المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 422037
يتصفح الموقع حاليا : 125

البحث

البحث

عرض المادة

ما دور الإسلام في ترشيد الضمير الإنساني...؟

نظرة الإسلام الأولى إلى القلب الإنساني – أو الضمير كما يقول علماء الأخلاق – فإن سلامة هذا القلب من العلل، وثبات وجهته إلى الخير، تعني الكثير من توفيق الله ورضوانه، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ. التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا يُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ..".

 

نعم فالصدر المنشرح بالحق، المستقر على النهج يؤتمن على الدقيق والجليل، ويضع طابعه الطهور على كل شيء وتحفه بركات الله، لأن صلته به قائمة دائمة..

 

ونحن أن نسوق أمثلة تبين كيف يكون القلب سليماً أو كيف يكون الضمير نقياً..

 

المرء في طفولته ويفاعته قد يحب الظهور، ويسره سماع الثناء عليه، وقد يبذل جهوداً شاقة في هذه السبيل.. إن الرياء ليس مستغرباً على الطبيعة البشرية، فإرضاء الناس هدف حقيقي في المراحل الأولى من العمر، ثم يكبر المرء وتسمو نظرته ويتجه إلى الله، إن المرائي لا يرى إلا الناس، فهو يعمل لهم، أما المخلص فهو يرى رب الناس ولذلك يعمل له.

 

ويتعهد الدين هذا التسامح، فهو يوصي بتمحيض العمل لله، لأن الإنسان إذا أشرك الناس مع الله في طلب الرضا رفض الله عمله!

 

إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له وحده، ومن ثم ترى المؤمن حقاً بجيد عمله ويؤدي واجبه، سواء رآه الناس أم لم يروه، وسواء أثنى عليه رؤساؤه أم ضاقوا به، إنه يحسن الصنيع على أية حال وفي أي وضع.

 

والإنسان بطبيعته يحب أن يكافأ على عمله مادياً أو أدبياً، وربما ترك العمل إذا لم يجد له جزاء عاجلاً، وقد يتراخى فيه أو لا يكترث بإجادته إذا كان الجزاء قليلاً أو مؤجلاً.. لكنه إذا صدق يقينه أحسن أداء واجبه! وادخر ثوابه عند ربه، وعد ما يقبضه في اليوم الآخر أضمن وأبقى..!

عمل الضمير هنا تثبت المرء على الوفاء بما عليه ولو غمطه الناس، وفي الحديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قال للأنصار: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً! قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ!!

الواجب يؤدي على وجهه الكامل، وحسابي على الله والأمر له..!!

 

إن الإنبعاث إلى العطاء يجب أن يكون بدوافع ذاتية، غايتها استرضاء الله وإن جحد الخلق {ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍۢ تُجْزَىٰٓ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ } [الليل: 18-21].

 

قال المؤرخون: لاحظ صلاح الدين وهو يقاتل الصليبيين أن النار اشتعلت مرتين في معسكرات الأعداء مخلفة وراءها الدمار والقلق! وبينما هو يرقب جهة العدو لاحظ أن النار بدأت تشتعل، ورمق الفاعل – بعد ما بدأ الحريق – يتحيز إلى جند المسلمين، فأمر فجيء به، فلما مثل بين يديه قا له: ما اسمك؟ قال الرجل: يعلمه الله! قال له صلاح الدين مطمئناً: إني أريد مكافاتك! قال الرجل: لو أردت المال ما جئت هنا، وانصرف لشأنه!!

 

هذا جندي باسل حضر الوغي ليقاتل في سبيل ربه، واكتفى وهو يناضل العدو بنظر الله إليه، فلما استدعاه السلطان كره أن ينال على جراءته ثمناً.. حسبه ما عند الله!

 

والحق أن انتصار المسلمين، وفتح بيت المقدس، وكسر حدة الغارة الحاقدة، وجمع فلول الأمة الممزقة كان من ورائه عدد من ذوي الضمائر الموصولة بالله الراغبة إليه، قامت بعملها في صمت وعزلة وعفة..!

 

لعل السلطان نفسه كان يضيء الطريق لهذه القلوب الطيبة حين قرر أن يشارك في حمل الأحجار على عاتقه بكرة وأصيلا، ولو شاء لأصدر الأوامر وراقب المنفذين، إنه أبى إلا أن يسد الثغرات ويشيد الحصون بنفسه مع جيشه!!

