المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 425678
يتصفح الموقع حاليا : 200

البحث

البحث

عرض المادة

الجواب عن بعض الصغائر – التي قيل إنها غير مُخِلَّة – التي جوّزَها بعضُهم على الأنبياء، وَالنَّبِيُّ ﷺ أبْعدُ النَّاسِ عنها

أ. عبد المجيد فاضل

إنّ الذين يُجوِّزون على الأنبياءِ الصغائرَ غيرَ المُخِلَّةِ لم يُعطوا تفسيراً دقيقاً لهذه الصغائر. ولا شَكَّ في أنّه قد يختلف النّاس في تحديد الصغائر التي تُعَدُّ مُخِلّة أمْ لا، قَالَ ابْنُ حَزْم (ت 456 هـ): "وَلَقَد قلتُ يَوْمًا لبَعْضهِم مِمَّن كَانَ يُجِيز عَلَيْهِم الصَّغَائِر بالعَمْد: أَلَيْسَ من الصَّغَائِر تَقْبِيلُ الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة وقرصها؟ فَقَالَ: نعم. قلتُ: تُجَوِّزُ أَنَّهُ يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُقَبِّل امْرَأَةَ غَيرِه مُتَعَمِّدا؟ فَقَالَ: معَاذ الله من هَذَا. وَرجع إِلَى الْحق من حِينه، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين". [الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (ت 456 هـ)، مكتبة الخانجي – القاهرة، ج4 ص23].

وقال الدكتور عويد بن عيَّاد بن عايد المطرَفي : "لا جرم أن الصغائر غير الخسية تختلف في أعيانها، وأشخاصها، وتتفاوت مراتبها بحسب ما يستَتْبِعُها من مَلامة ونقص، فليس النقص الذي يلحق بالقُبلة – مثلاً – كالنقص الذي يلحق بالنظرة – وحاشا الأنبياء من ذلك كله – ولا واحدة منهما كخطرة تمُرُّ بالقلب، لا يصدقها القول أو الفعل، بل تجْفُلُ النفسُ عنها قبل أن تُظِلَّها، وينفِرُ القلبُ منها قبل أن تنزل بساحته، فيبقى القلبُ الشريف الطاهر بعيداً عنها منزَّهاً منها، طاهراً نقياً".[آيات عتاب المصطفى ﷺ في ضوء العصمة والاجتهاد، د. عويد بن عيَّاد بن عايد المطرَفي، الناشر: كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز – مكة المكرمة، الطبعة الثالثة، 1426 هـ - 2005 م، ص75].

هذا، ومن الصغائر التي قيل إنها غيرُ مُخِلَّة وجوّزَها بعضُهم على الأنبياء النَظْرَةُ (أي: النظرُ إلى النساء بشهوة) أَوْ كَلِمَةُ سَفَهٍ نَادِرَةٍ فِي حَالَةِ غَضَبٍ، قال الآمدي (ت: 631 هـ) فِي (الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ): "وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَى فَاعِلِهِ بِالْخِسَّةِ وَدَنَاءَةِ الْهِمَّةِ وَسُقُوطِ الْمُرُوءَةِ، كَسَرِقَةِ حَبَّةٍ أَوْ كِسْرَةٍ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْكَبِيرَةِ.

وَأَمَّا مَا لَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، كَنَظْرَةٍ أَوْ كَلِمَةِ سَفَهٍ نَادِرَةٍ فِي حَالَةِ غَضَبٍ، فَقَدِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى جَوَازِهِ عَمْدًا وَسَهْوًا". [الإحكام في أصول الأحكام، علي بن محمد الآمدي، تعليق: عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي دمشق - بيروت، الطبعة الثانية، 1402 هـ، ج1 ص171].

الجواب عن ما قاله الآمدي:

أ- أمّا النظرةُ الآثمة فلا دليلَ على وقوعها من طرف النبي ﷺ، بل هناك نصوصٌ تَجعلنا نستبعد أن يكون النَّبِيُّ ﷺ قد تعمّد هذه النظرة، منها:

* قولُه تعالى: {وَلَا تَقۡرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰۤ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةࣰ وَسَاۤءَ سَبِیلࣰا} [الإسراء: 32].

قال القرطبي (671 هـ) في تفسيره: "قَالَ الْعُلَمَاءُ: قَوْلُهُ تَعَالَى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى) أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يَقُولَ: وَلَا تَزْنُوا، فَإِنَّ معناه لا تدنوا من الزنى".

وقال البيضاوي (685 هـ) في تفسيره: "﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ بِالعَزْمِ والإتْيانِ بِالمُقَدِّماتِ فَضْلًا عَنْ أنْ تُباشِرُوه".

ومنَ المُقَدِّماتِ، النظرةُ المُحرّمةُ.

وقال النسفي (710 هـ) في تفسيره (مدارك التنزيل): "وهو نَهْيٌ عَنْ دَواعِي الزِنا كالمَسِّ والقُبْلَةِ ونَحْوِهِما، ولَوْ أُرِيدَ النَهْيُ عَنْ نَفْسِ الزِنا لَقالَ ولا تَزْنُوا".

