المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 401787
يتصفح الموقع حاليا : 195

البحث

البحث

عرض المادة

ما حقيقة الحرب والسلم في الإسلام..؟

ألف "ابن تيمية" رسالة صغيرة عن القتال في الإسلام بدأها بهذا السؤال: هل مقاتلة الكفار بسبب عدوانهم أم لمجرد كفرهم؟ ثم أجاب: في ذلك قولان مشهوران للعلماء:

الأول: قول الجمهور كمالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهم، فهؤلاء يرون أن الكفار يقاتلون لاعتدائهم لا لضلالهم!

والثاني: قول الشافعي وربما علل به أصحاب أحمد، وأساس هذا القول أن الكفار يحاربون لسوء عقيدتهم وجحدهم لله ولحقوقه!

 

قال ابن تيمية: وقول الجمهور هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار فإن الله سبحانه قال: {وَقَٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا ۚ  إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ  وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ  فَإِن قَٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ  كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ  فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَٰتُ قِصَاصٌ ۚ  فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ  وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 190-194].

 

فقوله: {ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ} تعليق للحكم بأنهم يقاتلوننا، فدل على أن هذا علة الأمر بالقتال. ثم {وَلَا تَعْتَدُوٓا} والعدوان مجاوزة الحد فدل على أن قتال من لم يقاتلنا عدوان، ويدل عليه أيضاً قول بعد هذا: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} فدل على أنه لا تجوز الزيادة.

 

ثم قال: {وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} والفتنة تحويل المسلم عن دينه قسراً كما كان المشركون يفعلون بالمستضعفين، ومقاتلتهم حتى تنكسر قواهم ويعجزوا عن الفتنة، ولم يقل سبحانه قاتلوهم حتى يسلموا!!

 

{وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ} وهذا يحصل إذا ظهرت كلمة الإسلام وكان حكم الله ورسوله غالباً..

ذاك ما جاء في الكتاب الكريم، أما ما جاء في السنة فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم مر في بعض غزواته على امرأة مقتولة – فكأنه كره ذلك – وقال: "ما كانت هذه لتقاتل! فعلمنا أن العلة في تحريم قتلها أنها لم تكن تقاتل.

 

وقد كان عليه الصلاة والسلام يوصي بعدم التعرض لمن ليس من شأنه القتال، روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي الجيس الذاهب إلى المعركة: "انْطَلِقُوابِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا طِفْلًا وَلَا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً وَلَا تَغُلُّوا وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".

 

وقد ادعت ظائفة أن هذه الآية منسوخة، قال ابن تيمية: وهذا رأي ضعيفن ودعوى النسخ تحتاج إلى دليل وليس في القرآن ما يناقض – الآيات التي ذكرناها – بل فيه ما يوافقها فمن أين يجيء النسخ؟ الصحيح أنها محكمة وأن من ليس معداً نفسه للقتال كالرهبان والشيوخ الفناة، والزمني والمكافيف والمجانين، فإن هؤلاء لا يقاتلون وهذا حكم باق غير منسوخ، وهذا قول جمهور العلماء.

 

ونمضي نحن في مناقشة القائلين بشيء من التفصيل يزيد الحق وضوحاً...

 

من أعجب ما قرأت أن قوله تعالى {وَقَٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا} منسوخ بالآية التاليى مباشرة {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} !!

 

وهذا ضرب من اللغو كان يجوز إثباته، لأن القائل قطع جملة من {وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} وضرب بها السياق كلها على نحو لا يسوغ في دماغ عاقل، ولذلك نتجاوز هذا الرأي..

 

الدليل الذي يعتمد عليه القائلون بالنسخ ما يسمى بآية السيف يعنون مثلاً قوله تعالى: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5].

 

 

وفي هذا الكلام تلبيس خطير يجب أن ينكشف لكل ذي عينين فإن كلمة المشركين هنا فسرت في الآيات السابقة والآيات اللاحقة بأنهم قوم تفاحش عدوانهم حتى بلغ حداً لا يطاق، وأنهم جماعة من الفتاك القادرين تعرفهم عندما تقرأ الآية التي استثنت من تصان دمائهم من المشركين، وهي قوله سبحانه: {إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا} [التوبة: 4].

