإيمان التصديق والاستجابة ، وذلك لأنه يعدى في القرآن باللام ، يعدى الإيمان اللغوي في القرآن باللام كما أنه في اللغة أيضا قد يعدى باللام ، قال جل وعلا ?فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ? عَدَّى الإيمان باللام لأن الإيمان هنا تصديق واستجابة ، وقال جل وعلا ?وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ? ?مَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا? عداه باللام لأن الإيمان هنا هو التصديق ، وقال جل وعلا أيضا في قصة موسى في سورة الدخان ?وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ? يعني التصديق معه الاستجابة ، هذا الإيمان اللغوي ، في هذه الآيات الإيمان اللغوي ، فضابط استعمال الإيمان اللغوي في القرآن أنه يُعدى باللام غالبا.
وأما إذا عُديَ الإيمان في القرآن بالباء فإنه يراد منه الإيمان الشرعي المخصوص ?آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ? هذا بالباء (آمن بكذا) هذا الإيمان الشرعي ، ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ? بالباء ، والآيات في تعدية الإيمان بالباء كثيرة.
لماذا عُدِّي الإيمان في تلك المواضع باللام ؟
عُدِّي لأنه مُضَمَّنٌ معنى الاستجابة أو لأن معناه التصديق والاستجابة ، والاستجابة في اللغة تُعَدَّى باللام ?فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ? (استجاب لفلان) (سمع الله لمن حمِده) لأن السماع هنا مُضَمَّن معنى الإجابة يعني (أجاب لمن) وهذا يوضح أن لفظ الإيمان في اللغة تصديق معه الاستجابة .
فإذن في اللغة الإيمان اعتقاد واستجابة .
وفي الشرع صار الإيمان بأشياء مخصوصة ، اعتقاد خاص واستجابة خاصة ، وزيادة مراتب وشروط وأركان .

إذا تبين ذلك فإن الإيمان الشرعي له صلة كما ذكرنا بالإيمان اللغوي ، والإيمان اللغوي منه العمل ، منه الاستجابة ، حتى التصديق لا يقال إنه صدق الأمر حتى يمتثل في اللغة .
يعني التصديق الجازم متى ؟
إذا امتثل ، ?وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا? متى صار مصدقا ؟ لما ?أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ? .
الإيمان عند أهل السنة والجماعة أخذوا أركانه بما دلت عليه النصوص فقالوا إن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص ، وهذه هي الجملة التي ذكرها شيخ الإسلام هنا فقال :
(مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الدِّينَ وَالإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ قَوْلٌ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ. وَأَنَّ الإيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ)
قول وعمل (قَوْلٌ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ) هذا ركن القول .
* قول القلب واللسان :
* أما قول القلب فهو جملة الاعتقادات التي تكون في القلب :
- الاعتقاد بالله وملائكته وكتبه ورسله
- الاعتقاد بجميع الأخبار الاعتقاد بالتزام جميع الأوامر والتزام جميع النواهي ونعني بكلمة (التزام) أنه يعتقد أنه مُخاطَبٌ بذلك غير اعتقاد الوجوب ،لا ، اعتقاد الالتزام ، قول القلب جملة الاعتقادات .
* قول اللسان الذي يدخله في الإسلام وهو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
* ثم عمل القلب :
أعمال القلب كثيرة متنوعة فأول الأعمال وأعظمها النية والإخلاص .
النية والإخلاص مترادفان تارة وأحدهما يفارق الآخر تارةً أخرى .
النية تارة تستعمل لتمييز العبادة عن غيرها ، وتارة تستعمل النية في إخلاص القصد ، إخلاص العمل لله .
فإذا قلنا إن عمل القلب يدخل فيه النية والإخلاص فنعني :
- بالنية تمييز العبادة عن غيرها حتى يكون يتعبد وقد ميَّزَ هذا العمل من غيره .

- والإخلاص أن يكون قصد وجه الله جل وعلا وحده بإسلامه بالعمل الذي يعمله باعتقاداته إلى آخر ذلك .
يدخل في عمل القلب الصبر والتوكل والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والرغب والرهب إلى آخر أنواع أعمال القلوب وهي واجبات .
* وعمل اللسان الواجب : يعني ما كان امتثاله من الأوامر راجعا إلى اللسان .
أُمِرَ بأن يقول كذا في الصلاة فقوله لتلك الأشياء في الصلاة هذا عمل اللسان الواجب ، أُمِرَ أن يقول كذا حين يهل بالحج هذا من عمل اللسان الواجب .
* وعمل الجوارح يعني امتثال الأوامر واجتناب النواهي الراجعة إلى أعمال الجوارح يعني غير اللسان.
والمقصود بعمل الجوارح هنا عند أهل السنة والجماعة جنس الأعمال لا كل عمل ولكن جنس الأعمال هي التي تدخل في ركن الإيمان .
فلو تُصُوِّر أن أحدا لم يعمل عملا البتة ، يعني لم يمتثل أمرا ولم يجتنب نهيا ما عمل شيئا البتة فهذا لم يأت بهذا الركن من أركان الإيمان الذي هو العمل ، لأن العمل لا بد فيه : قلب ولسان وجوارح جميعا .
لكن لو تُصُوِّر أنه أتى ببعض الطاعات وترك بعضا ، امتثل أمرا ، أمرين ، ثلاثة ، عشرة ، أو امتثل التحريم يعني النهي عن فعل ، فعلين ، ثلاثة ، فهذا يدخل في الإيمان وقد أتى بهذا الركن عند أهل السنة والجماعة .
في مسألة الصلاة خلاف ، هل هذا العمل هو الصلاة أم غير الصلاة ؟
هذا فيه خلاف بين أهل السنة والجماعة .
هل العمل المشترط هو الصلاة أم غير الصلاة ؟
والبحث هنا يكون هل ترك الصلاة تهاونا وكسلا يخرج به من الإيمان أم لا ؟
ومنهم من قال يخرج به من الإيمان يكفر ، ومنهم من قال لا .
من قال إنه لا يخرج من الإيمان بترك الصلاة فإنه يقول لو ترك جنس العمل لخرج من الإيمان . يعني لو كان لم يعمل خيرا قط لم يصل ولم يزك ولم يحج ولم يصم ولم يصل رحمه طاعتة لله ولم يبر بوالديه طاعة لله ولم يترك الزنا طاعة لله يعني فُرِض أنه لم يوجد شيء البتة فهذا خارج من اسم الايمان لم يأت بهذا الركن بالاتفاق ، ثم في الصلاة الخلاف المعروف عندكم .
فإذن صارت أركان الإيمان بصيغة أخرى قول وعمل واعتقاد .
ولهذا تعرفون العبارة المشهورة أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة (قول اللسان واعتقاد الجنان وعمل بالجوارح والأركان يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان) .
فشمل الإيمان عندهم هذه الخمسة أشياء ، والعمل ركن من أركان الإيمان وذلك لأن الله جل وعلا سمى الصلاة عملا فقال سبحانه ?وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ? والإيمان هنا كما هو معروف في سبب نزول هذه الآية هو الصلاة لأنها لما نزلت آيات تحويل القبلة قال بعض الصحابة ما شأن صلاتنا حين توجهنا إلى بيت المقدس ، وقال آخرون ما شأن الذين ماتوا قبل أن يدركوا القبلة الجديدة ؟ ضاعت أعمالهم ؟
فأنزل الله جل وعلا قوله ?وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ? وجه الاستدلال : أنه سمى الصلاة إيمانا ، وتسمية الشيء أو إطلاق الكل وإرادة الجزء دال على أنه من ماهيته يعني ركنا فيه كما هو مقرر في الأصول .
وبهذه القاعدة استدل أهل العلم على أن القراءة في الصلاة واجبة بقوله تعالى ?وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا? والمراد بالقرآن هنا الصلاة فسمى الصلاة قراءة فأطلق عليها ذلك لأنها جزؤها فهذا دليل من دلائل الركنية .

فإذن دليلُ أنَّ العمل ركن من أركان الإيمان قوله جل وعلا ?وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ? ومن الأدلة على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لوفد عبد القيس (آمركم بالإيمان بالله وحده ، أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام وأن تؤدوا الخمس من المغنم) وفي بعضها إسقاط الحج فأدخل أداء الخُمُس وأدخل الصلاة والزكاة في الإيمان في تفسير الإيمان وهذه أركان الإسلام بالاتفاق : الصلاة والزكاة والصيام . أركان الإسلام وجعلها تفسيرا للإيمان فدل على أنها ركن له .
ولهذا عند أهل السنة أن الآيات التي عُطِفَ فيها العمل على الإيمان أنه من باب عطف الخاص على العام ، قال جل وعلا ?إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ? وقال ?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا? فعطف العمل على الإيمان وهذا من عطف الخاص على العام
لا يعني أنه ليس بركن كما استدل به المرجئة قالوا هو خارج عن الماهية بل هذا من عطف الخاص على العام .
هل يعطف الخاص على العام ؟
نقول نعم يُعطفُ الخاص على العام كما أن العام يعطف على الخاص ، قال جل وعلا ?مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ? قال ?مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ? ثم قال ?وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ? وجبريل وميكال من الملائكة ومن الرسل أيضا يعني من رسل الملائكة إلى البشر ، نريد من هذا تقرير أدلة أهل السنة والجماعة على مثل هذه المسائل .
فالإيمان عندهم هو قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص .

أما الزيادة والنقصان فإن أدلتها كثيرة ، والأدلة للزيادة هي أدلة النقصان قال جل وعلا ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ? وجه الاستدلال أن في الآية حصرا ، قال ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ? فحصر وصف المؤمنين بأنهم ?إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا? فإذن دل على أن صفة الإيمان بالحصر يكون فيها الزيادة وإذا كانت فيها الزيادة فإنه يكون فيها النقصان لأن الاسم ليس شيئا واحدا وإنما هو متفاوت فما كان فيه من زيادة فإنه إذا تركت الزيادة أو ذهبت الزيادة رجع إلى نقص ، قال جل وعلا ?لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ? .
فأهل السنة والجماعة عندهم زيادة الإيمان ثابتة في الأدلة ، وكل دليل فيه زيادة الإيمان فيه حجة على نقص الإيمان ، يعني على أن نقص الإيمان داخل في المسمى ، يعني أن الإيمان يزيد وينقص ، فعرَّفوا الإيمان بما دلت عليه الأدلة ، عندهم الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية .
من أهل السنة من قال (هو يزيد ولا ينقص) وذلك لأن الأدلة دلت على زيادته ولم تدل على نقصانه وهذا ليس بجيد لأن الشيء إذا زاد فإذا ذهب عنه ما كان سببا في الزيادة فإنه ينقص ، وما كان قابل للزيادة فإنه قابل للنقصان كما قرره العلماء .
نرجع إلى تلخيص الكلام في هذه المسألة وذلك بأن نقول :
إن الايمان جَمَعَ ثلاثة أشياء مهمة : القول والاعتقاد والعمل ، وأنه يزيد وينقص .

في كل واحدة من هذه الثلاث القول والعمل والاعتقاد خالَفَ فيها من خالَفَ .
فمن الناس ، من الطوائف المنتسبة إلى القبلة :
* من خالفوا في العمل ، فقالوا (الايمان قول واعتقاد) وهؤلاء الذين يُسَمَّونْ المرجئة ، أرجؤوا العمل عن مسمى الايمان ، فقالوا الايمان قول واعتقاد وأما العمل فليس من مُسَمَّى الايمان وإنما هو لازم له - يعني لابد أنه يعمل لكن لو لم يعمل ما خرج عن اسم الايمان - فجعلوا العمل مرجَأً عن اسم الايمان ، فقالوا الايمان قول واعتقاد فقط وهؤلاء هم مرجئة الفقهاء .
ومن الطوائف التي تدخل في ذلك الماتوريدية والأشاعرة : هم يقولون إن الايمان قول واعتقاد إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله واعتقد الاعتقاد الصحيح يعني أركان الايمان فإنه مؤمن ولو لم يعمل خيرا قط .

فقالوا العمل ليس داخلا في المسمى ، هو خارج عنه ، فهذه أول مخالفة .
هؤلاء يجعلون الكفر هو منافاة القول والاعتقاد ، لا يجعلون الكفر راجعا إلى العمل (يعني نقض الايمان ، نقض ذلك العقد بنقض القول أو بنقض الاعتقاد) .
فالعمل لمَّا لم يكن من مُسَمَّى الايمان فإنه لا يتصور أن يُنْقَضَ الايمان بعمل ، لم ؟
لأنه ليس داخلا عندهم في مسماه فليس ركنا من أركانه فلذلك لو تُرِكَ العمل أو جاء بعمل يقضي على أصل الاستسلام فإنه ليس داخلا في نواقض الايمان ولا رافعات الايمان لأنه غير داخل في الايمان أصلا .
* الطائفة الثانية من المرجئة الذين أرجؤوا الاعتقاد مع العمل جميعا ، قالوا (هو قول فقط) .
وهؤلاء هم الكَرَّامية (طائفة ذهبت ، وإن كان كثير من أهل العلم لا يطلق عليهم اسم الارجاء لكن في الواقع هم أرجؤوا الاعتقاد والعمل) لم ؟
قالوا لأن المنافقين اكْتُفِىَ منهم بالقول مع أن اعتقادهم باطل وعمل أولئك باطل وحصل منهم القول فقط وسماهم أو دخلوا في الخطاب ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا? ودخلوا بالخطاب بالإسلام فدل ذلك على أنه يُكتفي في الاسلام والايمان بالقول فقط .
* ومن المرجئة وهم الغلاة من قالوا : الايمان (اعتقاد فقط) يعني لا قول ولا عمل ، لا القول يُحتاج إليه ولا العمل يُحتاج إليه ، وإنما هو اعتقاد فقط ، اعتقاد الجَنان ، وهؤلاء هم الجهمية ومن وافقهم
وهؤلاء انقسموا : هل الاعتقاد يكون معرفة فقط ؟ أو اعتقاد بعقد القلب على صحة ذلك الشيء؟
* فغلاة الجهمية يقولون بالمعرفة فقط ويتبعهم في ذلك غلاة الصوفية ، يقولون يصح الايمان أو يبقى اسم الايمان بالمعرفة ، فيُطْلَقُ على من عرف أنه مؤمن ، فإبليس على لازم كلامهم مؤمن ، وفرعون على لازم كلامهم مؤمن لأنه أتى بالمعرفة .

* والذين قالوا إن الايمان هو الاعتقاد لا يُكتفي بالمعرفة فقط ، قالوا إن إبليس عنده معرفة ولم يسمى مؤمنا وفرعون عنده معرفة ولم يسمى مؤمنا فلهذا لا يصح إطلاق المعرفة فقط بل فلا بد من الاعتقاد ، أما القول والعمل فإنهما لازمان للاعتقاد ، فإنه إذا اعتقد اعتقادا جازما فلا بد له أن يقول ولابد له أن يعمل ، فصار القول عندهم والعمل من لوازم الاعتقاد الصحيح ، كما أن المرجئة - يعني مرجئة الفقهاء - قالوا إن العمل من اللوازم ، هؤلاء قالوا حتى القول أيضا من اللوازم لا يدخل في أصل الكلمة ، واستدلوا على ذلك على بأن أصل الايمان في اللغة هو التصديق الجازم ، وقالوا في الشرع لم يُنقَل إلى شيء آخر بل هو التصديق الجازم الذي هو الاعتقاد .
فهؤلاء جميعا خالفوا أهل السنة في هذه المسائل .
من المسائل المتصلة بالايمان أيضا أن الخلاف في الايمان مع المرجئة خلاف جوهري وليس خلافا صُوْرِياً .
ونقول ذلك لأن صاحب الطحاوية والشارح ابن أبي العز رحمهما الله جل وعلا قالوا إن العمل من لوازم الايمان وليس بداخل في أصله ، هذا قاله الطحاوي ، وشارح الطحاوية قال : إن الخلاف مع الذين يجعلون العمل من الايمان خلاف شكلي ، وليس خلافا حقيقيا ، خلاف صوري
والجواب عن هذا :
* أن الخلاف حقيقي ، وذلك أن الأدلة دلت على أن العمل جزء من الايمان ، على أن العمل ركن من أركان الإيمان ، فإذا أَخرَجَ أحد هذا الركن عن حقيقة الايمان صار مخالفا في فهم الدليل ، وإذا خالف في فهم الدليل وترك فهم أهل السنة والجماعة للدليل فإنه خالف أهل السنة والجماعة في حقيقة تعريف الايمان .
* الثاني : أنه لو تُصُوِّرَ أن أحدا أتى بالقول والاعتقاد ولم يعمل شيئا البتة ، لا صلاة ولا زكاة ، لم يعمل خيرا البتة فهل هذا ينجو أم لا ينجو ؟
عندهم ينجو لأنه مؤمن ، وعند أهل السنة والجماعة هو كافر مخلد في النار .

* الثالث : أن نفي دخول العمل في مسمى الايمان قد يلزم منه أن لا يُجْعَل الخروج من الايمان بعمل ، وأهل السنة أخرجوا من الايمان بعمل ، بل إن الحنفية الذين قالوا إن الايمان قول واعتقاد ولم يجعلوا العمل من مسميات الايمان كفَّروا وأخرجوا من الايمان بأشياء يسيرة من العمل :
فجعلوا من قال مسيجد ومصيحف ونحو ذلك ، جعلوا هذا كفرا - هذا من جهة الأقوال - وجعلوا من عمل عملا كُفريا مثل إلقاء المصحف في قاذورة أو السجود لصنم ، جعلوه أيضاً كفرا ، مخرجا من الملة ، الجهة عندهم انهم كفَّروه بالعمل لمناقضته لأصل الاعتقاد .
نقول قد يلزم من جعل عدم العمل من الايمان ، من جعل عدم العمل والخلاف فيه صوريا مع أهل السنة قد يلزم منه الخلاف في التكفير ، وهذا قد حصل فعلا .
ولهذا نقول إن الخلاف الذي ذكره صاحب شرح الطحاوية من انه صوري وليس بحقيقي أن هذا ليس صوابا بل الصواب أن الخلاف حقيقي ولهذا صنف أهل السنة كتب الايمان وجعلوا فيها الأدلة على أن العمل من الايمان .
من أصول أهل الإرجاء أنهم يقولون لا يضر مع الايمان ذنب كما أنه لا تنفع مع الكفر طاعة .
لا يضر مع الإيمان ذنب يعني أن الإيمان شيء واحد يستوي فيه الناس جميعا فايمان أبي بكر وعمر وآحاد المؤمنين واحد ، كله واحد لأنه هو التصديق الجازم .
والتصديق الجازم اعتقاد وهذا لا يقبل المفاضلة ، فالتفاضل جاء بالعمل ، والعمل خارج عن مسمى الايمان عندهم فلهذا قالوا لا يضر مع الايمان ذنب .
فإذا وجدت الذنوب فإن أصل الايمان لا يتغير لأنه عندهم قول واعتقاد .
وهذا يدل على أن الخلاف معهم خلاف حقيقي وليس صوريا ، لأن من لوازم إخراج العمل عن مسمى الايمان أن يُجْعَلَ الذنب غير مؤثر في الايمان .
وفي هذا القدر كفاية . ( من شرح الواسطية للشيخ  صالح آل الشيخ )

 

 

 

    

ثانياً تعريف الكفر

 

الكفر ضد الإيمان وكما أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل فكذلك الكفر يكون بالاعتقاد ويكون بالقول المكفر ويكون بالعمل المكفر ويكون بالشك ويكون بالترك وأهل السنة لا يكفرون بالذنوب والمعاصي والكبائر التى هى دون الكفر فلا يكفرون إلا من كفره الله ورسوله وثبت كفره بيقين لا شك فيه ولا تأويل ويكون ظاهراً جلياً عليه من الله برهان وهو الكفر البواح

ثالثاً أقسام الكفر .

وينقسم الكفر إلى قسمين كفر أصلي وكفر ردة وهذا من حيث التقسيم  أما من حيث أنواع الكفر فهي أنواع كثيرة ذكرناها فى غير هذا الموضع من كفر الجحود والاستحلال والتكذيب والشك والإعراض وغير ذلك

  • فالكفر الأصلي هو الذي لم يسبقه إسلام كاليهود والنصارى والمجوس والمشركين ويكون بعدم الدخول فى الإسلام وبتكذيب الرسول صلى الله علية وسلم وعدم الإيمان به وبإتباعه وأنه مرسل من عند الله للناس كافة فكل من لم يدخل فى الإسلام الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر أصلي إن مات على ذلك الكفر فهو خالد مخلد في نار جهنم .
  • وكفر الردة هو الرجوع إلى الكفر بعد الدخول فى الإسلام ومنه قوله تعالى " ولا ترتدوا على أدباركم " أى لا ترجعوا عن الإسلام  إلى الكفر فالمرتد هو الذي يكفر بعد إسلامه .  فكل من كفر بعد إسلامه فهو مرتد  وعلى هذا تكون الردة بالرجوع عن الشيء والتحول عنه سواء تحول عنه إلى ما كان عليه قبل أو لأمر جيد ويقال ارتد فلان عن دينه إذا كفر بعد إسلامه وتحول عنه .

رابعا : كفر الردة بما يحصل وبما يزول الإسلام وينتقض ؟

إذا علمنا أن الردة هى الكفر بعد إسلام ولو كان غير صحيح ولا حقيقي مثل الذين يسلمون من أجل الأموال والراتب أو العمل في بلاد الإسلام فإذا رجعوا إلى أهليهم وبلادهم ارتدوا ، فيعتبروا ارتدادهم ردة عن الإسلام لأننا نؤاخذهم بظاهر حالهم والسرائر لا يعلمها إلا الله عز وجل ، فما دام هذا الرجل أسلم وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإنه يكون مسلم وإذا عاد إلى ملته الأول اعتبرناه مرتداً كما قال الشيخ بن عثيمين في الشرح والممتنع حكم المرتد . والردة تكون بالاعتقاد وبالقول وبالفعل وبالترك هذه أربعة أنواع للردة – يجمعها الشرك بالله وهو صرف العبادة التى هى حق لله لغير الله .

