ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
مكانة أهل الكتاب من الميثاق السياسي والاجتماعي لدولة خاتم النبيين
د / احمد نصير
مكانة أهل الكتاب من الميثاق السياسي والاجتماعي لدولة خاتم النبيين
رسمت سورة المائدة الحدود الفاصلة بين المؤمنين وأهل الكتاب ، وفي ذات الوقت طريقة التعامل معهم وكيفية اندماجهم مع المجتمع المسلم ، مع احتفاظ كل منهما بحياته الخاصة وحقه في ممارسة شعائره الدينية ، غير أنه لوحظ بسبب هذه كثرة مجادلة أهل الكتاب أهل الإيمان في دينهم حتى يصرفوهم عن دينهم بكثير من الحيل ، وكثيرا ما لجأوا إلى مساومتهم على أن يؤمنوا بالله -شكلا- مقابل أن يتخلى المسلمون عن تشريعات دينهم وأحكامه التي لا تتفق مع أهواءهم ، ليفرغوا الدين الإسلامي من مضمونه ، ويضحى مجرد معتقدات لا أثر ظاهر لها على سلكويات الفرد المسلم ومسئولياته تجاه ربه وتجاه المجتمع الذي يعيش فيه ، هذا ما أرادت سورة المائدة أن تحذر المؤمنين منه وتنبههم عليه من خلال بيان مقاصد الإسلام في تشريع الحل والتحريم ، فلفظ "أحل" ، "حرم" تكرر في هذه السورة كثيرا .
قال أبو حيان الأندلسي (تضمنت هذه السورة ثمانية عشر فريضة –أو تشريعا - لم يبينها في غيرها)[1]، ويمكن سرد بعض هذه التشريعات التي تشكل ملامح السورة كما يلي :-
- الوفاء بالعقود
- نسك الحج
- المحرمات من الأطعمة وما أحل من الطيبات :-
- المحرمات من الأطعمة لذاتها
- الأطعمة التي حرمت للذبح لغير الله
- تشريع الصيد
- أطعمة أهل الكتاب
- نكاح المحصنات من أهل الكتاب
- العدل مع الأعداء
- الشهادة بالقسط
- الوضوء ومناسك الصلاة
- نظام التمثيل النيابي في الإسلام
- نظام القيام على فروض الكفاية
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
- عقوبة التيه للتخلف عن الجهاد
- عقوبة القتل العمد العدوان
- عقوبة حد الحرابة
- عقوبة السرقة
- التحكيم الدولي بين أهل الكتاب
- عقوبة القصاص
- خضوع أهل الذمة والمستأمنين لحكم الله
- تفريد وتقسيم لأحوال أهل الكتاب مع المسلمين
- لا رهبانية في الإسلام
- حكم الأيمان وكفارتها
- أنواع المحرمات بذواتها أو بوصفها بقيود الزمان والمكان والحال
- تحذير من موالاة أعداء الله وأسباب البراءة منهم
- الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في الإشهاد على الوصية عند السفر
- تأييد نبي الله عيسى بالمعجزات لإبطال عادة بني إسرائيل بقتل الأنبياء
- التنطع في الدين مذموم
- بطلان عقيدة النصارى في عيسى بن مريم وأمه
ولبيان مقاصد الإسلام ، والتأكيد على أن التشريع هو حق إلهي ، لا ينازعه فيه أحد ، ألمحت السورة إلى أن تشريعات الإسلام ليس لأجل بيان الصالح المادي للأمة المسلمة وحسب ، فهذا وإن كان غرضا متضمنا ضمن أغراض التشريع الإسلامي ، لكن الغرض الأساسي للتشريع الإسلامي إثبات وحدانية الله تعالى في ملك ، ولذلك اختتمت السورة بآية تدل على هذا المعنى ، فمن خصائص التشريع الإسلامي أن يعلم العبد أن الله تعالى الذي خلقه ورزقه هو الذي يحكم أمره ومدبره ، وأن عليه أن يطيعه فلا يعصاه ، ومن جملة طاعته له أن يلتزم بحلاله وينتهي عن حرامه ، دون سبر عن أسباب أو تقصي لحكم أو علل، ذلك أن نفس المؤمن التي أمنت بالله تعالى لابد وأن تخضع لحكمه بلا مناقشة أو جدال.
لكن الانصياع لتشريعات الإسلام في الحل والتحريم صادف جدلا واسعا عند أهل الكتاب الذين ربطوا هذه المسألة بتحقق مصالح مادية ، حتى أنهم ربطوا عقيدة الإيمان بالله بتحقق معجزة مادية تخضع لها قلوبهم وأبصارهم ، فعاتبهم الله على ذلك ، وهددهم بعاقبة عدم الإسراع لقبول الإيمان جملة وتفصيلا بعد تحقق المعجزة التي طلبوها تفصيلا .
ولذلك تجد أن سورة المائدة قد استقطعت صورا من ضلالات أهل الكتاب والمشركين خصوصا في مسألة التشريع ، وبخاصة في الأطعمة والأشربة باعتبارها ذات صلة وثيقة بحياة الناس ، فتناولت مسألة تحريم (لحم الخنزير) ، (الدم) ، (الميتة) ، (الخمر) ، (البحيرة والسائبة) ، كما تطرقت لصور من ضلالاتهم في الاعتقاد (تأليه المسيح) ، (تأليه أمه مريم بنت عمران) .
ومن قبل ذلك تحدثت عن تخاذلهم عن نصرة أنبيائهم واعتدائهم عليهم وعدوانهم ، ولذلك كانت الحاجة ملحة لأن يتجدد هذا الدين بنبي يمحو تلك الضلالات ، ويبلغ شريعة الله كما أنزلها بلا زيادة أو نقصان ، وتكون رسالته خاتم الرسالات ، قال تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) .
مقدمة : الإيصاء بالوفاء بالعقود
المحور الأول (1- 11)
إقامة شعائر الإسلام واحترام مفهوم "الجندية" عند المسلمين ضمان لتنفيذ اتفاق السلام الدولي
المبحث الأول : شعائر الإسلام تحض على أمان أهل الكتاب
المطلب الأول : شعائر العادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
الأولى : الحق في "الحل والتحريم" خالص لله وحده
الثانية : دائرة التحريم في الإسلام محددة
الثالثة : دائرة الحل في الإسلام واسعة
المطلب الثاني : شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
المبحث الثاني : أثر التربية العسكرية في الإسلام على ضمان العهود والسلام مع الآخرين
المطلب الأول : البيعة لإمام شرعي ضامن للمواثيق والعهود
المطلب الثاني : دور ولاة الأمور في القيام بفروض الكفاية والشهادة عليها بالقسط
المطلب الثالث : أثر العهود السياسية على السلم والأمن الدوليين
المحور الثاني (13-50)
موقف أهل الكتاب من الميثاق الاجتماعي والسياسي
المبحث الأول : الوثيقة الدستورية ميثاق أمان لأهل الكتاب والمسلمين
المطلب الأول : أهمية تشكيل مجالس نيابية لإقامة الدين قبل الدنيا بالمدينة المنورة
المطلب الثاني : موقف السلطة السياسية من خيانة الأقليات المعارضة
المطلب الثالث : انشغال المعارضة بنزاعاتهم الخاصة أوهن أدائهم السياسي
المطلب الرابع : المبادئ فوق الدستورية لا تقر بالاتفاق ولا بالمغالبة
المطلب الخامس : الأمور العقائدية ليست محلا للاتفاقيات السياسية
المطلب السادس : واجب الدعوة وإنكار المنكر مضمون دستوريا
المبحث الثاني : بنود الوثيقة الدستورية مع أهل الكتاب
المطلب الأول : حكم الخدمة العسكرية و"حكم التهرب منها"
المطلب الثاني : حرمة الدم "القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد"
المطلب الثالث : الأمن الاجتماعي "حد الحرابة"
المطلب الرابع : حماية الأموال "حد السرقة"
المبحث الثالث : سلطان التشريع الإسلامي على أهل الكتاب 41 – 50
المطلب الأول : تملص أهل الكتاب من تطبيق حكم الله من شريعتهم
المطلب الثاني : إستناد القاضي المسلم في التحكيم الدولي إلى أحكام الشريعة
المطلب الثالث :جواز احتكام أهل الكتاب غير الذميين إلى حكامهم في نزاعاتهم
المطلب الرابع : حفظ الدين بحفظ الدولة وحفظهما بحفظ العلماء
المطلب الخامس : مقاصد الشرع الضرورية ثابتة في كل ملة
المطلب السادس : لا يخلو زمان من بيان حكم الله
المطلب السابع : مدى ولاية القاضي المسلم على أهل الذمة وأهل الكتاب
المحور الثالث (51 - 86 )
علاقة المسلمين باليهود والنصارى بعد اكتمال التشريع
المبحث الأول : الحفاظ على الإسلام من النقض من خلال (عقيدة الولاء والبراء)
المطلب الأول : منع الولاية لليهود والنصارى أيا كانت الأسباب
المطلب الثاني : الردة عن الإسلام نتيجة حتمية لولاية الكافرين تستوجب الاستبدال
المطلب الثالث : وجوب الولاية للمؤمنين
المطلب الرابع : العلة من حظر الولاية للكفار عموما
المبحث الثاني : أسباب البراءة من اليهود والنصارى رغم أنهم أهل كتاب
المطلب الأول : الاستهزاء بالعبادات
المطلب الثاني : حسد المؤمنين
المطلب الثالث : عبادة الطاغوت
المطلب الرابع : نفاقهم للمؤمنين
المطلب الخامس : المسارعة في الإثم والعدوان
المطلب السادس : تجرئهم على الله
المطلب السابع : سعيهم للإفساد في الأرض
المبحث الثالث : طرق دعوة أهل الكتاب
المطلب الأول : ترغيب أهل الكتاب في المبادئ الكلية المرعية في كل ملة
المطلب الثاني : تبليغ الدعوة لأهل الكتاب بغزيمة متجددة
المطلب الثالث : مكاشفة أهل الكتاب ومواجهتهم بضلالاتهم إجمالا
المطلب الرابع : تبشير أهل الكتاب بقبول ما سلف منهم من خير
المحور الرابع (87-105)
تمييز خصائص ومنهجية التشريع الإسلامي عن مثلها عند أهل الكتاب
المبحث الأول : التشريع حق إلهي لا عمل للبشر فيه
المطلب الأول : (لا رهبانية في الإسلام) 87-88
المطلب الثاني : إبطال أيمان الجاهلية كمستند لتحريم ما لم يحرمه الله 89
المبحث الثاني : تعريف أهل الكتاب بأنواع المحرمات في الإسلام
المطلب الأول : المحرمات المقترنة بعلة التحريم 90-93
المطلب الثاني : المحرمات لحكمة الامتثال لأمر الله 94-99
المبحث الثالث : التعريف بمنهجية التشريع الإسلامي
المطلب الأول : التمييز بين الخبيث والطيب
المطلب الثاني : رفع الحرج دون تكلف أو تنطع
المطلب الثالث : تصحيح منهجية الاستدلال ونبذ التعصب
المطلب الرابع تقرير المسئولية الفردية والمجتمعية في آن واحد
المحور الخامس
استمالة النصارى للإسلام بالإنصاف ودحض الشبهة ثم العتاب
وفيه مبحثان :-
المبحث الأول : الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في إطار السياسة الشرعية
المبحث الثاني : غلو أهل الكتاب في طلب المعجزات وتنطع الحواريين
ثم خاتمة السورة
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) تصدرت سورة المائدة بخطاب للذين آمنوا تضمن أمر وإلزام حتمي أن يوفوا بالعقود ، والعقد –لغة- (الجمع بين الشيئين بما يعسر الانفصال معه ، وأصله الشد) [2] ، والمقصود ما تعاقدت عليه إرادة المتعاقدين من شروط هي موضوع العقد ، ونظير ذلك قوله تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا).
والأمر بالوفاء أي (إتمام العهد)[3] فلم ترد صيغته مخصصة بعقد معين ، بل إن سياق السورة يحض على الوفاء بما تم الاتفاق عليه بوجه عام ، أيا كانت صورته ، سواء أكان اتفاق شارع أم خاص بالعاقدين ، فيشمل "العقد"و"الاتفاق" و"العهد" و"الميثاق" بإطلاق ، دون تقييد ، كما أن إطلاق الصيغة شمل كل عقد قبل الإسلام أو بعده ، ما لم يرد دليل صريح بإبطاله ، قال رسول الله r (وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً)[4] ، وهو ما يجعلنا نفقه أن الاتفاقيات الأممية الشارعة لها حجيتها عند المسلمين متى كانت تضمن للإنسان حقوقه ، وتعلي من القيم الإنسانية وفقا لمعايير العدالة والقسط التي تتماشى مع الفطر الإنسانية السليمة .
والعقود المعروفة والمسماة في الإسلام خمسة (عقدة الإيمان ، وعقدة النكاح ، وعقدة العهد – أي الوعد بالإرادة المنفردة-، وعقدة البيع ، وعقدة الحلف- أي النصرة-)[5]، وأيا كان موضوع العقد فإنه طالما كان مضمونه خير ، يجب الوفاء به ، فالإطلاق في الصياغة مقصود به أن يشمل الالتزام بالوفاء كل عقد سواء أكان في مجال التجارة والبيع والشراء أو النكاح وما تضمنه من شروط أو السياسة ، وما يشمل ذلك من اتفاقات سلام أو حلف عسكري ...الخ ، ولذلك حملها مقاتل على ذلك فقال (يعنى بالعهود التى بينكم وبين المشركين) [6] .
والمقصود ببنود العقد شروطه المتفق عليها من أطرافه ، لقول النبي r (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ)[7] ، ولم يستثن من ذلك إلا إذا كان الشرط مخالفا لشرع الله تعالى ، فعن النبي r قال (وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)[8] ، وقال r (مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)[9] ، يعني شرطا يخالف مقاصد الشرع والحكمة من النصوص الشرعية .
ولا ينعقد العقد إلا بعد أن يصادف الإيجاب قبولا ، والإيجاب هو طلب التعاقد وفقا للشروط التي يعلن به الطالب ، والقبول هو تسليم الطرف القابل بهذه الشروط وإعلان الرضاء بها ، فإذا حصل هذا التصادف بتمامه انعقد العقد ، لكن يرد على ذلك بعض الاستثناءات ، وهو ما يسميه الفقهاء بالخيارات ، فهذه الخيارات تؤجل هذا الأثر أو يتعلق إنفاذ العقد بها ، وهي خيار المجلس وخيار الشرط وخيار الرؤية .
أولا : خيار المجلس : -
فالعلماء أعطوا للمتعاقدين مهلة للتروي والتفكير قبل الإقرار والإثبات ، أثناء انعقاد مجلس العقد وقبل أن ينفض ، فأقروا بخيار المجلس ، ومعناه أنه طالما مجلس العقد منعقدا فإن كلا الطرفين يحق له المناقشة والتعديل لأحد بنود العقد حتى يتم الاتفاق نهائيا على كل البنود ، فإذا تفرقا فقد انعقد العقد ، ولا يجوز إعادة مناقشة الشروط مرة أخرى ، ودليلهم في ذلك قول النبي r (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا)[10]
وهذا يحمل في الغالب على العقود الشفهية ، فهذا حالها قال r (إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ)[11] .
أما إذا كانت محررة كتابيا فإن تمام العقد يكون بالفراغ من الكتابة ثم التوقيع عليها ، إذ تعني الكتابة إسقاط خيار المجلس المذكور سلفا ، وهو جائز لقول النبي r (الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ)[12] ، فقد اختلف العلماء في المراد بقوله "إلا بيع الخيار" ، (قال الجمهور وبه جزم الشافعي هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق ، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق فقد لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق ، فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخاير)[13]، قال ابن الأثير (أي إلا بَيْعاً شُرِطَ فيه الخِيَارُ فلا يَلْزَمُ بالتَّفَرُّق ، وقيل معناه : إلاَّ بيعاً شُرِطَ فيه نَفْيُ خِيَار المجلِس فيلزم بنفسه عند قوم) ، قال النووي (المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس ، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ، ويختارا إمضاء البيع ، فيلزم البيع بهذا التخاير ولا يدوم إلى المفارقة)[14]. .
ثانيا : خيار الشرط : -
قال رسول الله r (الْبَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ) من حق أحد المتعاقدين أن يحتفظ لنفسه بالخيار مدة معينة ، شريطة أن يقبل الطرف الثاني هذا الشرط ، ما يعني أن يحتفظ أحد المتعاقدين لنفسه بمهلة زمنية محددة له أن يرجع في العقد خلالها ، فإذا مضت تلك المدة دون أن يتستعمل هذا الخيار فقد أضحى العقد نافذا في حقه
قال النووي ففيه ثلاثة أقوال :-
(القول الأول : أن المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس ، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ويختارا إمضاء البيع ، فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة) يقصد بذلك خيار المجلس والاستثناء منه كما في العقود المكتوبة التي تنتهي بالإمضاء وليس بالتفرق[15] .
(والقول الثانى : أن معناه إلا بيعا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها ، فلا ينقضى الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضى المدة المشروطة)[16].
قال ابن الأثير : (وأمّا خِيَارُ الشَّرطِ فلا تَزِيدُ مُدّته على ثلاثة أيام عند الشَّافعي أوّلها من حال العقد أو من حال التَّفرُّق)[17]،والفقهاء وضعوا مدة الثلاثة أيام لإنهاء الخيار إذا لم يرد نص في العقد بتحديدها ، لكن هذا الأمر يجوز الاتفاق على خلافه فيما بين المتعاقدين .
قال النووي (والثالث معناه إلا بيعا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس، فيلزم البيع بذات البيع ، ولا يكون فيه خيار) [18] ، وهو كالأول كما ذكرنا.
هذا وقد اهتم العلماء المسلمون بالعقد أيما عناية ووضعوا له نظرية تسمى بنظرية العقد ، وتتضمن النظرية تعريف بالإرادة العقدية ،وبيان أقسامها ودورها في إنشاء العقود وأهلية المتعاقدين ، وسلطان الإرادة ، والآثار العامة للعقود ، وعيوب الإرادة من إكراه وخلابة وغلط ، وأنواع العقود من حيث نفاذها والإلزام بها ولزومها ، وانتهاء العقود وبطلانها وانقضاء الالتزام وانحلال العقد ، والتفريق بين الفسخ والبطلان ، والعقود الباطلة وتلك القابلة للإبطال ، والبطلان الجزئي والبطلان التام [19]
وعدم الوفاء بالعقود خيانة ، وهو من صفات المنافقين ، قَالَ رسول الله r (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)[20]، قال المناوي قوله (من كن فيه كان منافقا خالصا) (نفاق عمل لا نفاق إيمان) [21]
قال النووي (هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث إن هذه الخصال توجد فى المسلم المصدق الذى ليس فيه شك ، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد فى النار فإن أخوة يوسف r جمعوا هذه الخصال ، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله ، فالذى قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق ، وصاحبها شبيه بالمنافقين فى هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم ، وقوله r كان منافقا خالصا معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال)[22].
ثالثا : خيار الرؤية [23]:-
هو حق للمشتري في فسخ عقد البيع بعد رؤية السلعة فعليًا، إذا لم يرها وقت التعاقد، استنادًا لقول النبي r "من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه"[24]، ويثبت هذا الخيار عند الرؤية الفعلية وليس قبلها ، فلا يعتد برضاه إذا لم ير المعقود عليه عند التعاقد ، حيث لم تتحقق مطابقة المبيع لأوصافه الواردة في بنود العقد ، فإذا رآه أو عاينة المعاينة النافية للجهالة الفاحشة به هنا له الخيار إما إمضاء البيع أو فسخه
وهو من الخيارات المعتبرة في الفقه الإسلامي ، ويختلف عن العقد على غير موجود المنهي عنه بقول النبي r (لا تبع ما ليس عندك) ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ وَلَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبِيعُهُ قَالَ (لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)[25]، بل هو موجود وفي حوزة البائع ، يعزى ذلك إلى أن الجهالة لا تفضي إلى منازعة ، فهو بالخيار بعد الرؤية ، فلو لم يوافقه رده ، ومبررات التعاقد قبل الرؤية هي الحاجة للتعاقد بسعر معين في زمن معين على سلعة معينة موجودة وفي حوزة البائع ، لكن غير مقدور على تسليمها في الحال ، فيتم التعاقد وفقا لأوصاف محددة في المبيع ، ثم عند الاستلام يجلب البائع الشيء المبيع .
مثال ذلك التعاقد على شراء سيارة ، فبعد أن يتم تحويل ثمن البيع ويتحدد وقت التسليم يحق للمشتري أن يرفض الاستلام إذا ما لم يجد تطابقا بين السيارة المبيعة ومواصفاتها الواردة في العقد ، أما إذا لم تكن السلعة موصوفة وصفا نافيا للجهالة الفاحشة فالعقد لا ينعقد أصلا إلا بالتسليم المبيع بعد الاتفاق على الثمن وكيفية سداده .
ويتفرع عن خيار الرؤية خيار العيب ، فهو لاحق عليه ، أي لاحق للرؤية ويثبت بعد التجربة ، ولا يتعلق إلا بالبيوع التي محلها أشياء لا يمكن معرفة سلامتها بالرؤية ، بل تحتاج إلى معاينة خبير ، فإذا حصلت المعاينة من المشتري نفسه ثم استلم المبيع وجربه واكتشف ما به من عيب ، فإذا كان هذا العيب فنيا ويستعصي على الرجل المعتاد معرفته هنا يثبت له خيار العيب ، ويحق له رد المبيع ويسترد الثمن أو له أن يبقي المبيع عنده ويأخذ من البائع تعويضا عن العيب ، أي يقبله بالعيب الذي فيه ولكن بتعويض، ومستند هذا الخيار قوله تعالى (ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) ، وقول النبي r " لا يحل لأحد أن يبيع شيئا إلا بين ما فيه و لا يحل لمن علم ذلك إلا بينه"[26] ، وفي رواية قال r (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا بَيَّنَهُ لَهُ)[27].
ومثال ذلك : وجود عيب فني في السيارة يتعلق بالدائرة الالكترونية لغلق الزجاج أو فتح الشنطة ، أو عيب في مانع الانزلاق ، فهذه الأمور تحتاج لخبير متخصص في الكهرباء الالكترونية أو الميكانيكا ، ولا يمكن للمشتري أن يكتشفها إلا بعد التجربة .
إقامة شعائر الإسلام واحترام مفهوم "الجندية" عند المسلمين ضمان لتنفيذ اتفاق السلام الدولي
قال الله تعالى (..أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(5)
لوحظ تكرار ذكر لفظي (أحل) ، (حرم) ومشتاقتهما أكثر من 14 مرة في هذا المقطع من سورة المائدة بما يؤكد أن الحديث يدور حول الحل والتحريم كأحد مظاهر الدينونة بالعبادة لله الواحد القهار ، وإثبات حقه سبحانه في التشريع ، وما يرتبط بهذه المظاهر من شعائر ، ويقصد بـ (شعائر الله (في سياق الآيات (مَظَاهِرُ العِبَادَةِ وَتَقَالِيدُهَا وَمُمَارَسَتُهَا)[28] ، و(يعني بها جميع متعبدات الله التي أَشْعرها الله) أَي (جعلها أَعلاماً لنا) ، فالشعائر جمع شعيرة ، والشعيرة هي(كلُّ ما جُعل عَلَماً لطاعة الله تعالى)[29] ، )وإِنما قيل شعائر لكل علم مما تُعُبَّد به (لأَن (قولهم شَعَرْتُ به أي علمته ، فلهذا سميت الأَعلام التي هي متعبدات الله تعالى شعائر) [30] ، (وهي كل ما كان من موقف أَو مسعى أَو ذبح)[31] ، )ومَشاعِرُ الله أَو شَعائِرُه) هي)مَعالِمُه التي نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهَا ، وأَمَرَ بالقِيَام بِهَا)[32] .
ولأن شعائر الله أعلام لطاعته قامت بها الحجة على الخلق ، بمعنى أن الناس جميعا حينما يرون شعائر الإسلام ، وقد أضحت معلما لهذا الدين ، ويستظهر المسلمون بممارسة الشعائر مقاصد دين الله ، فإن ذلك يقيم الحجة عليهم ، فلا يتذرعوا بعدم علمهم بهذا الدين .
مثال ذلك الصلاة التي يؤديها المسلمون هي شعيرة من الشعائر ومعلما من معالم الدين ، وبها يتعرف الناس علي الإسلام ، وذلك عندما يرون المسلمين يذهبون للمساجد ، فلا يتذرعون بجهلهم للإسلام وقد رأوا شعائر الله معلنة وظاهرة ،وتطبق أمامهم كالأذان والصلاة والصوم والزكاة والحج
كذلك عادات المسلمين من مطعم ومشرب ومنكح ، فإنها تصير بجعل الشارع لها إلى عبادات كذلك ، فتضحى - كذلك - معلما من معالم الدين ، بهذا يتميز المسلمون عن غيرهم في عباداتهم وعاداتهم كمطعمهم ومشربهم ومنكحهم بآداب معينة هي شعائر الله ، فيكون التزامهم بتلك الآداب تعظيم لشعائر الله ، كغسل اليدين والتسمية قبل الأكل.
ومن جهة أخرى يكون احترام غير المسلمين لشعائر المسلمين بمثابة إلقاء سلام منهم لهم ، فإذا جاز ذلك جاز للمسلمين إبرام اتفاقيات سلام معهم ، أما إذا لم يحترم غير المسلمين شعائر المسلمين التي هي شعائر الله ، فكيف يسوغ للمسلمين أن يعقدوا معهم اتفاقيات ، ويبرموا عقودا وهم يعلمون مسبقا أنهم لن يحترموها كما لم يحترموا شعائرهم ، أما إذا لم تُحترم العقود –من جانب المسلمين -فذلك يعني أن المتعاقد معهم أخطأ في الاتفاق مع من يمثل المسلمين ، وأنه اتفق مع المنافقين الذين يستهزئون بتلك الشعائر والعهود .
فالمسلمون يُنظر إليهم كوحدة واحدة ، عندما تكون لهم قيادة تجمعهم على الحق ، وذلك لأن من شعائر دينهم "الجندية" بمعنى ارتباطهم بقائدهم وقيادتهم بالسمع والطاعة ، عندئذ تكون لهم كلمة واحدة ، وعهدهم واحد ، بل إن عهد أدناهم يلزم جميعهم ، يقول النبي r (الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ)[33]، الأمر الذي يجعل المسلمين لحمة واحدة كالبنيان المرصوص ، فلا يُنظر إليهم على أنهم أهواء شتى ، وإنما يُنظر إليهم من خلال قيادتهم ، فإذا اتفق الناس مع قادة المسلمين على عهد أو ميثاق فإنه ينفذ علي جموع المسلمين ، حبا لا غصبا ولا كرها ، ذلك أن حالة الجندية والقيادة هي حالة اجتماعية يتميز بها المسلمون ، وموروث ديني ، وثقافة شعبوية يعيشها المجتمع المسلم قيادة وجيشا ، وليس أدل على ذلك من أن قائد المسلمين نفسه يحترم كذلك عهد الجندي التابع له ، مثلما حصل لما أجارت أم هانئ مشركا ، فأجاز رسول الله r حمايتها له بقوله r (قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ)[34] ، ولذلك لا يمكن الاحتجاح على المسلمين بعهد ، وليس لهم قيادة تجمعهم ، وليس لهم جيش يحاسب المخطئ ويدافع عنهم ، فإذا توفر للمسلمين هذان العاملان "احترام الشعيرة" ، "الجيش النظامي " يمكن القول بأن الأمة المسلمة مدينة للعالم بأسره بالسلم والأمن والامان الدولي بإذن الله .
ولذلك فإننا في هذا الصدد سوف نقسم هذا المحور لمبحثين على النحو التالي : -
المبحث الأول : شعائر الإسلام تحض على أمان أهل الكتاب
المطلب الأول : شعائر العادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
الأولى : الحق في "الحل والتحريم" خالص لله وحده
الثانية : دائرة التحريم في الإسلام محددة
الثالثة : دائرة الحل في الإسلام واسعة
المطلب الثاني : شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
المبحث الثاني : أثر التربية العسكرية في الإسلام على ضمان العهود والسلام مع الآخرين
المطلب الأول : البيعة لإمام شرعي ضامن للمواثيق والعهود.
المطلب الثاني : دور ولاة الأمور في القيام بفروض الكفاية والشهادة عليها بالقسط.
المطلب الثالث : أثر العهود السياسية على السلم والأمن الدوليين .
شعائر الإسلام تحض على أمان أهل الكتاب
لم يكن الإسلام يوما مجرد شعائر تعبدية منبتة الصلة عن حياة الناس وعاداتهم ، فالإسلام كما أنه يرسخ عقيدة التوحيد الصحيحة القائمة على الإخلاص بالعبادة لله وحده ، فإنه كذلك شريعة محكمة تحكم سلوك الناس وتصرفاتهم المادية كما تهذب أخلاقهم وانفعالاتهم النفسية والشعورية ، فكما أن الإسلام يصحح معتقداتهم فإنه كذلك يصحح طريقة عيشهم وعاداتهم ، ويتجلى ذلك من خلال التأمل في شعائر الله سواء في مجال العادات "المطعم والمشرب والملبس والمنكح" ، أو في إطار العبادات ، سيما شعيرتي "الحج والطهور للصلاة" ، وفي تفصيل ذلك مطلبان : -
المطلب الأول : شعائر العادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
المطلب الثاني : شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
شعائر العادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
أراد الإسلام أن يميز المسلم في عاداته ، فسن له آدابا معينة حتى يمارس عاداته كالأكل ليس كما تأكل الأنعام ، بل وضع لها أحكاما محددة وضوابط للحل والتحريم ، وكذلك منكحه ، فلم يشأ أن جعل تناسل المسلم من خلال علاقة عابرة كما تتناسل الحيوانات ، بل وضع لهذه الغريزة الفطرية وسيلة شرعية لتصريفها وهي عقد الزواج ، وسماه ميثاقا غليظا ، فالشارع الحكيم هو الذي نظم هذا العقد ورتب آثاره نحو دقيق ، بما يستهدف الإحصان لكلا الطرفين ، وفي ذات الوقت تحمل مسئولية الأجيال القادمة التي تنشأ من تلك العلاقة ، ويندمج النشء ويتربى في إطار الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة ، فبالزواج تنشأ الأسرة التي هي النواة الأولى للمجتمع ، ثم تتوطد العلاقات الاجتماعية بين أبناء الأمم والشعوب والدول ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات/13) حتى وإن اختلفت ديانة الزوجة عن زوجها المسلم ، ففي إطار التنظيم الإسلامي لعقد الزواج تنعم هذه العلاقة الشرعية بمظلة الود والرحمة والأمن والأمان والسلم والسلام ، من هذا المنطلق نناقش في هذا المطلب ثلاث مسائل على النحو التالي :-
الأولى : "الحل والتحريم" حق خالص لله وحده ، وتدور مقاصده حول تحقيق "البر ومنع العدوان"
الثانية : دائرة التحريم في الإسلام "محددة ومحصورة"
الثالثة : دائرة الحل في الإسلام "واسعة" وهي "الأصل"
المسألة الأولى : "الحل والتحريم" حق خالص لله وحده ، وغايته تحقيق البر ومنع العدوان
قال تعالى (.. أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة 1-2)
لما كان الإسلام يلزم المسلم أن يتحرى عن الحلال والحرام في عاداته ، ويميز بينهما ، وفقا للضوابط التي شرعها الله له فيما يأكل ويشرب من حيث نوع المأكول ، وتوقيت الحل ، وتوقيت الحرمة ، وجعله رقيبا علي نفسه في ذلك ، حيث يتميز سلوك المسلم بالانضباط في الالتزام بشعائر الله ، ما يعد دليلا على قدرتهم على الانضباط كذلك مع الناس ، لأن التعود على الالتزام في تلك العادات المألوفة ، والعبادات الموصوفة ، لاسيما في عبادة الحج ، كالالتزام بالامتناع عن الصيد حال الإحرام ، حيث تنضبط سلوكياته في مسالة سفك الدماء بالنسبة للحيوان ، فإن ذلك يجعله أقدر على ضبط سلوكياته عند التعامل مع غيره من الناس من باب أولى ، أي أنه بهذه التربية يتحرر من نزعاته الشخصية وأهوائه الملتوية ، وكلما عظم شعائر الله تعالى في الحيوان - ولو كان صيدا صغيرا - كلما كان أكثر تعظيما لدماء الناس ، وأشد التزاما فيما يعقده من مواثيق مع بني جنسه من شعوب وقبائل متنوعة ، لاسيما إذا كانت تلك المواثيق دولية أو إقليمية .
قوله تعالى ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ ﴿المائدة/1﴾ تذكير بنعمة الله أن سخر الأنعام لبني آدم ، إذ نلحظ أن الإسلام قد عني بالحيوان باعتباره سلعة مسخرة للإنسان ، وهو أمر ثابت في قوله تعالى ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿النحل/5﴾ ، وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿المؤمنون/21﴾ ، وقوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿غافر/79﴾ ، لكن الإسلام قبل أن ينظر للحيوان على أنه سلعة مسخرة ألمح إلى أنه روح خلقها الله تعالى ، ولا يجوز للإنسان أن يعتدي عليها إلا بإذن من الله ، فأحل الله له أن يتنفع بها ، وهذا الانتفاع لا يطول إلى سفك دمها إلا بكلمة الله ﴿باسم الله﴾ ، فقد أحلت له بتلك الكلمة ، قال سبحانه ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ﴿الأنعام/121﴾ ، فلولا أن الله أذن له في ذبحها ما كانت حلالا له ، فطاب لحمها بالتذكية ، يقول سبحانه ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الأنعام/118﴾ ، قال رسول الله r (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ)[35]
فالدلالة المستفادة من لفظ ﴿أحلت﴾ أن الأصل في دماء الحيوانات أنها معصومة ، لكن الله أحل الأنعام منها لأجل منفعتنا بالطيبات ، ولولا أن الله تعالى استخلف الإنسان على الأرض وسخر الكون وأسجد الملائكة له لما كانت بهائم الأنعام حل له ، فأُحلت بكلمة الله ، فإذا التزم الإنسان منهج الله أضحى الكون كله مسخرًا له ، وحلت له كل الطيبات ، قال تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) ، فإذا لم يلتزم منهج الله وظلم وتعدى وأسرف ، فإن الله يُحْرَم عليه هذه الطيبات إما شرعًا أو كونًا ، فشرعا كما في قوله سبحانه ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿النساء/160﴾ ، وكونا وذلك بعدم تيسير أسباب الرزق الموصلة إليها ، فكم من مريض منعه الأطباء مما أحله الله له .
والمقصود ببهيمة الأنعام تلك (الحيوانات العشبية التي لا تأكل اللحم ،وليس لها ناب تمزقه به[36]) ،أي التي تُستأنس وتُربى، قال الجوهري (والنَّعَم واحد الأَنعْام وهي المال الراعية)[37] ، فيخرج من مفهوم بهيمة الأنعام كل الحيوانات المفترسة مثل (الأسد والنمر والذئب والثعلب والقرد..الخ) فهي ليست حلالا لعلة الافتراس وعدم الاستئناس من هذا الوجه.
وأصل بهائم الأنعام ثمانية أزواج أي أربع أصناف من الحيوانات ، لذا قيل بأن "الْأَنْعَامُ" (ذَوَاتُ الْخُفِّ وَالظِّلْفِ وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ) والغنم يشمل الضأن والماعز ، ويجوز أن يقاس عليها غيرها على تفصيل سوف يذكر ، وهذا الأصل ثابت في قوله تعالى ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ ﴿الزمر/6﴾ ، إشارة إلى أصناف الأنعام الأربعة التي ذكرها الله بقوله ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ ..﴾ ﴿الأنعام/142-144﴾ ،فذكر الضأن وأنثاه زوجان، وذكر المعز وأنثاه زوجان، والضَّأن: ذوات الصُّوف من المعز والغنم: ذوات الشَّعر، وذكر الإبل وأنثاه زوجان، وذكر البقر وأنثاه زوجان فيكون المجموع ثمانية أزواج .
ويتفرع عن هذه الثمانية – بقياس الشبه - عدة حيوانات تدخل ضمن التصنيف الإحيائي لمفهوم بهيمة الأنعام من حيث نظام التغذية والسلوك الحيواني والتشابه في التركيب الإحيائي مثل (الخيل والزراف والغزال والأرانب وفرس النهر والكنجرو) فتدخل في ذات المدلول قياسًا على الماعز والضأن والإبل والبقر من جهة التصنيف الإحيائي .
فأما الخيل فهو بين الجمل والغزال في الشبه ، فيقاس عليهما ، والدليل على حله ما روي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ r فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ) [38].
والزراف يسمى بالجمل النمري ، لشبهه به ، والغزال أشبه بالماعز كذلك ، والأرانب أشبه بالضأن من حيث الفم ، وتتغذى على النباتات ، ولا تأكل اللحم ، وحلها ثابت بالحديث عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغِبُوا فَأَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكَيْهَا أَوْ قَالَ بِفَخِذَيْهَا إِلَى النَّبِيِّ r فَقَبِلَهَا ) ، والكنجرو مثل الأرنب ، وفرس النهر مثل الجاموس .
ولا غرو أن يضع علماء الأحياء هذه الحيوانات في مجموعة واحدة لتشابهها في الحياة البيولوجية بما يسمى (الحيوانات الحافرية) وهو المقصود بمصطلح (بهيمة) كما جاء في المعجم ، حيث تتميز بنمو حوافرها وتكيفها للمشي السريع والركض بما يساعدها على الهروب من السباع المفترسة التي ليس لها حوافر ، أما السباع فلها مخالب تنقض بها على فريستها ، وهي من أضخم أنواع الثديات المجترة (Ruminantia) التي تأكل طعامها عن طريق عملية الاجترار ، كما تمتاز بنمط غذائها العشبي سواء أكانت في مجموعة مزدوجات الأصبع أو شفعيات الأصابع Artiodactyla أو في مجموعة فردية الأصابع [39].
فهذه البهائم ورد في حلها نصوص خاصة ، كالحمر الوحشية ، وذلك بخلاف الحمر الأهلية جاء على خلاف القياس لأنه ورد في النهي عن أكلها حديث صريح ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ) [40]، على ما سوف يرد تفصيلا في بيان المحرمات لعلة الرجس .
وبذلك فإنه وفقا لمفهوم المخالفة تخرج السباع المفترسة آكلة اللحم عن مدلول (بهيمة الأنعام) ، وتخرج عن حكم الحل الذي ذكره الله تعالى بقوله (أحلت) فيكون حكمها التحريم ، ولا يجوز أكلها ، وهذا الحكم ثابت كذلك بالحديث المروي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ)[41].
ليكون النبي r قد صنف الأحياء بحسب طبيعة أكلها إلى بهائم الأنعام التي تتغذى على النباتات ، وسباع وطيور مفترسة آكلة اللحم ، وبحسب هذه التفرقة يدور الحكم مع علته حلا وتحريما ، لأن "الناب" و"المخلب" أدوات تستعمل في صيد الفرائس وتمزيق لحمها ، ففي ذكرهما كناية على أنها آكلة اللحم ، فتحرم لتلك العلة ، فهو وصف ظاهر منضبط لتعليل الحكم والإتيان بالحكمة من النهي .
ولعل الحكمة – والله أعلم - من تحريمها ما أثبته علم التغذية الحديثة أن الشعوب تكتسب بعض صفات الحيوانات التي تأكلها لاحتواء لحومها على سميات ومفرزات داخلية تسري في الدماء وتنتقل إلى معدة البشر فتؤثر في أخلاقياتهم[42].
قال ابن القيم (ومن الناس من طبعه طبع الخنزير يمر بالطيبات فلا يلوى عليها ، فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمه ، وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوىء فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ونقله ، ومنهم من هو على طبيعة الطاوس ليس له إلا التطوس والتزين بالريش وليس وراء ذلك من شيء ، ومنهم من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوان وأغلظه كبدا[43] ، ومنهم من هو على طبيعة الدب أبكم خبيث وعلى طبيعة القرد ...، وأحمد طبائع الحيوانات طبائع الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسا وأكرمها طبعا ، وكذلك الغنم ، وكل من ألف ضربا من ضورب هذه الحيوانت اكتسب من طبعه وخلقه فإن تغذى بلحمه كان الشبه أقوى فإن الغاذي شبيه بالمغتذى ، ولهذا حرم الله أكل لحوم السباع وجوارح الطير لما تورث آكلها من شبه نفوسها بها والله أعلم )[44].
أما ما لا يعدو بنابه ولا بمخلبه على غيره فيخرج من حكمة النهي الواردة بالحديث ، وإن تحققت فيه علة النهي أي "الناب" ، ولذلك اختلفوا في حكم الفيل هل يعد من السباع أم لا ؟
وهو خلاف فقهي معتبر، ومن المعلوم أن الفيل لا يعدو بنابه على غيره ، وإنما يستعمله للدفاع عن نفسه مثل الكبش وقرن الغزال والثور .
قال الشافعي (المحرم من كل ذي ناب ما عدا على الناس كالنمر والذئب والأسد)[45] ، أي يعدو عليهم من "العدوان" ، وما شاكل ذلك "الضبع"
، فلا يصح القول بحله [46] عند البعض[47] وهو ما أرجحه[48].
كذلك فإن القوارض –كالفئران والسناجب- تعد من السباع ومن آكلات اللحوم .
والبرمائيات المفترسة التي تعيش أغلب حياتها على البر كالتماسيح[49] والضفادع[50] ، تدخل في معنى "السباع" ولا تعد من الحيوانات المائية ، فتخرج عن مفهوم (الحل ميتته) ، وقد ورد النهي عن قتل الضفدع كما سنبيه في حكم الميتة.
أما بالنسبة للطيور التي ليست ذات مخلب كالدجاج والعصافير والحمام واليمام والنعام والبط والأوز والطاووس .. فهذه يحل أكلها ، لأنها تدخل في "المدلول الواسع" لمعنى الأنعام ، فالإنسان يستأنسها ويربيها ولا تعدو عليه ولا على شيء لأنها ليست من آكلات اللحوم ، وتتغذى على الأعشاب
كما أشار القرآن إليها باعتبارها أشهى أطعمة أهل الجنة ، فقال تعالى (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ) (الواقعة/21) فعدت من الطيبات لتخصيصها طعاما لأهل الجنة ، وحكم الحل ثابت كذلك وفقا لمفهوم المخالفة الوارد بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ r عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ)[51]، فما ليس له مخلب يخرج من دائرة النهي ، لأنه لا يتغذى على اللحوم ، فلا يتعدى ، وقد ثبت أن النبي r أكل لحم طير ، فعَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَقُدِّمَ طَعَامٌ قَالَ وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ قَالَ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى قَالَ فَلَمْ يَدْنُ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى ادْنُ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَأْكُلُ مِنْهُ)[52] .
أما الطيور التي لها مخالب فلا يجوز أكلها لأنها من الجوارح ، وتتغذى على اللحم
كالعقاب والنسر والصقر والغربان والبومة والحدأة .
وفي قوله تعالى ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى﴾ تأكيد من الشارع الحكيم على ما سلف ذكره من تحريم السباع من الحيوان والطير ، والمقصود ما حرم بنص سواء في القرآن أو السنة وإن كان من بهيمة الأنعام ، وهو ما يعني إجمالا بنص القرآن (الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلِ لغير الله به) كما ورد في الآية (3) من السورة ، أي أنه إذا كان الأصل في بهيمة الأنعام أنها أحلت لنا باعتبار أنها مسخرة لنا ، فإن ما ورد النص على تحريمه منها ، يعود إلى للحكم الأول وهو حرمتها إلا بإذن الله ، وقد ورد النهي يعني أنه لم يأذن ، كلحم الحمر الأهلية ، فلا يجوز للإنسان أن يستحل دمها أو لحمها لتكون مطعما له ، وقد نهى الشارع عن ذلك صراحة ، فهي محرمة عليه تحريما مؤبدا ، والتزام المسلم هذا الضابط الذي وضعه الشارع بين ما أحله الله من البهائم وما لم يحله هو عين الإيمان .
ولا غضاضة في قتل ما يعدو منها على الإنسان لدرء خطره كالأسود والكلب العقود .... متى كان الدافع لقتلها إتقاء شرها على الناس ، وإن جاز دفع ضررها بأقل من ذلك لزم دفعه بما هو أقل ، لقوله r (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحُدَيَّا وَالْغُرَابُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)[53] ، وعني بهؤلاء الخمس أنها تعيش بين الناس ولذلك سماها فواسق لأنها تفسد طعام الناس ، وتعدوا على بيوتهم ، أما السباع فإنها تعيش بعيدًا عن الناس ، فإذا اقتربت من الناس جاز قتلها احترازا.
مسألة : للجلالة حكم استثنائي من الحل
والجَلاَّلة من الحَيوان : التي تأكل العَذِرَة والنجاسة والقاذورات[54]، وأمعاء الحيوانات والميتة ...الخ ، فيخرج من دائرة الحل بالنسبة لبهائم الأنعام – وما يقاس عليها من الطير - تلك التي تتغذى على القاذورات أو الميتة ، وتسمى بـ (الجلالة) فقد أظهرت السنة حكما خاصا بالنسبة لتلك الحيوانات والطيور ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا)[55] .
ويدخل تحت هذا المعنى جميع الحيوانات والطيور غير العشبية والتي تتغذى على اللحم ، لأن وصفها تغير بذلك ، فلم تعد من بهيمة الأنعام لأنهى لا تتغذى على المراعي ، وما يقدمه لها الإنسان من أعشاب ونباتات
وهو ما يقطع الجدل في شأن حكم أكل الحيوانات والطيور غير العشبية بإطلاق سواء لحقها هذا الوصف (الجلالة) بحسب طبيعتها أو بصفة عرضية ، فإن كانت كذلك بطبيعتها فلا تحل مطلقا ، كالضفدع لأنه من الحيوانات اللاحمة يأكل الحشرات والفئران والسلاحف وإن لم يكن له ناب[56] ، وكذلك الضبع[57].
أما ما يلحقه وصف "الجلالة" بصفة عرضية ، فإنها تحبس حتى يطيب لحمها ، فإذا طاب بعد مدة زمنية ، عندئذ يجوز أن تذكى ويؤكل لحمها ، قال ابن تيمية ، (فَإِذَا حُبِسَتْ حَتَّى تَطِيبَ كَانَتْ حَلَالًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِي لَبَنِهَا وَبَيْضِهَا وَعَرَقِهَا ، فَيَظْهَرُ نَتْنُ النَّجَاسَةِ وَخُبْثُهَا فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ عَادَتْ طَاهِرَةً فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِعِلَّةِ زَالَ بِزَوَالِهَا)[58].
والقرآن الكريم لم يفصل الأمر في سورة المائدة على نحو ما بينته السنة وشروح الفقهاء ، لأن محور السورة لا يدور حول أحكام الذبائح والأطعمة بقدر عنايته بأهل الكتاب ، وإخبارهم بشعائر المسلمين في العادات والعبادات ، وإنما استهلت السورة بذكر الذبائح توطئة لتمييز أهل الإيمان بشعائرهم عن أهل الكتاب ، فيعلمون أن من يوفون بنذورهم وشعائرهم هم أنفسهم الذين يوفون لهم بعهودهم وعقود الأمان والاستئمان ، وأن هؤلاء لا يخرجون عن جملة من يعظمون شعائر الله ، ومن ثم كان التركيز في سورة المائدة على إيصال معنى سيق اللفظ من أجله ، وهو التعريف بأن المؤمنين يراعون حقوق الله تعالى سواء أكان للنفس حظ فيها أم لا ، وبصرف النظر عن موضوع هذه الحقوق سواء أتعلقت بحيوان أم بإنسان أو المجتمعات ودول ، فكل ما جاء من الله شرع يلزمنا دون اعتبار لموضوعه ، لاسيما وقد أهلك الله قوم ثمود لما عصوا رسولهم وعقروا الناقة التي حرمها الله عليهم .
وفي قوله ﴿..غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ..﴾ بيان لحكم خاص يلتزم به "الْمُحْرِم" عند أداء شعيرة الحج أو العمرة حيث يُحَرَم عليه الصيد مطلقًا حتى يُتم حجه وعمرته ، وهو درس تربوي لتهذيب أخلاق المسلمين من خلال أداء هاتين الشعيرتين ، قال تعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) (البقرة/197) .
والمقصود بالصيد الممنوع أثناء الإحرام الوارد في الآية (صيد البر) وليس (صيد البحر) ، كما في قول تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ)(المائدة/96) ، فقد جعل الله من مناسك الحج الامتناع عن صيد البر حال الإحرام قال تعالى (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (المائدة/96) .
وتحريم الصيد يشمل ما صِيد لنفسه أو ما صاده غيره له ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r وَهُوَ حَرَامٌ قَالَ قَالَ أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ فَقَالَ إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ إِنَّا حُرُمٌ)[59] ، قال ابن الجوزي (وهذا محمول على أنه صِيد لأجله فلذلك امتنع من أكله)[60].
أما إذا لم يساهم المحرم في الصيد ولو بالإشارة فيحل له أن يأكل من الصيد إذا لم يكن قد صيد لأجله ، فعن أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا "أَتَانًا"[61] فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا وَقَالُوا أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ r قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا ثُمَّ قُلْنَا أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا قَالَ أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا قَالُوا لَا قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا)[62]، ولذلك اتفق العلماء على أنه (أنه لا يجوز للمحرم أكل الصيد إن صاده الحلال بأمره أو بإعانته أو بدلالته أو بإشارته)[63].
وتتجلى الحكمة من ذلك النهي التدريب على الالتزام بضبط النفس وكف اليد عن الحيوان وما أحله الله له من الطيبات ليكون المسلم أقدر على الالتزام بالوفاء بعقود والعهود ، فذلك دليل على خشيته لله ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المائدة/94) ، فكما أن الاعتداء على الحيوان حال الإحرام من حرمات الله التي توجب التهديد بعذاب الله ، فيكون من باب أولى تحريم دماء المعاهدين وعصمتها ، يقول النبي r (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)[64].
وفي قوله ﴿.. إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ أي أن إرادة الله تعالى هي الحاكمة ، قال الواحدي (يحلُّ ما يشاء ، ويحرِّم ما يشاء)[65] ، قال أبو حيان (فموجب الحكم والتكليف هو إرادته لا اعتراض عليه ، ولا معقب لحكمه ، لا مراعاة المصالح)[66] ، وإن كانت مرعية في كل ملة ، قال الألوسي (ليرض السالك بحكمه ليستريح ، ويهتدي إلى سبيل رشده)[67]
فحينما يتفكر المسلم في التحريم المؤقت حال الإحرام ، ويقارنه بالحل المؤبد في غير الإحرام ، فإذا انقضى إحرامه تذكر نعمة الله عليه بتسخير تلك البهائم له حال الحل ، فيشرع في عبادة ربه على النحو المطلوب شرعا متذكرا نعمة أن الله أحل له بهيمة الأنعام ، ولولا أن الله أحلها - شرعا- لما حلت له .
وفي قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾ عاد النداء مرة أخرى للمؤمنين للتأكيد على الحكم التكليفي للمحرم ، بنقل حكم "الأنعام" - إذا كانت محلا للهدي - تلك التي أحلها الله تعالى للمسلم -من دائرة الحل إلى دائرة الحرمة المؤقتة أثناء أداء مناسك الحج أو العمرة ، وذلك متى سيقت هذه الأنعام للهدي فقُلِّدت بقلاة لتتميز بها عن غيرها من الأنعام فلا يقربها أحد حتى يوم النحر
فعَنْ الْمِسْوَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (قَلَّدَ النَّبِيُّ r الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ)[68] ، (ومعنى "القلادة " عند أهل العلم ما يعلق في الأعناق من القلائد)[69] ، (و"التقليد" فإنه بالنسبة للغنم، بأن تُقلَّد إما قطعةً من الثياب أو نعلين أو ما أشبه ذلك مما يدل على أنها هدي .
و"الإشعار" (يكون بجرح الهدي جرحا صغيرا يسيل منه الدم ، ويتلون به جسد البدنة ، ليشعرها بأنها هدي) [70] ، ولعلها تفرح ويطيب لحمها ، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ r الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ وَسَلَتَ الدَّمَ وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ)[71]
قال العلماء ("إشعار الهدي" أن تُضرَب صفحة السنام من الإبل حتى يسيل منها الدم)[72] ، أي (أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دمٌ ، ثم يسلته ، فيكون ذلك علامة على كونها هديًا، وبذلك قال الجمهور من السلف والخلف)[73] .
و"صفحة السنام" (جانبه .. والمراد بالصفحة الجانب ، فكأنه قال جانب سنامها الأيمن ، ففي هذا الحديث استحباب الاشعار والتقليد في الهدايا من الابل وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف)[74]
قال ابن الجوزي (أصل "الإشعار" العلامة وإنما يفعل هذا بالهدي ليُعلم أنه قد جعل هديا ، وإشعار الهدي وتقليدها سنة عند أكثر العلماء ، وسبيل الإشعار سبيل الكي والوسم ليعرف بذلك المالك ، وكذلك الإشعار ليعلم أنها بدنة فتتميز وتصان)[75] .
وقال النووي (وأصل الاشعار والشعور الإعلام والعلامة ، وإشعار الهدى لكونه علامة له ، وهو مستحب ليُعلم أنه هدى فإن ضل رده واجده ، وإن اختلط بغيره تميز ،ولأن فيه إظهار شعار ، وفيه تنبيه غير صاحبه على فعل مثل فعله)[76]
فـ "الإشعار" و"التقليد" من أجل أن يَعرفها من رآها، ويقول: إنها هدي، فلا يتعرض لها بسوء)[77] ، وذلك حتى يعرف أصحابها إذا اختلطت معا.
وهذه شعيرة مرتبطة بتحقيق مصلحة عامة ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الحج/36) حيث تكون طعاما للفقراء وذي الحاجة ، كما تكون هدية للقانعين تحببا إليهم وتقربا لهم ، مما يقوي الروابط الاجتماعية على كل المستويات.
فالهدي وكذا "الأضحية" التي تذبح أو تنحر يوم العيد ، تكون طعاما للحجاج والفقراء والبؤساء، قال تعالى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج/28) ، وفي ذلك تعظيم لشعائر الله وحرماته قال تعالى﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ ﴿الحج /٣٠﴾ ، وقال﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ﴿الحج /٣2﴾ .
