المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 412121
يتصفح الموقع حاليا : 342

البحث

البحث

عرض المادة

ما فكرة الإسلام عن البعث والجزاء؟

إنكار الدار الآخرة ليس بدعة هذا العصر، فمن قديم كان هناك من يكذب الأنبياء ويتهمهم بالجنون لأنهم يؤكدون أن الموتى سوف يبعثون ويحاسبون ويثابون أو يعاقبون! كان أولئك المكذبون يقولون للأمم التي تسمع وعيد الرسل {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون: 36-37].

 

لكن عصرنا امتاز بأنه زعم للنزعات المادية أصلاً علمياً، وأشاع بأن الدين بعيد عن المنطق العقلي!! ومن ثم شاع الإلحاد، وعاش الكثيرون لدنياهم وحدها، وقلما تذكر الآخرة في مؤتمر جاد أو ينظر إليها على أنها حقيقة مقررة، والذي أراه أن الإيمان بالآخرة فرع الإيمان بالله عز وجل، فمن آمن بوجوده لم يستبعد قط قدرته على إيجاد العالم بعد إفنائه، وإقامة ساحة عامة لحسان دقيق يلقى فيه كل امريء جزاءه {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍۢ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍۢ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ  وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 30]. إن الفلاح يستطيع أن يزرع الأرض مرة ثانية بعدما حصدها، والمهندس يستطيع إعادة بيت تهدم، فما الذي يعجز خالق هذا العالم على إنشائه مرة أخرى بعد أن يبلغ أجله الذي حدده له؟!

 

{وَقَالُوٓا أَئِذَا كُنَّا عِظَٰمًا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ۞ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ  قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ      مَرَّةٍۢ ۚ ...} [الإسراء: 49-50]!!.

 

لو كان هذا الكلام من خالق الكون – وعداً مجرداً، ما تأخرت في تصديقه! فكيف وأنا أرى في كل لحظة من دنيا الناس خلقاً جديداً يبرز فيه الإبداع الأعلى أجلي ما يكون؟ في كل ساعة من ليل أو نهار تقذف الأرحام بعشرات ومئات من الأجنة السوية الخلق، الدوارة الأجهزة، المتجاوبة مع عناصر البيئة التي ترتقبها، فهي تسمع وترى وتعي وتمضي في طريقها قدماً إلى استكمال وجودها المقدور..

 

هل صنع الأبوان شيئاً في هذا التخلق الباهر؟ أعني من صنع الحيوان المنوي وأودع فيه خصائص الوراثة المادية والأدبية؟ ومن صنع بويضة الأم ومد إليها صفات الآباء والأجداد؟ {أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَٰلِقُونَ} [الواقعة: 58-59].

 

إن إنشاء الحياة في عالم الإنسان والحيوان والنبات يتكرر كل يوم فلماذا نستبعد بعثاً يتم مثله بين أسماعنا وأبصارنا؟ إن ذلك سر تقريع القرآن للذاهلين عندما يقول {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ} [الواقعة: 62].

 

إن انتشار الجهالة لا يعطيها وجاهة! وإذا كان منكرو البعث كثيرين، فليسوا إلا قطعاناً من الغافلين أو المستغفلين!!.

 

وعلى كل عاقل أن يستمع إلى هذا النداء: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَٰقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهْرِهِۦ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا} [الأنشقاق: 6-12].

 

إن العدالة لا تتحقق في هذه الدنيا، فهناك سفلة تبوءا القمم، وعباقرة توسدوا التراب، وقتلى أزهق المجرمون أرواحهم وعادوا يضحكون أو يسكرون.

 

إن أثنين وسبعين ألفاً من عرب فلسطين ومسلمي لبنان قتلوا في الحرب الأخيرة، فلنفرض أن الله أدال للعرب وارتدت لهم الكرة بعد سنين طويلة أو قصيرة، سيكون الجزارون قد ماتوا، وقد يعفى عن أبنائهم أو أحفادهم – كما فعل صلاح الدين – وقد يقتص ممن لم يقترف جرماً!!