الاعتقاد كأن يعتقد فى قلبه الكفر وظاهره الإسلام مثل حال المنافقين ، أو أن يعتقد ما يكفره أو يجحد ما يكفر بجحده لأن الجحود نوع من الاعتقاد وليس الكفر محصوراً فى الاعتقاد

القول إما أن يقول ما يكفر به إثباتاً أو ينفى ما يكفر به نفياً قولياً كاستهزاء بالله عز وجل والقدح فيه أو في دينه ولو هازلاً مازحاً لأن الهازل أعظم كفراً من الجاد لأنة جمع بين الكفر والهزأ بالله عز وجل فمن يسخر بالدين وقال أنا ما قصدت إلا المزح والضحك قلنا إنك كفرت وإذا كنت صادقاً فتب إلى الله عز وجل واغتسل وعد إلى الإسلام والتوبة تجب ما قبلها .

والفعل بأن يفعل ما يكون كفراً كالسجود للصنم وصرف العبادة لغير الله .

والترك كترك الطاعة وكترك الصلاة وكترك الحكم بما أنزل الله أو كراهية ما أنزل الله وهى كفر أكبر وإن كانت داخلة فى كفر الاعتقاد فهي من عمل القلب

والشرك فإذا أشركت بالله سواءً كان باعتقاد أو قول أو فعل بأن يعتقد بأن لله تعالى شريكاً فى الخلق أو التدبير أو فى الملك أو فى العبادة أو ما أشبه ذلك إذا اعتقد هذا وإن لم يفعل فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة ولو فعل لكان كفرة مغلظاً

وبالعمل مثل أن يسجد للصنم ما تكلم بشيء لكن يسجد للأصنام فيكون هذا شرك بالعمل ولو تكلم مع سجوده فتكون ردته ردة مغلظة وكفراً مغلظاً

وبالقول مثل أن يدعوا غير الله أو يستغيث به أو ينذر له ويذبح له ويطوف بقبره هذا يشرك بالقول فالإشراك سواء كان بالقلب أو بالقول أو بالفعل يعتبر ردة عن الإسلام والمرتد مباح الدم لقوله عليه الصلاة والسلام فى البخاري ومسلم " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة " . ومن الإشراك بالله أن يشرك مع الله غيره في الحكم بأن يعتقد بأن لغير الله أن يشرع للناس قوانين يحلونها محل شريعة الله فهذا أيضاً مشرك بالله لقوله تعالى " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلاهاً واحداً " وكانوا يحلون ما حرم الله فيحلونه ويحرمون ما أحل الله فيحرمونه هذا مشرك بالله ، كما قال الشيخ بن عثيمين في الشرح الممتع باب حكم المرتد ، أما من سن هذه القوانين فقد جعل نفسه في مقام الألوهية أو مقام الربوبية يعني جعل نفسه رباً مشرعاً ومن أطاعه في ذلك ووافقه عليه فهو مشرك . والردة تنقض الإسلام وتزيله من أصله وما سميت النواقض نواقضاً إلا لأنها تنقض الشيء وتزيله من أساسه ، ولذلك سميت النواقض لأن الإنسان إذا فعل واحدة منها انتقض إسلامه ودينه وانتقل من كونه مسلماً مؤمناً إلى كونه من أهل الشرك والأوثان نسأل الله العظيم السلامة والعافية . وهذه الأعمال الشركية وهذه النواقض والمبطلات والردة تبطل الدين والتوحيد والإيمان كما تبطل نواقض الطهارة الصلاة . فالإنسان إذا كان متوضئاً متطهراً ثم أحدث فخرج منه بول أو غائط أو ريح بطلت طهارته وانتقضت وعاد محدثاً بعد أن كان متطهراً . فكذلك المسلم المؤمن الموحد إذا فعل ناقضاً من نواقض الإسلام انتقض إسلامه ودينه وصار وثنياً من أهل النار ، وإذا لقي الإنسان ربه بهذا الشرك لا يغفره الله كما قال تعالى " إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116)  النساء 116 يحيط جميع الأعمال قال تعالى " ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) " الأنعام 88 وقال تعالى" ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) " الفرقان 23 والجنة على المشرك حرام كما قال تعالى " إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) "  المائدة 82  فالشرك يحبط جميع الأعمال ويخرج صاحبه من ملة الإسلام ويخلد صاحبه فى النار والجنة حرام على من لقي الله به ومات عليه . نسأل الله السلامة والعافية . فالردة تنقض الإسلام كما ينقض البول الوضوء والصلاة كما قال ذلك الشيخ عبد العزيز الراجحى فى شرحه لنواقض الإسلام . واعلم –رحمك الله – أن الكفر والشرك والردة عن الإسلام تأتى من جهة ترك العمل الظاهر من جهات أربع :

الأولى من جهة ترك جنس العمل فلا يعمل بشيء من أركان وواجبات هذا الدين مع قدرته وتمكنه من ذلك فهذا كفر لأن تارك أعمال الجوارح بالكلية مع القدرة والتمكن وعدم العجز كافر قولاً واحداً وقد فصلنا ذلك فى التنبيهات المختصرة المسألة الأولى .

الثانية من جهة ترك الصلاة فلو ترك الصلاة كفر مهما أتى من الطاعات لأن ترك الصلاة كفر كما بسطنا ذلك وفصلناه في التنبيهات المختصرة المسألة الرابعة كفر تارك الصلاة

الثالثة من جهة ترك الحكم بما أنزل الله والتشريع من دون الله أو مع الله وهو كفر وردة

 الرابعة من جهة ترك العمل بالتوحيد فمن أقام الصلاة وأتى بالطاعات لكن لم يفرد الله تعالى بالعبادة فأشرك مع الله آلهة أخرى فإنه يكفر ولا تنفعه  الصلاة لأن الشرك محبط للعمل     

كل من وقع فى الشرك يسمى مشركاً ولا يسمى مسلم بحال


إذا كانت الردة تحصل بالشرك ؛وإذا كان المسام ينقض إسلامه بوقوعه فى النواقض القولية والعملية والإعتقاد به ويخرج من الإسلام بالكلية تماماً قتل الذى يخرج من الصلاة بنواقض الوضوء وتبطل صلاته بل الشرك والكفر أشد من نواقض الوضوْء      وبطلان الصلاة فإذا كان الأمر كذلك وهو بهذا الوضع عند السلف والصحابة فلماذا وقع الاختلاف عند الخلف فى هذه المسألة والحقيقة أن هناك إشكالات حصلت لهؤلاء أدت إلى وجود شبهات جعلتهم يعتقدون عدم كفر المسلم المتلبس بالشرك الأكبر ومنعهم من إطلاق اسم المشرك عليه وهذه من الآثار السلبية لفر الردة على المجتمع الإسلامي وقبل أن نذكر الأدلة على كفر من تلبس بالشرك وتسميته مشرك وأن هذه المسألة وفاقية عند السلف الصالح لا اختلاف فيها

نذكر أهم الشبهات التى وقع فيها القوم وكانت سبباً فى الزيغ والبعد عن الحق

  • ظنهم أن لا إله إلا الله مانعة من الكفر والوقوع فى الشرك وأن من قال لا إله إلا الله لا يكفر ولا يخرج من الإسلام لأن قوله لها مكفر للذنوب فمهما وقع فى الشرك أو كفر فهو مسلم لأنه يصلى وفى صلاته يقول لا إله إلا الله
  • اعتقادهم أن الكفر محصور فى القلب ولا يكفر بالعمل أو القول فمهما وقع فى النواقض العملية أو القوليه فهو مسلم لأننا لم نعرف حقيقة قلبه
  • عدم تفرقهم بين الكافر الأصلي وبين الكافر المرتد بعد إسلام
  • عدم فهمهم بكلام العلماء وإطلاقات الشرك والكفر والتكفير فبعض العلماء يفرق بين الشرك والكفر ويجعل الكفر بقتل والعقوبة عند الاستتابة وكلاهما مشرك وتجرى عليه أحكام الشرك عند عدم القدرة
  • لم يفرقوا بين مانع التكفير من أجل عدم البلاغ وبين الجهل مع الإعراض
  • لم يفرقوا بين الاسم وقالوا إن كل مشرك معذب فهربوا من إطلاق أسم المشرك علي المسلم المتلبس بالكفر والشرك
  • جعلهم الجهل مانع من التكفير بإطلاق ولم يفرقوا بين المتمكن والمعرض وبين المسائل الخفية والمسائل الظاهرة الجلية ولم يفرقوا بين الناشئ في بلاد الإسلام ويعيش بين المسلمين وبين أهل البادية وحديث العهد الإسلام
  • عدم تفريقهم بين فهم الحجة وبلوغها ومعني إقامتها واشترطوا فهم الحجة للتكفير في المسائل وجميع الوقائع والحوادث
  • الإشكال عندهم في عدم فهم معني إقامة الحجة وكلام العلماء الذين يقولون ولا يكفر إلا بعد قيام الحجة فالإشكال في معني قيام الحجة ونوع الحجة

 10-عدم تفريقهم بين مرتكب الشرك في حالة القدرة والتمكن ووجود الشريعة وبين حالة عدم القدرة والعجز والإستضعاف وغياب الشريعة

11 -  عدم تفريقهم بين أحكام الدنيا والتي تجري علي الظاهر من إسلام وكفر وبين أحكام الآخرة التي لا يعلم حقيقتها إلا الله  عز وجل وقالوا أن مرتكب الشرك الأكبر وإن ما ت عليه  فهو مسلم لأنه لم تقم عليه الحجة ولم نتمكن منه

 12 -  تناقضهم في أقسام الناس يوم القيامة فإنه لا يوجد إلا مسلم وكافر والمسلم هو الذي مات علي الإسلام ومآله إلي الحنة والكافر هو الذي عاش علي الشرك والكفر ومات عليه ومآله  إلي النار فالذي دخل في الإسلام ثم ارتكب الشرك الأكبر  ومات عليه في زمن غياب الشريعة وعدم التمكن منه واستتابة وقيام الحجة الحدية عليه فما هو اسمه وحكمه في الدنيا ؟ وما هو مآله في الآخرة أهو في الجنة أو في النار والجنة لا تدخلها إلا نفس مسلمة  موحدة وهذا مات علي الشرك الأكبر ؟  فلا بد من تحقيق المسألة وإرجاعها  إلي فهم الصحابة للكتاب والسنة   .

خامساً : الفرق بين الكفر الأصلي وكفر الردة

من المقرر شرعا أن  الله خلق الناس حنفاء وفطرهم على التوحيد والإسلام  فهو فطرة الله التي فطر الناس عليها لأنه سبحانه لا يرضى لعبادة الكفر والشرك فالأصل الإسلام والتوحيد والكفر والشرك والردة أمور طارئة وليست الأصل بنص كلام النبي صلي الله عليه وسلم  " فكل مولود يولد علي الفطرة فأبوه يهودانه أو نصرانيه أو بمجساته "  ولذلك أنقسم الناس إلي مسلم وكافر والكافر إما كافر أصلي لم يدخل في الإسلام من قبل ولم يؤمن بمحمد صلي الله عليه وسلم مثل اليهود والنصارى

والمجوس والمشركين وسائر ملل الكفر التي لم تدخل في الإسلام  فكل من لم يدخل في الإسلام ابتداءً فهو كافر مشرك هذا الكافر الأصلي أما الكافر المرتد فهو الذي ثبت له عقد الإسلام  بنص أو دلالة أو تبيعه بيقين ثم نقض هذا الإسلام وكفر بعد إيمانه لأن النواقض هي :

اعتقادات أو أقوال أو أفعال تزيد الإيمان وتقطعه وتزيله , من أساسه وتهدم أصله . \والردة : هي الرجوع عن الإسلام وهي كفر مسلم بصريح من القول  أو يقتضي الكفر  أو فعل يتضمن الكفر سواء أقاله استهزاء  أو عناداً أو اعتقاداً فالمرتد هو الراجع كما قال الله تعالي " ولا ترتدوا علي أدباركم فتنقلبوا خاسرين " المائدة 21 .

وبهذا يعلم أن الردة عن الإسلام هي الرجوع إلي الكفر باعتقاد أو شك أو ترك أو قول أو عمل  يصير به مرتداً ويخرج  من الإسلام فحد الكفر هو نقض لأصل الإيمان والكلام ليس علي الكافر الأصلي بل هو علي المرتد وهو الذي يكفر بعد إسلامه بكلام مكفر أو باعتقاد مكفر أو بعمل مكفر أو ترك مكفر وهو قبل ذلك يتلفظ بالشهادتين ويصلي ويصوم فإذا أتي بشيء مما ذكر صار مرتداً مع كونه يتكلم بالشهادتين ويصلي ويصوم  ولا يمنعه تكلمه بالشهادتين وصلاته وصيامه من الحكم عليه بالردة وهذا ظاهر بالأدلة من القرآن والسنة والإجماع وقد فصلنا ذلك في التنبيهات المختصرة  عند الكلام على الكفر وتعريفه وأنواعه عند أهل السنة في المسألة الأولي .

والفرق بينهما

  • الكافر الأصلي تقبل منه الشهادة ويعصم بها دمه وماله ويكف عنه بمجرد النطق بها .
  • الكافر المرتد لا تقبل منه الشهادة ولا يعصم دمه وماله ولا يكف عنه إلا إذا دخل من الباب الذي خرج منه وكفر به وإن تلفظ  بالشهادتين
  • الكافر الأصلي لا يقتل في جميع الأحوال فربما يكون صاحب عهد أو أمان أو صلح أو زمه ولا يقتل إلا الكافر المحارب الذي ثبتت محاربته ونقض عهده بيقين
  • الكافر المرتد يقتل في كل حال قدر عليه وتمكن منه الإمام وولي الأمر . فالكافر المرتد مهدور الدم حلال المال , وماله فيء ليت مال المسلمين , وحكمه وحده القتل في كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم  وقد أقام حد الردة الرسول صلي الله عليه وسلم في أكثر من حالة معلومة مشهورة في الصحاح والمسانيد وكتب السيرة والتاريخ ولا ينكر حد الردة إلا كافر مرتد ولا يقول بإلغائها وإبطالها إلا زنديق مارق .   مكذب لله ولرسول مفارق لإجماع المسلمين كافر برب العالمين ولم تحدث الردة من الأفراد علي عهد الرسول صلي الله عليه وسلم فقط بل حدثت الردة من الأفراد والجماعات  في أواخر حياة النبي صلي الله عليه وسلم وفي خلافة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين وأقاموا حد الردة علي من ثبتت ردته من الأفراد وقاتلوا القبائل والجماعات التي ارتد بعد إسلامها وهذا من المعلوم من دين الله بالضرورة فالذين ينكرون حد الردة ويطالبون بإلغائه في هذا الزمان لعدم موافقته النظام العالمي ويتناقض مع دعوى حرية الإعتقاد فكل إنسان حر فيما يعتقد  وليس هناك حرج ولا أثم علي المسلم الذي يختار ديناً غير دين الإسلام وينتقل إليه طالما أنه إختار هذا الدين الجديد بمحض إرادته  وحريته ؟؟؟

هكذا يقولون وهكذا يخططون لمحاربة الإسلام ولتميعه وهدمه من أساسه .

 ولكن الله غالب علي  أمره ولو كره المنافقون المرتدون الكافرون ..........

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سادساً : لماذا الكافر المرتد أشد خطراً علي الإسلام والمسلمين من الكافر الأصلي ؟

من المعلوم أن الكافر المرتد أشد كفراً من الكافر الأصلي وقد غلظ الله العقوبة وضاعفها للذي يكفر بعد إيمانه ويرتد بعد إسلام ولم يذكر ذلك لتضعيف ولا هذه الشدة  في الكافر الأصلي فقال سبحانه يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) البقرة 217 وقال سبحانه في جزاء الكافر الذي مات علي كفره " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) " البقرة  161 162 ,.

وقال سبحانه في المرتد " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)

 "      آل عمران 90 , 91 وقال عز وجل " إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) " 137 النساء فهذه الآيات وغيرها تبين خطورة كفر الردة وشدتها وغلظتها في العقوبة وأنها أشد من الكفر الأصلي وعندما ظن بعض الناس أن المسلم لا يكفر بعد إيمانه ولا يقع في الردة والشرك رد الله عليهم وأخبر سبحانه  عن وقوع الكفر من طائفة من الناس بعد  إيمانهم فقال تعالي " إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) " محمد 25  " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) " التوبة  65 66 " ويحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم " التوبة 74 وكذلك آية النساء السابقة كل ذلك يبين الله وقوع الكفر والردة بعد الإسلام  ووقوع الكفر والشرك بعد الإيمان وهذا ما ينكره الضالون وينكرون وقوعه .

 

 

 

 

تكفير المعين وإقامة الحجة عند شيخ الإسلام بن تيمية

تكفير المعين

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُفْتِي الْأَنَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ تيمية عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ : كَلَامُ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ قَدِيمٌ - سَوَاءٌ كَانَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا فُحْشًا أَوْ غَيْرَ فُحْشٍ نَظْمًا أَوْ نَثْرًا - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِهِمْ فِي الْقِدَمِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الثَّوَابِ . وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ - بَلْ أَكْثَرُهُمْ - : أَصْوَاتُ الْحَمِيرِ وَالْكِلَابِ كَذَلِكَ وَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِمْ مَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد رَدًّا عَلَى قَوْلِهِمْ تَأَوَّلُوا ذَلِكَ وَقَالُوا : بِأَنَّ أَحْمَد إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ النَّاسِ فَهَلْ هَؤُلَاءِ مُصِيبُونَ أَوْ مُخْطِئُونَ ؟ وَهَلْ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى زَجْرُهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ يَكْفُرُونَ بِالْإِصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ الَّذِي نُقِلَ عَنْ أَحْمَد حُقٌّ كَمَا زَعَمُوا أَمْ لَا فَأَجَابَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