وفي إتباع هذه السنة تذكير للإنسان بنعمة تسخير الله هذه المخلوقات لنا ، فهي مسخرة بأمر الله ، ولولا أن الله سخرها لما حُلت لنا ، فالإنسان اعتاد على الأكل والشرب والصيد والنكاح ، ولكن أوامر الشرع تدخلت في عاداته على نحو معين ، لتحل له الطيبات وتحرم عليه الخبائث ، كما تحرم عليه بعض الطيبات تحريمًا مؤقتًا عند أداء مناسك الحج أو العمرة ، فلا يباح له الصيد حال الإحرام ، وعندئذ تدخل هذه العادات ضمن شعائر الإسلام ، لتصبح عبادة مخصوصة ، وهي قبل أن يجعلها الشارع من الشعائر كانت عادة محضة (الصيد) ، فكل عادة تصير إلى عبادة بالنية الصالحة ، لكنها ولكونها أضحت محلا لخطاب الشارع على وجه مخصوص ، أضحت شعيرة من الشعائر ، وأضحت لها مكانتها بين العبادات بتوقيف الشارع ،قال تعالى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (الحج/36) ، فلا يجوز له أن يحل الهدي قبل أوانه ، ولا أن يبطل شعيرة من شعائر الإحرام قبل ذلك ، بل علي المحرم أن يلتزم الحظر كاجتناب الجماع وحلق الرأس والصيد أو الذبح أو النحر للهدي قبل أوانه أو لبس المخيط ..الخ حتى يبلغ الهدي محله ، كما في قوله (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) .
لكن يجوز القيام بأعمال الهدي استقلالا عن الدخول في الإحرام ، وهو ما فعله النبي r بالمدينة المنورة ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ r ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا أَوْ قَلَّدْتُهَا ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلٌّ)[78]
أي أن السيدة عائشة كانت تصنع الأطواق وتفتلها (تجمعها وتلفها) ليضعونها على هدي النبي r فكانت تعدّ «قلائد الهدي» للنبي r ، وهي الأطواق التي توضع على رقاب الهدي ليعرف أنه مهداة للكعبة ثم كان النبي r يُشعر هذه الهدايا (يضع علامة عليها) ويقلّدها بها، ثم يبعث بها إلى مكة، بينما يقيم هو في المدينة وهو غير مُحرِم ، فكان يفعل في المدينة كل شيء يفعله غير المحرم من جماع وغيره ، قال النووي (ولم يترك شيئاً كان حلاً له ، أي: من الجماع ولبس المخيط وكل الأمور التي يمنع منها المحرم، فلم يمتنع منها رسول الله r ؛ لأنه لم يكن محرماً، فإرسال الهدي لا يعتبر إحراماً، فالإحرام هو نية الدخول في النسك)[79]، وفي الحديث دليل على أن الرجل لا يصير محرما بتقليد الهدي ، وهو قول أكثر أهل العلم .
لكن ذهب قوم إلى أنه إذا أراد الإحرام ، فقلد الهدي وجب عليه ، وهو قول الثوري وأحمد ، وإسحاق وأصحاب الرأي ، وروي عن ابن عباس أنه قال : من أهدي ، هدياً حرم عليه ما يحرم على الحاج ، وعن ابن عمر أنه قال : (إذا قلد هديه ، فقد أحرم ، وبه قال عطاء)[80]، ولعلهم يقصدون من ذلك أنه إذا قلد الهدي بنيه الدخول في الإحرام وجب .
ويستدل من الحديث كذلك جواز التوكيل في أعمال الهدي ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (رُبَّمَا فَتَلْتُ الْقَلَائِدَ[81] لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ r فَيُقَلِّدُ هَدْيَهُ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهِ ثُمَّ يُقِيمُ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ)[82]، قال ابن بطال (والحديث في الوكالة فى البدن – أي الهدي - وفى كل ما يجوز للإنسان أن ينوب عن غيره فيه منابه من الأعمال جائزة ، لا خلاف فى شىء من ذلك)[83]
قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ..﴾ والمعنى المتبادر للذهن في هذا الخصوص هو تعظيم حرمة دم الأنعام والأبدان التي يسوقها الحجاج والمعتمرين لمكة لأداء شعائر ومناسك فريضة الحج والعمرة ، وكذلك تعظيم حرمة دم الإنسان من أن يسفك احتراما للاتفاقيات الدولية ، فيكون دم الكافر معصوما بهذه العقود ، وترتفع حرمتها إلى درجة الشعائر ، لاسيما في البيت الحرام والأشهر الحرم ، ورغم أن فكرة الأشهر الحرم كانت في الأصل عادة من عادات العرب في الجاهلية قبل الإسلام ، حيث اتفقت القبائل مع بعضها البعض على هدنة مؤقتة خلال هذه الأشهر ، فلا يستحل بعضهم دماء بعض وليتوقف القتال والتناحر الدائر بينهم طوال العام لأجل ترك فترة زمنية معقولة للناس يأمنون خلالها على تجاراتهم وأموالهم فتسير عجلة الحياة ، وقد تعذر العيش طوال العام في قتال مستمر ، فما كان من الإسلام إلا أن أقر هذه الاتفاقية لما من شأنها من توطيد معنى السلام العالمي ، وبما يتفق مع دعوته ، ولذلك نزل قول الله تعالى (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (التوبة/4-5) .
وعن النبي قال r (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)[84]، وقد انتهز النبي r هذه المناسبة فأشار إلى حرمة الدماء لا سيما في الشهر الحرام والبيت الحرام ، متخذًا من حرمة الهدي وتدريب المسلمين على تعظيم شعائر الله توطئة للحديث عن هذا الموضوع ، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أن النَّبِيَّ r قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ -بِزِمَامِهِ - قَالَ (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ ؟ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ ؟ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا)[85] .
وإذ تناولت سورة المائدة أهل الكتاب بالذكر وكانوا هم المحور الأساسي لهذه السورة فإنها أوصت بوجوب الإيفاء بحقوقهم وعدم الجور عليهم ، فألمحت إلى هذا المعنى بوجوب التزام شعائر الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ ، فكان من شأن العطف بين "الهدي" – وهي الذبائح التي يهديها الحاج للفقراء – والشهر الحرام الذي أقر النبي r وقف القتال مع المشركين فيها ، تلك الأربعة المذكورة سفا ، وكذا حرمة البيت الحرام وعدم تعرض القادمين إليه بأذى حتى لو كان عليهم دم حتى يخرجوا منه ، كل ذلك كان تعظيما لشعائر الله تعالى ، قال تعالى ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ﴿الحج/32﴾ كل ذلك ليؤكد لأهل الكتاب ويطمئنهم أنهم طالموا تعاقدوا على السلم مع مسلمين الذين يحترمون شعائر الله في الهدى والأضحية ، فإنهم كذلك سوف يحترمون عهدهم لأن الله ساوى بين الأمرين في آية واحدة .
أما إذا كان الأمر بخلاف ذلك ووجدوا ممن تعاقدوا معهم عدم احترام لشعائر الدين وأحلوا لأنفسهم الهدي والقلائد أو انتهكوا حرمة البيت الحرام ، فليس لهؤلاء الناس كلمة على المسلمين ، إذ ليس بعصي عليهم أن ينتكهوا كذلك حرمة الأشهر الحرم ويسهل عليهم أن ينقضوا مواثيق السلام بينهم وبين أهل الكتاب ، فكان على أهل الكتاب أن يتحققوا من صفة من يعقدون معهم اتفاق سلام ، إذ عليهم أن يعلموا أن من ينقضون المواثيق معهم ليسوا نقباء عن أمة محمد r ، وإنما صادف إيجابهم قبول المنافقين الذين يتلبسون بمظهر الإسلام ، والإسلام منهم براء ، فليس عهدهم بحجة على المسلمين , كما أن نقضهم للعهد ليس بحجة عليهم كذلك .
وفي قوله ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ﴾ توسيع لأمان الإسلام ليمتد إلى القاصدين البيت الحرام ، وتخصيص مكة المكرمة بأن من يدخلها يكون آمنا على نفسه وماله وعرضه ، قال تعالى (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) (آل عمران/97)
فمن كان عليه دم وقصد البيت الحرام يجب أن يُؤمن حتى يخرج منها ، لاسيما إن كان قاصدًا أداء مناسك الحج والعمرة ، فيؤجل القصاص منه حتى يخرج منها ، وقبل أن يخرج من الحرم المكي لا يجوز أن يمس بسوء احترامًا لحرمة البيت الحرام
بذلك وسع الإسلام من دائرة السلام والأمان سواء مكانيًا أو زمانيًا أو في أحوال معينة كالإحرام بالحج أو العمرة ، يقول رسول الله (إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ فِيهَا فَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ) [86].
واستثناءً من مبدأ السلام والعهد ، فإن تحقيق السلام يتطلب كذلك أن يقبض على المجرمين أيا كانوا في أي وقت دون أي حصانة للشخص أو للمكان أو الزمان ، فعن عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ قَالَ (إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ[87])[88].
وقد فرق ابن قدامة في مسألة القصاص بين من يجني جناية خارج مكة ثم يدخلها ، ومن يجني جناية بها ، فقال (مَنْ جَنَى جِنَايَةً تُوجِبُ قَتْلًا خَارِجَ الْحَرَمِ ، ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِيهِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ) ، وهذا لا يمنع من القبض عليه لإستيفاء الحد منه خارج الحرم .
وقال (وَأَمَّا غَيْرُ الْقَتْلِ مِنْ الْحُدُودِ كُلِّهَا وَالْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ
إحْدَاهُمَا : لَا يُسْتَوْفَى مِنْ الْمُلْتَجِئِ إلَى الْحَرَمِ فِيهِ
وَالثَّانِيَةُ : يُسْتَوْفَى ..... وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُسْتَوْفَى مِنْهُ فِيهِ ؛ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِجَلْدِ الزَّانِي ، وَقَطْعِ السَّارِقِ ، وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان) .
وهذا بخلاف من أرتكب جريمة بالحرم فإنه يقاد منه ، قال ابن قدامة (وَمَنْ قَتَلَ أَوْ أَتَى حَدًّا فِي الْحَرَمِ ، أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ) (وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ ، بِجِنَايَةٍ فِيهِ تُوجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّهَا ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا) [89]
وحجته في ذلك قوله تَعَالَى : (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ)(البقرة/191) ، وقال (فَأَبَاحَ قَتْلَهُمْ عِنْدَ قِتَالِهِمْ فِي الْحَرَمِ ؛ وَلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ يَحْتَاجُونَ إلَى الزَّجْرِ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَغَيْرِهِمْ ، حِفْظًا لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ ، فَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ الْحَدُّ فِي حَقِّ مَنْ ارْتَكَبَ الْحَدَّ فِي الْحَرَمِ ، لَتَعَطَّلَتْ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ ، وَفَاتَتْ هَذِهِ الْمَصَالِحُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهَا ؛ وَلِأَنَّ الْجَانِيَ فِي الْحَرَمِ هَاتِكٌ لِحُرْمَتِهِ ، فَلَا يَنْتَهِضُ الْحَرَمُ لِتَحْرِيمِ ذِمَّتِهِ وَصِيَانَتِهِ ، بِمَنْزِلَةِ الْجَانِي فِي دَارِ الْمَلِكِ ، لَا يُعْصَمُ لِحُرْمَةِ الْمَلِكِ ، بِخِلَافِ الْمُلْتَجِئِ إلَيْهَا بِجِنَايَةٍ صَدَرَتْ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا)[90].
وفي قوله تعالى﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ رفع لحظر الصيد –المؤقت- بعد الإحلال من مناسك الحج ، أي حال أدائها والفراغ منها ، فحين يتحلل المحرم من إحرامه متى أتم حجه أو عمرته عندئذ يعود لحل الصيد ، وإنما حرم الصيد حال الإحرام بقوله تعالى (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ)(المائدة/1) ، وعليه فإن الأمر الوارد في قوله (فاصطادوا) ليس معناه الوجوب ، وإنما لرفع الحظر ، والعودة للحكم الأصلي وهو الإباحة .
بذلك يتذكر المسلم نعمة الصيد وتذكية الحيوان ، وفضل الله عليه أن سخر له الحيوان ليتقوى به على عبادة الله ، ولولا أن الله سخرها وأحلها لما حق له أن يستهدفها صيدا ويستحلها مطعما ، حيث ينتهي بذلك تدريبه العملي على السلم والسلام وكف اليد عن الحيوان إلا بإذن من الله ، ليكون بعد حجه أقدر على كف يده عن أي إنسان معاهد ومعصوم الدم .
قالوا عن الصيد أنه لهو الملوك ورياضتهم، وأنه يُعلّم الدقة والصبر ويُزيل الهم .
(فمن قومكَ الصِّيدُ صيدُ الملوكِ ومن قومها الأسدُ أسدُ الشرى)[91]
(صيد الملوك الصيد بالكواسر ** والخيل في وجه الصباح السافر )[92]
وقال خليل جبران [93]: -
( ألصيد لهو الملوك من قدم ** والنجب النابهين في الأمم )
( مزيلة للهموم باعثة ** من الركود المذيل للهمم )
( تهيء المرئ في تنزهه ** ليأخذ العيش أخذ مغتنم )
( هل مثل وجه الصباح مبتسما ** يريه للدهر وجه مبتسم )
( اي انشراح للصدر في نقل ** بين الربى والنجوع والأجم )
( وفي اجتلاء الفتى محاسنها ** إن ينطلق هاديا وإن يهم )
( وهي تقفيه ما يطارده ** وفي توقيه زلة القدم )
( وفي رمياته يوزعها ** من غير ضن بها ولا ندم )
( فتيان مصر اقتدوا بسيدكم ** ذي البأس في حينه وذي الكرم )
( في عزة الملك غير أن به ** لكل حال نشاط معتزم )
وفي قوله ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ﴾﴿المائدة/2﴾ خطاب للذين التزموا حدود الله تعالى في الأطعمة ، أن يلتزموا حدود شرعه بالعدل مع عدوهم ، أولئك الذين حرموا على أنفسهم ما حرمه الله عليهم ، والتزموا شعائر الحج والعمرة ، وامتنعوا عن الصيد حال الإحرام ، فهؤلاء أحرى بهم أن يطبقوا شرع الله فيمن يعادونهم ممن منعوهم من قبل أن يباشروا شعائر الحج والعمرة في المسجد الحرام , وذلك رغم أن الله وصفهم بالكفر والصد عن سبيل الله ، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (الحج/25) ، لأن الله تعالى لما فتح مكة للنبي r دون قتال ، واستسلم أهلها دون مقاومة تذكر ، حض المؤمنين أن يلتزموا العدل مع المشركين وإن كانوا قد صدوهم من قبل عن المسجد الحرام صارفين النظر عن عداوتهم السابقة معهم – وذلك بعد أن تأهلوا لذلك بالتدريب من خلال شعيرة الإحرام للحج - ، وغاية النهي ألا تحملهم عداوتهم لمشركي مكة الذين اضطهدوهم في الدين على أن يبغوا أو يعتدوا عليهم .
قال الشنقيطي (في هذه الآية دليل أن علي المسلم أن يعامل من عصى الله فيه، بأن يطيع الله فيه)[94]، فالحق سبحانه يريد من المؤمنين أن ينظروا للأمور بنظرة متجددة بعدما تغير الحال والمآل ، فقد آل إليهم الحُكم في مكة اليوم ، وأضحوا هم الأقوياء لا المستضعفين ، فلا ينبغي أن يكون تذكرهم مواقف كفار مكة معهم بصدهم عن المسجد الحرام فيما مضى حامل لهم على عدم الإنصاف معهم .
كما علل الشعراوي الحكم الوارد في هذه الآية بقوله (إنكم أيها المؤمنون قد أخذتم من الله القوامة على منهجه في الأرض ، والقائم على منهج الله في الأرض يجب ألا تكون له ذاتية ولا عصبية أسرية ، ولا عصبية قبلية ؛ لأنه جاء ليهيمن على الدنيا كلها ، ومن الصَّغار أن ينتقم المؤمن من الكافر عندما يأتي إلى بيت الله ، ولا يليق ذلك بمهمة القوامة على منهج الله) [95].
وهذا الحكم ينطبق على كل عدو أضحى في قبضة المسلمين بعد أن كان من قبل يعاديهم ويؤذيهم ، ويصد عن سبيل الله ، حيث يُطبق عليه ميزان الشرع والعدل بكف الإعتداء عنه لإثم اقترفه فيما مضى متى وقع فتحا لا حربا.
والاستثناء الحاصل للنبي r فقد حصل ساعة من النهار وهو خاص بهr يوم فتح مكة لإتمام الفتح، ثم عادت الحرمة فوراً ، حيث حُرِّمَ القتال والاعتداء على حرماتها قبل ذلك ولن يحل لأحد بعدها، وكان هذا الاستثناء خاصًا به
قال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ وَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إِلَّا الْإِذْخِرَ)[96]
وعن أبي هُرَيْرَةَ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ فَقَالَ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ r حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي وَرَسُولُ اللَّهِ r فِي كَتِيبَةٍ قَالَ فَنَظَرَ فَرَآنِي فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ ، فَقَالَ اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ قَالَ فَأَطَافُوا بِهِ وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا فَقَالُوا نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا ، قَالَ فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ ثُمَّ قَالَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ... قَالَ فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ قَالَ وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ r حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ قَالَ فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ قَالَ وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ r قَوْسٌ وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُهُ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ)[97]
وإنما يؤخذ القصاص ممن عرف عنهم أنهم مجرمي حرب ، أو من كان عليه قصاص منهم دون عدوان ولا بغي ، ولذلك كان ممن أمر النبي r بقتلهم من أهل مكة ممن كان عليهم الدم فيما مضى ، أربعة ، ذُكِروا في حديث مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ (لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ r النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَقَالَ اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ
- عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ
- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ
- وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ
- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ)[98].
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِىَّ r دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ [99] فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ «اقْتُلُوهُ» فَقَالَ مَالِكٌ نَعَمْ)[100].
وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله r أخرج عبد الله بن خطل من بين أستار الكعبة فقتله صبرا ثم قال : (لا يقتل أحد من قريش بعد هذا صبرا)[101] ، "صبراً" : تعني (أن يُؤسر الجاني ويُحبس ثم يُقتل، وليس يُقتل في ساحة المعركة) قيل أن هذا في حق رجال قريش إلى يوم القيامة إكرامًا لهم وحفظًا لمكانتهم ، ولعل المراد أنهم لن يعودوا ليرتكبوا أفعالًا تستوجب هذا النوع من القتل في المستقبل) ، وقيل: أن المرادُ بهذا الحديثِ (الإعلامُ بأنَّ قُرَيْشًا يُسلِمون كلُّهم، ولا يَرْتَدُّ أحدٌ منهم كما ارْتَدَّ غيرُهم بعدَه r مِمَّنْ حُورِبَ وقُتِلَ صَبْرًا).[102]
وفي قوله تعالى﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ تصريح بوجوب التماس كل ما يؤدي إلى البر والتقوى والتعاون على ذلك ، يقول النبي (وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)[103].
والأصل أن التعاون هو ما يهدف إليه الجميع ، قال القرطبي (هو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى)[104] ، وهو ما يفتح بابا واسعا لتعاون المسلمين مع غيرهم لتحقيق أعمال البر الإنساني ، فكل ما يحض على الخير يقبل التعاون والاشتراك ، سواء حصل من مسلم أو من غيره.
يقول الشيخ الشعراوي (هذه الآية هي التي تجعل مسألة الإيمان قضية عالمية ، وكلمة «تعاون» على وزن «تفاعل» ، والتفاعل يأتي من اثنين ، فمسائل الحياة أكثر من أن تستوعبها موهبة واحدة ، والتعاون خصص لكل إنسان عملا يقوم به ، فهناك متخصص في كل جزئية يحتاج إليها الإنسان من أوجه احتياجات الحياة ، والحق يأمر بالتعاون ليسير دولاب الحياة ، ويستفيد الإنسان من كل المواهب لقاء إخلاصه في أداء عمله ، وهذا هو التفاعل الذي تحتاج إليه أقضية الحياة التي شاءها الله للإنسان الخليفة في الأرض ، والمطالب أن يعبد الله الذي لا شريك له ، وأن يعمر هذه الأرض ، فلا بد أن تتكاتف الطاقات كلها لإنشاء عمارة الكون ، وهكذا تتعاون طاقات كثيرة لبناء واحد ، ولا تتحمله طاقة إنسان واحد ، فالتعاون أمر ضروري للاستخلاف في الحياة) [105].
وأشكال التعاون على الخير كثيرة ومتنوعة ، وقد عددها النبي r وقد عد منها صورا فقال r (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)[106]
وكان النبي r يشارك الصحابة ويعاونهم في الأعمال ، رغم أنه نبيهم وقائدهم ، ويكفونه العمل ، فعَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ r يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حَتَّى وَارَى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللَّهِ : -
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الْأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ)[107]
ولا منافاة في المعنى بين قوله تعالى (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) وقوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فالذي يستفاد من قصر الاستعانة على الله وحده ، توكل القلب على الله وحده ، لأن الله هو المسبب ، وهو الفاعل على الحقيقة ، لكن الإستعانة مسبوقة بالتعبد ، والتعبد يعني التماس الأسباب المشروعة التي ترضي الله تعالى ، وذلك بتنفيذ أوامره وترك نواهيه ، ومن جملة أوامره (التعاون) ، فيكون "التعاون" من باب التماس الأسباب المشروعة والمؤدية لما يرضي الله تعالى دون الانشغال بنتائجها الدنيوية ، فيحقق العبد بذلك العبادة مع الاستعانة
قال ابن القيم (سر التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب علي الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون اليها)[108].
وفي قوله ﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ نهي عن الاشتراك في كل ما فيه إثم أو عدوان ، وهو ما يعني أن المسلمين لابد وأن يسبروا عن كل اتفاقيات دولية قبل أن ينضموا إليه ، فيعرفوا مآلاتها ، ولا ينخدعوا بظاهرها ، فينضموا إلى ما فيه إعانة على الخير العام للبشرية ، ولا يقبلوا أبدا أي اتفاق يضاد ذلك ، مهما كانت النتائج والمبررات .
والخوض في الإثم والعدوان والاستمرار فيه هو نتيجة حتمية لترك التعاون على البر والتقوى ، والعكس كذلك صحيح ، فالتعاون على الحق يزيح أي تعاون على الشر ، فإهمال التعاون على البر يؤدي حتما إلى المشاركة في الإثم والعدوان ، فلا حياد إزاء تبني قضايا الخير والشر ، فمن لا ينضم إلى تأييد الخير والسعي على نشره يساهم بطريقة غير مباشرة في زيادة الشر واضطراده ، فالعالم بين قوتي جذب ، فإذا لم يعلن المسلم انتمائه لطرف الخير ، ويعمل على أن يجتمع المسلمون على كلمة واحدة ، فإنه لابد وأن يستقطب أهل الشر الشرذمة المتفرقة من المسلمين إليهم ، مثلما تنجذب برادة الحديد للمجال المغناطيسي .
لأنه كما أن أهل الخير يحتاجون إلى من يعاونهم على الخير ، فكذلك أهل الشر يحتاجون إلى من يعاونهم على الشر ، أما من يتخير موقفا وسطا أو محايدا إزاء قضايا الخير ، فلا يعين أهل الخير ، ولا أهل الشر ، فإنه سوف يجد نفسه بعد فترة يعين أهل الشر وهو لا يدري ، لأنه كما هو معلوم أن أهل الشر يعاون بعضهم بعضا ، فيستقوون بتلك الإعانة على أهل الخير وتكون الغلبة لهم ، أي الغلبة لمن يتعاونون فيما بينهم على من لا يتعاونون .
ولذلك حض النبي r على الجماعة فقال r (يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض)[109] ، يعني أن من يفارق جماعة المسلمين ولا يتعاون معهم ، فإن الشيطان يمد إليه يده ليحمله على الإثم والعدوان ، وبمعنى أخر أن المسلمين إذا لم يتعاونوا مع بعضهم البعض في أحلاف واتفاقيات ومعاهدات سياسية وتجارية واقتصادية ، فإن أهل الشر سوف يستقطبونهم للعمل معهم على الشر وإن خدعوهم وأوهموهم بأنه خير ، وهكذا يحملون المسلمين على أن ينضموا لهم بشروطهم التي تمثل إثما وعدوانا ، ولن يكون لهم خيار بعد ذلك ، وقد جُرفت أقدامهم لهذا المنزلق الخطير ، مثل وضع قوات غير مسلمة في بلدانهم بحجة حفظ الأمن في تلك البلاد ، فيكون استعانتهم بغير المسلمين سببا لتكثير سواد المشركين في جميع أنحاء العالم ، وتثبيت لأقدامهم ، وهم لا يدرون .
المسألة الثانية : دائرة التحريم في الإسلام محصورة
قال تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة/3)
قوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ) استئناف لشعائر الإسلام في إطار العادات ، لاسيما " الأكل "، وتفصيل للاستثناء الوارد ذكره إجمالا من قوله تعالى (إلا ما يتلى عليكم) ، وهذا ما يتلى علينا من المحرمات ، والمستثنى منه (ما أحله الله من بهيمة الأنعام) ، فيكون تفصيل التحريم وارد بتلك الآية (الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ....) على النحو التالي : -
أولا (الميتة) : تلك الأنعام التي لم تذكى ذكاة شرعية ، بمعنى أنها لم تذبح على الطريقة الإسلامية ، أي لم يُسفح دمها ويهراق قبل أن يأتيها الموت ، فلا يزال الدم محبوسا في بدنها ، حتى وإن كانت من بهيمة الأنعام ، قال الشيخ عبد المحسن العباد (الميتة هي كل ما أزهق روحه من غير ذكاة، وإذا أزهقت بذكاة لا تكون ميتة ، وهذا إنما يكون في مأكول اللحم، أما غير مأكول اللحم فذكاته لا تجعله غير ميتة بل هو ميتة ذكي أم لم يذك، وإنما الذي يأكل لحمه إذا لم يذك صار ميتة وإذا ذكي صار حلالاً)[110]، وحكمها محرم أكلها ، فمحل التحريم هنا الأكل منها لا غير .
وميتة الحيوان كل حيوان مات دون أن تتوافر فيه الشروط الشكلية ولا الموضوعية للتذكية : -
فالشروط الشكلية للذكاة : تتمثل في "التسمية" لقوله (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام/121) ، وفيه مسألتان : ذكاة المجنون ، وذكاة أهل الكتاب ، فأما ذبائح أهل الكتاب فيفرق بين الذميين وغير الذميين ، وفي ذلك تفصيل سوف نبينه في قوله (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ)[111].
وأما ذكاة المجنون فلا تحل ، قال ابن عثيمين (ذبح المجنون لا يحل أكله؛ ما ذبحه. أقول: إنَّ ذبح المجنون ليس بصحيح؛ وذلك لأن من شروط الذكاة قصد التذكية، والمجنون لا يصح منه القصد؛ لأنه ربما تفوته التسمية .
كما أنه ربما يفوت عليه قطع ما يجب قطعه عند الذكاة؛ وهما الودجان، فإن الودجين -وهما العرقان الغليظان اللذان يبرز منهما الدم- لا بد من قطعهما في الذكاة لقول رسول الله r (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) ، قال ابن عثيمين (وإنهار الدم لا يحصل إلا بقطع هذين الودجين؛ .. فذكاة المجنون فُقِدَ منها قطعاً قصد التذكية ويُخشى ألا يسمي الله عليها، وألا يقطع ما يجب قطعه في التذكية ، وكل هذه من أسباب المنع من أكل ما ذبح، وقد نص أهل العلم على أنه من شروط صحة الذكاة أن يكون المذكي عاقلاً)[112].
وأما الشروط الموضوعية للذكاة : فتتمثل في طريقة الذبح ذاتها ، والتي تتلخص في أن ينهار الدم ، بحيث يصفى الدم من العروق ، فيتخلص الجسد من الدم لأنه عندما يتخثر يفسد اللحم ، وجميع الشروط مذكورة في قول رسول الله (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ[113])[114] ، وفيما يلي ذكر للشروط الموضوعية للذكاة :-
أولا : يجب أن يكون الذبح في المحل الصحيح ، ومحل الذبح (الحلق واللبة) ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ) [115]، وعَنِ ابن الْفَرَافِصَةِ : أن الفَرَافِصَة كَانَ عِنْدَ عُمَرَ فَأَمَرَ مُنَادِيَهُ ، إنَّ النَّحْرَ فِي اللَّبَّةِ , وَالْحَلْقِ لِمَنْ قدر ، وَأَقِرُّوا الأَنْفُسَ حَتَّى تَزْهَقَ)[116] ، والمقصود بهما منطقة الرقبة ، سواء بالذبح أو النحر ، والأمرين سواء ، متى كان في المحل الصحيح ، يُستخدم مصطلح "الحلق واللُّبّة" للإشارة إلى المكان الذي يجب أن تتم فيه عملية الذكاة الشرعية للحيوانات مثل الأبقار، بينما تُذبح الإبل في "لُبّتها" وهي أسفل العنق ، فذلك أيسر للمذكي لطول رقبة الإبل وصعوبة الوصول للأعلى .
فالحلق هو الجزء العلوي من العنق حيث تُقطع الأوداج
واللُّبّة هي الجزء الأسفل من العنق
فنحر الجمل من أسفل الرقبة بطعنة غائرة بمحاذاة الصدر تماماً ، فالجمل يموت فور طعنه بهذه المنطقة بسرعة وبألم أقل
فعَنْ عَطَاءٍ قال (لَا ذَبْحَ وَلَا مَنْحَرَ إِلَّا فِي الْمَذْبَحِ وَالْمَنْحَرِ قُلْتُ أَيَجْزِي مَا يُذْبَحُ أَنْ أَنْحَرَهُ قَالَ نَعَمْ ذَكَرَ اللَّهُ ذَبْحَ الْبَقَرَةِ فَإِنْ ذَبَحْتَ شَيْئًا يُنْحَرُ جَازَ وَالنَّحْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ)[117] ، أي كما في قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً وَقَالَ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) ، قال (وَالذَّبْحُ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ)[118] .
قال ابن قدامة (وإنما نرى أن الذكاة اختصت بهذا المحل لانه مجمع العروق فينسفح الدم بالذبح فيه ويسرع زهوق النفس فيكون أطيب للحم وأخف على الحيوان)[119]، وقال (لا خلاف في أن الأكمل قطع الأربعة الحلقوم والمرئ والودجين ، فالحلقوم مجرى النفس والمرئ مجرى الطعام والشراب ، والودجان هما عرقان محيطان بالحلقوم لأنه أسرع لخروج روح الحيوان فيخف عليه ويخرج من الخلاف ، فيكون أولى ، والأول يجزئ لأنه قطع في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه فأشبه ما لو قطع الاربعة) [120].
والذبح يكون بتمرير السكين على الودجان فيقطعهما معا أو أحدهما ، والمقصود بذلك الرحمة بالحيوان ليكون أسرع لموته ، قال النبي r (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) [121].
ويستثنى من ذلك "الصيد إذا ما نفذ الجرح وانهار الدم من أي محل" ، لحديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ [122]الصَّيْدَ فَأُصِيبُ) فَقَالَ (إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ [123]فَلَا تَأْكُلْهُ) [124]، فالغاية من الخزق أن ينهار الدم مثلما هو الأمر في التذكية لقوله r (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ) ، فيحل "العقر" (الخزق) للصيد في أي موضع مميت ولا يشترط الإصابة محل الذبح أو النحر ، كما في الحديث (لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك)[125] فهذا محمول على الصيد .
فإذا ما صيد الصيد بسهم أو رمح أو ألة صيد كالمسدس والبندقية فخرق وأنهر الدم فجعل مكان إنهار الدم أي مكان من الحيوان ، ومات ، فقد حل الصيد دون حاجة إلى تذكية لأن المقصود منها قد تحقق بما تفعله ألة الصيد ، فالصيد لا يحل به الحيوان حتى يحصل إنهار الدم ، ولذلك لا يحل الصيد إذا لم يتحقق المقصود بانهيار الدم ، وإن مات الصيد ، فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ r عَنْ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ)[126]، أي حكمه حكم الموقوذة لا تحل ، لأنها تُميت دون أن ينهار الدم .
أما إن أدرك الصائد صيده حيا لم يمت فالعلماء أوجبوا عليه أن يذكيه قبل أن يموت [127]، فإن فاتته التذكية بعد إدراكه وكان في الوقت متسع للتذكية لكنه لم يفعل فإنها تعتبر ميتة لا تحل له ، لتقصيره في التذكية وفي الإمكان فعلها ، ووجه التفرقة هو "الإمكان" ، والعبد مأمور بما في حدود الاستطاعة .
فإذا ما تعذر القبض على الحيوان إلا بالصيد ، تسقط التذكية –تباعا- لتعذر الذبح والنحر ، ومن ثم كان العقر بالصيد محلهما ، مع مراعاة قاعدة (كل ما أمكن ذبحه من الصيد لم يبح إلا بذبحه)[128] لما ورد في الحديث رافع قال (إِنَّ بَعِيرًا نَدَّ وَلَيْسَ فِي الْقَوْمِ إِلَّا خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ فَحَبَسَهُ بِسَهْمٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا)[129] ، فالبعير مستأنس لكن إذا هرب أصبح غير المقدور عليه ، عندئذ يجرح في أي موضع، قال العلماء (وفي الحديث دليل على أن ما توحش من المستأنس يكون حكمه حكم الوحش ، كما أن ما تأنس من الوحش يكون حكمه حكم المستأنس)[130] ولهذا يجب ذبح الحصان المخطط إذا استئنس ، وكذا الغزال ..الخ ، ولا يجوز عقره في هذا الفرض .
وأما إذا لم يكن في الإمكان أن يتحقق الصائد من أن ألة صيده قد قتلت الصيد أو لا ، لكنه وجد قرينة على ذلك ، فإن صيده يحل مطعمه ، فعَنْ النَّبِيِّ قَالَ (إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ)[131] ، وعَنْ النَّبِيِّ r (فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ) [132] ، فإن اشتبه عليه موت الصيد بسبب آخر غير الخزق فلا يحل له الصيد ، فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ الصَّيْدِ قَالَ (إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ) [133] .
ثانيا : يجب أن يحقق الذبح المقصود منه ، بأن ينهار الدم ، ويجزئ في ذلك قطع الأوداج ، لحديث عطاء قال (وَالذَّبْحُ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ) [134] أي الشريانان الموصلان الدم للرأس ، فهذا هو القدر المجزئ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ) [135]
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ (إِذَا قَطَعَ الرَّأْسَ فَلَا بَأْسَ) [136] ، أما النحر فهو مختص بالإبل –كما قدم- لتعذر تسليمها للذبح فيجزئ الطعن في اللبة ، (الوهدة) التي بين الصدر والعنق - ، ولا يلزم قطع الأوداج بالطعن ، فيكفي بهذه الطريقة أن ينهار الدم بالطعن .
ثالثا : يجب أن تكون ألة القتل حادة ، فعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى –سكين- قَالَ (أَعْجِلْ أَوْ أَرْنِي مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُحَدِّثُكَ ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ)[137] ، قال النووي (وفى هذا الحديث تصريح بجواز الذبح بكل محدد يقطع –ألة مسنونة حادة- إلا الظفر والسن وسائر العظام فيدخل فى ذلك السيف والسكين والسنان والحجر والخشب والزجاج والقصب والخزف والنحاس وسائر الأشياء المحددة فكلها تحصل بها الذكاة الاالسن والظفر والعظام كلها
أما الظفر فيدخل فيه ظفر الآدمى وغيره من كل الحيوانات وسواء المتصل والمنفصل الطاهر والنجس فكله لاتجوز الذكاة به للحديث .
وأما السن فيدخل فيه سن الآدمى وغيره الطاهر والنجس والمتصل والمنفصل ويلحق به سائر العظام من كل الحيوان المتصل منها والمنفصل الطاهر والنجس فكله لاتجوز الذكاة)[138]
قال الخطابي (ظاهره يوهم أن مدى الحبشة لا تقع بها الذكاة ، ولا خلاف أن مسلما لو ذكى بمدية حبشي كافر جاز ، فمعنى الكلام أن أهل الحبشة يدمون مذابح الشاة بأظفارهم حتى تزهق النفس خنقا وتعذيبا ، ويحلونها محل الذكاة فلذلك ضرب المثل به) [139] ، قال ابن حجر(قيل نهى عنهما لأن الذبح بهما تعذيب للحيوان ، ولا يقطع به غالبا إلا الخنق الذي هو على صورة الذبح) [140].
كما أشار السيوطي إلى علة منع الذبح بالعظم (لأنه يتنجس بالدم ، وقد نهى النبي r عن الاستنجاء بالعظام لئلا تتنجس لكونها زاد إخوانكم من الجن) [141] .
ويجب مراعاة أن إحسان الذبح يتضمن عدم جواز الذبح بأي آلة تعذب الحيوان عن الطريقة العادية ، استعمال سكين صدئة ، والسكين المشرشرة لأنها ليست حادة ، والنبي r قال (وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) [142]، فالقتل بالمشرشرة فيه تعذيب للحيوان ، كذا السكاكين القصيرة ، لأنها مثل مدي الحبشة ، تحتاج لأن تمر على الرقبة أكثر من مرة ، كذلك الخنجر ألة للطعن وليس ولا يصلح لذبح الحيوان لأنه يحتاج لأكثر من طعنة ، فيعذب به .
فإذا مات الحيوان دون أن تتحقق هذه الشروط الثلاثة مجتمعة فلا يطيب لحمه للمسلم ، لأنه لم يذكْ الذكاة الشرعية ، فتأخذ الذبيحة حكم الميتة ، وتحرم عليه لأن الميتة غير مسخرة مطعما له بحكم الله ، والله تعالى لا يحلها مطعما له إلا بتوافر تلكم الشروط الشكلية والموضوعية آنفة البيان.
يقول الدكتور شوقي علام مفتي الدولة المصرية (وطريقة الذبح في الإسلام هي أرحم الطرق في إزهاق روح الحيوان وأكثرها إراحة له؛ إذ إنه بمجرد انقطاع تدفق الدم إلى المخ لا يشعر الحيوان بأية آلام، وذلك لا يتجاوز الدقيقتين كما يقول المتخصصون، ويغيب فيها الحيوان عن الوعي في جزء من الثانية، ويصفى دمه في نحو دقيقتين ،كما أنها أصح طريقة للحصول على لحمه، إذ بالذبح الشرعي يتم تصفية دم الحيوان من جميع أنسجته، وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن الذبح بالطريقة الإسلامية يخلص لحم الحيوان من البكتيريا أكثر بكثير من أي طريقة ذبح أخرى، وأنه إذا مات الحيوان قبل أن يُذبح فإن الدماء تتجمد في عروقه، مما يجعل لحمها مليئًا بالميكروبات والبكتيريا، وهذا قد يضر من يتناوله، وبذلك يظهر جليًّا حقيقة هذه الدعاوى الزائفة التي تسم طريقة الذبح في الإسلام بالوحشي)[143].
لمزيد من البيان اقرأ في "الإعجاز العلمي في انهار الدم من الذبيحة"[144]
مســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــألة : - حكم الحشرات والديدان والزواحف والبرمائيات والأحياء المائية ويجوز أكله منها ومالا يجوز :-
فأما بالنسبة للحشرات والديدان فتأخذ حكم الميتة ، فلا يجوز أكلها لأنها ليست أنعام إلا ما دل الدليل على حله كالجراد من الحشرات والضب من الزواحف والسمك من الأحياء المائية أما الترسة فهي أشبه بالبرمائيات وفيها قياس الشبه بين الأسماك والزواحف ، لكنها لا تصنف إحيائيا على أنها برمائية ، أضف لذلك سببين لتحريم ما لم يرد فيه نص خاص:-
الأول أنها تأكل الخبائث غير "الجراد" ، والإسلام يحرم أكل الجلالة ، على التفصيل السابق ذكره
والأمر الثاني أنه يتعذر أن تذكى حيث لا لبة بها ، فليس ثمة مكان يمكن أن تذكى منه ، فتأخذ حكم الميتة
وهو الأمر الذي حدا بالعلماء إلى تبويب بابا بعنوان (باب الذَّكَاةِ فِى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ)[145]
ويستثنى من ذلك "الجراد" فيجوز أكل ميتة الجراد دون تذكية ، لقول النبي (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ) [146]،وقد ذكر ابن القيم العلة في جواز أكل الجراد دون تزكية فقال (إن الميتة إنما حُرِّمَتْ لاحتقان الرُّطوباتِ والفضلاتِ والدمِ الخبيث فيها، والذكاةُ لما كانت تُزيل ذلك الدم والفضلات كانت سببَ الحِلِّ، وإلا فالموتُ لا يقتضى التحريم، فإنه حاصل بالذكاة كما يحصُلُ بغيرها، وإذا لم يكن فى الحيوان دم وفضلاتٌ تُزيلها الذكاة، لم يَحْرُمْ بالموت، ولم يُشترط لحِلِّه ذكاة كالجراد، والسمكُ من هذا الضرب، فإنه لو كان له دم وفضلات تحتقِن بموته، لم يَحِلَّ لموته بغير ذكاة)[147].
وقد أثبت العلم أن دم الحشرات مختلف عن الحيوان لأنه لا يحتوي على الهيمجلوبين ، بل يحتوي دم الجراد على سائل الدملمف يعمل على نقل العناصر الغذائية والهرمونات وخلايا الجهاز المناعي في جميع أنحاء الجسم ، لاسيما وأن إباحة أكل الجراد جاءت كبديل غذائي في أوقات المجاعات التي كان فيها الجراد سبباً في هلاك محاصيلهم .
ويضاف إلى ما تقدم أن الحشرات لا يجوز أكلها وتأخذ حكم الميتة كذلك ، خصوصا النحل والنمل ، للنهي عن قتلهما لما روي عن النبي r أنه (نهى عن قتل الخمسة عن النملة والنحلة والضفدع والصرد [148]والهدهد)[149] ، يستفاد من الحديث عدم جواز أكل هذه الخمس ، (لأن إباحة أكله وسيلة لقتله ، والنبي r نهى عن قتله)[150]، ويقاس عليها سائر الحشرات .
الصرد[151] الهدهد النحلة النمل الضفدع
وقد بنى العلماء على ذلك قاعدة ، وهي عدم جواز أكل ما نهي عن قتله ، لأنها بالقتل تأخذ حكم الميتة ، فلا تحل ، فهذا أحد أوجه تحريم أكلها ، يضاف إلى كونها تفترس وتتغذى على اللحم ، فالنهي الوارد بالحديث ينفي شبهة جواز أكلها لمن خال له أنها ليست من الخبائث ، لكن عند التحقيق يتبين أنها من المفترسات حتى "النحل" فقد أثبتت الأبحاث أنه يحتاج إلى اللحم ، ويتعذى على "الميكروبات" [152] ، ولذلك عسل النحل به مضادات حيوية لتلك الميكروبات .
أما بالنسبة للزواحف فالمفترس منها -كالتمساح والثعبان – حكمه حكم سباع الحيوانات لا يجوز أكلها ، ولأن لها ناب وتعدو على الغير ، وذات الحكم يتعدي إلى صغار الزواحف كالبرص والسحلية ...الخ لأنها من آكلات اللحوم كالجلالة وليست من الأنعام ولم يأت دليل على حلها .
أما من ليس بمفترس منها فإن كان غير مقدور فيه الذكاة ، فإنه يأخذ حكم حكم الحشرات والديدان فلا يجوز أكلها لأنها ميتة ، وأما ما يمكن تذكيته منها كالضب[153] ، فإنه عشبي – لا يأكل اللحم وليس له ناب ولا يعدو على الناس - ولذلك ورد في الضب حكم خاص ، وإن كان من الزواحف لكن يجوز أكله .
روي عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ فَقَالُوا هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ يَدَهُ فَقُلْتُ أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَالَ خَالِدٌ فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ يَنْظُرُ ) [154]
ولا يستثنى من تحريم أكل الميتة غير الجراد ، والأحياء المائية ، فميتتها يحل مطعمها دون حاجة لأن تذكى ، قال تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) ، وقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) (النحل/14) ، وقوله تعالى (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا) ، وسئل رسول الله عن ماء البحر فقال (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)[155] ، ولعل الحكمة من حل الكائنات البحرية دون تذكية اختلاف طبيعة الجهاز الدوري Circulation System فيها عن سائر الكائنات البرية ، بالإضافة إلى تأثرها بالبيئة البحرية التي تساعد على حفظها من تحلل أنسجتها إلا بعد فترة طويلة.
والسلحفاة من البرمائيات منها ما يعيش على البر، والسلحفاة والضب كلاهما عشبيان ولهما رقبة ويمكن تحقيق التذكية فيهما ، ومن ثم لا تحل السلحفاة ولا الضب إلا بالتذكية .
وجمهور أهل السنة على إباحتها ، فالسلحفاة - الترسة أو الحمسة - حلال عند كثير من العلماء وروى إبن حزم عن عطاء وعن طاووس وعن الحسن بن علي بن أبي طالب ومحمد بن علي بن أبي طالب وعن فقهاء المدينة في الحديث: كان فقهاء المدينة يشترون الرَّقَّ فيأْكلونه ، والإمام مالك بن أنس والإمام أحمد بن حنبل - بعد ذبحها - : إباحة أكل السلحفاة وزاد عطاء تفصيلا أنه قال : إذا كان نوع منه في البحر ونوع في البر كالسلحفاة فلكل نوع حكم نفسه
وقال ابن رشد في البداية : إختلفوا في ذكاة - ذبح - الحيوان الذي يكون تارة في البحر وتارة في البر مثل السلحفاة وقال البعض للخروج من الخلاف في السلحفاة البرية فالأولى أن تذكى.
قال ابن قدامة (ما كان مأواه البحر ، وهو يعيش في البر من دواب البحر كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء فلا يحل إلا أن يذبح هذا الصحيح من المذهب، قال أحمد كلب الماء نذبحه ولا أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبح)[156]
أما الضفدع فهو من البرمائيات –، حيث نهى النبي r عن قتله [157]، سواء لأكله أو للتداوي به ، وسواء بالتذكية أو غير تذكية ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ (أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ r عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ r عَنْ قَتْلِهَا)[158] ، قال العلماء في الشرح (نهاه عن قتلها ، فدل على أن الضفدع يحرم أكلها وأنها غير داخلة فيما أبيح من دواب الماء)[159]، قال الشيخ عبد المحسن عباد (والنهي عن قتلها يدل على تحريمها ، وعلى أنه لا يجوز استعمالها في الأدوية؛ لأنه لو كان يباح قتلها لأمكن استعمالها في الأدوية ، والذي لا يسوغ قتله لا يستعمل في الأدوية ، ولا يجوز أكله ، وهذا يدل على أن الضفادع لا تؤكل ، وهي مستثناة مما يعيش في البحر ، إذ لو كانت مباحة الأكل لأذن بقتلها ، والاستفادة منها أكلاً وتداوياً، فلما نهى عن قتلها دل على أنها لا تؤكل، وأنه لا يتداوى بها)[160] .
ويتفرع عما تقدم مسألة : هل تحريم أكل الميتة يتعدى لتحريم بيعها ؟ وهل يتعدى لتحريم الانتفاع بها قبل أم بعد تغيير صفتها ؟ فقد ورد في جواز الانتفاع بجلدها ، حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r (مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا قَالُوا إِنَّهَا مَيِّتَةٌ قَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)[161] ، فالحديث مبين لوجه التحريم على سبيل القطع بأنه يحرم أكلها .
لكن قد ورد النهي عن بيع الميتة بهذه "الصفة" حتى وإن كان لأجل الانتفاع بها في غير الأكل ، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ (إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ "بَيْعَ" الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ) فَقَالَ "لَا هُوَ حَرَامٌ " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ)[162]، فبيع جسد الميتة لا يجوز ، وإنما يجوز استخراج أشياء نافعة منها لبيعها كالدهن ، قال الخطابي (المراد بقوله "هو حرام" البيع لا الانتفاع)[163]، قال الصنعاني (والضمير في قوله "هو حرام" يحتمل أنه "للبيع" أي بيع "الميتة" ، وهذا هو الأظهر لأن الكلام مسوق له... فإنه ظاهر في توجه النهي إلى البيع الذي ترتب عليه أكل الثمن ، وإذا كان التحريم للبيع جاز الانتفاع بشحوم الميتة والأدهان المتنجسة في كل شيء غير أكل الآدمي)[164].
وفي المسألة تفصيل[165]، أي أنه لا يجوز بيع الميتة بهذه "الصفة" ، وهو المتفق عليه بين الفقهاء ، بأنه لا يجوز أن تباع الميتة على أن يستخلص منها شحمها ، فهذا الذي أبطله الشارع ، لما في ذلك من غرر ، فقد تتحلل ولا يستفاد منها بشحم ، وقد يتم المضاربة بجسد الميتة ، ويؤجل دفنها حتى يزيد سعرها ، وتستخلص منها الفوائد ، قال ابن بطال (أجمعت الأمة على أنه لا يجوز بيع الميتة والأصنام ، لأنه لا يحل الانتفاع بهما –أي بحالتها ميتة- ، فوضع الثمن فيهما إضاعة المال ، وقد نهى النبى عن إضاعة المال) [166]، ولذلك شدد النبي r على النهي بضرب المثال بما كان يفعله اليهود من التحايل على الحرام ، فالعلة في تحريم بيع الميتة أنها لا يستفاد منها بهذه الصفة لتحريم الأكل منها .
لكن أما إذا انتفت العلة من النهي بأن استخلص منها الجلد والشحم ، وبيعا منفصلين عن الجسد ، فقد انتفى الغرر ، وجاز البيع ، حيث يسهل تقويم الثمن بقدر حجم وكمية الشحم والجلد دون غرر ، ولذلك جوز الشارع صراحة بيع جلد الميتة ليتخذ ليدبغ وينتفع به ، لقول النبي r (هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا) أي جلدها ، فقَالُوا (إِنَّهَا مَيِّتَةٌ) ، فقَالَ r (إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) أي أن علة التحريم أكلها ، فلا تتعدى لانتفاع بجلدها وشحمها إذا أمكن فصله منها قبل أن تفسد ، فإذا استخلص الشحم من الميتة وبيع وحده أو انتفع به وحده فلا غرر ، لكن ورد في ذلك خلاف فقهي كذلك ، بين من تمسك بظاهر الحديث ، ومن حمل النهي على التعدي كذلك ، ومنهم من قصر النهي عن بيع الميتة بهذه الصفة فقط ، ولذلك جوَّز النووي في شرح الحديث أن (يستخلص جلدها ليباع وحده ، وكذلك شحمها كي ينتفع به ، وقال (فيه خلاف بين السلف ، والصحيح من مذهبنا جواز جميع ذلك)[167].
وأما (الدم) فهو محرم شربه لنجاسته ، والمقصود به المسفوح ، حيث يحمل المطلق الوارد في هذه الآية على المقيد الوارد في قوله تعالى (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا....) (الأنعام/145) ، قال البقاعي (وهو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق)[168]
قال الشعراوي (والدم المسفوح هو السائل الذي ينهال ويجري وينصب ساعة الذبح ، أما الدم الذي بلغ من قوة تماسكه أن كون عضواً في الجسم كالكبد أو الطحال فهو غير مسفوح) .
والمعنى المستنبط من مفهوم المخالفة أن الدم غير المسفوح لو كان متجمدا في العروق أو خطوطا في القدر يسيرا فلا بأس به ، فإنه لا يضر ، قال القرطبي (وقد روت عائشة رضي اللّه عنها قالت: "كنا نطبخ البرمة على عهد رسول اللّه r تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره" لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة، والإصر والمشقة في الدين موضوع. وهذا أصل في الشرع، أن كلما حرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثقل عليها سقطت العبادة عنها فيه)[169].
وروي ابن القيم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القدر)[170].
وأخرج ابن المنذر(ولا بأس بما كان في العروق منها)[171] .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز في الدم يكون في مذبح الشاة أو الدم يكون على أعلى القدر؟ قال : (لا بأس ، إنما نهى عن الدم المسفوح)[172] .
ويستثنى من حرمة أكل الدم شيئان، الكبد والطحال ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ)[173] .
الكبد الطحال
والحكمة من ذلك أنهما يعدان من الطيبات وليس من الخبائث ، فضلا عن أنهما يخرجان عن وصف الدم المسفوح ، فكلاهما دم متجمد قبل موت الذبيحة .
والجدير بالذكر أن الدم طعام مفضل للشياطين لأنه من النجاسات ، ومعلوم أن الشياطين تتغذى على طعام الإنسان وتستحله إذا لم يذكر اسم الله عليه ، وما تبقى من طعامه ، وما خالطه أذى أو نجاسة ، بدليل قول النبي r (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ) [174]، فإذا طعم المحرمات استحلتها ، ومنها نجاسات الخمر ولحم الخنزير والميتة والدم ، بدليل أن الدم أهم شيء في طقوس السحرة لإرضاء الشياطين ، فيسفك الساحر دماء الحيوانات ويقدمونها قربانا للشياطين، بما يسمى بالنذور الشيطانية [175]، وأحب دماء للشياطين "دماء الإنسان" ، يقول النبي (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)[176] (في العروق)[177] ، ففي العقود الشيطانية يذبح الساحر للشيطان بشرا لاسترضائه [178]، إن حقق له الأمنية التي يطلبها
مثال ذلك : صيغة حتب دي نسو[179]
وقد خشيت الملائكة أن يسفك الناس دماء بعضهم البعض إرضاءً للشياطين ، قال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة/30)، فنهى الإسلام عن شرب الدم قطعا لهذه المفاسد والشرور جميعًا.
وأما)لَحْمُ الْخِنْزِيرِ) فهو محرم بوصفه خنزير ، وبوصفه –كذلك - من السباع وله ناب ، فالخنزير حيوان لاحم عشبي تجتمع فيه الصفات السبعية والبهيمية ، فيخرج من وصف بهيمة الأنعام المحض ، لكن بعض الناس يحبسونه ويربونه على الأعشاب الطاهرة ، فنبه الشارع إلى أن الخنزير محرم لذاته واسمه ، لا لأنه يأكل الخبائث ولا لأنه مضر بالصحة ، وذلك من قبيل ابتلاء الله تعالى للإنسان ، فلا يزال لحمه حرام حتى ولو لم يأكل الخبائث وتربى في أفضل المزارع ، قال ابن جبرين (حرَّم الله لحم الخنزير ولو كان من الحيوانات البهيمية؛ لأنه يتغذى بالعذرة ويأكل النجاسات وهذا طبعه، فحُرِّم أكله ولو كان يُغذى بالنبات والطاهر من الأعلاف نظرًا إلى طبعه وميله إلى النجاسات)[180].
