المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 401780
يتصفح الموقع حاليا : 309

البحث

البحث

عرض المادة

ما نظام الحكم في الإسلام؟ وهل الأمة مصدر السلطة فيه؟

عندما ظهر الإسلام في العالم كانت هناك دول صغرى وكبرى، وأديان سماوية وأرضية، وفلسفات مزدهرة أو مدبرة، وشهوات فردية وجماعية، وهذه طبيعة المجتمع البشري من بداية التاريخ إلى عصرنا هذا مع تفاوت يسير.

 

وصاحب الوحي الخاتم كان يدري ما يفعل لما بدأ تبليغ الرسالة وبناء الأمة التي تحملها!

 

كان يدري أنه رحمة للعالمين، وأنه مكلف بإسعاد الإنسانية كلها، وإخراجها من الظلمات إلى النور.

 

وكان يدري أن الكتاب الذي يتلوه، والسنة التي ينشئها يتضمنا الأشفية التي تنقذ الأمم من أمراضها المزمنة!!

 

وأمراض العالم كثيرة، بيد أن الوثنية السياسية هي علة العلل؛ لأنها هي التي تحمي الوثنية الدينية ، وتستبقى الخرافات والمظالم، وتمد حقها المزعوم على حساب ما لله من حقوق.

 

وإلى يوم الناس هذا رأيت حكاماً يغتفرون العدوان على اسم الله وتعاليمه، ولا يغتفرون العدوان أبداً على سلطانهم ومراسمهم!!.

 

كنت أقرأ قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّٰمِ ٱللَّهِ} [إبراهيم: 5].

 

قلت: كان بنو إسرائيل يعيشون في مصر ذات السماء المشرقة والأرض الضاحية فما الظلام الذي يخرجون منه؟ إنه ظلام الاستبداد السياسي والفرعونية الحاكمة، والإستضعاف الأثيم.

 

وفي صدر السورة يقول الله لنبيه محمد: {كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} [إبراهيم:1].

 

إن الكتاب الجديد الذي يحمله النبي العربي العظيم، يخرج الناس من الظلمات التي عاناها بنو إسرائيل من قبل، كما يخرجهم من ظلمات الجاهلية المخيمة على قطر، إنه يمحو الوثنيات الدينية والسياسية على سواء.

 

الناس يسجدون لإله واحد، لا يسجدون لغيره! ومشاعر الخوف والرجاء والرغبة والرهبة ترتبط قبل كل شيء وبعده بالخافض الرافع الضار النافع!

 

وكل تقليد سياسي أو اقتصادي يربط المشاعر السابقة ببشر ما، فهي ذرائع شرك وأسباب فساد، ومحوها من الإصلاحات الأساسية للنظام الإسلامي.

 

ومعروف أن شبكة التشريعات الإسلامية تتناول الفرد من المهد إلى اللحد، وتتناول الدولة من تنظيف الطرق إلى عقد المعاهدات، والأمة الإسلامية بهذا المنهاج أمة رسالة تعمل بها وتدعو إليها وقد قال الله لنبيها: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:89].

 

ومعنى هذا أن الحكم الإسلامي ليس دعوة إلى سيادة جنس من الأجناس، ولا هو محاولة لنشر فلسفة أرضية، ولا تعاون بين أفراد شعب ما؛ كي يعيشوا في مستوى معين من الغذاء والكساء!

 

إنه دولة تحمي عقيدة وتقيم شريعة، وكما يصلي الناس وراء إمامهم في المسجد يعبدون الله، ولا يعبدون هذا الإمام، يمضي الناس وراء حاكمهم لإرضاء الله وإقامة دينه، لا لإعلاء الحاكم، وإشباع نهمه في السلطة، أو تملقه طلباً لدنيا، وارتقاباً لمغنم..

تلك هي السمة العامة لنظام الحكم الإسلامي، وللتفاصيل مكان يجيء بعد. والأمة الإسلامية – وقد بينا وظيفتها – مصدر السلطات التي تنشأ بين ظهرانيها، أعني أنها وحدها صاحبة الحق في اختيار الرجال الذين يلون أمرها وفي محاسبتهم على ما يقومون به من أعمال، وفي ذمهم أو الثناء عليهم، وفي معاقبتهم إن أساءوا، وفي عزلهم إذا شاءت..

 

وكلمة "مصدر السلطة" من مصطلحات العصر الحاضر، ونحن لا نهتم بالاسم وإنما نهتم بالحقيقة والمدلول، كما أننا نرفض التلاعب بالألفاظ.

 

إن المسلمين أثبتوا حقهم في اختيار الخليفة، أو رئيس الدولة، بعد وفاة الرسول مباشرة، وتبين من مسلكهم أنه لا خلافة بالاغتصاب أو الانقلاب العسكري، ولا خلافة بالوراثة، ولا خلافة بعصبية ما تفرض نفسها بأي لون من ألوان الإكراه المادي أو الأدبي.

 

إنها بيعة حرة تعمد إلى أكفاً رجل فتقدمه وتراقبه، فإن صدق ظنها في خدمتها وخدمة رسالتها كانت طاعته ديناً، وتوقيره تقوى، وإن صدق عليه إبليس ظنه فلا طاعة له ولا كرامة..

 

ولأي مسلم يأنس من نفسه القدرة على هذه الرياسة أن يرشح نفسه، وإذا أنس القدرة في شخص آخر رشحه، وعرض على الناس اسمه!.