الْجَوَابُ

فَصْلٌ إذَا ظَهَرَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ فِي اسْمِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ الملي وَفِي حُكْمِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ وَمَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ الِاضْطِرَابِ فَ " مَسْأَلَةُ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ " مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ . وَنَحْنُ نَبْدَأُ بِمَذْهَبِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ فِيهَا قَبْلَ التَّنْبِيهِ عَلَى الْحُجَّةِ فَنَقُولُ : الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَعَامَّةِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ تَكْفِيرُ الجهمية وَهُمْ الْمُعَطِّلَةُ لِصِفَاتِ الرَّحْمَنِ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ صَرِيحٌ فِي مُنَاقَضَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ الْكِتَابِ وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ جُحُودُ الصَّانِعِ فَفِيهِ جُحُودُ الرَّبِّ وَجُحُودُ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : إنَّا لَنَحْكِي كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الجهمية وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّهُمْ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَعْنُونَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَلِهَذَا كَفَّرُوا مَنْ يَقُولُ : إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَلَا غَضَبٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ . وَأَمَّا " الْمُرْجِئَةُ " : فَلَا تَخْتَلِفُ نُصُوصُهُ أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهُمْ ؛ فَإِنَّ بِدْعَتَهُمْ مِنْ جِنْسِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي الْفُرُوعِ وَكَثِيرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ يَعُودُ النِّزَاعُ فِيهِ إلَى نِزَاعٍ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْأَسْمَاءِ : وَلِهَذَا يُسَمَّى الْكَلَامُ فِي مَسَائِلِهِمْ " بَابُ الْأَسْمَاءِ " وَهَذَا مِنْ نِزَاعِ الْفُقَهَاءِ لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ الدِّينِ ؛ فَكَانَ الْمُنَازِعُ فِيهِ مُبْتَدِعًا . وَكَذَلِكَ " الشِّيعَةُ " الْمُفَضِّلُونَ لِعَلِيِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ إنَّهُمْ لَا يُكَفَّرُونَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا وَإِنْ كَانُوا يُبَدَّعُونَ . وَأَمَّا " الْقَدَرِيَّةُ " الْمُقِرُّونَ بِالْعِلْمِ وَ " الرَّوَافِضُ " الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ الْغَالِيَةِ والجهمية وَالْخَوَارِجُ : فَيُذْكَرُ عَنْهُ فِي تَكْفِيرِهِمْ رِوَايَتَانِ هَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِهِ الْمُطْلَقِ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ عَنْ تَكْفِيرِ الْقَدَرِيَّةِ الْمُقِرِّينَ بِالْعِلْمِ وَالْخَوَارِجِ مَعَ قَوْلِهِ : مَا أَعْلَمُ قَوْمًا شَرًّا مِنْ الْخَوَارِجِ . ثُمَّ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْكُونَ عَنْهُ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ مُطْلَقًا رِوَايَتَيْنِ حَتَّى يَجْعَلُوا الْمُرْجِئَةَ دَاخِلِينَ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَعَنْهُ فِي تَكْفِيرِ مَنْ لَا يُكَفِّرُ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَكْفُرُ . وَرُبَّمَا جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ فِي تَكْفِيرِ مَنْ لَا يُكَفِّرُ مُطْلَقًا وَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ . والجهمية - عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ : مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطَ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ - لَيْسُوا مِنْهُ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً الَّتِي افْتَرَقَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ ؛ بَلْ أُصُولُ هَذِهِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ : هُمْ الْخَوَارِجُ وَالشِّيعَةُ وَالْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَهَذَا الْمَأْثُورُ عَنْ أَحْمَد وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَامَّةِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ ؛ مَنْ قَالَ : الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ قَالَ : إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ كَافِرٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ . ثُمَّ حَكَى أَبُو نَصْرٍ السجزي عَنْهُمْ فِي هَذَا قَوْلَيْنِ : " أَحَدُهُمَا " أَنَّهُ كُفْرٌ يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ . قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ . وَ " الثَّانِي " أَنَّهُ كُفْرٌ لَا يَنْقُلُ . وَلِذَلِكَ قَالَ الخطابي : إنَّ هَذَا قَالُوهُ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَكَذَلِكَ تَنَازَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي تَخْلِيدِ الْمُكَفَّرِ مِنْ هَؤُلَاءِ ؛ فَأَطْلَقَ أَكْثَرُهُمْ عَلَيْهِ التَّخْلِيدَ كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ ؛ كَأَبِي حَاتِمٍ ؟ وَأَبِي زُرْعَةَ وَغَيْرِهِمْ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْقَوْلِ بِالتَّخْلِيدِ . وَسَبَبُ هَذَا التَّنَازُعِ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَدِلَّةً تُوجِبُ إلْحَاقَ أَحْكَامِ الْكُفْرِ بِهِمْ ثُمَّ إنَّهُمْ يَرَوْنَ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّذِينَ قَالُوا تِلْكَ الْمَقَالَاتِ مَنْ قَامَ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَيَتَعَارَضُ عِنْدَهُمْ الدَّلِيلَانِ وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ مَا أَصَابَ الْأَوَّلِينَ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فِي نُصُوصِ الشَّارِعِ كُلَّمَا رَأَوْهُمْ قَالُوا : مَنْ قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ اعْتَقَدَ الْمُسْتَمِعُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ شَامِلٌ لِكُلِّ مَنْ قَالَهُ وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا أَنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَقِي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ وَأَنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ إلَّا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد وَعَامَّةَ الْأَئِمَّةِ : الَّذِينَ أَطْلَقُوا هَذِهِ العمومات لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِهِ . فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد - مَثَلًا - قَدْ بَاشَرَ " الجهمية " الَّذِينَ دَعَوْهُ إلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَفْيِ الصِّفَاتِ وَامْتَحَنُوهُ وَسَائِر عُلَمَاءِ وَقْتِهِ وَفَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الَّذِينَ لَمْ يُوَافِقُوهُمْ عَلَى التَّجَهُّمِ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَالْقَتْلِ وَالْعَزْلِ عَنْ الْوِلَايَاتِ وَقَطْعِ الْأَرْزَاقِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ وَتَرْكِ تَخْلِيصِهِمْ مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ بِحَيْثُ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ إذْ ذَاكَ مِنْ الجهمية مِنْ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ : يُكَفِّرُونَ كُلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ جهميا مُوَافِقًا لَهُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ مِثْلِ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَيَحْكُمُونَ فِيهِ بِحُكْمِهِمْ فِي الْكَافِرِ فَلَا يُوَلُّونَهُ وِلَايَةً وَلَا يُفْتِكُونَهُ مِنْ عَدُوٍّ وَلَا يُعْطُونَهُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَقْبَلُونَ لَهُ شَهَادَةً وَلَا فُتْيَا وَلَا رِوَايَةً وَيَمْتَحِنُونَ النَّاسَ عِنْدَ الْوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالِافْتِكَاكِ مِنْ الْأَسْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . فَمَنْ أَقَرَّ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ حَكَمُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لَمْ يَحْكُمُوا لَهُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَمَنْ كَانَ دَاعِيًا إلَى غَيْرِ التَّجَهُّمِ قَتَلُوهُ أَوْ ضَرَبُوهُ وَحَبَسُوهُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ أَغْلَظِ التَّجَهُّمِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ إلَى الْمَقَالَةِ أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِهَا وَإِثَابَةُ قَائِلِهَا وَعُقُوبَةَ تَارِكِهَا أَعْظَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الدُّعَاءِ إلَيْهَا وَالْعُقُوبَةُ بِالْقَتْلِ لِقَائِلِهَا أَعْظَمُ مِنْ الْعُقُوبَةِ بِالضَّرْبِ . ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد دَعَا لِلْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ . مِمَّنْ ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وحللهم مِمَّا فَعَلُوهُ بِهِ مِنْ الظُّلْمِ وَالدُّعَاءِ إلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ ؛ فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْكَفَّارِ لَا يَجُوزُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَالْأَعْمَالُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يُكَفِّرُوا الْمُعَيَّنِينَ مِنْ الجهمية الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ : الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَد مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَفَّرَ بِهِ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ فَأَمَّا أَنْ يُذْكَرَ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ فَفِيهِ نَظَرٌ أَوْ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى التَّفْصِيلِ . فَيُقَالُ : مَنْ كَفَّرَهُ بِعَيْنِهِ ؛ فَلِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ بِعَيْنِهِ ؛ فَلِانْتِفَاءِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ هَذِهِ مَعَ إطْلَاقِ قَوْلِهِ بِالتَّكْفِيرِ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ : الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالِاعْتِبَارُ . أَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } وقَوْله تَعَالَى { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : قَدْ فَعَلْت لَمَّا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِهَذَا الدُّعَاءِ } . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { أُعْطِيت فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ } " وَ " { أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِحَرْفِ مِنْهَا إلَّا أُعْطِيَهُ } " . وَإِذَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ الْمُفَسَّرِ بِالسُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ فَهَذَا عَامٌّ عُمُومًا مَحْفُوظًا وَلَيْسَ فِي الدَّلَالَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُوجِبُ أَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُخْطِئًا عَلَى خَطَئِهِ وَإِنْ عَذَّبَ الْمُخْطِئَ . مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَ " أَيْضًا " قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَقَالَ لِأَهْلِهِ : إذَا مَاتَ فَأَحْرِقُوهُ ثُمَّ اُذْرُوَا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا بِهِ كَمَا أَمَرَهُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ . ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْت هَذَا ؟ قَالَ مِنْ خَشْيَتِك يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ ؛ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ } " . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْأَسَانِيدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَحُذَيْفَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَعْلَمُ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّهَا تُفِيدُهُمْ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَشْرَكهُمْ فِي أَسْبَابِ الْعِلْمِ . فَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ قَدْ وَقَعَ لَهُ الشَّكُّ وَالْجَهْلُ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ؛ بَعْدَ مَا أُحْرِقَ وَذُرِيَ وَعَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الْمَيِّتَ وَيَحْشُرُهُ إذَا فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَهَذَانِ أَصْلَانِ عَظِيمَانِ : " أَحَدُهُمَا " مُتَعَلِّقٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَ " الثَّانِي " مُتَعَلِّقٌ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ . وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ يُعِيدُ هَذَا الْمَيِّتَ وَيَجْزِيهِ عَلَى أَعْمَالِهِ وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ فِي الْجُمْلَةِ وَمُؤْمِنًا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ وَيُعَاقِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا - وَهُوَ خَوْفُهُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى ذُنُوبِهِ - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ . وَأَيْضًا : فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ مِنْ إيمَانٍ } " وَفِي رِوَايَةٍ : { مِثْقَالُ دِينَارٍ مَنْ خَيْرٍ ثُمَّ يُخْرِجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ } " وَفِي رِوَايَةٍ " مَنْ خَيْرٍ " " { وَيُخْرِجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ أَوْ خَيْرٍ } " وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ النُّصُوصِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مَنْ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْخَيْرِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَأَنَّ الْإِيمَانَ مِمَّا يَتَبَعَّضُ وَيَتَجَزَّأُ . وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُخْطِئِينَ مَعَهُمْ مِقْدَارٌ مَا مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ إذْ الْكَلَامُ فِيمَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ . وَأَيْضًا فَإِنَّ السَّلَفَ أَخْطَأَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ التَّكْفِيرِ بِذَلِكَ مِثْلُ مَا أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ نِدَاءَ الْحَيِّ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمِعْرَاجُ يَقَظَةً وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ رُؤْيَةَ مُحَمَّدٍ رَبَّهُ وَلِبَعْضِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ وَالتَّفْضِيلِ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ وَكَذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ فِي قِتَالِ بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضٍ وَإِطْلَاقِ تَكْفِيرِ بَعْضِ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ . وَكَانَ الْقَاضِي شريح يُنْكِرُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ : { بَلْ عَجِبْتَ } وَيَقُولُ : إنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ إبْرَاهِيمَ النخعي فَقَالَ : إنَّمَا شريح شَاعِر يُعْجِبُهُ عِلْمُهُ . كَانَ عَبْد اللَّه أُفُقه مِنْهُ فَكَانَ يَقُولُ : { بَلْ عَجِبْتَ } فَهَذَا قَدْ أَنْكَرَ قِرَاءَةً ثَابِتَةً وَأَنْكَرَ صِفَةً دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ إمَامٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَكَذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ حُرُوفَ الْقُرْآنِ مِثْلَ إنْكَارِ بَعْضِهِمْ قَوْلَهُ : { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا } وَقَالَ : إنَّمَا هِيَ : أو لَمْ يَتَبَيَّنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَإِنْكَارِ الْآخَرِ قِرَاءَةَ قَوْلِهِ : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ } وَقَالَ : إنَّمَا هِيَ : وَوَصَّى رَبُّك . وَبَعْضُهُمْ كَانَ حَذَفَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَآخَرُ يَكْتُبُ سُورَةَ الْقُنُوتِ . وَهَذَا خَطَأٌ مَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَوَاتَرَ النَّقْلُ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ لَمْ يُكَفَّرُوا وَإِنْ كَانَ يَكْفُرُ بِذَلِكَ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إلَّا بَعْدَ إبْلَاغِ الرِّسَالَةِ فَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ جُمْلَةً لَمْ يُعَذِّبْهُ رَأْسًا وَمَنْ بَلَغَتْهُ جُمْلَةً دُونَ بَعْضِ التَّفْصِيلِ لَمْ يُعَذِّبْهُ إلَّا عَلَى إنْكَارِ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية . وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } وَقَوْلِهِ : { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي } الْآيَةَ . وَقَوْلِهِ : { أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ } وَقَوْلِهِ : { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ } الْآيَةَ . وَقَوْلِهِ : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } وَقَوْلِهِ : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } وَقَوْلِهِ : { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } { قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ } وَقَوْلِهِ : { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى } وَقَوْلِهِ " { وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } وَنَحْوُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ . فَمَنْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ تَفْصِيلًا ؛ إمَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ . أَوْ سَمِعَهُ مِنْ طَرِيقٍ لَا يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهَا أَوْ اعْتَقَدَ مَعْنًى آخَرَ لِنَوْعِ مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي يُعْذَرُ بِهِ . فَهَذَا قَدْ جُعِلَ فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مَا يُوجِبُ أَنْ يُثِيبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بِهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ مُخَالِفُهَا . وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ مِنْ الْخَطَأِ فِي الدِّينِ مَا لَا يَكْفُرُ مُخَالِفُهُ ؛ بَلْ وَلَا يَفْسُقُ ؛ بَلْ وَلَا يَأْثَمُ ؛ مِثْلُ الْخَطَأِ فِي الْفُرُوعِ الْعَمَلِيَّةِ ؛ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهَا آثِمٌ وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ يَعْتَقِدُ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبٌ فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذَّانِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَكْفِيرِ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهَا وَمَعَ ذَلِكَ فَبَعْضُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَدْ ثَبَتَ خَطَأُ الْمُنَازِعِ فِيهَا بِالنُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ مِثْلُ اسْتِحْلَالِ بَعْضِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الرِّبَا وَاسْتِحْلَالِ آخَرِينَ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْخَمْرِ وَاسْتِحْلَالِ آخَرِينَ لِلْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ . وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَعْرُوفِينَ بِالْخَيْرِ كَالصَّحَابَةِ الْمَعْرُوفِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَا يُفَسَّقُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُكَفَّرَ حَتَّى عَدَّى ذَلِكَ مَنْ عَدَّاهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى سَائِر أَهْلِ الْبَغْيِ فَإِنَّهُمْ مَعَ إيجَابِهِمْ لِقِتَالِهِمْ مَنَعُوا أَنْ يُحْكَمَ بِفِسْقِهِمْ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ : إنَّ شَارِبَ النَّبِيذِ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مُتَأَوِّلًا لَا يُجْلَدُ وَلَا يَفْسُقُ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } وَقَالَ تَعَالَى : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ } . وَثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاص وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ } " . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { عَنْ بريدة بْنِ الحصيب أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَسَأَلُوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك وَحُكْمِ أَصْحَابِك فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ } " وَأَدِلَّةُ هَذَا الْأَصْلِ كَثِيرَةٌ لَهَا مَوْضِعٌ آخَرُ . وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ رِسَالَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُؤْمِنُ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الِاعْتِذَارُ بِالِاجْتِهَادِ لِظُهُورِ أَدِلَّةِ الرِّسَالَةِ وَأَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ؛ وَلِأَنَّ الْعُذْرَ بِالْخَطَأِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَكَمَا أَنَّ الذُّنُوبَ تَنْقَسِمُ إلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ وَالْوَاجِبَاتُ تَنْقَسِمُ إلَى أَرْكَانٍ وَوَاجِبَاتٍ لَيْسَتْ أَرْكَانًا : فَكَذَلِكَ الْخَطَأُ يَنْقَسِمُ إلَى مَغْفُورٍ وَغَيْرِ مَغْفُورٍ وَالنُّصُوصُ إنَّمَا أَوْجَبَتْ رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْخَطَأِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُخْطِئُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ : إمَّا أَنْ يَلْحَقَ بِالْكُفَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ مُبَايَنَتِهِ لَهُمْ فِي عَامَّةِ أُصُولِ الْإِيمَانِ . وَإِمَّا أَنْ يَلْحَقَ بِالْمُخْطِئِينَ فِي مَسَائِلِ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ مَعَ أَنَّهَا أَيْضًا مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ . فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ ؛ : هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الْإِيمَانِ وَقَوَاعِدِ الدِّينِ وَالْجَاحِدُ لَهَا كَافِرٌ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي بَعْضِهَا لَيْسَ بِكَافِرِ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ خَطَئِهِ . وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ إلْحَاقِهِ بِأَحَدِ الصِّنْفَيْنِ : فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُخْطِئِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ أَشَدُّ شَبَهًا مِنْهُ بِالْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ وَعَلَى هَذَا مَضَى عَمَلُ الْأُمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي أَنَّ عَامَّةَ الْمُخْطِئِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ الَّتِي تَجْرِي عَلَى غَيْرِهِمْ هَذَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ مُنَافِقُونَ النِّفَاقَ الْأَكْبَرَ وَأُولَئِكَ كُفَّارٌ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ فَمَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ فِي الرَّافِضَةِ والجهمية وَنَحْوِهِمْ زَنَادِقَةٌ مُنَافِقُونَ بَلْ أَصْلُ هَذِهِ الْبِدَعِ هُوَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ الزَّنَادِقَةِ مِمَّنْ يَكُونُ أَصْلُ زَنْدَقَتِهِ عَنْ الصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ فِي الْبَاطِنِ وَمَنْ عُلِمَ حَالُهُ فَهُوَ كَافِرٌ فِي الظَّاهِرِ أَيْضًا . وَأَصْلُ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاضُ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَابْتِغَاءِ الْهُدَى فِي خِلَافِ ذَلِكَ فَمَنْ كَانَ هَذَا أَصْلَهُ فَهُوَ بَعْدَ بَلَاغِ الرِّسَالَةِ كَافِرٌ لَا رَيْبَ فِيهِ مِثْلُ مَنْ يَرَى أَنَّ الرِّسَالَةَ لِلْعَامَّةِ دُونَ الْخَاصَّةِ كَمَا يَقُولُهُ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَغَالِيَةِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ أَوْ يَرَى أَنَّهُ رَسُولٌ إلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . فَهَذَا الْكَلَامُ يُمَهِّدُ أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ : " أَحَدُهُمَا " أَنَّ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ وَالْهُدَى فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَأَنَّ خِلَافَ ذَلِكَ كُفْرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَنَفْيُ الصِّفَاتِ كُفْرٌ وَالتَّكْذِيبُ بِأَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ أَوْ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ أَوْ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُهُ أَوْ أَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى أَوْ أَنَّهُ اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا كُفْرٌ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ . وَ " الْأَصْلُ الثَّانِي " أَنَّ التَّكْفِيرَ الْعَامَّ - كَالْوَعِيدِ الْعَامِّ - يَجِبُ الْقَوْلُ بِإِطْلَاقِهِ وَعُمُومِهِ . وَأَمَّا الْحُكْمُ عَلَى الْمُعَيَّنِ بِأَنَّهُ كَافِرٌ أَوْ مَشْهُودٌ لَهُ بِالنَّارِ : فَهَذَا يَقِفُ عَلَى الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَقِفُ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ . وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ تَأْمُرُنَا بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى شَخْصٍ فِي الدُّنْيَا ؛ إمَّا بِقَتْلِ أَوْ جَلْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَيَكُونُ فِي الْآخِرَةِ غَيْرَ مُعَذَّبٍ مِثْلُ قِتَالِ الْبُغَاةِ والمتأولين مَعَ بَقَائِهِمْ عَلَى الْعَدَالَةِ وَمِثْلُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ تَوْبَةً صَحِيحَةً فَإِنَّا نُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ كَمَا أَقَامَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ وَعَلَى الغامدية مَعَ قَوْلِهِ : { لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ } " وَمِثْلُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مُتَأَوِّلًا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْعَدَالَةِ . بِخِلَافِ مَنْ لَا تَأْوِيلَ لَهُ فَإِنَّهُ لَمَّا شَرِبَ الْخَمْرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهَا تَحِلُّ لِلْخَاصَّةِ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا } اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ مِثْلُ عُمَرِ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِمَا عَلَى أَنَّهُمْ إنْ أَقَرُّوا بِالتَّحْرِيمِ جُلِدُوا وَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى الِاسْتِحْلَالِ قُتِلُوا . وَكَذَلِكَ نَعْلَمُ أَنَّ خَلْقًا لَا يُعَاقَبُونَ فِي الدُّنْيَا مَعَ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْمُقِرِّينَ بِالْجِزْيَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ . وَمِثْلُ الْمُنَافِقِينَ الْمُظْهِرِينَ الْإِسْلَامَ فَإِنَّهُمْ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ كَافِرُونَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي آيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَقَوْلِهِ : { إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } الْآيَةَ . وَقَوْلِهِ : { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } { يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } { فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } الْآيَةَ . وَهَذَا لِأَنَّ الْجَزَاءَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ . وَأَمَّا الدُّنْيَا فَإِنَّمَا يُشْرَعُ فِيهَا مِنْ الْعِقَابِ مَا يُدْفَعُ بِهِ الظُّلْمُ وَالْعُدْوَانُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ هُوَ إقَامَةُ الْقِسْطِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } . وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَعُقُوبَةُ الدُّنْيَا غَيْرُ مُسْتَلْزَمَةٍ لِعُقُوبَةِ الْآخِرَةِ وَلَا بِالْعَكْسِ . وَلِهَذَا أَكْثَرُ السَّلَفِ يَأْمُرُونَ بِقَتْلِ الدَّاعِي إلَى الْبِدْعَةِ الَّذِي يُضِلُّ النَّاسَ لِأَجْلِ إفْسَادِهِ فِي الدِّينِ سَوَاءً قَالُوا : هُوَ كَافِرٌ أَوْ لَيْسَ بِكَافِرِ . وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَتَكْفِيرُ " الْمُعَيَّنِ " مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ وَأَمْثَالِهِمْ - بِحَيْثُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْكُفَّارِ - لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَقُومَ عَلَى أَحَدِهِمْ الْحُجَّةُ الرسالية الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ لَا رَيْبَ أَنَّهَا كُفْرٌ . وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِي تَكْفِيرِ جَمِيعِ " الْمُعَيَّنِينَ " مَعَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْبِدْعَةِ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ وَبَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَيْسَ فِي بَعْضٍ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ . وَمَنْ ثَبَتَ إيمَانُهُ بِيَقِينِ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ . وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا . وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُوَفِّقَنَا وَسَائِر إخْوَانِنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .

بَابٌ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَجُلَيْنِ تَكَلَّمَا فِي " مَسْأَلَةِ التَّأْبِيرِ " فَقَالَ أَحَدُهُمَا : مَنْ نَقَصَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ تَكَلَّمَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصِ الرَّسُولِ كَفَرَ ؛ لَكِنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ ؛ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَدْ يَتَكَلَّمُ فِي مَسْأَلَةٍ بِاجْتِهَادِهِ فَيُخْطِئُ فِيهَا فَلَا يُكَفَّرُ ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُكَفَّرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الْمُكَفِّرَةُ ، وَلَوْ كَفَّرْنَا كُلّ عَالِمٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ لَزِمَنَا أَنْ نُكَفِّرَ فُلَانًا - وَسَمَّى بَعْضَ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ الَّذِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ التَّكْفِيرَ وَهُوَ الْغَزَالِيُّ - فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ تَخْطِئَةَ الرَّسُولِ فِي مَسْأَلَةِ تَأْبِيرِ النَّخْلِ : فَهَلْ يَكُونُ هَذَا تَنْقِيصًا بِالرَّسُولِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ ؟ وَهَلْ عَلَيْهِ فِي تَنْزِيهِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْكُفْرِ إذَا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ تَعْزِيرٌ ، أَمْ لَا ؟ وَإِذَا نُقِلَ ذَلِكَ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ نَفْسُ الْكِتَابِ الَّذِي نَقَلَهُ مِنْهُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالصِّدْقِ : فَهَلْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ تَعْزِيرٌ أَمْ لَا ؟ وَسَوَاءٌ أَصَابَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْعَالِمِ أَمْ أَخْطَأَ ؟ وَهَلْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ تَنْقِيصٌ بِالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ اعْتَدَى عَلَى مِثْلِ هَذَا ، أَوْ نَسَبَهُ إلَى تَنْقِيصٍ بِالرَّسُولِ ، أَوْ الْعُلَمَاءِ ، وَطَلَبَ عُقُوبَتَهُ عَلَى ذَلِكَ : فَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ .

الْجَوَابُ

فَأَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ . لَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ تَنَقُّصٌ بِالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا فِيهِ تَنَقُّصٌ لِعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ؛ بَلْ مَضْمُونُ هَذَا الْكَلَامِ تَعْظِيمُ الرَّسُولِ وَتَوْقِيرُهُ ، وَأَنَّهُ لَا يُتَكَلَّمُ فِي حَقِّهِ بِكَلَامِ فِيهِ نَقْصٌ ، بَلْ قَدْ أَطْلَقَ الْقَائِلُ تَكْفِيرَ مَنْ نَقَّصَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ تَكَلَّمَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصِهِ ، وَهَذَا مُبَالَغَةً فِي تَعْظِيمِهِ ؛ وَوُجُوبِ الِاحْتِرَازِ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى نَقْصِهِ . ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذَا بَيَّنَ أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الدُّنْيَا بِاجْتِهَادِهِمْ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ أَحَدِهِمْ بِمُجَرَّدِ خَطَأٍ أَخْطَأَهُ فِي كَلَامِهِ ، وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ تَجِبُ مُوَافَقَتُهُ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ ؛ وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا مِنْ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِيهِ مِنْ الدِّينِ . وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ الْمَحْضِ ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُتْرَكُ بَعْضُ كَلَامِهِ لِخَطَأِ أَخَطَأَهُ يُكَفَّرُ ولا يُفَسَّقُ ؛ بل ولا يَأْثَمُ ؛ فإن الله تعالى قال في دُعَاءِ المؤمنين : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } وفي الصَّحِيحِ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أن اللَّهَ تَعَالَى قَالَ قَدْ فَعَلْت } وَاتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُنَازِعِينَ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَاَلَّذِينَ قَالُوا : إنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الصَّغَائِرُ وَالْخَطَأُ وَلَا يُقَرُّونَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُكَفَّرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : إنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ كَفَرَ هَؤُلَاءِ لَزِمَ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالْمَالِكِيَّةِ ، وَالْحَنَفِيَّةِ ، وَالْحَنْبَلِيَّةِ ، وَالْأَشْعَرِيَّةِ ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالتَّفْسِيرِ ، وَالصُّوفِيَّةِ : الَّذِينَ لَيْسُوا كُفَّارًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ؛ بَلْ أَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِذَلِك . فَاَلَّذِي حَكَاهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ قَدْ قَالَ مِثْلَهُ أَئِمَّةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَصْحَابُ الْوُجُوهِ الَّذِينَ هُمْ أَعْظَمُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَبِي حَامِدٍ ، كَمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الإسفراييني ، الَّذِي هُوَ إمَامُ الْمَذْهَبِ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنُ سُرَيْجٍ فِي تَعْلِيقِهِ : وَذَلِك أَنَّ عِنْدَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ كَمَا يَجُوزُ عَلَيْنَا وَلَكِنَّ الْفَرَقَ بَيْنَنَا أَنَّا نَقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقِرُّ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَسْهُو لِيَسُنَّ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّمَا أَسْهُو لِأَسُنَّ لَكُمْ } . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ ذَكَرَهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ هَذَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، وَأَبُو الطَّيِّبِ الطبري ، وَالشَّيْخُ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيّ . وَكَذَلِكَ ذَكَرَهَا بَقِيَّةُ طَوَائِفِ أَهْلِ الْعِلْمِ : مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَد ، وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَمِنْهُمْ مَنْ ادَّعَى إجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الخطابي وَنَحْوِهِ ؛ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ ، وَمَنْ كَفَّرَهُمْ بِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الْغَلِيظَةَ الَّتِي تَزْجُرُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي مِثَالِ ذَلِكَ : قَوْلُهُمْ صَوَابٌ أَوْ خَطَأٌ . فَمَنْ وَافَقَهُمْ قَالَ : إنَّ قَوْلَهُمْ الصَّوَابُ . وَمَنْ نَازَعَهُمْ قَالَ : إنَّ قَوْلَهُمْ خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ قَوْلُ مُخَالِفِهِمْ . وَهَذَا الْمَسْئُولُ عَنْهُ كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ؛ لَكِنَّهُ يَنْفِي التَّكْفِيرَ عَنْهُمْ . وَمِثْلُ هَذَا تَجِبُ عُقُوبَةُ مَنْ اعْتَدَى عَلَيْهِ ، وَنَسَبُهُ إلَى تَنْقِيصِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الْعُلَمَاءِ ؛ فَإِنَّهُ مُصَرِّحٌ بِنَقِيضِ هَذَا ، وَهَذَا . وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ، وَهُوَ مِنْ أَبْلَغِ الْقَائِلِينَ بِالْعِصْمَةِ ، قَسَّمَ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْبَابِ ، إلَى أَنْ قَالَ : " الْوَجْهُ السَّابِعُ " أَنْ يَذْكُرَ مَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَخْتَلِفَ فِي إقْرَارِهِ عَلَيْهِ ، وَمَا يَطْرَأُ مِنْ الْأُمُورِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْهُ وَيُمْكِنُ إضَافَتُهَا إلَيْهِ . أَوْ يَذْكُرَ مَا اُمْتُحِنَ بِهِ وَصَبَرَ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَلَى شِدَّتِهِ مِنْ مُقَاسَاةِ أَعْدَائِهِ وَأَذَاهُمْ لَهُ ، وَمَعْرِفَةِ ابْتِدَاءِ حَالِهِ ، وَسِيرَتِهِ ، وَمَا لَقِيَهُ مِنْ بُؤْسِ زَمَنِهِ ، وَمَرَّ عَلَيْهِ مِنْ مُعَانَاتِ عَيْشِهِ ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الرِّوَايَةِ ، وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ وَمَعْرِفَةِ مَا صَحَّتْ بِهِ الْعِصْمَةُ لِلْأَنْبِيَاءِ ، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ . فَقَالَ : هَذَا فَنٌّ خَارِجٌ مِنْ هَذِهِ الْفُنُونِ السِّتَّةِ ؛ لَيْسَ فِيهِ غَمْضٌ وَلَا نَقْصٌ وَلَا إزْرَاءٌ وَلَا اسْتِخْفَافٌ ، وَلَا فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَلَا فِي مَقْصِدِ اللَّافِظِ ؛ لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَطَلَبَةِ الدِّينِ مِمَّنْ يَفْهَمُ مَقَاصِدَهُ ، وَيُحَقِّقُونَ فَوَائِدَهُ ؛ وَيُجَنَّبُ ذَلِكَ مِمَّنْ عَسَاهُ لَا يَفْقُهُ ، أَوْ يَخْشَى بِهِ فِتْنَةً . وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَبْلَ هَذَا : أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ شَيْئًا مِنْ أَنْوَاعِ السَّبِّ حَاكِيًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَآثِرًا لَهُ عَنْ سِوَاهُ . قَالَ : فَهَذَا يُنْظَرُ فِي صُورَةِ حِكَايَتِهِ ، وَقَرِينَة مقالته ؛ ويختلف الحكم باختلاف ذلك على " أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ " الْوُجُوبُ ، وَالنَّدْبُ ، وَالْكَرَاهَةُ ، وَالتَّحْرِيمُ . ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يُحْمَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا فِيهِ إقَامَةُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْقَائِلِ ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الرَّذَالَةِ وَالنَّقْصِ عَلَى قَائِلِهِ ؛ بِخِلَافِ مَنْ ذَكَرَهُ لِغَيْرِ هَذَيْنِ . قَالَ : وَلَيْسَ التَّفَكُّهُ بِعِرْضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّمَضْمُضُ بِسُوءِ ذِكْرِهِ لِأَحَدِ لَا ذَاكِرًا ، وَلَا آثِرًا لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ مُبَاحٍ . فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ؛ فَإِنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَأَنَّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَذْكُرَهُ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ مُبَاحٍ . وَهَذَا الْقَائِلُ إنَّمَا ذُكِرَ لِدَفْعِ التَّكْفِيرِ عَنْ مِثْلِ الْغَزَالِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْبَابِ ؛ بَلْ دَفْعُ التَّكْفِيرِ عَنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَئُوا هُوَ مِنْ أَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّةِ ؛ حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّ دَفْعَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْقَائِلِ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرِ حِمَايَةً لَهُ ، وَنَصْرًا لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ : لَكَانَ هَذَا غَرَضًا شَرْعِيًّا حَسَنًا ، وَهُوَ إذَا اجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِنْ اجْتَهَدَ فِيهِ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ . فَبِكُلِّ حَالٍ هَذَا الْقَائِلُ مَحْمُودٌ عَلَى مَا فَعَلَ ، مَأْجُورٌ عَلَى ذَلِكَ ، مُثَابٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ لَهُ فِيهِ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ ؛ وَالْمُنْكَرُ لَمَّا فَعَلَهُ أَحَقُّ بِالتَّعْزِيرِ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي قَوْلُهُ الْقَدَحَ فِي عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكُفْرِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ بِالتَّعْزِيرِ مِنْ الثَّانِي إنْ وَجَبَ التَّعْزِيرُ لِأَحَدِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُجْتَهِدًا اجْتِهَادًا سَائِغًا بِحَيْثُ يَقْصِدُ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ فَلَا إثْمَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَسَوَاءٌ أَصَابَ فِي هَذَا النَّقْلِ أَوْ أَخْطَأَ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَنْقِيصٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَذَلِكَ أَحَضَرَ النَّقْلَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي حُضُورِهِ فَائِدَةٌ ؛ إذْ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْغَزَالِيِّ قَدْ قَالَ مِثْلَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى ؛ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْ الْغَزَالِيِّ ؛ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ دُونَهُ . وَمَنْ كَفَّرَ هَؤُلَاءِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ؛ بَلْ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ ، حَتَّى الْمُتَكَلِّمُونَ ، فَإِنَّ أَبَا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ قَالَ : أَكْثَرُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ يَقُولُونَ بِذَلِك ؛ ذَكَرَهُ فِي " أُصُولِ الْفِقْهِ " وَذَكَرَهُ صَاحِبُهُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْحَاجِبِ . وَالْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمْ مِنْ الظَّنِّيَّاتِ ؛ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْمَعَالِي ، وَأَبُو الْحَسَنِ الآمدي ، وَغَيْرُهُمَا ؛ فَكَيْفَ يُكَفَّرُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسَائِلِ الظُّنُونِ أَمْ كَيْفَ يُكَفَّرُ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ؛ أَوْ جُمْهُورُ سَلَفِ الْأَئِمَّةِ وَأَعْيَانُ الْعُلَمَاءِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ أَصْلًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

 

 

 

إقامة الحجة

 

سُئِلَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ : إنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعْصُومُونَ مِنْ الْكَبَائِرِ دُونَ الصَّغَائِرِ فَكَفَّرَهُ رَجُلٌ بِهَذِهِ فَهَلْ قَائِلُ ذَلِكَ مُخْطِئٌ أَوْ مُصِيبٌ ؟ وَهَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِعِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مُطْلَقًا ؟ وَمَا الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ ؟ .

الْجَوَابُ

فَأَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَيْسَ هُوَ كَافِرًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الدِّينِ وَلَا هَذَا مِنْ مَسَائِلِ السَّبِّ الْمُتَنَازَعِ فِي اسْتِتَابَةِ قَائِلِهِ بِلَا نِزَاعٍ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَمْثَالُهُ مَعَ مُبَالَغَتِهِمْ فِي الْقَوْلِ بِالْعِصْمَةِ وَفِي عُقُوبَةِ السَّابِّ ؛ وَمَعَ هَذَا فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ مِنْ مَسَائِلِ السَّبِّ وَالْعُقُوبَةِ فَضْلًا أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَبَائِرِ دُونَ الصَّغَائِرِ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَجَمِيعِ الطَّوَائِفِ حَتَّى إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ كَمَا ذَكَرَ " أَبُو الْحَسَنِ الآمدي " أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ بَلْ هُوَ لَمْ يَنْقُلْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ إلَّا مَا يُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُمْ مَا يُوَافِقُ الْقَوْلَ . وَإِنَّمَا نُقِلَ ذَلِكَ الْقَوْلَ فِي الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ الرَّافِضَةِ ثُمَّ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ ثُمَّ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ . وَعَامَّةُ مَا يُنْقَلُ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ عَنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهَا وَلَا يَقُولُونَ إنَّهَا لَا تَقَعُ بِحَالِ وَأَوَّلُ مَنْ نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ الْقَوْلُ بِالْعِصْمَةِ مُطْلَقًا وَأَعْظَمُهُمْ قَوْلًا لِذَلِكَ : الرَّافِضَةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْعِصْمَةِ حَتَّى مَا يَقَعُ عَلَى سَبِيلِ النِّسْيَانِ وَالسَّهْوِ وَالتَّأْوِيلِ . وَيَنْقُلُونَ ذَلِكَ إلَى مَنْ يَعْتَقِدُونَ إمَامَتَهُ وَقَالُوا بِعِصْمَةِ عَلِيٍّ وَالِاثْنَيْ عَشَرَ ثُمَّ " الإسماعيلية " الَّذِينَ كَانُوا مُلُوكَ الْقَاهِرَةِ وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ خُلَفَاءُ عَلَوِيُّونَ فَاطِمِيُّونَ وَهُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ ذُرِّيَّةِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْقَدَّاحِ كَانُوا هُمْ وَأَتْبَاعُهُمْ يَقُولُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِصْمَةِ لِأَئِمَّتِهِمْ وَنَحْوِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ كَمَا قَالَ فِيهِمْ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ - فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ - قَالَ : ظَاهِرُ مَذْهَبِهِمْ الرَّفْضُ وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ . وَقَدْ صَنَّفَ " الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى " وَصْفَ مَذَاهِبِهِمْ فِي كُتُبِهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَهَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ مِنْ الْغُلَاةِ الْقَائِلِينَ بِالْعِصْمَةِ وَقَدْ يُكَفِّرُونَ مَنْ يُنْكِرُ الْقَوْلَ بِهَا وَهَؤُلَاءِ الْغَالِيَةُ هُمْ كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَمَنْ كَفَّرَ الْقَائِلِينَ بِتَجْوِيزِ الصَّغَائِرِ عَلَيْهِمْ كَانَ مُضَاهِيًا لِهَؤُلَاءِ الإسماعيلية والنصيرية وَالرَّافِضَةِ وَالِاثْنَيْ عَشَرِيَّةَ . لَيْسَ هُوَ قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا مَالِكٍ وَلَا الشَّافِعِيِّ وَلَا الْمُتَكَلِّمِينَ - الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ الْمَشْهُورِينَ - كَأَصْحَابِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ . وَلَا أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ وَلَا الْحَدِيثِ وَلَا التَّصَوُّفِ . لَيْسَ التَّكْفِيرُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَ هَؤُلَاءِ فَالْمُكَفَّرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً تَرْدَعُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ مِثْلِ هَذَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي كُفْرَهُ وَزَنْدَقَتَهُ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ أَمْثَالِهِ . وَكَذَلِكَ الْمُفَسَّقُ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ يَجِبُ أَنْ يُعَزَّرَ بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ هَذَا تَفْسِيقٌ لِجُمْهُورِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ . وَأَمَّا التَّصْوِيبُ وَالتَّخْطِئَةُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ الْحَافِظِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ . وَتَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى بَسْطٍ طَوِيلٍ لَا تَحْتَمِلُهُ هَذَا الْفَتْوَى . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؟ .

سُئِلَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ إسْلَامِ " مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ " مَتَى كَانَ ؟ وَهَلْ كَانَ إيمَانُهُ كَإِيمَانِ غَيْرِهِ أَمْ لَا ؟ وَمَا قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ ؟ .