والتحريم يشمل أكله وبيعه ، قَالَ جَابِرٌ (حَرَّمَ النَّبِيُّ بَيْعَ الْخِنْزِيرِ)[181]، فهو بهذا الاعتبار مال غير متقوم عند المسلمين لا يستوجب التعويض ، لكنه عند أهل الذمة والمستأمنين مال متقوم ، فيجب تعويضهم إن أُتلف عليهم .
وعلة تحريم هذه الأصناف الثلاثة –الميتة والدم ولحم الخنزير- أنها "رجس" ، قال سبحانه (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ "رِجْسٌ") ، فهذه الأطعمة المحرمة هي طعام للشياطين بحكم أنها رجس ، وقد تساوت مع العذرة في الحكم ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (أَتَى الْخَلَاءَ فَقَالَ ائْتِنِي بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ هِيَ رِجْسٌ)[182] ، وهذا دليل على النجاسة الحسية للخمر والخنزير والدم المسفوح، لأن الشارع وصفهما بلفظ "رجس" وهو ذات اللفظ الذي أطلقه على العذرة "الروثة" .
ويدخل في التحريم لذات العلة "الحُمُر الأهلية أي المستأنسة" ، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ خَيْبَرَ أَصَبْنَا حُمُرًا خَارِجًا مِنْ الْقَرْيَةِ فَطَبَخْنَا مِنْهَا فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْهَا فَإِنَّهَا "رِجْسٌ" مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِمَا فِيهَا) ، فتساوت مع الخنزير في علة التحريم [183] ، قال الشراح (إنما حرمها لأنها رجس في نفسها ، وهذا أصح العلل ، وهذا نص في سبب التحريم ، وما عدا هذه من العلل فإنما هي حدس وظن)[184].
وأبدان الحمير طاهرة -ما دامت حية - لقوله تعالى (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) (النحل/8) ، فأجاز ركوبها لطهارة أبدانها
أما بدن الخنزير ، فثمة خلاف فقهي في نجاسته ، قال النووي (نقل ابن المنذر في كتاب الإجماع إجماع العلماء على نجاسة الخنزير وهو أولى ما يحتج به لو ثبت الإجماع، ولكن مذهب مالك طهارة الخنزير ما دام حيا، وأما ما احتج به المصنف فكذا احتج به غيره ولا دلالة فيه وليس لنا دليل واضح على نجاسة الخنزير) [185] .
وأما القول في قتل الخنزير فقد أجاز العلماء قتله باعتباره من الفواسق التي تهاجم الإنسان وبالقياس عليها ، فقد ورد عن رسول الله قال (خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يَقْتُلُهُنَّ فِي الْحَرَمِ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)[186] ، وقال r (خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) [187].
وعند التأمل نجد أن تعيين الفواسق الخمسة دون غيرها ليس على سبيل الحصر ، بل المثال ، وإنما ذكرت تحديدا لعلة أنها تعيش بين الناس ، فيكثر تضررهم منها ، أما غيرها مثل الخنزير وغيره من الفواسق الأخري التي تعيش بعيدًا عن الناس ، فإنه يجوز قتلها لذات العلة أي علة الفسوق ، احترازا من أن تعدو على الناس ، ولذلك أمر النبي r بقتل الوزغ (البرص) فعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ r أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا)[188]، وتسمية هذه الدواب بالفواسق (لخروجها من جُحْرها على الناس وإفسادِها) [189]وإن لم يذكر ضمن الفواسق الخمسة المتقدم ذكرها .
ومن جهة أخرى فقد ورد في قتل الخنزير حديث رَسُول اللَّهِ r قال (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ)[190] أي : يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله ، فهو غير متقوم في نظر الشرع بالنسبة للمسلمين ، أما عند غير المسلمين فقد " اتفق الفقهاء على أن أهل الذمة يقرون على ما عندهم من خنازير إلا أنهم يمنعون من إظهارها , ويمنعون من إطعامها مسلما , فإذا أظهروها أتلفت ولا ضمان"[191] ، لكني أرى والله أعلم أن لفظ الخنزير الوارد في الحديث هو وصف للدجال[192] ، والله أعلم .
وقوله تعالى (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ) حيث يدخل فيه تحريم كل الأطعمة التي قصد بها التقرب لغير الله ، أي كذبح لغير الله ، قال ابن تيمية (هذه الآية تعم كل ما نطق به لغير الله) ، لأن الإهلال النطق بالقول ، قال (ومعلوم أن ما حرم أن تجعل غير الله مسمى ، فكذلك منويًا ، إذ هذا مثل النيات في العبادات ، فإن اللفظ بها وإن كان أبلغ لكن الأصل القصد، .. فالعبرة بالنيات)[193]، قال الشعراوي (فما أهل لغير الله فيه شرك بالله ، فافتقد ذكر الله الذي ذلل للإنسان هذا الحيوان القريب من الإنسان في الحس والحركة وغير ذلك )[194] .
قال سبحانه ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ﴿الأنعام/121﴾ ، يقول النبي r (وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ)[195]، ذلك أن الذبح لغير الله من أعمال الشرك ، لأن القصد منه إرضاء الجن والشياطين ، وقد ينقلب إلى محاولة تسخيرهم للإقبال على الأعمال أو تركها مما يُعد فسق منهي عنه ، قال ابن تيمية (فَلاَ تَأْكُلُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ مِمَّا مَاتَ فَلَمْ تَذْبَحُوهُ ، وَلاَ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ، مِمَّا ذَبَحَهُ المُشْرِكُونَ لأَوْثَانِهِمْ ، فَإِنَّ أَكْلَ ذَلِكَ فِسْقٌ وَمَعْصِيَةٌ)[196] .
حكم ذبائح أهل الكتاب ؟ وما لم يعلم أذكر اسم الله عليه أم لم يذكر ؟
يرى العلماء حل ذبيحة الكتابي (اليهودي والنصراني) بشرطين [197]:-
الأول : أن يذبح الذبيحة كما يذبحها المسلم ، أي بالقطع في المحل الصحيح بآلة حادة ، أي تستوف الشروط الموضوعية للذكاة .
الثاني : ألا يذكر عليها اسم غير الله تعالى ، كاسم المسيح أو غيره ؛ لقوله تعالى في المحرمات : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ)(البقرة 173(.
قال ابن تيمية (لا بأس بأكل ما لم يسموا عليه إلا في وقت ما يذبحون لأعيادهم وكنائسهم ، فإنه في معنى قوله تعالى (وما أهل لغير الله به)[198] يعني بأس إلا إذا قام الدليل على أنهم يذبحون لغير الله .
فإذا لم تكن ثمة قرينة على أن "الذبيحة" قد ذكر عليها غير اسم الله ، فإنه يكفي لتجويز الأكل منها "التسمية" عليها ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ r إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَقَالَ "سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ" ، قَالَتْ "وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ") [199]، أي أن أغلب الظن أنهم لم يذكروا اسم الله عليه لأنهم أسلموا حديثا ، فالظن أنهم لا يعلمون أحكام الذبائح ووجوب التسمية قبل الذبح ، قال السندي (كأنه r أرشدهم بذلك إلى حمل حال المؤمن على الصلاح، وإن كان جاهلاً ، وأن الشك بلا دليل لا يضر ، وأن الوسوسة الخالية عن دليل يكفي في دفعها تسمية الآكل ، ... فالحديث -بظاهره- يفيد أن التسمية واجبة لكن تنوب تسمية الآكل عن تسمية الذابح)[200].
وفي قوله (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ َمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) تعداد لأسباب الموت بغير تذكية ، حيث تأخذ حكم "الميتة" فلا تحل إلا إن سبقت بذكاة قبل أن تموت :-
(الْمُنْخَنِقَةُ) التي ماتت بسبب الخنق .
و(الْمَوْقُوذَةُ) التي ماتت بسبب الوقذ أي ضربة شديدة .
و(الْمُتَرَدِّيَةُ) التي وقعت من جبل ونحوه فماتت .
و(النَّطِيحَةُ) التي ماتت بسبب إصابة نتيجة نطح بهيمة أخرى لها .
وجميعها أسباب للوفاة غير الذكاة الشرعية ، وذكرها على سبيل الخصوص لكثرة تكرارها ، وليس الحصر ، فالمسمومة كذلك ميتة ، والمريضة ميتة ، والمصعوقة بالكهرباء ميتة ، والغارقة ميتة ....وهكذا .
قوله (إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) ففي الاستثناء تفصيل لما قد يُشكل على البعض عندما تصيب البهيمة أسباب الموت ، فيسارع صاحبها بذبحها قبل أن تموت ، فبين الشارع الحكيم أن حكمها يلحق المذكاة ولا يلحق بالميتة ، فتحل متى أدركها المذكي بالذكاة ، فعَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا فَأَدْرَكَتْهَا فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ فَسُئِلَ النَّبِيُّ فَقَالَ كُلُوهَا) [201] .
كذا إذا هرب البعير المستأنس فإنه يأخذ حكم الصيد ، ومن ثم تكون تذكيته صيده بالعقر لا بالذبح ولا بالنحر متى كان متعذر إرجاعه إلا بذاك ، فعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنْ الْإِبِلِ قَالَ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ قَالَ ثُمَّ قَالَ إِنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا)[202] .
وفي قوله (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) والنُّصُب هي حجارة كانت منصوبة حول الكعبة يذبح عليها المشركون الذبائح تقرباً للآلهة ، وينضحونها بدماء الذبيحة في الجاهلية ، (ومثلها غيرها في أي مكان)[203] ، إذن علة التحريم هنا هو مجرد الذبح في هذه الأماكن حتى لو ذكر اسم الله عليها ، لأن في ذلك اشتباه على الغير بأنها ذبحت لإرضاء الشياطين .
لكن هناك من قال أن علة التحريم الذبح على النصب مماثلة لعلة تحريم ما أهل لغير الله ، قال القرطبي المعنى: (والنية فيها تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز)[204] .
وقال الشعراوي (والتحريم هنا بسبب عقدي مثله مثل تحريم ما أهل لغير الله به ؛ لأن النصب غير واهب ولا معط ، والواجب أن نتقرب إلى الواجد الواهب)[205]، وقال الشعراوي (والذي ذُبح على النصب وما أهلّ به لغير الله موجود وداخل في كلمة «الميتة»)[206] .
لكن هناك من حصر علة التحريم في كونها ذبحت في هذا المكان سواء أكان بنية تعظيمها أو بدون هذه النية ، وسواء أذكر اسم الله عليها أو ذكر اسم غيره ، قال صاحب الظلال (فهو محرم بسبب ذبحه على الأصنام حتى لو ذكر اسم الله عليه ، لما فيه من معنى الشرك بالله)[207]
ويؤيد ذلك ظاهر النص وعموم الأدلة ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ "بَلْدَحٍ"[208] وَذَاكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْوَحْيُ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [209] .
قال العلماء في الشرح (ظاهر هذا الحديث يدل أن زيدًا قال للنبى r : إنى لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ، يوهم أن النبى كان يأكل ذلك ، والنبى كان أولى باجتناب ذلك من زيد ، وقد جاء هذا الحديث مبينًا فى مناقب زيد بن عمرو فى كتاب فضائل الصحابة... فالسفرة إنما قدمتها قريش للنبى r فأبى أن يأكل منها ، فقدمها النبى r إلى زيد ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال لقريش الذين قدموها إلى النبى r : ( أنا لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ) ، وقالوا (جعله في سفرة رسول الله لا يدل على أنه كان يأكله ، وكم شيء يوضع في سفرة المسافر مما لا يأكله هو بل يأكل من معه ،وإنما لم ينه الرسول من معه عن أكله لأنه لم يوح إليه إذ ذاك ولم يؤمر بتبليغ شيء تحريما وتحليلا حينئذ)[210] ، قال الخطابي (كان النبي r لا يأكل مما يذبحون عليها للأصنام ، ويأكل ما عدا ذلك ، وإن كانوا لايذكرون اسم الله عليه لأن الشرع لم يكن نزل بعد ، بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه إلا بعد المبعث بمدة طويلة) [211] .
وفي قوله تعالى (وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ[212]) قيل "الاستقسام" : (طلب القسمة)[213]، بمعنى استشارة الآلهة ، والأزلام جمع " زَّلَمُ " أي سهم مكتوب عليه الأمر ، قال الزجاج (والزَّلَمُ "القِدْح لا ريش عليه" ، وهي السهام التي كان أَهل الجاهلية يستقسمون بها)[214]، وهي عادة جاهلية المقصود منها ، الاستبشار أو التشاؤم من المضي في أمر معين من خلال لعبة تعتمد على الصدفة باختيار سهم مكتوب عليه (افعل) أو (لا تفعل) من بين أسهم متعددة ، فيستبشر أو يتشاءم مريد الفعل عن القدوم على الفعل بناء على هذا الاختيار .
قال الزجاج (الاسْتِقْسام بالأَزلام والأَزْلام سِهام كانت لأَهل الجاهلية مكتوب على بعضها أَمَرَني ربِّي ، وعلى بعضها نَهاني ربي ، فإِذا أَراد الرجل سفَراً أَو أَمراً ضرب تلك القِداح فإِن خَرج السهم الذي عليه أَمرني ربي مضى لحاجته ، وإِن خرج الذي عليه نهاني ربي لم يمض في أَمره ، فأَعلم الله عز وجل أَن ذلك حَرام)[215] .
قال ابن القيم (حرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه بالاستخارة ودعائها)[216].
قال ابن عاشور (المعطوف هنا من نوع المتعاطفات التي قبله ، لأن العطف يكون في المتناسبات ، فالمراد هنا النهي عن أكل اللحم الذي يستقسمون عليه بالأزلام ، وهو لحم جزور الميسر لأنه حاصل بالمقامرة) [217]، أي أنهم كانوا يذبحون للشياطين حتى ترشدهم عن طريق الأزلام – الأقداح – إلى قسمتهم المقسومة لهم في المستقبل ، فيمضوا في طريقها أو يرجعوا ، فإن خرج السهم الثالث علموا أن الشياطين تريد مزيدا من الذبائح ، فيذبحوا ثانية حتى ترضى ويظهر لهم أحد الزلمين (افعل) أو (لا تفعل) ، فإن ظهر القدح الثالث (غفل) فيعيدوا الذبح مرة أخرى وهكذا حتى ترضى .
وفي ذلك إشارة إلى أن (كل معاملة ومُصَاحبةٍ بُنِيَتْ على استجلاب الحظوظ الدنيوية ، غير مأذون بها من الشرع - كالقمار) [218]، بمعنى أن أي كسب أو طعام إذا لم يكن بسبب شرعي فهو محرم ، فالطعام الذي يأتي تكسبًا من القمار محرم ، ومثله المراهنات والتحديات ...الخ .
وفي قوله (ذَلِكُمْ فِسْقٌ) أداة الإشارة راجعة إلى قوله تعالى (أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ) ، قال ابن عاشور (جعل الله الاستقسام فسقا لأن منه ما هو مقامرة، وفيه ما هو من شرائع الشرك ، لتطلب المسببات من غير أسبابها، إذ ليس الاستقسام سببا عاديا مضبوطا ، ولا سببا شرعيا)[219].
وينبني على ذلك أن كل طعام جاء بسبب غير شرعي فهو من أعمال الفسق ، وهو محرم كالذي يأتي بسبب البغاء أو المخدرات أو التجارة في الخمر أو القتل والعدوان ....ألخ ، يقول النبي r (لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ)[220] ، يقول رسول الله r (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)[221]..
وفي قوله (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ) إشارة إلى الظرف الزماني الذي ظهرت فيه شعائر الإسلام ، ومورست فيه عبادة المسلمين بحرية ، وهو ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم يوم فتح مكة بعد أن كانوا ممنوعين من الصلاة فيها ، فكانت قريش تضييق عليهم ممارسة حقهم في العبادة طمعا منهم أن يرتد المسلمون عن دينهم ، وطمعهم في ذلك مثلما طمع أهل الكتاب بالمدينة في ردة المسلمين عن دينهم قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (البقرة/109)
أما في إظهار شعائر الإسلام ففيه تحقيق لمطلوب شرعي بأن يقطع النبي r طمع الكافرين في أن يرتد المسلمون عن دينهم ، وقد أظهروا شعائرهم ، وتميزوا بها عن غيرهم ، فينتهوا عن مساوماتهم في دينهم ، قال ابن عاشور (كان المشركون – زمانا- إذا سمعوا أحكام الإسلام رجوا أن تثقل على المسلمين فيرتدوا عن الدين، ويرجعوا إلى الشرك ، فلما نزلت هذه الأحكام أنزل الله هذه الآية : بشارة للمؤمنين ، ونكاية بالمشركين)[222].
فبقدر تمسك المسلمين بأحكام الإسلام وبقدر إظهارهم لشعائره والتزامهم بسنة نبيهم ييأس الكفار من تحريف الدين وتبديله كما فعل بعض أهل الكتاب في التوراة والإنجيل ، لأن الإسلام محفوظ بتطبيق المسلمين لأحكامه وتمسكهم بشرعه ، يقول صاحب الظلال (يئسوا أن يبطلوه أو ينقصوه أو يحرفوه وقد كتب الله له الكمال ؛ وسجل له البقاء . . وقد يغلبون على المسلمين في موقعة أو في فترة ، ولكنهم لا يغلبون على هذا الدين ، فهو وحده الدين الذي بقي محفوظاً لا يناله الدثور ، ولا يناله التحريف أيضاً؛ على كثرة ما أراد أعداؤه أن يحرفوه؛ وعلى شدة ما كادوا له ، وعلى عمق جهالة أهله به في بعض العصور . . غير أن الله لا يخلي الأرض من عصبة مؤمنة؛ تعرف هذا الدين؛ وتناضل عنه ، ويبقى فيها كاملاً مفهوماً محفوظاً؛ حتى تسلمه إلى من يليها ، وصدق وعد الله في يأس الذين كفروا من هذا الدين!) [223].
فإذا ما حار الكفار أن يفعلوا ذلك بدين الله ، فلا حيلة لديهم إلا أن ينقلبون على المسلمين أنفسهم كيدًا وترهيبًا ، وعندئذ ، وعندما يشعرون باليأس تزيد مكايدهم ويشرعون في المكر بالمسلمين ، حيث يحاولون الكيد للمسلمين بطريق آخر خلاف فتنتهم في دينهم ، حيث يشرعون في الإيقاع بينهم ، ليكون بأسهم بينهم شديد ، قال رسول الله r (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) [224]وفي رواية قال r (قد يئس الشيطان بأن يُعبد بأرضكم ، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم)[225] .
وفي قوله (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) تثبيت للمسلمين كي يظلوا على الحق ، فلا يفتنهم الذين كفروا عن دينهم ، ولا يهابونهم ، كما في قوله (وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ) ، وقوله (وإياي فارهبون) ، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ ، وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ)[226] .
لاسيما عندما تزيد محاولات إرهابهم كلما زاد يأسهم ، وقد (ذكر الخشية هنا ولم يذكر الخوف ، لأن الخشية حذر من أمر قد وقع ، والخوف حذر من أمر لم يقع)[227] ، فقد وقع بهم ما هو محذور منه من الإيذاء المادي والمعنوي ، فإذا لم يخشوا مما وقع ، فليس عليهم بعد أن خافوا مما لم يقع ، قال ابن تيمية (أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ لَا يَخَافُوا حِزْبَ الشَّيْطَانِ ؛ بَلْ لَا يَخَافُونَ غَيْرَهُ تَعَالَى فَقَالَ:(إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أَيْ يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ)[228]
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَامَ خَطِيبًا فَكَانَ فِيمَا قَالَ (أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ) ، قَالَ فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ (قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا)[229] ، والمعنى (منعتنا هيبة الناس أن نتكلم فيها)[230].
قال السيوطي (الهيبة قد تكون بخوف تلف النفس والمال ، فالأمر للعزيمة لا للوجوب ، فإن الإجماع على أن الأمر بالمعروف يسقط في هذه الحالة بل يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان لقوله تعالى "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.." لكن العزيمة فعله لأن أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)[231].
وفي قوله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...) المقصود باليوم هو يوم عرفة في حجة الوداع [232]، حيث ظهرت شرائع الإسلام في مكة المكرمة بعد فتحها ، واكتمل تطبيق أركان الإسلام بحج النبي r في هذا العام ، ولم يكن قد حج قبله ، فأكمل النبي r وأصحابه الركن الخامس من أركان الإسلام ، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ r وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ)[233].
من هذا نرى مقدار التحول التدريجي على مدار أكثر من عشرين سنة في الدعوة النبوية التي ابتدأت سرا باستقبال آيات السور المكية التي تعني بالاهتمام باليوم الآخر وصفات الحق تبارك وتعالى إلى بيان أحكام الشريعة الإسلامية التي أنزلت في السور المدنية والاستقصاء تفصيلًا في هذه الأحكام إلى إظهار شعائر الإسلام بصورة علنية أمام الكافرين ، ليستبين أن رسالة الإسلام قد اكتملت بهذا التدرج التشريعي إلى نهايته ، ولم يبق إلا الالتزام بذلك ، فهذا هو الإسلام ، (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران 85) ، وعن عمر قال : (من مات وهو موسر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا)[234].
أي أن المسلمين اليوم يعلنون شعائرهم سواء أكانت معقولة المعنى أو لم يعقل المكلفون لها معنى ، وليغتاظ من يغتاظ بمخالفة المسلمين لهم ومخالفتهم لنا ، لاسيما وقد تطرق التشريع إلى بيان أحكام المحرمات من الأطعمة بما يعني أن الإسلام لم يترك صغيرة أو كبيرة إلا وقد أعطى لها حكما .
قوله (..وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي..) قال ابن عاشور (إتمام النعمة هو خلوصها مما يخالطها من الحرج والتعب ، وزوال ما كانوا يلقونه من الخوف ، فمكنهم من الحج آمنين مؤمنين خالصين، وطوع إليهم أعداءهم يوم حجة الوداع ، وقد كانوا من قبل في نعمة فأتمها عليهم، فلذلك قيد إتمام النعمة بذلك اليوم ،لأنه زمان ظهور هذا الإتمام ، إذ الآية نازلة يوم حجة الوداع على أصح الأقوال، فإن كانت نزلت يوم فتح مكة ،فتمام النعمة فيه على المسلمين أن مكنهم من أشد أعدائهم، وأحرصهم على استئصالهم)[235].
قوله (..وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) أي قد رضي الله تعالى الإسلام بعقيدته الصافية وتعاليمه الواضحة وأحكامه المبينة وشعائره الظاهرة دينًا للمسلمين ، فهذا هو الإسلام بكليته ، ولابد للمسلمين أن يفهموا ذلك ، قال تعالى (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ) (آل عمران/119) ، فمن يقتطع من الدين أحكاما ويترك أخرى ، فليس ذلك هو المسلم ، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) (البقرة 85)
قال ابن القيم (أضاف الدين إليهم إذ هم المختصون بهذا الدين القيم...،فلما كانوا هم القائمين به الفاعلين له بتوفيق ربهم نسبه إليهم فقال "أكملت لكم دينكم"، وأما دينه فهو شرعه المتضمن لأمره ونهيه ومحابه)[236]
وهذا يستتبع أن يرضى العبد بهذا الدين ، فيؤمن به إيمان رضا وتسليم ، قال تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء 65) ، فمن السنة الإقرار بهذا المعنى كل صلاة ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ قَالَ (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ)[237].
والرضا عن الله وعن رسوله وعن دين الإسلام يستتبع لزوما ضمان رضا الله عن العبد ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ إِنْسَانٍ أَوْ عَبْدٍ يَقُولُ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[238] ، قال ابن القيم شارحا لهذا الحديث (فمن رضي بالله ربا رضيه الله له عبدا ، ومن رضي عنه في عطائه ومنعه وبلائه وعافيته ، لم ينل بذلك درجة رضى الرب عنه إن لم يرض به ربا وبنبيه رسولا وبالإسلام دينا ،فإن العبد قد يرضى عن الله ربه فيما أعطاه وفيما منعه ولكن لا يرضى به وحده معبودا وإلها ،ولهذا إنما ضمن رضي العبد يوم القيامة لمن رضى به ربا)[239]، يقصد بذلك أن الإخلاص في العبادة لله هو الضامن لرضى الله عن العبد .
وفي قوله (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة/3) باب عظيم للتيسير على المكلفين رفعا للحرج والمشقة عنهم في ظروف الاضطرار بما يخرج عن حدود الاستطاعة ، لتظل التكاليف الربانية في حدود طاقة العبد ، إذ لا تخرج الإستطاعة عن إطار القدرة الإنسانية والطاقات البشرية ، دون عنت أو تضييق على العباد ، فالقاعدة الفقهية المتبعة في هذا الشأن أن المشقة تجلب التيسير [240].
وفي ذلك بيان واضح لترتيب مقاصد الشرع ، فيكون حفظ النفس مقدم على أداء شعائر الإسلام وما تتضمنه من تحريم لأكل الميتة أو غيرها ، ذلك أن من كمال الدين وتمام النعمة بيان أحكام الشرع في أحوال الاضطرار ، وتلك مناسبة لإظهار رحمة الله بعباده وتيسيره عليهم بما يناسب أحوالهم ، وذلك أدعى إلى تعميم الحكم بجواز الأكل مما ذكر من المحرمات بوجه –كذلك - بقدر حاجة المكلف ليحفظ جسده من الهلاك ، وبقدر إصلاح بدنه ، متى تعذر واستحال أن يطعم حلالا طيبا .
ولابد من الأخذ في الاعتبار أن التطرق إلى هذه االرخصة لايكون إلا في حال المخمصة ، أي المجاعة أو الجوع الشديد الذي يؤدي إلى ضمور البطن وخلوه من الطعام، فالكلمة تُستخدم للإشارة إلى حالة المجاعة الشديدة ، وهي أشد أنواع سوء التغذية ، والمعنى المرادف: الجوع الذي يجعل البطن "خماصاً" أي لاصقاً بالظهر، بسبب خلوه وضموره ، ومنه حديث النبي r عن الطير قال (لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)[241] .
وتلك ضرورة ملجئة ، فالضرورات تبيح المحظورات ، لكن لابد من الأخذ في الاعتبار كذلك أن الضرورة تقدر بقدرها، فينظر في مبتدأ المسألة وفي منتهاها ، فمبتدأها تقدير الظروف التي تؤدي إلى الاضطرار للأكل من الحرام أو شرب الخمر .الخ ، وما إذا كان ينطبق عليها وصف "المخمصة" أي "المهلكة" أم لا ، أي لم تصل لهذه الدرجة من الخطورة ، بأن كانت مجرد شدة يمكن تحملها ، ولا خطر محدق بالمرء ، ولذلك قَالَ الزُّهْرِيُّ (لَا يَحِلُّ شُرْبُ بَوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ لِأَنَّهُ رِجْسٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ) [242]
وعلامات حصول المخمصة من الناحية الطبية ثلاثة حيث يتجرد الأمر على ثلاث مراتب : -
المرتبة الأولى : سوء التغذية: حيث يفتقر الجسم إلى ما يحتاجه من فيتامينات وطاقة ومواد غذائية.
والمرتبة الثانية : ضمور الأعضاء: حيث يتسبب الجوع الشديد طويل الأمد في تلف في أعضاء الجسم نتيجة نقص التغذية.
والمرتبة الثالثة : تدهور الصحة بما يؤدي إلى خلل شديد في الوظائف الحيوية قد يؤدي إلى الموت .
أما منتهى المسألة فهو تقدير حد الضرورة الذي يبيح الأكل من الميتة - بحيث إذا تجاوز المضطر حد الاقتيات مسترسلا في الأكل بعد أن أقام صلبه يكون قد تجاوز وأثم ، وفي ذلك قال المالكية): يأكل ولا يتزود؛ فيأكل بقدر ما يسد الرمق، ولا يأخذ إلا بقدر ذلك ، كذلك لو أن إنساناً عانى من العطش أو الغصة فيأخذ من الخمر بقدر ما يزيل الضرورة).
قال الشعراوي ( قال رجال الشريعة: على الإنسان المضطر ألا يأكل من الميتة أو ما في حكمها بالقدر الذي يشبع ، بل يأخذ أقل الطعام الذي يمسك عليه رمقه ، ويبقى حياته فقط)[243].
وقد وسع البعض في معنى الإباحة وضيق دائرة الإثم فجعل الرخصة هنا أن يأكل حتى الشبع ، وبالتالي يكون حد الإثم (في قول أهل العراق أن يأكل فوق الشبع تلذذاً)[244] .
والصحيح أنه إذا كان عليه واجب الحفاظ على بدنه بالأكل منها حال المخمصة ، فإنه عليه واجب كذلك بأن يعف نفسه عما حرمه الله لاسيما ما ظهر ضرره كالخمر ، فيتجنب الضرر من المحرم قدر الإمكان ، مثلما يتجنب المهلكة ، فيجمع بين الأمرين ، من ذلك قَول ابْنُ مَسْعُودٍ فِي السَّكَرِ (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)[245] ، بمعنى أنه لا يجوز أن يشرب إلى حد السكر ، وإنما يشرب رشفات في حال المخمصة ليحفظ جسده من الموت ، وهكذا .
كذلك أشار الإمام البقاعي إلى إمكان الجمع بين الأمرين فقال (ففي السعة أن يجتنب ما يضر ، ..فمن اضطر لشيء مما حرم عليه فأكله لم تنله مضرة ، لأن الله سبحانه وتعالى إذا أباح شيئاً أذهب ضره « إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها » ، ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر وتطييباً في الباطن ، فكما رفع عنه حكمها الكتابي يتم فضله فيرفع عنه ضرها الطبيعي)[246] .
وهذا الذي ذكره البقاعي لعله ما يتمناه ببركة الالتزام بشرع الله ، لكن الله قد يبتلي المضطر بشيء من الضر بسبب تناول الميتة أو الخمر وإن كان حال الاضطرار ، لكن المسلم يدفع الضرر الأكبر بتحمل مشقة الضرر الأدنى ، فلا غرو أن الخمر تلحق ضررا كبيرا ، فإذا اضطر المرء لشربها في حال المخمصة ، فإنه يجب أن يوازن بين الأمرين حتى يقل ضرر الخمر في بدنه قدر الإمكان ، كأن يأخذ رشفة واحدة كلما اشد عليه الظمأ وأصابه إعياء شديد من العطش ليحفظ جسده من الهلاك ، ولعله يحظى بكرامة أولياء الله فيشفى بدنه من سمها لأنه مضطر لذلك ، وقد التزم الشرع وأخذ بالرخصة مخافة أن يتضرر بدنه ويهلك ، وهو مسئول عن التماس الأسباب الشرعية والأخذ بالرخص المشروعة لحفظ بدنه .
المسألة الثالثة : دائرة الحل في الإسلام واسعة بما يغني عن الحرام
قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة 4- 5)
الشرع هو الطريق الصحيح لعبادة الله ، وهو الذي يبيَّن للمكلف ما يجب عليه فعله ، وما لا يجوز فعله ، وبيَّن له ما أباحه له من العادات ، ليفعلها على وجه التعبد ، فقربه إلى ما ينفعه وحضه عليه ، و"نهاه" عما يضره ، فأحل الله الطيبات للمؤمنين وحرم عليهم الخبائث ، وفي ذلك بعض التفصيل .
ففي قوله (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) فالإتيان بلفظ المضارع (يَسْأَلُونَكَ) لتوقع الناس تكرار الأمر من الله في مسألة الحل والتحريم ، فيكون سؤالهم عن ضبط الحلال ، قال ابن عاشور (لأن النفوس تتوجه إلى معرفة ما عسى أن يكون قد حُرِّم عليهم من غير ما عدد لهم في الآيات السابقة)[247] ، ذلك أنه بعد أن حدد الإسلام المحرمات من الأطعمة ، ومنها "الميتة" بصورها والدم ولحم الخنزير وكل طعام جاء بسبب غير مشروع داخل في دائرة التحريم ، بادر الصحابة بالسؤال عما أحل لهم أو قد يدور في أذهانهم السؤال عن ذلك ، إذ قد يوهم لفظ (أحلَّت لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ) أن ما أحله الله تعالى محصور مثل الذي حرمه سبحانه فإنه محدد ومحصور ، لكن إجابة الإسلام كانت شافية وكافية بأن الله تعالى أحل (الطيبات) ، فهي دائرة واسعة تشمل كل طيب بلا تحديد لنوعه أو صفته ، كذلك قد تثور مسائل يختلط فيها الخبيث بالطيب ، وهنا لا بد من استفتاء عن حكم الشرع في هذه المسألة .
وحسنا فعل الصحابة حينما توقفوا في هذه المسألة بعد تلك الإجابة ، لعلمهم أن السؤال بعد ذلك تنطع في الدين ، فينبغي السؤال عند الحاجة ، ولا ينبغي افتراض المشكلة قبل أن تقع ، يقول النبي r (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ)[248] ، وقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (المائدة/87) ، قال تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف/32) ، فلا يجوز لمسلم أن يحرم على نفسه أو غيره أي شيء من الطيبات التي أحلها الله له ، وإلا عوتب كما عوتب نبيه في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) (التحريم/1) ، فإذا كان من الورع ترك الخبيث فكذلك من الواجب عدم تحريم الطيب أي ما كان في معنى الطيب .
ولما كان المقصود بالطيبات كل ما فيه نفع للإنسان ، وتحقيق مصلحة معتبرة شرعا ، علم من ذلك أن الله حرم كل خبيث ، أي ما ليس بطيب بإطلاق ، قال تعالى (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) (الأعراف/157) ، إذن معيار الطيبات هو ما كان بخلاف الخبائث ، فإذا كان الخبيث محدد بالنص أو معين بحسب ضرره ، فإن الطيبات ما سوى ذلك ، ومن ثم كان كل ما لم يشمله التحريم من الطيبات ، فالطيبات غير محدودة ، بخلاف الخبائث ، وذلك من باب السعة والرحمة ، وإنما ينظر في تحديد وصف الشيء طيبا أم خبيثا في ذاته أو بسببه ، فإذا كانت ذاته خبيثة فهو خبيث ، وإن كانت ذاته طيبة لكنه جاء بمصدر خبيث مثل أعمال الفسق كالاستقسام بالأزلام أو البغاء ونحو ذلك فإنه خبيث ، أما الطيب فهو ما كانت ذاته طيبة ومصدره طيب ، يقول النبي r (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)[249] .
ولا عبرة فيما تستلذه النفس أو لا تستطيبه في تحديد وصف الطيبات ، وذلك لاختلاف طبائع الناس وعاداتهم ، فمن الناس من يستطيب "لحم الخنزير" وقد نهى الشارع عنه ، ومن الناس من لا يستطيب "لحم الضب" ،وهو حلال ، ففي الحديث عن خَالِد بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي - سَيْفُ اللَّهِ - أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r عَلَى مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا -مشويا- قَدْ قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ ، فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ r وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ ، فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ r يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ r مَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ r يَدَهُ عَنْ الضَّبِّ ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَالَ خَالِدٌ فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ r يَنْظُرُ إِلَيَّ)[250] فتلك سنة تقريرية بأنه حلال ، وإن لم يكن رسول الله r يستسيغه بل كان يعافه .
مسألة : حكم الطيبات المختلطة بالخبائث
السؤال هنا عن حكم ما إذا اختلط الخبيث بالطيب بحيث يعذر الفصل بينهما ؟ القاعدة هنا أن ينظر لأيهما أرجح المصلحة أم المفسدة ، لكن هذه القاعدة مقيدة بأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة [251]، وأولى ، ففي كثير من الحالات تهدر المصلحة إن لم تكن راجحة على المفسدة وإن كانت مرجوحة .
وقد تكلم الرازي في اختلاط المفاسد بالمصالح بحيث يتعذر الفصل بينهما أحيانا فقال (المناسبة لا تبطل بالمعارضة ، والدليل عليه أن كون الوصف مناسبا إنما يكون لكونه مشتملا على جلب منفعة أو دفع مضرة وذلك لا يبطل بالمعارضة ، لأن الوصفان المناسبان المتعارضتان إما أن يكونا متساويتين أو إحداهما أرجح من الأخرى ، فإن كان الأول (أي متساويتان) لم يكن بطلان إحداهما بالأخرى أولى من العكس ، فإما أن نبطل كل واحدة منهما بالأخرى وهو محال لأن مقتضى عدم كل واحدة منهما وجود الأخرى ، وأما أن لا تبطل إحداهما بالأخرى عند التعارض وذلك هو المطلوب ، هنا يقال أن المفسدة الراجحة إذا صارت معارضة بمصلحة مرجوحة ....فليس اندفاع بعض أجزاء الطرف الراجح بالطرف المرجوح وبقاء بعضه أولى من اندفاع ما فرض باقيا وبقاء ما فرض زائلا لأن تلك الأجزاء متساوية في الحقيقة ...فقد تقرر في الشرع إثبات الأحكام المختلفة نظرا إلى الجهات المختلفة )[252].
مثال ذلك : الدواء الذي فيه نوع من السم ، فقبل القول بمشروعيته يجب أن تقاس منفعته ويتم موازنتها بمفسدته ، لأن رسول الله r (مَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا)[253] ، فكل ما يندرج تحت وصف السم سواء أكان ضرره فتاك أو قاصر على إيذاء الجسم في شيء منه ، فهو حرام وليس بطيب ، لكن الدواء له منافع ، فهل يجوز التداوي بدواء له آثاره جانبية محدودة ؟ أي يمكن تحملها لأجل العلاج من مرض أشد ، فالقائلون بتجويزه أخذوا بهذا الرأي من باب دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر [254]، أي أن استعماله من باب ارتكاب أخف الضررين [255].
ولذلك أفتت اللجنة العلمية الدائمة في حكم استعمال " البثدين " أو " المورفين " وهي أدوية ذات تأثير مسكر عند الضرورة أو عند الحاجة ؟ فأجابوا : " إذا لم يُعرف مواد أخرى مباحة تستعمل لتخفيف الألم عند المريض سوى هاتين المادتين : جاز استعمال كل منها لتخفيف الألم عند الضرورة ، وهذا ما لم يترتب على استعمالها ضرر أشد أو مساوٍ كإدمان استعمالها"[256].
مثال آخر : حكم شراء الأسهم المختلطة ، ففيه تفصيل وخلاف بين العلماء ؛ وذلك إذا تعذر الفصل بينهما ، ويحصل ذلك كثيرا إذا اختلط المال مع الشركاء واتجهم الشركة إلى معاملات بعضها طيب وبعضها خبيث ، ولا خيار للشريك للتخارج في بعض الأحيان ، ففيه رأيان :-
الرأي الأول يرى تحريمها مطلقاً لتعاملها بالربا ولو بنسبة قليلة وهو موقف من أخذ (بالورع والاحتياط)، وهو قول جمهور العلماء المعاصرين من أنه لا يجوز شراء أسهم في شركات تتعامل بالربا ، ولو كان نشاطها الأصلي مباحاً، وبهذا صدر قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ونصه: (الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات، كالربا ونحوه بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة )[257] ،
وكذا صدر بذلك قرار من المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي والتي مقرها مكة المكرمة، ونصه: لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا وكان المشتري عالماً بذلك.
والرأي الثاني يرى جوازها بشروط وضوابط ، وذهب إليه بعض العلماء المعاصرين، وبعض الهيئات الشرعية القائمة على بعض المؤسسات الاستثمارية الإسلامية إلى جواز ذلك مع وجوب التخلص من نسبة الفائدة الربوية التي يتم الحصول عليها ضمن الأرباح الناتجة، وممن قال هذا الهيئة الشرعية لشركة الراجحي للاستثمار، والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني، الشيخ ابن منيع، والقائلون بالجواز نظروا إلى تيسير المصلحة مع تجنب قدر المفسدة بتطهير المال من الفساد بالصدقة ، ووضعوا لذلك ضوابط تتمثل فيما يلي : -
الأعيان والمنافع: يجب أن تكون الأصول العينية للشركة (مصانع، أراضٍ) والمنافع الحلال أكثر من الديون الربوية والسيولة، وتحدد بعض الهيئات الشرعية نسبة لا تقل عن 30% أعيان.
نسبة الإيرادات المحرمة: ألا تتجاوز نسبة الإيرادات من المصادر المحرمة (كالفوائد الربوية) نسبة معينة، كأن لا تزيد عن 5% من إجمالي الإيرادات.
التطهير: يجب على المساهم تطهير الأرباح المحرمة عن طريق إخراج المبلغ المقابل لها والتصدق به، ولا يجوز له الانتفاع به شخصياً.
مثال ثالث : حكـم تـداول أسـهم الـشركات، وحكـم الـدخول في الـصناديق الاستثمارية والخـروج منهـا إذا كانـت تلـك الـشركات أو الـصناديق مـشتملة عـلى نقـود أو ديون غالبة على الأعيان والمنافع والقيمة المعنوية ، ولإيضاح ذلك فإن بعض الصناديق الاستثمارية - مـثلا- قـد جعلـت نـشاطها في شراء السلع من سيارات أو عقارات أو معـادن وغيرهـا، ثـم بيعهـا بالتقـسيط، وفي بدايـة نـشاط ً الصندوق تكون معظم الموجودات سلعا، لكن مع الزمن تتكاثر الـديون، كـما يكـون جـزء من الموجودات نقودا في الصندوق، فتغلب حينئذ نسبة الديون والنقـود عـلى الـسلع، وقـدتصل نسبة السلع إلى ٢٠ %أو أقل من الموجـودات، ففـي حالـة كـون الـصندوق مفتوحـا- بمعنى أن للمستثمر أن يخرج في أي وقت وللراغب أن يدخل فيه في أي وقت- هل يكون الخارج بائعا لوحداته والداخل مشتريا لوحدات الـصندوق، وهـل يكـون ذلـك مـن بـاب بيع الدين أو بيع النقد إذا كانت أكثر الموجودات ديونـا ونقـودا؟ [258]ومـن المعلـوم «أن للاجتماع تأثيرا في الأحكام لا تكون في حالة الانفراد»[259]
. ويلاحظ أن هذا الإشكال إنما يرد في الصناديق المفتوحة التـي تكثـر فيهـا نـسبة الـديون والنقود
أمـا الـصناديق المفتوحـة التـي تكـون معظـم موجوداتهـا سـلعا ومنـافع كـصناديق الإجارة، والصناديق المغلقة التي تصفى في آخر المدة ثـم يفـتح الاشـتراك فيهـا مـن جديـد، فإنه لا يرد عليها هذا الإشكال. ً
كذلك في حالة تمحض النقود، كحالة الشركات في بداية الاكتتاب مثلا، وفي حالة تمحض الديون كالصناديق التي تعمل في بيـوع بالأجـل عنـد توقـف النـشاط فيهـا لتـصفيتها، فـإن الأمر يختلف، ويقال هنا: إنه يطبق عليها أحكام بيع النقود أو بيع الديون.
ومن الأمثلة على هذه المسألة أيضا : ً أسـهم المـصارف الإسـلامية فـإن جـزءا كبيرا من موجودات تلك المصارف عبارة عن نقود وديون في ذمم العملاء ناشئة مـن بيـوع التقسيط من مرابحات وغيرها، ولديها أعيان ومنافع لا تمثـل نـسبة كبـيرة، كـما أنهـا تتمتـع بقيمة معنوية، قد تقل أو تكثر، وهكذا، فتلك الأمثلـة ونحوهـا ممـا تكـون فيهـا الموجـودات للـشركة أو الـصندوق مختلطـة مـن أعيان ومنافع وديون ونقـود وقيمـة معنويـة هـل يكـون لاجتماعهـا أثـر؟ وفي هذه المسألة انقسمت الآراء إلى أربعة ، وبيانها على النحو الآتي:-
الرأي الأول: مبني على اعتبار الكثرة أو الغلبة أساساً: وعـلى ذلـك فإنـه إذا كانـت الأكثريـة أو الغلبـة للأعيان والمنافع والحقوق المعنويـة للـشركة، وكانـت الـديون والنقـود قليلـة، جـاز تـداولأسهم الشركات ووحدات الصناديق بيعا وشراء، وفي هذه الحالة لا أثر لوجـود الـديون أو النقود؛ لكونها قليلة، وبالعكس فيما إذا تكاثرت الديون والنقود وجـب أن يراعـى أحكـام الدين والصرف في التعامل بالأسهم والوحدات، وتضبط القلة بالثلث فما دونه.
الرأي الثاني: أن العبرة بالقصد، وما عداه فتبع، بناء على قاعدة (التبعية(، وعـلى ذلـك: فـإن الـديون والنقـود في الـشركات والصناديق تكون تابعة مهما كانت نسبتها، والأصـل المتبـوع حينئـذ إمـا أن يكـون نـشاطها وإنتاجها، أو الأعيان والمنافع والقيمة المعنوية.
الرأي الثالث: القول بالشخصية الاعتبارية للشركات أو الذمة المالية :وعلى ذلك فإنه يجوز تداول الأسهم بغض النظر عن مكوناتها؛ لأن محـل التـداول هـو جـزء مـن الشخـصية الاعتباريـة للشركة .
الرأي الرابع : القول بجواز التعامل بالأسهم وتداول وحدات الـصناديق بنـاء علـى التخارج : وبناء على ذلك يجوز تداول أسهم الشركات ووحـدات الـصناديق دون النظر إلى نسبة النقود والديون[260].
وفي قوله (وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)(المائدة/4) توسيع كبير لدائرة الحل من حيث سببه ، ورفع للحرج عن المسلمين بأن أتاح الله لهم أن يأكلوا من صيدهم أو من صيد الحيوانات أو الطيور الجارحة المدربة على الصيد للإنسان ، ذلك أنه لو كان المال والطعام الذي يأتي من الاستقسام بالأزلام "ولعب القمار" محرم باعتبار سببه ، فإن الطعام الذي يأتي بالصيد من الطيبات لمن أراد أن يكتسبه بالحلال ، فالصيد سبيل لاكتساب الرزق الحلال ، لاسيما المجاهدون في سبيل الله ، فإنهم يعيشون على الصيد ورعاية الغنم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ)[261] .
والشرع رخص للإنسان أن يستعين عند الاصطياد بنفسه أو بحيوان أو بطير ، شريطة أن يكون حيوانا مدربا ... ليصطاد لأجله (صاحب الحيوان المدرب) لا لأجل نفسه (الحيوان المدرب) ، وعلة إباحة الصيد بجارحة أو حيوان مدرب التيسير على المكلفين ، قال ابن عثيمين )المشقة تجلب التيسير؛ لأنه لما كان يشق على الإنسان أن يصطاد الصيد بنفسه في كل وقت وحين؛ لأن المصيد ربما يكون مثلًا في جبال أو في سهول أو في أودية ، ولا يستطيع أن يصيده بنفسه رخص له أن يصيد بجارحة، وهذا من توسعة الله عزّ وجل على عباده في أسباب الرزق)[262].
والمقصود بالجوارح كل كائن مفترس مدرب على الصيد لمن يرسله ، (وهو نوعان : - ما يصيد بنابه : كالكلب والفهد ، وما يصيد بمخلبه : الصقر والبازي) [263]، وقد ذكر الله كلاب الصيد علي وجه الخصوص لكثرة الصيد بها ، قال سبحانه (مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ) [المائدة:4] أي (متخذين لهذه الكلاب المعلمة ، فقد عرف أن الكلب لا يجوز اقتناؤه إلا إذا كان محتاجاً إليه) [264].
قال رسول الله r (مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ)[265]، قَالَ سَالِمٌ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُا أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ)[266] .
وطريقة الصيد التي بها يعد الصيد حلالا طيبا أن يذكر صاحب الكلب أو الجارح اسم الله ثم يرسله ليصطاد له ، فإذا صاد ولم يأكل منه فقد أمسك عليك ، وإن أكل الحيوان أو الجارح منه ، فلا يحل ولا يطيب للصائد لأن الكلب أو الجارح أمسك لنفسه
عن ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ (إِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فَقَدْ أَفْسَدَهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَاللَّهُ يَقُولُ (تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ) فَتُضْرَبُ وَتُعَلَّمُ حَتَّى يَتْرُكَ)[267].
قال ابن حجر (وينبغي إذا فعل ذلك أن يضربه حتى يدع ذلك الخلق ، فعرف بهذا المراد بقوله حتى يترك أي يترك خلقه في الشَرَه ، ويتمرن على الصبر عن تناول الصيد حتى يجيء صاحبه)[268] .
قال ابن القيم الجوزية (ولولا مزية العلم والتعليم وشرفهما كان صيد الكلب المعلم والجاهل سواء)[269]
وعليه كان الأساس في حل الصيد بواسطة الجوارح أو الكلاب أن يمسك على صاحبه ولا يمسك لنفسه ، وهذا لا يتأتي إلا بتدريب الحيوان أو الطير على ذلك، فدخل ذلك التدريب في علوم الشرع الواجب علي الكفاية اكتسابها بنص الآية.
الصيد بالصقر الصيد بالفهد الذكاة إذا أمسكه حيا
فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ ، وَقَدْ قَتَلَ ، فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ ، وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ) [270].
فقوله (فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه) (هذا تصريح بأنه إذا أدرك ذكاته وجب ذبحه ولم يحل إلا بالذكاة)[271] ، قال النووي "وهو مجمع عليه"[272] الكلاب المعلمة : هي التي علمت لاصطياد الصيد ويفرق الكلب المعلم بأنه يسترسل إذا أرسل ، وقيل هو الذي يستشلي إذا أشلي ، وينزجر إذا زجر ولا يأكل من فريسته)[273].
قال النووي (فيه بيان قاعدة مهمة وهى إنه إذا حصل الشك فى الذكاة المبيحة للحيوان لم يحل لأن الأصل تحريمه ، وهذا لا خلاف فيه)[274] ، (وفيه تنبيه على أنه لو وجده حيا وفيه حياة مستقرة فذكاه حل ، ولا يضر كونه اشترك فى إمساكه كلبه وكلب غيره لأن الاعتماد حينئذ فى الاباحة على تذكية الآدمى لا على إمساك الكلب ..)[275]، أما إذا وجده ميتا فلا يحل ، وذلك لنفي شبهة أن يكون الكلب الآخر هو الذي أمسكه ولكن على نفسه .
وفي قوله (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) ، قال المفسرون : (المرادُ "بالأيام" الثلاثة وقتٌ واحدٌ)[276] وتلك هي أيام الحج ، أيام النحر ، أي من العاشر حتى الثاني عشر من ذي الحجة – أي المذكورة في قوله تعالى (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ، اليوم أكملت لكم دينكم ، اليوم أحل لكم الطيبات - ، والمقصود بها الظرف الذي ظهرت فيه شعائر الإسلام ، واقتران حل الطيبات بها ، بما يدل على أن في ظهور هذا الدين خير ، ولولا ذاك لكانت المشقة في التكليف ، ولمس الناس عنت كبير ، لكن الله يسر تكاليفه على عباده الصالحين .
فتضمن الخطاب تكرار للظرف الزماني الذي يئس فيه الذين كفروا من أن يهدموا دين الإسلام ، وهو ذات الظرف الذي أكمل الله فيه هذا الدين وأتم فيه على المسلمين نعمته ، وهو ذات الظرف واليوم الذي رفع الله فيه الحرج عن هذه الأمة فأباح لها الصيد ، ولم يحرم الله عليها شيئا مما حرمه على الأمم السابقة لتعنتهم في الدين ، قال تعالى (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا)(النساء/160) ، قَالَ رسول الله (إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ)[277], فلأن الخير في هذه الأمة إلي يوم القيامة تلك الأمة التي أُخرجت للناس وجهرت بدعوة الحق ، فقد جعل الله تعالى شريعتها ناسخة للشرائع التي قبلها ، وأحل لها الطيبات كلها .
وفي قوله (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ) توسعة للمسلمين أن يأكلوا -كذلك- من طعام غيرهم من أهل الذمة بعد دفع شبهة "الخبائث" ، وتأصيل لسياسة الإسلام مع أهل الكتاب والذمة الذين يعيشون في كنف المسلمين ، ذلك أنه حين يظهر الإسلام ويعلو فإنه يحفظ للجار حقه ، وإن اختلف معه في الدين ، ومن الحقوق التي يستحب مراعاتها تبادل الهديا ، لعل الله تعالى يهدي منهم إلى الإسلام من شاء ، ويهدي الباقين منهم على ملتهم إلى حسن الجوار .
قال ابن عاشور (علة الرخصة في تناولنا طعامهم هو الحاجة إلى مخالطتهم)[278] ، لاسيما إذا نكح من أهل الكتاب زوجة له ، فتكون المخالطة بحسن خلق وبالمعروف وتتوج بالهدايا والتعامل معهم بالبيع والشراء ، قال صاحب الظلال (إن الإسلام لا يكتفي بأن يترك لهم حريتهم الدينية ثم يعتزلهم ، فيصبحوا في المجتمع الإسلامي مجفوين معزولين - أو منبوذين - إنما يشملهم بجو من المشاركة الاجتماعية والمودة والمجاملة والخلطة ، فيجعل طعامهم حلا للمسلمين وطعام المسلمين حلاً لهم كذلك ، ليتم التزاور والتضايف والمؤاكلة والمشاربة ، وليظل المجتمع كله في ظل المودة والسماحة) [279].
وقد ثار التساؤل عن حكم ذبائحهم على وجه الخصوص لاسيما وأنهم لا يسمون عليها اسم الله ، بل قد يسمون غير الله عليها ، ولكن الإجماع الفقهي منعقد على أنهم إذا عُلم منهم أنهم يسمون غير اسم الله عليها أو لم يستوفوا الشرائط الموضوعية للذبح فأخذت حكم الميتة ، فهذا يعني أن ذبائحهم لا تحل ، ولا خلاف في ذلك .
وإنما حصل الخلاف في حكم ذبائح الذميين منهم الذي يعيشون بين المسلمين أو الذين تعاهدوا مع النبي r بعهد مثل بني تغلب [280]، ولذلك قال ابن تيمية (وَأَصْلُ النِّزَاعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذكَر مِنْ نِزَاعِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي بَنِي تَغْلِبَ)[281].
قَالَ الزُّهْرِيُّ (لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُسَمِّي لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَأْكُلْ ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ) [282]، وقد ورد في هذه المسألة حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ r إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَقَالَ r (سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ)، قَالَتْ (وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ) [283]، قال السندي (كأنه r أرشدهم بذلك إلى حمل حال المؤمن على الصلاح ، وإن كان جاهلاً ، وأن الشك بلا دليل لا يضر ، وأن الوسوسة الخالية عن دليل يكفي في دفعها تسمية الآكل... وظاهر الحديث يفيد أن التسمية واجبة لكن تنوب تسمية الآكل عن تسمية الذابح ، ولم يقل به أحد)[284].
قال ابن تيمية (لا بأس بأكل ما لم يسموا عليه إلا في وقت ما يذبحون لأعيادهم وكنائسهم فإنه في معنى قوله تعالى وما أهل لغير الله به)[285].