 

يعني أن المشركين المطاردين هم قوم نقصونا حقوقنا وظاهروا أعداءنا، واحتقروا عهودنا.

 

ولكن نزداد بهم معرفة نقرأ وصفهم في الآيات الآتية: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ  يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَٰسِقُونَ ٱشْتَرَوْا بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِۦٓ ۚ  إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} [التوبة: 8-10].

 

هؤلاء المعتدون هم الذين أعلنت الحرب عليهم في صدر سورة براءة، وأعطوا أربعة أشهر مهلة ليروا ما يصنعون بأنفسهم! فهل هذا الحكم يطابق أم يخالف آية {وَقَٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ}.

 

إن القول بالنسخ لا قتال إلا للمعتدين لا مساغ له أبداً، ولا يدل على فقه في القرآن الكريم.

 

قال لي بعض الأخوة: على رسلك، إن الإطار الذي تريد وضع الجهاد الإسلامي داخله قد محته آيات الجهاد المطلق، الجهاد الذي يخاصم الضلال حيث كان، ويريد غسل الأرض منه، فلا داعي لهذه القيود التي تذكر..!!

 

قلت: أين هذه الآيات؟ ألم تقرأ قوله تعالى يغري طلاب الآخرة بالجهاد: {فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74]. إن هذه الآية تحث على خوض الحروب انتصر المرء فيها أو انهزم ومادام يريد إعلاء كلمة الله فله أجره!

قلت: لعلك لو قرأت الآية التي تليها مباشرة لعلمت أن هذه الحرب لم تكن عدواناً بل رداً للعدوان وكسراً للطغيان!

 

أليس يقول الله سبحانه في حفز الهمم لخوض هذه الحرب: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]

 

إن هذا القتال من أشرف مادار على سطح الأرض بالنسبة إلى جمهور المسلمين، فكيف يوصف بأنه قتال لم يرتبط بقيد معين؟

 

فصمت قليلاً ثم قال: خذ آية أخرى قال تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا ٱلْوَثَاقَ...} [محمد: 4].

 

قلت: هذه آية تصف ما يجب عند التحام الرجال في المعركة، ولا تتحدث عن سبب القتال، ومع ذلك فلو سلمنا بوجهة نظرك فإن أول السورة التي ذكرت فيها الآية يحدد من هو العدو الذي نحاربه!

 

أول هذه السورة: {ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ} [محمد: 1] والصد عن سبيل الله يعني تعويق الدعوة عن المضي في مسارها، وإيذاء المؤمنين الذين تنشرح صدروهم بها، وهذا عدوان حقيقي!!

 

قال: خذ آية أخرى والآيات كثيرة: {ٱنفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَٰهِدُوا بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41] قلت: هذه الآية بين عشرات من الآيات التي نزلت في غزوة تبوك تستنفر المؤمنين كي يقاتلوا الروم، ويحدوا من طغيان النصرانية شمال جزيرة العرب، ومعروف أن الرومان قتلوا بعض من أسلم في مدينة "معان" ونشروا الرعب في بقاع واسعة كان عملاؤهم يحكمونها..

 

وقد حاول المسلمون أن يوقفوا هذا التحدي، وأرسلوا جيشاً إلى "مؤتة" هزمه الرومان، وقتل القواد الثلاثة الذين حاولوا الصمود به، ولم يجد المسلمون بداً من الانسحاب، فعادوا إلى المدينة وقلوبهم كسيرة.

 

وازداد الطين بلة، فإن تيار الدعوة ركد تحت تأثير السطوة الرومانية المحذورة ولم ير النبي مناصاً من إعداد أكبر جيش في تاريخ الدعوة لينازل الإمبراطورية العجوز ويلزمها حدودها! إن الحرب كانت واجباً حتماً، ولم تكن غارة عمياء، وسوف نزيد الأمر وضوحاً فيما بعد.

 

  • الاربعاء PM 06:08
    2022-03-23
  • 979
Powered by: GateGold