الْجَوَابُ

فَصْلٌ إذَا تَبَيَّنَ هَذَا ؛ فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي بِهَا يُعْلَمُ إيمَانُ الْوَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ هِيَ الطَّرِيقُ الَّتِي بِهَا يُعْلَمُ إيمَانُ نُظَرَائِهِ وَالطَّرِيقُ الَّتِي تُعْلَمُ بِهَا صُحْبَتُهُ هِيَ الطَّرِيقُ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا صُحْبَةَ أَمْثَالِهِ . فَالطُّلَقَاءُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَامَ الْفَتْحِ مِثْلَ : مُعَاوِيَةَ وَأَخِيهِ يَزِيدَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ ؛ وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ؛ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو . وَقَدْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ إسْلَامُهُمْ وَبَقَاؤُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ إلَى حِينِ الْمَوْتِ . وَمُعَاوِيَةُ أَظْهَرُ إسْلَامًا مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ تَوَلَّى أَرْبَعِينَ سَنَةً ؛ عِشْرِينَ سَنَةً نَائِبًا لِعُمَرِ وَعُثْمَانَ مَعَ مَا كَانَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعِشْرِينَ سَنَةً مُسْتَوْلِيًا ؛ وَأَنَّهُ تَوَلَّى سَنَةَ سِتِّينَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِينَ سَنَةً . وَسَلَّمَ إلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الْأَمْرَ عَامَ أَرْبَعِينَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ عَامُ الْجَمَاعَةِ ؛ لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ وَزَوَالِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ . وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِمَّا أَثْنَى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي بَكْر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ } " فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَثْنَى بِهِ عَلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ وَمَدَحَهُ عَلَى أَنْ أَصْلَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ حِينَ سَلَّمَ الْأَمْرَ إلَى مُعَاوِيَةَ وَكَانَ قَدْ سَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ بِعَسَاكِرَ عَظِيمَةٍ . فَلَمَّا أَثْنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحَسَنِ بِالْإِصْلَاحِ وَتَرْكِ الْقِتَالِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ تِلْكَ الطَّائِفَتَيْنِ كَانَ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ فِعْلِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِتَالَ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ وَلَوْ كَانَ مُعَاوِيَةُ كَافِرًا لَمْ تَكُنْ تَوْلِيَةُ كَافِرٍ وَتَسْلِيمُ الْأَمْرِ إلَيْهِ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؛ بَلْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ؛ كَمَا كَانَ الْحَسَنُ وَأَصْحَابُهُ مُؤْمِنِينَ ؛ وَأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الْحَسَنُ كَانَ مَحْمُودًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَحْبُوبًا مُرْضِيًا لَهُ وَلِرَسُولِهِ . وَهَذَا كَمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخدري أَنَّهُ قَالَ : " { تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ فَتَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَفِي لَفْظٍ فَتَقْتُلُهُمْ أَدْنَاهُمْ إلَى الْحَقِّ } " فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ المُقْتَتِلَتَيْنِ - عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ وَمُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ - عَلَى حَقٍّ وَأَنَّ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ كَانُوا أَقْرَبَ إلَى الْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابِهِ . فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ هُوَ الَّذِي قَاتَلَ الْمَارِقِينَ وَهُمْ " الْخَوَارِجُ الحرورية " الَّذِينَ كَانُوا مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ ثُمَّ خَرَجُوا عَلَيْهِ وَكَفَّرُوهُ وَكَفَّرُوا مَنْ وَالَاهُ وَنَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ وَقَاتَلُوهُ وَمَنْ مَعَهُ . وَهُمْ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ ؛ بَلْ الْمُتَوَاتِرَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهِمْ : " { يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آيَتُهُمْ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا مُخْدَجَ الْيَدَيْنِ لَهُ عَضَلٌ عَلَيْهَا شَعَرَاتٌ تَدَرْدُرُ } " . وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ نَصَبُوا الْعَدَاوَةَ لِعَلِيِّ وَمَنْ وَالَاهُ وَهُمْ الَّذِينَ اسْتَحَلُّوا قَتْلَهُ وَجَعَلُوهُ كَافِرًا وَقَتَلَهُ أَحَدُ رُءُوسِهِمْ " عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ الْمُرَادِيَّ " فَهَؤُلَاءِ النَّوَاصِبُ الْخَوَارِجُ الْمَارِقُونَ إذْ قَالُوا : إنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ مَعَهُمَا كَانُوا كُفَّارًا مُرْتَدِّينَ [ فَإِنَّ مِنْ ] حُجَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ مَا تَوَاتَرَ مِنْ إيمَانِ الصَّحَابَةِ وَمَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ مَدْحِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ وَثَنَاءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَرِضَاهُ عَنْهُمْ وَإِخْبَارِهِ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْ هَذِهِ الْحُجَجَ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُثْبِتَ إيمَانَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَمْثَالِهِ . فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ هَذَا النَّاصِبِيَّ للرافضي : إنَّ عَلِيًّا كَانَ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا ظَالِمًا وَأَنَّهُ قَاتَلَ عَلَى الْمُلْكِ : لِطَلَبِ الرِّيَاسَةِ ؛ لَا لِلدِّينِ وَأَنَّهُ قَتَلَ " مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ " مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَمَلِ وصفين وَحَرُورَاءَ أُلُوفًا مُؤَلَّفَةً وَلَمْ يُقَاتِلْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافِرًا وَلَا فَتَحَ مَدِينَةً بَلْ قَاتَلَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ وَنَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ - الَّذِي تَقَوَّلَهُ النَّوَاصِبُ الْمُبْغِضُونَ لِعَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجِيبَ هَؤُلَاءِ النَّوَاصِبَ إلَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ؛ الَّذِينَ يُحِبُّونَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ كُلَّهُمْ وَيُوَالُونَهُمْ . فَيَقُولُونَ لَهُمْ : أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَنَحْوُهُمْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ إيمَانُهُمْ وَهِجْرَتُهُمْ وَجِهَادُهُمْ . وَثَبَتَ فِي الْقُرْآنِ ثَنَاءُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَالرِّضَى عَنْهُمْ وَثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ثَنَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ خُصُوصًا وَعُمُومًا كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْتَفِيضِ عَنْهُ : " { لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا } " وَقَوْلِهِ : " { إنَّهُ قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدِّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ } " وَقَوْلِهِ عَنْ عُثْمَانَ : " { أَلَا أَسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ } " ؟ وَقَوْلُهُ لِعَلِيِّ : " { لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ } " وَقَوْلِهِ : " { لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيُّونَ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ } " وَأَمْثَالُ ذَلِكَ . وَأَمَّا الرافضي فَلَا يُمْكِنْهُ إقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ عَلِيًّا مِنْ النَّوَاصِبِ كَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ أَهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ الْجَمِيعَ . فَإِنَّهُ إنْ قَالَ : إسْلَامُ عَلِيٍّ مَعْلُومٌ بِالتَّوَاتُرِ . قَالَ لَهُ : وَكَذَلِكَ إسْلَامُ أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِمْ وَأَنْتَ تَطْعَنُ فِي هَؤُلَاءِ إمَّا فِي إسْلَامِهِمْ ؛ وَإِمَّا فِي عَدَالَتِهِمْ . فَإِنْ قَالَ : إيمَانُ عَلِيٍّ ثَبَتَ بِثَنَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْنَا لَهُ : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ إنَّمَا نَقَلَهَا الصَّحَابَةُ الَّذِينَ تَطْعَنُ أَنْتَ فِيهِمْ وَرُوَاةُ فَضَائِلِهِمْ : سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِشَةُ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ الساعدي وَأَمْثَالُهُمْ وَالرَّافِضَةُ تَقْدَحُ فِي هَؤُلَاءِ . فَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ ضَعِيفَةً بَطَلَ كُلُّ فَضِيلَةٍ تُرْوَى لِعَلِيِّ وَلَمْ يَكُنْ لِلرَّافِضَةِ حُجَّةٌ وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَتُهُمْ صَحِيحَةً ثَبَتَتْ فَضَائِلُ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ ؛ مِمَّنْ رَوَى هَؤُلَاءِ فَضَائِلَهُ : كَأَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ . فَإِنْ قَالَ الرافضي : فَضَائِلُ عَلِيٍّ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الشِّيعَةِ - كَمَا يَقُولُونَ : إنَّ النَّصَّ عَلَيْهِ بِالْإِمَامَةِ مُتَوَاتِرٌ - قِيلَ لَهُ أَمَّا " الشِّيعَةُ " الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ الصَّحَابَةِ : فَإِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا سَمِعُوا كَلَامَهُ وَنَقْلَهُمْ نَقْلَ مُرْسَلٍ مُنْقَطِعٍ إنْ لَمْ يُسْنِدْهُ إلَى الصَّحَابَةِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا . وَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ تُوَالِيهِمْ الرَّافِضَةُ نَفَرٌ قَلِيلٌ - بِضْعَةَ عَشَرَ وَإِمَّا نَحْوَ ذَلِكَ - وَهَؤُلَاءِ لَا يَثْبُتُ التَّوَاتُرُ بِنَقْلِهِمْ لِجَوَازِ التَّوَاطُؤِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْعَدَدِ الْقَلِيلِ ، وَالْجُمْهُورُ الْأَعْظَمُ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَقَلُوا فَضَائِلَهُمْ تَقْدَحُ الرَّافِضَةُ فِيهِمْ ؛ ثُمَّ إذَا جَوَّزُوا عَلَى الْجُمْهُورِ الَّذِينَ أَثْنَى عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ الْكَذِبَ وَالْكِتْمَانَ فَتَجْوِيزُ ذَلِكَ عَلَى نَفَرٍ قَلِيلٍ أَوْلَى وأجوز . وَأَيْضًا فَإِذَا قَالَ الرافضي : إنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَ قَصْدُهُمْ الرِّيَاسَةَ وَالْمُلْكَ فَظَلَمُوا غَيْرَهُمْ بِالْوِلَايَةِ . قَالَ لَهُمْ : هَؤُلَاءِ لَمْ يُقَاتِلُوا مُسْلِمًا عَلَى الْوِلَايَةِ وَإِنَّمَا قَاتَلُوا الْمُرْتَدِّينَ وَالْكُفَّارَ وَهُمْ الَّذِينَ كَسَرُوا كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَفَتَحُوا بِلَادَ فَارِسَ وَأَقَامُوا الْإِسْلَامَ وَأَعَزُّوا الْإِيمَانَ وَأَهْلَهُ وَأَذَلُّوا الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ . وَعُثْمَانُ هُوَ دُونَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْمَنْزِلَةِ . وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ طَلَبُوا قَتْلَهُ وَهُوَ فِي وِلَايَتِهِ فَلَمْ يُقَاتِلْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا قَتَلَ مُسْلِمًا عَلَى وِلَايَتِهِ ؛ فَإِنْ جَوَّزْت عَلَى هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ فِي وِلَايَتِهِمْ أَعْدَاءَ الرَّسُولِ : كَانَتْ حُجَّةُ الناصبي عَلَيْك أَظْهَرَ . وَإِذَا أَسَأْت الْقَوْلَ فِي هَؤُلَاءِ وَنَسَبْتهمْ إلَى الظُّلْمِ وَالْمُعَادَاةِ لِلرَّسُولِ وَطَائِفَتِهِ : كَانَ ذَلِكَ حُجَّةً لِلْخَوَارِجِ النَّوَاصِبِ الْمَارِقِينَ عَلَيْك . فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : أَيُّمَا أَوْلَى أَنْ يُنْسَبَ إلَى طَلَبِ الرِّيَاسَةِ : مَنْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وِلَايَتِهِ - وَلَمْ يُقَاتِلْ الْكُفَّار - وَابْتَدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ لِيُطِيعُوهُ ؛ وَهُمْ لَا يُطِيعُونَهُ وَقَتَلَ مِنْ " أَهْلِ الْقِبْلَةِ " الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ ؛ وَيَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ أُلُوفًا مُؤَلَّفَةً ؛ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مُسْلِمًا ؛ بَلْ أَعَزُّوا أَهْلَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَصَرُوهُمْ وَآوَوْهُمْ أَوْ مَنْ قَتَلَ وَهُوَ فِي وِلَايَتِهِ لَمْ يُقَاتِلْ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى قُتِلَ فِي دَارِهِ وَبَيْنَ أَهْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؟ فَإِنْ جَوَّزْت عَلَى مِثْلِ هَذَا أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا لِلْمُلْكِ ظَالِمًا لِلْمُسْلِمِينَ بِوِلَايَتِهِ فَتَجْوِيزُ هَذَا عَلَى مَنْ قَاتَلَ عَلَى الْوِلَايَةِ وَقَتْلِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا أَوْلَى وَأَحْرَى . وَبِهَذَا وَأَمْثَالِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الرَّافِضَةَ أُمَّةٌ لَيْسَ لَهَا عَقْلٌ صَرِيحٌ ؛ وَلَا نَقْلٌ صَحِيحٌ وَلَا دِينٌ مَقْبُولٌ ؛ وَلَا دُنْيَا مَنْصُورَةٌ بَلْ هُمْ مِنْ أَعْظَمِ الطَّوَائِفِ كَذِبًا وَجَهْلًا وَدِينُهُمْ يُدْخِلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلَّ زِنْدِيقٍ وَمُرْتَدٍّ كَمَا دَخَلَ فِيهِمْ النصيرية ؛ وَالْإسْماعيليَّةُ وَغَيْرُهُمْ فَإِنَّهُمْ يَعْمِدُونَ إلَى خِيَارِ الْأُمَّةِ يُعَادُونَهُمْ وَإِلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ يُوَالُونَهُمْ وَيَعْمِدُونَ إلَى الصِّدْقِ الظَّاهِرِ الْمُتَوَاتِرِ يَدْفَعُونَهُ وَإِلَى الْكَذِبِ الْمُخْتَلَقِ الَّذِي يُعْلَمُ فَسَادُهُ يُقِيمُونَهُ ؛ فَهُمْ كَمَا قَالَ فِيهِمْ الشَّعْبِيُّ - وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِهِمْ - لَوْ كَانُوا مِنْ الْبَهَائِمِ لَكَانُوا حُمْرًا وَلَوْ كَانُوا مِنْ الطَّيْرِ لَكَانُوا رَخَمًا . وَلِهَذَا كَانُوا أَبْهَتْ النَّاسِ وَأَشَدَّهُمْ فِرْيَةً مِثْلَ مَا يَذْكُرُونَ عَنْ مُعَاوِيَةَ . فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّهُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَمَرَ غَيْرَهُ وَجَاهَدَ مَعَهُ وَكَانَ أَمِينًا عِنْدَهُ يَكْتُبُ لَهُ الْوَحْيَ وَمَا اتَّهَمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابَةِ الْوَحْيِ . وَوَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الَّذِي كَانَ مِنْ أَخْبَرِ النَّاسِ بِالرِّجَالِ وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَّهِمْهُ فِي وِلَايَتِهِ . وَقَدْ وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاهُ أَبَا سُفْيَانَ إلَى أَنْ مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى وِلَايَتِهِ فَمُعَاوِيَةُ خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ وَأَحْسَنُ إسْلَامًا مِنْ أَبِيهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَّى أَبَاهُ فَلَأَنْ تَجُوزُ وِلَايَتُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى ؛ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ قَطُّ وَلَا نَسَبَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى الرِّدَّةِ فَاَلَّذِينَ يَنْسُبُونَ هَؤُلَاءِ إلَى الرِّدَّةِ هُمْ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَامَّةَ أَهْلِ بَدْرِ وَأَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ إلَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِمْ . وَاَلَّذِينَ نَسَبُوا هَؤُلَاءِ إلَى الرِّدَّةِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ : إنَّهُ مَاتَ وَوَجْهُهُ إلَى الشَّرْقِ وَالصَّلِيبُ عَلَى وَجْهِهِ وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْكَذِبِ وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ . وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ هَذَا فِيمَنْ هُوَ دُونَ مُعَاوِيَةَ مِنْ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِيَّ الْعَبَّاسِ كَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَأَوْلَادِهِ وَأَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ وَوَلَدَيْهِ - الْمُلَقَّبَيْنِ بِالْمَهْدِيِّ وَالْهَادِي - وَالرَّشِيدِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الَّذِينَ تَوَلَّوْا الْخِلَافَةَ وَأَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ فَمَنْ نَسَبَ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ إلَى الرِّدَّةِ وَإِلَى أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِ النَّصَارَى لَعَلِمَ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ فِرْيَةً فَكَيْفَ يُقَالُ مِثْلُ هَذَا فِي مُعَاوِيَةَ وَأَمْثَالِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ . بَلْ يَزِيدُ ابْنُهُ مَعَ مَا أَحْدَثَ مِنْ الْأَحْدَاثِ مَنْ قَالَ فِيهِ : إنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ فَقَدْ افْتَرَى عَلَيْهِ . بَلْ كَانَ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ كَسَائِرِ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ وَأَكْثَرُ الْمُلُوكِ لَهُمْ حَسَنَاتٌ وَلَهُمْ سَيِّئَاتٌ وَحَسَنَاتُهُمْ عَظِيمَةٌ وَسَيِّئَاتُهُمْ عَظِيمَةٌ فَالطَّاعِنُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ دُونَ نُظَرَائِهِ إمَّا جَاهِلٌ وَإِمَّا ظَالِمٌ . وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ مَا لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ حَسَنَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ تَابَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ يُعَاقِبُهُ لِسَيِّئَاتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ يَتَقَبَّلُ اللَّهُ فِيهِ شَفَاعَةَ نَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الشُّفَعَاءِ فَالشَّهَادَةُ لِوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالنَّارِ هُوَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ . وَكَذَلِكَ قَصْدُ لَعْنَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّالِحِينَ وَالْأَبْرَارِ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " { لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَةَ وَعَاصِرُهَا وَمُعْتَصِرُهَا وَحَامِلُهَا وَسَاقِيهَا وَشَارِبُهَا وَبَائِعُهَا وَمُشْتَرِيهَا وَآكِلُ ثَمَنِهَا } " . وَصَحَّ عَنْهُ : { أَنَّهُ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ يُكْثِرُ شُرْبَهَا يُدْعَى حِمَارًا وَكَانَ كُلَّمَا أُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَدَهُ فأتى بِهِ إلَيْهِ لِيَجْلِدَهُ فَقَالَ رَجُلٌ : لَعَنَهُ اللَّهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } " . وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَارِبَ الْخَمْرِ عُمُومًا وَنَهَى عَنْ لَعْنَةِ الْمُؤْمِنِ الْمُعَيَّنِ . كَمَا أَنَّا نَقُولُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا } فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يَشْهَدَ لِوَاحِدِ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ فِي النَّارِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَتُوبَ أَوْ يَغْفِرَ لَهُ اللَّهُ بِحَسَنَاتِ مَاحِيَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ أَوْ شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ أَوْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ . فَهَكَذَا الْوَاحِدُ مِنْ الْمُلُوكِ أَوْ غَيْرِ الْمُلُوكِ وَإِنْ كَانَ صَدَرَ مِنْهُ مَا هُوَ ظُلْمٌ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ أَنْ نَلْعَنَهُ وَنَشْهَدَ لَهُ بِالنَّارِ . وَمَنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ ؛ فَكَيْفَ إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ حَسَنَاتٌ عَظِيمَةٌ يُرْجَى لَهُ بِهَا الْمَغْفِرَةُ مَعَ ظُلْمِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " { أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو قُسْطَنْطِينِيَّةَ مَغْفُورٌ لَهُ } " وَأَوَّلُ جَيْشٍ غَزَاهَا كَانَ أَمِيرُهُمْ " يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ " وَكَانَ مَعَهُ فِي الْغُزَاةِ أَبُو أَيُّوبٍ الْأَنْصَارِيُّ وَتُوُفِّيَ هُنَاكَ وَقَبْرُهُ هُنَاكَ إلَى الْآنِ . وَلِهَذَا كَانَ الْمُقْتَصِدُونَ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ يَقُولُونَ فِي يَزِيدَ وَأَمْثَالِهِ : إنَّا لَا نَسُبُّهُمْ وَلَا نُحِبُّهُمْ أَيْ لَا نُحِبُّ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنْ ظُلْمٍ . وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ يَجْتَمِعُ فِيهِ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ وَطَاعَاتٌ وَمَعَاصٍ وَبِرٌّ وَفُجُورٌ وَشَرٌّ فَيُثِيبُهُ اللَّهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ وَيُعَاقِبُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ إنْ شَاءَ أَوْ يَغْفِرُ لَهُ وَيُحِبُّ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْخَيْرِ وَيُبْغِضُ مَا فَعَلَهُ مِنْ الشَّرِّ . فَأَمَّا مَنْ كَانَتْ سَيِّئَاتُهُ صَغَائِرَ فَقَدْ وَافَقَتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهَا . وَأَمَّا صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ فَسَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَا يَشْهَدُونَ لَهُ بِالنَّارِ بَلْ يُجَوِّزُونَ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } فَهَذِهِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ فَإِنَّهُ قَيَّدَهَا بِالْمَشِيئَةِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } فَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ تَابَ وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ وَعَمَّ . وَالْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ : إنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ يَخْلُدُ فِي النَّارِ ثُمَّ إنَّهُمْ قَدْ يَتَوَهَّمُونَ فِي بَعْضِ الْأَخْيَارِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ كَمَا تَتَوَهَّمُ الْخَوَارِجُ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَتْبَاعِهِمَا أَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ كَمَا يَتَوَهَّمُ بَعْضُ ذَلِكَ فِي مِثْلِ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ العاص وَأَمْثَالِهِمَا وَيَبْنُونَ مَذَاهِبَهُمْ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلَتَيْنِ : ( إحْدَاهُمَا : أَنَّ فُلَانًا مَنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ . ( وَالثَّانِيَةُ : أَنَّ كُلَّ صَاحِبِ كَبِيرَةٍ يَخْلُدُ فِي النَّارِ . وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ بَاطِلٌ . وَأَمَّا الثَّانِي فَبَاطِلٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ . وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ . وَمَنْ قَالَ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَأَمْثَالِهِ ؛ مِمَّنْ ظَهَرَ إسْلَامُهُ وَصَلَاتُهُ وَحَجُّهُ وَصِيَامُهُ أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ وَأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ كَمَا لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ ذَلِكَ فِي الْعَبَّاسِ وَجَعْفَرٍ وَعَقِيلٍ وَفِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ . وَكَمَا لَوْ ادَّعَى أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ لَيْسَا وَلَدَيْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إنَّمَا هُمَا أَوْلَادُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَلَوْ ادَّعَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَزَوَّجْ ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَلَمْ يُزَوِّجْ بِنْتَيْهِ عُثْمَانَ ؛ بَلْ إنْكَارُ إسْلَامِ مُعَاوِيَةَ أَقْبَحُ مِنْ إنْكَارِ هَذِهِ الْأُمُورِ فَإِنَّ مِنْهَا مَا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْعُلَمَاءُ . وَأَمَّا إسْلَامُ مُعَاوِيَةَ وَوِلَايَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْإِمَارَةِ وَالْخِلَافَةِ فَأَمْرٌ يَعْرِفُهُ جَمَاهِيرُ الْخَلْقِ وَلَوْ أَنْكَرَ مُنْكِرٌ إسْلَامَ عَلِيٍّ أَوْ ادَّعَى بَقَاءَهُ عَلَى الْكُفْرِ ؛ لَمْ يُحْتَجَّ عَلَيْهِ إلَّا بِمَثَلِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إسْلَامَ أَبِي بَكْر ؛ وَعُمَر ؛ وَعُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِمْ . وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ فَتَفَاضُلُهُمْ لَا يَمْنَعُ اشْتِرَاكَهُمْ فِي ظُهُورِ إسْلَامِهِمْ . وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : إيمَانُ مُعَاوِيَةَ كَانَ نِفَاقًا ؛ فَهُوَ أَيْضًا مِنْ الْكَذِبِ الْمُخْتَلَقِ . فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ اتَّهَمَ مُعَاوِيَةَ بِالنِّفَاقِ ؛ بَلْ الْعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى حُسْنِ إسْلَامِهِ ؛ وَقَدْ تَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ فِي حُسْنِ إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ - أَبِيهِ - وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ ؛ وَأَخُوهُ يَزِيدُ فَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي حُسْنِ إسْلَامِهِمَا كَمَا لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي حُسْنِ إسْلَامِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ وَكَيْفَ يَكُونُ رَجُلًا مُتَوَلِّيًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعِينَ سَنَةً نَائِبًا وَمُسْتَقِلًّا يُصَلِّي بِهِمْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَيَخْطُبُ وَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُ فِيهِمْ الْحُدُودَ وَيُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ فَيْأَهُمْ وَمَغَانِمَهُمْ وَصَدَقَاتِهِمْ وَيَحُجُّ بِهِمْ وَمَعَ هَذَا يُخْفِي نِفَاقَهُ عَلَيْهِمْ كُلَّهُمْ ؟ وَفِيهِمْ مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ . بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - لَمْ يَكُنْ مِنْ الْخُلَفَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِيَّ الْعَبَّاسِ أَحَدٌ يُتَّهَمُ بِالزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ وَبَنُو أُمَيَّةَ لَمْ يُنْسَبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَى الزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُنْسَبُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْبِدْعَةِ أَوْ نَوْعٍ مِنْ الظُّلْمِ لَكِنْ لَمْ يُنْسَبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى زَنْدَقَةٍ وَنِفَاقٍ . وَإِنَّمَا كَانَ الْمَعْرُوفُونَ بِالزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ بَنِي عُبَيْدٍ الْقَدَّاحَ الَّذِينَ كَانُوا بِمِصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَكَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ عَلَوِيُّونَ وَإِنَّمَا كَانُوا مِنْ ذُرِّيَّةِ الْكُفَّار فَهَؤُلَاءِ قَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى رَمْيِهِمْ بِالزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ وَكَذَلِكَ رُمِيَ بِالزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ قَوْمٌ مِنْ مُلُوكِ النَّوَاحِي الْخُلَفَاءُ مِنْ بَنِي بويه وَغَيْرِ بَنِي بويه ؛ فَأَمَّا خَلِيفَةٌ عَامُّ الْوِلَايَةِ فِي الْإِسْلَامِ فَقَدْ طَهَّرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ أَمْرِهِمْ زِنْدِيقًا مُنَافِقًا فَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ وَيُعْرَفَ فَإِنَّهُ نَافِعٌ فِي هَذَا الْبَابِ . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَفْضَلُ مُلُوكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ الْأَرْبَعَةَ قَبْلَهُ كَانُوا خُلَفَاءَ نُبُوَّةٍ وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ ؛ كَانَ مُلْكُهُ مُلْكًا وَرَحْمَةً كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " { يَكُونُ الْمُلْكُ نُبُوَّةً وَرَحْمَةً ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ وَرَحْمَةٌ ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ ثُمَّ مُلْكٌ وَجَبْرِيَّةٌ ثُمَّ مُلْكٌ عَضُوضٌ } " وَكَانَ فِي مُلْكِهِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالْحُلْمِ وَنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ خَيْرًا مِنْ مُلْكِ غَيْرِهِ . وَأَمَّا مَنْ قَبْلَهُ فَكَانُوا خُلَفَاءَ نُبُوَّةٍ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " { تَكُونُ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا } " وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هُمْ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ } " . وَقَدْ تَنَازَعَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ ؛ وَقَالُوا : زَمَانُهُ زَمَانُ فِتْنَةٍ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ جَمَاعَةٌ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَصِحُّ أَنْ يُوَلَّى خَلِيفَتَانِ فَهُوَ خَلِيفَةٌ وَمُعَاوِيَةُ خَلِيفَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تَتَّفِقْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَنْتَظِمْ فِي خِلَافَتِهِ . وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ : أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَزَمَانُ عَلِيٍّ كَانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَالصَّحَابَةُ تُسَمِّيهِ بِذَلِكَ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ : " مَنْ لَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْخِلَافَةِ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ " وَمَعَ هَذَا فَلِكُلِّ خَلِيفَةٍ مَرْتَبَةٌ . فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ لَا يُوَازِنُهُمَا أَحَدٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي : أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرُ } " وَلَمْ يَكُنْ نِزَاعٌ بَيْنَ شِيعَةِ عَلِيٍّ الَّذِينَ صَحِبُوهُ فِي تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا أوتى بِرَجُلِ يُفَضِّلُنِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إلَّا جَلَدْته حَدَّ الْمُفْتَرِي . وَإِنَّمَا كَانُوا يَتَنَازَعُونَ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَكِنْ ثَبَتَ تَقْدِيمُ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ بِاتِّفَاقِ السَّابِقِينَ عَلَى مُبَايَعَةِ ( عُثْمَانَ طَوْعًا بِلَا كُرْهٍ ؛ بَعْدَ أَنْ جَعَلَ عُمَر الشُّورَى فِي سِتَّةٍ : عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . وَتَرَكَهَا " ثَلَاثَةٌ " وَهُمْ : طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ . فَبَقِيَتْ فِي " ثَلَاثَةٍ " عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ . فَوُلِّيَ أَحَدُهُمَا فَبَقِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُشَاوِرُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْدِلُوا بِعُثْمَانِ . وَنَقَلَ وَفَاتَهُ وَوِلَايَتَهُ : حَدِيثٌ طَوِيلٌ فَمَنْ أَرَادَهُ فَعَلَيْهِ بِأَحَادِيثِ الثِّقَاتِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ .

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَقِيَّةُ السَّلَفِ الْكِرَامِ الْعَلَّامَةُ الرَّبَّانِيُّ وَالْحُجَّةُ النُّورَانِيُّ أَوْحَدُ عَصْرِهِ وَفَرِيدُ دَهْرِهِ حِلْيَةُ الطَّالِبِينَ وَنُخْبَةُ الرَّاسِخِينَ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنُ تيمية الحراني - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَثَابَهُ الْجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ فَقِيلَ : - يَا أَيُّهَا الْحَبْرُ الَّذِي عِلْمُهُ وَفَضْلُهُ فِي النَّاسِ مَذْكُورُ كَيْفَ اخْتِيَارُ الْعَبْدِ أَفْعَالَهُ وَالْعَبْدُ فِي الْأَفْعَالِ مَجْبُورُ لِأَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا : أَنَّهُ عَلَى الْإِرَادَاتِ لَمَقْسُورُ وَلَمْ يَكُنْ فَاعِلَ أَفْعَالِهِ حَقِيقَةً وَالْحُكْمُ مَشْهُورُ وَمِنْ هُنَا لَمْ يَكُنْ لِلْفِعْلِ فِي مَا يَلْحَقُ الْفَاعِلَ تَأْثِيرُ ( وَمَا تَشَاءُونَ دَلِيلٌ لَهُ فِي صِحَّةِ الْمَحْكِيِّ تَقْرِيرُ وَ ( كُلُّ شَيْءٍ ثُمَّ لَوْ سَلَّمْت لَمْ يَكُ لِلْخَالِقِ تَقْدِيرُ أَوْ كَانَ فَاللَّازِمُ مِنْ كَوْنِهِ حُدُوثَهُ وَالْقَوْلُ مَهْجُورُ وَلَا يُقَالُ : عِلْمُ اللَّهِ مَا يُخْتَارُ فَالْمُخْتَارُ مَسْطُورُ وَالْجَبْرُ - إنْ صَحَّ - يَكُنْ مُكْرَهًا وَعِنْدَكَ الْمُكْرَهُ مَعْذُورُ نِعْمَ ذَلِكَ الْجَبْرُ كُنْتَ امْرَأً لَهُ إلَى نَحْوِكَ تَشْمِيرُ أَسْقَمَنِي الشَّوْقُ وَلَكِنَّنِي تُقْعِدُنِي عَنْكَ الْمَقَادِيرُ

الْجَوَابُ

فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَالْجَبْرُ إنْ صَحَّ يَكُنْ مُكْرَهًا وَعِنْدَكَ الْمُكْرَهُ مَعْذُورُ فَيُقَالُ : قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَعْنَى " الْجَبْرِ " ؛ وَأَنَّ الْجَبْرَ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِكْرَاهُ كَمَا يَجْبُرُ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ وَيُكْرِهُهُ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ ؛ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَجَلُّ وَأَعْلَى وَأَقْدَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى مِثْلِ هَذَا الْجَبْرِ وَالْإِكْرَاهِ ؛ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ مِنْ عَاجِزٍ يَعْجِزُ عَنْ جَعْلِ غَيْرِهِ مُرِيدًا لِفِعْلِهِ مُخْتَارًا لَهُ مُحِبًّا لَهُ رَاضِيًا بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَجْعَلَ الْعَبْدَ مُحِبًّا لِمَا يَفْعَلُهُ ؛ مُخْتَارًا لَهُ جَعَلَهُ كَذَلِكَ ؛ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهُ مُرِيدًا لَهُ بِلَا مَحَبَّةٍ بَلْ مَعَ كَرَاهَةٍ فَيَفْعَلُهُ كَارِهًا لَهُ جَعَلَهُ كَذَلِكَ . وَلَيْسَ هَذَا كَإِكْرَاهِ الْمَخْلُوقِ لِلْمَخْلُوقِ ؛ فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَجْعَلَ فِي قَلْبِ غَيْرِهِ لَا إرَادَةً وَحُبًّا وَلَا كَرَاهَةً وَبُغْضًا بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِرَغْبَتِهِ أَوْ رَهْبَتِهِ ؛ فَإِذَا أَكْرَهَهُ فَعَلَ بِهِ مِنْ الْعِقَابِ أَوْ الْوَعِيدِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِرَهْبَتِهِ وَخَوْفِهِ ؛ فَيَفْعَلُ مَا لَا يَخْتَارُ فِعْلَهُ وَلَا يَفْعَلُهُ رَاضِيًا بِفِعْلِهِ ؛ وَيَكُونُ مُرَادُهُ دَفْعَ الشَّرِّ عَنْهُ ؛ فَهُوَ مُرِيدٌ لِلْفِعْلِ ؛ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الشَّرِّ عَنْهُ ؛ لَا نَفْسُ الْفِعْلِ وَلِهَذَا قَدْ يُسَمَّى مُخْتَارًا ؛ وَيُسَمَّى غَيْرَ مُخْتَارٍ بِاعْتِبَارِ وَيُسَمَّى مُرِيدًا وَيُسَمَّى غَيْرَ مُرِيدٍ بِاعْتِبَارِ . وَلَكِنَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ لَا يُسَمَّى فِيهَا مُخْتَارًا بَلْ مُكْرَهًا ؛ وَهِيَ لُغَةُ الْفُقَهَاءِ . كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ } . فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَنْ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ لَا يَكُونُ مُكْرَهًا وَالْمُكْرَهُ يَفْعَلُ بِمَشِيئَةِ غَيْرِهِ ؛ وَهُوَ الْمُكْرِهُ لَهُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَاصِدًا لِمَا يَفْعَلُهُ لَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَفْعُولِ بِهِ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ وَلَا إرَادَةَ لَهُ فِي الْفِعْلِ بِحَالِ فَإِنَّ مَقْصُودَهُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ دَفْعُ الشَّيْءِ لَا نَفْسُ الْفِعْلِ فَالْمَرَاتِبُ ثَلَاثَةٌ : ( أَحَدُهَا مَنْ يَفْعَلُ بِهِ الْفِعْلَ مِنْ غَيْرِ قُدْرَةٍ لَهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ كَاَلَّذِي يَحْمِلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَيَدْخُلُ إلَى مَكَانٍ أَوْ يَضْرِبُ بِهِ غَيْرَهُ أَوْ تُضْجَعُ الْمَرْأَةُ وَتُفْعَلُ بِهَا الْفَاحِشَةُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا ؛ مِنْ غَيْرِ قُدْرَةٍ عَلَى الِامْتِنَاعِ ؛ فَهَذَا لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ ؛ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا إرَادَةٌ . وَمِثْلُ هَذَا الْفِعْلِ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ ؛ وَلَا عِقَابٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ إذَا أَمْكَنَهُ الِامْتِنَاعُ فَتَرَكَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْتَنِعْ كَانَ مُطَاوِعًا لَا مُكْرَهًا وَلِهَذَا فُرِّقَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ الْمُطَاوِعَةِ عَلَى الزِّنَا وَالْمُكْرَهَةِ عَلَيْهِ . وَ ( الثَّانِيَةُ أَنْ يُكْرَهَ بِضَرْبِ أَوْ حَبْسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى يَفْعَلَ فَهَذَا الْفِعْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ وَإِنْ قَتَلَ . وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ إذَا أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ الْمَعْصُومِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَتْلُهُ . وَإِنْ قَتَلَ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْقَوَدِ . فَقَالَ : أَكْثَرُهُمْ كَمَالِكِ وَأَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ يَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا يَشْتَرِكَانِ فِي الْقَتْلِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ الظَّالِمِ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ قَدْ صَارَ كَالْآلَةِ وَقَالَ زُفَرُ : بَلْ عَلَى الْمُكْرَهِ الْمُبَاشِرِ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ وَذَاكَ مُتَسَبِّبٌ وَقَالَ : لَوْ كَانَ كَالْآلَةِ لَمَا كَانَ آثِمًا وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ آثِمٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا تَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَأَمَّا إنْ أُكْرِهَ عَلَى الشُّرْبِ لِلْخَمْرِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ فَأَكْثَرُهُمْ يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وَأَمَّا إنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى الزِّنَا فَفِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ . ( أَحَدُهُمَا : لَا يَكُونُ مُكْرَهًا عَلَيْهِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَد . وَ ( الثَّانِي : قَدْ يَكُونُ مُكْرَهًا عَلَيْهِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد . وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ جَازَ لَهُ التَّكَلُّمُ بِهَا مَعَ طُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ بِالْإِيمَانِ . وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى " الْعُقُودِ " كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ بَاطِلٌ فَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ وَلَا عِتَاقٌ وَلَا يَلْزَمُهُ نَذْرٌ وَلَا يَمِينٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ مَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ عِنْدَهُ وَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَلْزَمُ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ فَيَلْزَمُ مَعَ الْإِكْرَاهِ . وَأَمَّا الْمُكْرَهُ بِحَقِّ كَالْحَرْبِيِّ عَلَى الْإِسْلَامِ فَهَذَا يَلْزَمُهُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ . فَقَوْلُ النَّاظِمِ : وَالْجَبْرُ إنْ صَحَّ يَكُنْ مُكْرَهًا وَعِنْدَكَ الْمُكْرَهُ مَعْذُورُ قَوْلٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلَيْنِ ( الْأُولَى : إنْ صَحَّ الْجَبْرُ كَانَ مُكْرَهًا وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ لَفْظَ " الْجَبْرِ " إذَا أُرِيدَ بِهِ الْجَبْرُ الْمَعْرُوفُ مِنْ إجْبَارِ الْإِنْسَانِ غَيْرَهُ عَلَى مَا لَا يُرِيدُهُ فَهَذَا الْجَبْرُ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ إرَادَتَهُ فَهَذَا الْجَبْرُ إذَا صَحَّ لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا . وَ ( الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : وَالْمُكْرَهُ عِنْدَكَ مَعْذُورٌ . فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ الْمُكْرَهُ نَوْعَانِ : ( نَوْعٌ أَكْرَهَهُ الْمُكْرِهُ بِحَقِّ فَهَذَا لَيْسَ بِمَعْذُورِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُكْرِهُ أَحَدًا إلَّا بِحَقِّ سَوَاءٌ قَدَّرَ الْإِكْرَاهَ بِخَلْقِهِ وَقَدَرِهِ أَوْ شَرْعِهِ وَأَمْرِهِ وَإِنَّمَا الْمُكْرَهُ الْمَعْذُورُ هُوَ الْمَظْلُومُ الْمُكْرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَاَللَّهُ تَعَالَى : لَا يَظْلِمُ أَحَدًا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ بَلْ هُوَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } . وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ الظُّلْمِ لَكِنْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مَعْنَى " الظُّلْمِ " الَّذِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهُ فَجَعَلَتْ الْقَدَرِيَّةُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ " الظُّلْمَ " الَّذِي يُنَزَّهُ عَنْهُ الْخَالِقُ مِنْ جِنْسِ " الظُّلْمِ " الَّذِي يُنْهَى عَنْهُ الْمَخْلُوقَ وَشَبَّهُوا اللَّهَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَخْلُوقِ وَتَكَلَّمُوا فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْوِيزِ بِكَلَامِ مُتَنَاقِضٍ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عَنْهُمْ وَأَلْزَمُوا النَّاسَ إلْزَامَاتٍ كَثِيرَةً . ( مِنْهَا أَنْ قَالُوا : إنَّ الْعَبْدَ لَوْ رَأَى رُفْقَةً يَظْلِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْ الظُّلْمِ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ لَكَانَ ظَالِمًا وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ ظُلْمًا مِنْ اللَّهِ فَقَالُوا : هُوَ قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَعَرَّضَهُمْ لِلثَّوَابِ إذَا أَطَاعُوهُ وَلِلْعِقَابِ إذَا عَصَوْهُ وَهُمْ قَدْ ظَلَمُوا بِاخْتِيَارِهِمْ وَلَمْ يُمْكِنْ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِإِلْجَائِهِمْ إلَى التَّرْكِ وَالْإِلْجَاءُ يُزِيلُ التَّكْلِيفَ الَّذِي عَرَّضَهُمْ بِهِ لِلثَّوَابِ . فَقَالَ لَهُمْ الْجُمْهُورُ : الْوَاحِدُ مِنَّا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ عِبَادَهُ لَا يُطِيعُونَ أَمْرَهُ وَلَا يَمْتَنِعُونَ عَنْ الظُّلْمِ بَلْ يَزْدَادُونَ عِصْيَانًا وَظُلْمًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِكْمَةً وَلَا عَدْلًا وَإِنَّمَا يُحْمَدُ ذَلِكَ مِنْ الْوَاحِدِ مِنَّا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْعَاقِبَةِ أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْ الْمَنْعِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالْعَوَاقِبِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ الْوَاحِدُ مِنَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُمْ لِيُعَرِّضَهُمْ لِلثَّوَابِ عَصَوْهُ وَظَلَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ الظُّلْمِ بِالْإِلْجَاءِ . وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ . فَإِنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا التَّنْبِيهَ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ مُثْبِتَةِ الْقَدَرِ - مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين مِنْ الجهمية وَأَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ - الظُّلْمُ مِنْهُ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ فَكُلُّ مُمْكِنٍ يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ لَيْسَ فِعْلُهُ ظُلْمًا . وَقَالُوا : الظُّلْمُ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ أَوْ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ مَنْ تَجِبُ طَاعَتُهُ وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ . وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَالنُّظَّارِ : بَلْ الظُّلْمُ هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَبْخَسَ الْمُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ حَسَنَاتِهِ أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ غَيْرِهِ وَهَذَا مِنْ الظُّلْمِ الَّذِي نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَنْهُ . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ : " الْهَضْمُ " أَنْ يُهْضَمَ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَالظُّلْمُ أَنْ يُزَادَ فِي سَيِّئَاتِهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى } { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } { أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى } وَقَالَ : { قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ } { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } وَفِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَحَسَّنَهُ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يُجَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِرَجُلِ مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ : أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا ؟ فَيَقُولُ : لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةٌ ؟ فَيَهَابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ : لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : بَلَى . إنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَاتٍ وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ ؟ فَيَقُولُ : إنَّكَ لَا تُظْلَمُ قَالَ : فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ } وَقَالَ تَعَالَى : { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ } وَقَالَ : { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } وَمِثْلُ هَذِهِ النُّصُوصِ كَثِيرَةٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْفِ بِهَا الْمُمْتَنِعَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْوُجُودَ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ؛ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَتَوَهَّمْ أَحَدٌ وُجُودَهُ وَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ نَفْيِهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الْخِطَابِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ عَدْلِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } بَلْ يُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ وَلَا يُعَاقِبُهُمْ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } وَقَالَ : { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ } وَمِثْلُ هَذِهِ النُّصُوصِ كَثِيرَةٌ وَهِيَ تُبَيِّنُ أَنَّ الظُّلْمَ الَّذِي نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَنْهُ لَيْسَ هُوَ مَا تَقُولُهُ الْقَدَرِيَّةُ وَلَا مَا تَقُولُهُ الْجَبْرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى تَحْقِيقِ هَذَا الْمَقَامِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ وَبُيِّنَ فِيهَا حِكْمَةُ اللَّهِ وَعَدْلُهُ فَإِنَّ هَذَا الْمَقَامَ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَامَاتِ الَّتِي اضْطَرَبَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين . وَالْبَسْطُ الْكَثِيرُ الَّذِي يَنْتَهِي بِهِ إلَى تَفْصِيلِ أَقْوَالِ النَّاسِ وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ بِبَيَانِ الدَّلَائِلِ وَالْجَوَابُ عَنْ الْمُعَارَضَاتِ لَا يُنَاسِبُ جَوَابَ هَذَا النَّظْمِ . وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ : يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ؛ وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تظالموا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ - يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أُكْسِكُمْ يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ؛ يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ } قَالَ سَعِيدٌ كَانَ أَبُو إدْرِيسَ الخولاني إذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ . فَذَكَرَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي قَالَ فِيهِ الْإِمَامُ أَحْمَد هُوَ أَشْرَفُ حَدِيثٍ لِأَهْلِ الشَّامِ إنَّهُ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ . وَ " التَّحْرِيمُ " ضِدُّ الْإِيجَابِ وَبَيَّنَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ خَبَرِهِ بِمُجَرَّدِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ؛ وَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ تَعَالَى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } فَهُوَ حَقٌّ أَحَقَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْخَلْقِ يُوجِبُ عَلَيْهِ حَقًّا وَلَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِ شَيْئًا . وَخَتَمَ الْحَدِيثَ بِقَوْلِهِ : { إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ } كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتِنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ . مَنْ قَالَهَا إذَا أَصْبَحَ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ قَالَهَا إذَا أَمْسَى مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ } وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : { أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي } وَمِنْ نِعَمِهِ عَلَى عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُيَسِّرُهُ لَهُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْحَسَنَاتِ فَإِنَّهَا مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَسَيِّئَاتُ الْعَبْدِ مِنْ عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ إذْ كُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ وَهُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لِكَمَالِ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ لَا لِمُجَرَّدِ قَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ . كَمَا يَقُولُهُ جَهْمٌ وَأَتْبَاعُهُ وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا وَبَيَّنَ حَقِيقَةَ قَوْلِهِ : { وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ } وَإِنْ كَانَ خَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ . وَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرَّ لَمْ يُضَفْ إلَى اللَّهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَّا عَلَى أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ : إمَّا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ ، كَقَوْلِهِ : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } وَإِمَّا بِطَرِيقَةِ إضَافَتِهِ إلَى السَّبَبِ كَقَوْلِهِ : { مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ } وَإِمَّا أَنْ يُحْذَفَ فَاعِلُهُ كَقَوْلِ الْجِنِّ : { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } وَقَدْ جَمَعَ فِي الْفَاتِحَةِ " الْأَصْنَافَ الثَّلَاثَةَ " فَقَالَ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وَهَذَا عَامٌّ وَقَالَ : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } فَحَذَفَ فَاعِلَ الْغَضَبِ . وَقَالَ : { وَلَا الضَّالِّينَ } فَأَضَافَ الضَّلَالَ إلَى الْمَخْلُوقِ وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الْخَلِيلِ : { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } وَقَوْلُ الْخَضِرِ : { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا } { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا } { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى حَقَائِقِ هَذِهِ الْأُمُورِ . وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا إلَّا لِحِكْمَةِ قَالَ تَعَالَى : { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } وَقَالَ : { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } فَالْمَخْلُوقُ بِاعْتِبَارِ الْحِكْمَةِ الَّتِي خُلِقَ لِأَجْلِهَا خَيْرٌ وَحِكْمَةٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَرٌّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَذَلِكَ أَمْرٌ عَارِضٌ جُزْئِيٌّ لَيْسَ شَرًّا مَحْضًا بَلْ الشَّرُّ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْخَيْرُ الْأَرْجَحُ هُوَ خَيْرٌ مِنْ الْفَاعِلِ الْحَكِيمِ وَإِنْ كَانَ شَرًّا لِمَنْ قَامَ بِهِ . وَظَنُّ الظَّانِّ أَنَّ الْحِكْمَةَ الْمَطْلُوبَةَ التَّامَّةَ قَدْ تَحْصُلُ مَعَ عَدَمِهِ إنَّمَا يَقُولُهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ وَارْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضِ فَإِنَّ الْخَالِقَ إذَا خَلَقَ الشَّيْءَ فَلَا بُدَّ مِنْ خَلْقِ لَوَازِمِهِ فَإِنَّ وُجُودَ الْمَلْزُومِ بِدُونِ وُجُودِ اللَّازِمِ مُمْتَنِعٌ وَلَا بُدَّ مِنْ تَرْكِ خَلْقِ أَضْدَادِهِ الَّتِي تُنَافِيهِ فَإِنَّ اجْتِمَاعَ الضِّدَّيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مُمْتَنِعٌ . وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْعُمُومِ شَيْءٌ ؛ لَكِنَّ مُسَمَّى " الشَّيْءِ " مَا تُصُوِّرَ وُجُودُهُ فَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ فَلَيْسَ شَيْئًا بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ . وَالْقُدْرَةُ عَلَى خَلْقِ الْمُتَضَادَّاتِ قُدْرَةٌ عَلَى خَلْقِهَا عَلَى الْبَدَلِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ إذَا شَاءَ أَنْ يَجْعَلَ الْعَبْدَ مُتَحَرِّكًا جَعَلَهُ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهُ سَاكِنًا جَعَلَهُ وَكَذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَغَيْرِهِمَا ؛ لَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ مُتَّصِفًا بِالْمُتَضَادَّاتِ فَيَكُونُ مُؤْمِنًا صِدِّيقًا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ كَافِرًا مُنَافِقًا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ وَشُعْبَةٌ مِنْ النِّفَاقِ . وَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ وَقُدْرَتَهُ وَحِكْمَتَهُ وَرَحْمَتَهُ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ زِيَادَةٌ عَلَيْهَا بَلْ كُلَّمَا أَمْكَنَ مِنْ الْكَمَالِ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ فَهُوَ وَاجِبٌ لِلرَّبِّ تَعَالَى وَقَدْ يَعْلَمُ بَعْضُ الْعِبَادِ بَعْضَ حِكْمَتِهِ وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِنْهَا مَا يَخْفَى . وَالنَّاسُ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْعِلْمِ بِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ عِلْمًا بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ ازْدَادَ عِلْمًا بِحِكْمَةِ اللَّهِ وَعَدْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مُنْعِمٌ عَلَيْهِ بِالْحَسَنَاتِ عَمَلِهَا وَثَوَابِهَا وَأَنَّ مَا يُصِيبُهُ مِنْ عُقُوبَاتِ ذُنُوبِهِ فَبِعَدْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ نَفْسَ صُدُورِ الذُّنُوبِ مِنْهُ - وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَقْدُورَاتِ الرَّبِّ - فَهُوَ لِنَقْصِ نَفْسِهِ وَعَجْزِهَا وَجَهْلِهَا الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِهَا وَأَنَّ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ الْحَسَنَاتِ فَهُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ وَإِحْسَانِهِ وَجُودِهِ وَأَنَّ الرَّبَّ مَعَ أَنَّهُ قَدْ خَلَقَ النَّفْسَ وَسَوَّاهَا وَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا فَإِلْهَامُ الْفُجُورِ وَالتَّقْوَى وَقَعَ بِحِكْمَةِ بَالِغَةٍ لَوْ اجْتَمَعَ الْأَوَّلُونَ والآخرون مِنْ عُقَلَاءِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى أَنْ يَرَوْا حِكْمَةً أَبْلَغَ مِنْهَا لَمْ يَرَوْا حِكْمَةً أَبْلَغَ مِنْهَا . لَكِنْ تَفْصِيلُ حِكْمَةِ الرَّبِّ مِمَّا يَعْجِزُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ عَنْ مَعْرِفَتِهَا وَمِنْهَا مَا يَعْجِزُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ حَتَّى الْمَلَائِكَةُ ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ : { إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } قَالَ : { إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } فَتَكْفِيهِمْ الْمَعْرِفَةُ الْمُجْمَلَةُ وَالْإِيمَانُ الْعَامُّ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ هُدًى وَرَشَادٍ وَصَلَاحٍ فِي الْمَعَاشِ وَالْمُعَادِ ؛ وَمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ ؛ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعِفَّةَ وَالْغِنَى } وَيَقُولُ : { اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا ؛ وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا } وَيَقُولُ : { اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي ؛ وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ ؛ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ } وَكُلُّ هَذَا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي الصَّحِيحِ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ : اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وميكائيل وَإِسْرَافِيلَ ؛ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ؛ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } . وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَقُولَ فِي صَلَاتِنَا : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } وَهَذَا أَفْضَلُ الْأَدْعِيَةِ وَأَوْجَبُهَا عَلَى الْعِبَادِ . وَمَنْ تَحَقَّقَ بِهَذَا الدُّعَاءِ جَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْهُدَى وَالرَّشَادِ ؛ فَإِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاءِ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ وَ " أَيْضًا " أَمَرَ اللَّهُ النَّاسَ أَنْ يَتُوبُوا وَيَسْتَغْفِرُوا مِمَّا فَعَلُوهُ فَلَوْ كَانَ كَالْمُبَاحِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَالْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَكَفِعْلِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ مَا أُمِرَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ السَّيِّئَاتِ الْقَبِيحَةِ لَكِنْ اللَّهُ لَا يُعَاقِبُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } { أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّهَ إنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } . وقَوْله تَعَالَى { قُلْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ } { الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } وَقَالَ : { إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } { قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ } { يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ } . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ ذُنُوبًا قَبْلَ إنْذَارِهِ إيَّاهُمْ . وَقَالَ عَنْ هُودٍ : { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أَنْتُمْ إلَّا مُفْتَرُونَ } { يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إنْ أَجْرِيَ إلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ } { وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ } فَأَخْبَرَ فِي أَوَّلِ خِطَابِهِ أَنَّهُمْ مُفْتَرُونَ . بِأَكْثَرَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ } . وَكَذَلِكَ قَالَ صَالِحٌ : { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } . وَكَذَلِكَ قَالَ لُوطٌ لِقَوْمِهِ : { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ } . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فَاحِشَةٌ عِنْدَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَنْهَاهُمْ . بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : مَا كَانَتْ فَاحِشَةً وَلَا قَبِيحَةً وَلَا سَيِّئَةً حَتَّى نَهَاهُمْ عَنْهَا ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ : { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ } . وَهَذَا خِطَابٌ لِمَنْ يَعْرِفُونَ قُبْحَ مَا يَفْعَلُونَ وَلَكِنْ أَنْذَرَهُمْ بِالْعَذَابِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُ شُعَيْبٍ : { أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ } . بَيَّنَ أَنَّ مَا فَعَلُوهُ كَانَ بَخْسًا لَهُمْ أَشْيَاءَهُمْ وَأَنَّهُمْ كَانُوا عَاثِينَ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ قَبْلَ أَنْ يَنْهَاهُمْ ؛ بِخِلَافِ قَوْلِ " الْمُجَبِّرَةِ " أَنَّ ظُلْمَهُمْ مَا كَانَ سَيِّئَةً إلَّا لِمَا نَهَاهُمْ وَأَنَّهُ قَبْلَ النَّهْيِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَفْعَالِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . كَمَا يَقُولُونَ فِي سَائِرِ مَا نَهَتْ عَنْهُ الرُّسُلُ مِنْ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ . وَهَكَذَا إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ قَالَ : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا } { إذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا } فَهَذَا تَوْبِيخٌ عَلَى فِعْلِهِ قَبْلَ النَّهْيِ وَقَالَ أَيْضًا : { وَإِبْرَاهِيمَ إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } { إنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إفْكًا } . فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ إفْكًا قَبْلَ النَّهْيِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْخَلِيلِ لِقَوْمِهِ أَيْضًا : { مَاذَا تَعْبُدُونَ } { أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ } { فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } - إلَى قَوْلِهِ - { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } . فَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ قُبْحَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ النَّهْيِ وَقَبْلَ إنْكَارِهِ عَلَيْهِمْ وَلِهَذَا اسْتَفْهَمَ اسْتِفْهَامَ مُنْكِرٍ فَقَالَ : { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } أَيْ وَخَلَقَ مَا تَنْحِتُونَ . فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَعْبُدُوا مَا تَصْنَعُونَهُ بِأَيْدِيكُمْ ؟ وَتَدَعُونَ رَبَّ الْعَالَمِينَ . فَلَوْلَا أَنَّ حُسْنَ التَّوْحِيدِ وَعِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَقُبْحَ الشِّرْكِ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ لَمْ يُخَاطِبْهُمْ بِهَذَا إذْ كَانُوا لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا يُذَمُّونَ عَلَيْهِ بَلْ كَانَ فِعْلُهُمْ كَأَكْلِهِمْ وَشُرْبِهِمْ وَإِنَّمَا كَانَ قَبِيحًا بِالنَّهْيِ وَمَعْنَى قُبْحِهِ كَوْنُهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لَا لِمَعْنَى فِيهِ ؛ كَمَا تَقُولُهُ الْمُجَبِّرَةُ . وَ " أَيْضًا " فَفِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ يُبَيِّنُ لَهُمْ قُبْحَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْكِ وَغَيْرِهِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَيَضْرِبُ لَهُمْ الْأَمْثَالَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } . وَقَوْلُهُ : { أَفَلَا تَتَّقُونَ } وَقَوْلُهُ : { فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ اعْتِرَافَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ يُوجِبُ انْتِهَاءَهُمْ عَنْ عِبَادَتِهَا وَأَنَّ عِبَادَتَهَا مِنْ الْقَبَائِحِ الْمَذْمُومَةِ ؛ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَظُنُّونَ أَنَّ الشِّرْكَ هُوَ اعْتِقَادُ أَنْ ثَمَّ خَالِقٌ آخَرُ وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ بَلْ الشِّرْكُ عِبَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ وَإِنْ اعْتَرَفَ الْمُشْرِكُ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ . وَقَوْلُهُ : إنَّهُ كُلُّهُ لِلَّهِ كَذِبٌ مُفْتَرًى وَإِنْ قَالَ : إنَّهُ مَخْلُوقٌ . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ . كَقَوْلِهِ : { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } { أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } وَهَذَا فِي جُمْلَةٍ بَعْدَ جُمْلَةٍ يَقُولُ : { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } إنْكَارًا عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ وَيَتَّخِذُوهُ إلَهًا مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ هُوَ وَحْدَهُ . وَقَوْلُهُ { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ أَيُّ إلَهٍ مَعَ اللَّهِ [ مَوْجُودٌ ؟ ] وَهَذَا غَلَطٌ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً وَيَشْهَدُونَ بِذَلِكَ ؛ لَكِنْ مَا كَانُوا يَقُولُونَ : إنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ . وَالتَّقْرِيرُ إنَّمَا يَكُونُ لِمَا يُقِرُّونَ بِهِ وَهُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا . لَا يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَهٌ . قَالَ تَعَالَى : { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } . وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } . وَقَالَ : { إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } . وَقَالَ : { ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } . فَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَالَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ إنَّ كُلَّ عَاصٍ فَهُوَ جَاهِلٌ . كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِمَنْ يَكُونُ عَلِمَ التَّحْرِيمَ أَيْضًا . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ عَامِلًا سُوءًا وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْمَعْ الْخِطَابَ الْمُبِينَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَأَنَّهُ يَتُوبُ مِنْ ذَلِكَ فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ وَيَرْحَمُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الْخِطَابِ وَقِيَامِ الْحُجَّةِ .