وقال ابن تيمية (يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم بابتياع أو هدية أو غير ذلك مما لم يذبحوه للعيد ، فأما ذبائح المجوس فالحكم فيها معلوم فإنها حرام عند العامة)[286]
نفهم مما تقدم أن تحليل ذبائح أهل الكتاب الذميين جاء معطوفا معه حكم حل الزواج من المحصنات من أهل الكتاب لما فيه من فائدة وهو أن يكون الولد منها مسلما ، وفي ذلك مصلحة شرعية معتبرة مقدمة على أي مفسدة ، ولذلك كان حكم الإباحة في الأمرين لأجل تعزيز المخالطة بهم ، تأليفا لقلوبهم على الإسلام أو حسن الجوار ، ولذات السبب كذلك جازت ذبائحهم ، لاسيما وأن الزوجة الكتابية تذبح لزوجها المسلم ، فيحصل حرج شديد بينهما إذا لم تحل ذبيحتها له شريطة ألا تسمي غير الله عند الذبح ، وهذا أمر يسهل أن يحذرها منه ، بل ويكفي أن يشترط عليها مرة واحدة ، ولا يسألها بعد ذلك ، فإن لم تفعل ولم يعلم ، فإنه يجبر أي تقصير قد يقع منها - لو حصل - أن يسمي هو علي اللحم قبل أن يأكله ، فهي رخصة أجازها الشرع له حتى لا يقع فساد بين المرء وزوجه ، وقس على ذلك سائر الأمور ، حيث يكون ذلك من باب تأليف قلوبهم على الإسلام [287].
وفي قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ) انتقال إلى موضوع آخر مما أحله الله تعالى غير الأطعمة من متاع الحياة الدنيا وما اعتاده الناس في معاشهم ،وهو عادة النكاح ، حيث أحل الله تعالى الزواج من المحصنات من المؤمنات ، وقد قدمهن الله في هذا الموضع عن سائر المحصنات العفيفات ، لأن المؤمنة خير ، (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (البقرة 221) ، فضلا عن أن الله أرشد المسلم في حال تعذر الزواج من الحرائر المحصنات أن يتزوج من الإماء المؤمنات ، كما قس قوله (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ)(النساء/25).
وفي قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) مزيد من التيسير وتوسعة لدائرة الحلال في الأنكحة ، بتشريع جواز نكاح أهل الكتاب من أهل الذمة
وقد يبدو التعارض لأول وهلة بين هذه الآية ، وقوله تعالى (وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (البقرة/221) ، وقد وقف بعض الصحابة عند آية النهي فلم يخصصها بمخصص ، وأطلق الحكم بحظر نكاح غير المؤمنات ، فعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا أَعْلَمُ مِنْ الْإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ)[288]
لكن الجمهور خصصوا حكم الحظر الوارد في سورة البقرة بغير الكتابيات[289] ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) ثُمَّ اسْتَثْنَى نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِكُمْ حِلٌّ لَكُمْ ) [290]
قال ابن تيمية (وطائفة أخرى تجعل لفظ "المشركين" إذا أطلق لا يدخل فيه أهل الكتاب ، وأما كون "النصارى" فيهم علي الشرك كما ذكرهم الله ، فهذا متفق عليه بين المسلمين كما نطق به القرآن ، والمسلمون متفقون على أن قوله (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) أن النصارى لم يدخلوا في لفظ الذين أشركوا كما لم يدخلوا في لفظ اليهود ، وكذلك قوله (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) ونحو ذلك وهذا لأن اللفظ الواحد تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران)[291].
وجمهور الفقهاء قيدوا هذه الرخصة بعدة شروط من أهمها التحقق أولا من أنها "كتابية" ، أي أنها تؤمن بالتوراة والإنجيل على سبيل الإجمال ، لا التفصيل – لأنهما كتب بدلت وحرفت - ، وإن كانت لا تفهم النصرانية ولا تتمسك بشئ منها فليست بكتابية ، وكذلك اليهودية .
فعن عبيدة أن عليا كان يكره ذبائح بني تغلب ، ويقول لا يتمسكون من النصرانية إلا بشرب الخمر)[292] ، أي (لأنهم تركوا تحليل ما تحلل النصارى ، وتحريم ما تحرم غير الخمر)[293] ، فمن كان منتحلا ملة هو غير متمسك منها بشيء فهو إلى البراءة منها أقرب إلى اللحاق بها وبأهلها .
وخالفه في ذلك ابن عباس فكان يقول (كلوا من ذبائح بني تغلب ، وتزوجوا من نسائهم ، فإن الله عز وجل قال : "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم")[294] ، أي أنه رخص في الزواج من نسائهم مع تأكيد الحكم على عدم جواز الموالاة ، فكأن ابن عباس يرى أنهم إذا لم يكونوا من "النصاري" كما ذكر علي رضي الله عنه أنهم تحللوا من النصرانية ولم يتمسكوا بشيء منها غير تحريم شرب الخمر ، إلا أنهم لما كانوا يوالون "النصارى" فإنهم منهم ويأخذون حكمهم في جواز ذبائحهم ونكاحهم ، ولذلك قال (فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم)[295].
لكن هناك مسألة : هل يجوز الزواج من الكتابية إذا كانت المحاربة ؟ قال النووي (الكفار ثلاثة أصناف :-
أحدها الكتابيون فيجوز للمسلم مناكحتهم سواء كانت الكتابية ذمية أو حربية لكن تكره الحربية وكذا الذمية على الصحيح لكن أخف من كراهة الحربية ، والمراد بالكتابيين اليهود والنصارى .
أما المتمسكون بكتب سائر الأنبياء الأولين كصحف شيث وإدريس وإبرهيم وزبور داود صلوات الله وسلامه عليهم فلا تحل مناكحتهم على الصحيح .
الصنف الثاني من لا كتاب له ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان والشمس والنجوم والمعطلة والزنادقة والباطنية والمعتقدين مذهب الإباحة وكل مذهب كفر معتقده فلا تحل مناكحتهم .
الصنف الثالث من لا كتاب لهم مكن لهم شبهة كتاب وهم المجوس ، وهل كان لهم كتاب فيه قولان أشبههما نعم وعلى القولين لا تحل مناكحتهم لأنه لا كتاب بأيديهم ولا نتيقنه من قبل فنحتاط ، وقال أبو إسحق وأبو عبيد ابن حربويه يحل إن قلنا كان لهم كتاب وهذا ضعيف عند الأصحاب) [296].
وعليه - نرى- الامتناع عن الزواج من الكتابية إلا من المعاهدة منهم – ويكره في الكتابية الحربية - فإن كانت من قوم يحاربون المسلمين ، فقد يصح نكاحها مع الإثم ، لقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة/51) ، وليس ثمة ولاية أشد من أن يتخذها زوجة له فتكون لباس له ويكون لباسا لها وتكون بينهم المودة والرحمة ، وهي على هذا الحال من المحاربة ، فإن كانت معاهدة فإن لها ما لنا وعليها ما علينا ، لاسيما وأنها بصفتها الحربية يصح أن تقع أسيرة حرب ، كما يجوز قتلها متى لم تنتفي عنها هذه الصفة ، أي لو كانت جندية محاربة للمسلمين .
كما قيدوا هذه الرخصة بأن يكن محصنات أي غير زوان ، يقول ابن عباس في قوله تعالى (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) يَقُولُ عَفَائِفَ غَيْرَ زَوَانِى)[297]، وعن عامر"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن تغتسل من الجنابة ، وأن تحصن فرجَها)[298] ، وهو أمر يكاد يكون متعذرا في المجتمعات التي لا تعتبر لعذارة المرأة شأنا بل إنها لتعاير من لا تزال عفيفة وليس لديها أخدان .
كذلك ثمة قيد وارد بالآية وهو قيد "المهر" كناية عن فهمها معنى الزواج الإسلامي ، وأن تلتزم بشروطه وأحكامه ، كما في قوله تعالى ( إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) يَعْنِى (مُهُورَهُنَّ )[299]، وهو ما يعني وجوب أن تفهم المرأة معنى الزواج الإسلامي الذي يؤدي إلى الإحصان ، وأن تفهم واجبات الزوجية المنبثقة من العقد ، وأن العلاقة بينها وبين زوجها المسلم علاقة خاصة على وجه التأبيد ، وأنها تقبض المهر حقا لها مقابل الالتزام بكل واجباتها الزوجية ، وهو ما يعني أنه كما أن لها حقوقا فإن عليها واجبات تنبثق من هذا العقد ، وعليها أن تذعن مقدمًا لأحكامه وتسلم بها ، لاسيما وأن الآية حرصت على إحصانهن وإعلامهن بوجوب ذلك بقوله تعالى (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) .
أي أنها بالزواج من المسلم تعامل معاملة المحصنة ، فيجب عليها حد الرجم إذا وقعت في الزنا بعد ذلك ، كما أن عليها أن تفهم أن زوجها ليس بعشيق يسهل عليها أن تتركه عندما ترغب ، وإنما له عليها السمع والطاعة ، فإن أمرها بالاحتجاب وعدم مخالطة الرجال فإنها تعلم أنه قوام عليها ويجب عليها طاعته ، وإلا صارت ناشزا وسقطت حقوقها المادية كالنفقة ، لا سيما وأن دينها لا يعارض قوامة الرجل عليها ، فإذا فهمت ذلك كله ووعته وارتضت به فقد تحقق مناط الإباحة لهذا الزواج من أهل الكتاب إن شاء الله ، لأن العقد شريعة المتعاقدين ، والإسلام حدد أركان وشروط وآثار عقد الزواج بما لا يجوز تعديله من الطرفين ، فعليها أن تقبل بهذه الشروط حتى يصح العقد ، ولا يمكن ذلك بغير معرفتها بها.
فإذا ما انتفت الموانع المتقدم ذكرها حل نكاحها ، وهو فرض يكاد ينحصر في الكتابيات من أهل البلاد العربية ، قال الرازي (وأكثر الفقهاء على أن ذلك مخصوص بالذمية فقط) [300]، بل إنه أمر يكاد يكون متعذرا كذلك في ظل تعنت أهلهن السماح لهن بالتزوج من المسلمين ، رغم أن ديانتهم لا تمنع ذلك ، وهو الأمر الذي فطن إليه الإمام البخارى فبوب بابا بعنوان (بَاب نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ) وجعله تاليا لحديث ابن عمر المتقدم ذكره ، وأورد فيه حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قال (كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ ، كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ وَلَا يُقَاتِلُونَهُ ، وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ) [301]، وهو الأمر الذي حدا بالكثير من الفقهاء إلى تأويل هذه الرخصة بإسلامهن ، ففسروا الإحصان المقيد لحل نكاحهن بالإسلام ، إذ لا معنى لهجرتها إلى دار الإسلام إلا للدخول فيه ، لاسيما وأن الإسلام يحصنهن عن الزنا بل هو خير حاصن عن الخنا .
فإذا جاز الزواج منهن وفقا للضوابط المتقدم ذكرها ، تأكد حرص الإسلام على إقامة علاقات طبيعية مع أهل الكتاب الذميين المسالمين ، وتأكيد هذه الصلة بعقود النكاح التي هي أشد العقود صلة بين أهل الزوجين ، قال ابن عاشور (ذلك يقتضي شدة المخالطة معهم لتزوج نسائهم والمصاهرة معهم)[302] .
قال صاحب الظلال (الإسلام يجعل العفيفات من نساء أهل الكتاب - وهن المحصنات بمعنى العفيفات الحرائر - طيبات للمسلمين ، ويقرن ذكرهن بذكر الحرائر العفيفات من المسلمات ، وهي سماحة لم يشعر بها إلا أتباع الإسلام من بين سائر أتباع الديانات والنحل ، فإن الكاثوليكي المسيحي ليتحرج من نكاح الأرثوذكسية أو البروتستانتية أو المارونية المسيحية ، ولا يقدم على ذلك إلا المتحللون عندهم من العقيدة! وهكذا يبدو أن الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يسمح بقيام مجتمع عالمي ، لا عزلة فيه بين المسلمين وأصحاب الديانات الكتابية؛ ولا حواجز بين أصحاب العقائد المختلفة ، التي تظلها راية المجتمع الإسلامي ، فيما يختص بالعشرة والسلوك ( أما الولاء والنصرة فلها حكم آخر سيجيء في سياق السورة)[303].
وفي قوله تعالى (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(المائدة/5) احتراز من الآثار السلبية التي قد تترتب على الخلطة بأهل الكتاب لاسيما إذا كانت حربية وليست ذمية ، فقد ناسب وضع هذه الجملة تالية لذكر إباحة النكاح من أهل الكتاب ، قال ابن عاشور (والمقصود التنبيه على أن إباحة تزوج نساء أهل الكتاب لا يقتضي تزكية لحالهن ، ولكن ذلك كان تيسيرا على المسلمين، وقد ذكر في سبب نزولها أن نساء أهل الكتاب قلن:"لولا أن الله رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا")[304] لاسيما وقد قال الله تعالى (أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة/221)
قال الإمام البقاعي (ولما كانت مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد الذي ربما أدى إلى التهاون بالدين ، فربما دعت الزوجة المشركة زوجها إلى الكفر فقاده الميل إلى اتباعها قال منبهاً على ذلك ومعللاً لهذا الحكم : "أولئك" أي الذين هم أهل للبعد من كل خير "يدعون إلى النار" (البقرة221) أي الأفعال المؤدية إليها ولا بد ، فربما أدى الحب إلى الكفر ، ومن ثم فإن درء المفاسد مقدم)[305]
وفي قوله (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) إشارة إلى أنه عند السعي وراء الدنيا دون الالتزام بضوابط الشرع تزل الأقدام ، فالاسترسال في التحلل من ضوابط الشرع يزيد من زلة المرء حتى يصل إلى الكفر بعد الإيمان – وقد لا يدري ما يصنع - فإن وصل إلى هذا الحال فقد حبط عمله أي بطل ثواب ما عمله في إسلامه ، حتى وإن عاد بعد ذلك للإِسلام فليس له من عمله إلا ما عمل بعد رجوعه إلى الإسلام ، قال الرازي (عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة ويصير ذلك سبباً لميل الزوج إلى دينها ، وعند حدوث الولد فربما مال الولد إلى دينها)[306].
وفي قوله (وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) إشارة إلى أن من يفعل ذلك يكون في غمرة ساهٍ لاهٍ ، ولا يفيق منها إلا في الآخرة ، وعندها يعلم أنه هو الخاسر (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر/15).
شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (6)
انتقلت الآيات من الحديث عن أثر شعائر العادات على أمان أهل الكتاب إلى أثر شعائر العبادات عليهم أيضا ، فابتدأت بالنداء للذين آمنوا وأمرتهم بالوضوء للصلاة ثم ذكرت نعمة الله والقيام بحقوقه كافة والشهادة بالقسط وأوصتهم بالعدل بين الناس ، ثم أعقبت ذلك ببيان حكم من آمن ومن كفر وجزاءهما في الآخرة .
فالجماعة المؤمنة التي تحافظ على عقودها مع الغير تتميز دوما بإقامتها لشعيرة الصلاة ، والحفاظ على شروطه وأركانها كما ذكر الله ، بهذه المناسبة ذكرت آية الوضوء لتتمة لهذا الموضوع الذي نحن بصدده .
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) هذا النداء للجماعة المؤمنة لكي تتمسك بشعيرة الصلاة وما تتطلبه من طهارتين مخصوصتين ، أحدهما حقيقية والأخرى حكمية ، فالطهارة الحقيقية هي الطهار من الخبث ، فهي معقولة المعنى ، وأما الطهارة الحكمية ، فهي غير معقولة المعنى ، وهما طهارتان ، إما من الحدث الأكبر أي "الجنابة" وتكون إما بالجماع أو الإنزال ، وإما من الحدث الأصغر وهو الفساء (الضراط) أو البول أو العائط .
وبهاتين الطهارتين يتأهب المسلم للصلاة وهم مصحوب بحالة جسدية وذهنية ونفسية تسمى بـ (الطمأنينة) فهي أهم ركن من أركان الصلاة بعدما تستوفي شروطها الخمس وهي (دخول الوقت – الطهارة المصلي حقيقة وحكما كما تقدم – طهارة المكان – استقبال القبلة- تخصيص النية قبل تكبيرة الإحرام) .
قوله (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) تعبير يصف حال المؤمن عند سماع النداء للصلاة ، حيث ينهض للصلاة بخفة ونشاط ، لا عن تكاسل وتثاؤب ، ويستقطع من العمل الذي هو مشغول به وقتا لأدائها دون عجلة أو استعجال ، تاركا جميع هموم الدنيا وراء ظهره ، ليتفرغ إلى لقاء ربه وهو مشغول بذكره ودعائه ، وليس له هم إلا الآخرة حيث اللقاء والحساب والجزاء .
فقد فرض الله تعالى الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة ، الصبح ركعتان والظهر أربعا والعصر أربعا والمغرب ثلاثا والعشاء أربعا ، ما يعني أن الصلاة تتخلل أعمال المرء على مدار اليوم كله ، فإذا حضرت الصلاة ترك النبي r ما كان يشغله وأقبل عليها ، فعَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ r يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)[307].
فمن الواجب ألا ينشغل المسلم بشيء إذا حضرت الصلاة غير الصلاة ، وعن عائشة (كان رسول الله r يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه)[308]، بل إن مدة انتظار المسلم لإقامة الصلاة بعد الأذان تحتسب عند الله صلاة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ)[309].
والصلاة عبادة توقيفية أي لا اجتهاد في أحكامها ، فهو سبحانه الذي حدد وقت الفروض الخمس، فإن فات وقتها المحدد يكون أداءها بعد الوقت "قضاء" لها ، كما حدد ما ينبغي للمسلم أن يفعله من وضوء قبل الصلاة ، وحدد حركاتها المخصوصة ، وأقوال من الذكر معلومة ومسنونة ، فلا ابتداع في ذلك ولا اختراع .
فعَنْ النَّبِيِّ r أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ فَأَبْرَدَ بِهَا فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ)[310].
وهكذا تدور الصلوات الخمس مع حياة المسلم من أول يومه حتى آخره ، فتستقطع الصلاة كل أعماله أيا كان الذي يفعله ، ليترك كل ما يشغله ، ويقبل على ربه مؤديا حركاتها ملتزما بالذكر ، في حالة نفسية مطمئنة يعيشها المسلم في اليوم خمس مرات من بين كل أوقاته على نحو ما ذكرنا .
فأما أوقات الصلاة الخمس فتبدأ منذ مطلع الفجر ، حيث وقت صلاة الصبح حينما يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، فيكون المسلم أول من يستيقظ من نومه مبكرا ليبدأ يومه بتلك الصلاة ، وينال بركة البكور .
وقت الفجر عندما يتبين الخيط الأبيض مستعرضا – وليس مستطيلا – من الخيط الأسود من الليل
ووقت "الظهر" حين زوال الشمس من منتصف السماء ، وهو وقت الذروة وشدة الحرارة ، ويتناسب وقتها مع وقت الاستراحة من العمل والكسب والمعاش منذ طلوع الشمس .
وقت الظهر يسمى بوقت الزوال ، وذلك عند زيادة ظل الجسم بعد تناهي قصره في الاتجاه الآخر[311]
ووقت "العصر" حين يصير ظل كل شيء مثله أو مثليه ، حيث تبرد الشمس وتقل شدة حرارتها ، ويكون المرء في حاجة لأن يتناول غداءه ، وغالبا ما يكون قد شارف على الإنتهاء من الأعمال الأساسية التي شغلته طوال اليوم .
ووقت "المغرب" عند غروب الشمس ، حيث يفرغ المسلم من عمل النهار ليقبل على أعمال وأوراد الليل التي تختلف عن أوراد النهار وتتسم بالسكون والهدوء .
وأخيرا وقت "العشاء" وهو بعد زوال أخر ضوء للشمس في السماء ويسمى بـ " الشفق الأحمر" ، وتسمى بصلاة العتمة ، حيث يشرع المسلم بالسكون في البيت ، وإنهاء يومه من كل ما يشغله من أمور حياته ليشرع في النوم والسبات حتى يستقبل من الغد يوم جديد ، ففي النوم استشفاء للجسد لاسيما المفاصل والغضاريف والأوتار والعضلات من تعب يوم المسلم في العبادة وطلب الرزق والجهاد في سبيل الله .
فإذا تأملنا حركات الصلاة التي تتنوع بين القيام والركوع والسجود والعقود نجد أن أهم شرائط صحتها شرط "الطمأنينة" ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ r فَرَدَّ وَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَقَالَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا)[312] .
أما الطمأنينة فهي الركن النفسي والذهني لصحة الصلاة لأن النبي r أمر المسيء في صلاته أن يعيد الصلاة فلما أعادها ولم يطمئن أمره أن يعيدها فلما لم يطمئن أمره أن يعيدها الثالثة ، فلما اعتذر له أنه لا يحسن غير ذلك ، علمه بأن شرط عليه r الطمأنينة في كل حركة من حركات الصلاة ، فقال له (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا)[313]
كذلك فإن الثواب في الصلاة يكون بقدر الطمأنينة والتعقل ، فعن عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ تُسْعُهَا ثُمْنُهَا سُبْعُهَا سُدْسُهَا خُمْسُهَا رُبْعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا) [314].
فحركات الصلاة التي يؤديها المسلم منذ بداية يومه وفي ظل انشغاله بعمله أو إعداد طعامه وترتيب شئون بيته وأهله وقبل نومه تتسم -جميعها- بالسكون والطمأنينة ، ما ينفي عنه سيطرة الغضب أو التعب على أخلاقه ، تلك العوارض التي قد تنتابه من الاسترسال في العمل ومعترك الحياة ، ففي الحديث عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ لَنَا إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ)[315].
قوله (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا..) أشعر بأن الأصل هو الوضوء لكل صلاة ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ r يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قَالَ يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ)[316] ، وعليه فإنه يجوز وضوء واحد للصلوات كلها إذا لم يحدث ، فعَنِ النَّبِيِّ r قَالَ (لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)[317] ، وعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ (فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ)[318] ، قَالَ رسول الله r (لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ)[319] .
قوله (فَاغْسِلُوا ..) يشرح كيفية الوضوء للصلاة ، فعَنِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رضى الله عنه - أَنَّه دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r « مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ »[320].
فالطهارة شرط للدخول في الصلاة ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ)[321] ، قال النووي (هذا الحديث نص في وجوب الطهارة للصلاة وقد أجمعت الامة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة)[322].
وهما طهارتان إما من الحدث الأصغر وهو الضراط أو البول أو عملية الإخراج لفضلات البطن ومخرجات الهضم الناتج عن عملية الأكل والشرب ، وهو ما يسميه علماء الفقه بالخارج من أحد السبيلين ، فيتطهر المسلم من ذلك بإزالة النجاسة من بدنه ، ثم بالوضوء بالماء الطهور ، ليرفع الحدث الأصغر .
ويقصد بالماء "الطهور" أي الباقي على أصل خلقته لا لون له ولا طعم ولا رائحة ، كما ذكر الله (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) (الفرقان 48) كماء البحر والأمطار والأنهار والآبار ، فإن تغيرت أحد أوصافه بطاهر كان طاهرا في نفسه لكنه لا يكون مطهرا لغيره ، بمعنى أنه لا يزيل الحدث ، فلا يجوز الوضوء به ، وإن جاز إزالة الخبث به ، إلا ماء البحر فإنه مالح لكن يجوز التطهر به لثبوت الحديث بذلك عن النبي r (هو الطهور ماؤه)[323] ، أما إن خالطه نجاسة غيرت من أحد أوصافه الثلاثة فهو ماء نجس لا يجوز استخدامه لا في العادات ولا في العبادات .
وتكون الطهارة من الحدث الأكبر أي من (الجنابة) الناتجة عن عملية الجماع أو التقاء الختانان بين الزوجين[324] أو الاحتلام ، وحكم الجنابة الغسل ، فتلك هي الطهارة من الحدث الأكبر وسوف نتحدث عنها في قوله (وإن كنتم جنبا فاطهروا) .
"فالطهارة" هي حالة ينبغي أن يحافظ عليها المؤمن ، وبها يستعيد نشاطه ويظل في إقبال -دائم- على طاعة ربه ، بهدوء وراحة بال ونفس مطمئنة ، قال رسول الله r (وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ)[325] ، يعزى ذلك إلى أن الوضوء يطفئ نار الغضب ، ففي الأثر (إِنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنْ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ)[326] ، قال الشيخ محمد المنجد (معنى الحديث مقبول وصحيح من جهة الطب ؛ لأن الغضب يصاحبه فوارن الدم ، والماء يطفئ هذه الفورة ويكسر حدتها ، ولذلك ما زال الفقهاء يذكرون الوضوء كعلاج للغضب ، ولم ينكر ذلك أحد منهم)[327] ، فالوضوء وسيلة تربوية للمسلم ، والإسلام بهذه العبادة يريد من المسلم أن يحافظ علي حالة السلم الداخلي وطمأنينة النفسية بصفة دائمة ، ولا شك أن هذه الحالة تجعله قادرا على أن ضبط سلوكه مع الناس بضابط العدل والقسط دون شطط أو عدوان كما أشارت بذلك مقدمة السورة.
لاسيما وأن فضل الحفاظ على الطهارة والوضوء عظيم ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ قَالَ مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ)[328].
قوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) الجنابة[329] تكون من الأحدث الأكبر كما ذكرنا ، ويكون ذلك إما بالجماع (الوطء) - سواء بإنزال أو بدون إنزال- ، أو بالإنزال ولو بدون وطء إما بسبب مقدمات الجماع أو عند الاحتلام غالبا ، والأدلة على ذلك كثيرة ، منها ما روي عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ)[330]
وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r قَالَتْ (إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ r فَاغْتَسَلْنَا)[331].
ولا حجة فيما روي عن زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ ، قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ)[332] ، فهذا منسوخ .
وَيَقُولُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ : (اعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ الآنَ عَلَى وُجُوبِ الغُسْلِ بِالجِمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ، وَكَانَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالإِنْزَالِ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْضُهُمْ وَانْعَقَدَ الإِجْمَاعُ بَعْدَ الآخَرِينَ)[333].
والمقصود بالغسل تعميم الجسد بالماء ، وقد ورد في كيفية الغسل من الجنابة حديث عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدْ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ)[334] .
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ)[335]
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِنْ مَاءٍ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِنَّ شَعْرِي كَثِيرٌ قَالَ جَابِرٌ فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ أَخِي كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ r أَكْثَرَ مِنْ شَعْرِكَ وَأَطْيَبَ)[336] .
وقد بوب مسلم بابا بعنوان القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة ، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ r فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ)[337] ، وعَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ r يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ)[338]، قال ابن القيم الجوزية (المد فهو ربع الصاع وأراد بقوله يتطهر يتوضأ وهذا القدر هو الكافي في الأغلب فإن أسبغ المغتسل والمتوضئ بدون هذين جاز وإن زاد جاز إلا أنه نهى عن الإسراف فإنه إذا زاد على الثلاث في الوضوء كان مسرفا)[339] ، وقال الشيخ عبد المحسن العباد (والصاع أربعة أمداد، والمد فسر بأنه ملء اليدين الممدودتين المتوسطتين مرة واحدة، وهو ربع الصاع؛ لأن الصاع يتألف من أربعة أمداد)[340].
والغسل مستحب بعد تحققه موجبه على الفور ذلك أن الإسلام يريد بعد أن يقضي المسلم شهوته في الحلال أن يستفيق من ذلك بالغسل ، لا أن يظل أسيرة الشهوة على الدوام ، ومن ثم الخمول والكسل وترك الواجبات والفرائض ، حتى ينشط للعبادة مرة أخرى ، لكن يجوز للمسلم أن يؤخر الغسل إذا لم يكن مشغول بأداء فريضة الصلاة لكن يستحب أن يتوضأ ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) [341]، قال ابن القيم الجوزية (والغسل يحدث له نشاطا وخفة .. وبالجملة فهذا أمر يدركه كل ذي حس سليم وفطرة صحيحة ، ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب مع ما تحدثه الجنابة من بعد القلب والروح عن الأرواح الطيبة فإذا اغتسل زال ذلك البعد .. وقد صرح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته ويخلف عليه ما تحلل منه وإنه من أنفع شيء للبدن والروح وتركه مضر ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه)[342] .
فتعاليم الإسلام وشعائر العبادات تحد من شره شهوتي البطن والفرج بدوام التطهر من الحدثين الأصغر والأكبر على نحو ما ذُكر ، ففي ذلك معالجة للأثار البدنية والنفسية التي تنتج عن قضاء الوطر ولو كان فيما أباحه الله تعالى ، ليتحقق التوازن بين عمل الدنيا وعمل الآخرة ، وذلك حتى لا تكون المندوبات والمباحات مدعاة للكسل وترك الفروض والواجبات ، ذلك أن عملية الجماع أو الإنزال يترتب عليها إفراز العديد من الهرمونات الجنسية وتدفق الأدرينالين ، لكن فور الانتهاء من ذلك يتوقف عمل هذه الهرمونات التي تزيد من سرعة دقات القلب وزيادة الرغبة الجنسية ...الخ ، والجسد لا يخزن هذه الهرمونات في الدم ، وإنما يحاول التخلص منها ، وإلا أضحت سما يضره ، فيتخلص منها عن طريق العرق ، قال بعض الباحثين (وهذا العرق منه ما يكون ملحوظا ، ومنه ما لا يمكن ملاحظته ، فإذا لم يبادر الإنسان بالغسل فور الجنابة لإزالة هذا العرق المحتوي على هذه الهرمونات فإن الجلد يعيد امتصاصها مرة أخرى ، ولا شك في ضررها إذا ما عادت لجسد مرة أخرى ، ولم تزال بالغسل) [343].
قوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) إحاطة بكل مشتملات المسألة ، وبيان الحكم لكل فروضها ، خاصة إذا ما ألم بالمسلم عذر من مرض يحول بينه وبين استعمال الماء أو في حالة عدم وجود الماء ، فإنه يكون بحاجة إلى رفع الحدثين الأصغر والأكبر ، هنا الشارع الحكيم لم يسقط التكليف عن المسلم ، ولكن خففه ، (فالمشقة تجلب التيسير)[344] ، ولذلك شرع التيمم بدلا عن الوضوء ، فكان في التيمم رفع لحرج المسلم الذي تعود على الوضوء والاغتسال كي يشعر بالطهارة حال العذر كما يشعر بها حال الصحة ، فالله لا يكلف نفسا إلا ما في وسعها .
فعَنْ جَابِرٍ قَالَ خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ فَقَالُوا مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ r أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ يَعْصِبَ - عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ)[345] .
واختلفوا في جواز صلاة أكثر من فريضة بتيمم واحد ، لقوله "فإنه يكفيك أي ما لم تحدث أو تجد الماء" ، فعن ابن عباس أنه لا يجب، فالجمهور حمل المقصود على الفريضة التي تيمم من أجلها، ويصلي به ما شاء من النوافل، فإذا حضرت فريضة أخرى وجب طلب الماء فإن لم يجد تيمم ، وصح عن ابن عمر إيجاب التيمم لكل فريضة، ولا يعلم له مخالف من الصحابة.
ومختصر المسألة كما حققها عبد الله السحيم[346] أنه روي في «التيمم لكل صلاة» خمسة آثار، عن أربعة من أصحاب النبي r ، وهم: عبدالله بن عمر، وعلي بن أبي طالب، وعمرو بن العاص، وعبدالله بن عباس ، وأقوى هذه الآثار هو أثر ابن عمر ، حيث احتجَّ به الإمامان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وصححه البيهقي، وغيره[347].
وأما أثر عليٍّ: فإسناده ضعيف.
وأما أثر عمرو بن العاص: فمنقطع.
وأما أثر ابن عباس: فقد روي عنه التيمم لكل صلاة، وخلافه، ولا يصحان عنه[348].
وعليه فإن المتفق عليه هو استحباب-إن لم يكن واجبا- التيمم لكل صلاة ، ولو لم يُحدث قياسا علي استحباب الوضوء لكل صلاة
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ)[349]
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّ بَشَرَتَكَ)[350].
قوله تعالى (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ذلك أنه روي في سبب نزول آية التيمم حديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ r وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ r وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ r وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ r عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ)[351]
فقوله (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ..) قال الشنقيطي (الآية تدل على عموم النفي في كل أنواع الحرج)[352] ، قال ابن عاشور (لما تعذر الماء عوض بالتيمم، ولو أراد الحرج لكلفهم طلب الماء ولو بالثمن أو ترك الصلاة إلى أن يوجد الماء ثم يقضون الجميع)[353] .
فلم يسقط الشرع التكليف عند فقد الماء بل أتى ببديل ، ذلك أن ثواب الوضوء عظيم ، والمسلم إذا فقد الماء تعذر عليه تحصيل هذا الثواب إلا بعمل فعل بديل يدل على أنه كان ينوي الوضوء لكن تعذر عليه ، فجعل الشرع التيمم بديل معنوي للوضوء في تحقيق ذات الآثار المعنوية من غسل الذنوب .
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ) [354] .
ولذلك كان النبي r حريصا على الوضوء لكل صلاة لأجل الطهارة المعنوية ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَكُنَّا نَحْنُ نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ) [355]، ففي التيمم رفع لحرج المسلم من أن يضيع عليه الثواب والكفارة عند فقد ماء الوضوء .
وقوله (..وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ..) قال ابن عاشور (من حكمة الأمر بالغسل والوضوء التطهير وهو تطهير "حسي" لأنه تنظيف، وتطهير "نفسي" جعله الله فيه لما جعله عبادة ،.. والتيمم ليس فيه تطهير "حسي" لكن فيه "التطهير النفسي" الذي في الوضوء) [356] ، وفي ذلك دلالة على أن مراد الشرع من تحقيق الطهارة المعنوية مقدم على تحقيق الطهارة المادية التي حظ النفس فيها ظاهر للمكلف .
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ)[357]
قال رسول الله r (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ)[358]زاد الترمذي (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ)[359].
وقوله (..وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ..) قال ابن عاشور (وذلك بـأن يكمل نعمة الإسلام بزيادة أحكامه الراجعة إلى التزكية والتطهير مع التيسير في أحوال كثيرة)[360] .
فإتمام النعمة بالتطهر من الذنوب والخطايا ، ذلك أن الإيمان اكتساب حسنة و تكفير خطيئة ، فجعل الوضوء وكذا التيمم سببا لتكفير الخطايا والذنوب ولذلك صار شطر الإيمان ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ)[361] ، قال النووي (قيل معناه أن الأجر فيه ينتهى تضعيفه إلى نصف أجر الايمان ، وقيل معناه أن الايمان يجب ما قبله من الخطايا ، وكذلك الوضوء لأن الوضوء لا يصح إلا مع الايمان ، فصار لتوقفه على الإيمان في معنى الشطر)[362].
وقوله (..لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (6) أي ولعلكم بإتمام عبادة الصلاة على الوجه الموصوف شرعا قد أديتم حق الشكر لله حكما ، وليس حقيقة ، لأن العبد يعجز عن أن يشكر ربه على نعمة واحدة ، قال ابن عاشور (جعل الشكر علة لإتمام النعمة على طريقة المجاز ، بأن استعيرت صيغة الرجاء إلى الأمر لقصد الحث عليه وإظهاره في صورة الأمر المستقرب الحصول)[363] .
أثر التربية العسكرية للمسلمين على ضمان العهود والسلام مع الآخرين
قال تعالى (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (المائدة 11)
يهتم الإسلام بتربية المجتمع المسلم على الحياة العسكرية المرتبطة بالاستنفار في أي وقت ، ولا يجعل المجتمع يعيش حياة الترف والاستهتار بمعزل عن الخطر المحدق من حوله كل وقت ، فهو يعيش بين الحذر والثقة ، وبين الجهد والراحة ، وبين اليقظة والغفلة ، فأفراده يتبادلون الأدوار ليظل المجتمع بمجمله حذرا يقظا نشيطا لا يهدأ أبدا ، وإن كان فيه المرتاحين الواثقين في إنابة غيرهم لأدوارهم ، هكذا يريد الإسلام من المسلمين ، فهو لا يقصر هذه الوظيفة الأمنية على الدولة بمؤسساتها وحسب ، بل ينقل هذا الحس للمجتمع المسلم كله ، وذلك من خلال عبادة السمع والطاعة للقيادة المسلمة ، ومن خلال تشريعه لعبادة الصلاة واستنفار المسلمين لها خمس أوقات في اليوم والليلة ، ومن خلال تذكيره بالميثاق الاجتماعي والسياسي والذي نسميه في الوقت الراهن بالدستور ، أي الوثيقة السياسية التي تحدد نظام الحكم وكيفية إدارته ، والحقوق المتبادلة بين الراعي والرعية ، فاستنهض الإسلام همم المسلمين للقيام لله شاهدين بالقسط ، أي القيام بفروض الكفاية فضلا عن الفروض العينية ، وحضهم على العدل الذي هو الترجمة الحقيقية لكلمة "التقوى" ، فلا تمنع الخصومات بينهم وبين أهلهم وجيرانهم وأصحاب الملل الأخرى ألا يقسطوا معهم في المعاملة ، لاسيما عند صياغة الوثيقة الدستورية ، بل إن حقوق الأقليات مضمونة كما أن حقوق الأكثرية مرعية ، وذلك كله في إطار تحقيق السلم والأمن الداخلي ، وكذا المحافظة على استقرار الدولة من الخارج وكف أيدي أعدائها عنها ، ولا يتحقق ذلك إلا بتقوية الصف الداخلي أولا ، وذلك كله في إطار الإيمان بالله والتوكل عليه سبحانه .
وفيه عدة مطالب :-
- البيعة لإمام الشرعي ضامن لعهود ومواثيق المسلمين
- دور ولاة الأمور في القيام بفروض الكفاية والشهادة عليها بالقسط
- أثر العهود السياسية في حفظ السلام والأمن الدوليين
البيعة لإمام الشرعي ضامن لعهود ومواثيق المسلمين
ففي قوله (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (7) التذكير بالميثاق هنا يعني بيعة المسلمين للنبي r على السمع والطاعة ، ذلك أن العرب إذا عاهدوا أحدًا على النصرة لم يخذلوه ، فلما كان أصحاب النبي r أعراب ، بايعوه ولم يخذلوه ، كان من تدبير الله أن تكون رسالة الإسلام عربية ، قال ابن عاشور (والمسلمون عاهدوا الله في زمن الرسول r عدة عهود ، أولها عهد الإسلام)[364] ، قال ابن كثير (وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون رسول الله r عليها عند إسلامهم)[365] .
فهي بيعة مع الله ، والله يختار من عباده من يستعمله لذلك ، قال الألوسي (وقد أضاف الميثاق إليه سبحانه تعالى لأن المرجع إليه كما نطق به قوله تعالى (إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله) [ الفتح : 10 ][366]، أي أن هذه البيعة مع الله مباشرة.
فعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ دَعَانَا النَّبِيُّ r فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) [367] ، وفي رواية (وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ)[368]، وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)[369]، يستبين بذلك أن الجماعة المؤسسة للدولة المسلمة لابد وأن يكونوا صادقين ،فهم رجال في عهودهم ومواثيقهم ، وهم اللبنة الصلبة للأجيال القادمة ، ولابد للمجتمع المسلم أن يلتف حولهم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (119) ، وبغير ذلك لا يمكن أن ترى لدولتهم التي ينشدون النور.
وأثر هذه البيعة يتعدى نشأة الدولة المسلمة إلى إقامة علاقات قوية مع غيرهم ، فهذه البيعة التي يؤسسها الصادقون تضمن حفظ المسلمين لعهودهم مع الغير مهما تغيرت قياداتهم ، فإذا بايع الجنود إمامهم وجددوا البيعة لخلفه نصرة نبيهم ، فإنه يجوز القول بأن انتظام المسلمين في تلك البيعة لإمامهم "الشرعي" وتوارثهم لها ، يجعل التعامل معهم كوحدة واحدة - وإن تعاقبت أجيالهم - أيسر ، ومن ثم تنضبط عهودهم واتفاقياتهم على مر التاريخ ، فالمسلمون هم هم ذات المسلمون في كل زمان وعصر يحفظون بيعتهم ويراعون حقوق جيرانهم .
ولولا ذلك لما كان للمسلمين كلمة يحتج بها عليهم ، ولو لم يكن ذلك كذلك ، لما كان لاتفاقياتهم وعهودهم تقدير عند الناس ، لظنهم أن ما يعقدونه اليوم يحله الآخرون منهم ، أما وقد أضحى للمسلمين قيادة عسكرية واحدة ، ولها بيعة شرعية ، هنا وهنا وحسب يمكن أن يحتج المعاهدون باتفاقياتهم وعهودهم مع تلك القيادة بتلك المواثيق ، ولذلك فعندما يسعى أعداء الإسلام إلى تجريد المسلمين من قيادتهم ، فإنهم بذلك يجردون أنفسهم من الأمن والأمان الذي من الممكن أن يعقدوه مع قادة المسلمين ، فكان الأولى بهم ألا يتدخلوا في شئون المسلمين ، وأن يحافظوا على شعائرهم وقيادتهم حتى ينعموا بحسن الجوار معهم في إطار اتفاقيات سلام ينعمون بها قبلنا .
واستثناءً مما تقدم ، أجاز العلماء أن يعهد بعض المسلمين ، أو فصيل من المسلمين لأعداء الله بعهود سلام مؤقتة ، أي هدنة من الحرب ، في الوقت الذي لا تزال الحروب والخصومات بين القيادة العامة للمسلمين وهؤلاء الحربيين قائمة ، فيكون لهؤلاء المعاهدين عهودهم المؤقتة التي أمضوها مع الحربيين ، ولأولئك الحربيين والمسلمين حلهم ، أي ينقسم المسلمون إلى فئتين ، فئة تحارب أعداء الله ، وأخرى تهادنهم وتعقد معهم اتفاقيات سلام مؤقت استثناء من الأصل العام والوضع الراهن الذي عليه قيادتهم ، وذلك لظروف خاصة تتعلق بإقليمهم
فعن حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ قَالَ مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ قَالَ فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ قَالُوا إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا فَقُلْنَا مَا نُرِيدُهُ مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ)[370] .
قال ابن الجوزي (في هذا الحديث من الفقه حفظ الوفاء بالعهد ولو للمشرك فيما يمكن الوفاء به)[371] قال النووي (قضية حذيفة وأبيه فإن الكفار استحلفوهما لا يقاتلان مع النبي r في غزاة بدر فأمرهما النبي r بالوفاء وهذا ليس للإيجاب فإنه لا يجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام ونائبه ولكن أراد النبي r أن لا يشيع عن أصحابه نقض العهد ، وإن كان لا يلزمهم ذلك لأن المشيع عليهم لا يذكر تأويلا)[372].
أما في الفرض العكسي فلا يجوز أن يخرج عن عهد الأمان الذي يبرمه الإمام أحد بحجة أنه لم يوافق عليه ، بمعنى أنه إذا أبرمت قيادة المسلمين عهدًا مع أعداء الله تعالى ، فلا يجوز أن يخرج على هذا العهد أيا من المسلمين طالما كانوا في كنف هذه القيادة ورعايتها ودون أن يحتجوا ببعد القطر عنهم ، فعهد إمام المسلمين حجة على الكافة ما علموا به وإن تباعدت أقطارهم
يقول النبي r (الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)[373]، (بِمَعْنَى وَلاَ يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ)[374]، (والْمُرَادَ بِأَنْ لاَ يُقْتَلَ في عَهْدِهِ إنَّمَا هو بِأَنْ لاَ يُقْتَلَ غَيْرُ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ ، فَصَارَ الْمُرَادُ بِأَنْ لاَ يُقْتَلَ ، أَيْ بِمَا لاَ يُقْتَلُ بِهِ الْمُؤْمِنُ الْمَذْكُورُ قَتْلُهُ في هذا الحديث) [375]، فالعلماء (لاَ يَخْتَلِفُونَ أَنَّ ذَا الْعَهْدِ جَائِزٌ قَتْلُهُ بِمَنْ يَقْتُلُهُ قَوَدًا بِهِ) [376].
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) تجدد النداء للجماعة المؤمنة ليكون وفاؤهم بالعقود والعهود وأداء الحقوق والشهادة عليها دين في رقابهم يقومون عليه ابتغاء مرضاة الله ، أي النهوض بفروض الكفاية على وجه الإجمال كالشهادة في الحق (يعني أن تكون الشهادة بالعدل دون محاباة لأهل الود ولا للقرابة ، كما لا تمنع نفسك من أن تشهد لأعداءك بحقهم ، وإنما الواجب أن تقم شهادتك لهم وعليهم بالصدق والعدل)[377].
والمقصود بـ "القيام" كما قال السعدي (بأن تنشط للقيام بالقسط حركاتكم الظاهرة والباطنة ، وأن يكون ذلك القيام لله وحده، لا لغرض من الأغراض الدنيوية)[378]، ، قال الرازي في قوله تعالى (كُونُوا قَواَّمِينَ لِلَّهِ) إشارة إلى التعظيم لأمر الله ، فهي حقوق لله كالأمر بالمعروف ، والجهاد في سبيل الله ، وجمع الزكاة وصرفها في مصارفها ، وإصلاح الطرق والأسواق ..الخ ، وبدون بيعة تتعطل هذه الفروض عن التنفيذ ، فغاية البيعة القيام بحقوق الله تعالى وحقوق العباد ، ولولا البيعة لما أمكن للأمة القيام بحقوق الكفاية التي يتعين أن يكون الإمام القيام بها من خلال نوابه وأعوانه وموظفيه .
وفي قوله (شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ) إشارة إلى الشفقة على خلق الله ، فالتكاليف - وإن كثرت - محصورة في نوعين "التعظيم لأمر الله تعالى" و"الشفقة على خلق الله")[379] ، ذلك أنه (مَتَى وَقعَ الجُورُ فِي أُمًّةٍ ، زَالَتِ الثِّقَةُ مِنْ نُفُوسِ النَّاسِ ، وَانْتَشَرَتِ المُفَاسِدُ ، وَتَقَطَّعَتْ رَوَابِطُ المُجْتَمَعِ )[380] .
قال الخطيب الشربيني (وقد تقدّم نظير هذه الآية في سورة النساء ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)(135) فقدم لفظ "القسط" والنساء ، وأخره في المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) ، والغرض من ذلك أن آية سورة النساء جاءت في معرض "الإقرار على النفس ووالدين والأقربين" ، فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة لأحد ، وفي آية المائدة جيء بها في معرض "ترك العداوة" ، فبدأ بالأمر بالقيام ؛ لأنه أردع للمؤمنين ثم ثني بالشهادة بالقسط ، فجيء في كل معرض بما يناسبه)[381] .
والشهادة الواجبة لا تكون إلا بالقسط ، فلا يجوز الشهادة على ظلم محاباة لأحد ، فعن النعمان بن بشير أن أباه انطلق به إلى رسول الله r يحمله فقال يا رسول الله إني أشهدك أنى قد نحلت النعمان كذا وكذا فقال (أكل ولدك نحلت) قال "لا" قال (فأشهد غيرى) ثم قال (أليس يسرك أن يكونوا في البر سواء) قال بلى قال (فلا إذا)[382].
والاستجابة لنداء الله والقيام للشهادة بالقسط ينير للعبد الطريق يوم القيامة إلى الجنة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا)[383] .
وفي قوله (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) (أمر إلهي بأن تُعامل من عَصى الله فيك بأن تُطيعه فيه)[384]، والمعنى (وَلاَ تَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَتُكُمُ الشَّدِيدَةُ لِقَوْمٍ ، وَبُغْضُكُمْ لَهُمْ عَلَى عَدَمِ العَدْلِ فِي أَمْرِ الشَّهَادَةِ لَهُمْ بِحَقِّهِمْ إذَا كَانُوا أَصْحَابَ حَقٍّ أَوْ عَلَى عَدَمِ الحُكْمِ لَهُمْ بِذَلِكَ ، فَالمُؤْمِنُ يُؤْثِرُ العَدْلَ علَى الجُورِ وَالمُحَابَاةِ ) [385] ، ولذلك قيل أن العدالة عمياء ، بمعنى أن القائم بالقسط يزن بميزان الحق " العدل" بغير أن يعرف ماذا في الكفتين ، مثل الأعمي يتحسس الكمية والوزن ولا يرى محتوى الأشياء ، وهكذا المقسط ، لا يضره أن يكون في أحد الكفتين قريب له أو غريب ، صديق له أو عدو .
ولعل خير مثال على ذلك ما ذكره رسول الله r قَالَ (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)[386].
فقد أشارت الآية إلى أن تعاليم الإسلام حينما ألزمت المسلم بمعاملة الأعداء بالقسط ، فإنها تعني بذلك أن يكون في أعلى درجات قمة ضبط النفس ، فمحل النهي هنا أن ينساق وراء غضبه وكرهه لعدوه فلا يقسط في معاملته ، ويضيع عليه حقوقه ، بل لابد وأن يتجرد من يكنه في صدره من عداوة أو بغض وهو يتعامل مع عدوه الذي ظلمه في الماضي ، فكان صحابة رسول الله r بهذا الدرس التربوي متجردين من أي عداوة لمن ظلموهم في العهد المكي وهم يتعاملون مع غير ملتهم في العهد المدني ، وتلك هي أعلى مرتقى وصلت إليه البشرية في الأخلاق السامية ، فالإسلام لا يقف بهم عند مرحلة الكف عن الاعتداء والعدوان ، فهو إجراء سلبي يبدو يسيرا لو انتهى الأمر إليه ، ولكنه يتجاوز بالرعيل الأول هذه المرحلة ليرتقي بهم إلى مسئولية إقامة العدل بين الناس بصورة موضوعية بحتة ، ليؤهلهم لإدارة دولتهم بتلك الأحكام الربانية العادلة ، وهو ما فعله النبي r حين قال لهم (ما تظنون أني فاعل بكم ؟) فظنوا فيه خيرا وقالوا (أخ كريم بن أخ كريم) فقال (لا تثريب عليهم اليوم اذهبوا أنتم الطلقاء)[387] ، من هنا ذابت النزاعات الماضية والمشاحنات ، لتبدأ دولة النبي r في إطار من المواطنة بقيادته الرشيدة التي تستوعب الآخر ، وتجعله عضوا نافعا في المجتمع ، ولا تبخسه أدنى حقوقه .
وفي قوله تعالى (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (8) تكرار للأمر بالعدل ، فنهاهم أولاً أن تحملهم الضغائن على ترك العدل ثم أمرهم ثانياً بالعدل تأكيداً للنهي عن الظلم ، (وفي ذلك تأكيد لأَمْرَ اللهُ تَعَالَى السَّابِقَ بِضَرُورَةِ إِقَامَةِ العَدْلِ ، وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِالقِسْطِ فَيَقُولُ : اعْدِلُوا لأنَّ العَدْلَ أَقْرَبُ لِتَقْوَى اللهِ وَأبْعَدُ عَنْ سَخْطِهِ ، وَاحْذَرُوا أنْ يُجَازِيَكُمْ بِالعَدْلِ عَلَى تَرْكِكُمُ القِيَامَ بِالعَدْلِ) [388] .
ثم استأنف الحديث ، فذكر لهم غاية الأمر بالعدل وهو قوله : (هو أقرب للتقوى) ، أي : (أدخل في مناسبتها ، أو أقرب لكونه لطفاً فيها)[389]، قال السعدي أي: (كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى)[390] .
يقول الشعراوي (حين يراك خصمك قد آثرت الحق على بغضك له ، فذلك يجعله يلتفت إلى الإيمان الذي جعل الحق يعلو الهوى ويغلبه ويقهره ، ويصير أقرب للتقوى)[391]
قال الرازي (وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله تعالى ، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه)[392] .
وفي قوله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)(9) بيان لجزاء المقسطين القائمين بالعدل بين الناس ، وهم الذين وصفهم الله بأنهم أهل الإيمان والعمل الصالح ، قال ابن عجيبة والخطاب للذين آمنوا (عَامٌّ أريد به خاص ، وهم "أولوا الأمر منهم" ، الذين يلُون الحكم بين الناس)[393]، ذلك أن الله ذكر المقسطين ثم ذكرهم بوصفهم مؤمنين ، وقد أشار الحديث إلى أن المقسطين على منابر من نور هم (الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) [394].
وهكذا يرتقي أهل القيام على حاجات الناس بالقسط الذي يتولون أمورهم على منابر من نور يوم القيامة ، فيعوضهم الله بها ما يفوتهم من الدنيا لانشغالهم بتلبية حاجات الناس بالقسط ، فبهذا وحسب تتعلق قلوب المؤمنين ، متجردة من كل معوقات الدنيا ، يكفيها الشعور برضا الله سبحانه ، ومغفرته وأجره العظيم .
والله تعالى يبشر أهل القسط والعدل بالمغفرة والأجر العظيم ، ما يعني أنه يعفو عنهم ولا يحاسبهم ، كما في حديث السبعة التي يظلهم الله بظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله ، فذكر منهم (إمام عادل) ، فمن استقصى في الحساب عذب ، عدل قال رسول الله r (مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ)[395]، (أي من استقصي أمره فيه ، هلك: بالعذاب في النار)[396]، (فالمناقشة : الاستقصاء في الحساب حتى لا يترك منه شيء)[397]، والمقصود (الاستقصاء والتفتيش في المحاسبة والمطالبة بالجليل والحقير وترك المسامحة فيه)[398] ، قال المناوي (المراد هنا المبالغة في الاستيفاء والمعنى ، وتحرير الحساب يفضي إلى استحقاق العذاب لأن حسنات العبد موقوفة على القبول ، وإن لم تقع الرحمة المقتضية للقبول لا تحصل النجاة)[399].
وفي قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (10) ذكر "الكفر" في مقابلة "الإيمان" ، وذكر "التكذيب" في مقابلة "العمل الصالح" ، ولما كان المراد من ذكر المؤمنين "أولوا الأمر" وخص منهم "المقسطين" ، ناسب كذلك أن يكني عن الظالمين بالكفر والتكذيب ، أي أن :"القاسطين" ، "الظالمين" في مقابلة "المقسطين" ، فالظالمون هم الكافرون المكذبون ، ولكنه كنى عنهم بالكفر التكذيب ، والخطاب للكافرين عَامٌّ أريد به خاص ، وهم الظالمون منهم ، من هنا يستبين فائدة عطف التكذيب على الكفر ، قال الألوسي (عطف التكذيب بآيات الله تعالى على الكفر مع أنه ضرب منه ، لأن القصد بيان حال المكذبين ، وذكرهم بمقابلة المصدقين بها ليقترن الوعيد بالوعد ، فبضدها تتبين الأشياء)[400] .
