المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 402289
يتصفح الموقع حاليا : 276

البحث

البحث

عرض المادة

هل الاستدلال القرآني في قضية الألوهية على الوجود أم على التوحيد؟

إن الطفل الذي يودع في أحد الملاجيء قد يفكر في أبيه عندما يكبر، وقد يبحث عنه، ولكن لا يجري في خاطره أبداً أنه جاء الدنيا من عدم، أو ظهر على الأرض من غير أب!!

 

والبشرية في أغلب العصور بحثت عن ربها وفكرت فيه وربما أخطأت الطريق إليه، فقد تعبد اسماً لا حقيقة له، وقد تعبد حجراً موهوم الضر والنفع، وقد تعبد عجلاً أو تقدس بقرة أو تؤله نهراً، وقد يجيء من يرفض هذه الآلهة المزعومة كلها وينكر أن يكون للوجود سيد!!

 

إن قضية الألوهية في التاريخ الإنساني يكتنفها قدر من الغموض، وجمهرة الأمم رنت إلى إله كبير، ثم رمزت إليه أو تعرفت عليه عن طريق التماثيل، أو الكائنات التي تنتمي إليه على نحو ما، ويخيل إلى أن رفض عقيدة الألوهية من الأساس لم ينجم إلا بعد شيوع التدين الخرافي، ورفض العقل السجود لحجر أو حيوان أو إنسان

 

وكان هذا الرفض المطلق يقع على ندرة ثم شاع في عصرنا الحديث، ومع التقدم العلمي وانتشار تدين مغشوش، وخيانة المسلمين لرسالتهم فما بلغوها ولا أنصفوها.

 

وحديث القرآن الكريم عن الألوهية يتسم بالوضوح الشديد، فهو ينفي الشركاء بحدة وحسم، وينفي أن يكون هناك أحد فوق مستوى العبودية لأن له بالله صلة خاصة، لا، هو إله واحد، وكل ما عداه عبد له {إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَٰنِ عَبْدًا   لَّقَدْ أَحْصَٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَرْدًا} [مريم: 93-95].

 

وخلال الحديث عن الوحدة، وكشف الحجب عن أمجاد الإله الحق، وأسمائه الحسنى، وأوصافه العلى، تتشعب الدلائل لتسحق كل تفكير قد يعرض عن استغناء العالم عن ربه، وقيامه بنفسه.

أي إن شرح حقيقة التوحيد في الأسلوب القرآني يمحو آثار الإلحاد، وينفي شبهات الملحدين، وبذلك تتعانق أدلة الوجود الأعلى وأدلة التوحيد المطلق في نسق فذ!

 

وهناك أمثلة من الكتاب العزيز، يقول الله سبحانه عن المشركين: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} [الزخرف: 9]. {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ  فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } [الزخرف: 87]. إن وصف الله سبحانه الخالق يعني أنه أوجد العالم من عدم، فهو بارئه ومبدعه ومصوره ومبدئه ومعبده.. إلخ، ومعنى أن العالم مخلوق أن برز من العدم إلى الوجود بقدرة قادر وحكمة حكيم وعلم عالم.. إلخ، إن الصفر لا يصنع شيئاً، والعدم لا ينشيء وجوداً، ومن ظن أن العالم كان معدوماً ثم عراه الوجود من غير شيء فهو أحمق.

 

والخلق من لا شيء ليس عملاً تافهاً يقدر عليه أي تافه، ومن يتصور ذلك فهو مغفل! إن الخلق عمل هائل وإذا كان صنع مطبعة أو سيارة أو راديو يحتاج إلى متخصصين مهرة – وهذا عمل دون الخلق بمراحل – فكيف بالخلق نفسه؟ إنني لا أجنح إلى خيال بعيد، ولكنني أسأل: إن العلماء مشدوهون أمام سعة الكون التي لم تعرف لها إلى اليوم نهايات، أفلا يكون رب الكون أكبر من الكون نفسه؟ بلى، والله أكبر!

 

الأمر هنا ليس نفياً للشركاء! فإن الشركاء تساقطو من أول الطريق! والوثنيون لم يزعموا لأحجارهم شيئاً، والمصابون بجنون العظمة كفرعون وأضرابه لم يزعموا أنهم خلقوا شيئاً، {ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ} [الزمر: 62].

 

ولا يسوغ لأحد أن ينتظر من القرآن الكريم أن يجعل من الوجود الأعلى قضية هي موضع الأخذ والرد والقبول والإنكار! الله أعلى وأجل! أقصى ما ينتظر أن يتناول أوهام الجهال بما يدمغها، وأن يدوس التعطيل وهو يمحو الشرك!

 

وتدبر الآيات { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ  فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ  فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ  فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ ۖ  فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} [يونس:31-32]. ظاهر من السياق أنه لنفي الشركاء، وأظهر منه أنه لنفي الإلحاد والتعطيل، ذلك أن صور الموت والحياة تترادف تحت حواسنا، ومن حقنا أن نسأل: مصانع من التي اختفت تحت التراب تبرز الحبوب والفواكه؟ ومع من اتفقت لتحول المياه الكدرة وفضلات المجاري إلى ورد وأزهار وطعوم جيدة وألوان بهيجة؟؟ مَن رب هذه وتلك؟ إنه الله!