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُفْتِي الْأَنَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ تيمية عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ : كَلَامُ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ قَدِيمٌ - سَوَاءٌ كَانَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا فُحْشًا أَوْ غَيْرَ فُحْشٍ نَظْمًا أَوْ نَثْرًا - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِهِمْ فِي الْقِدَمِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الثَّوَابِ . وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ - بَلْ أَكْثَرُهُمْ - : أَصْوَاتُ الْحَمِيرِ وَالْكِلَابِ كَذَلِكَ وَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِمْ مَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد رَدًّا عَلَى قَوْلِهِمْ تَأَوَّلُوا ذَلِكَ وَقَالُوا : بِأَنَّ أَحْمَد إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ النَّاسِ فَهَلْ هَؤُلَاءِ مُصِيبُونَ أَوْ مُخْطِئُونَ ؟ وَهَلْ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى زَجْرُهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ يَكْفُرُونَ بِالْإِصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ الَّذِي نُقِلَ عَنْ أَحْمَد حُقٌّ كَمَا زَعَمُوا أَمْ لَا فَأَجَابَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

الْجَوَابُ

فَصْلٌ وَأَمَّا سُؤَالُ السَّائِلِ : هَلْ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ زَجْرُهُمْ وَرَدْعُهُمْ ؟ فَنَعَمْ يَجِبُ ذَلِكَ فِي هَؤُلَاءِ وَفِي كُلِّ مَنْ أَظْهَرَ مُقَالَةً تُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ " الْمُنْكَرِ " الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } وَهُوَ مِنْ " الْإِثْمِ " الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ : { لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ } . وَكُلُّ مَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ نَفَى عَنْ اللَّهِ مَا أَثْبَتّه لِنَفْسِهِ مِنْ الْمُعَطِّلَةِ وَالْمُمَثِّلَةِ فَإِنَّهُ قَالَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَذَلِكَ مِمَّا زَجَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لِلنَّصَارَى : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ } وَبِقَوْلِهِ : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } وَقَالَ عَنْ الشَّيْطَانِ : { إنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } وَقَالَ : { قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } . فَإِنَّ مَنْ قَالَ غَيْرَ الْحَقِّ فَقَدْ قَالَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ ؛ فَإِنَّ الْبَاطِلَ لَا يُعْلَمُ إلَّا إذَا عُلِمَ بُطْلَانُهُ فَأَمَّا اعْتِقَادُ أَنَّهُ الْحَقُّ فَهُوَ جَهْلٌ لَا عِلْمٌ فَمَنْ قَالَهُ فَقَدْ قَالَ مَا لَا يَعْلَمُ وَكَذَلِكَ مَنْ تَبِعَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَبْوَابِ الدِّينِ آبَاءَهُ وَأَسْلَافَهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِصَامٍ مِنْهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ مِمَّنْ ذَمَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : مِثْلُ قَوْلِهِ : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } وَقَوْلِهِ : { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا } { وَقَالُوا رَبَّنَا إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا } { رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } . وَكَذَلِكَ مَنْ اتَّبَعَ الظُّنُونَ وَالْأَهْوَاءَ مُعْتَقِدًا أَنَّهَا " عَقْلِيَّاتٌ " وَ " ذَوْقِيَّاتٌ " فَهُوَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِ : { إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } وَإِنَّمَا يَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ مِنْ السَّمَاءِ وَالرَّسُولِ الْمُؤَيَّدِ بِالْأَنْبَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ } بَلْ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَلْتَزِمُوا الْأُصُولَ الْجَامِعَةَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا : فَيُؤْمِنُونَ بِمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ : مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ . وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِيَقِينِ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ .

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُفْتِي الْأَنَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ تيمية عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ : كَلَامُ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ قَدِيمٌ - سَوَاءٌ كَانَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا فُحْشًا أَوْ غَيْرَ فُحْشٍ نَظْمًا أَوْ نَثْرًا - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِهِمْ فِي الْقِدَمِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الثَّوَابِ . وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ - بَلْ أَكْثَرُهُمْ - : أَصْوَاتُ الْحَمِيرِ وَالْكِلَابِ كَذَلِكَ وَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِمْ مَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد رَدًّا عَلَى قَوْلِهِمْ تَأَوَّلُوا ذَلِكَ وَقَالُوا : بِأَنَّ أَحْمَد إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ النَّاسِ فَهَلْ هَؤُلَاءِ مُصِيبُونَ أَوْ مُخْطِئُونَ ؟ وَهَلْ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى زَجْرُهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ يَكْفُرُونَ بِالْإِصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ الَّذِي نُقِلَ عَنْ أَحْمَد حُقٌّ كَمَا زَعَمُوا أَمْ لَا فَأَجَابَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