فالظلم ظلمات يوم القيامة ، وهكذا يقترن الكفر بأعمال السيئات التي تجره إلى التكذيب والإفتراء وظلم الناس ، فالذي لا يقسط ظالم ، فقد نفي الله عنهم الإيمان ، ووصفهم بالكفر لأن أعمالهم السيئة تضمنت تكذيب بآيات الله ، فالذي ينساق لعواطفه في معرض القضاء بين الناس أو القيام على حاجاتهم ، هو مكذب بما نهاه الله عنه من عدم الانجرار وراء بغضه ، وقد تبوأ مكانة الولاية والقضاء بينهم ، فيهدده الله بالجحيم ، فهو مصاحبه لا ينفك عنه ، وليس جحيم أشد ممن يحتجب الله عنه ، قال رسول الله r (من ولي من أمر المسلمين شيئا فاحتجب دون خلتهم وحاجتهم وفقرهم وفاقتهم احتجب الله عز وجل يوم القيامة دون خلته وفاقته وحاجته وفقره)[401].
أثر العهود السياسية في حفظ السلام والأمن الدوليين
تدل سيرة النبي r على أنه كان يسعى للسلم لا للحرب ، يسعى لنشر الدعوة بالبلاغ والخطاب لا بالسيف ، وإنما حاجته للجهاد كحاجة المضطر إلى الأكل من الميتة حال المخمصة ، فهو يأكل منها بقدر الضرورة ، وفي غير ذلك كان يكف يده عن الناس ، كما في صلح الحديبية قال (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)[402] يقصد الدم ، أي اتفاق يحقنون به الدماء بينهما لأجابهم إليها دون تردد ، رغم ما كان بينهما من حروب كغزوة بدر وأحد وحصارهم له ثلاث سنوات في شعب أبي طالب ، ورغم ذلك تمنى أن يتفقوا معه ويعاهدوه ويسالموه ، دون رغبة منه في الانتقام أو الثأر ، مع ملاحظة أنه لم يتبوأ هذه المكانة من القوة ليجبر قريش على التفاوض السلمي إلا بعدما أظهر لهم قوته العسكرية ، كما في قوله (ترهبون به عدو الله وعدوكم)
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (المائدة/11) قال الرازي (كان المشركين في أول الأمر غالبين ، والمسلمين كانوا مقهورين مغلوبين ، ولقد كان المشركون أبداً يريدون إيقاع البلاء والقتل والنهب بالمسلمين ، والله تعالى كان يمنعهم عن مطلوبهم إلى أن قوي الإسلام وعظمت شوكة المسلمين)[403] ، وقال ابن عاشور (وهي نعمة إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم لأنها نعمة يحصل بها ما يحصل من النصر دون تجشم مشاق الحرب ومتالفها) [404]، ولذلك قال r (نصرت بالرعب) ، ولطالما حاول الكفار ذلك ، ولاتزال رعاية الله تحوط المؤمنين من كل جانب متى تحلوا بالعدل مع الناس وقاموا على حدود الله ، فيرعب أعداءهم منهم متى نصر الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد/7) ، فإن قصر المسلمون في ذلك فلا حصن لهم من الله وقد تخاذلوا عن نصرته بإقامة شرعه ، وليجعلوا من هذه الذكرى فرصة لأن تظل تحوطهم رعاية الله ، فطالما كانوا متذكرين لتلك النعمة ، ظل أعداؤهم في منأى عنهم ، وأضحى النصر حليفهم.
وغاية التذكير بتلك النعمة حض المسلمين على فهم وظيفتهم الدعوية ، التي هي لصيقة بهم على الدوام ، ذلك أنهم ليسوا مثل أعدائهم معتدين ولا منتقمين ، فيذكرهم بحالة السلم التي منَّ الله عليهم بها حال الاستضعاف بلا قتال ، فحفظهم وكف أيدي الكفار عنهم ، وفي ذلك وعد منه سبحانه بطريق التضمن أنه سوف يكف أيدي الكفار عنهم كذلك في حال القوة متى ظلوا على على أخلاق الدعاة ، طالبين للسلم غير مستعلين بالقوة ، ولكن مستعينين بالله ومتوكلين عليه ، فــ"مرحلة كف" اليد ليست مرحلة من مراحل الجهاد في سبيل الله حال الاستضعاف وحسب ، بل إن مجال إعمالها حال القوة أدعى وأظهر ، فهي الغاية من جهاد الأمم ، فإن كان بالإمكان حقن الدماء بلا قتال ، فذلك أولى من السعي إلى الجهاد ، حيث يتفرغ المسلمون لنشر دينهم في الأرجاء ، طالما ليس ثمة من يصدهم عن سبيل الله ، ليكون سبيل الجهاد طريق احتياطي لا يلجأون إليه متى خلوا بينهم وبين الناس .
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الخطاب تضمن كذلك تذكير بموقف اليهود من النبي r أول ما قدم المدينة ، وكانوا قد أرادوا أن ينقلبوا عليه ،ولكن الله كف أيديهم عن المؤمنين ،وجعل وثيقة المدينة حاصنة لدماء أهل المدينة حتى بدت بعد ذلك خيانتهم وأجلاهم النبي r منها ، فعن مجاهد في قوله "إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم" قال هم "يهود" وذلك أن رسول الله r دخل عليهم حائطا لهم وأصحاب رسول الله r وراء الجدار فاستعانهم في مغرم في دية غرمها ثم قام من عندهم فأتمروا بينهم بقتله ، فأطلع الله عز وجل على ذلك نبيه r فخرج يمشي القهقرى معترضا - وهو ينظر إليهم خيفتهم - ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى انتهوا إليه ، فذلك نعمة الله عليهم وذلك آلاء الله عز وجل)[405] .
وليس ثمة دليل على تعيين قوم معينين بهذه الآية ، فالآية عامة ، والمعني المتبادر للذهن رعاية الله للذين آمنوا وحفظه لهم وذلك بمجرد امتثالهم لأمره ، فهو يحفظهم ويرعاهم من أعدائهم على كثرتهم دون أن يشعروا بذلك ، ولعل أقرب تذكير لهم بذلك هو يوم صلح الحديبية التي حصل 6 هـ بعد غزوة الأحزاب سنة 5هـ ، قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً)
وقد سبق ذلك كله وثيقة المدينة مع أهل الكتاب ،يقول المستشرق الروماني جيورجيو "حوى هذا الدستور اثنين وخمسين بندا، كلها من رأي رسول الله ، خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان، وقد دُون هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء ، وضع هذا الدستور في السنة الأولى للهجرة، أى عام 623م ، ولكن في حال مهاجمة المدينة من قبل عدو عليهم أن يتحدوا لمجابهته وطرده"[406] .
وكان ضمن بنود هذه الاتفاقية (وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي النّجّار ِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف ٍ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ؛ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ؛ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ؛ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف ٍ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ، إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَإِنّ جَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ وَإِنّ لِبَنِي الشّطِيبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ، وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ وَإِنّ مَوَالِيَ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ وَإِنّ بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ وَإِنّهُ لَا يَخْرَجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِإِذْنِ مُحَمّدٍ r وَإِنّهُ لَا يُنْحَجَزُ عَلَى ثَأْرٍ جُرْحٌ وَإِنّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ إلّا مِنْ ظَلَمَ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَبَرّ هَذَا ؛ وَإِنّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ ، وَالنّصِيحَةَ وَالْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ وَإِنّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ وَإِنّ النّصْرَ لِلْمَظْلُومِ وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ وَإِنّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَإِنّ الْجَارَ كَالنّفْسِ غَيْرَ مُضَارّ وَلَا آثِمٌ وَإِنّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا ، وَإِنّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ r وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ وَإِنّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا ، وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ ، وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ فَإِنّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ وَإِنّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إلّا مَنْ حَارَبَ فِي الدّينِ عَلَى كُلّ أُنَاسٍ حِصّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الّذِي قِبَلَهُمْ وَإِنّ يَهُودَ الْأَوْسِ ، مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ . مَعَ الْبِرّ الْمَحْضِ ؟ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ "[407].
قال د / علي الصلابي (وبهذا ترى أن الإسلام قد اعتبر أهل الكتاب الذين يعيشون في أرجائه مواطنين، وأنهم أمة مع المؤمنين، ماداموا قائمين بالواجبات المترتبة عليهم، فاختلاف الدين ليس بمقتضى أحكام الصحيفة سبباً للحرمات من مبدأ (المواطنة)[408]
موقف أهل الكتاب من الميثاق الاجتماعي والسياسي
المبحث الأول : الوثيقة الدستورية ميثاق أمان لأهل الكتاب والمسلمين (12-19)
المطلب الأول : أهمية تشكيل المجالس النيابية بمجتمع المدينة المنورة لإقامة الدين ثم الدنيا
المطلب الثاني : موقف السلطة السياسية من خيانة الأقليات المعارضة
المطلب الثالث : انشغال المعارضة بنزاعاتهم الخاصة أوهن أدائهم السياسي
المطلب الرابع : المبادئ فوق الدستورية سابقة على صياغة الدستور ولا تقر بالاتفاق ولا بالمغالبة
المطلب الخامس : الوثيقة الدستورية لا تمس حرية الاعتقاد إلا بما يكفل حرية الدعوة ووسائل التعبير
المبحث الثاني : بنود الوثيقة الدستورية مع أهل الكتاب (20-40)
المطلب الأول : حكم الخدمة العسكرية و"حكم التهرب منها"
المطلب الثاني : حرمة الدم "القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد"
المطلب الثالث : الأمن الاجتماعي "حد الحرابة"
المطلب الرابع : حماية الأموال "حد السرقة"
المبحث الثالث : سلطان التشريع الإسلامي على أهل الكتاب (41– 50)
المطلب الأول : تملص أهل الكتاب من تطبيق حكم الله من شريعتهم
المطلب الثاني : إستناد القاضي المسلم في التحكيم الدولي إلى أحكام الشريعة
المطلب الثالث :جواز احتكام أهل الكتاب غير الذميين إلى حكامهم في نزاعاتهم
المطلب الرابع : حفظ الدين بحفظ الدولة وحفظهما بحفظ العلماء
المطلب الخامس : مقاصد الشرع الضرورية ثابتة ومرعية في كل ملة
المطلب السادس : توارث أمانة الأحكام المرعية - بلا نسخ - عبر الزمان (لا يخلو زمان من بيان حكم الله)
المطلب السابع : مدى ولاية القاضي المسلم على أهل الذمة من أهل الكتاب
الوثيقة الدستورية ميثاق أمان لأهل الكتاب والمسلمين
قال تعالى (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (14) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (19)
قال الرازي (اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوهاً : -
الأول : أنه تعالى خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال (واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وميثاقه الذى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ الله وَأَطَعْنَا) [ المائدة : 7 ] ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به ، فلا تكونوا أيها المؤمنون مثل أولئك اليهود في هذا الخلق الذميم لئلا تصيروا مثلهم فيما نزل بهم من اللعن والذلة والمسكنة .
والثاني : أنه لما ذكر قوله (اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ) [ المائدة : 11 ] وقد أرادوا -اليهود- إيقاع الشر برسول الله r ، فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبداً كانوا مواظبين على نقض العهود والمواثيق .
الثالث : أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان ، فذكر تعالى أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والإلزام غير مخصوصة بهم ، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده)[409] .
أهمية تشكيل مجالس نيابية في المدينة المنورة لإقامة الدين ثم الدنيا
روي أن الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ – عم النبي r- تكلم في الوفد الذي قدم على النبي r في بيعة العقبة ، فكان أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ فَقَالَ (يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ)[410] قَالَ (إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ وَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ) قَالَ فَقُلْنَا (قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ) قَالَ فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ r فَتَلَا وَدَعَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ) قَالَ فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ (نَعَمْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ r فَنَحْنُ أَهْلُ الْحُرُوبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ) قَالَ فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ r أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَقَالَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا وَإِنَّا قَاطِعُوهَا يَعْنِي الْعُهُودَ فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا) قَالَ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ r ثُمَّ قَالَ (بَلْ الدَّمَ الدَّمَ وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يَكُونُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْهُمْ تِسْعَةٌ مِنْ الْخَزْرَجِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَوْسِ)[411] ، فهذا الحديث سوف نعرض لشرحه في الآية 12 من السورة بإذن الله .
قوله تعالى (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) عني القرآن ببني إسرائيل لكونهم الوارثين لهذه الدعوة ، الذين أوصاهم نبي الله إسرائيل "يعقوب" بها ، قال تعالى (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة/133) .
وأكثر القرآن من الإخبار بشأنهم- أي بني إسرائيل- لما لهم من مكانة –كانت- بين الأمم وتأثير ملموس في الماضي والحاضر والمستقبل ، كما أنهم في نظامهم الاجتماعي والسياسي يتميزون عن غيرهم ، يقول النَّبِيُّ r (لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لآمَنَ بِي الْيَهُودُ)[412]، وهذا يعني أن العصبية القبلية والعشائرية عند اليهود في أوجها ، وأن نظامهم الاجتماعي قائم على التبعية للأحبار والعلماء بصورة صارمة ، قال المناوي (والمراد عشرة مخصوصة ممن ذكر في سورة المائدة وإلا فقد آمن به أكثر)[413] .
قَالَ النَّبِيُّ r (لَوْ تَابَعَنِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا يَهُودِيٌّ إِلَّا أَسْلَمَ)[414] ، قال السيوطي (المراد عشرة من أحبارهم)[415]، قال كعب (هم الذين سماهم الله في سورة المائدة فعلى هذا فالمراد عشرة مختصة)[416] ، أي (من رؤسائهم الموجودين حينئذ كعبد الله ابن سلام وأبي ياسر بن أخطب وأخيه حيي، ونظرائهم، هذا مراده r ، وإلا فقد آمن به أكثر من عشرة أضعافا مضاعفة)[417] ، إذن لو حصل تمثيل نيابي صحيح لليهود بحيث ولوا أمرهم أرشدهم وأعقلهم لاتبعوا النبي r كما اتبعوا في بادئ الأمر نبيهم موسى عليه السلام قبل فتنة السامري وبعد أن تركهم ، ولكنهم وبعد ذلك تسلط عليهم سفهاءهم في كل عصر كما تسلط عليهم السامري ، فكما خالفوا موسى عليه السلام ، خالفوا النبي محمد r وحاربوا المسلمين ولا يزالون .
والنقيب هو الضمين والأمين ، و(النقيب) فوق (العريف) ، وقيل أنهما بمعنى واحد (النقيب) و(العريف)(يعني: عُرَفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع، والطاعة لله ولرسوله ولكتابه)[418] وسمي (النقيب) نقيبا لأنه يعلم دخيلة أمر القوم ويعلم مناقبهم[419] ، قال الماوردي (نقيب القوم هو الذي ينقب أحوالهم)[420]، كما سمي النقيب نقيبا لأنه يفتش عن أحوال قومه ويعلم أسرارهم، فهو "فعيل" بمعنى "فاعل" مشتقاً من "النقب" بمعنى التفتيش ، ومنه قوله تعالى (فَنَقَّبُواْ فِى البلاد) [ ق : 36 ] ،قال الزجاج :و(أصله من النقب وهو الثقب الواسع والطريق في الجبل)[421].
قال الشعراوي (إن إختيار الحق لكلمة نقيب ، يَدل على أن النقيب الصادق ينبغي أن يكون صاحب عينين في منتهى اليقظة حتى يختار لكل فرد المهمة التي تناسبه ، ويركز على كل فرد بما يجعله يؤدي عمله بما ينفع الحركة الكاملة ، وبذلك يكون كل فرد في السبط له عمله ومكانه المناسب ،ولا يتأتى ذلك إلا بالتنقيب ، أي معرفة حالة كل واحد وميوله فيضعه في المكان المناسب ، إذن فالنقيب هو المنقب الذي لا يكتفي بظواهر الأمور بل ينقبها ليعرف ظروف وأسباب كل واحد ، واختار الحق من كل سبط نقيباً ، ولم يجعل لسبط نقيباً من سبط آخر حتى يمنع السيطرة من سبط على سبط ،ويمنع أن يكون النقيب على جهالة بمن يريد حركتهم من الأسباط الآخرين)[422] .
ولقد أقر الإسلام أهل الكتاب في تنظيماتهم السياسية لشئونهم الحياتية وتمثيلهم النيابي لقومهم ، فشهدت السنة النبوية المطهرة مواقف شتى تدل على أن النبي r تبني نظام التمثيل النيابي ومشاورة أصحابه في الأمور السياسية واتخاذ القرارات الإدارية والسياسية بناء على مشاورتهم ، فعنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ r لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ : "أَخْرِجُوا إِلَيَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْكُمْ " ، يَكُونُوا كُفَلاَءَ عَلَى قَوْمِهِمْ ، كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ، فَكَانَ نَقِيبَ بَنِي النَّجَّارِ ، قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ : وَهُمْ أَخْوَالُ رَسُولِ اللهِ r : أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ أَبُو أُمَامَةَ ، وَكَانَ نَقِيبَيْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَسَعْدُ بْنُ رَبِيعٍ ، وَكَانَ نَقِيبَيْ بَنِي سَلِمَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ ، وَكَانَ نَقِيبَيْ بَنِي سَاعِدَةَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو ، وَكَانَ نَقِيبَ بَنِي زُرَيْقٍ رَافِعُ بْنُ مَالِكَ ، وَكَانَ نَقِيبَ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، وَهُمَ الْقَوَاقِلُ ، عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، وَكَانَ نَقِيبَيْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ ، وَأَبُو الْهَيْثَم بْنُ التِّيهَانِ ، وَكَانَ نَقِيبَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ : سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَة)[423] ، وفي الصحيح أن عبادة بن الصامت كان قد شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة [424]، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يَكُونُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْهُمْ تِسْعَةٌ مِنْ الْخَزْرَجِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَوْسِ)[425].
إذن لهذا التمثيل النيابي أهمية في إقناع الرعية بالمشاركة في اتخاذ القرار السياسي وتحمل المسئولية ، ولذلك قال رسول الله r في بيعة العقبة (الدَّمَ الدَّمَ وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ)[426] ، أي (أنكم تُطْلَبُون بدَمي وأطْلَب بدَمكُم ودَمي ودَمُكُم شيءٌ واحد)[427] ، قال ابن الأثير في قوله (وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ) أي مَنْزِلُكُم مَنْزِلي كحَديثه الآخر [ المَحْيَا مَحْياكُم والمَمات مَمَاتُكُم ] أي لا أُفارِقُكُم) [428]، قال ابن قتيبة (وما هدمت من الدماء هدمت أي ما عفوت عنه وهدرته عفوت عنه وهدرته)[429].
ومن التطبيقات النبوية على هذا الأمر ما روي عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ r (أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ) وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، قَالُوا (فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا) فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ (أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ) فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ r لَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ) فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا)[430].
وقد صرحت السنة القولية بوجوب أن يختار الناس من يمثلهم ويأتمرون بأمره عند الحاجة لتنتظم شئونهم وتستقر أحوالهم ، من ذلكأ قول النبي r (إذا خرج ثلاثة في سفر؛ فليؤمِّروا عليهم أحدهم) [431] ، ويكون ذلك إما باتفاقهم عليه أو اختيار وقبول أكثرهم لإمرته عليهم، وهو ما يعني "الانتخاب الحر" ، قال ابن تيمية (أوجب r تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع ، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا تتم ذلك إلا بقوة وإمارة ، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة) [432]، قال الشوكاني: "وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمِّروا عليهم أحدهم؛ لأنَّ في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلف، فمع عدم التأمير يستبدُّ كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه؛ فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون - فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار، ويحتاجون لدفع التظالم، وفصل التخاصم أولى وأحرى؛ وفي ذلك دليل لقول من قال: إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام[433]" .
وهذا يعني أن تمثيل الأمة لا يصح إلا إذا كان كل فرد منها ممثلا بنقيب عنه ، فيكون الأصل الانتخاب من القاعدة ، أي عامة المسلمين ، فينتخب كل أهل جيرة من يمثلهم في جيرتهم ، وهذا أصغر مجلس تمثيل لأفراد الأمة ، ثم يجتمع النقباء على جيرانهم فينتخبون منهم من يمثلهم في مجلس القرية أو المدينة ، ولا يشترط أن يكون واحدا ، فيمكن أن تكون مجموعة شريطة أن يرأسها واحد منهم ، ثم ينتخب من نقباء القرى نقيبا عنهم يمثلهم في مجلس شورى المنطقة الجامع لتلك القرى أو المدن ، ثم الولاية ثم على مستوى الدولة ثم على مستوى الأمصار ،وهكذا حتى يتم الأمر لخليفة واحد ينوب عن المسلمين ، وبغير ذلك لا تعتبر خلافة شرعية مطابقة لحديث رسول الله r آنف الذكر (فليؤمِّروا عليهم أحدهم) أي من بينهم ، فكل مستوى تمثيلي ينتخب المستوى الأعلى منه ليمثله ..وهكذا ، شريطة أن يكونون على معرفة ببعض ، فكل أهل مستوى تمثيلي لابد وأن يعملوا معا بأن يجتمعوا بصفة دورية ، ويتناقشون في أهوال رعيتهم وأهلهم ، ويتداولون الآراء ، وينتخبون أفضلها ، ويوكلون من يقوم بتنفيذها ، ويحاسبونه عليها ، وهكذا تحصل المعرفة التي تؤهلهم بعد ذلك لانتخاب أعضاء مجلس الشورى الأعلى في المستوى من بينهم ، فهم أدرى من غيرهم بمن هو أهل لذلك ، لحصول التجربة والاختبار بالعمل فيما بينهم .
لكن يمكن التجاوز عن هذا الأمر في أحوال معينة ، وذلك كما فعل الصحابة ليكون اختيار مجلس الخلافة من بين من يرشحهم الخليفة الشرعي السابق ، حيث تعذر ذلك في زمن الفتنة ، على أن تسعى الأمة جاهدة لتوسيع دائرة الشورى والتمثيل النقابي قدر الإمكان والوسع ، وذلك أن إصابة جزء من الصواب خير من أن لا يدرك الصواب كله ، فالاستطاعة مناط التكليف ، وفي أحوال الفتن مثل (حروب الردة) قد يتعذر التنفيذ بصورة مثالية ، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله.
والسياسة الشرعية تقتضي أن تتم البيعة للأصلح ممثلا عن قومه بالانتخاب القائم على حرية الاختيار بعد أن يجتاز مرحلة التبيين والتوضيح للحقائق والأمور واستشارة ذوي الرأي والخبرة ممن تتوافر فيهم شروط العدالة والصلاح ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ وَاللَّهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا فَلَا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً - أي فجأة -وَتَمَّتْ أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ مَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ ، تَغِرَّةً[434] أَنْ يُقْتَلَا)[435] ، والمقصود بذلك أن بيعة أبي بكر ـ رضي الله عنه كانت فلتة أي فجأة لم يرجع فيها إلى عوام المسلمين ، وإنما بادر إليها كبراء الصحابة لعلمهم بأحقية أبي بكر بالخلافة، وأنه لا عدل له ولا كفء من أصحاب رسول الله r ، قيل (أراد بالفَلْتة الفَجْأة)[436]، (ومِثْلُ هذه البَيْعة جَدِيرة بأن تكون مُهَيِّجة للشَّر والفِتْنَة فَعَصم اللّه من ذلك ووَقَى)[437]، (وقيل : أراد بالفَلْتة الخَلسة ، أي إن الإمامة يوم السَّقيفة مالَت إلى تَوَلِّيها الأنفُس ولذلك كَثر فيها التَّشاجُر فما قُلِّدَها أبو بكر إلا انْتزاعاً من الأيْدِي واخْتلاسا) [438]، قال ابن الأثير معْنى الحديث (أنّ البَيْعة حقُّها أنْ تقع صادِرة عن الْمُشورة والاتِّفاق ، فإذا اسْتَبَدَّ رجُلان دُون الجماعة فبايع أحدهُما الآخَر فذلك تَظَاهُر منهما بِشَقّ العصَا واطِّراح الجماعة ، فإن عُقِد لِأحَدٍ بَيْعة فلا يكون المعقودُ لَه واحِداً منهما ، ولِيَكُونا مَعزولَين من الطائفة التي تَتَّفق على تَمْييز الإمام منها لأنه إن عُقِد لواحدٍ منْهما ، وقد ارْتَكَبَا تِلك الفَعْلة الشَّنيعة التي أحْفَظَت الجَماعة من التَّهاوُن بهم والاسْتغناء عن رأيهم لم يؤَمن أن يُقْتَلا) [439].
أي أن الصحابة رضوان الله عليهم قد ساروا على هذا النهج قدر الوسع والاختيار ، فساروا على دربه r في هذا النهج ، مع مراعاة أن عليا رضي الله عنه كان لديه تحفظ في هذا الأمر ، ولعله أراد تطبيق السنة وفقا للشكل الذي ذكرنا ، لكنه تنازل عنه لأن الإجراءات الشكلية قد يتجاوز عنها إزاء تحقيق مضمون الشورى وغايتها ، وذلك في أحوال الضرورة أو الفتنة ، لاسيما إذا ما اختلط المنافقون بالمسلمين ، وكانوا أصحاب نفوذ وقدرة على قلب الموازين في القاعدة .
فعَنْ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ –ليختاروا خليفة المسلمين بعد وفاته -اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ – أي بن عوف - لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ – أي لا أطلب الخلافة لنفسي - وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُمْ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ ، - طلب منهم أن يفوضوه في هذا الأمر - فَجَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ – أي فوضوه في اختيار خليفة المسلمين- ، فَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا مِنْ النَّاسِ يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي حَتَّى إِذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا ، فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ – أي ابن عفان – رشحوه للخلافة -، قَالَ الْمِسْوَرُ طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْعٍ مِنْ اللَّيْلِ فَضَرَبَ الْبَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ ، فَقَالَ أَرَاكَ نَائِمًا فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ فَشَاوَرَهُمَا ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ ادْعُ لِي "عَلِيًّا" فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ ثُمَّ قَامَ "عَلِيٌّ" مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ عَلَى طَمَعٍ ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى مِنْ "عَلِيٍّ" شَيْئًا – أي يراه غير موافق بالكلية على ترشيح عثمان - ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي "عُثْمَانَ" فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ ، فَلَمَّا صَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ – مجلس الشورى - عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ، وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مَعَ عُمَرَ – وفي ذلك دليل على أن الجيش ضامن للشورى وتنفيذها - فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ يَا "عَلِيُّ" إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا ، فَقَالَ أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبَايَعَهُ النَّاسُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ وَالْمُسْلِمُونَ)[440]
وهكذا تنازل علي رضي الله عنه عن رأيه امتثالا لجماعة المسلمين (أهل الحل والعقد) ، وإنما تنازل انتصارا لرأي أصحاب الشورى والمسلمين ، وبايع عثمان للخلافة ، ولعله كان يمتثل في ذلك بقول عمر بن الخطاب قال: (من دعا إلى إمارة نفسه أو غيره من غير مشورة من المسلمين فلا يحل لكم أن لا تقتلوه)[441] ، فكتم اعتراضه على مباعية "عثمان" لعلمه أن الخير فيما اختاره المسلمون ، وقد ظن أن في المسلمين من هو أحق منه لما يعرفه من عثمان من شدة الحياء الذي قد لا يناسب هذا المنصب ، وبالفعل منعه الحياء أن ينتقم ممن حاصروا بيته حتى قتلوه ، ومنع "علي" وأولاده من أن يهجموا على الجناة ويدافعوا عنه ، فامتثل لأمره على مضض ، ووقع ما وقع من الفتنة التي كان يخشى أن تقع ، ثم ازداد شرارها فتطاير حتى حصلت واقعة الجمل بين علي والسيدة عائشة ، وواقعة تحكيم المصحف بين علي ومعاوية ، من ذلك نفهم أن التشدد في التمسك بالإجراءات المتبعة إذا ما خال للمسلمين أنه سوف يؤول إلى فتنة ، فإن تحقيق المقاصد الشرع بأي وسيلة شرعية أولى متى تأكد وجه الحق بها ، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، والله من وراء كل ذلك محيط ، فله التدبير والأمر .
وفي قوله (وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) (12) تأكيد على الغاية من تأسيس الدولة ، وأن التنظيمات السياسية إذا لم تكن غايتها الآخرة ، فلا فلاح لها لا في الدنيا ولا في الآخرة ، كما تضمنت الآية تلخيص وجيز لوظيفة النقيب وتحديد لبنود الميثاق الإلهي الذي بموجبه تكفل الله برعاية المسلمين في أحوالهم وأمور رعيتهم ، تلك البنود يتقدمها شرط تمهيدي لازم لصحة انعقاد العقد ، يتمثل في معية الله تعالى للعبد ، (وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ) ولابد أن يستشعر العبد هذه المعية ، قال الشعراوي (وقوله "إِنِّي مَعَكُمْ" يعطيهم خصلة إيمانية ، فلا يظنن أحد أنه يواجه أعداء منهج الله بذاته الخاصة بل بمعونة الله فلا يضعف أحد أو يهن مادام مؤمناً) [442]
ثم تأتي تفاصيل بنود العقد والتي تحض على إقامة أركان هذا الدين ، ونصرته بالجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الحق ، ليعلم الناس أن الله تعالى وضع أحكاما لإقامة الدين قبل أن يضع مثلها لإقامة الدولة وإصلاح شأن الدنيا ، ذلك أن غاية نظام التمثيل النيابي سالف الذكر– في المقام الأول - إقامة شعائر الله ، ليتحدد دور النقيب في الحفاظ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ثم الجهاد في سبيل الله ، تلك هي حقيقة دولة الإسلام التي لا ينفك دينها عن دولتها ، ولا تفصل دولتها عن أحكام دينها .
وقد لاحظ البعض عندما عقد مقارنة بين وظيفة "النقيب" في الإسلام بوظيفة "النائب البرلماني" في النظم التي يُطلق على اسمها بالديمقراطية المعاصرة ، فوجد أن (النائب في تلك النظم "النائب" هو من يمثل مصالح الأمة أمام السلطة التنفيذية على وجه الخصوص وأمام بقية السلطات على وجه العموم ، ولا يكلف بأي متابعة لأحوال منتخبيه في مدى تجاوبهم والتزامهم بمسؤلياته تجاه القانون أو القرارات التي تفرضها السلطات الأخرى ، فالنائب في أدبيات الناس لا ينتظر منه أن يقف ليرد الناس إلى جهة الصواب فيما لو انحرفوا، كما أنه ليس مسؤلا قانونا عن عدم التزام من يمثلهم بما ينبغي لهم الإلتزام به مما قررته الدولة ديموقراطيا ، بل هو في الغالب ينساق مع الرأي العام طمعاً في إعادة انتخابه ، ولكن الإسلام أشار إلى مهمات "النقيب" باعتباره وسيطاً للإصلاح بين الجهتين : فيطالب السلطات بحقوق الناس ، ويطالب الناس بحقوق السلطات ، ولعل هذه الناحية غير معمول بها في النظام الدستوري في العالم كله وإلى اليوم)[443] .
ويؤكد هذا الرأي أن القرآن الكريم ألمح إلى هذه الوظيفة تفصيليًا عندما حكى لنا قصة موسى عليه السلام لما ترك بني إسرائيل في أمانة أخيه هارون عليهما السلام ، لكن بني إسرائيل خالفوا أمره وعبدوا العجل ، فلما رجع موسى سأل أخاه عن ذلك وحاسبه حسابا شديدا ، قال تعالى (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) (طه/92-94)
هذا بالإضافة إلى أن "النقيب" لا ينتظر أجرًا على هذه الوظيفة من أجور الدنيا ، ذلك أنه يسعى لإقامة الدين أولا في قومهم ، فكان جزاؤهم عند الله متخطيا لأقطار السماوات والأرض وحدود الدنيا الفانية ومساحة الزمان والمكان ، فيكون ما أعده الله تعالى لهم هو ما وعد به أهل الجنة من نعيم ، كما في قوله (لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) ، وإن جاز منحه أجرا لأجل التفرغ لهذه الوظيفة ، فذلك بقدر التفرغ حتى لا ينشغل بالكسب ليقتات هو وأهله ، فيكون الأجر بقدر ذلك لا بمقدار العمل ، فلا يتحصل على غنى ووسع من هذا الأجر .
وفي قوله (فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) تقرير لجزاء المخالفين ، ووجه تقرير العاقبة هنا ظهور الكفر بعد إصلاح شأن الرعية ، وتنظيمهم سياسيا وإعطاء لكل ذي حق حقه ، قال صاحب اللباب (الضَّلال بعد إظهار نعمة الإسلام أظْهر وأعْظَم؛ لأنَّ الكُفْرَ إنما عَظُم قُبْحُه لعظم النِّعْمَة المَكْفُورة ، فإذا زادت النِّعْمة زاد قُبْحُ الكُفْرِ) [444]
قال ابن عاشور (ناسب ذكر ميثاق بني إسرائيل عقب ذكر ميثاق المسلمين من قوله: (وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ) [المائدة:7] ، تحذيرا من أن يكون ميثاقنا كميثاقهم ، ومحل الموعظة هو قوله: (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) وهكذا شأن القرآن في التفنن ومجيء الإرشاد في قالب القصص، والتنقل من أسلوب إلى أسلوب ، وتأكيد الخبر الفعلي بقد وباللام للاهتمام به)[445] .
ذلك أن أهل الكفر عندما كانوا يحاربون الإسلام والمسلمين كانت غايتهم أن يوقعوا دولته ، فعملوا على أن يضحى المسلمون بغير قائد ولا جيش يحميهم ، وعندئذ يسهل عليهم تمزيقهم وتشتيتهم وإشغالهم بأنفسهم ، وكل ذلك من الصد منهم عن سبيل الله لإغلاق أبواب الدعوة في سبيل الله ، فإذا حصل ذلك سهل عليهم تشويه صورة الإسلام أمام الناس ، فيزيدون من الصد عن سبيل الله ، والأمر بخلاف ذلك عندما يضحى للمسلمين كلمة واحدة ، فيكونون على قلب رجل واح بعدما يختاروا نقباء من بينهم ثم يرضون عن القيادة التي تقودهم ، قال رسول الله r (ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ)[446]، فإذا ما تم الاختيار عن تراضي فعندئذ يكون المسلمون أقدر على الوفاء بعهودهم ، وتتحسن صورة المسلمين أمام الناس ، فيكونون حجة على الناس بإحسان إسلامهم ، فإذا حصل ذلك فلا عذر للكفار بعدما اتضحت لهم حقيقة الإسلام وبدت معالمه واحترمت شعائره .
موقف السلطة السياسية من خيانة الأقليات المعارضة
قال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (13) فهذه الآية – في تقديري- تكاد تكون محور هذه السورة ، ذلك أنها تبين كيف يكون موقف السلطة السياسية في الإسلام إزاء خيانة أهل الكتاب للمسلمين ، ونقضهم الميثاق الاجتماعي واستمرار محاولاتهم لقلب النظام العام وإهدار قيم المجتمع والمبادئ العليا الحاكمة له ، ومقابلة كل ذلك بالصفح والعفو متى كانت الدولة قوية ولم تسفك الدماء حفظا على قوة الدولة وتماسك وحدتها مع أبناء رعاياها ولو كانوا من غير المسلمين .
كما أن هذه الآية لتجلي بوضوح طبيعة العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب ، وتؤكد استحالة بناء هذه العلاقة على أساس من الثقة والائتمان ، ولكن العفو والصفح مع الاطلاع على خيانتهم هي أساس التعامل معهم ، أي عفو وصفح مع اطلاع وحذر ، وهو ما يتطلب أجهزة مخابرات عالية في جودة الأداء ودقة التفاصيل وسرعة النقل ، ذلك أن الخيانة ديدن أغلبهم إلا القليل منهم ، فلا يحتج بموقف القلة ، واستقامتها على العهد إزاء استمرار الكثرة في الانحياز نحو الخيانة ونقض العهود ، قال تعالى ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ (الأنفال: ٧١) ، ولا يقصد بالكثرة هنا كثرة العدد ، بل المراد من هم أصحاب القوة والنفوذ فيهم ، القادرون على تحريض قومهم على النقض والخيانة ، وذلك لتعذر تنظيمهم سياسية على نحو يضمن تمثيل مصالحهم بصورة فاعلة لا تعتمد على النفوذ والرشاوى .
وإزاء تردي أخلاق الكثرة من أهل الكتاب –خصوصا من اليهود – متى شكلت في المجتمع المسلم أقليات معارضة كان لابد من موقف سياسي واضح للسلطة الحاكمة لمواجهة هذا الخلل الاجتماعي الشديد ، وذلك باتخاذ عدة اجراءات تتمثل في يلي :-
أولها في طرح الثقة منهم وإعلامهم بذلك ، قال تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ )الأنفال: ٥٨(
الأمر الثاني تجديد الأمان لهم ، فبالرغم من أن الإجراء الأول قاسي وشديد ، إلا أن الإجراء الثاني يضمن حقوقهم ، وذلك بإخبارهم أن الإسلام يواجه الخيانة التي قد تحصلت من بعضهم على أساس العدل الموضوعي والمتجرد عن أي انتقام شخصي ، قال النبي r "أدِّ الأمانةَ إلى مَنِ ائتمنك ولا تَخُن مَن خَانَكَ"[447]
وأخيرا يأتي الأمر بالصفح والعفو عن الخائنين الذين شرعوا في الخيانة ولم يفلحوا ، ذلك أن طبع الخيانة متجذر ومتأصل فيهم فلا أمل في أن يفلحوا ، وإنما كان الصفح لأجل قومهم أو بمعنى أدق لأجل تلك القلة منهم الذين استثناهم الله تعالى بقوله (إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ) ولأجل ضعفائهم وأطفالهم وشيوخهم ، لعل الله تعالى يصلح هؤلاء فيهتدوا للإسلام ، وفي ذلك تفصيل .
فالعفو عنهم مشروط بأن تكون الدولة قوية وأن لا يترتب على محاولتهم في الشروع في الخيانة أثر مادي ملموس يهدد السلم والأمن العام ، كسفك الدماء أو سلب الأموال أو إتلافها ، فقد بوب البخاري بابا بعنوان (إِذَا غَدَرَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ هَلْ يُعْفَى عَنْهُمْ) وأورد تحته حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ r شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ فَقَالَ النَّبِيُّ r اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ r مَنْ أَبُوكُمْ ؟ قَالُوا فُلَانٌ فَقَالَ كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ قَالُوا صَدَقْتَ قَالَ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا فَقَالَ لَهُمْ مَنْ أَهْلُ النَّارِ ؟ قَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا فَقَالَ النَّبِيُّ r اخْسَئُوا فِيهَا وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا ثُمَّ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا ؟ قَالُوا نَعَمْ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ)[448]، قال المهلب : (ويعفى عن المشركين إذا غدروا بشيء يستدرك إصلاحه وجبره ويعصم الله تعالى منه إذا رأى الإمام ذلك ، وإن رأى عقوبتهم عاقبهم بما يؤدى إليه اجتهاده ، وأما إذا غدروا بالقتل أو بما لا يستدرك جبره وما لا يعتصم من شره ؛ فلا سبيل إلى العفو ، كما فعل النبى r فى العرنيين عاقبهم بالقتل)[449] ، أي أن المسألة تقديرها للإمام ، فهو يوازن قوة دولته وقدرتها على التحكم فيهم خلال فترة زمنية معينة بمقدار خيانتهم ومدى تأثيرها على الدولة والمجتمع ، فإن رأي جبر ضررهم بإجراء يسير اتخذه دون أن يتخذ الأشد ، ولا يلجأ للأشد إلا مخافة حدوث فتنة ، وذلك حتى تظل دولة الإسلام تحتضن أبناءها وغيرهم ممن أراد العهد مع المسلمين ممن هم من غير دينهم ، فدولة المسلمين لا يقيم فيها المسلمون وحدهم ، بل تتسع لأن يقيمون فيها مع غيرهم من غير المسلمين .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ النَّبِيَّ r بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ أَلَا نَقْتُلُهَا قَالَ لَا فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ r )[450] ، بذلك يكون النبي r قد ميّز بين محاولة القتل (أو التحريض عليه والدعوة إليه) وبين القتل الفعليّ [451].
وقيل أنه قتلها لما تبين له بعد ذلك أن لفعلها أثر مادي ملموس ترتب عليه قتل أحد الصحابة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه : (أن إمرأة يهودية دعت النبي r وأصحابا له على شاة مصلية فلما قعدوا يأكلون أخذ رسول الله r لقمة فوضعها ثم قال لهم : امسكوا إن هذه الشاة مسمومة , فقال لليهودية : ويلك لأي شيء سممتني قالت : أردت أن أعلم إن كنت نبيا فإنه لا يضرك وإن كان غير ذلك أن أريح الناس منك وأكل منها بشر بن البراء فمات فقتلها رسول الله r)[452] ، نقل النووي عن بن سحنون قال (أجمع أهل الحديث أن رسول الله r قتلها)
قال القاضي (وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها أولا حين اطلع على سمها ، وقيل له اقتلها فقال لا ، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصا ، فيصح قولهم لم يقتلها أى فى الحال ، ويصح قولهم قتلها أى بعد ذلك) [453] .
انشغال المعارضة بنزاعاتهم الخاصة أوهن أدائهم السياسي
قال تعالى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) (14) كشفت الآية عن وهن المعارضة السياسية من أهل الكتاب ، وهذا الوهن يؤثر بالسلب على مصالح من يمثلونهم من بني شعبهم وملتهم ، ذلك أنهم لا يبتغون الصالح العام ، وإنما يبتغون من مباشرة العمل العام تحقيق مصالحهم الشخصية والذاتية ، فوهن "المعارضة" هنا في أداءهم في الحياة السياسية ومشاركتهم الفاعلة ، نتيجة لعدم اهتمامهم بالشأن العام بقدر اهتمامهم بشأنهم الخاص ، حيث يستهدفون إعلاء مصلحتهم الخاصة ومنحها الأولوية على استهداف الصالح العام ، وإن شئنا لقلنا أنهم أكثر الناس عداءً لفكرة الصالح العام ، لاسيما عندما يكونون هم الأقلية والمسلمون الأكثرين ، فيظنون أن فكرة الصالح العام تخدم الأكثرية من المسلمين ، ويغيب عن فكرهم أن فكرة الصالح العام مجردة عن التعيين والتشخيص ، وتستطيل لتخدم مصالح الأقلية كلذلك باعتبارهم جزء من الصالح العام ، ذلك أنهم أن فكرة الصالح العام تصب في صالح المسلمين وغير المسلمين ، بل قد ترتب التزامات على المسلمين وعلى غيرهم كذلك ، بيد أنهم لو تجردوا للفكرة ذاتها لوجدوا أنهم أكثر الناس استفادة من ابتغاء الصالح العام ، لكنهم لما هم فيه من الضلال في العقيدة فقد ضلوا كذلك في تحقيق مصلحتهم المادية التي يرجون ، حيث اقتصرت نظرتهم للمصلحة على تلك التي تمثل مصلحتهم الفئوية أو الملية ثم لم تلبث أن ضاقت عندهم فكرة المصلحة لتصير إلى مصلحة شخصية وذاتية ، من هنا وقعت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، كما أخبر الله عنهم ، لأن المصالح الشخصية تتعارض وتتضارب ، ومن ثم يحدث -ولابد - التنازع والشجار المولدان للعداوة والبغضاء ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (تَفَرَّقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً)[454]، (في الأصول الدينية لا الفروع الفقهية إذ الأولى هي المخصوصة بالذم)[455] .
ومؤدى ما تقدم عدم الاعتداد بما يمثله هؤلاء عن وكلائهم ، وإنما يجب على ولاة الأمور أن ينقبوا بأنفسهم عن مصالح المستضعفين من أهل الكتاب ، لما بينهم من عداوة وبغضاء قد تحجب رفع مطالب المظلومين وشكواهم ، إذ أنهم أضحوا بتلك النظرة الشخصية الضيقة عبيدا لرغباتهم باعدين كل البعد عن حاجات قومهم ومن يمثلونهم ، الأمر الذي يلقي بتبعة هذه المسئولية على المسئولين من المسلمين ليكونوا هم أحرص على مصلحة هؤلاء المستضعفين ولو كانوا من غير المسلمين ، فيكونون أكثر من حرص من يمثلونهم من بني جلدتهم ودينهم ، أي أنه ينبغي على المسلمين ألا يركنوا إلى نقباء أهل الكتاب وما يلقونه إليهم من تقارير قد يشوبها الكذب والخداع ، فقد يخفي النقباء حاجة شعبهم الملحة للأمور الأساسية لتحقيق مصالحهم الخاصة والشخصية ، بيد أن الأمر ليس كذلك على طول المنوال ، وإنما يجب أن تؤخذ مطالب النقباء بشكل جدي ، فالقصد هو التقصي والتحقق من صدقها وإجلاء الحق فيها ، لا التسليم بظاهرها وحسب .
لكن لا يخفى أن الآية تتحدث عن بعض أهل الكتاب فقال سبحانه ( ومن الذين قالوا إنا نصارى ) أي أن البعض الآخر ليس على هذه الشاكلة ، بل قد يهتم بالشأن العام ، ويقف صفا واحدا في مثل تلك القضايا ، ولذلك يقول العلماء (فلا مانع أن نقف مع أهل الكتاب فى جبهة واحدة ، ضد هؤلاء الذين يريدون دمار البشرية بدعاواهم المضللة ، وسلوكياتهم الغاوية، وأن يهبطوا بها من نقاء الإنسانية إلى درك الحيوانية ، وقد رأينا الأزهر ورابطة العالم الإسلامى والفاتيكان يقفون فى (مؤتمر السكان) فى القاهرة سنة 1994م، وفى مؤتمر المرأة فى بكين سنة 1995م فى صف واحد، لمواجهة دعاة الإباحية) [456]، مع التحفظ على ما ورد في بيان المؤتمر ذاته من بعض الأمور التي قد تخالف شرع الله .
المبادئ فوق الدستورية سابقة على صياغة الدستور ، ولا تقر بالاتفاق ولا بالمغالبة
قال تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (15-16) ، من المعلوم أن أهل الكتاب لم يتمكنوا من حفظ أمانة الدين ، فلم يستطيعوا منع الذين بدلوا وحرفوا وأخفوا منه بعض ما علموه ، لكن الله تعالى أظهر شريعته ودينه على الدين كله ، فجدد الدين بإرسال الرسل ، وختمهم بالنبي محمد r ، إظهارا للحق على أيدي المجاهدين والدعاة الفاتحين ، وقد اصطدم رسول الله r باليهود عندما دخل المدينة المنورة ، ففوجئ أنهم يخفون كثيرا من أحكام الله تعالى التي كانت معروفة وحاكمة لكثير من نزاعاتهم ، ولذلك فإنه عندما وضع دستور حاكم للمدينة المنورة ومن فيها من المسلمين أو اليهود أو غيرهما كان لابد من أن تكون أحكامه كاشفة عن حكم الله تعالى الذي لا يتبدل ولا يتغير ، ومن ثم كانت الحاجة ملحة لأن يتفق المسلمون مع أهل الكتاب على الأسس التي ينبغي الاتفاق عليها إذا ما أرادوا جميعا أن يعيشوا على وطن واحد تكون فيه الغلبة والسيادة للمسلمين ، باعتبار أن الرسول هو الحاكم لتلك الدولة ، فكان لابد وأن يتفقوا معا على المبادئ الدستورية الواجب إقرارها لنظام المجتمع تلك التي تحدد قِيَمَه ومرتكزاته الأساسية ليقوم التنظيم السياسي حفظ أمن المجتمع وسلمه الداخلي والخارجي ، ودون هذه المرتكزات قد ينهار السلم المجتمعي في الدولة .
ومبادئ الإسلام الدستورية المتعلقة بنظام الحكم معروفة ومحفوظة ولسنا بصدد مناقشتها أو سردها ، لكن الذي نود التركيز عليه هنا هو أن إعلائها مرهون بإعلان شعائر الله ، فإذا ما أقام المسلمون شعائرهم بصورة علنية كان في الإمكان كذلك تعريف أهل الكتاب وسائر طوائف المجتمع ما كان مخفيا عنهم من أمور تحفظ لهم دماءهم وأعراضهم وأموالهم ، أي باختصار تلك التي تحفظ للإنسان حقوقه وكرامته بصفته كإنسان بصرف النظر عن عقيدته وأصله ولونه وجنسه وسنه وثقافته ، كما قرر علماء الأصول الإنسان علة فاعلة لتطبيق شرع الله ، وقد راعت الشريعة الإنسان بصفته هذه لهذا الاعتبار .
ومن جهة أخرى فإن المبادئ الدستورية لنظام الحكم في الإسلام شأنها شأن المبادئ الأخرى التي لم ترق إلى هذه المرتبة ، فقد تتغير بحسب الزمان والمكان والأشخاص والأحوال وفقا للقاعدة الفقهية المعروفة "تبدل الأحكام بتبدل الزمان والمكان"، ذلك أن لكل مجتمع طابعه السياسي والثقافي والتربوي الذي يصطبغ به ، وكل مرحلة يمر بها المجتمع يواجه تحديات مختلفة ،وظروف سياسية مغايرة ، فحيث تسعي بعض الدولة إلى تقوية سلطات المجلس التشريعي أو الشورى على حساب السلطة التنفيذية ، نجد أن دولا أخرى تقوي سلطات رئيس الجمهورية أو الإدارة التنفيذية ، على حساب المجالس النيابية ، وحيث تتبنى دولة نظام الإدارة غير المركزية ،وتوسع منه ،فإن دولة أخرى قد تضيق من هذا النظام فتتبنى إدارة شبه مركزية أو تتخلى عنه بالكلية لتتبنى نظام الإدارة المركزية ، بل وشديدة المركزية ، لاسيما في ظروف الحرب أو الاضطرابات الداخلية .
وكما قد نرى رعايا الدولة معينة يتحدثون لغة واحدة كالصين واليابان وكوريا ، بل ويتشابهون في الشكل واللون والسلوك والعادات ، فقد نرى – في المقابل - رعايا دولة أخرى يتحدثون عدة لغات ، ويتباينون في اللون والثقافات والعادات نظرا لتعدد الأجناس فيها كالولايات المتحدة الأمريكية أو جنوب أفريقيا ، وحيث تعتمد دولة ما على الزراعة لطبيعتها البيئية تعتمد أخرى على الصناعة ، ووهكذا يكون لكل دولة طابعها السياسي والاجتماعي والتاريخي ومواردها الاقتصادية التي قد تختلف عن دولة أخرى ، الأمر الذي ينعكس بلا شك على المقومات السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية لتلك الدولة، فلا يمكن قولبة المبادئ الدستورية وتعميمها على مستوى العالم ، فلكل دولة مبادئها الدستورية التي تحكم نظامها السياسي، ولذلك سكتت الشريعة الإسلامية عن الحديث عن تفاصيل ذلك ، والمسكوت عنه يدخل في دائرة الإباحة .
لكن ثمة مسائل دستورية تخرج بطبعها عن أن تكون محلا للخلافات بين المشرعين أو الدستوريين ، ذلك أنها لا تتعلق بنظام الحكم السياسي فحسب ، وإنما بأمنه وأمانه ، وهو ما يسمى بالمبادئ (فوق الدستورية) فمهما تبدلت الأزمان وتعددت الأماكن وتغير الأشخاص تظل هذه المبادئ حاكمة لكل جيل ، ومرتكز لأي ثقافة ، داعمة لكل حرية ، عرفتها البشرية منذ تعاقب الرسل والأنبياء والتزمها المؤمنون وإن أخفاها المنافقون ، وأعرض عنها الكافرون ، شرعها الله تعالى بما يضمن مصلحة الأمة بل والأمم المعاهدة ، فلا يجوز مناقشتها ولا يجوز التوافق عليها ، ذلك أنها تحفظ للأمة وحدتها وللمجتمع سلمه وأمانه ، وبدونها يعيش الناس في هرج بلا نظام ولا احترام ، فلولا الإسلام لعاش الناس يبغي بعضهم على بعض ، يؤكد هذا المعنى حديث رسول الله r (فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ)[457] ، أي أن المؤمنون هم الذين يمنعون الناس من أن يتهارجون تهارج الحمر ، قال السيوطي (يتهارجون) أي يجامع الرجال والنساء علانية بحضرة الناس [458]، (كما يفعل الحمير لا يكترثون لذلك) [459]، كناية عن (كَثْرَةُ النكاح) [460]بلا ضابط ولا عقود نكاح ولا حياء .
لذلك فإنه إزاء اختلاف الناس فيما شرعه الله تعالى من أحكام ومبادئ كان لابد وأن يظهر الإسلام ليجدد للبشرية بنود الميثاق التي طمست من قبل ، قال تعالى (إِنَّ هذا القرأن يَقُصُّ على بَنِى إسراءيل أَكْثَرَ الذى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [ النمل : 76 ] ، فكان من أهم هذه البنود التي يعني بها دين الله تعالى الظاهر على الدين كله ، تلك التي تحفظ على المجتمع دينه وأخلاقه ونظامه العام وكذلك أمنه وأمانه .
ولعل المثال المشهور في هذا الأمر – وإن فزع منه المرجفون – والذين فيهم نزلت آي السورة – هو حد الرجم ، فعن بن عباس قال (من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب ، وذلك قول الله تعالى (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا بين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير) فكان مما أخفوا الرجم عز وجل) [461] ، ذلك أن حكم الرجم للزاني المحصن من الأحكام تمثل مبادئ أساسية لنظام المجتمع ، فبه يتم حفظ المجتمع والأسرة من الانحلال بسبب نزوات شخصية ورغبات جامحة لأحد أركان الأسرة وأهم أعمدتها ، قاطعا السبيل على كل من تسول له نفسه خيانة الأسرة التي تكونت بكلمة من الله تعالى ، مغلقا كل سبيل للانحلال الأخلاقي في المجتمع ، بيد أنه لما كانت العقوبة قاسية والذمم خربة فقد تحايل أهل الكتاب على شرع الله فبدلوا وحرفوا وأخفوا ما كان منه ثابتا ومستقرا شرعا وعرفا ، فلما أقر الإسلام هذه المبادئ من جديد ، فجدد أصولا استقرت من قبل في مجتمعاتهم لكن أعرافهم نسخت تطبيقها ، فكانت معارضتهم لها ليس من منطلق أن هذه المبادئ من عند المسلمين ، أو أنهم لا يؤمنون بها لأنها تتنافي مع معتقداتهم وعباداتهم ، أو لأنهم يدينون بدين آخر ، وإنما حقيقة معارضتهم لها – وإن أعلنوا هم غير ذلك – هو عدم رغبتهم في الالتزام بها لما فيها من التشديد في عقاب المجرمين ، نظرا لضعف وازعهم الأخلاقي والديني في التمسك بكل ما يحفظ للأسرة دورها في قيام مجتمع متماسك ، فحد الرجم ينهى عن الرذائل والفواحش ويسد طريق اختلاط الأنساب وضياع الأولاد وتخلي الأباء عن تحمل مسئولية جيل ينشأ من هذه العلاقات المؤثمة .