وقال العلاّمةُ ابنُ عاشور (1393 هـ) في تفسيره (التحرير والتنوير): "والقُرْبُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو أقَلُّ المُلابَسَةِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ النَّهْيِ عَنْ مُلابَسَةِ الزِّنا".

* قولُه ﷺ لِعَلِيٍّ: "يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ". [رواه أبو داود، والترمذي وقال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، ورواه أحمد، وقال محققو المسند: حسن لغيره].

قال المباركفوري (ت 1353هـ): "قَوْلُهُ (لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ) مِنَ الاِتِّبَاعِ أَيْ: لَا تُعْقِبْهَا إِيَّاهَا وَلَا تَجْعَلْ أُخْرَى بَعْدَ الْأُولَى (فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى) أَيِ النَّظْرَةَ الْأُولَى إِذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ (وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ) أَيِ: النَّظْرَةُ الْآخِرَةُ لِأَنَّهَا بِاخْتِيَارِكَ فَتَكُونُ عَلَيْك". [تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، المباركفورى، دار الكتب العلمية - بيروت، ج8 ص50].

* وعن جَرير بن عبدالله – رضي الله عنه – قال: "سَأَلْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عنْ نَظَرِ الفُجَاءَةِ، فأمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي". [رواه مسلم].

تعقيب: فلا يُمكِن أن نتصوّرَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قد خالف فعلُه قولَه، واقْترب من الزِّنا – ولو مرّةً واحدةً – بنظرة محرّمة، تكون عليه.

شهادةُ عمرَ بنِ الخطاب – رضي الله عنه –:

قال النَّبِيُّ ﷺ: "دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فيها دارًا أوْ قَصْرًا، فَقُلتُ: لِمَن هذا؟ فقالوا: لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فأرَدْتُ أنْ أدْخُلَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ"؛ فَبَكَى عُمَرُ، وقالَ: "أيْ رَسولَ اللهِ، أوَ عَلَيْكَ يُغارُ؟". [متفق عليه].

فلو كان عمرُ بن الخطاب يعلم أن النَّبِيَّ ﷺ يمكن أن تَصْدُرَ منه النَّظْرَةُ بشهوةٍ إلى النساء، لَسكَتَ ولمَا قال له: "أيْ رَسولَ اللهِ، أوَ عَلَيْكَ يُغارُ؟".

وسكوتُ النبي ﷺ على ما قالَهُ عمر، دليلٌ على إقرارِه على أنه ﷺ لا يُغارُ على مِثْلِهِ، لِطهارَة قلبِه وصفائِه.

فهذه شهادةٌ كبيرة من عمرَ بنِ الخطاب – رضي الله عنه – على طهارة قلبِ النَّبِيِّ ﷺ، وبُعدِه عن النظرة المُحرّمة.

ب) وأمّا كَلِمَةُ سَفَهٍ نَادِرَةٍ فِي حَالَةِ غَضَبٍ، فتُوَضِّحُها السُّنَّةُ النّبَوِيَّةُ:

* فعن أبي هريرة – رضي الله عنه –، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "اللهمّ إنّما أنا بشر، فَأَيُّمَا رجل من المسلمين سَبَبْتُهُ، أو لعنتُه، أو جلَدْتُه فاجعلْها له زكاة ورحمة". [متفق عليه].

* وَعَنْهُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ القيامة". [متفق عليه].

* وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أنّ رسول اللَّه ﷺ قال لِأُمِّ سُلَيْمٍ: يا أُمَّ سُلَيْمٍ، أَمَا تَعْلَمِينَ أنَّ شَرْطِي علَى رَبِّي، أَنِّي اشْتَرَطْتُ علَى رَبِّي فَقُلتُ: إنَّما أَنَا بَشَرٌ، أَرْضَى كما يَرْضَى البَشَرُ، وَأَغْضَبُ كما يَغْضَبُ البَشَرُ، فأيُّما أَحَدٍ دَعَوْتُ عليه مِن أُمَّتِي بدَعْوَةٍ ليسَ لَهَا بأَهْلٍ؛ أَنْ يَجْعَلَهَا له طَهُورًا وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بهَا منه يَومَ القِيَامَةِ. [رواه مسلم].

قال الإمامُ النووي في (شرحه على مسلم): "هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُبَيِّنَةٌ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِمَصَالِحِهِمْ وَالِاحْتِيَاطِ لَهُمْ وَالرَّغْبَةِ فِي كُلِّ مَا يَنْفَعُهُمْ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ آخِرًا تُبَيِّنُ المراد بباقي الروايات المطلقة، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَكَفَّارَةً وزكاة ونحو ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ والسّبِّ واللّعْنِ ونحوِها، وكان مسلما؛ وإلا فقد دَعَا ﷺ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ رَحْمَةً".

  • الخميس PM 03:31
    2022-10-20
  • 1066
Powered by: GateGold