المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 336307
يتصفح الموقع حاليا : 237

البحث

البحث

عرض المادة

هل الجهاد مقصور على الدفاع أم يتجاوز ذلك لإكراه الناس بالقوة على الدخول في الإسلام؟

هناك ثلاثة مواطن يجب فيها على المسلم أن يقاتل في سبيل الله، ويعد مسيئاً إذا تخلف عنها..

 

الموطن الأول: منع الفتنة، فقد يتعرض المسلمون في بعض البلاد لصنوف من الترويع والأذى تنزل بهم حتى يرتدوا عن دينهم، ولا يجوز ترك حملة العقيدة تحت وطأة العذاب، بل يجب كسر شوكة المعتدين وإسقاط سلطتهم حتى تتقرر حرية الضمير، ويؤمن من شاء دون خوف! قال تعالى: {وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَإِن تَوَلَّوْا فَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَٰكُمْ ۚ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} [الأنفال: 39-40].

 

الموطن الثاني: تأمين الدعوة، فمن حق المسلمين أن يعرضوا ما عندهم على غيرهم عرضاُ عادياً لا تقترن به رغبة أو رهبة، أي رشوة أو تخويف، فإذا عطلت إذاعتهم أو صودرت كتبهم أو حبس دعاتهم جاز لهم أن يقاتلوا حتى يتقرر لهم هذا الحق، أي جاز لهم أن يكسروا السياج الحديدي الذي تحتمى وراءه بعض الفلسفات والمذاهب الضالة.

 

الموطن الثالث: عند الحفاظ على الدم والمال والعرض فلا يجوز لمسلم أن يسلم حقوقه الطبيعية لقطاع الطرق المحليين أو الدوليين عليه أن يناضل لتبقى له، ولا يحل له أن يقبل الدنية في دينه أو دنياه {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 39-40].

 

ويمكن أن ينضاف إلى هذا الموطن جهاد المجرمين الذين يحيون في الميدان العالمي على القرصنة والتفرقة العنصرية وإيقاع المظالم بالضعفاء أياً كانوا وأين كانوا..

 

أما القتال لنعرة جنسية أو لأطماع شخصية، أو لفرض الإسلام نفسه على الناس بالسلاح فمرفوض، قال تعالى: {لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ  قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ} [البقرة: 256].

وقد وردت في القرآن الكريم آيات تزيد على مائة وعشرين آية تفيد كلها أن نشر الإسلام أساسه الإقناع الهادئ، والتعليم المجرد، وترك الناس أحراراً بعد عرض الدعوة عليهم ليقبلوها أو يردوها!!

 

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم شديد الإلحاح على الناس ليفهموا ما جاء به، ويهجروا عبادة الأصنام! وكان لشدة حنوه عليهم يطيل مطالبتهم باعتناق الحق وترك الباطل فقال الله له: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99].

 

والواقع أن الإكراه على الحق لا وجود له في الرسالات السماوية كلها، وتدبر ما جاء في القرآن الكريم على لسان نوح: { قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ} [هود: 28].

 

وقد حدد القرآن الكريم عمل النبي صلى الله عليه وسلم في نشر الإسلام، فكشف أنه ليس حاكماً عسكرياً يفرض على الناس ما عنده أو موفداً من السماء لإرغام مستمعيه على قبول ما يقول {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21-22].

 

{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍۢ ۖ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [ق:45].

{ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ  إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ} [الشورى: 48].

 

نعم بعد بيان شاف لحقائق الإيمان بالله واليوم الآخر يقال للمستمعين: {ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ ۖ  فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا} [النبأ: 39].

 

{قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ} [الأنعام: 104].

{إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37].

 

هذا نموذج من الآيات التي نزلت في مكة، قبل أن يشتبك المسلمون مع أعدائهم في حروب دامية، كان أولئك المشركون هم موقدي نارها وحاملي عارها، فماذا حدث في المدينة بعدما قامت الدولة الإسلامية؟ يقول تعالى: {فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ  فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ ٱهْتَدَوا ۖ  وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ۗ  وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 20].

 

وفي موضع آخر: { وَأَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ} [المائدة: 92].