وهذا يعني أن الإسلام حينما يشرع قواعد حاكمة للمجتمع لا يأبه باعتراض المنافقين من أهل الكتاب ولا من المسلمين ، ولا يأبه بتلك الدعوات التي تحض على الحرية بلا ضابط أو اتزان ، وإنما يعصف بها جميعا ليعلي كلمة الحق ، ويربط المجتمع أيا كانت دياناته ومعتقداته بهذه القواعد الحاكمة لأنها تسمو على غيرها ، ولا يسمح بالمناقشة أو المساومة حولها ، لأنها من عند الله ، والله سبحانه جعلها حصنا حصينا للمجتمع من التحلل والتفسخ والانقسام ، فهذه القواعد تظل قائمة طالما كان للمسلمين دولة .
الوثيقة الدستورية لا تمس حرية الاعتقاد إلا بما يكفل حرية الدعوة ووسائل التعبير
قوله تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (17) التصريح بكفر عباد المسيح يزيل ما قد يتوهمه البعض من أنه في ظل مجاورة المسلمين لأهل الكتاب والعيش معا على أرض واحدة ، والاتفاق معا على مبادئ دستورية حاكمة لدولتهم أن أمور العقيدة قد تختلط بمرور الأزمان ، فتتميع عقيدة المسلمين أو تصبح الأمة بلا عقيدة تماشيا مع دعوات تسامح الأديان التي تضمر في طياتها التحلل من كل دين ، لكن الإسلام يرد على هذا التوهم المغلوط بهجوم واضح وظاهر على عقائدهم الباطلة معلنا أن مسائل الاعتقاد وإن كانت تفوق كل المسائل الدستورية أهمية فإن المنهج الإسلامي في شأنها واضح وجلي ، فقد استثناها من أن تكون محلا للاتفاقات السياسية ، فالعقائد لا تتغير بكثرة الاتفاقات ، وإنما قد تتغير العقيدة الباطلة إذا ما انقشع الظلم عن أهل الحق لينجلى الحق ويتميز عن الباطل ، ولذلك كان منهج الإسلام في مجال الاعتقاد هو إقرار حرية النقاش والاعتراض والإتيان بالحجة قبل أن يقر حرية العقيدة ذاتها ، إذ لا يمكن أن نتحدث عن حرية الاعتقاد في ظل طمس الحقائق وتلبيس الحق بالباطل ، ولذلك يفتح الإسلام باب المناقشات والمناظرات والإتيان بالحجج والبراهين ، ويحفظ للمسلمين حقهم في أداء واجبهم الدعوي في نشر الدعوة الإسلامية بإحسان دون إكراه للناس أو أدنى تعنيف ، ثم هو يقر بعد ذلك للناس كافة حريتهم في الاعتقاد كما يشاؤون ، مخرجا هذه المسألة من مجال المساومات السياسية أو العقود المدنية .
قال ابن عاشور (سرى لهم القول باتحاد اللاهوت بناسوت عيسى إلى حد أن اعتقدوا أن الله سبحانه قد اتحد بعيسى وامتزج وجود الله بوجود عيسى)[462] ، والمعنى الإجمالي (قل -أيها الرسول- لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح إلهًا كما يدَّعون لقَدرَ أن يدفع قضاء الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أُمِّه ومَن في الأرض جميعًا)[463]، ولذلك فلا غرو في أن يعتقد المسلمون في كفر النصارى ، كما لا غرو في أن يعتقد النصارى كفر المسلمين ، وقد صرح أهل الكتاب بأن المسلمين محرومون من الجنة ، وكذلك كانت تلك أمنيتهم ، قال تعالى (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة/111) .
في حين أن المسلمين لما اعتقدوا كفر النصارى لم يتمنوا أن يظلوا على الكفر ، وإنما ظلت وستظل أمنيات المسلمين أن يشارك أهل الكتاب أخوانهم المسلمين في فضل الله تعالى الواسع ، وأن يشاركوهم خيري الدنيا والآخرة ويعيشوا معا جنات النعيم ، قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (65) .
إذن لا إشكال في اعتقاد كفر أهل الكتاب ، مع وجوب إحسان المعاملة للمسالمين منهم لا المحاربين ، وإنما تكمن الإشكالية في مخاطبة أهل الكتاب بصفتهم أنهم "كفار" ، مع صحة سلامة الإعتقاد بكفرهم ، إذ لا يجوز مخاطبتهم بأنهم "كفار" ، فليس ذلك من أدب وأخلاق المسلمين ، ذلك أن القرآن الكريم وهو كلام الله تعالى لم يخاطب الكفار بتلك الصفة – على وجه العموم - إلا في سورة الكافرون ، وذلك بمناسبة مساوتهم النبي r في أن يتنازل عن دينه مقابل أن يتنازلوا هم عن دينهم شيئا ما ، فأبان لهم منهج الإسلام من تلك المساومة وأنه لا حلول وسط في أمور الاعتقاد ، فإما الإسلام بالكلية أو الكفر به ، وفي غير هذا الموقف لم يكن القرآن ليخاطبهم (أهل كتاب) إلا بصفتهم تلك تكريما لهم أنهم أمنوا بالكتاب بمجمله وإن كانوا يكفرون بما أخفوه منه ، فهم بتلك الصفة أقرب من غيرهم لمسالمة المسلمين ، بل إن منهم من هم أقرب لمودة المسلمين من غيرهم ، ولعلهم بذلك يذرفون الدمع عندما يعرفون الحق ، مثل النجاشي وغيره الذين ماتوا على الإسلام .
قوله تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) ترديد لأقوال أهل الكتاب الباطلة في إدعائهم أنهم المصطفون من الله اصطفاء بنوة ومحبة ، وأنهم هم المخصوصون بذلك استعلاءً منهم على غيرهم ، والأسلوب القرآن في الرد على هذا الإدعاء لم تكن بطمس أقوالهم أو تجاهلها أو تعميتها عن المسلمين ، بل سمح بعرض أقوالهم وإن كانت باطلة ، وفي ذات الوقت رد عليها بالحجة والبرهان ، فسمح للعقل بأن يعمل ، وساعد القلب على أن يبصر ، ما يعني أن الإسلام يحض المسلمين على أداء واجب الدعوة وإنكار المنكر ، بعد سماع الشبهة وبيان تفصيلها قبل الرد عليها ، وفي ذلك دليل على أن الإسلام كفل حرية الرأي والاعتقاد ، وجعلها مضمونة دستوريا ..
وفي ذلك تجريد للدعوة عن الشأن السياسي واستعلاء بها عن أن تدخل معتركا سياسيا ، وليس معنى ذلك تقويض الدعوة الإسلامية وإخراج الأمور السياسية من مجالها ، ولكن المقصود هو تقديسها واعتبارها من شعائر الدين ، فلا تتعطل ولا تتوقف انتظارا لإبرام عقد مدني أو اتفاق سياسي أو ميثاق دستوري ، فالآية أشارت – بطريق التضمن - إلى تكليف المسلمين بواجب الدعوة إلى الله ، وتبليغ رسالة الإسلام ، وتعريف الناس بطلان عقيدة اليهود والنصارى ، وقد جاء هذا التكليف في مرحلة ودولة النبي r فيها بحاجة إلى توافق سياسي لتأسيس نظام دستوري يحكم الجميع ، وهي حديثة النشأة ، والحروب فيها متوالية ، والنزاعات الداخلية فيها متوترة ، ورغم هذه الظروف مجتمعة إلا أن الإسلام يجابه اليهود والنصارى بعقائدهم الباطلة طارحا كل محاولة لمهادنتهم عقائديا ، فالدعوة مع أهل الكتاب تبدأ بعد أن يكشف المسلمون للناس شبهة إبليس التي ألقاها عليهم ، وهي زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه ، افتراءً على الله [464]، وهو زعم نابع من كبر واستكبار ما هم ببالغيه ، ولا تنتظر حتى يحصل التوافق المدني أو السياسي على أمر ما .
واليهود والنصارى يودون بهذا الزعم تمثيل دور الابن المدلل من أبيه ، ولذلك يقرنون البنوة بالمحبة ، ولا يعلمون بذلك أنهم يمثلون –تماشيا مع ظنهم جدلا وبحسب تصورهم المغلوط- دور الابن الفاسد لكثرة دلاله وترفه ، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن اقتران المحبة بالبنوة دليل ضعف الأب نحو ابنه فلا يعاتبه على ذنب لكثرة محبته به وفتنته به ، وقد تعالى الله عن ذلك ، فالكل عباد لله .
ومن جهة ثالثة فإن إدعاءهم المحبة يناقض أفعالهم ، فإن جاز القول بأنهم أحباء الله دون القول بأنهم أبناءه ، فأين دليل المحبة ؟ وحقيقة إيمانهم لا يبرهن على دعواهم ، حيث خالفت أفعالهم ما شرعه الله ويرضاه الله ، فطريق الحق يعني أن يبيع المسلم روحه وكل ما يملك لله تعالى ، وهؤلاء يبخلون على الله بتلك البيعة ، قال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (الجمعة/6-7) ، يقول العلماء (شرط المحبة موافقة المحبوب فتحب ما يحب وتكره ما يكره وتبغض ما يبغض ، وذلك كمن يدعي أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه فيصر عليها أو يدعي أنه يصل إلى حد في محبة الله تسقط عنه التكاليف) [465] ، وهو الأمر الذي يستتبع – إن صدقت المحبة - أن تزداد التكاليف لا أن تسقط بتلك الدعوى الباطلة ، حيث تزداد متابعتهم لمحبوبهم ، فيكون هواهم تبعا لما يحبه الله ويرضاه ، دون حاجة لإلزامهم بذلك .
قوله تعالى (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) رد ودحض للشبهة التي خالت عليهم ، ليشرع المسلمون بعد عرض شبهات أهل الكتاب في الرد عليها ، وتلك هي المرحلة الثانية من الدعوة إلى الله ، وهو أمر أيسر من اليسير متى التزم المسلم منهج الله تعالى ، ذلك أنه متى كانت شبهتهم وقد تمثلت في تأليه أنفسهم وترقيتها إلى مصاف النسب مع الله والولاية والاصطفاء حتى ظنوا في أنفسهم أنهم أبناء الله وأحباؤه ، فإن الرد على هذه الشبهة يتمثل في تذكيرهم بالموت ، أي فلما يميتكم الله تعالى في الدنيا ولم يجعلكم خالدين فيها ، ولما يبتليكم فيها بالأوجاع والأسقام والأمراض ؟
فإن قالوا أن ذلك من باب الابتلاء والاختبار ، فهو حق ، وهو ما يعني أنهم يؤمنون بأن الله أعد لهم مقام أفضل من مقامهم في الدنيا إذا تجاوزوا مرحلة الابتلاء والاختبار ، يعني أنهم يؤمنون بالآخرة ، لكنهم يكذبون أنفسهم حين يبخلون عن بيع أنفسهم لله عندما يأمرهم بذلك ، قال تعالى (قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة/94)، أي أنهم لا يفعلون ذلك ، فإن تعذر عليهم ذلك ، فإنه يكفي تذكيرهم بالموت ، الذي هو هادم اللذات والأماني والأحلام ، وتذكيرهم بالمصائب التي تلحقهم من مرض وفقر وكدر في العيش ....الخ ، فكل ذلك من باب الكبد الذي يتكبده الإنسان ، ذلك ليعلموا أنهم مثل سائر البشر ولا ميزة لهم على أحد .
قال ابن تيمية (فَإِنَّ تَعْذِيبَهُ لَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ غَيْرُ مَحْبُوبِينَ وَلَا مَنْسُوبِينَ إلَيْهِ بِنِسْبَةِ الْبُنُوَّةِ , بَلْ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ مَرْبُوبُونَ مَخْلُوقُونَ ، فَمَنْ كَانَ اللَّهُ يُحِبُّهُ اسْتَعْمَلَهُ فِيمَا يُحِبُّهُ مَحْبُوبُهُ , لَا يَفْعَلُ مَا يَبْغُضُهُ الْحَقُّ , وَيَسْخَطُهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ , وَمَنْ فَعَلَ الْكَبَائِرَ , وَأَصَرَّ عَلَيْهَا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا , فَإِنَّ اللَّهَ يَبْغُضُ مِنْهُ ذَلِكَ ; كَمَا يُحِبُّ مِنْهُ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْخَيْرِ ; إذْ حُبُّهُ لِلْعَبْدِ بِحَسَبِ إيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ , وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الذُّنُوبَ لَا تَضُرُّهُ لِكَوْنِ اللَّهِ يُحِبُّهُ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَيْهَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَنَاوُلَ السُّمِّ لَا يَضُرُّهُ مَعَ مُدَاوَمَتِهِ عَلَيْهِ , وَعَدَمِ تَدَاوِيهِ مِنْهُ بِصِحَّةِ مِزَاجِهِ) [466].
قوله تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (19) نداء لهم لتنبيههم إلى ما يكشف عنهم خفاء ما جهلوهه ، ويحقق في الأمور التي اختلفوا فيها ، فيظهر لهم حقائق الأشياء التي طمست عنهم ، لاسيما وقد طال الزمان بعد عيسى ابن مريم ، وهو الأمر الذي يستبين منه أهمية استمرار الدعوة مع أهل الكتاب حتى بعد وفاة رسول الله r ، حتى تظل الحجة بينة ، والبيان ظاهر ، فالعلماء هم ورثة الأنبياء ، فالشرع نفى عذرهم بإرسال خاتم الأنبياء لهم ، وكذلك ينفي عنهم عذرهم بجهود الدعاة في إيصال الإسلام واضحا شافيا بينا لهم في كل زمان .
قال رَسُولَ اللَّهِ r (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ وَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ[467] لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ )[468] ، والمقصود أن عدم الفصل بين الشريعتين واتصال ما بين الدعوتين وتقارب ما بين الزمنين صيرهما كالنسب الذي هو أقرب الأنساب)[469]، قال أبو حفص النعماني (لأنَّ التَّحْريف والتَّغْيِير قد تَطَرَّق إلى الشَّرَائِع المُتقدِّمة ، لتقَادُم عَهْدِهَا وطول أزْمَانِها ، ولهذا السَّبَب اخْتَلط الحقُّ بالبَاطِل ، والصِّدق بالكَذِبِ ، فصار عذْراً للخَلْقِ في إعْرَاضِهِم عن العِبَادَات ، وسُمِّيت فَتْرة؛ لأنَّ الرُّسل كانت تَتْرَى بعد مُوسى - عليه السلام - من غير انْقِطَاع إلى عيسى ، ولم يَكُنْ بعد عيسى سِوى رسُول الله r) [470]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ [471] أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ)[472] ، ومعنى قوله في الأنبياء عليهم السلام "أمهاتهم شتى" (كناية عن أزمانهم واختلافهم كالأخوة إذا كانت أمهاتهم متفرقة)[473] ، والمعنى المراد سوقه هو أن عقيدة الأنبياء واحدة ، ولذلك شبهها بالأبوة ، أما الشرائع فمختلفة ، ولذلك شبهها بالأم ، قال المناوي (أي أصل دينهم واحد وهو التوحيد وفروع شرائعهم مختلفة شبه ما هو المقصود من بعثة جملة الأنبياء وهو إرشاد الخلق بالأب وشبه شرائعهم المتفاوتة في الصورة بأمهات)[474]
قال القاضي : (والحاصل أن الغاية القصوى من البعثة التي بعثوا جميعا لأجلها دعوة الخلق إلى معرفة الحق وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم ويحسن معادهم فهم متفقون في هذا الأصل ، وإن اختلفوا في تفاريع الشرائع فعبر عما هو الأصل المشترك بين الكل بالأب ونسبهم إليه وعبر عما يختلفون فيه من الأحكام والشرائع المتفاوتة بالصور المتقاربة في الغرض بالأمهات ، وأنهم وإن تباينت أعصارهم وتباعدت أعوامهم ، فالأصل الذي هو السبب في إخراجهم وإبرازهم كل في عصره واحد ، وهو الدين الحق الذي فطر الناس مستعدين لقبوله متمكنين من الوقوف عليه والتمسك به فعلى هذا المراد بالأمهات الأزمنة التي اشتملت عليهم)[475].
أهم بنود الميثاق الدستوري مع أهل الكتاب
المطلب الأول : حكم الخدمة العسكرية إلزامية "حكم التهرب من الخدمة العسكرية"
المطلب الثاني : حرمة الدم دراسة جريمة "القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد"
المطلب الثالث : الأمن الاجتماعي دراسة "حد الحرابة"
المطلب الرابع : حماية الأموال دراسة "حد السرقة"
قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (26)
سوف ندرس في هذا الصدد قصة نكول بني إسرائيل عن الجهاد مع نبي الله موسى عليه السلام ، وتطبيق ذلك على جريمة التهرب من أداء الخدمة العسكرية ، وقبل أن نشرع في بيان هذه القصة نود أن ننوه إلى بنود الاتفاق العسكري مع اليهود في المدينة المنورة – تلك التي أشرنا إلي بنودها من قبل - والتي كانت توجب عليهم القتال مع رسول الله r ضد من يحاول الهجوم على المدينة المنورة ، ولكن اليهود لم يحترموا هذا الميثاق الدستوري الذي يؤمن لهم دولتهم ، وخانوا رسول الله r أكثر من مرة حتى لم يكن به بد إلا أن أجلاهم منها من أجل خيانتهم ، ولذلك كان في ذكر القرآن الكريم لقصة اليهود مع موسى في الجهاد وتخاذلهم عنه خير مثال لتوصيف حال اليهود في المدينة مع النبي r ، يقول أبو حيان (مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى بين تمرّد أسلاف اليهود على موسى ، وعصيانهم إياهم ، مع تذكيره إياهم نعم الله وتعداده لما هو العظيم منها ، وأن هؤلاء الذين هم بحضرة الرسول هم جارون معكم مجرى أسلافهم مع موسى) [476].
قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ) (20) الغاية من ذكر هذه القصة تذكيرهم بواجب نشر الدعوة ، وأنهم مكلفون بأداء هذا الواجب مثلما كلف به بنو إسرائيل لاعتبارين اثنين :-
الأول : أن الأنبياء كانت تسوسهم ، فلا حجة لهم في أنهم ينتظرون من يقودهم ، فليس لهم أن يتذرعوا بعد ذلك بشيء وقد ساستهم الأنبياء ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ ( كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)[477]، أي (يرأسهم الأنبياء تترى تابعا بعضهم بعضا)[478] ، قال ابن الأثير (أي تتولّى أمورهم كما تفعل الأمراءُ والولاةُ بالرَّعيَّة ،والسِّياسةُ :القيامُ على الشيء بما يُصْلِحُه)[479]، فكانوا بذلك أعلم أهل زمانهم بالتوراه وأحكام الله
الأمر الثاني أن الله تعالى آتاهم الملك ، إذ منَّ عليهم به بعد أن كانوا مستضعفون في الأرض ، قال سبحانه (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص/5-6) ، فورثوا جنات وعيون وكانت من قبل للظالمين ،قال تعالى (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ * كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ) (الدخان/24-28) ، فآلت إليهم بعد أن نصرهم الله ، لما نصروا موسى u على فرعون .
والمقصود بـ"الملك" الذي آتاهم الله في السياق "القوة" التي بها يترشحون للسياسة لا أنهم كلهم متولين للأمر ، قال الراغب الأصفهاني ("الملك" اسم لكل من يملك السياسة) [480]، وقال السدي: (وجعلكم ملوكا) أي (أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم) ، وقال الضحاك (كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك)[481]، وبذلك أضحوا أكثر الناس استعدادا للجهاد لما ملكوا أمر أنفسهم ، وأوتوا المال والسعة والقدرة للتجهيز .
ومؤدى ذلك أن يفضلهم الله تعالى على العالمين بتكليفهم الجهاد في سبيله ، وليدافعوا عن غيرهم من المستضعفين كما دافع موسى عنهم ضد فرعون عندما كانوا هم المستضعفين كما في قوله تعالى (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) (طه/16-17) ، فكان اختيار الله لهم نتيجة لأنهم مروا بذات التجربة من الاستضعاف، وتحملوا معه إيذاء فرعون وجنوده ، قال تعالى (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف/129) ، فأولى أن يردوا الدين وينصروا أمثالهم من المستضعفين من ظلم الجبارين كما نصروا نبيهم موسى على فرعون .
ففي قوله (مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ) قال ابن كثير أي (بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان؛ فإن لكل زمان عالما)[482]، كما في قوله تعالى (وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين) [ الدخان : 32 ] ، فهو تفضيل نسبي وليس مطلق، (أراد به عالم ذلك الزمان)[483] ، ما يعني أنهم أوتوا كل القوة اللازمة للجهاد في سبيل الله ، فلم يكن أحد غيرهم في زمانهم مؤهلا لأداء فريضة الجهاد ، ولذلك جاء اختيار الله لهم لأداء هذه المهمة ، لاسيما وقد تخطوا مرحلة الاستضعاف بثبات مع موسى عليه السلام، لكن عليهم أن يتخطوا –كذلك- مرحلة الشكر على نعم الله ، فقد رزقوا الملك والقوة بعد الاستضعاف والمسكنة .
قوله تعالى (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (21) ناداهم نبيهم للجهاد بنية الدفاع عن المقدسات الإسلامية ، وتلك هي الغاية الأساسية التي استنفرهم من أجلها ، لاسيما وأنها قد اغتصبت من جبارين بما يدل على أنهم يعثون في الأرض فسادًا ، ما يعني أن هذه المقدسات لم تكن بمنأى من إفسادهم ، فالمساس بالمقدسات كناية عن رغبة الجبار في إذلال المسلمين وتحقيرهم ، ومن ثم سفك دمائهم ، فكان يتعين علي المسلمين أن يجاهدوا –أولا- لإعلاء كلمة الله والحفاظ على مقدسات الإسلام ، وإعلاء شعائره في هذه الأرض المباركة التي هي (بيت المقدس) أولى القبلتين ، لرفع الظلم عن المظلومين من بطش الجبارين ، فالجبار الذي يحترم المقدسات ، يعصف بحرية الاعتقاد ، وممارسة الشعائر الدينية ، فإذا فعل ذلك هانت عليه الدماء فيسفك منها بلا احتراز ، فلا يكون للمال حرمة ولا للنساء عصمة .
والأرض المقدسة هي الأرض طهرها الله من الشرك والوثنية بعد أن أرسل الله إليها أنبيائه[484] قال ابن عباس ومجاهد أنها الطور وما حوله ، وقال معاذ بن جبل هي ما بين العريش إلى الفرات ، وقال السدي هي أريحة ، وقال قتادة هي الشام كلها وقال الزجاج هي دمشق وفلسطين والأردن [485].
وقال الطبري (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: هي الأرض المقدّسة، كما قال نبي الله موسى r ، لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تُدرك حقيقةُ صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به. غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع جميع أهل التأويل والسِّير والعلماء بالأخبار على ذلك)[486].
فالآيات أكدت قدسية بيت المقدس ، وأن الأرض التي حوله مباركة ، كما في قوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الإسراء/1) ، وقوله سبحانه(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) (الأنبياء/81) ، فقدسية المكان تعني أنه مطهر من الشرك والأوثان ، كما في قوله تعالى (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) (طه/12) أي بسيناء تأكيدا لهذا المعنى , كما في قوله تعالى (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) (النازعات/16) وجبل الطور في سيناء ، وقال الله تعالى (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) [الأعراف: 137) ، أي أرض مصر ، وقال سبحانه (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء/71) ، قيل هي الأردن .
وقد ورد في فضل المسجد الأقصى قول النبي r (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى)[487] ، ولم يصح من الأحاديث لبيان فضل المسجد الأقصى فضلا عما تقدم غير ما يدل على أنه ثاني أقدم مسجد في التاريخ ، لما روي عَنْ أَبي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلَ ؟ قَالَ "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ" قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ "الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى" قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ)[488] .
وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا
- حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ
- وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ
- وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ
فَقَالَ النَّبِيُّ r أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ)[489] )[490]
قال ابن حجر في الفتح: ("وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة، - لقوله تعالى (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ) - ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس، فقد روينا أن أول من بنى الكعبة "آدم" ، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم بنى "إبراهيم" الكعبة بنص القرآن، (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت)[491]
من هنا نفهم أن الاعتداء على المقدسات يعني الاعتداء على كل حقوق الإنسان ، وهذا لا يفهمه غير المسلمين ، ذلك أن المختصين بعلوم النفس يرتبون الحقوق الإنسانية من حيث أهميتها ترتيبا هرميا ، ويجعلون في أعلى الهرم حرية الاعتقاد ثم حرية ممارسة الشعائر الدينية ، باعتبارها متعلقة بتقدير الذات
هرم ماسلو
فماسلو يؤكد أن تلبية الحاجات الأساسية مثل الطعام والشراب والمسكن تأتي في قاعدة الهرم ويجب إشباعها أولاً قبل الانتقال إلى مستويات أعلى مثل تقدير الذات. بدون تلبية الاحتياجات الفسيولوجية، من الصعب التركيز على تحقيق أي شيء آخر .
لكن المسلمون يجعلون الحريات الدينية تتقدم حق الإنسان ذاته في تلبية حاجاته الفسيولوجية من الأكل والشرب والغذاء والملبس والمسكن ، ولذلك يضحي المسلمون بحاجاتهم الأساسية لأجل إعلاء كلمة الله ، فيقتلون ويقتلون ليس ابتغاء الدنيا ، وإنما لأجل نصرة المستضعفين في كل مكان كما أخبر الله ، (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (75) ، ولذلك فإن انتهاك هذه الحرية ، أي (الاعتقاد) يعني أن المغتصب قد تجاوز بفعله انتهاك ما يسبقها من حريات وحقوق للإنسان ، لأنها في مصاف الحريات العامة ، فهي حريات تستعصي على التنظيم التشريعي ، أي أنها حريات مطلقة لا يجوز لقوة في الأرض أن تجبر إنسان على أن يترك دينه وعقيدته .
فقوله (الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ) تضمن إخبار بقدر لله ، ووعد بنصره لهم ، إذ لا ولاية لكافر على مساجد الله ، فلا ولاية علي المقدسات إلا للمؤمنين ولا ولاية لغيرهم عليها ، كما قال تعالى (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .
والأرض المقدسة التي كتبها الله للمسلمين ليست قاصرة على جهة واحدة ، فكل مسجد يضع فيه المسلم جبهته ساجدا لله هي أرض مقدسة ، قال سبحانه (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (105) ، وكل مساجد الله مباركة ، ويجب أن تقتصر الولاية عليها للمؤمنين، لا لغيرهم ، قال العلماء (ولا يجوز أن يكون للكفار والمشركين من الوثنيِّين والقبوريِّين سلطة على مساجد الله)[492]
بقوله (وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ) أعقب النداء نهي وتحذير ، فنهاهم عن التولي عن الاستجابة لنداء الجهاد ، قال ابن كثير أي: (ولا تنكلوا عن الجهاد)[493] وهو ما يعني أن التولي يوم الزحف كالردة ، فظاهر السياق يدل على أن المعنى الردة عن الإسلام وهو ما فسره كثير من المفسرين ، والمناسبة بين المعنيني هي رغبتهم في ألا يلزمهم أحد بالجهاد ، فارتدوا عن الدين لهذا السبب ، لأنهم لم يصدقوا نبيهم بأن الله كتب هذه الأرض للمؤمنين .
قال البيضاوي (ولا ترجعوا مدبرين خوفاً من الجبابرة ، أو لا ترتدوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق على الله سبحانه وتعالى)[494]، قال الرازي ما معناه (لما كان الله قد وعدهم بالنصر ، فإنهم لو لم يقطعوا بهذه النصرة لصاروا شاكين في صدق موسى عليه السلام فيصيروا كافرين بالإلهية والنبوّة)[495] .
قوله تعالى (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) (22) أثاروا شبهة قوية ، لكنها غير صحيحة ولا مشروعة ، تتمثل في عجزهم عن مجابهة هؤلاء الجبارين ، فهل هذا عذر شرعي لإسقاط الجهاد عنهم ؟ وتناسوا قدرة الله تعالى ، وأنه سبحانه يسخر أضعف خلقه ليغلب بهم أعتى الجبارين ، كما سخر الطير الأبابيل لإهلاك أبرهة ، وسخر أصغر الدابة لإهلاك النمرود ....الخ ، قال ابن القيم الجوزية (نسوا قدرة جبار السموات والأرض الذي يذل الجبابرة لأهل طاعته ، وكان خوفهم من أولئك الجبارين الذين نواصيهم بيد الله أعظم من خوفهم من الجبار الأعلى سبحانه ، وكانوا أشد رهبة في صدورهم منه) [496].
فالمكلف إذا كُلف بالفعل ولم يكلف بتحقيق النتائج ، فعليه أن يكل النتائج إلى الله ، ولا ينشغل بها ، فهم مكلفون بالقتال ، ولم يكلفوا بأن يغلبوا عدوهم ، فليس هذا شأنهم ، وليس مطلوبًا منهم ، بل هم مكلفون بأن يواجهوا عدوهم ويجاهدوهم بكل طاقتهم ووسعهم ، وليس بيدهم تحقيق النتائج بحسب ما أرادوا ، فذلك هو تدبير الله وتقديره ، وليس عليهم أن يقيسوا قوتهم على قوة أعدائهم وقد كلفهم الله تعالى بالقتال وحسب ، وإنما يكون قياس القوة مشروعا عندما يكون القتال مندوبا إليه ، لكن هؤلاء لم ينتدبوا لقتال وإنما كلفوا به .
وهكذا – وقياسا على ذلك - يجب التفرقة بين أن يكون القتال فرض عين أم فرض كفائي أم مندوب إليه ومستحب ، فحيث يكون قتال الدفع فهو فرض عين ، وحيث يكون جهاد الطلب فهو فرض كفائي على الأمة ومندوب لآحادها .
والذي منعهم من الاستجابة لموسى والجهاد معه عدة عوائق من أهمها ما ذكره ابن الأزرق في عوائق الملك المانعة من دوام ، فقال العائق الأول (حصول الترف والنعيم للقبيلة ، وذلك لأنها إذا غلبت بعصبيتها بعض الغلب استولت على النعمة بمقداره ، وبحسب استظهار الدولة به ، وإذا بلغت الدولة غايتها من الغلب قنعوا بما سوغوا من نعمتها به ، وشوركوا به جبايتها ، فلا تسمو هممُهم إلى شيء من منازع الملك ، ولا يهتمون إلا بالكسب وخصب العيش والأخذ بمذاهب الملك في المباني والملابس، فتذهب خشونة البداوة ، وتضعف العصبية والبسالة ، وتنشأ بنوهم وأعقابهم في مثل ذلك، حتى يصير لهم سجية وخلقا، فتنقص عصبيتهم وبسالتهم مع تعاقب الأجيال، إلى أن تنقرض جملة....)[497] .
والعائق الثاني لحاق المذلة للقبيل وانقيادهم لسواهم ، وذلك لأن مذلتهم وانقيادهم دليل على فقدان العصبية ، وعجزهم لذلك عن المدافعة ، وأولى عن المطالبة اعتبار) ، وذلك بسبب تعودهم على ذل العبودية للقبط وفرعون زمنا طويلا
وقال ابن خلدون: (واعتبر في ذلك ببني إسرائيل، لما دعاهم موسى عليه السلام إلى ملك الشام مخبراً لهم بأن الله تعالى قد كتبه لهم، كيف عجزوا ؟ وقالوا: إن فيها قوماً جبارين وأنا لن ندخلها حتى خرجوا منها ، أي بضرب من القدرة غير العصبية، بل من معجزاتك يا موسى ، ولما عزم عليهم، لجوا في ارتكاب العصيان. وقالوا " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون " ، وذلك لما ألفوا من العجز من المطالبة، بما حصل فيهم من خلق الانقياد، وبما ألفوا من الذل للقبط أحقاباً، حتى ذهبت عصبيتهم جملة ، مع أنهم لم يؤمنوا حقاً بما أخبروا به من ملك الشام، فأقصروا عن ذلك، بما استحكم فيهم من خلق المذلة، وطعنوا فيما أخبروا به، وأمروا لأجله، فعوقبوا بالتيه)[498].
قوله تعالى (قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (23) (هذان الرجلان أنعم الله عليهما بالخوف من الله)[499] ، فلما خافوا الله جنبهم مخافة غيره ، وعصمهم من الجبارين ، فمن خاف الله بحق لم يأبه بغيره ، (وترتب على ذلك أن أنعم الله عليهما بالشجاعة)[500] ، والعكس كذلك صحيح ، فمن خلا قلبه من الخوف من الله خاف مما سواه .
قال أبو حيان الأندلسي (قالا ذلك ثقة بوعد الله في قوله (التي كتب الله لكم) ، وقيل : رجاء لنصر الله رسله ، وغلب ذلك على ظنهم)[501]، وقال ابن كثير أي (متى توكلتم على الله واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم وظفركم بهم، ودخلتم البلدة التي كتبها الله لكم. فلم ينفع ذاك فيهم شيئًا)[502]، لا سيما وأنه (لن يغلب إثنا عشر ألفا من قلة)[503]، قال العلقمي : أي) إذا بلغ الجيش اثني عشر ألفا لن يغلب من جهة قلة العدد)[504]أي (إذا صبروا واتقوا)[505].
قوله (ادْخُلُواْ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وبشرهم بالغلبة رغم أنهم مكلفون بالقتال فقط ، لأن النفس تميل إلى ذلك ، فحببهم في القتال ليتأهلوا بعد ذلك لكل صور القتال التي فيها الغلبة أو الشهادة ، فهذا من باب التدرج في التربية على الجهاد في سبيل الله ، فالمجاهد الصادق يرغب في الشهادة أكثر من رغبته في رؤية النصر والغلبة .
فهذا التكليف بالجهاد أتبعه تبشير بالغلبة بمجرد الأخذ بتلك الأسباب شريطة التوكل على الله حق توكله ، قال الشيخ صالح بن فوزان (فإذا حصل هجوم صحيح ودخل المجاهدون عليهم الباب سيقع الرعب في قلوبهم ويخرجون منها ، لكن هذا لا يكون إلاَّ من أهل الإيمان وأهل الصدق والعزيمة والبأس كما في رجال محمد r الذين كانوا يجاهدون ويهجمون على الكفار ويقتحمون الأبواب ويخاطِرون بأنفسهم .
وأيضاً فإنه لا يكفي دخول الباب، بل (وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فهذا لا يحصل إلاَّ بالعزيمة الصادقة، والإقدام في سبيل الله، وتقديم النفس في سبيل الله، مع التوكُّل على الله وعدم الاعتماد على القوة، بل يعتمد على الله مع الأخذ بالقوة المناسبة)[506].
قوله تعالى (قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (24) قال ابن الجزي في مقولة (اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ) إفراط في العصيان وسوء الأدب بعبارة تقتضي الكفر والاستهانة بالله ورسوله)[507] ، قال صاحب الظلال (إن جبلة يهود لتبدو هنا على حقيقتها ، مكشوفة بلا حجاب ولو رقيق من التجمل . ذلك أنهم أمام الخطر؛ فلا بقية إذن من تجمل؛ ولا محاولة إذن للتشجع ، ولا مجال كذلك للتمحل ، إن الخطر ماثل قريب ؛ ومن ثم لا يعصمهم منه حتى وعد الله لهم بأنهم أصحاب هذه الأرض ، وأن الله قد كتبها لهم - فهم يريدونه نصراً رخيصاً ، لا ثمن له ، ولا جهد فيه ، نصراً مريحاً يتنزل عليهم تنزل المن والسلوى!)[508].
وهذا السلوك الذي ظهر من أهل الكتاب يبرر تخاذلهم عن نصرة النبي r في المدينة المنورة ، حيث تطابق تماما مع سلوك أسلافهم ، ولذلك خلا جهاد النبي r للمشركين من نصرة يهود المدينة له رغم أنهم تحالفوا معه على النصرة ، يعزى ذلك لفقدهم أهم عنصرين من عناصر الجندية كما أشار إلى ذلك ابن الأزرق وابن خلدون.:-
الأول : الجلد والخشونة وقد رغبوا في حياة الترف والراحة .
والثاني : الانقياد لأحبارهم ورهبانهم ، كما أخبر النبي r بذلك فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .
والجدير بالذكر أن صحابة رسول الله r كان لهم موقف مغاير لهؤلاء اليهود مع نبيهم موسى عليه السلام ، لما تميزوا به من خشونة العيش ، والسيادة وعدم الانقياد أو الاتباع لأحد ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ) وَلَكِنْ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r)[509]
ولذلك جعل الله تعالى أمة محمد خير أمة أخرجت للناس ، ومن ثم جاء الأمر بتحويل القبلة إيذان من الله تعالى لأن تتولى هذه الأمة قيادة البشرية بإذنه سبحانه ، فتهدي الناس للحق بعد الضلال (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران/110).
قوله تعالى (قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (25) قال حقي (أي لا أقدر إلا على نفسي وأخي)[510] ، فلم يملك أن يجاهد إلا بنفسه وأخيه هارون ، وليس بيده أن يجبر بني إسرائيل على الجهاد معه ، من هنا نفهم أن سياسة التجنيد الإجباري هي سياسة فاشلة ، وإنما يجب التربية على الجهاد ، ويسبقها بالطبع اختيار من يتأهل لهذا الشرف وتلك المسئولية ، فلم يملك موسى أن يوقع عليهم عقوبة زمنية ليردع المتخلفين عن التجنيد ، كما لم يتمكن من أن يحفظ الجيش من إعلان عصيانه والانقلاب عليه ، وذلك قبل أن يأتيهم عقاب الله بالتيه في الأرض .
قال الرازي (كأنه لم يثق بهم كل الوثوق لما رأى من إطباق الأكثرين على التمرد ، وأيضاً لعلّه إنما قال ذلك تقليلاً لمن يوافقه)[511]
قال الزمحشري (وهذا من البث والحزن والشكوى إلى الله والحسرة ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة)[512]
قال الشيخ علي الشحود هي (دعوة فيها الألم ، وفيها الالتجاء ، وفيها الاستسلام، وفيها - بعد ذلك - المفاصلة والحسم والتصميم! وإنه ليعلم أن ربه يعلم أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه.. ولكن موسى في ضعف الإنسان المخذول ، وفي إيمان النبي الكليم ، وفي عزم المؤمن المستقيم ، لا يجد متوجهاً إلا لله ، يشكو له بثه ونجواه ، ويطلب إليه الفرقة الفاصلة بينه وبين القوم الفاسقين ، فما يربطه بهم شيء بعد النكول عن ميثاق الله الوثيق.. ما يربطه بهم نسب ، وما يربطه بهم تاريخ ، وما يربطه بهم جهد سابق ، إنما تربطه بهم هذه الدعوة إلى الله، وهذا الميثاق مع الله ، وقد فصلوه ، فانبت ما بينه وبينهم إلى الأعماق ، وما عاد يربطه بهم رباط.. إنه مستقيم على عهد الله وهم فاسقون.. إنه مستمسك بميثاق الله وهم ناكصون.. )[513].
وفي قوله (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (26) توقيع للجزاء ، وبيان لعاقبة النكوص والتخلف عن الجهاد في سبيل الله ، لتكون العاقبة نقيض مقصودهم ، ذلك أنهم تنكبوا عن متابعة نبيهم واللحوق به في ميدان الجهاد رغبة منهم في طلب الدنيا وسعيا وراء الاستقرار في الأرض ، فعاملهم الله بنقيض ذلك فلم يجعل لهم أرضا يستقرون عليها وظلوا في هذا التيه قدر العقوبة المقدرة لهم
قال شيخ المجاهدين أحمد ياسين (لقد جعل الله بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة ليتغير الجيل، الأجيال تتغير كل أربعين سنة)[514]، وهكذا شأن أي أمة أو قوم يتخلفون عن الجهاد في سبيل الله ، فلا هم يحافظون على ما أنعم الله عليهم من ملك وسعة رزق ، ولا هم يفتحون القرى التي جعلها الله لهم عندما يجاهدون ويتوكلون عليه ، وإنما يستبدل الله غيرهم بهم ليقوموا بما نكصوا عن القيام به ، أما الناكصون فهم المحرومون من خيري الدنيا والآخرة .
(دراسة لقصة قابيل وهابيل وجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد)
قال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)
قوله تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا) حكاية عن أصل ومنشأ جريمة القتل ، والسبب الباعث لارتكابها ، إذ (يُبِيِّنُ اللهُ تَعَالَى عَاقِبَةَ البَغْي وَالحَسَدِ وَالظُّلْمِ ، فِي خَبْرِ ابْنَي آدَمَ (قَابِيلَ وَهَابِيلَ) ، وَكَيْفَ عَدا أحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ فَقَتَلَهُ بَغْياً عَلَيهِ ، وَحَسَداً لَهُ ، فِيمَا وَهَبَهُ اللهُ مِنَ النِّعْمَةِ)[515].
قال ابن جرير الطبري (اختلف أهل العلم في سبب تقريب ابني آدم القربان، وسبب قَبُول الله عز وجل ما تقبل منه، ومَنِ اللذان قرَّبا؟) [516] ،، روى ابن جرير عن ابن عباس قال: (كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يُتَصَدّق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل) [517]، قال ابن كثير (فهذا الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لا عن سبب ولا عن تدارئ في امرأة، كما تقدم عن جماعة مَنْ تقدم ذكرهم، وهو ظاهر القرآن ، فالسياق يقتضي إنه إنما غضب عليه وحسده لقبول قربانه دونه)[518].
وأيا كان سبب ذلك فإن أصل ومنشأ جريمة القتل مهما تعددت أسبابه الحسد والحقد والغل ، فعن النَّبِيَّ r قَالَ (دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)[519]
قوله تعالى (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ) ، هذا هو منشأة هذه الجريمة ، فالحسد هو الذي دفع ابن آدم القاتل لقتل أخيه ، فعن عبد الله بن عمرو قال (إنّ ابني آدم اللذين قرّبا قربانًا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حَرْثٍ،والآخر صاحب غنم. وأنهما أُمرا أن يقرّبا قربانًا ، وإن صاحب الغَنَم قرب أكرم غنمه وأسمَنَها وأحسَنَها طيّبًة بها نفسه ، وإن صاحبَ الحرث قرّب شَرّ حرثه،غير طيبةٍ بها نفسه ، وإن الله تقبّل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قُربان صاحب الحرث ، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه) [520] .
قال الشعراوي (والذي ظهر من الآيات أن خلافاً قد وقع بينهما ثم تحاكما لله فيما بينهما ، لكن كان لكل واحد منهم شُبهة .. ، ولا أحد منهما بقادر على إقناع الثاني؛ .. فقربا قربانا ..، والذي تقبل الله منه القربان هو الذي سيُقْتل ، والذي يملأه الغيظ هو من لم يتقبل الله قربانه ، وهو الذي سوف يَقْتُل ، فهذا أهل لأن يتقبل الله قربانه ، لأنه متيقظ الضمير بمنهج السماء ، وهذه حيثية لتقبل القربان) [521].
قوله تعالى (قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ..) حسداً له - كما حسدت اليهود النبي r وحسده قومه في نبوته ورسالته -[522] ،قال الرازي (فلم يكن ذلك القتل إلا بسبب البغي والحسد ، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر) [523]، وفي الأثر (إيَّاكُمْ وَالحَسَدَ ؛ فَإنَّ الحَسَدَ يَأكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأكُلُ النَّارُ الحَطَبَ)[524]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)[525]، قال ابن رسلان (ويظهر أنه لو صالح أحدهما الآخر فلم يَقْبَل غُفِر للمُصَالِح )[526]
ولعل القاتل عرف "القتل" من مهنة الصيد ، وإن لم يجرب موت أحد من البشر.
فعَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ (ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)[527] ، أي أنهما يعلمان أنه لا يجوز الاقتتال ، لكن اقتتلا عصبية ، لا بسبب الفتنة ، قال النووي (وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار) فمحمول على من لا تأويل له ويكون قتالهما عصبية ونحوها ، (ثم كونه فى النار) معناه مستحق لها ، وقد يجازى بذلك وقد يعفو الله تعالى عنه هذا مذهب أهل الحق)[528] .
وقال النووي (اعلم أن الدماء التى جرت بين الصحابة رضى الله عنهم ليست بداخلة فى هذا الوعيد ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والامساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفة باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله وكان بعضهم مصيبا وبعضهم مخطئا معذورا فى الخطأ لأنه لاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه ، وكان على رضى الله عنه هو المحق المصيب فى تلك الحروب هذا مذهب أهل السنة وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب ثم تأخروا عن مساعدته) [529].
وأيا كان الحال فإنه يجوز دفع الصائل في كل الأحوال لقوله r (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ أَوْ دُونَ دَمِهِ أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)[530]، بل يجب فعل ذلك ، من باب دفع المنكر باليد عند الاستطاعة ، فذلك من أسباب الإباحة ، فالدفاع الشرعي يجيز قتال المعتدي لرد اعتدائه .
قوله تعالى (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)(27) تعريض من "المعتدى عليه" الذي هدد بالقتل ، بأن أخيه "المعتدي"لم يكن من المتقين حتى ينال قبول قربانه [531]، لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ، ويحبط كل عمل ليس له ، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس/81).
وتضمن كذلك انتصار لنفسه عليه بعد أن هُدِد بالقتل ، فأبان له بتلك العبارة أن الله جازاه بالقبول لتقواه ، ولم يتقبل منه لعدم تقواه ، ولم يكن لينتصر لنفسه بالقول إلا بعد أن هُدد بالقتل ، فلعله بتذكير أخاه بسبب القبول أراد منع نفسه من بسط يده ، فيصير ظالما مثله ، وهذا جائز في حال المشاجرة والانتصار على الظالم، قَالَ رسول الله r (الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ)[532]،قال ابن الجوزي (وهذا لأن البادئ ظالم بابتدائه بالسب فجوابه جزاء ، فإذا اعتدى المظلوم كان عليه إثم)[533].
قوله تعالى (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)(28) فعن عبد الله بن عمرو قال (أيمُ الله، إنْ كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّجُ أن يبسطَ يده إلى أخيه)[534] ، ولعل سبب هذا التحرج هو أن الإسلام لا يجيز أن يرفع المسلمان سلاحهما على بعضهما البعض ، حرصا على وحدة الصف وتقليلا للضرر ، ودرءا للفتنة ، كما أنه ليس يستفاد من الآية أنه لم يدافع عن نفسه ، ولم يقاوم ، بل إن المقاومة في هذا الحال من العدوان فطرة بشرية قبل أن يكون تكليف شرعي ، والمعنى أنه يدفع الضرر الشديد بالضرر الأيسر إن استطاع ، لكن لو لم يكن في الإمكان دفعه إلا بالقتل هنا يتحرج ، لاسيما وأنهما يمثلان ذرية آدم التي منها يحصل النسل ، ففي حصول القتل من أحدهما للآخر إهلاك لنصف البشرية ، ولذلك كان الحرج منه شديد ، ولم يكن في الحسبان أن أخيه سوف ينفذ تهديده بالقتل فعلا حتى وإن شرع فيه .
والسنة أجازت ترك الدفاع عن النفس في أحوال الفتنة لذات العلة ، وهي أن انتشار القتل بين المسلمين يؤدي إلى إنهاك الفريقين وكلاهما متأول ، ولا يدري أحدهما علام يقاتل أخيه بسبب سوء الظن ، فكان تحمل ترك القتال وتحمل الأذى ضرر أخف من حيث المجموع على المسلمين ، فيصبر على البلاء ولا يدفع العدوان في هذه الحالة .
ففي أحوال الفتن فإنه يستحب ترك القتال لما روي عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ عن أبيه يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ ذَكَرَ فِتْنَةً الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي قَالَ فَإِنْ أَدْرَكْتَ ذَاكَ فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ)[535]
وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ فَإِنْ دُخِلَ يَعْنِي عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ)[536].
(فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ) : القسي هي: الأقواس التي هي من أدوات الحرب في ذلك الوقت
(وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ) : الأوتار هي للأقواس
(وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ) : معناه: حتى لا يكون عندكم سلاح، ولا يكون هناك مجال للمشاركة في الفتنة
قوله تعالى (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) (29) أي (ترجع إلى الله يوم القيامة بإثم قتلك إياي ، وإثمك في معاصيك)[537]، قال ابن جزي (الإرادة هنا ليست بإرادة محبة وشهوة ، وإنما هو تخيير في أهون الشرين كأنه قال : إن قتلتني ، فذلك أحب إلي من أن أقتلك)[538] .
والعلماء أوجبوا ترك القتال عندما تحدث فتنة بين المسلمين ، ويكون كلا الفريقان متأولا ، فلا يعلم المخطئ من المصيب ، فعَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r يَا خَالِدُ (إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَحْدَاثٌ وَفِتَنٌ وَاخْتِلَافٌ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ لَا الْقَاتِلَ فَافْعَلْ)[539]
وعن رسول الله r (أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي قال فإن أدركت ذاك فكن عبد الله المقتول ، ولا تكن عبد الله القاتل)[540]
وعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي قَالَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ لِيَقْتُلَنِي قَالَ كُنْ كَابْنِ آدَمَ)[541] .
والإمام النووي رجح في هذه المسألة رأي الفريق الذي أوجب قتال الفئة الباغية عند الفتنة كما ورد بالآية متى ظهر له ظلمها ، وأوَّل الأحاديث التي توجب ترك القتال والدخول فيه نصرة لأحد الفريقين حال عدم تبين الظالم من المظلوم أو عدم ظهور المفسدة من المصلحة أو عدم القدرة على ترجيح أحدهما على الآخر ولذلك قال (وقد اختلف العلماء فى قتال "الفتنة" فقالت طائفة (لايقاتل فى فتن المسلمين وإن دخلوا عليه بيته وطلبوا قتله فلا يجوز له المدافعة عن نفسه لأن الطالب "متأول") ، وهذا مذهب أبى بكرة الصحابى رضى الله عنه وغيره .
وقال بن عمر وعمران بن الحصين رضى الله عنهم وغيرهما (لايدخل فيها لكن إن قُصِد دفع عن نفسه)
فهذان المذهبان متفقان على (ترك الدخول فى جميع فتن الاسلام)
وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الاسلام (يجب نصر المحق فى الفتن والقيام معه بمقاتلة الباغين) كما قال تعالى (فقاتلوا التى تبغى) الآية
ثم عقب النووي على الرأي الأخير فقال (وهذا هو الصحيح وتتأول الأحاديث على (من لم يظهر له المحق أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما) ، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطال أهل البغى والمبطلون)[542].
إذن نفهم مما ذلك أن مسألة رد العدوان ودفع الصائل أو ترك القتال وعدم الخوض في الفتنة أو نصرة الفئة المعتدى عليها من الفئة الباغية من أعصى مسائل الفقه الإسلامي لا سيما السياسة الشرعية عن أن توضع لها قاعدة واحدة وثابتة ومضطردة بل هي مسألة تحتاج لقراءة دقيقة للواقع ، وتأصيل شديد للمشكلة ، ولا يفتي فيها من لا يفقه شيئا وإلا زادت الفتنة بسبب قوله المبني على جهل إما بالنصوص أو بفقهها أو بالواقع أو بتوصيفه أو بتكييف الواقع على النصوص أو بتقدير الملائمة أو الترجيح بين المفاسد وأقلها ضررا ، وهذا ما لا يقدر عليه إلا الراسخون في العلم ، ومن اتبعهم فهو آمن.
قوله تعالى (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (30) قال ابن عاشور (دلّت الفاء على التفريع والتعقيب، ودلّ لفظ"طَوّعت" على حدوث تردّد في نفس قابيل ومغالبة بين دافع الحَسد ودافع الخشية)[543] ، (والمعنى الحاصل أن نفس قابيل سولت له قتل أخيه بعد ممانعة)[544] ، وقد وصف الشيخ الشعراوي الصراع النفسي الذي انتاب ابن آدم قبل ارتكاب جريمته فقال (وحتى لا نظن أن الآخر « قابيل » كله شر لمجرد أن الشهوة سيطرت عليه ، يظهر لنا الحق أن فيه بعض الخير ، ودليل ذلك قول الحق "فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ" وهذا القول يدل على أنه تردد ، ولا يقال : طوعت الشيء إلا إذا كان الشيء متأبيًا على الفعل ، فلا يقال : « طوّعت الماء » ، ولكن يقال «طوّعت الحديد» ، فكأن الإيمان كان يعارض النفس ، إلا أن النفس قد غلبت وطوّعت له القتل ، فالإنسان فيه ملَكتان ؛ ملكة فطرية تُحبّ الحق وتُحبّ الخير ، وَملَكَة أهوائية خاضعة للهوى ، والملكتان تتصارعان ، وكأن النفس الشريرة الأهوائية تغلبت على الخيّرة ، فكان هناك تجاذبا وتصارعاً وتدافعا ، إنه لا يزال فيه بقيّة من آثار النُّبوة؛ لأنه قريب من آدم ، ولاتزال المسألة تتأرجح معه ، والشر من الأخيار ينحدر ، والشر في الأشرار يصعد) [545].
والخسران المشار إليه في الآية هو خسران الدين ، لقوله r (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)[546]، قال النووي (قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفرًا يخرج به من الملة إلا اذا استحله ، والمراد كفر الاحسان والنعمة وأخوة الاسلام لاكفر الجحود)[547] ، قال ابن الجوزي (وإذا قاتل المسلم المسلم من غير تأويل كان ظاهر أمره أنه رآه كافرا أو رأى دين الإسلام باطلا أو لا يرى أن الإسلام قد عصم دمه فيكفر باعتقاد ذلك)[548] .
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا)[549] ، (لأن الإسلام جاء بحفظ الضرورات الخمس والتي منها حفظ النفوس، ولولا ذلك لانتشر القتل وعمت الفوضى ولربما انقطعت الحياة)[550]، (والمعنى أنه في أي ذنب وقع كان له في الدين والشرع مخرج إلا القتل فإن أمره صعب)[551] ويوضح هذا ما روي عن ابن عمر أنه قال (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ)[552].