الْجَوَابُ

فَصْلٌ إذَا ظَهَرَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ فِي اسْمِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ الملي وَفِي حُكْمِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ وَمَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ الِاضْطِرَابِ فَ " مَسْأَلَةُ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ " مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ . وَنَحْنُ نَبْدَأُ بِمَذْهَبِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ فِيهَا قَبْلَ التَّنْبِيهِ عَلَى الْحُجَّةِ فَنَقُولُ : الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَعَامَّةِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ تَكْفِيرُ الجهمية وَهُمْ الْمُعَطِّلَةُ لِصِفَاتِ الرَّحْمَنِ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ صَرِيحٌ فِي مُنَاقَضَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ الْكِتَابِ وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ جُحُودُ الصَّانِعِ فَفِيهِ جُحُودُ الرَّبِّ وَجُحُودُ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : إنَّا لَنَحْكِي كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الجهمية وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّهُمْ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَعْنُونَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَلِهَذَا كَفَّرُوا مَنْ يَقُولُ : إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَلَا غَضَبٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ . وَأَمَّا " الْمُرْجِئَةُ " : فَلَا تَخْتَلِفُ نُصُوصُهُ أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهُمْ ؛ فَإِنَّ بِدْعَتَهُمْ مِنْ جِنْسِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي الْفُرُوعِ وَكَثِيرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ يَعُودُ النِّزَاعُ فِيهِ إلَى نِزَاعٍ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْأَسْمَاءِ : وَلِهَذَا يُسَمَّى الْكَلَامُ فِي مَسَائِلِهِمْ " بَابُ الْأَسْمَاءِ " وَهَذَا مِنْ نِزَاعِ الْفُقَهَاءِ لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ الدِّينِ ؛ فَكَانَ الْمُنَازِعُ فِيهِ مُبْتَدِعًا . وَكَذَلِكَ " الشِّيعَةُ " الْمُفَضِّلُونَ لِعَلِيِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ إنَّهُمْ لَا يُكَفَّرُونَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا وَإِنْ كَانُوا يُبَدَّعُونَ . وَأَمَّا " الْقَدَرِيَّةُ " الْمُقِرُّونَ بِالْعِلْمِ وَ " الرَّوَافِضُ " الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ الْغَالِيَةِ والجهمية وَالْخَوَارِجُ : فَيُذْكَرُ عَنْهُ فِي تَكْفِيرِهِمْ رِوَايَتَانِ هَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِهِ الْمُطْلَقِ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ عَنْ تَكْفِيرِ الْقَدَرِيَّةِ الْمُقِرِّينَ بِالْعِلْمِ وَالْخَوَارِجِ مَعَ قَوْلِهِ : مَا أَعْلَمُ قَوْمًا شَرًّا مِنْ الْخَوَارِجِ . ثُمَّ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْكُونَ عَنْهُ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ مُطْلَقًا رِوَايَتَيْنِ حَتَّى يَجْعَلُوا الْمُرْجِئَةَ دَاخِلِينَ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَعَنْهُ فِي تَكْفِيرِ مَنْ لَا يُكَفِّرُ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَكْفُرُ . وَرُبَّمَا جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ فِي تَكْفِيرِ مَنْ لَا يُكَفِّرُ مُطْلَقًا وَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ . والجهمية - عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ : مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطَ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ - لَيْسُوا مِنْهُ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً الَّتِي افْتَرَقَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ ؛ بَلْ أُصُولُ هَذِهِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ : هُمْ الْخَوَارِجُ وَالشِّيعَةُ وَالْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَهَذَا الْمَأْثُورُ عَنْ أَحْمَد وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَامَّةِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ ؛ مَنْ قَالَ : الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ قَالَ : إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ كَافِرٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ . ثُمَّ حَكَى أَبُو نَصْرٍ السجزي عَنْهُمْ فِي هَذَا قَوْلَيْنِ : " أَحَدُهُمَا " أَنَّهُ كُفْرٌ يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ . قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ . وَ " الثَّانِي " أَنَّهُ كُفْرٌ لَا يَنْقُلُ . وَلِذَلِكَ قَالَ الخطابي : إنَّ هَذَا قَالُوهُ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَكَذَلِكَ تَنَازَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي تَخْلِيدِ الْمُكَفَّرِ مِنْ هَؤُلَاءِ ؛ فَأَطْلَقَ أَكْثَرُهُمْ عَلَيْهِ التَّخْلِيدَ كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ ؛ كَأَبِي حَاتِمٍ ؟ وَأَبِي زُرْعَةَ وَغَيْرِهِمْ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْقَوْلِ بِالتَّخْلِيدِ . وَسَبَبُ هَذَا التَّنَازُعِ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَدِلَّةً تُوجِبُ إلْحَاقَ أَحْكَامِ الْكُفْرِ بِهِمْ ثُمَّ إنَّهُمْ يَرَوْنَ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّذِينَ قَالُوا تِلْكَ الْمَقَالَاتِ مَنْ قَامَ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَيَتَعَارَضُ عِنْدَهُمْ الدَّلِيلَانِ وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ مَا أَصَابَ الْأَوَّلِينَ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فِي نُصُوصِ الشَّارِعِ كُلَّمَا رَأَوْهُمْ قَالُوا : مَنْ قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ اعْتَقَدَ الْمُسْتَمِعُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ شَامِلٌ لِكُلِّ مَنْ قَالَهُ وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا أَنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَقِي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ وَأَنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ إلَّا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد وَعَامَّةَ الْأَئِمَّةِ : الَّذِينَ أَطْلَقُوا هَذِهِ العمومات لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِهِ . فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد - مَثَلًا - قَدْ بَاشَرَ " الجهمية " الَّذِينَ دَعَوْهُ إلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَفْيِ الصِّفَاتِ وَامْتَحَنُوهُ وَسَائِر عُلَمَاءِ وَقْتِهِ وَفَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الَّذِينَ لَمْ يُوَافِقُوهُمْ عَلَى التَّجَهُّمِ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَالْقَتْلِ وَالْعَزْلِ عَنْ الْوِلَايَاتِ وَقَطْعِ الْأَرْزَاقِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ وَتَرْكِ تَخْلِيصِهِمْ مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ بِحَيْثُ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ إذْ ذَاكَ مِنْ الجهمية مِنْ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ : يُكَفِّرُونَ كُلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ جهميا مُوَافِقًا لَهُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ مِثْلِ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَيَحْكُمُونَ فِيهِ بِحُكْمِهِمْ فِي الْكَافِرِ فَلَا يُوَلُّونَهُ وِلَايَةً وَلَا يُفْتِكُونَهُ مِنْ عَدُوٍّ وَلَا يُعْطُونَهُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَقْبَلُونَ لَهُ شَهَادَةً وَلَا فُتْيَا وَلَا رِوَايَةً وَيَمْتَحِنُونَ النَّاسَ عِنْدَ الْوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالِافْتِكَاكِ مِنْ الْأَسْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . فَمَنْ أَقَرَّ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ حَكَمُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لَمْ يَحْكُمُوا لَهُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَمَنْ كَانَ دَاعِيًا إلَى غَيْرِ التَّجَهُّمِ قَتَلُوهُ أَوْ ضَرَبُوهُ وَحَبَسُوهُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ أَغْلَظِ التَّجَهُّمِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ إلَى الْمَقَالَةِ أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِهَا وَإِثَابَةُ قَائِلِهَا وَعُقُوبَةَ تَارِكِهَا أَعْظَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الدُّعَاءِ إلَيْهَا وَالْعُقُوبَةُ بِالْقَتْلِ لِقَائِلِهَا أَعْظَمُ مِنْ الْعُقُوبَةِ بِالضَّرْبِ . ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد دَعَا لِلْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ . مِمَّنْ ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وحللهم مِمَّا فَعَلُوهُ بِهِ مِنْ الظُّلْمِ وَالدُّعَاءِ إلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ ؛ فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْكَفَّارِ لَا يَجُوزُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَالْأَعْمَالُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يُكَفِّرُوا الْمُعَيَّنِينَ مِنْ الجهمية الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ : الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَد مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَفَّرَ بِهِ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ فَأَمَّا أَنْ يُذْكَرَ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ فَفِيهِ نَظَرٌ أَوْ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى التَّفْصِيلِ . فَيُقَالُ : مَنْ كَفَّرَهُ بِعَيْنِهِ ؛ فَلِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ بِعَيْنِهِ ؛ فَلِانْتِفَاءِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ هَذِهِ مَعَ إطْلَاقِ قَوْلِهِ بِالتَّكْفِيرِ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ : الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالِاعْتِبَارُ . أَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } وقَوْله تَعَالَى { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : قَدْ فَعَلْت لَمَّا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِهَذَا الدُّعَاءِ } . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { أُعْطِيت فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ } " وَ " { أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِحَرْفِ مِنْهَا إلَّا أُعْطِيَهُ } " . وَإِذَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ الْمُفَسَّرِ بِالسُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ فَهَذَا عَامٌّ عُمُومًا مَحْفُوظًا وَلَيْسَ فِي الدَّلَالَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُوجِبُ أَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُخْطِئًا عَلَى خَطَئِهِ وَإِنْ عَذَّبَ الْمُخْطِئَ . مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَ " أَيْضًا " قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَقَالَ لِأَهْلِهِ : إذَا مَاتَ فَأَحْرِقُوهُ ثُمَّ اُذْرُوَا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا بِهِ كَمَا أَمَرَهُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ . ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْت هَذَا ؟ قَالَ مِنْ خَشْيَتِك يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ ؛ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ } " . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْأَسَانِيدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَحُذَيْفَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَعْلَمُ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّهَا تُفِيدُهُمْ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَشْرَكهُمْ فِي أَسْبَابِ الْعِلْمِ . فَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ قَدْ وَقَعَ لَهُ الشَّكُّ وَالْجَهْلُ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ؛ بَعْدَ مَا أُحْرِقَ وَذُرِيَ وَعَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الْمَيِّتَ وَيَحْشُرُهُ إذَا فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَهَذَانِ أَصْلَانِ عَظِيمَانِ : " أَحَدُهُمَا " مُتَعَلِّقٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَ " الثَّانِي " مُتَعَلِّقٌ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ . وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ يُعِيدُ هَذَا الْمَيِّتَ وَيَجْزِيهِ عَلَى أَعْمَالِهِ وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ فِي الْجُمْلَةِ وَمُؤْمِنًا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ وَيُعَاقِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا - وَهُوَ خَوْفُهُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى ذُنُوبِهِ - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ . وَأَيْضًا : فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ مِنْ إيمَانٍ } " وَفِي رِوَايَةٍ : { مِثْقَالُ دِينَارٍ مَنْ خَيْرٍ ثُمَّ يُخْرِجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ } " وَفِي رِوَايَةٍ " مَنْ خَيْرٍ " " { وَيُخْرِجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ أَوْ خَيْرٍ } " وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ النُّصُوصِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مَنْ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْخَيْرِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَأَنَّ الْإِيمَانَ مِمَّا يَتَبَعَّضُ وَيَتَجَزَّأُ . وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُخْطِئِينَ مَعَهُمْ مِقْدَارٌ مَا مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ إذْ الْكَلَامُ فِيمَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ . وَأَيْضًا فَإِنَّ السَّلَفَ أَخْطَأَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ التَّكْفِيرِ بِذَلِكَ مِثْلُ مَا أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ نِدَاءَ الْحَيِّ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمِعْرَاجُ يَقَظَةً وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ رُؤْيَةَ مُحَمَّدٍ رَبَّهُ وَلِبَعْضِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ وَالتَّفْضِيلِ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ وَكَذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ فِي قِتَالِ بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضٍ وَإِطْلَاقِ تَكْفِيرِ بَعْضِ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ . وَكَانَ الْقَاضِي شريح يُنْكِرُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ : { بَلْ عَجِبْتَ } وَيَقُولُ : إنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ إبْرَاهِيمَ النخعي فَقَالَ : إنَّمَا شريح شَاعِر يُعْجِبُهُ عِلْمُهُ . كَانَ عَبْد اللَّه أُفُقه مِنْهُ فَكَانَ يَقُولُ : { بَلْ عَجِبْتَ } فَهَذَا قَدْ أَنْكَرَ قِرَاءَةً ثَابِتَةً وَأَنْكَرَ صِفَةً دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ إمَامٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَكَذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ حُرُوفَ الْقُرْآنِ مِثْلَ إنْكَارِ بَعْضِهِمْ قَوْلَهُ : { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا } وَقَالَ : إنَّمَا هِيَ : أو لَمْ يَتَبَيَّنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَإِنْكَارِ الْآخَرِ قِرَاءَةَ قَوْلِهِ : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ } وَقَالَ : إنَّمَا هِيَ : وَوَصَّى رَبُّك . وَبَعْضُهُمْ كَانَ حَذَفَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَآخَرُ يَكْتُبُ سُورَةَ الْقُنُوتِ . وَهَذَا خَطَأٌ مَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَوَاتَرَ النَّقْلُ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ لَمْ يُكَفَّرُوا وَإِنْ كَانَ يَكْفُرُ بِذَلِكَ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إلَّا بَعْدَ إبْلَاغِ الرِّسَالَةِ فَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ جُمْلَةً لَمْ يُعَذِّبْهُ رَأْسًا وَمَنْ بَلَغَتْهُ جُمْلَةً دُونَ بَعْضِ التَّفْصِيلِ لَمْ يُعَذِّبْهُ إلَّا عَلَى إنْكَارِ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية . وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } وَقَوْلِهِ : { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي } الْآيَةَ . وَقَوْلِهِ : { أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ } وَقَوْلِهِ : { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ } الْآيَةَ . وَقَوْلِهِ : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } وَقَوْلِهِ : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } وَقَوْلِهِ : { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } { قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ } وَقَوْلِهِ : { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى } وَقَوْلِهِ " { وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } وَنَحْوُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ . فَمَنْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ تَفْصِيلًا ؛ إمَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ . أَوْ سَمِعَهُ مِنْ طَرِيقٍ لَا يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهَا أَوْ اعْتَقَدَ مَعْنًى آخَرَ لِنَوْعِ مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي يُعْذَرُ بِهِ . فَهَذَا قَدْ جُعِلَ فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مَا يُوجِبُ أَنْ يُثِيبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بِهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ مُخَالِفُهَا . وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ مِنْ الْخَطَأِ فِي الدِّينِ مَا لَا يَكْفُرُ مُخَالِفُهُ ؛ بَلْ وَلَا يَفْسُقُ ؛ بَلْ وَلَا يَأْثَمُ ؛ مِثْلُ الْخَطَأِ فِي الْفُرُوعِ الْعَمَلِيَّةِ ؛ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهَا آثِمٌ وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ يَعْتَقِدُ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبٌ فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذَّانِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَكْفِيرِ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهَا وَمَعَ ذَلِكَ فَبَعْضُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَدْ ثَبَتَ خَطَأُ الْمُنَازِعِ فِيهَا بِالنُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ مِثْلُ اسْتِحْلَالِ بَعْضِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الرِّبَا وَاسْتِحْلَالِ آخَرِينَ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْخَمْرِ وَاسْتِحْلَالِ آخَرِينَ لِلْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ . وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَعْرُوفِينَ بِالْخَيْرِ كَالصَّحَابَةِ الْمَعْرُوفِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَا يُفَسَّقُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُكَفَّرَ حَتَّى عَدَّى ذَلِكَ مَنْ عَدَّاهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى سَائِر أَهْلِ الْبَغْيِ فَإِنَّهُمْ مَعَ إيجَابِهِمْ لِقِتَالِهِمْ مَنَعُوا أَنْ يُحْكَمَ بِفِسْقِهِمْ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ : إنَّ شَارِبَ النَّبِيذِ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مُتَأَوِّلًا لَا يُجْلَدُ وَلَا يَفْسُقُ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } وَقَالَ تَعَالَى : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ } . وَثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاص وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ } " . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { عَنْ بريدة بْنِ الحصيب أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَسَأَلُوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك وَحُكْمِ أَصْحَابِك فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ } " وَأَدِلَّةُ هَذَا الْأَصْلِ كَثِيرَةٌ لَهَا مَوْضِعٌ آخَرُ . وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ رِسَالَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُؤْمِنُ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الِاعْتِذَارُ بِالِاجْتِهَادِ لِظُهُورِ أَدِلَّةِ الرِّسَالَةِ وَأَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ؛ وَلِأَنَّ الْعُذْرَ بِالْخَطَأِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَكَمَا أَنَّ الذُّنُوبَ تَنْقَسِمُ إلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ وَالْوَاجِبَاتُ تَنْقَسِمُ إلَى أَرْكَانٍ وَوَاجِبَاتٍ لَيْسَتْ أَرْكَانًا : فَكَذَلِكَ الْخَطَأُ يَنْقَسِمُ إلَى مَغْفُورٍ وَغَيْرِ مَغْفُورٍ وَالنُّصُوصُ إنَّمَا أَوْجَبَتْ رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْخَطَأِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُخْطِئُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ : إمَّا أَنْ يَلْحَقَ بِالْكُفَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ مُبَايَنَتِهِ لَهُمْ فِي عَامَّةِ أُصُولِ الْإِيمَانِ . وَإِمَّا أَنْ يَلْحَقَ بِالْمُخْطِئِينَ فِي مَسَائِلِ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ مَعَ أَنَّهَا أَيْضًا مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ . فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ ؛ : هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الْإِيمَانِ وَقَوَاعِدِ الدِّينِ وَالْجَاحِدُ لَهَا كَافِرٌ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي بَعْضِهَا لَيْسَ بِكَافِرِ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ خَطَئِهِ . وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ إلْحَاقِهِ بِأَحَدِ الصِّنْفَيْنِ : فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُخْطِئِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ أَشَدُّ شَبَهًا مِنْهُ بِالْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ وَعَلَى هَذَا مَضَى عَمَلُ الْأُمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي أَنَّ عَامَّةَ الْمُخْطِئِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ الَّتِي تَجْرِي عَلَى غَيْرِهِمْ هَذَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ مُنَافِقُونَ النِّفَاقَ الْأَكْبَرَ وَأُولَئِكَ كُفَّارٌ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ فَمَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ فِي الرَّافِضَةِ والجهمية وَنَحْوِهِمْ زَنَادِقَةٌ مُنَافِقُونَ بَلْ أَصْلُ هَذِهِ الْبِدَعِ هُوَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ الزَّنَادِقَةِ مِمَّنْ يَكُونُ أَصْلُ زَنْدَقَتِهِ عَنْ الصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ فِي الْبَاطِنِ وَمَنْ عُلِمَ حَالُهُ فَهُوَ كَافِرٌ فِي الظَّاهِرِ أَيْضًا . وَأَصْلُ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاضُ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَابْتِغَاءِ الْهُدَى فِي خِلَافِ ذَلِكَ فَمَنْ كَانَ هَذَا أَصْلَهُ فَهُوَ بَعْدَ بَلَاغِ الرِّسَالَةِ كَافِرٌ لَا رَيْبَ فِيهِ مِثْلُ مَنْ يَرَى أَنَّ الرِّسَالَةَ لِلْعَامَّةِ دُونَ الْخَاصَّةِ كَمَا يَقُولُهُ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَغَالِيَةِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ أَوْ يَرَى أَنَّهُ رَسُولٌ إلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . فَهَذَا الْكَلَامُ يُمَهِّدُ أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ : " أَحَدُهُمَا " أَنَّ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ وَالْهُدَى فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَأَنَّ خِلَافَ ذَلِكَ كُفْرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَنَفْيُ الصِّفَاتِ كُفْرٌ وَالتَّكْذِيبُ بِأَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ أَوْ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ أَوْ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُهُ أَوْ أَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى أَوْ أَنَّهُ اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا كُفْرٌ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ . وَ " الْأَصْلُ الثَّانِي " أَنَّ التَّكْفِيرَ الْعَامَّ - كَالْوَعِيدِ الْعَامِّ - يَجِبُ الْقَوْلُ بِإِطْلَاقِهِ وَعُمُومِهِ . وَأَمَّا الْحُكْمُ عَلَى الْمُعَيَّنِ بِأَنَّهُ كَافِرٌ أَوْ مَشْهُودٌ لَهُ بِالنَّارِ : فَهَذَا يَقِفُ عَلَى الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَقِفُ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ . وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ تَأْمُرُنَا بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى شَخْصٍ فِي الدُّنْيَا ؛ إمَّا بِقَتْلِ أَوْ جَلْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَيَكُونُ فِي الْآخِرَةِ غَيْرَ مُعَذَّبٍ مِثْلُ قِتَالِ الْبُغَاةِ والمتأولين مَعَ بَقَائِهِمْ عَلَى الْعَدَالَةِ وَمِثْلُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ تَوْبَةً صَحِيحَةً فَإِنَّا نُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ كَمَا أَقَامَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ وَعَلَى الغامدية مَعَ قَوْلِهِ : { لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ } " وَمِثْلُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مُتَأَوِّلًا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْعَدَالَةِ . بِخِلَافِ مَنْ لَا تَأْوِيلَ لَهُ فَإِنَّهُ لَمَّا شَرِبَ الْخَمْرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهَا تَحِلُّ لِلْخَاصَّةِ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا } اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ مِثْلُ عُمَرِ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِمَا عَلَى أَنَّهُمْ إنْ أَقَرُّوا بِالتَّحْرِيمِ جُلِدُوا وَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى الِاسْتِحْلَالِ قُتِلُوا . وَكَذَلِكَ نَعْلَمُ أَنَّ خَلْقًا لَا يُعَاقَبُونَ فِي الدُّنْيَا مَعَ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْمُقِرِّينَ بِالْجِزْيَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ . وَمِثْلُ الْمُنَافِقِينَ الْمُظْهِرِينَ الْإِسْلَامَ فَإِنَّهُمْ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ كَافِرُونَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي آيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَقَوْلِهِ : { إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } الْآيَةَ . وَقَوْلِهِ : { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } { يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } { فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } الْآيَةَ . وَهَذَا لِأَنَّ الْجَزَاءَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ . وَأَمَّا الدُّنْيَا فَإِنَّمَا يُشْرَعُ فِيهَا مِنْ الْعِقَابِ مَا يُدْفَعُ بِهِ الظُّلْمُ وَالْعُدْوَانُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ هُوَ إقَامَةُ الْقِسْطِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } . وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَعُقُوبَةُ الدُّنْيَا غَيْرُ مُسْتَلْزَمَةٍ لِعُقُوبَةِ الْآخِرَةِ وَلَا بِالْعَكْسِ . وَلِهَذَا أَكْثَرُ السَّلَفِ يَأْمُرُونَ بِقَتْلِ الدَّاعِي إلَى الْبِدْعَةِ الَّذِي يُضِلُّ النَّاسَ لِأَجْلِ إفْسَادِهِ فِي الدِّينِ سَوَاءً قَالُوا : هُوَ كَافِرٌ أَوْ لَيْسَ بِكَافِرِ . وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَتَكْفِيرُ " الْمُعَيَّنِ " مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ وَأَمْثَالِهِمْ - بِحَيْثُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْكُفَّارِ - لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَقُومَ عَلَى أَحَدِهِمْ الْحُجَّةُ الرسالية الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ لَا رَيْبَ أَنَّهَا كُفْرٌ . وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِي تَكْفِيرِ جَمِيعِ " الْمُعَيَّنِينَ " مَعَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْبِدْعَةِ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ وَبَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَيْسَ فِي بَعْضٍ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ . وَمَنْ ثَبَتَ إيمَانُهُ بِيَقِينِ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ . وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا . وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُوَفِّقَنَا وَسَائِر إخْوَانِنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .

 وهذا الجواب لا يحتمل اكثر من هذا والله المسؤول أن يوفقنا وسائر اخواننا لما يحبه ويرضاه والله سبحانه أعلم

*****************************                                                                                                                                                            

[1] وقد فصلنا الرد علي هذه الشبهات وغيرها في رسالتنا " البيان والإشهار في كشف زيغ من توقف في تكفير المشركين والكفار "

[2] انظر تعريف القصد والفرق بين قصد الكفر وبين قصد الفعل المكفر في رسالتنا " الوجاء من شبهات الخوارج والإرجاء "

[3] وقد فصلنا القول فى رسالتنا " التنبيهات المختصرة على المسائل الخلافية المنتشرة "المسألة الثالثة عند الكلام على مسألة العذر بالجهل بين ضبط السلف واضطراب الخلف والتنبيهات تحتوى على أبع مسائل الأولى حقيقة الإيمان ومنزلة الأعمال والثانية الحاكمية والحكام وأحوال المتحاكمين والثالثة العذر بالجهل بين ضبط السلف واضطراب الخلف والرابعة كفر تارك الصلاة وإجماع الصحابة على ذلك

[4] انظر بعض من هذه الخصائص فى رسالتنا" الوجاء من شبهات الخوارج والإرجاء "

[5] وقد فصلنا القول فى هذه المسائل بحمد الله وتوفيقه فى رسالتنا " التنبيهات المختصرة " فليراجعها من شاء

([6]) سورة النساء : آية 92.

([7]) سورة التوبة : آية 5 .

([8]) سورة التوبة : آية 11.

([9])  ولمزيد من البحث في هذا الموضوع وهذه المسألة الهامة والخطيرة لمن طلب الحق بتجرد أن يراجع هذه المسألة في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يقرر ثبوت عقد الإسلام واعتبار الدلالات الظاهرة عليه وعصمة الدم والمال بالظاهر في مجموع الفتاوى : 4/331 ، 23/199 ، 3/175ـ280 ، 7/133 – 193 ، ودرء التعارض : 8/432/434 ، والصارم : 370و459 ، وإعلام الموقعين لابن القيم : 3/113 - 117 ، ومعارج القبول للحكمي : 2/48 و 608 ، وانظر رد هذه الشبهة وهي عدم الاعتبار بدلالات الإسلام الظاهرة في : المغني لابن قدامه \ كتاب المرتد \ باب اللقيط ، وروضة الطالبين ، تجد ما يشرح صدرك ، بل ستجد العجب العجاب من أقوال الفقهاء في ثبوت عقد الإسلام لمن مات في دار الحرب أو دار كفر الردة ولم تظهر عليه دلالات الإسلام ، ألحقه الفقهاء بالإسلام لعصمة دم المسلم ، وكذلك لمزيد من الإطلاع على هذه المسألة في : الدرر السنية لأئمة الدعوة في الرد على بدعة الغلو في التكفير وتفصيل كلامهم المجمل تجده في : 1/466 ـ 478 ، 10/144 – 146 ، 223 ـ 225 ، 239 ـ 248 ، 469 ـ 472 ، 12/260 ـ 265 ، 395 ـ 398 ، وراجع في ذلك رسالة جامعة مانعة وافية في هذه المسألة بعنوان (الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير) للشيخ السلفي الأثري  أبي محمد المقدسي حفظه الله : فهي أفضل ما كُتب في هذا الموضوع والرد على شبهات وأخطاء أهل الغلو ، وعليك بكتب أهل السنة وسؤال أهل العلم فيما أشكل عليك.

([10])  وهو فلاح لم يكمل دراسته ، ولم يكلف نفسه بسؤال أهل العلم بل جعلوه إمامًا لهم على جهله وضلاله كما ترى ، والثاني : أمي يعمل في الحياكة وهو بليد غبي بطيء الفهم أبله ومع كل ذلك يظن أنه على شيء ، ويريد أن يعلم الجامعي الدعاء في النوازل ، والنوازل عنده هي النزول للركوع والسجود فتأمل.

([11])  يقول شيخ الإسلام إن ( الأولاد في المذاهب الأربعة يتبعون أمهم في الحرية والرق ، ويتبعون أباهم في النسب والولاء) مجموع الفتاوى : 31/163.

([12])  وقد قابلت أحد منظريها منذ أكثر من خمسة عشر سنة عام 1414هـ في أحد معتقلات الطاغوت وحذرته من دعوة الشباب سرًا إلى هذه البدعة وناظرته أمام الجميع واتفقنا عند الاختلاف على الرجوع إلى فهم الصحابة للكتاب والسنة وعندما تكلم على عدم اعتبار دلالات الإسلام الظاهرة ، قلت له : هذا مخالف لفهم الصحابة ، من قال بهذا القول ، ومن فهم هذا الفهم ، قال : نظرت في كتاب الله وفهمت ذلك منه ، قلت له : ألم نتفق على اعتبار فهم الصحابة عند الاختلاف؟ وهل لكل أحد أن ينظر في القرآن ويفهم منه ما يشاء مع مخالفة فهمه للأدلة من الكتاب والسنة بفهم الصحابة؟ فانقطع ولم يكمل المناظرة وظهر ضلاله وانحرافه وانكشف تلبيسه للإخوة ، والحمد لله على ظهور الحق ونصرة أهل السنة.

([13])  أي محدثي من أهل الغلو في التكفير نسأل الله الهداية للجميع.

[14] كانت الرسالة الأولى من هذه السلسلة هى " مختصر الوجاء من شبهات الخوارج والأرجاء " والثانية كانت " البيان والإشهار فى كشف زيغ من توقف فى تكفير المشركين والكفار " تحقيق كلام شيخي الإسلام بن تيمية وابن عبد الوهاب فى تكفير المعين والعذر " والثالثة كانت " بيان حقيقة التوحيد الذى جهلة كثير من العبيد " مختصر من الدرر السنية والرابعة كانت " التنبيهات المختصرة على المسائل الخلافية المنتشرة " واشتملت على أربع مسائل الأولى مسألة الأعمال والثانية – الحكم والتحاكم والثالثة مسألة العذر بالجهل بين ضبط السلف واضطراب الخلف والرابعة كفر تارك الصلاة .

[15] تحريف النصوص من مآخذ أهل الأهواء فى الاستدلال للشيخ العلامة بكر أبو زيد- رحمه الله-ص118- 124بعنوان مبحث مهم عن  حقيقة الأيمان,. هذه خلاصة لمبحث الإرجاء بأنواعه , وحقيقة كل نوع , وانقسام الناس فيه , مستخلصة من ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميه ))الجزء الرابع و لا سيما الصفحات 387,351,307,181,171,ومن كتاب ((الإرجاء )) لشيخ سفر ابن عبد الرحمن الحوالى .

  • الثلاثاء PM 02:03
    2021-08-24
  • 3839
Powered by: GateGold