 

إن يوسف الصديق رشح نفسه لشئون المال، وقال للملك: {قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] ورشح خالد بن الوليد نفسه لقيادة المسلمين أول الاصطدام بالروم في معركة اليرموك؛ لأنه رأى نفسه أبصر بأسباب النصر، ورشح عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح الصحابي الكبير أبا بكر الصديق لرياسة الأمة وتمت مبايعته..

 

وما روي مخالفاً لما قلنا فله ملابساته الصحيحة.. إن أبا ذر رضي الله عنه رغب في الإمارة ورشح نفسه لها، بيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أفهمه أنه ضعيف وأنه – مع تقواه – لا يقدر على أعبائها.

 

كما أن النبي رفض ناساً من عشاق الإمارة، طلبوا منه أن يعينهم في بعض المناصب..

 

إن المتطلعين إلى المناصب الكبيرة كثيرون، وكذلك الذين يحسنون الظن بمواهبهم! والأمة وحدها هي التي تنتخب من تتوسم الخير على يديه، وتراه أقدر على مقاليد الحكم، وأجمع لخلال القوة والأمانة..

 

ومن السفه تصور أن الإسلام يكره الجماهير على قبول حاكم لا يرضونه؛ لأنه منحدر من عائلة كذا!!

 

واتفق المسلمون على تسمية الدولة الإسلامية الأولى: "بدولة الخلافة الراشدة" كما اتفقوا على سلب صفة الرشد عن حكومات الأسر القوية أو العائلات الكبيرة التي هيمنت على التاريخ الإسلامي فيما بعد..

 

لقد جاء في السنة النبوية أن الله لا يقبل صلاة رجل أمَّ  قوماً وهم له كارهون! والصلاة عبادة ميسورة الأداء، يقدر عليها الصالح والماجن!

 

أما الرياسة العظمة للأمة الإسلامية، أو ما قاربها من مناصب حساسة، فهي عبء هائل، واستيلاء التافهين عليها بوسائل ملتوية سمحة، بلاء ساحق، ولعله السبب الأول أو السبب الأوحد في طي ألوية الإسلام شرقاً وغرباً..

 

الخلافة نظام بعيد عن الفرعونية، والكسروية، والقيصرية، والخليفة رجل تختاره الأمة – أي إنه برضاها جاء – وتنظر في مبلغ وفائه لرسالتها ودينها فتستبقيه ما وفِّي، وتستبعده إن عجز!

 

أو كما عبر ابن حزم: "إنه الإمام الذي تجب طاعته ما قادنا بكتاب الله وسنة رسوله، فإن زاغ عن شيء منهما منع من ذلك، وأقيم عليه الحد والحق، فإن لم يؤمَن أذاه إلا بخلعه، خلع وولى غيره".

 

وهذا هو ما نقصده بكلمة "الأمة مصدر السلطة"! ولا يجرؤ أحد على إنكار ما نقرره هنا، وما نقرره هو ما تزعمه، إن صدقًا، وإن كذبًا، شتى الأنظمة الإنسانية الحديثة..

 

وقد رأيت بعض المتدينين قلقاً من هذه الكلمة، وربما أنكرها؟..

 

لماذا؟ أحسن هؤلاء المنكرين حالاً من يقول: إن الكلمة تعطي الناس حق التحريم والتحليل وهو لله وحده!

 

وما ينكر مسلم أن هذا الحق لله وحده، ولكن ما علاقة هذا الحق المقرر لرب العالمين بمبدأ اختيار الأمة لحكامها وإخضاعهم لسيطرتها؟ لا علاقة!..

 

فالأمة الإسلامية المؤمنة بكتاب ربها وسنة نبيها لن تخرج عنهما أبداً، بل إنها هي التي تحاسب من يخرجون!..

 

وهناك متدينون محصورون فيما ورثوا من ضروب الافتيات والتجاوز، للكلمات في آذانهم طنين غامض، وهم على استعداد لاتباع أي حاكم، جاء من أي طريق! ولو كان عن طريق المستعمرين! ما دام يقدم لهم الكلأ! هؤلاء لا دين ولا دنيا!.

 

وننظر في أول خطبة ألقاها أبو بكر بعد انتخابه أميراً للأمة كلها "أيها الناس، إني وليت عليكم ولست بخيركم! فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني!

الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له إن شاء الله! والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله.

 

أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم"..

تدبر هذه الكلمات، الخليفة المختار من الأمة يقول إنه منها، ويطلب عونها إن أحسن وتقويمها إذا أساء.

 

ويتعهد بإعزاز الضعفاء؛ حتى يبقى لهم حقهم وقمع الأقوياء؛ حتى لا يمرحوا في حقوق غيرهم..

 

ويختم كلماته بأن طاعة الناس له مرهونة بطاعته لله ورسوله، أي بإقامته للكتاب والسنة وإلا سقطت طاعته..

 

أهناك اعتراف بسلطان الأمة ورقابتها أصرح من هذا الاعتراف؟ إنه ليس سلطاناً ينظر إلى الناس من أعلى، ويرتقب منهم أن يسارعوا إليه زلفى!

 

إنه رجل يطلب من الأمة أن تمنحه راتباً يطعم منه هو وأهله! وليس لصاً كبيراً جداً يضع يده على مال الله، ويومئ إلى الخدامين والمداحين فيهرعون إلي ساحته..

 

إن على المسلمين أن يعرفوا دينهم، ومكانتهم، وإلا هلكوا بالأوضاع التي ورثوها وألفوها!

 

  • الخميس AM 09:29
    2022-03-24
  • 926
Powered by: GateGold