قوله تعالى (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) (31) وذلك لأنه وإن تعلم القتل في الصيد ، إلا أنه يجهل ما يترتب على موت الإنسان ، وماذا يفعل بسوأته أي جيفته ؟ فبعث الله له غرابا ليتعلم من سلوكياته كيف أنها لا تقتل بعضها بعضا إلا لأجل الدفاع عن النفس أو بسبب خروج الجاني عن قوانينها الاجتماعية ، وتقوم بدفن الجثث فلا تتركها تتحلل في العراء احتراما لجسد الميت ، وهكذا يتعلم من أخلاقياتها ما يجب أن يتعلمه في حياته الاجتماعية مع بني جنسه (الإنسان).
وتبدو الحكمة الإلهية في أن جعل الله تعالى الغراب مُعلما لابن آدم كيف يدفن أخوه ، ليتعظ من هذا السلوك ، ويعلم أن سلوكه الإنساني لم يرق لسلوك الغربان التي يستبشع الإنسان منظرها وهي تأكل لحم الجثث ، ولكن الغربان لا تقتل بعضها بعضها بدون سبب يجيز لها القتل في قوانينها الاجتماعية ، فهي تعيش في نظام اجتماعي منظم ، فالغراب من أذكى الطيور ، وهو اجتماعي في نظامه المعيشي ، ويسير وفقا لقوانين الجماعة ، ويعقد محاكم للغربان التي تخالف ذلك ويوقع عليها العقوبات[553] .
تقول كايلي سويفت، خبير أمراض الكائنات الحية الدقيقة في جامعة واشنطن تشتهر الغربان بإقامة الجنازات عند موت أحد أفراد عائلتها، وقد تظل واقفة فوق الطائر لعدة أيام متتالية، ويمكن أن يكون ذلك السلوك هو نوع من أنواع الحداد على الطائر الميت.
والغراب رغم أنه لا يفترس الكائنات بل يأكل الجيف إلا أنه سلوكه قد يتسم بالعدوانية والأذى حين تختطف اللحم من أيدي الناس[554]، بل ويعتدي على الدواب فينقرها ليتغذى على لحم ظهرها ، وويسرق أمتعة الناس[555] ،أك ولذلك أمرنا بقتله لفساده ، قَالَ رسول r (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)[556] ، (وخصت بالحكم لأنها مؤذيات مفسدات تكثر في المساكن والعمران ويعسر دفعها والتحرز منها)[557] .
أي أن الغربان ورغم ما يصدر عنها من أخلاق عدوانية إلا أنها في إطارها العام محكومة بقوانين خاصة تلتزم بها ، وتطبقها على المخالفين لها ، فكيف انحط الإنسان بسلوكه العدواني عن سلوك الطيور ، وكيف لم يصل إلى مثل تنظيمها الاجتماعي الذي يحفظ له الأمن والسلام .
إذن كان محل ندم ابن آدم أنه عجز أن أخلاقه لم تواز أخلاق الغربان ، إذ رأي من أخلاق الغراب – وهو معروف بسوء خلقه وفساده - ما أشفق به على مقتوله ، ولم يكن من أخلاقه ما يعادل أخلاق الغراب في احترام حقوق الموتى بالدفن ، وإن تساويا في الاعتداء على الغير ، قال الرازي (لما رأى أن الغراب لما قتل الغراب دفنه ندم على قساوة قلبه ، فإذا ظهرت الشفقة من الغراب على الغراب ، ولم تظهر مني على أخي كنت دون الغراب في الرحمة والأخلاق الحميدة فكان ندمه لهذه الأسباب) [558].
وفي ذلك تعليم من الله تعالى أن يقف المسلم عند ارتكاب الذنب ، فلا يفعل ذنب آخر ولو كان أيسر من الأول ، فلا يسترسل في العدوان إلى منتهاه حتى وإن لم يبق منه إلا اليسير فليكف عنه ، فمن اعتدي فقتل ، فعليه ألا يستطيل عدوانه على جسد المقتول فيُمثل به ، بل عليه أن يدفنه لعل ذلك يذكره بالتوبة .
قوله تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (32) تعقيب على أحداث القصة سالفة الذكر وما انطوى عليها من جريمة القتل بسبب "الحسد" ، وتعليل لتعظيم إثم مرتكبها عند الله ، وقد ورد تخصيص بني إسرائيل بالذكر في موضع ذم القتل باعتبارهم أكثر الناس عدوانا على الناس والأنبياء بل هم قتلة الأنبياء .
قال طنطاوي (وخص بنو إسرائيل بالذكر مع أن الحكم عام - لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا ، وكان قبل ذلك قولا مطلقا ، ولأنهم أكثر الناس سفكا للدماء ، وقتلا للمصلحين ، فقد قتلوا كثيرا من الأنبياء ، كما قتلوا أكثر المرشدين والناصحين ، ولأن الأسباب التي أدت إلى قتل قابيل لهابيل من أهمها الحسد ، وهو رذيلة معروفة فيهم ، فقد حملهم حسدهم للنبي r على الكفر به مع أنهم يعرفون صدقة كما يعرفون أبناءهم ، كما حملهم على محاولة قتله ولكن الله - تعالى نجاه من شرورهم) [559]
ولذلك كان اليهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا ، بل وعداوة للناس جميعا ، قال مفتي الديار المصرية (وقيد القتل بأنه "بِغَيْرِ حَقٍّ" مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبداً ، للتصريح بموضع الاستنكار ، لأن موضع الاستنكار هو اعتداؤهم على الحق بقتلهم الأنبياء ، وللإشارة إلى أنهم لتوغلهم في الظلم والعدوان قد صاروا أعداء للحق لا يألفونه ولا تميل إليه نفوسهم ، وللتسجيل عليهم أن هذا القتل للأنبياء كان مخالفاً لما في شريعتهم فإنها قد نهتهم عن قتلهم ، بل عن مخالفتهم ، فهذا القيد من باب الاحتجاج عليهم بما نهت عنه شريعتهم لتخليد مذمتهم في كل زمان ومكان )[560].
فقيد موضع الذنب في القتل بالآية أنه حصل بغير نفس أي عدوانا وليس قصاصا ، وحصل بغير فساد في الأرض أي بسبب ارتكاب جريمة تستحق القتل جزاء لها كجريمة الحرابة ، فالحكم الوارد في شريعة بني إسرائيل بشأن تجريم القتل بغير حق هو ذاته في شريعة محمد r ، إذ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ) [561] ، وفي رواية (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث :-
أن يزني بعدما أحصن
أو يقتل إنسانا فيقتل
أو يكفر بعد إسلامه فيقتل)[562].
قوله (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) إمعان في التبشيع والتنكير لهذه الجريمة ، لأن آثار جريمة القتل لم تكن تقتصر على المجني عليه وحده أو أهله وعشيرته ، وإنما هي تمثل إعتداء على حق البشرية جمعاء ، فهي تؤدي إلى ترويع الأمن العام ، فيظل أهل القرية برمتها خائفين من تكرار هذا الفعل في أحد منهم ، فلا يأمن بعضهم بعضا بسبب واقعة واحدة .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ)[563] ، قال السندي (فهو متبوع في هذا الفعل وللمتبوع نصيب من فعل تابعه وان لم يقصد التابع اتباعه في الفعل) [564]، ذلك أن أهل الباطل لا يجهرون بباطلهم ، ولا يستأسدون ويتجرءون على جرمهم إلا برؤية من يسبقهم في ذلك ، فالسابق للمنكر أول من يكسر حرمته في المجتمع ، فيسهل على غيره ارتكاب ذات الجرم ، وأن يتبعه في باطله .
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)[565] ، ولذلك كان أجرأ الناس على المعصية هو أشقى القوم ، قال تعالى (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا)(الشمس/11-12) .
قوله تعالى (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) أي كان سببا في إحيائها بالإسعاف أو الطب أو الوقاية العلاجية أو الكلمة الطبية أو منع الفتنة ...الخ ، والله هو الفاعل على الحقيقة ، فجزاؤه عظيم حيث يتعدى الثواب للمصلحة الخاصة لنفس واحدة إلى إحياء أنفس الناس جميعا ، لأنه بهذا السلوك يحيي في المجتمع الضمير ، والحس الأمني ، واليقظة لحرمة الإنسان ، وحفظ حقوقه ، واحترامه ، قال الزمخشري (ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك )[566]، قال ابن عاشور (والإحياء مستعار لما يشبه إحياء الميت ، وهو إعطاء الإنسان ما به كمال الإنسان)[567]
وقد توسع مجاهد في المعنى فقال «من لم يقتل أحدا فقد أحيا الناس منه »[568]، ذلك أن الله تعالى ينظر إلى قلوب العباد ، ولا ينظر إلى كثرة الأعمال ، فمن ساهم في إحياء إنسان فهو بنيته الصالحة لن يبخل أن يساهم مرة أخرى في إحياء غيره ولو البشرية كلها ، ولذلك يعطيه الله تعالى على قدر نيته وليس على قدر عمله ، وفي ذلك مدح حثيث لمن امتهن مهنة الطب أو الإسعاف أو الإنقاذ ...الخ .
ويجدر بنا في هذا الصدد أن نشيد بقصة الشاب المصري حسن الجزار الذي أنقذ 13 فتاة في محافظة الإسماعيلية من الغرق بعدما انقلبت السيارة في مصرف ماء ، ثم أحس بإعياء شديد على إثره أصيب بأزمة قلبية ومات ، فنسأل الله له أن يتغمده بالرحمة [569] ، فشتان بين من يقتل النفس التي حرم الله بغير حق لأجل الحسد والغيرة ، وبين من يضحي بنفسه لينقذ غيره ، ولو كانت ألف نفس لما تردد عن إنقاذها ، حتى تذهب روحه لبارئها .
قوله تعالى (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) إذن لابد من دستور يؤكد حق صيانة الدم ، يتعهد أهل الكتاب بالتزامه ، كما أن للمسلمين دستورهم وهو القرآن يلتزمون بأحكامه ، قال أبو حيان (أخبر تعالى أنّ الإسراف والفساد فيهم هذا مع مجيء الرسل بالبينات من الله ، وكان مقتضى مجيء رسل الله بالحجج الواضحة أن لا يقع منهم إسراف وهو المجاوزة في الحد ، لكن خالفوا هذا المقتضى)[570] ، والضمير عائد على بني إسرائيل [571]، قال تعالى (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) (آل عمران/112) .
فإذا كانت آيات القرآن قد أبانت حرمة الدم بغير حق للمسلمين الذي يؤمنون بها ، بينما أهل الكتاب لا يؤمنون بها ، فكان لابد من اتفاق سياسي واجتماعي (دستور يضمن حقوق الإنسان) معهم يؤكد ما في القرآن من حرمة الدم ، وجزاء القصاص على من يتجاوز ذلك ، وجزاء القتل على من يقتل غير معين أو يفسد في الأرض ، وذلك حتى ينعموا بحق الذمة بين المسلمين ، لاسيما وأن كتبهم المحرفة تحض على قتل من ليس على ملتهم تقربا للآله .
حماية الأمن الاجتماعي (حد (الحرابة)
قال تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) (37)
تمهيد " ماهية حد الحرابة "
وهو ما يسمى بحد " قطاع الطرق" - أو "السرقة الكبرى "[572]
الحرب : المقاتلة والمنازعة ، والـحَرْبُ: نَقِـيضُ السِّلـم ، أما الحرابة فهي :(قطع الطريق بالقتل والسلب)[573] ، وسمى قاطع الطريق بالمحارب لأنه يعلن مخالفته لأمر الله ورسوله ، فكأنه يعلن محاربته ، ودار الـحَرْب: بلادُ الـمشركين الذين لا صُلْـح بـينهم وبـين الـمسلـمِين ، وفي قوله: (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِن اللَّهِ ورسولِه) ، أَي بِقَتْلٍ ، وقوله تعالـى: الذين يُحارِبُونَ اللَّه ورسولَه ، يعنـي الـمَعْصِيةَ، أَي يَعْصُونَه جهراً) [574].
بادئ ذي بدء ، لا بد وأن ننوه -أولا- إلى ضابط التفرقة بين هذه الجريمة"قطع الطريق"أو "الحرابة" ، وجريمة "البغي" حتى لا يختلطان ، وبينهما اختلاف كبير في الأحكام والآثار ، وطريقة معاملة مرتكبي الجريمتين .
فحيث معيار التفرقة بينهما في أمرين : -
الأول : المعيار المعنوي : ويتلخص في "التأويل السائغ" ، فالبغاة يبررون خروجهم على الحاكم بالتأويل السائغ ، أي تأويل يبرر تصرفاتهم التي تخرج عن طاعة الإمام ، بما يسوغ تفسيرهم لآحاد الناس وعندهم ، وقد لا يسوغ عند الراسخين في العلم ، الأمر الذي يدفعهم إلى الخراج على الحاكم والاقتتال معه وجنوده ، فالشارع نظر إلي أفعالهم ، رغم فظاعتها ، فالتمس لهم العذر بهذا التأويل وإن كان خاطئا ، فأوجب على المسلمين قتالهم –ولا شك- وتأييد الإمام في حربه عليهم ، لكن أوجب قبل ذلك السعي للإصلاح بين الطائفتين حقنا للدماء ، فإن لم ينفع فيجب قتالهم لتوحيد الصف دون أن يُتبع مدبرهم أو يجهز على جريحهم ، (وإنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات 9).
بينما في جريمة الحرابة أو قطع الطريق أو ما يسمى بالسرقة الكبرى فالجناة هنا ليس لهم هم إلا الدنيا ، فليس عندهم تأويل يسوغ لهم أفعالهم المؤثمة ، ولهذا فإنه يُجهز على جريحهم ويُتبع مدبرهم ، ويُقتَلُّون أينما ثقفوا ، أي يقتلون دون محاكمة متى تمت مداهمة أوكارهم ومعهم منعة ، أي سلاح يستقوون به على جنود الإمام ، إلا إذا استسلموا وسلموا أنفسهم قبل المداهمة ، فيجوز العفو عما يجوز العفو عنه من أفعالهم المجرمة التي لا تتعلق بحق الآدميين ، ويلزمون بالضمان عن إتلافهم مال الغير .
والثاني :المعيار المادي : أي وسيلة خروج البغاة علي الإمام ، فإنه يتعين النظر في وسيلتهم لتحقيق هذا الهدف ، فإن كانت بسفك الدماء ونهب الأموال واغتصاب الأعراض فهي "محاربة لله ولرسوله" ، ولا شك في ذلك ، وإن كانت وسيلتهم في ذلك توافق الشرع لكنها تخالف سياسة الإمام ، فهو بغي إذا استطال للاقتتال مع جنوده فحسب .
أما إذا ما تساوى البغاة والمحاربين في الفعل الإجرامي بأن قتلوا غير جنود الإمام وسلبوا أموال الناس ، فعندئذ ينقلب تكييف الفعل الإجرامي للبغاة من جريمة "بغي" إلى "حرابة" بحسب الأحوال ومقدار الضرر وطريقة ارتكابه ومخالفته للشرع حتى وإن تذرعوا بتأويل باطل لتبرير جرمهم ، لأن العبرة في النهاية بتحقق الركن المادي لجريمة الحرابة الذي إن تحقق فلا يعذر الجاني ، مهما كان تأويله سائغا ، فالأفعال لابد وأن تتطابق مع الأقوال ، وليس لأصحاب التأويل السائغ قتل المدنيين أو سلب أموالهم ، وكلا الجريمتين "البغي"،"الحرابة" معاقب بشأنهما بنصوص عقابية ، لكن الأحكام التي تتعلق بكل منهما تختلف عن الأخرى .
المسألة الأولى : تحقيق مفهوم حد الحرابة فقها
اختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة فقال مالك المحارب : (من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا ذحل [575]ولا عداوة)[576] ، قال ابن المنذر اختلف عن مالك في هذه المسألة فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة .
وقالت طائفة حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة ، وهذا قول الشافعي وأبي ثور ، قال ابن المنذر كذلك هو ، لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة ، والكتاب على العموم ، وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة
وقالت طائفة لا تكون المحاربة في المصر وإنما تكون خارجا عن المصر هذا قول سفيان الثوري وإسحق والنعمان والمغتال كالمحارب ، وهو الذي يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله وإن لم يشهر السلاح لكن دخل عليه بيته أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله فيقتل حدا لا قودا)[577].
وعلي ذلك فقد اتفق الفقهاء على أن الحرابة إشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر ، واختلفوا فيمن حارب داخل المصر ، فقال مالك داخل المصر وخارجه سواء واشترط الشافعي "الشوكة" وإن كان لم يشترط العدد ، وإنما معنى الشوكة عنده قوة المغالبة ولذلك يشترط فيها البعد عن العمران لأن المغالبة إنما تتأتى بالبعد عن العمران ،وكذلك يقول الشافعي إنه إذا ضعف السلطان ووجدت المغالبة في المصر كانت محاربة ذلك فهو عنده اختلاس ، وقال أبو حنيفة لا تكون المحاربة في المصر [578]
قال أبو بكر الجصاص في قوله تعالى " يحاربون الله " هو مجاز ليس بحقيقة لأن الله يستحيل أن يحارب ..فسمى الذين يخرجون ممتنعين مجاهرين بإظهار السلاح وقطع الطريق محاربين ، لما كانوا بمنزلة من حارب غيره من الناس ومانعه ، فسموا محاربين تشبيها لهم بالمحاربين من الناس ..، قوله تعالى "يحاربون الله" يحتمل أن يكونوا سموا بذلك تشبيها بمظهري الخلاف على غيرهم ومحاربتهم إياهم من الناس ، وخصت هذه الفرقة بهذه السمة لخروجها ممتنعة بأنفسها لمخالفة أمر الله تعالى وانتهاك الحريم وإظهار السلاح ، ولم يسم بذلك كل عاص لله تعالى , إذ ليس بهذه المنزلة في الامتناع وإظهار المبالغة في أخذ الأموال وقطع الطريق " [579]
يستفاد من التعريف اللغوي للحرابة معنى أعم وأشمل من قطع الطريق ، وإنما قطع الطريق هو أحد صور الحرابة ، وإن كانت هذه هي الصورة الغالبة ، فهل مقصد الشارع من حد الحرابة معناها اللغوي أم أنه ثمة معنى مخصوص هو مراد الشارع من هذا الحد هذا ما نعرفه عند بيان أركان هذه الجريمة
إذ يمكن القول بأن الحرابة هي " العدوان علي الغير مجاهرة سواء بسلب الأموال أو غصب الأعراض أو قتل الأنفس أو الجمع بينها " ، لكن الفقهاء استعانوا ببعض القرائن للتحقق من شرط المقاتلة – أي الحرابة - يتعين توافرها لإيجاب حد الحرابة علي المعتدين ، فاشترطوا ثمة شروط منها ما يتعلق بالمحل ارتكاب الجريمة ، وأخرى تتعلق بالصفة أو كيفية تنفيذ الجريمة
فأما المحل : فقالوا يشترط أن تقع خارج المصر ، وقصرها بعضهم في الأموال
وأما الصفة أو الكيفية فقالوا أنه يتعين أن تتم جرائمهم "مغالبة" علي وجه "المجاهرة" بإشهار "السلاح" ، وذلك فضلا عن القصد الجنائي .
لكن بالنظر في هذه الشروط والتحقيق فيها يتبين أنه لم يثبت منها غير شرطي "المغالبة" الذي هو مستفاد من الآية ، أما إشهار السلاح والمجاهرة فهما قرائن على استعمال القوة في الفعل الإجرامي وإرهاب الناس ، أما القصد الجنائي فهو شرط عام في كل الجرائم
ولجريمة الحرابة ثلاثة أركان (المعتدي) وهو الفاعل – (فعل الإعتداء) – المفعول وهو (المعتدى عليه) ، وعليه فإنه ثمة شروط تتعلق بالفعل ، وأخرى بالفاعل ، وما يتعلق بالمفعول ، وعلي ذلك يمكن أن نجمع شروط إيجاب حد الحرابة تحت أركان هذه الجريمة
المسألة الثانية : مناقشة آراء الفقهاء في أركان جريمة "الحرابة" والسبر عنها
الركن الأول : ما يتعلق بالفاعل (المعتدي) :
ذهب الحنفية وبعض الحنابلة والشافعية إلى عدم اشتراط الإسلام في الجاني ، ولذا فيقام الحد على القاطع للطريق مسلماً كان أو ذمياً ، حربياً كان أو معاهداً.
وأوجب جمهور الفقهاء أن يكون الجاني بالغاً عاقلاً لإقامة الحد عليه ، لذا فلا حد على الصغير أو المجنون لأن القلم مرفوع عنهما.
وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى عدم إقامة الحد على النساء ، لأنها ليست من أهل المحاربة كالرجل فأشبهت الصبي والمجنون وهو قياس فاسد عند غيرهما ، لأن المرأة المحاربة تأخذ حكم الحربي ولا فرق ، وعند الشافعية والحنابلة والمالكية والطحاوي تحد المرأة مطلقاً انفردت أو اشتركت فيه مع الرجال ،كما يحد الرجال مطلقا انفردوا أو اشتركوا مع المرأة ، وهو الراجح لأن لا دليل علي هذه التفرقة ولعموم الآية ، كذلك الحال بشأن الحرية.
الركن الثاني : ما يتعلق بالمعتدى عليه
يجب التفرقة هنا بين الحربي والمستأمن ، فجمهور الفقهاء يرون أنه إذا كان المجني عليه "حربيا" فلا حد على الجاني لأن مال الحربي ليس بمعصوم ، أما"المستأمن" فيتعين علي الدولة المسلمة أن تحافظ عليه حتى يعود إلي دياره وإعمال حد الحرابة في المعتدين عليه مجاهرة ، وذلك لقول الحق تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) (التوبة 6)
وقد قصر البعض الحرابة علي الأموال ، وقالوا إنها لا تكون في الفروج ، فرد عليهم ابن العربي المالكي فقال : " إنا لله وإنا إليه راجعون " ألم تعلموا أن الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال ، وإن الناس يرضون أن تذهب أموالهم وتحارب بين أيديهم ، ولا يرضون أن يحارب المرء في زوجته أو ابنته ، ولو كانت فوق ما قال الله عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج) [580]
الركن الثالث : ما يتعلق بالفعل " ماهية الحرابة ذاتها "
عند التحقيق يتبين أن الفعل المادي المحقق الركن المادي لهذه الجريمة عند ابن قدامة هو (الخروج على أحكام الشرع بالقوة والمغالبة) [581] وهذا الشرط هو المميز للأركان المادية لهذه الجريمة عن جريمة السرقة العادية ، أو القتل بدون وجه حق ، (كأن يأتي المجرم فعله المادي مجاهرة فيأخذ المال قهرًا ، فإذا أخذه مختفيًا فهو سارق ، وإن اختطفه وهرب فهو منتهب) [582]
وقد ذهب الإمام مالك إلى أن أخذ المال على سبيل "المخادعة" التي تؤدي إلى عدم مدافعة المجني عليه عن نفسه وماله يعد من باب قطع الطريق ، واستدل الفقهاء لذلك على ما فعله النبي r في العرينيين الذي فعلوا جريمتهم بالحيلة فقتلوا الصحابة رضوان الله عليهم فطبق النبي r عليهم حد الحرابة .
مما تقدم نجد أن مفهوم شرط "المغالبة" يعني مجرد الخروج علي أحكام الشرع عملا ، ولا تلزم الردة أو التأويل أو الخروج اقتناعا [583] ، فهذا الشرط "المغالبة" هو المميز حقا لجريمة الحرابة عن سائر الجرائم من جنسها ، ويستدل على المغالب بعدة قرائن منها البعد عن العمران ، السلاح ، المجاهرة ، استعمال القوة .......الخ ، فتلك قرائن على الوقوع فعل الحرابة وليست بشروط.
وعليه لا يشترط ارتكاب جريمة "الحرابة" أن تقع بمنأى عن العمران على الراجح لاسيما في هذا العصر حيث تساوى الأمران في منع الغوث بعدما تطور التسليح وأصبحت العصابات أكثر حذرا وتنظيما ، قال ابن قدامة (فإن كان ذلك منهم في القرى والأمصار فقد توقف أحمد رحمه الله فيهم وظاهر كلام الخرقي محاربين ، وبه قال أبو حنيفة والثوري وإسحاق لأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق وقطع الطريق إنما هو في الصحراء ، ولأن من في المصر يلحق به الغوث غالبا فتذهب شوكة المعتدين ، ويكونون مختلسين والمختلس ليس بقاطع ولا حد عليه وقال كثير من أصحابنا هو قاطع حيث كان ، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور لتناول الآية بعمومها كل "محارب" ولأن ذلك إذا وجد في المصر كان أعظم خوفا وأكثر ضررا فكان بذلك أولى)[584] .
قال ابن قدامة (وذكر القاضي أن هذا إن كان في المصر مثل أن كبسوا دارا فكان أهل الدار بحيث لو صاحوا أدركهم الغوث فليس هؤلاء بقطاع طريق لأنهم في موضع يلحقهم الغوث عادة وإن حضروا قرية أو بلدا ففتحوه وغلبوا على أهله أو محلة منفردة بحيث لا يدركهم الغوث عادة فهم محاربون لأنهم لا يلحقهم الغوث فأشبه قطاع الطريق في الصحراء) [585]
ولقد بين الشيخ سيد سابق رحمه الله سبب اختلاف الفقهاء في هذا الشأن ، وأنه ليس بشرط فقال (الظاهر أن هذا الاختلاف يتبع اختلاف الأمصار ، فمن راعى شرط الصحراء نظر إلي الحال الغالبة ، أو أخذه من حال زمنه الذي لم يقع فيه مثل ذلك في مصره ، وعلي العكس من ذلك من لم يشترط هذا الشرط)[586] ، ولذا يقول الشافعي (إن السلطان إذا ضعف ووجدت المغالبة في المصر كانت محاربة ، وأما غير ذلك فهو اختلاس عنده)[587]
أما اشتراط حوزة السلاح كقرينة علي القوة والمغالبة ، فالجمهور يرون أنه إن لم يكن معهم سلاح فليسوا بمحاربين لأنهم لا يمنعون من يقصدهم ، فإن عرضوا بالعصي والحجارة فهم محاربون ، وبه قال الشافعي وأبو ثور و مالك ، وقال أبو حنيفة ليسوا محاربين لأنه لا سلاح معهم [588].
لكن الذين اشترطوا السلاح مازالت صورة ارتكاب هذه الجريمة بقطع الطريق عالقة بأذهانهم ، وأن المحارب لا يكون قاطعا للطريق إلا بسلاح ، غير أنه من المسلم به أن المحارب إذا كان يستطيع أن يبلغ بغيته بدون سلاح بالاعتماد علي قوته الجسدية فحسب ، فإن شرط المغالبة يكون قد تحقق ، ومثال هذه الصورة اغتصاب الفتيات وسرقة حليهن ، فقد ذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يشترط وجود سلاح مع الجاني لتوافر جرم قطع الطريق في حقه لأنه يكفي أن يعتمد الجاني على قوته الجسدية.
وليست "المجاهرة" بشرط ، فقد ذهب مالك إلى أن أخذ المال على سبيل المخادعة التي تؤدي إلى عدم مدافعة المجني عليه عن نفسه وماله يعد من باب قطع الطريق ، وبالبناء علي هذا الرأي فإن من يعطي غيره مادة مخدرة أو يحقنه بها حتى يغيب عن وعيه ثم يأخذ ماله أو يخدعه حتى يدخله محلا بعيدا عن الغوث ثم يسلبه ما معه يعدُّ محاربا ، وكذلك من يخدع شخصاً صغيراً أو كبيراً ، ثم يقتله بقصد أخذ ما معه فهو محارب سواء أخذ ما معه أو لم يجد معه شيئا ، وهذا هو القول الراجح لأن قطع الطريق كما يتحقق بالإرهاب بالسلاح، يتحقق بطرق المخادعة لأن في كلا الحالتين يعجز المجني عليه عن دفع الصائل.
وتطبيقا لذلك في قضائنا المعاصر : أيدت المحكمة الاتحادية العليا في الإمارات تطبيق حدّ الحرابة، وإعدام متهمَين قتلا عمدا شخصا بهدف طلب فدية من ذويه، مبينة أنه لا يجوز ترك حدّ الحرابة، أو إسقاطه، أو العفو عنه، متى ثبت، وهو ما تحقق في الواقعة.
وبينت هيئة المحكمة أن الحرابة عند المالكية هي (إخافة السبيل سواء قصد المحارب المال أم لم يقصده)، وأنه يدخل في الحرابة أخذ المال مخادعة، أو بطريق الحيلة مع استعمال القوة، أو عدم استعمالها، كما في حالة خديعة المجني عليه، وأخذه الى مكان بعيد عن الغوث، وأنه لا يشترط لقطع الطريق مكان معين، فحيث تحققت إخافة المارة فهي محاربة، ولا فرق بين أن يكون ذلك في الحضر أو المنازل أو الطرق.
حيث اعتبر المالكية أن (كل خروج عن النظام العام لارتكاب الجرائم يعد حرابة، ما دام الجاني عنده القدرة على الإزعاج والتخويف أيا كان نوع هذه القدرة، سواء كان فردا أم جماعة) ، ولا يشترط مالك والشافعي وآخرون وجود السلاح، بل يكفي عندهم أن يعتمد المحارب على قوته ، ويكفي عند المالكية مجرد المخادعة، حتى لو لم يستعمل القوة بأن يستعمل المحارب أعضاءه كالكز أو الضرب بحجم الكف، وأن الحرابة في حدّ ذاتها جريمة وينظر فيها إلى معنى محاربة الله ورسوله، وليس إلى ما يرتكبه المحاربون من سرقة أو غير ذلك)[589].
وبذلك يمكن القول بأن "الحرابة" هي كل "فعل" يمثل "اعتداء علي الغير " سواء في نفسه أو ماله أو عرضه ، باستخدام "القوة" أو"المغالبة" [590]، وذلك سواء أكان الإيقاع بالمجني عليه ابتداءً باستخدام السلاح أو الخديعة متى اعتمدت علي القوة في القتل أو السلب للممتلكات أو اغتصاب الاعراض ، وبهذا تفترق الحرابة عن حد السرقة الذي يعتمد علي الخفة والسرعة ومهارة الاختلاس والاخفاء والهروب به فهي سرقة توجب الحد عند من لا يشترطون الحرز ، أو أن مفهوم الحرز عندهم قاصر علي نفي مظنة الخطأ.
وبهذا المعيار كذلك يكون تخدير المجني عليه لسرقته بمثابة استخدام سلاح له قوة تخديرية لبلوغ الجاني بغيته الإجرامية .
قوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ورد في سبب نزولها ما روي عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ نَاسًا أَغَارُوا عَلَى إِبِلِ النَّبِيِّ r فَاسْتَاقُوهَا وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ r مُؤْمِنًا فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُخِذُوا فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ) ، قَالَ (وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ وَهُمْ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْحَجَّاجَ حِينَ سَأَلَهُ)[591]
يقول سيد قطب (وحدود هذه الجريمة التي ورد فيها هذا النص هي الخروج على الإمام المسلم الذي يحكم بشريعة الله والتجمع في شكل عصابة خارجة على سلطان هذا الإمام تروع أهل دار الإسلام وأهل الذمة والمعاهدين ، وتعتدي على أرواحهم وأموالهم وحرماتهم ، فمجرد تجمع مثل هذه العصابة وأخذها في الاعتداء على أهل دار الإسلام بالقوة يجعل النص منطبقا عليها سواء خارج المصر أو داخله سواء كانوا مسلمين أو ذميين أو مستأمنين بعهد ، فقد اعتبرهم الشارع لا يحاربون الحاكم وحده ولا يحاربون الناس وحدهم إنما هم يحاربون الله ورسوله حينما يحاربون شريعته ويعتدون على الأمة القائمة على هذه الشريعة ويهددون دار الإسلام المحكومة بهذه الشريعة كما أنهم بحربهم لله ورسوله وحربهم لشريعته وللأمة القائمة عليها وللدار التي تطبقها يسعون في الأرض فسادا ، فليس هناك فساد أشنع من محاولة تعطيل شريعة الله وترويع الدار التي تقام فيها هذه الشريعة إنهم يحاربون الله ورسوله ، وإن كانوا إنما يحاربون الجماعة المسلمة والإمام المسلم فهم قطعا لا يحاربون الله سبحانه بالسيف وقد لا يحاربون شخص رسول الله بعد اختياره الرفيق الأعلى ولكن الحرب لله ورسوله متحققة بالحرب لشريعة الله ورسوله وللجماعة التي ارتضت شريعة الله ورسوله وللدار التي تنفذ فيها شريعة الله ورسوله) [592]
قوله تعالى (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) ومعيار الفساد ليس عرف الناس أو زعم الجاني ، فكم من مفسد ظن في نفسه صلاحا قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ، أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) (البقرة 9) ، بل هو حد الشرع ، فكل ما محاولة لإفساد منهج الله بالجهر بالمعصية هو إفساد في الأرض أيا كانت صورته.
فالفساد لغة هو العطب و التلف والخلل[593] ، وعند إضافة هذا اللفظ يتبين المقصود منه ، فالفساد في البر هو الجدب ، وفي البحر هو القحط[594] ، والفساد في الأرض تكرر في القرآن الكريم في أكثر من موضع ، كلها تدل علي الجهر بالمعصية أو الاعتياد على الجرم أو أن يتعدى أثرها الإجرامي للناس جميعا ، وتلك هي معايير جريمة الإفساد في الأرض ، وصور ذلك كما يلي : -
إفساد الأموال والتجارات ، كما هو ثابت في قول الله تعالى بشأن جريمة الغش التجاري – إذا كان عادة أو مضرا بالصحة العامة – (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (هود/85)
سرقة الأموال على وجه الاعتياد كما في قوله تعالى : (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) (يوسف/73)
الجهر بالمعصية وعدم المبالاة بالعقوبة : وهو ما يسمى في عصرنا بجريمة "البلطجة" فيتعلق مظهر الإفساد في الأرض بالعتو والبطش بالأخرين ، وقد ثبت ذلك في قول الله تعالى (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (النمل 48) .
وقد يتعلق الفساد بالاتفاقات والمعاهدات الدولية وإفساد الحياة الاجتماعية والسلم العام كما في قول الله تعالى : (الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) (27) .
كما يتعلق الفساد بتقطيع الأرحام وتدمير الروابط الأسرية كما في قوله تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) (محمد/22) ومن ثم يعد عقوق الوالدين جريمة "حرابة" متى جاهر العاق بعقوقه وأعجز والديه ، وأرهقهما كفرا وطغيانا ، ويعد "إفسادا" إن لم يجاهر بذلك كما هو ظاهر من كتاب الله ، كذلك حرمان الأم الأب من رؤية ابنه أو ابنته ..الخ .
وقد جمع الله تعالى صور الإفساد في الأرض في قصة فرعون فقال جل شأنه : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ) (القصص/5)
تلك هي المواطن التي اقترن فيها لفظ الفساد بالأرض في كتاب الله تعالى ، وجميعها محل تجريم ، وغير ذلك آيات كثيرة إلا أننا قصدنا من عرض هذه الآيات علي وجه الخصوص أن نبين أن الشارع أوضع معنى الإفساد في الأرض في كتابه العزيز حتى شمل مقاصد الشرع جميعًا ، فتناول الفساد في الدين بنقض الميثاق وتحريف الكتب السماوية ، والفساد في النفوس والأعراض باغتصاب النساء أو قتل الأبرياء ، والفساد في الأموال بتكرار السرقات ، والغش في الميزان
وكل هذه الجرائم إما أن تتسم بعمومية الأثر ، أو تكرار الجرم أو الجهر به ، وجميعها يؤدي إل عمومية الأثر ، والإخلال بالنظام العام ، فمعيار الفساد هو عمومية الجرم بحيث يتعدى أثر الجريمة المجني عليه ، ويستطيل مباشرة إلي المجتمع ، فيفسده –ولو بدرجة- إما اجتماعيا أو اقتصاديا أو إعلاميا أو سياسيا أو عسكريا ... إلي غير ذلك من مقومات المجتمع الأساسية ، سواء تحققت هذه الآثار علي وجه المجاهرة أو في الخفاء ، وهذا هو وجه التفرقة بين جريمة الحرابة وجريمة الإفساد في الأرض ، لكن يمكن الاعتماد على معيار التكرار للفعل الإجرامي والاعتياد علي الإجرام كمعيار في هذه الجريمة إذا ما ارتكبت على وجه الخفاء وفي السر .
فعلى سبيل المثال جريمة الزنا يقتصر الفساد فيها على حال الجناة ، متى استتروا ولم يعلنوا بها ، فالفساد في دين الزاني لقوله r (لا يزني الزاني وهو مؤمن) بينما جريمة الدعارة ليست فساد في دين الجناة وحسب بل هي فساد في الأرض نظرًا لما تتصف به من صفة العمومية دون تعيين "للزاني" أو "المزني بها" ، كما تعتمد على التكرار والعادة بغير تمييز ، فهذا إفساد في الأرض ، لأنه ينطوي على نشر البغاء والتحلل والإباحية إلى غير حدود ، بينما يقع فعل الزنى مرة واحدة وبامرأة واحدة ، لكن من يتخذ الأمر عادة ، ويمتهن هذه العادة ويتكسب منها ، فهذا لا يكفي توقيع حد الزنا عليه متى ثبت ارتكابه لجريمة "الدعارة" ، فجريمة الدعارة لا تختلف في أركانها المادية عن جريمة الزنا إلا أنها تتميز عنها في اقترانها بظروف مشددة غيرت من وصف الجريمة ليضفي عليها وصف الإفساد في الأرض ، فهذا الظرف المشدد غير من أوصاف الجريمة برمتها ، لاسيما إذا ما كان ثمة مقابل مالي لإقامة هذه العلاقة الآثمة على وجه الاعتياد ، حتى يكاد تعرف الفتيات بأنهن على هذا الحال فيسهل إتيانهن بمجرد لقائهن دون ممانعة ، فهذا إفساد بين في الأرض ، ويغري الأزواج على أن يقعوا في هذا الإثم وتفسد البيوت التي قامت على شرع الله .
من هنا نفهم أن جريمة الإفساد في الأرض هي ذاتها من جنس جرائم الحدود كـ (السرقة) ، (القتل) ، (الزنا) ..الخ ، لكنها تتميز عنها بمعيار وليست لها أركان مميزة عن الجرائم التي من جنسها ، هذا المعيار يتمثل في صفة "العمومية الأثر الإجرامي"أو "الاعتياد وتكرار الفعل الإجرامي على وجه العادة والتكسب" ، منعا لاختلاط ماهيتها بماهية غيرها من الجرائم التي من جنسها , فهذا الظرف المشدد والمتمثل في عمومية الأثر أو العود للجريمة ، يعني أن أثر الجريمة لا يقع على نفس المجني عليه وحده ، بل يمثل تهديدا لغيره من الأنفس دون تعيين أو عداوة مسبقة ، مثل جريمة " البلطجة " ، فإذا انصبت علي مال لا يقتصر أثرها علي ضياع مال المجني عليه وحسب بل يتعدى أثرها ليهدم مالية الدولة واقتصادها ، مثل جريمة "تزوير أوراق مالية" أو جريمة " سرقة المال العام " ، فالظرف المشدد هنا غيير من الوصف للجريمة ، وأضحى معيارا للتمييز بين جريمة "الفساد" وما يشتبه بها من جرائم من ذات الجنس لكنها ليست على وجه الاعتياد ، وأثرها لا يتسم بالعمومية ، بل يقتصر على المجني عليه وحده .
فلا غرو أن يندرج تحت مسمى هذه الجريمة كافة صور الإفساد في الأرض مثل " هتك العرض – الاغتصاب – الاتجار في المخدرات – خطف الأطفال – الترويع و البلطجة – حرق المنشآت – التفجيرات – السرقات المسلحة .... إلي غير ذلك من صور لا يمكن تحديدها علي سبيل الحصر " .
وبفضل هذا المعيار لحد "الحرابة" و"الإفساد" أضحت كافة صور الإجرام معاقب عليها وفقا لنص تشريعي مقرر في القرآن الكريم دون حاجة بعد ذلك إلي بحث مشروعية العقاب في هذا الشأن طالما يجمعها أحد وصفين " الحرابة" أو "وصف الإفساد " ومعياره الإجرام مجاهرة أو علانية أو مغالبة حال ارتكاب الفعل الإجرامي ، لذا سماهم الله عز وجل بالذين يحاربونه ورسوله ، فلم يعتبر جهرهم بالمعصية بأشد أنواع المعاصي مجرد محاربة للإمام أو خروج علي أحكام الشريعة والقانون بل عده الشارع حربا له ولأنبيائه حتى يعظم هذا الجرم في نفوس مطبقي الحد عليهم .
ومن ثم فإنه يتعين علينا وفي هذا الخصوص ألا نقصر مفهوم هذا الحد علي قطع الطريق فحسب ، ذلك أنه وإن جاز إطلاق هذا اللفظ علي موضوع الحد ، فإن ذلك باعتبار أنه مصطلح الأكثر تعريفا لأحد أوجه هذه الجريمة وهي " الحرابة " وباعتبار أن له معنى خاص من معان الإفساد ، لكن مصطلح قطع الطريق لا يندرج تحته كافة صور الإفساد في الأرض المشار إليها سلفا ، لذا تعين ألا ندرج هذا المصطلح كوصف لجريمة الإفساد ، وإن جاز إطلاقه كوصف لجريمة "الحرابة" على سبيل التعيين في حالة بذاتها .
وذلك لأن "الإفساد" معنى أشمل وأعم من "الحرابة" ولكل من الجريمتين مفهومهما ومعالمهما الذاتية ، ومن ثم فإننا نعرض في هذا الصدد لصور الإفساد في الأرض التي توجب هذا الحد ، وذلك حتى يكون المعيار محدد للماهية ، وذلك بعد تصنيفها بحسب محل الجناية التي تمثل تعديا على أحد مقاصد الدين على النحو التالي :-
أولا : جرائم العدوان على الدين :-
وتشمل (الاستهزاء بالمعتقدات والمقدسات – تحريف النصوص المقدسة – نشر الإلحاد والكفر في الأطفال..الخ)
ثانيا : جرائم العدوان على النفس :-
وتشمل (الترويع والتخويف والبلطجة - جريمة الإبادة الجماعية - خطف الأطفال والنساء والمعاقين..الخ)
ثالثا : جرائم إتلاف العقول :-
(الاتجار في المواد المخدرة و المسكرات ، والعمل في مجال صناعتها وتقديمها ..الخ)
رابعا : جرائم إفساد الأخلاق
وتشمل (الفعل الفاضح العلني وإشاعة الفاحشة - هتك العرض –الاغتصاب – الدعارة..الخ)
خامسا : جرائم إفساد المالية والضمان :
وتشمل (السطو - تزييف العملة - تزوير الأوراق الرسمية - رشوة الموظف العام..الخ )
سادسا : جرائم دولية التي هي من جنس ما سبق ولكن الطابع الدولي يؤكد العمومية والاعتياد
(القرصنة البحرية – تجارة المخدرات العابرة للبلدان - الإرهاب الموجه - قطع الطريق في الجو)
فقصدق الله الذي قال في كتابه (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (الأنعام 38)
قوله تعالى (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (33) لما كان حدي جريمتي الحرابة والإفساد في الأرض من العموم والشمول فيندرج تحتهما كافة صور الإجرام التي من شأنها تهديد الجماعة الآمنة في الدولة المسلمة في نفسها أو مالها أو عرضها ، الأمر الذي يتطلب محاربة عتاة المجرمين ومعتادي الإجرام بصورة قاطعة ، كان من البديهي أن يتقدم ذلك الأمر بقتال هؤلاء المجرمين ، لاسيما أصحاب المنعة والشوكة والخارجين عن سلطان الإمام ، فهؤلاء يتعذر عقوبتهم دون الإحاطة بهم ، ولا يمكن ذلك بغير مقاتلتهم ، وهو ما يتطلب تدخل قوات الجيش النظامي ، ولا يكتفى بعمل الشرطة أو المحتسب ، لأن المنعة التي يتحصنون بها لا يقتحمها إلا جيش نظامي ، وذلك تقليلا لخسائر الجند والسلاح عند مداهمتهم ، ولذلك ورد الأمر بمقاتلتهم في قوله (أَنْ يُقَتَّلُوا) وليس بقتلهم ، فالقتل عقوبة ، والتقتيل محاربة ومقاتلة وتغلب بعد المبارزة والمداهمة والمباغتة ، إنما الحرب خدعة.
ومن المناسب كذلك أن تتنوع العقوبات المقررة بشأنهما ، وتتدرج بين التقتيل ويقصد به محاربة هؤلاء المحاربين بالقوة ودون تمييز بينهم ، أو الصلب تمثيلا بهم ، والتشديد في عقوبة القطع للأطراف على نحو ما ذكرته الآية أو التشديد في عقوبة الحبس بالنفي في الأرض ، وذلك كله بحسب قدر الجناية ومحلها ، فإن كانت في النفوس والأعراض والدين فالتقتيل واجب، وإن كانت في المال أو كانت المنعة أقل فالتقطيع واجب نكاية بهم ، وإن جاز كسر شوكتهم دون تقتيل أو كان الجرم أقل ولا حاجة للتقطيع ، فهنا يجوز محاكمتهم ، وعقوبتهم بالنفي في الأرض ، كل ذلك بحسب بمقدار الجرم وقدر الجناية .
وهي عقوبات تقديرية يوقعها قاضي الموضوع بحسب ظروف كل دعوى وملابساتها ، روي عَنْ أَنَس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاسًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ عَلَى النَّبِيِّ r وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ r بِذَوْدٍ وَرَاعٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا نَاحِيَةَ الْحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ r وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ r فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ)[595] .
قوله تعالى (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (34) المقصود بالتوبة هنا معنى مخصوص مناسب للسياق ، وهو التوبة من جريمة الحرابة ، وليس المقصود بها التوبة المعروفة عن الذنوب كلها ، فهذه يتعذر إثباتها في الدنيا ، وليست مناط الإعفاء ، كما لا يقصد بها إسلام الكافر ، بل إن الكافر المحارب يستفيد مثل المثل من إسقاط حد الحرابة إذا ما سلم نفسه قبل القدرة عليه .
فقد نقل الإمام جرير الطبري أراء العلماء في هذه المسألة (فعن عطاء الخراساني وقتادة: أما قوله:"إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم"، فهذه لأهل الشرك ، فمن أصاب من المشركين شيئًا من المسلمين وهو لهم حَرْب، فأخذ مالا وأصاب دمًا، ثم تاب قبل أن تقدروا عليه، أُهْدِر عنه ما مَضَى) وهو ما يعني بمفهوم المخالفة أنه لو تاب وأسلم بعد أن قُدِر عليه فلا يهدر عنه ما مضى [596].
وقال آخرون: بل هذه الآية معنيٌّ بالحكم بها "المحاربون اللهَ ورسوله" : "الحُرَّابُ من أهل الإسلام" ، من قطع منهم الطريق وهو مقيم على إسلامه ، ثم استأمن فأُومن على جناياته التي جناها ، وهو للمسلمين حرب ، ومَن فعل ذلك منهم مرتدًّا عن الإسلام، ثم لحق بدار الحرب، ثم استأمن فأومن ، قالوا: فإذا أمَّنه الإمام على جناياته التي سلفت، لم يكن قِبَله لأحد تَبِعة في دمٍ ولا مالٍ أصابه قبل توبته، وقبلَ أمان الإمام إيَّاه) [597].
أي أن المفترض الأقرب للتصور لقبول التوبة قبل القدرة الموجب لإسقاط الحد عن المجرم أن يعقد الإمام اتفاقا مع أهل الإجرام والعصابات على أن يؤمنهم إذا سلموا أنفسهم له ، ويكون هذا الإتفاق بعد أن وجد المصلحة في ذلك بحيث يقي الأمة شرهم ، ويوفر جنده للقتال في جهة أولى من ذلك ويوفر طاقته وذخائره ، هنا ينفذ إتفاقه عليه ويتلزم به.
ولذلك نقل ابن جرير عن السدي قوله:"إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم"، وتوبته من قبل أن يُقْدر عليه: أن يكتُب إلى الإمام يَستأمنه على ما قَتل وأفسدَ في الأرض:"فإن لم يُؤمنِّي على ذلك، ازددت فسادًا وقتلا وأخذًا للأموال أكثر مما فعلت ذلك قبل" ، فعلى الإمام من الحقّ أن يؤمنه على ذلك ، - وأري أنه ليس ذلك بلازم على الإمام بل له السلطة التقديرية في إمكان القدرة عليهم أو الاتفاق معهم - فإذا أمّنه الإمام جاء حتى يضع يده في يد الإمام ، فليس لأحد من الناس أن يتّبِعه ، ولا يأخذه بدَم سفكه ، ولا مال أخذه ، وكل مالٍ كان له فهو له – وأرى أن الحاكم في المسألة بنود الاتفاق مع الإمام بالتفاوض بينهما - ، لكيلا يقتل المؤمنين أيضًا ويفسد ، فإذا رجع إلى الله جل وعزّ فهو وليُّه، يأخذه بما صنع، وتوبته فيما بينه وبين الإمام والناس)[598]، وقال (فإذا أخذه الإمام، وقد تابَ فيما يزعُم إلى الله جل ثناؤه قبل أن يُؤمنه الإمام، فليقم عليه الحدّ)[599].
كذلك فإن من مفترضات المسألة والأقرب للتصور – كذلك –للتوبة قبل القدرة - لاسيما في زمننا المعاصر- حينما تفوت مدة طويلة لم يقدر خلالها السلطان أن يقبض على مرتكب جرائم الحرابة والإفساد لمنعته أو بعده عن العمران أو هروبه ، وحسنا فعلت القوانين الوضعية حينما أسقطت العقوبات الجنائية بالتقادم ، والدعاوى الجنائية بمضي المدة المقررة قانونا ، فالقانون الجنائي المصري يسقط الدعوى الجنائية في المخالفات بمضي سنة ، وفي الجنح بعد مرور ثلاث سنوات ، وفي الجنايات بعد مرور عشر سنوات
أما العقوبة المحكوم بها غيابيا فإنها تسقط في الجنح بمضي خمس سنوات ، وفي الجنايات بمضي عشرون سنة ، والإعدام بمضي ثلاثون سنة ، وهي فترة معقولة للإسقاط إذا ما سلم الجاني نفسه بعدها أو قام بمعارضة الحكم الغيابي أو تم القبض عليه بعدها ولم يرتكب خلالها جرما مماثلا خلال فترة التقادم ، فذلك قرينة على توبته من هذا الجرم .
وبعد أن عرضنا لمفترضان المسألة وبينا أنها تكاد تنحصر في فرضين (تقادم الجناية)[600] ، (الاتفاق مع الإمام) ننتقل إلى العلة من إسقاط العقاب في هذه الحالة ، يقول الدكتور المستشار عبد القادر عودة (فالمحارب إذا تاب قبل القدرة عليه سقطت عقوبته بالرغم من أنه أتى الجريمة التامة)[601] ، فهذا الاستثناء من العقاب يبين ماهية الجريمة ، وكيف أن مرتكبها يظل أنه في منعة من عقاب السلطان ، وذلك لكونه بعيدا عن يد السلطان في الصحراء وبعيدا عن العمران ، ولذلك خال بعض العلماء أن هذا شرط لتطبيق الحد ، وقد ذكرنا أنه ليس بشرط ولكن قرينة على "الحرابة" .
ولما كانت الآية بينت – كذلك - أن مسألة قدرة السلطان هي مسألة وقت ، كما في قوله (من قبل أن تقدروا عليهم) ، أي يتعين على السلطان أن يوجه قوته حتى يقدر عليهم ، فعليه أن يرسل رجاله ليقبضوا على الجناة ومحاربتهم وقتالهم متى لم يستسلموا له وقاوموا السلطات ، لكن العلة من قبول توبته وإسقاط حق الله عليه – لا حقوق العباد - التسهيل على المجرمين أن يسلموا أنفسهم قبل أن يستفحل شرهم ، فيقل الفساد [602]، وتقليل العبء على رجال المباحث والشرطة وحفظ هذه القوة المدربة من الأذى وأن نتهك قواها في صراعات داخلية ، طالما في الإمكان درء شرهم دون أن يضطروا لمقاتلتهم ، وقد بين العلامة ابن قدامة العلة من إسقاط الحد عنه إذا تاب قبل القدرة فقال (وَإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ ، تَرْغِيبًا فِي تَوْبَتِهِ ، وَالرُّجُوعِ عَنْ مُحَارَبَتِهِ وَإِفْسَادِهِ ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ الْإِسْقَاطُ عَنْهُ ، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى تَرْغِيبِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنْ الْفَسَادِ وَالْمُحَارَبَةِ)[603].
أي أن في ذلك إعلاء للصالح العام متى تحقق الرد الخاص بالتوبة ، وقام المجرم بتسليم نفسه قبل أن يقبض عليه بالاتفاق مع السلطات ، وهذا يعني أنه أعجز السلطات زمنا معينا عن القبض عليه ، لا أن يرتكب الجريمة ويسلم نفسه فيظن بذلك أنه قد أفلت من العقاب ونال الجائزة بإسقاط الحد عنه بحجة عدم القدرة عليه وقد اختبأ فترة يسيرة من الزمن ، قال ابن قدامة المقدسي (والمراد بما قبل القدرة أن تمتد إلى المحارب يد الإمام, فإن تاب بعد أن امتدت إليه يد الإمام لم تعتبر التوبة قبل القدرة ولو كان هاربًا أو مستخفيًا أو ممتنعًا)[604] .
ومن جهة ثالثة لابد وأن نبين ماهية العقوبة التي تسقط في هذا الفرض وهي (الحد) فقط أي (تَسْقُطُ عَنْهُ حُقُوقُ اللَّهِ) تَعَالَى ( كَالْقَطْعِ ، وَالصَّلْبِ وَانْحِتَامِ الْقَتْلِ) (وَيَبْقَى الْقِصَاصُ ، وَالْمَالُ) [605]، (فعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب، والقطع والنفي، ويبقى عليهم القصاص في النفس والجراح، وغرامة المال والدية لما لا قصاص فيه)[606] ، لكن ذلك لا يمنع أن يتضمن الإتفاق مع ولي الأمر تنازل أولياء المقتولين عن القود والثأر لأنفسهم بالقصاص ، وأنهم يقرون بالعفو عن الجناة إما بدية أو بغير دية ، بحسب الأحوال ، سواء تحملتها الدولة أو عاقلة الجناة ، وذلك باب من السياسة الشرعية موكول لولاة الأمور التفاوض فيه حتى يتم الاتفاق على ذلك .
قال المستشار عبد القادر عودة (فإذا تاب المحارب سقط عنه ما وجب عليه من القتل والصلب والقطع والنفى، ولكن التوبة لا يسقط بها ما يتعلق بحقوق العباد فيبقى مسئولاً؛ فإن كان أخذ المال فقط فعليه رده, وإن كان قتل أحدا أو جرحه فعليه القصاص أو إجراءات شكلية ، وإنما يدل عليها رد المال لصاحبه أن كان هناك مال عند القدرة على رده, ويكفى فى التوبة الندم والعزم على ترك مثل ما حدث)[607].