 

 

ونتدبر عبارة القرآن في وصف هذه الضمائر البارئة من العلل قال تعالى: { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍۢ } [الشعراء: 88-89].. سليم من أوضار الغش وجنون العظمة ولفت الأنظار! إن الشخص الذي لا يعمل أو لا يجيد عمله إلا ابتغاء ثناء يسمعه، أو مال يأخذه لن يعمل شيئاً طائلاً إذا انقطع الثمن، وابتعد الناس!

 

ومعنى هذا أن الخير عنده غرض عابر لا باعث أصيل، إن قلبه في الحقيقة ناضب من حب الخير والاندفاع الذاتي إليه، إنه قلب غير سليم.

 

وربما خامرت القلب تطلعات دنيا إلى مال أو جاه، بيد أن الإيمان يطاردها ويبقى الضمير متشبثاً بربه مؤثراً له وهذا معنى قوله تعالى {مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍۢ مُّنِيبٍ ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍۢ ۖ  ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُلُودِ } [ق: 33-34].

 

إنه ليس غريباً على النفس أن تحب المال والجاه، بيد أن هذه المحبة يجب أن تنهزم أمام وجه الله وارتقاب جداه!

ولو نقبنا عن أسباب الزلازل التي تهز كيان الأمم لوجدناها تلك الضمائر الميتة، تلك القلوب التي تيبست، فهي لا ترشح بنبل ولا تهش لفضيلة ولا تشمئز من قبيح.

 

وقد ذكرت السنة الشريفة أمثلة للضمير الحي عندما يتغلب على المغريات ويهزم الوساوس ويسبح بقوة ضد التيار وينجو!!

 

فعن أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمْ اللَّهُ 

 

فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ فَأَعْطَاهُ سِرًّا لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللَّهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ.

وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ نَزَلُوا فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ فَقَامَ أَحَدُهُمْ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي

وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا وَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ. 

وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمْ اللَّهُ فالشَّيْخُ الزَّانِي وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ.."

وظاهر أن الثلاثة الآخرين ماتت قلوبهم، فاستمرءوا الرذائل مع ضعف الأسباب التي تدفع إليها.

 

ومن صور الضمائر الحية، ما ذكرته أحاديث أخرى، عن الرجل يقدر على الفاحشة، ولكنه يدوس مغرياته، ويستبقى نفسه طاهراً، وصلته بالله زاكية.

 

وصورة هذا الرجل الذي استأجر عاملاً عنده، فأدى واجبه ثم عرض له ما صرفه قبل أن يأخذ أجره وبعد سنين طوال رجع العامل يطلب حقه الذي تركه من زمن بعيد!

 

كان رب المال، قد أدار الأجرة في عمله فنمت حتى أمست ثروة! فلما جاء العامل أعطاه الأصل والنماء، والعامل مدهوش!

 

إن الإيمان يضع ضوابط صلبة للسلوك، ويجعل من القلب ديدباناً صاحياً يحرس الحقوق والواجبات، فلا حيف ولا فوضى..!

 

وبعض الأنطمة تجعل من سلطان الدولة شجاً رهيباً يحمل الناس حملاً على العمل، والإتقان! فهل تم ذلك؟ لا، لأنه ليس في مقدور نظام ما أن يضع شريطاً مع كل عامل في الأرض أو في المصنع لينشط، ومع كل مقاول حتى لا يغش، ومع كل طبيب حتى لا يتهاون، ومع كل تاجر حتى لا يحتكر، ومع كل رئيس حتى لا يستبد ويطغى.

 

وإذا خان الشرطي فهل نجيء له بشرطي آخر؟ قد يقال: إن رفع المستوى الثقافي وتبصر الكبار والصغار بما ينبغي وما لا ينبغي يمكن أن يمنع هذه المحذورات.

 

والواقع أن الجرائم الكبرى لم يقترفها إلا مجرمون على حظ كبير من المعرفة، وأن النضج العقلي لا يستلزم الطيبة والإخلاص والشرف، وكم من أذكياء أساءوا إلى أنفسهم وأممهم..! {أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23].

 

إن القلب النقي، الغيور على الحق الحريص على الشرف، القاهر للأثرة، المحب للناس لا يصنعه إلا إيمان وثيق، وتعلق بالله وحده.

 

والواقع أن حديث القرآن عن الله سبحانه وتعالى وعن تاريخ الماضين الطويل، وعن البعث والحساب والثواب والعقاب، وما شرعه الله سبحانه من عبادات كثيرة، إن ذلك كله عناصر لضمان سلامة القلب، واتجاهه الثابت إلى الحق والخير.

 

  • الاربعاء PM 06:30
    2022-03-23
  • 2216
Powered by: GateGold