 

وفي كل لحظة من ليل أو نهار تخرج من بطون الأمهات أطفال سوية المشاعر، نابضة بالحياة، صالحة للنماء، مستعدة للاكتمال العقلي والعاطفي، متهيئة لشتى التكاليف، من جعلها كذلك هل الأب هو الذي اختار خصائص الوراثة في الحيوان المنوي الذي أنزله؟ إنه لا يدري كيف تكون ولا متى ولا من أين جاء؟ هل الأم اختارت بويضتها، وساعة نزولها إنها ليست أقل جهلاً من رجلها!! من المسئول عن هذا الإيجاد الذي لا يمكن إنكاره؟ إن رد الإيجاد إلى "الصفر" أو إلى "س" أو إلى "مبهم" سخف لا يطيقه إلا فكر ساقط سخيف! المسئول عن هذا القائل: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8].

 

وكل أنثى هنا تعميم يستوعب الإناث في عالم الأحياء من طير ودابة وحشرة وزاحفة، في البر أو البحر، بل من الإنس والجن! ولذلك جاء عقب هذه الكلية المحيطة المستوعبة قوله: {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ} [الرعد: 9].

 

إن الفرار من الحقائق ليس ذكاء ولا شرفاً، وإذا كان بعض الملحدين يحسب نفسه مفكراً، فليعلم واقعه المر! إنه امرؤ معتل الفكر، مصاب بداء عقلي منفر لا يقل عن الجذام! بل ربما كان المجذوم أشرف خلقاً وأصح فكراً...

 

قلنا: إن منهج القرآن هو الجمع في سياق واحد بين دلائل الوجود الأعلى وأدلة الوحدانية المطلقة، ليس القرآن كتاباً فنياً يفرد فصلاً لهذه القضية، وفصلاً لتلك القضية، إنه يبني العلائق بالله على نحو يربط الناس بخالقهم، ملك الأسماع والأبصار والأفئدة مدبر الأمور كلها، الذي لا راد لحكمه، ولا مهرب من قضائه ولا منتهي لعلمه، ولا مجير عليه.

 

ومن رحمة الله بخلقه أنه يفتح عيونهم على آياته ليعرفوه من خلال نظرهم في هذا العالم الذي يعيشون فيه...

يقول تعالى: { وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ  لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ  } [البقرة: 163]

 

الجملة الأولى فيها تأسيس لعقيدة التوحيد، والجملة الثانية فيها نفي لحكاية الشركاء، والآية كلها تمهيد للحديث عن مجالي الوجود الإلهي في آفاق العالم {إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَآيَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].

 

في هذه الآية تنبيه للعقلاء إلى أن كل شيء في الكون يشير إلى سيده، ويدل على الخالق الكبير، وقد جاء الكلام على أسلوب السرد المجمل، لكننا نرى التفصيل في مواضع أخرى، تدبر قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُۥ فِى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُۥ كِسَفًا فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَٰلِهِۦ ۖ  فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِۦ لَمُبْلِسِينَ} [الروم: 48-49] بعد هذا التفصيل لنزول الغيث إلى مترقبيه بلهفة بالغة تسمع رب العالمين يقول للإنسان: {فَٱنظُرْ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ} [الروم: 50] كأنه يقود المرء إلى النتيجة البديهية بعد تجربة معملية تمت بين سمعه وبصره! هذه آثار الرحمة، وهذه آثار القدرة، وهذه مظاهر العلم. وهذه... إلخ، كل شيء يشهد لله ويوجه إليه.!!

 

وكما قال للإنسان انظر.. قال للناس: {ٱنظُرُوٓا إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} [الأنعام:99].

 

ومما يعين على فهم الأسلوب القرآني أن نتذكر حقيقة فلسفية معروفة هي أن العالم ليس له من ذاته وجود! إن وجوده طاريء عليه من الخارج! أترى المصباح الكهربائي عندما تغمز "الزر" فيضيء؟ إنه لا يضيء أبداً من ذاته، ولابد من تيار خارجي يسري فيه ليتوهج! إنه معد فقط للاستقبال، وإشعاع ما يحيئه من  جهة أخرى، كذلك الكون، إن وجوده، ذاتا وصفات مفاض عليه من أعلى، وإذا انقطع التيار الذي يمده تلاشى، واستخفى فلا أثر له، وهذا معنى قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر:41].

وعندما يلفت القرآن الكريم نظرنا إلى آيات الله في الأرض والسماء وما بينهما، فهو يعطينا فكرة عن الإيجاد والإمداد معاً، ولا بأس أن يضم إلى ذلك إشعاراً بأنه الله الواحد، وأن ما عداه من آلهة مزعومة إفك مبين، {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ...} [غافر: 64: 65].

 

هكذا اشتمل القرآن على دلائل الوجود الأعلى في ثنايا توحيد الله وتمجيده، فالله أعظم وأعز من أن يكون إثبات وجوده أمراً يفرد له عنوان، وكأنه موضوع يفتقر إلى البرهان.

 

 

  • الخميس AM 08:59
    2022-03-24
  • 1047
Powered by: GateGold