 

ويؤمر صاحب الرسالة الخاتمة بهذه الآية: { قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ ۖ  فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ} [النور: 54].

 

وقد قلنا: إن أسلوب الإسلام على الناس تحدد في نحو مائة وعشرين آية.

 

قال ابن تيمية: بعد فتح مكة ترك الرسول صلى الله عليه وسلم أهلها قائلاً لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء، لم يكرههم على إسلام، ولا يقدر أحد أن ينقل أنه أكره أحداً على دخول الإسلام، لا متحصناً وملا مقدوراً عليه، ولا فائدة في أسلام مثل هذا..

 

نقول: وهذا بداهة وقع نزولاً على قوله تعالى: {لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ  قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ} [البقرة: 256].

 

ومن أغرب الأقوال زعم بعض أن هذه الآية منسوخة!!

 

قال ابن تيمية: وجمهور السلف والخلف على أن الآية لا مخصوصة ولا منسوخة، وأنا لا نكره أحداً على الإسلام، وإنما نقاتل من حاربنا..

 

وآفة ثقافتنا الإسلامية أنها تدون كل شيء، ويتجاوز فيها التافه والثمين!

 

فهذا القول الشاذ بأن آية {لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ} منسوخة كتب إلى جوار القول الذي تواتر على السلف والخلف! وأصبح كلاماً يقال! ثم أصبح رأياً يذكر!

 

وينضم إليه أن الرسول حارب في بدر مهاجماً!! وبذلك وهكذا يصبح الإسلام دين عدوان... ثم يجيء دور المبشرين الذين يصيحون: ألم نقل لكم إن الإسلام انتشر بالسيف؟

 

إن هذا المنطق اللصيق بالإسلام يعجب علماء البدو والبدو الذين يحبون الغارات، ويرحبون بويلاتها ويقولون:

وأحيانا نكر على أخيا              إذا ما لم نجد إلا أخانا

 

وتسرهم الحياة على ما وصف دريد بن الصمة:

يغار علينــا واتـــرين فيشقـــى             بناء إن أصبنا أو نغير على وتر

قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا             فما ينقضي إلا ونحن على شطر

وما أسوأها حياة أن نغير طلاب ثأر، أو يغار علينا لمثل ذلك..!!

 

وهذا المنطق الدموي قد يعجب السلاطين والقادة المرضى بجنون العظمة، إنهم قد يحملون اسم الإسلام والحقيقة أنهم يعبدون أنفسهم، ويسفكون في سبيلها دماء المؤمنين والكافرين جميعاً..

 

لماذا فتح السلطان سليم مصر؟ وأجرى الدماء فيها أنهاراً؟ ولماذا لم يستعن بالمسلمين العرب على نشر الثقافة الإسلامية في بلاده وفي غيرها؟ ولماذا ترك مسلمي الأندلس يبيدون دون عون وتموت دولتهم أمام الزحف الصليبي؟

 

إننا نكرر القبول بأن الإسلام يأبى الإكراه في الدين، وإن كل ما ينشد حياة تتلاقى فيها التيارات الفكرية من كل جهة، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..

 

قال ابن القين في كتابه هداية الحيارى: {لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ} [البقرة: 256]  وهذا نفي في معنى النهي! أي لا تكرهوا أحداً على الدين، نزلت هذه الآية في رجال من الصحابة كان لهم أولاد قد تهودوا أو تنصروا قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام أسلم آباؤهم وأرادوا إكراه أولادهم على الدين فنهاهم الله سبحانه عن ذلك، حتى يكونوا هم الذين يختارون الدخول في الإسلام!

قال: "والصحيح أن الآية على عمومها في حق كل كافر".

 

إن الإكراه سلاح كل فقير في براهينه فاشل في إقناعه، أعووه المنطق فأسعفته العصا!

 

وإنه لمن الجهل المخزي أن يتحدث في الإسلام من لا يعرف إعجازه العقلي، وقدرته الذاتية على الانتشار والانتصار...

 

  • الاربعاء PM 06:10
    2022-03-23
  • 664
Powered by: GateGold