المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 402293
يتصفح الموقع حاليا : 245

البحث

البحث

عرض المادة

ما طبيعة الجزاء الأخروي؟ وهل هو روحي أم مادي؟

هل خلق الإنسان من روح وجسد شيء يعاب؟

 

كذلك يرى بعض الناس! بل كذلك قال أعداء الأنبياء لهم وهم يرفضون رسالاتهم وينكرون حديثهم عن الله، مقترحين أن يكون الرسول ملكاً {وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا} [الفرقان: 7].

 

وكما استنكروا أن يكون المرسلون بشراً يأكلون، استنكروا عليهم الزواج، والنسل ظانين أن الرغبة الجنسية تشين الإنسان الكبير، وعليه إذا أراد الكمال أن يكبتها.

 

وقد رد القرآن هذه المزاعم، وبين جل شأنه أن المصطفين الأخيار من عباده كانوا رجالاً ناضجي الغرائز {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًا وَذُرِّيَّةً }   [الرعد: 38].

 

ومع ذلك فإن بقايا من منطق الجاهلية القديمة لا تزال عالقة بأذهان الكثيرين ممن يحسبون السمو البشري لا يتم إلا بإعلان حرب مجنونة على البدن توهى قواه وتدوخ غرائزه.

 

بل سرى ذلك الفكر إلى بعض المذاهب الدينية، وانبني عليه، إن التقوى في هذه الحياة تعنى الرهبانية وأن السمو في الحياة الأخرى لا يتصور مع وجود هذا الجسد اللعين! وعليه بعد ذلك فلابد أن يكون النعيم الموعود روحانياً محضاً وكذلك العذاب المرصد للأشقياء!!

 

ولما كان الإسلام دين الفطرة السليمة، ولما كان لبابه احترام الحقيقة المجردة، فإنه رفض كل هاتيك المقدمات والنتائج، وأسس تكاليفه وأجزيته الدينية على اعتبار الإنسان كائناً متميزاً يجمع بين جملة من المواهب والخصال المتلاقية في شخصيته، بها جميعاً يسمو أو يهبط وبها جميعاً يثاب أو يعاقب.

 

أو كما يقول الأستاذ العقاد: "ليس ما يدين به المسلم أن يرتد النوع الإنساني إلى ما دون طبيعته، ولكن مما يؤمن به أن ارتفاع الإنسان وهبوطه منوطان بالتكليف، وقوامه الحرية والتبعية فهو بأمانة التكليف قابل للصعود إلى قمة الخليقة، وهو بالتكليف للهبوط إلى أسفل سافلين، وهذه الأمانة هي التي رفعته مقاماً فوق الملائكة، أو هبطت به إلى زمرة الشياطين".

 

ليس الهبوط أن يشتهي الإنسان طعاماً أو امرأة. إنما الهبوط أن يأكل المرء من سحت، أو يتصل بمن لا تحل له.

 

فإذا طعم من حلال، أو اتصل بأنثى لتكون زوجة يسكن إليها، ويتم بها ويمتد وجوده معها فلا شيء في ذلك أبداً.

 

لقد أخطأ كثير من المنتسبين إلى الدين في احتقارهم للبدن، وفهمهم أن التسامي لا يحصل إلا بسحقه، وفهمهم بعد ذلك أن الحياة الأخروية لا وجود للبدن فيها، وأن النعيم أو الجحيم معنويان، وحسب!!

 

وقد سرى هذا الخطأ – كلا أو جزءاً – إلى بعض متصوفة المسلمين، فاعتنقوه، وحسبوه دلالة ارتقاء، وتجرد، فظلموا بهذا المسلك دينهم، وأوقعوا خللا سيئاً في موازين الجزاء كما أقامها الكتاب العزيز.

 

وقلدوا أتباع الديانات المنحرفة في الجور على الطبيعة البشرية وبذلك أفسحوا للمذاهب المادية طريق التقدك والسيادة.

 

بل بلغت المجازفة بهذا البعض أن حقروا عبادة الرغبة والرهبة، وأشاعوا أن من الهبوط أن تطيع الله طلباً لجنته، أو تدع عصيانه خوفاً من ناره حتى توهم الناس أن الأمل في الجنة والخوف من النار ليس شأن العباد الصالحين!!

 

وهذا الضرب من التفكير لا يمكن وصفه بأنه تفكير إسلامي، إنه ضرب من الشرود والغرور تبدو تفاهته عندما نحتكم إلى العقل والنقل على سواء.

ولنبدأ بالنقل.. يصف لنا القرآن الكريم مشاهد الجزاء، فيذكر لنا أن رجلاً مؤمناً بحث عن صاحب له كان ظاهر الإلحاد والفسوق، فوجده قد استقر في سواء الجحيم! فحمد الله إن لم يتأثر به: { قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَٰمِلُونَ} [الصافات: 56-61].

 

النجاة من النار أمل ضخم لمثله يعمل العاملون، فكيف يجيء أحد من الناس، رجلاً أو امرأة ليقول: بل هو أم تافه؟

 

ويقول الله جل جلاله: {كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ وَمَآ أَدْرَٰكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَٰبٌ مَّرْقُومٌ  يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ  عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ  تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍۢ مَّخْتُومٍ  خِتَٰمُهُۥ مِسْكٌ ۚ وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَٰفِسُونَ} [المطفيفين: 18-26].

 

في الرحيق المختوم يسقاه قوم تعرف في وجوههم نضرة النعيم، في هذا الجزاء الجزيل ينبغي أن يتنافس المتنافسون! فكيف يجيء إنسان رجلاً كان أو أمرأة ليقول لا أعبد الله طلباً لشيء من ذلك.