 

إن القوانين الكونية لها منطق فوق ما نعرف، ولها ضحايا يضيعون في حركتها الدائبة بقول الشاعر:

وقال يعود الماء في النهر بعدما                         ذوي نبت جنبيه وجفت مشارعه

فقلت إلى أن يرجع النهر جارياً                          ويعشب جنباه تمـوت ضفادعـه!

 

من أجل ذلك كانت الآخرة حافلة بالانقلابات المثيرة، رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة رب مالك هنا يكون مملوكاً هناك، سيهبط ناس من الأوج إلى القاع، ويرتفع آخرون من القاع إلى الأوج {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة: 1-2].

 

إن الآخرة حق لأنها تصحيح لأوضاع, ورد لاعتبار، وتحقيق لعدل اختبر الله الناس بتأخيره إلى حين – هذا الحين جزء من نظام الدنيا، ومن امتحاناتها الصعبة، ولابد من مراعاتها، ولذلك جاء في الحديث القدسي، في إجابة دعوة المظلوم "وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ  وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ} [الصافات: 174-178].

 

لقد تكرر هذا الحين وانتظامه مرتين في سياق متقارب، لأن الله لا يعجل بعجلتنا، ولأن سنن الله الكونية فوق تفكيرنا المحدود، ولكن وزن الذرة من الخير أو الشر لا يضيع أو ينسى.. وحديث الإسلام عن القيامة والحساب تناول مرحلتين: الأولى مرحلة الدمار الذي ينزل بهذا العالم، والانهيار الفلكي الذي يمحو نظامه ويطفي نجومه! وقد جاء في السنة: "من سره أن يرى القيامة رأى عين فليقرأ: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} [التكوير: 1-2]. {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} [الانفطار: 1-2] {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق: 1-2].

 

ويظهر أن الهول الذي يصحب هذه الاضطرابات الشاملة يغمر الأفئدة بالفزع والرهبة فترى الناس سكارى وما هم بسكارى...

 

ومجيء الساعة يكن بغتة، والناس ماضون في أعمالهم العادية، الآكل يرفع لقمته إلى فمه، والبناء يشيد البيت الذي يبنيه، والتاجر يناول البائع السلعة التي يطلبها، وهذا وذاك في جدالهم – حول شئونهم، ومستغرقون فيما يعنيهم! يقول تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ  مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 48-50].

 

اما المرحلة الثانية فهي مرحلة الحساب الذي يشمل الأولين والآخرين، ويحشد أبناء آدن منذ بدءوا حتى انتهوا، ويستعرض أعمالهم منذ عقلوا حتى ماتوا!!

 

قيل لعلي بن أبي طالب: كيف يحاسب الله الناس على كثرتهم في يوم؟ قال: كما يرزقهم على كثرتهم.

 

والذي نحسبه نحن أن الزمان سوف ينعدم كما ينعدم الوزن عند رواد الفضاء وهل الخلود إلا انعدام الزمان؟ وأن رب العالمين سيجعل الخلق في حال من الإحساس العالم بكل ما أسلفوه في الدنيا، وكأن أشرطة مسجلة تمر بأذهانهم ملآى بكل ما كان منهم وحكم الله فيه!

 

ثم يستعد كل إنسان للانطلاق إلى مصيره العدل  {ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍۢ مَّعْدُودٍۢ  يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ  فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ} [هود:103-105].

 

والجزاء مادي وروحاني معاً، إنه للإنسان الذي عبد بجسمه وعقله، أو فجر بجسمه وعقله! ولا يستطيع أي دارس للقرآن الكريم أن يفسر آياته في وصف الجنة والنار بأنها من قبيل المجاز، وليس هناك بتة ما يدعو لهذا التعسف في التفسير.

 

والنظر إلى مادية الإنسان بأنها معرة، ولذاته الحسية بأنها هبوط هو تأثر بفلسفات خيالية لا وزن لها.

 

نعم إن مع هذه اللذات ما هو أسنى وأزكى، معها الرضوان الأعلى والاستغراق في شهود أمجاد الألوهية {إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} [المطفيفين: 22-24]. جعلنا الله من هؤلاء المكرمين.

 

  • الاربعاء PM 05:59
    2022-03-23
  • 808
Powered by: GateGold