 

إن هؤلاء الناس يكذبون على طبائعهم الإنسانية كما يكذبون على دين الله، ثم هم يسيئون تصور النعيم الأعلى، أو العقاب السرمدي.

 

إن الجنة دار لنوعين من المتع أحدهما مادي والآخر معنوي، فالمادي تكريم للإنسان يفيض من التجلي الإلهي يشعره بالرضوان ويرفعه بالرؤية.

 

وبديهي أن المتاع الثاني أكبر من الأول، كما قال جل شأنه: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍۢ ۚ وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۚ  ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 72].

 

ولكن هل هناك فواصل – في هذا الكيان البشري – بين الإحساسين أو أن الإنسان بأجهزته المادية والمعنوية يذوق الخير والشر جميعاً؟

 

إن اللذة والألم قوانين إنسانية صارمة فلم الطعن فيها؟

 

ولو فرضنا أن الجنة محل الكرامة الإلهية، لكفاها ذلك، ولاحترمناها من أجل هذه النسبة! ولا يأبى الكرامة إلا لئيم، فكيف – وهي إلى جانب ما وصفناه – تلبية لحاجة طبيعية يحسها كل إنسان، حاجة ذلك البدن الذي يضيره الحرمان، ويضنيه القل والذل، حاجة ذلك البدن الذي يكره الجوع والعطش والعري والهوان.

 

أمن أجل فكرة خيالية نجيء إلى مئات الآيات الصريحة الواضحة، فنحاول صرفها عن ظاهرها والتمحل في تأويلها وإفساد الآثار التربوية المقترنة بها.

{قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ } [الأنعام: 15].

ماذا يبقى من آيات القرآن بنجاة من التأويل والإبطال إذا تمت هذه المحاولة.

 

إن الله وجه إلى نبيه هذا الأمر ووصف أنبياءه الكرام بأنهم {كَانُوا يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ  وَكَانُوا لَنَا خَٰشِعِينَ} [الأنبياء: 90].

 

ووضع أمام أبصار البشر كلهم هذا الترهيب {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185].

 

فهل بعد ذلك نسمع لقول امريء يرفض عبادة الرغبة والرهبة ويزعم أنه لا يخاف من النار ولا يحب الجنة، وأنه – إن عبد – فأنما يعبد ابتغاء وجه الله!!

 

ما هذا اللغو؟ وهل الوجوه الناضرة بنظرها إلى الله تظفر بذلك في قعر جهنم، أم تظفر بذلك في حدائق الجنة؟

 

قال لي أحد المتصوفين: إن من الخساسة أن تعبد الله منتظراً أجراً. فقلت: من العبودية أن تستبشر بفضل الله، وأن توجل من عقوبته، وأن تعرف قدرك وتلزم حدك! أين تريد أن تضع نفسك؟

 

إن الله قال عن نبيه إبراهيم: {وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَٰبَ وَءَاتَيْنَٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ  وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ} [العنكبوت: 27].

 

فهل أنت فوق الأنبياء استغناء عن الأجر الإلهي؟

 

وقال عن عباده المؤمنين الموفقين: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُۥ سَلَٰمٌ ۚ  وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا} [الأحزاب: 44].

 

ووصف عاقبة الصادقين المضحين بأنفسهم في سبيل ربهم فقا: {وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} [الحديد: 19]. فهل أنت في مكانة أخرى غير ما أعد الله للشهداء والصالحين، مكانة الزاهد في أجر أو الرافض له؟ ما هذا الغرور؟

 

لقد وصف الله أولى الألباب بأنهم: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 191].

 

فهل يرفض أن يكون من أولى الألباب إلا البله؟

 

ولقد أهاب الله بخلقه أن يسارعوا إلى جنة {عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] فهل يكره أن ينتظم في عداد المتقين إلا الحمقى؟

 

إنني أطلب من إخواننا الذين يكتبون في التصوف أن يدمنوا النظر في كتاب الله، وأن يستوحوا ما يستجيدون من معان وغايات، وبذلك وحده ينصفون أنفسهم وطريقهم ، أما ترويج فكرة لرجل أو امرأة تبتعد عن هذا الضوء الكريم فأمر لا يستساغ، ومن حقنا أن نرفضه.

لقد سمعت أشعاراً تنسب إلى رابعة العدوية، بل حكى الرواة عنها – والعهدة عليهم – إنها لما سمعت التذكير بفواكه الجنة وخيراتها، قالت: لسنا أطفالاً، فنغرى بهذه الأشياء، وسواء صح ما نسب إلى هذه السيدة أو بطل، فنحن كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في فاطمة بنت قيس – وهي صحابية أفضل من رابعة "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت"!

 

إن الجنة وعد الله لعباده فنعما هي، وشكراً لمن أعدها للمتقين، وهنيئاً لمن يصير إليها، يمرح في بحبوحتها ويسعد بربه الذي طالما صلى وصام من أجله!!

 

إنه في هذه الجنة يشهد من كان يعبده بالغيب، ويتلقى فضله في قلبه وعلى بدنه، لذات مادية معنوية متشابكة لا انفصام بينها، {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ  وَحُلُّوٓا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍۢ وَسَقَٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا} [الإنسان: 20-22].

 

ونحن نلفت نظر المفسرين ألا ينخدعوا بما شاع في الديانات الأولى من أوهام أو بما نسب إليها من أفهام فإننا ورثنا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد..

 


  • الاربعاء PM 06:01
    2022-03-23
  • 920
Powered by: GateGold