وقال المستشار عبد القادر عودة (ومن المسلم به أن هذا النص ينطبق على جريمة الحرابة ، ولا شك أن المبدأ الذي جاء به النص يمكن تطبيقه على بعض جرائم التعازير إذا رأى أولو الأمر مصلحة في ذلك ، أما ما عدا ذلك من جرائم الحدود فمختلف عليه) [608] ، قال السعدي (وإذا كانت التوبة قبل القدرة عليه، تمنع من إقامة الحد في الحرابة، فغيرها من الحدود -إذا تاب من فعلها، قبل القدرة عليه- من باب أولى)[609]، قال ابن حزم الظاهري في المحلي (صح الإجماع بأن حد المحاربة تسقطه التوبة قبل القدرة عليهم , فوجب أن تكون جميع الحدود من : الزنى , والسرقة , والقذف , وشرب الخمر كذلك , لأنها كلها حدود وقعت التوبة قبل القدرة على أهلها)[610].
ويستدل على أن التَّوْبَةَ قَبْل الْقُدْرَةِ تُسْقِطُ الْعُقُوبَةَ في كل الجرائم ، وذلك قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْمُحَارَبَةِ ، ما روي عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ r فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَال : يَا رَسُول اللَّهِ ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ r فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ r الصَّلاَةَ قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُل ، فَأَعَادَ قَوْلَهُ ، فَقَال : أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْت مَعَنَا ؟ قَال نَعَمْ ، قَال : فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ)[611]
قال العلماء (وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَانِيَ غُفِرَ لَهُ لَمَّا تَابَ ، وَفَضْلاً عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِذَا جَازَتِ التَّوْبَةُ فِي الْمُحَارَبَةِ مَعَ شِدَّةِ ضَرَرِهَا وَتَعَدِّيهِ ، فَأَوْلَى التَّوْبَةُ فِيمَا دُونَهَا ، وَهَؤُلاَءِ يَقْصُرُونَ السُّقُوطَ بِالتَّوْبَةِ عَلَى مَا فِيهِ اعْتِدَاءٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ ، بِخِلاَفِ مَا يَمَسُّ الأْفْرَادَ )[612].
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ : أَنَّ التَّعْزِيرَ الْوَاجِبَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ –كذلك -، إِلاَّ إِذَا اخْتَارَ الْجَانِي الْعُقُوبَةَ لِيُطَهِّرَ بِهَا نَفْسَهُ ، فَالتَّوْبَةُ تُسْقِطُ التَّعْزِيرَ)[613].
قوله (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فالمغفرة والرحمة قاصرة على المسلم إذا تاب من الحرابة ، وخير مثال نذكره في توبة المسلم من حد الحرابة ما ذكره الفضل بن موسى قال : كان الفضيل بن عياض "شاطرا" أي يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تاليا يتلو : (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) قال : فلما سمعها قال : بلى يا رب قد آن فرجع فآواه الليل إلى خربة وإذا فيها سابلة فقال بعضهم : نرتحل وقال بعضهم : حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا قال : ففكرت وقلت : أنا أسعى بالليل في المعاصي وقوم من المسلمين ههنا يخوفونني وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع اللهم إني قد تبت إليك وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام) [614] ، ومن هنا أطلق عليه لقب (عابد الحرمين).
أما الكافر الذي يتوب من الحرابة ولا يزال على كفره فإنه وإن جاز إسقاط حد الحرابة عنه في هذه الحالة ، فإن الله لا يقبل توبته لكفره ، لكن يترتب علي توبته أحكام يستفيد منها في الدنيا ولا يترتب على توبته ثواب في الآخرة ولا تكفير للذنوب .
وبعض العلماء يجيزون توبة الكافر إذا أسلم بعد القدرة ، وهذا صحيح ، لكن بعضهم رتب على ذلك نتيجة غير مستساغة ، (وهي إسقاط حد الحرابة عن الكافر لو أسلم بعد القدرة عليه) [615]، وليس ذلك صحيح بإطلاق ، فالإسلام يجُب ما قبله من حدود ، أي إثم ما فعل ، وذلك فيما ليس فيه مساس بحقوق العباد ، أما الدماء لابد التحلل منها بعفو أهل القتيل ، والأموال المسلوبة لابد من أدائها لأصحابها وضمان ما أتلف منها ، أما إسقاط حد الحرابة عن الكافر الذي أسلم - قبل القدرة - فليس فيه دليل ، فالعبرة ليس بإسلامه ، إنما بتسليم نفسه للإمام باتفاق سابق قبل القدرة عليه كما ذكرنا ، لأن المعول عليه في التوبة (التوبة من الحرابة) ، وليس (التوبة من الكفر) بدخول في الإسلام ، لاسيما وأن كثير من أهل الحرابة مسلمون ، بل يجب قطع يد السارق ، ويطبق حد الحرابة على المحارب إذا ما ثبت جرمه متى قُدِر عليه قبل أن يعلن توبته ، فالمسلم والكافر في ذلك سواء بسواء ، وإلا كان ذلك ذريعة لأي محارب أو مفسد في الأرض أن يتحلل من العقاب بمجرد إعلان إسلامه .
ولا حجة في حديث أسامة بن زيد لما عاتبه النبي r على قتله المحارب بعد أن نطق بالشهادتين ، لأن محل الذم أنه لم يطبق عليه أحكام الحرب ، بوجوب أسره وتسليمه للنبي r لينظر في أمره ، وليس لأسامة أن يطبق الحدود في الحرب ، فمحل العتاب أنه قتله ولم يأسره مثلما أسر النبي r العباس بن عبد المطلب وهو مسلم .
وعليه يكاد ينحصر إسقاط حد الحرابة في زمننا علي حالتين فقط :-
الأولى : إصدار تشريع عام من أصحاب الولاية في التشريع الوضعي بإسقاط العقوبة بعد مضي فترة زمنية معينة على من عجزت الأجهزة الأمنية القبض عليهم شريطة أن يثبت أنهم لم يرتكبوا خلالها جرما آخر من جنس تلك الجريمة ، أي خلال سريان فترة التقادم .
والأمر الثاني : أن يبرم الإمام اتفاقا أمنيا خاصا مع هؤلاء المحاربين يؤمنهم على أنفسهم شريطة أن يسلموا السلاح ويطبق فيهم حقوق الآدميين إما بالعفو أو الدية أو القصاص وضمان ما اتلفوه ، وذلك كله بحسب ما يراه ولي الدم معهم والمتضررين ، فإن تصالحوا على ذلك أمضاه فيهم .
المسألة الثالثة : الحكمة من تغليظ عقوبة التقطيع للأيدي والأرجل
وفي تقطيع أيدي وأرجل قطاع الطريق أو المحاربين من البشاعة والإرهاب يوازي ما اقترفوه من بشاعة وإرهاب للآمنين علي أرض الدولة المسلمة ، فلا شك أنهم بجريمتهم هذه يعدون خارجين علي الإمام إذا أخذت الجريمة شكل العصبة والتحزب في أماكن نائية عن العمران كالجبال و نحوها ، فهؤلاء يعلنون صراحة أنهم قطاع طريق ولا يخافون شوكة الإمام وأن الإمام إذا ذهب لملاقاتهم بجنوده لديهم من الإمكانيات ما يجعلهم يناوئونه ويردون ضربته بمثلها فيقتلون من جنوده ما يقتل منهم أو أكثر ، فهؤلاء إذا ما لم تأخذ الدولة المسلمة علي أيديهم بالشدة أول أمرهم لسهل عليهم بعد ذلك إعلان خروجهم عليه بالكلية ، واستقطاب غيرهم لهم ، ونشر الأسلحة بينهم ، لذا كان في تقرير أشد أنواع العقوبات العادلة علي هؤلاء المجرمين إذا ما ارتكبوا جريمتهم من الدرجة الثانية ما يدرأ بلوغهم إلي شكل جريمة الحرابة من الدرجة القصوى ، ولا شك أن تشديد العقوبة في هذه الجريمة عن جريمة السرقة العادية ذا معزى ، إذ لا يسوغ الاكتفاء بقطع أيديهم وقد جمعوا إلي سرقتهم إفزاع المسلمين أو المستأمنين و هو ما يسمى بإخافة السبيل ، فعن النَّبيُّ r : لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِماً»[616] ، فكان في تغليظ العقاب عليهم تحقيق لمقاصد الشريعة الإسلامية من العقاب
المسألة الرابعة : تعقيب على الإعفاء من حد الحرابة لمن رغب في التوبة
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) (35) نداء للذين آمنوا وتابوا إلى الله للاستعانة به سبحانه في التخلص من شرور أنفسهم ورغباتها الجامحة ، والاستعانة على ذلك بعبادته ، والاجتهاد في الأعمال الصالحة كوسائل تقربهم إلى مرضاة الله .
وناسب هذا النداء أن يكون تاليا للحديث عمن تاب إلى الله تعالى قبل القدرة ، وقد اقترن بألوان المعاصي ما أعجز السلطان عن أن يمسكه ويحاسبه ، فلما تاب قبل ذلك تاب الله عليه ، واحتاج لتعويض ما فات ، فدله الله بهذه الآية على ذلك ، فإنه لما كان استعان على المعصية بقوته ، فلا سبيل لله للقرب إلى إلا إصلاح ما فات بأن يستعمل نعم الله عليه في الخير كما استعملها في الشر ، بأن يعوض ذلك بأن يحول قوته من المعصية إلى الطاعة ويتقدم ذلك الجهاد في سبيل الله .
فالوسيلة كل عمل صالح يتوصل به العبد إلى إعادة الصلة بينه وبين مولاه ، فيتقرب به إليه ، والمقصود بها وفي هذا السياق خصوصا الدعاء ، لأن المسلم بالدعاء يتوصل إلى ما لا يتوصل إليه ، ويتدارك ما فات ، يقول سبحانه (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) [617]، وقال تعالي (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) (الإسراء/ 57)
وعلى وجه العموم فإن من أفضل الوسائل للتقرب إلى الله الصيام والقرآن ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ قَالَ فَيُشَفَّعَانِ)[618]
وعلى وجه الإجمال فإن العارفين بالله عبروا عن الوسيلة بـأنها (الرضا بالقضية / والصبر على الرزية ، والمجاهدة في سبيله ، والصبر على عبادته)[619] .
فإذا كانت" الوسيلة "هي العمل الصالح الذي يتقرب به العمل إلى رضوان الله ، فهي كذلك الجزاء الذي ينعم به العبد عندما ينال رضوان الله ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ r يَقُولُ إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ)[620]
قال المباركفوري (الوسيلة في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به وجمعها وسائل ، يقال وسل إليه وسيلة وتوسل والمراد به في الحديث القرب من الله) [621]، قال المناوي (أي اتقوه بترك المعاصي وابتغوا إليه بفعل الطاعات من وسل إلى كذا تقرب إليه ، وإنما سميت وسيلة لأنها منزلة يكون الواصل إليها قريبا من الله ، فتكون كالوصلة التي يتوسل بالوصول إليها والحصول فيها إلى الزلفى منه تعالى والانخراط في غمار الملأ الأعلى)[622].
أما الحض على الجهاد بعد التوبة من الحرابة ، فهو من باب واسع لاستعمال القوة والمنعة التي أنعم الله بها على المحارب في الخير بعدما مضى زمن وقد أضاعها في الشر ، فلعله بذلك يكفر عن سفك الدم الحرام ، ولعله يتصدق بالغنيمة ليكفر عن سلب أموال الناس بالباطل وهكذا .
قال تعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (169) ، قال رسول الله r (لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا)[623]
وقد تنبه الفضيل بن عياض لقصيدة عبد الله بن المبارك حين لامه على أنه بعدما تاب اعتكف في الحرمين ليكفر عما فعل من قطع للطريق ونسي أن يسلك طريق الجهاد في سبيل الله ، فقال عبدُ الله بنُ المُباركِ :-
1- يا عابدَ الحَرَمينِ لوْ أبصرْتَنا لَعلمْتَ أنّك في العبادةِ تَلْعبُ
2- مَنْ كان يَخْضِبُ خدَّهُ بدموعِهِ[624] فَنُحُورُنا بِدِمَائِنا تَتَخَضَّبُ[625]
3- أو كان يُتْعِبُ خيلَهُ في باطلٍ[626] فخيولُنا يومَ الصَّبِيْحَةِ تَتْعبُ[627]
4- رِيْحُ العَبِيْرِ لكمْ ونحنُ عبيرُنا رَهْجُ السَّنابكِ والغبارُ الأطْيبُ[628]
5- ولقد أتانا مِنْ مَقالِ نبيِّنا قَوْلٌ صحيحٌ صادقٌ لا يُكْذَبُ
6- لا يَسْتَوِي وغُبارُ خَيْلِ اللهِ في أَنْفِ امرئٍ ودُخَانُ نارٍ تَلْهَبُ
7- هذا كتابُ اللهِ ينطِقُ بَيْنَنا ليس الشَّهيدُ بميِّتٍ لا يُكْذَبُ[629]
قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (36) نفي لأن يكون للكافرين وسيلة لطلب مرضاة الله تعالى ، ولم يسلموا ، والمعنى أن الكافر المحارب لو استفاد من أحكام التوبة من جريمة الحرابة قبل القدرة عليه في الدنيا فإنه لن يغفر الله له يوم القيامة ، بل تظل ذنوبه معلقة في رقبته ليحاسب عليها يوم القيامة بخلاف توبة المسلم ، فإنها تسقط الحد عنه في الدنيا ويعفو الله عنه يوم القيامة .
فأهل الحرابة غالبا ما يكونون من الكافرين الناقضين للعهد والميثاق ، الخارجين على سلطان الشريعة ، ولذلك يستحلون لأنفسهم ما يفعلونه من عدوان على المسلمين أو المعاهدين لهم وإن كانوا أهل ملتهم ، باعتبار أن من ليس معهم فهو ضدهم ، فلو أنهم جمعوا من أعمال الغصب والعدوان كنوز الأرض كلها ، وجاءوا بها ليفتدوا بها من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ، ولهم عذاب أليم ، وكان يقبل منهم أقل من ذلك لو أنهم آمنوا بالله ورسوله ، فعن نَبِيَّ اللَّهِ r كَانَ يَقُولُ يُجَاءُ بِالْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لَهُ قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ)[630]، وفي رواية يقول الله (أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي)[631]
في حين أن المسلم مهما اقترف من ذنب فإنه يتخلص من عذاب الله تعالى بشهادة أن لا إله إلا الله ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ ، فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ – التي فيها لا إله إلا الله - فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ)[632].
قوله تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) (37) بيان لمدى عجزهم وقد أسخطوا الله عليهم ، فلم ينالوا منه غير العذاب ، ولم يقدموا لأنفسهم وسيلة يستنقذون بها أنفسهم من النار ، فليس معهم شيء يفتدون به ، مهما قدموا ، ولم يكن الإسلام هو وسيلتهم للتقرب إلى الله .
في حين أن من أسلم إلى الله ، فإن الله يتوب عليه بعد أن يمحصه من ذنوبه بالنار إن لم تمحص بالتوبة ، فعن طلق بن حبيب قال كنت أشد الناس تكذيبا بالشفاعة فسألت جابرا فقال يا طليق سمعت النبي r يقول (يخرجون من النار بعد دخول ونحن نقرأ الذي تقرأ)[633]، وفي رواية (عن طلق بن حبيب قال لقيت جابر بن عبد الله وكنت أشد الناس تكذيبا بالشفاعة فقرأت عليه كل آية في القرآن وعد الله أهلها الخلود في النار فقال لي يا طليق أتراك أعلم بكتاب الله وسنة نبيه مني؟ قلت لا قال فصمتا وأشار بيديه إلى أذنيه إن لم أكن سمعت محمدا يقول يخرجون من النار ونحن نقرأ الذي تقرأ وإن الذي تقرأ هم المشركون هم أهلها قلت ومن هؤلاء القوم قال قوم أصابوا فعذبوا بذنوبهم ثم أخرجوا)[634].
قال تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)
اختلفت طرق حماية المال الخاص في الشريعة الإسلامية عن غيرها في القوانين الوضعية سواء قبل الإسلام أو بعده ، ففي مرحلة ما قبل الإسلام عرف القانون الروماني جريمة السرقة بأنها حيازة مال الغير اختلاسا بقصد الربح رغما عن إرادة مالكه ، ثم تطور هذا التعريف في قانون الألواح الأثنى عشر حيث فرق بين حالة التلبس وجريمة السرقة غير المشهودة ، ففي الحالة الأولي أجاز القانون قتل السارق إذا كانت السرقة وقعت ليلا أو إذا كان مع السارق سلاح ، أما في غير هذه الظروف يتم إلحاق السارق بالمسروق ليكون عبدا له إذا كان السارق حرا ، أما إذا كان عبدا فيلقى به من أعلي صخرة [635] ، والقرآن يشهد علي تطبيق تلك العقوبة في مصر ، بإلحاق السارق بالمجني عليه ليكون عبدا للأخير وذلك في قوله تعالي : "قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ " (يوسف) ، وتلك مكيدة قانونية استغلها يوسف ليخلص أخاه الأصغر من غدر أخوته الكبار ، قال تعالى (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أي أن نبي الله يوسف لم يكن ليطبق شريعة الملك دون وحي من الله ، وإنما هي مكيدة أخذ بها أخاه واحتجزه عنده ليؤمنه من غدر أخوته.
أما في الشريعة الإسلامية فإنه يقصد بحد السرقة المفهوم الضيق لكلمة الحد ، بمعنى العقوبة المقدرة شرعا لجريمة السرقة والتي لا يجوز الانتقاص منها أو الزيادة فيها وهي قطع اليد ، ذلك أن حد السرقة يطلق علي معنى مخصوص من المفهوم العام لجريمة السرقة ، فللسرقة صور شتى بحسب ما جرى عليه العرف ، كالغش في الميزان - خيانة الأمانة – السرقات الأدبية - الاختلاس – التدليس …إلي غير ذلك من الصور التي قد تختلف عن السرقة بمفهومها الضيق والذي هو مناط حد القطع ، ولبيان ذلك نتعرف أولا علي ماهية حد السرقة من خلال معناها اللغوي ، ثم بيان المعنى الذي اعتبره الشرع مناطا للحد ، ثم تحرير المعنى الشرعي لحد السرقة عما يشتبه به من معان ، ونستخلص من ذلك المقصود بالحد في هذا الشأن وبيان أركانه ومناقشة رأي العلماء في كل ركن ، وأخيرا نبين عقوبة السرقة الأصلية والتكميلية أو التبعية ومدى فاعليتها في تقرير الحماية الجنائية لأموال الناس من المساس بدون وجه حق.
قوله (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) بادئ ذي بدء فإن السرقة لغة هي : (أخذ المال خفية) [636] أو (أخذ من المال ما ليس له في خفاء) [637]، هذا وقد ورد هذا اللفظ في القرآن في صيغة "فاعل" و"يفعل" و"فعل" و"افتعل" [638]، فالصيغة الأولي كما في قوله تعالى "السارق والسارقة" ، أما في الصيغة الثانية والثالثة كما في قوله تعالي : (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) (يوسف/ 77) ، والصيغة الرابعة والأخيرة وهي أهمها عند الفقهاء لأنها توضح أهم الأركان المادية لجريمة السرقة التي هي "الخفاء" ، وهي صيغة "افتعل" كما في قوله تعالى (إِلاَّ مَنْ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ) (الحجر/ 18) ، (فاسْتَرَقَ السمع أي سمع مستخفيا ، ويقال هو يُسَارِقُ النظر إليه إذا اغتل غفلته لينظر إليه) [639] ، (وهو تفعل من السَّرِقة أَي أَنها تسمعُه مُخْتفِيةً كما يفعل السارِق)[640] .
يستفاد من التعريف اللغوي لمعنى السرقة أنه يقصد منها " أخذ المال في الخفاء دون علم المجني عليه " ، فإذا ارتكبت جريمة السرقة حال علم المجني عليه بحصول السرقة ، كأن تكون انطوت على الغصب ، لم تكن الجريمة المرتكبة سرقة توجب القطع ، لكن يجوز تكييف الفعل المؤثر ليشكل جريمة أخرى معاقب عليها بعقوبة تعزيرية أو بعقوبة حد "الحرابة" متى انطوت على غصب ، يقول الجصاص : " السرقة اسم لغوي مفهوم المعنى عند أهل اللسان بنفس محتاج إلى بيان ، وكذلك حكمه في الشرع ، وإنما علق بهذا الاسم حكم القطع كالبيع والنكاح والإجارة وسائر الأمور المعقولة معانيها من اللغة قد علقت بها أحكام يجب اعتبار عمومها بوجود الاسم إلا ما قام دليل بخصوصه )[641]، يقصد بذلك أنه ورد أدلة شرعية توجب القطع في مقدار معين للسرقة وبوصف معين للفعل المادي الموجب للقطع ، وبغير هذه الأوصاف والمقدار لا يجب القطع.
مما تقدم من تعريف الفقهاء لحد السرقة بمفهومه الشرعي الموجب للقطع يتبين أن لها معنى مخصوص من معناها اللغوي ، أي أن المعنى الشرعي أضيق نطاقًا من المعنى اللغوي ، وإن كان المعني اللغوي قد حوى المعنى الشرعي في طياته ، ذلك أن السنة النبوية قيدت المعنى المطلق للحد الوارد في اللغة بإيجاب شروط معينة ، ولا شك أنه كلما زادت شروط إيجاب القطع تقلص نطاق إعماله ، والعكس كذلك صحيح ، لكن مدى هذا التقييد مختلف فيه ، وعند التحقيق نجد أن القيود التي استنبطها الفقهاء لحد السرقة منها ما يدخل في ماهية الفعل نفسه كشرط "لخفاء" ، وعليه رتبوا الحكم أنه لا قطع علي خائن أو مختلس ، وإن وجب التعزير عقوبة ، ومنها ما يخرج عن ماهية الفعل نفسه إذ يتعلق بالشيء المسروق , حيث اشترطوا فيه كونه "مال ومتقوم" ، فأخرجوا سرقة الخمر والخنزير لأنه ليس بمتقوم في نظر الشرع إلا عند أهل الملل الأخرى ، كما اشترطوا في المسروق أن يكون في "حرز" فإن لم يكن كذلك فلا قطع ، وخالفهم في ذلك الظاهرية فلم يشترطوا الحرز .
يقول الجصاص : (لا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن من شرط القطع " الحرز " وهو ما بني للسكنى وحفظ الأموال من الأمتعة وما في معناها)[642]، وأخيرا فإنهم اشترطوا في السارق نفسه أن تتوافر لديه نية تملك الشيء المسروق ، ومنهم من اشترط في السارق ألا يكون له ثمه شبهة حق في المسروق فلم يوجبوا القطع في سرقة المال العام ، وإن أوجبوا العقاب تعزيرا ، بل قد يصل الأمر إلى الحرابة لو ترتب على ذلك مفسدة عامة ، وكذا لم يوجبوا القطع في السرقة بين الأصول والفروع ، لشبهة اختلاط الملك ، فهذه كلها ثمة أمور تتعلق بعلة القطع في حد السرقة لابد من بيانها حتى يبين مقصود الشارع من هذا الحد و تمييزه عما يشتبه به بمعايير واضحة ، " شرط الخفاء - شرط الحرز- شرط النصاب - شرط المال - شرط التقوم - شرط نية التملك - شرط انتفاء شبهة الحق "
ومن ثم تعين تمييز السرقة الموجبة للحد عما قد يشتبه بها مما يدخل في إحدى صورها أو يخرج عنها مثل جرائم (خيانة الأمانة –الاختلاس - التدليس – النصب - الغش في الميزان- الرشوة - السرقات الأدبية – الطرار- النباش - سرقة المال العام - حيازة العقارات بدون وجه حق - السرقة بين الأقارب - السرقة بين العمال و أرباب العمل - السرقة بين الضيف و مضيفه ....... إلي غير ذلك من مسائل لا تعد ولا تحصي وجدت وتستجد مع الزمن ) ، وعليه يتعين أولا التمييز بين الشروط التي تتعلق بماهية فعل السرقة ذاته ، وتلك التي تتعلق بأركانه الأخرى ، ذلك أن هذه الشروط تختلف بحسب الركن الذي تتعلق به ، فمنها ما يتعلق بالسارق ، ومنها ما يتعلق بالشيء المسروق ، ومنها ما يتعلق بفعل السرقة ذاته وذلك كما يلي :-
أولا : الشروط المتطلبة في " السارق " ،
وهي شرطان :-
أولا : نية التملك ، وهو ما يعني توافر القصد الجنائي للسرقة ، فإن انتفى القصد ، لم يتحقق الركن المعنوي لجريمة السرقة ، وذلك حاصل حينما يظن أحد أن الشيء ملكه ، لتشابهه مع ملكه ، كأن يأخذ معطف غيره وفيه مال ، أو أخذ حقيبة الغير وبها أموال بدلا من حقيبته للتشابه في اللون والشكل ..الخ ، ويمكن إثبات ذلك بالقرائن .
ثانيا : انتفاء وجه الحق في أخذ المال ، فتخرج بذلك عدة صور من مناط تطبيق الحد ، وهي تلك التي تتوافر فيها شبهة الحق ومنها (سرقة المال العام – السرقة بين الأصول و الفروع – السرقة بين العمال وأرباب العمل في صورة معينة – سرقة المحتاج للمال من الغني بقدر حاجته وكفايته) فإن لم توجب القطع حدا فإنها توجب عقوبة تعزيرية ، ولهذا أسقط عمر بن الخطاب حد السرقة عام المجاعة ، للضرورة الملجئة ولعموم البلوى.
ثانيا : الشروط المتطلبة في " المسروق "
وفيه أربع شروط :-
أولا : أن يكون المسروق مالا قابلا للتداول والمقايضة ، وثم تخرج صور من الحد منها (السرقات الأدبية ، وسرقة المنافع)
ثانيا : أن يكون متقوما ، ومن ثم يجب تحرير مسألة سرقة خمر الذمي وغيره
ثالثا : أن يكون المال المسروق في حرز [643] ، الحرز هو الموضع الحصين الذي يُحفظ فيه المال عادة ، بحيث لا يعد صاحبه مضيعا لو وضعه فيه[644].
رابعا : النصاب المتطلب للقطع [645]
ثالثا : الشروط التي تتعلق بـ " فعل السرقة ذاته "
أولا : شرط "الخفاء" ، وعليه يجب تحرير مسألة : (جريمة خيانة الأمانة التي تنطوي على ركن التسليم – الغصب الذي هو أشبه بالحرابة)
ثانيا : فعل الأخذ ، بمعنى إضافة الشيء المسروق إلى حوزة السارق ليظهر عليه بمظهر المالك .
فقوله (..فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) تحديد لمحل القطع ، قال الشنقيطي (فجاءت السُّنة وبينت محل القطع، فخصصت اليد بالكف، ولذلك قالوا: إنما خصصنا الكفين بالمسح؛ لظاهر حديث عمار: ( فمسح بهما وجهه وكفيه )[646].
قال ابن رشد اتفق الفقهاء على أن محل القطع هو اليد اليمين من الكوع - أي ويعني مفصل الرسغ - وهو الذي عليه الجمهور وقال قوم الأصابع فقط)[647].
حكم القطع عند تكرار السرقة
قال ابن رشد (فأما إذا سرق من قد قطعت يده اليمنى في السرقة ، فإنهم اختلفوا في ذلك فقال أهل الحجاز والعراق تقطع رجله اليسرى بعد اليد اليمنى ، وقال بعض أهل الظاهر وبعض التابعين تقطع اليد اليسرى بعد اليمنى ولا يقطع منه غير ذلك.
واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة بعد اتفاقهم على قطع الرجل اليسرى بعد اليد اليمنى.
هل يقف القطع إن سرق ثالثة أم لا فقال سفيان وأبو حنيفة يقف القطع في الرجل وإنما عليه في الثالثة الغرم فقط وقال مالك والشافعي إن سرق ثالثة قطعت يده اليسرى ثم إن سرق رابعة قطعت رجله اليمنى وكلا القولين مروي عن عمر وأبي بكر أعني قول مالك وأبي حنيفة)[648].
قوله تعالى (..فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ففي قطع يد السارق دلالة علي أن الجاني قد ارتكب ما يستوجب استئصالها بعد أن أخفق في شكر هذه النعمة ، كما أن في استئصالها ما يجعله عبرة لغيره من الناس حتى يستشعروا عظم الجرم الذي اقترفه وأن الإسلام يمقت هذه الجريمة لهذه الدرجة ، ففي قوله " نَكَالاً " ما يفيد هذا المعنى ، وأن المقصد من القطع فضلا عن العدالة كما في قوله" جَزَاءً بِمَا كَسَبَا " تحقيق الردع بنوعيه الخاص للجاني ، والعام لغيره من الناس ، فيرتدعوا عما فعله الجاني عندما يرون عقوبته ، فيكون التنكيل به عبرة لغيره للأبد ، فهذا التنكيل يردع من تحدثه نفسه بإتيان هذا الفعل المجرم عندما يرى عقوبته ، بما يوفر الطمأنينة للجماعة كلها ،
والواقع يشهد أن عقوبة القطع لم تطبق خلال قرن من الزمان في صدر الإسلام إلا في آحاد الناس ; لأن المجتمع بنظامه والعقوبة بشدتها والضمانات بكفايتها لم تنتج إلا حادثة تكاد تكون فريدة من نوعها ، أي "حادثة المرأة المخزومية التي سرقت وقطعت يدها" .
فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ r فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)[649]
يقول سيد قطب لتوضيح أسباب تشديد الإسلام لعقوبة القطع ليد السارق : " إن المجتمع المسلم يوفر لأهل دار الإسلام على اختلاف عقائدهم ما يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية إنه يوفر لهم ضمانات العيش والكفاية وضمانات التربية والتقويم وضمانات العدالة في التوزيع وفي الوقت ذاته يجعل كل ملكية فردية فيه تنبت من حلال ; ويجعل الملكية الفردية وظيفة اجتماعية تنفع المجتمع ولا تؤذيه ومن أجل هذا كله يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية ، فمن حقه إذن أن يشدد في عقوبة السرقة والاعتداء على الملكية الفردية والاعتداء على أمن الجماعة ومع تشديده فهو يدرأ الحد بالشبهة ; ويوفر الضمانات كاملة للمتهم حتى لا يؤخذ بغير الدليل الثابت.. [650].
فإذا تعطل الإنسان لعدم وجود العمل أو أداته أو لعدم قدرته على العمل جزئيا أو كليا وقتيا أو دائما أو إذا كان كسبه من عمله لا يكفي لضرورياته ، فله الحق في استكمال هذه الضروريات من عدة وجوه :-
أولا من النفقة التي تفرض له شرعا على القادرين في أسرته
وثانيا على القادرين من أهل محلته
وثالثا من بيت مال المسلمين من حقه المفروض له في الزكاة
فإذا لم تكف الزكاة فرضت الدولة المسلمة المنفذة لشريعة الإسلام كلها في دار الإسلام ما يحقق الكفاية للمحرومين في مال الواجدين ; بحيث لا تتجاوز هذه الحدود ولا تتوسع في غير ضرورة ولا تجور على الملكية الفردية الناشئة من حلال
والإسلام كذلك يتشدد في تحديد وسائل جمع المال ; فلا تقوم الملكية الفردية فيه إلا من حلال .. ; فيجعل تفكيرهم يتجه إلى العمل والكسب عن طريقة ; لا إلى السرقة والكسب عن طريقها ..إذن فلماذا يسرق السارق في ظل هذا النظام إنه لا يسرق لسد حاجة إنما يسرق للطمع في الثراء من غير طريق العمل ، ... فإذا سرق السارق ..وهو مكفي الحاجة متبين حرمة الجريمة غير محتاج لسلب ما في أيدي .. فإنه لا يسرق وله عذر ولا ينبغي لأحد أن يرأف به متى ثبتت عليه الجريمة ;... لكن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال ويريد أن ينميه من طريق الحرام .. وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب إذ اليد والرجل كلاهما أداة العمل أيا كان ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل والتخوف الشديد على المستقبل
أما حين توجد شبهة من حاجة أو غيرها فالمبدأ العام في الإسلام هو درء الحدود بالشبهات لذلك لم يقطع عمر رضي الله عنه في عام الرمادة حينما عمت المجاعة ولم يقطع كذلك في حادثة خاصة ; عندما سرق غلمان ابن حاطب بن أبي بلتعة ناقة من رجل من مزينة فقد أمر بقطعهم ; ولكن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم درا عنهم الحد ; وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديبا له .
فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية وارتكب الإنسان الجريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارفة فلا يعود للجريمة مرة ثانية ذلك هو الأساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية )[651].
قوله تعالى (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (39) أوضحت الآية طريقة التوبة من السرقة ، بضرورة إصلاح الأمور ، ورد الأموال المسروقة لأصحابها ، وضمان ما تلف منها ، إذن لابد لقبول توبة السارق "إصلاح الضرر" ، قَالَ رسول الله r (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ)[652] ، فالسارق إن لم يرد الحقوق والأموال لأصحابها أهلكها الله عليه وأتلفها كما في الحديث المذكور ، قال ابن حجر (ظاهره أن الإتلاف يقع له في الدنيا ، وذلك في معاشه أو في نفسه ، وهو من أعلام النبوة لما نرى من المشاهدة ممن يتعاطى شيئاً من الأمرين)[653]، وقال النووي (أي اتلف الله أمواله في الدنيا بكثرة المحن والمغارم والمصائب ومحق البركة وفي الآخرة بالعذاب)[654].
فإذا تعذر على السارق إرجاع الأموال لأصحابها لعدم معرفته بعدم أو تعذر معرفتهم كلهم ، فقد أفتى ابن تيمية في (المال إذا تعذر معرفة مالكه صرف فى مصالح المسلمين عند جماهير العلماء كمالك وأحمد وغيرهما ، فإذا كان بيد الانسان غصوب أو عواري أو ودائع أو رهون قد يئس من معرفة أصحابها ، فإنه يتصدق بها عنهم أو يصرفها فى مصالح المسلمين أو يسلمها إلى قاسم عادل يصرفها فى مصالح المسلمين المصالح الشرعية) ، وقال (فإن حبس المال - دائما – لمن لا يرجى – أي لا صاحب له معروف -، لا فائدة فيه ، بل هو تعرض لهلاك المال واستيلاء الظلمة عليه)[655].
وفي قوله تعالى (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (40) هذا فتح على الناس جميعا أن يأخذوا من خزائن الله ، فلا ينكر عليهم أحد ذلك ، فلا يلجئوا إلى ما حرمه وعنده ما أحله لهم بما يغنيهم عن ذلك ، قال الشعراوي (هذا التعبير يسمى الاستفهام الاستنكاري أو التقريري . . لأن السامع لا يجد إلا جوابا واحدا بأنه يقر ما قاله الله تبارك وتعالى ، فالملك يقتضي مالكا ويقتضي مملوكا ، ويقتضي قدرة على استمرار هذا الملك وعدم زواله ، فكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أنه يقدر ويملك المقدرة ، والإنسان ليست له قدرة التملك ولا المقدرة على استبقاء ما يملكه)[656] ، فإذا استشعر الإنسان ذلك وعلم عجزه طلب من المالك القادر ما يجيب عجزه وحاجته ، فلا يلجأ لغير الله تعالى في ذلك .
قال ابن عاشور ( تضمنت الآية استئنافا بيانيا جوابا لمن سأل عن انقلاب حال السارق - بعد توبته - من العقاب إلى المغفرة بالرغم من عظم جرمه ، بأن الله هو المتصرف في السماوات والأرض وما فيهما، فهو العليم بمواضع العقاب والعذاب ومواضع العفو والمغفرة)[657].
قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها – في الْمَرْأَةِ المخزومية الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ r فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا- فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ وَتَزَوَّجَتْ وَكَانَتْ تَأتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r )[658] .
مدى سلطان التشريع الإسلامي على أهل الكتاب
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)
(الآيات توجه الرسول r إلى المنهج الذي يسلكه معهم حين يأتون إليه متحاكمين؛ بعد ما كشفت له عما تآمروا عليه قبل أن يأتوا إليه وما بيتوه)[659] .
بالنظر في كتب الفقهاء في هذه في مسألة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على غير المسلمين من الذميين والمستأمنين والمعاهدين يتبين أن ثمة اختلاف كبير بين رأي الجمهور و رأي الأحناف في هذا الشأن ، بل إن أراء الجمهور أنفسهم قد انقسمت بصدد مسائل بذواتها ، فضلا عن أن أراء الفقهاء في كل مذهب ،فلم تكن لترسم لنا قاعدة عامة يمكن الاهتداء إليها في كل مذهب ، إذ أنهم يأخذون دائما - شأنهم شأن كل مسألة يعالجونها - بالمنهج التفصيلي ، فيبحثون كل حالة علي حدة ، و لا يحاولون جمع الحالات المشابهة تحت قاعدة عامة [660]، و من ثم لزم عند عرض أراءهم أن نسردها كما قالوها وفقا لكل جريمة علي حدة ، مع محاولة جمعها تحت قاعدة عامة – بقدر الإمكان - ، ولكننا لن نعرض لها في هذا البحث لأنه ليس متعلق بالفقه الإسلامي بقدر تعلقه ببيان أحكام الشريعة المستنبطة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه r ، والاستعانة في ذلك بأقوال المفسرين والفقهاء
وعلى ذلك يمكن القول بعد الاستقراء أن أغلب الفقهاء يطبقون أحكام الإسلام علي الجرائم التي يرتكبها المسلمون الذميون والمستأمنون داخل دار الإسلام علي السواء ، طالما كان مساسها بالمجتمع مباشرا ، فيقتصون من القاتل حتى ولو كان مستأمنا ، ويقطعون يد السارق كذلك في كل الأحوال ، أما تلك الجرائم التي لا يؤمنون بأنها معصية معاقب عليها أو التي يكون مساسها بالمجتمع المسلم غير ظاهر ، متى لم يعلنوا بها ، وليس فيها تعدي علي الأخرين - كالزنا وشرب الخمر والذبح لغير الله وطقوسهم التعبدية ، فإن الفقهاء اختلفوا في شأنها ، وفي ذلك تفصيل ليس محله هذا البحث ، ودون خوض في آراء الفقهاء يمكن القول بأن المعيار الذي اعتمد عليه الفقهاء في تطبيق الشريعة الإسلامية متى صلة المسألة محل النزاع أو محل التجريم بالمجتمع المسلم ، فكل ما يؤذي المجتمع المسلم في شعوره يطبقون عليه أحكام الشريعة ، وكل ما يتم ارتكابه من معصية في الخفاء أي في محل إقامتهم دون علانية وليس فيه مساس بالمجتمع المسلم فإنه يتخففون في شأنهم ويتركونهم وشأنهم ، أخذا بقاعدة ، أمرنا بتركهم وما يدينون ، ولكن لهذه القاعدة عدة تحفظات ، لاسيما وأنهم يحرفون ما يدينون به من أحكام ، وتفصيل ذلك سوف نعرضه في هذا البحث .
ويرتبط بهذه المسألة مسألة أخرى وهي نطاق القاعدة الجنائية الإسلامية خارج حدود دار الإسلام ، أي إذا ارتكبت جريمة خارج سلطان الدولة الإسلامية ، ثم دخل الجاني لدار الإسلام التي تطبق عليه فيها الشريعة الإسلام ، هل يعاقب أم لا وفقا لأحكامها ، فأغلب الفقهاء يعالج هذه المسألة بالقول بأنه نظرا لتعذر تطبيق أحكام الإسلام خارج دار الإسلام ، فإن الشريعة الإسلامية من الناحية التكليفية شريعة عالمية ، لكن من حيث الواقع والضرورات العملية شريعة إقليمية [661]، كما يعالج أبو يوسف هذه المسألة إذ يقول : "الأصل في الشرائع هو العموم في حق الناس كافة إلا أنه تعذر تنفيذها في دار الحرب لعدم الولاية ، وأمكن في دار الإسلام فلزم التنفيذ فيها " [662]، فالقاعدة عندهم هي جريان أحكام الإسلام في دار الإسلام فقط ولا تسري في غيرها ، ومن ثم فكل معصية ترتكب في غير دار الإسلام لا يعاقب مرتكبها عليها وفقا لمنهج الإسلام ، حتى لو دخل الجاني بعد ذلك دار الإسلام لتعذر التحقيق فيها خارج دار الإسلام ، أي أنهم يأخذون بالوجه السلبي لمبدأ إقليمية القاعدة الجنائية سواء بالنسبة للمسلم أو الذمي أو المستأمن .
مثال ذلك : المسلم إذا زنا في دار الحرب أو سرق أو شرب الخمر أو قذف مسلما لا يؤخذ بشيء من ذلك لأن الإمام لا يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب لعدم الولاية ، ولو فعل شيئا من ذلك ثم رجع إلى دار الإسلام لا يقام عليه الحد أيضا لأن الفعل لم يقع موجبا أصلا [663]، وذلك مع الإثم الموجب للعقوبة في الآخرة .
المطلب الأول : أسباب تملص أهل الكتاب من تطبيق حكم الله من شريعتهم
المطلب الثاني : إستناد القاضي المسلم في التحكيم الدولي إلى " القسط" المتعارف عليه في الشريعة الإسلامية
المطلب الثالث : جواز احتكام أهل الكتاب غير الذميين إلى حكامهم في نزاعاتهم الخاصة
المطلب الرابع : مسئولية العلماء في حفظ أمانة الشريعة التي تقوم عليها الدولة العادلة
المطلب الخامس : مقاصد الشرع الضرورية ثابتة ومرعية في كل ملة
المطلب السادس : توارث أمانة الأحكام المرعية عبر الزمان بلا نسخ
المطلب السابع : الشريعة الخاتمة كاشفة عن حكم الله الذي ضاع بين الأمم السابقة
أسباب تملص أهل الكتاب من تطبيق أحكام الله التي في شريعتهم
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) (41) ألمح الشيخ الشعراوي أن قوله تعالى (لاَ يَحْزُنكَ) نهي تضمن توضيحا من الله لرسوله بأنهم لم يسارعوا في الكفر تقصيراً منه r ، وقد أدى واجبه نحوهم بالبلاغ) [664]، وإنما أصل المسألة أنهم لم يؤمنوا ثم كفروا ، إذ لو كان الأمر كذلك لقال الله «يسارعون إلى الكفر» لكنهم لم يؤمنوا ابتداءً ، يقول الشعراوي (والحق يريد أن يوضح لنا : أنهم يسارعون في دائرة الكفر ، ويعلمنا أنهم في البداية في الكفر ، ويسارعون إلى كفر أشد) [665].
قوله تعالى (..مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) (41) يقول ابن عاشور (ولعل المنافقين ممن يبطنون اليهودية كانوا مشاركين لليهود في هذه القضية)[666]، فلم يتكلفوا غير القول وإدعاء الإيمان ، وما أسهل ذلك ، وهم من العمل بعيدون كل البعد ، فالله لم يثبت لهم الإيمان بذلك الإدعاء ، بل يجب السمع والطاعة لله ولرسوله ، وتطبيق شرعه ، لكن ولأن قلوبهم لم تؤمن فسوف تجد منهم أمارات وعلامات الكفر كالتالي :-
- السماع للكذابين من رؤسائهم وقبول قولهم ، وتداوله ونشره بين الناس .
- تحريف أحكام الله لتوافق أهوائهم .
- يبيعون ذممهم بأكلهم للسحت وقبول الرشاوى .
في قوله تعالى (وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) تبين الآية موقف أهل الكتاب من تحريف أحبارهم لأحكام الله تعالى ، وسماع جمهور الناس لهذه الافتراءات والأكاذيب على الله تعالى وتصديقهم لها أكثر من تصديقهم للنبي r ، فهم لا يتحرون عن الحق ، بل يستلطفون الكذب ، ويثقل الحق علي قلوبهم .
ففي الآية تصريح بأهم نقاط ضعف اليهود ، وهو تصديق الإشاعات والإفتراءات ، فذلك هو السبب الذي ضلوا به ، وبه أضلوا غيرهم ، حيث أنهم لا يبحثون عن الحق ، بل يقبلون إلا ما يوافق هواهم وإن كان كذبا ، أي (يسمعون الكذب من رؤسائهم ويقبلونه منهم ، فالسمع المراد منه القبول)[667] .
قال الثعالبي (يراد به –بالذين يسارعون في الكفر- اليهودُ ، ويحتمل أن يراد به اليهود مع المنافقين؛ لأن جميعهم يَسْمَعُ الكذبَ ، بعضَهُم مِنْ بعض ، ويقبلونه) ؛ (ولذلك جاءَتْ عبارة سَمَاعهم في صيغَةِ المبالغة؛ إذِ المرادُ أنهم يُقْبِلُونَ ويستزيدون من ذلك)[668] .
وقد جاء في وصفهم أنهم سماعون للكذب مطلقا غير معطوف ولا مقيد برشوة أو بباطل كناية على عدم دقتهم في التحقق من الأخبار ، وأن هذا دأبهم ، بعدم الاحتراز من تلفيق الأخبار ، والمجتمع الذي يحصل فيه ذلك يسهل اختراقه وتأليبه ، واللعب بعواطفه من خلال التأثير الإعلامي ونشر الأخبار الكاذبة ، فمن كان هذا شأنه فلا ينضبط بقاعدة ولا ينتظم على سلوك معين ، فهو الدمى التي تحركها الإشاعات ، وبالتالي يكثر فيه الظلم والافتراء على الله وعلى أهل الحق ، ويترتب على ذلك (أَنْ يَحْكُمَ فِي دِينِ اللَّهِ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ دُونَ إعْمَالِ نَظَرٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ بِدَلِيلٍ)[669] ، وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا"
ولذلك قال رسول الله r (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)[670] أَي (تُحَدِّثُ بِأَمْرٍ عَلَى مَا تَظُنُّهُ فَتَنْقُلُهُ عَلَى أَنَّك قَدْ عَلِمْته)[671].
وقَالَ رسول الله r (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ)[672] ، قال الصنعاني (إنما كان الظن أكذب الحديث لأن الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمارة ، وقبحه ظاهر لا يحتاج إلى إظهاره ، وأما الظن فيزعم صاحبه أنه استند إلى شيء فيخفى على السامع كونه كاذبا بحسن الغالب فكان أكذب الحديث)[673] ، (وَمَعْنَاهُ أَنْ تُعَادِيَ أَهْلَكَ وَصَدِيقَكَ عَلَى ظَنٍّ تَظُنُّهُ بِهِ دُونَ تَحْقِيقٍ)[674].
قوله تعالى (سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) بيان لسبب الضلال والإضلال ، بتلفيق الأخبار والكذب على الرسول والمسلمين ، ذلك أن ضعاف النفوس لا يتحرون عن الحق ، ولا يكترثون لمصدر المعلومة التي تصل إليهم ، فهم متبعون لكل ناعق ، ومروجون لأي إشاعة بصرف النظر عن ماهية الخبر وصدقه أو كذبه ، ينقلون ما يقال لهم من أخبار كاذبة وإشاعات مغرضة ، رغم علمهم أن ما ينقلونه ليس عن أناس معروفون حق المعرفة ، بل يسمعون من أناس بينهم وبين النبي r خصومة .
وقد سماهم العلماء (يعني اليهود الذين تجافوا عن مجلس الرسول r ) [675]، ويعزى هذا الجفاء أن بينهم وبين النبي r على وجه الخصوص وأهل الحق على وجه العموم خصومة حالت بينهم وبين مقابلتهم للنبي r ، وهو ما يعني أن اليهود ومن على شاكلتهم صموا آذانهم عن مجالسة النبي r وأصحابه ، واتصلوا بآخرين –أي المنافقين- الذين لا يأبهون لمصالحهم ولا لمصلحة هذا الوطن ، بل يتبعون ما تمليه عليهم قوى الظلام من خطط وأهداف خبيثة ، يتبعونهم رغم إعلان تلك القوى العداوة والبغضاء للنبي r ومجاهرتهم له بذلك ، لكنهم يستمعون لهم ولنصائحهم وإرشادهم خفية ، ولا يعلنون عن اجتماعهم معهم حتى تظل بينهم وبين النبي r وأصحابة "تقية" ، وهو ما يعني أن قوى الشر تحارب أهل الحق من وراء جدر ، فيتخذون من ضعاف النفوس عرائس يحركونها بما يخدم أغراضهم الدنيئة .
والواجب على المسلمين ألا يعاونوا هؤلاء على الشر بنشر تلك الشائعات ، فالذي يحدث بالكذب دون أن يتحقق من صدق الخبر فهو كاذب مثلهم ، وإن لم يكن عامدا ، يقول النبي r (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) [676]، قال المناوي (والكذب الإخبار عن الشئ على غير ما هو عليه وإن لم يتعمد)[677] ، قال ابن الجوزي (وذلك لأن من حدث بكل ما سمع من غير أن يميز بين ما تقبله العقول مما لا تقبله أو من يصلح أن يسمع ما يحدث به ممن لا نسب إلى الكذب)[678].
قال تعالى (يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ) واللفظ سيق لأجل مناسبة تحكيمهم النبي r في شئونهم الخاصة ، وذلك حين دب نزاع بين اثنين أو أكثر من أهل الذمة ، وليس أحد من المسلمين طرف فيه ، ولم يكن لجوئهم إليه r إيمانًا به وتصدبقا لما جاء به ، وإنما تحايلا على سلطانه أن يطبق عليهم شرع الله قهرًا وقسرًا ، فبادروا باللجوء للتحكيم إليه لا ليمضي شرعه عليهم كرهًا، فلجؤوا إليه ليحملوه على ما يوافق هواهم ، فلا ينزل حكم الله عليهم ، فتكون لهم سابقة يحكم بعد ذلك علي أساسها ، وكأنهم يساومونه بأن يخضعوا لحكمه ظاهرًا على أن يطبق عليهم ما يوافق هواهم عملياً .
قال ابن عاشور (وأحسب أن التجاء اليهود إلى تحكيم الرسول r في ذلك ليس لأنهم يصدقون برسالته ولا لأنهم يعدون حكمه ترجيحا في اختلافهم ، ولكن لأنهم يعدونه ولي الأمر في تلك الجهة وما يتبعها ، ولهم في قواعد أعمالهم وتقادير أحبارهم أن يطيعوا ولاة الحكم عليهم من غير أهل ملتهم ، فلما اختلفوا في حكم دينهم جعلوا الحكم لغير المختلفين لأن حكم ولي الأمر مطاع عندهم ، فحكم رسول الله حكمًا جمع بين إلزامهم بموجب تحكيمهم ، وبين إظهار خطئهم في العدول عن حكم كتابهم)[679] .
فقد روي في أسباب النزول حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ r بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا ، فَدَعَاهُمْ r فَقَالَ هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ قَالُوا نَعَمْ فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ قَالَ لَا وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ نَجِدُهُ "الرَّجْمَ" وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ قُلْنَا تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ) إِلَى قَوْلِهِ (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ) يَقُولُ ائْتُوا مُحَمَّدًا r فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ) ، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) ، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ) فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا)[680] .
قال تعالى (وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا) والمقصود اختبارهم بـأوامر الشرع وتكاليفه ، قال تعالى (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)(الأنبياء/35) ، فالابتلاء لا اختيار فيه للإنسان ، فهو محض قدر ، إنما يبدأ الابتلاء بقبول أو عدم قبول القدر ، فالقبول بأحكام الشريعة أو الرفض لها هو اختيار الإنسان ، فإذا رفضها كشف الله عما في قلبه من نفاق إن كان يكتمه أو كفر وإن أظهر خلافه ، قال القطان (ومن يُرد الله اختباره في دينه فيُظهر الاختبارُ ضلالَه وكفره ، فلن تملِك له شيئاً من الهداية ، فهؤلاء المنافقون واليهود قد أظهرت فتنةُ الله لهم مقدارَ فسادهم ، فهم يقلبون الكذب ويحرفون كلام الله، اتباعاً لأهوائهم ومرضاة رؤسائهم)[681].
فاليهود ورد في كتابهم آية الرجم ، لكن لم يعلنوها ، بل عملوا بخلافها ، بينما أراد الله من أمة الإسلام أن تطبق حد الرجم على الزناة المحصنين ، رغم أن هذا الحد لم يثبت في كتاب الله ، وإنما ثبت في سنة الله تعالى العملية ، لتظل هذه السنة محفوظة ومتوارثة ، ولا ينكرها أحد ، وبالرغم من أن هذا الحد ليس منصوصا عليه في القرآن إلا أن كل علماء المسلمين يجمعون على ثبوته ، ولا خلاف بينهم في ذلك ، ليستبين الفارق بين علماء الإسلام الذين يدعون لتطبيق شرع الله ولا ينكرون حكما منه واحدا ، وبين علماء اليهود الذي يخفون شرع الله بالكلية ويبدلونه ، بهذا استبانت الحكمة في عدم النص على هذا الحد ليستبين الفارق بين أهل الملتين في التمسك بشرعهما .
قال تعالى (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (أي سبق لهم في علم الله ذلك ، وأن يكونوا مدنسين بالكفر)[682] ، قال الشعراوي (كان ذلك كونا)[683] أي أنه لم يرده أن يطهرهم "كونًا" وقدرا ، (لكنه أراد الطهر لهم شرعا ودينا)[684]، قال تعالى (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) (الزمر/7)
والمراد (لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الكفر حين كتموا أمر الرجم)[685]، بمعنى أنهم لما أضمروا الكذب والنفاق في قلوبهم فقد تجافوا عن الحق فكيف يهديهم الله إليه وقد أعرضوا عنه واستكبروا ، قال تعالى (فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ) (النحل/22) ، وبالتالي كان الجزاء من جنس العمل بأن يمدهم الله في طغيانهم يعمهون.
قال تعالى (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) جاء وصفهم هنا بسماعهم للكذب مقترنًا بأكلهم السحت ، وجاء مقيد بعد أن أُطلق - ابتداءً - في الآية السابقة ، وذلك يعني أن هذه الصفة وإن كانت نابعة ابتداء من عدم دقتهم في التحري ، وغلبة الهوى عليهم ، فإنهم بعد أن احترفوا نقل الأخبار الكاذبة اتخذوها "صنعة" ، فدأبوا على الرشوة ، وأكل أموال الناس بالباطل ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (لعن رسول الله r الراشي والمرتشي في الحكم)[686] ، قال الحسن : (يسمعون الكلام ممن يكذب عندهم في دعواه فيأتيهم برشوة فيأخذونها)[687].
(وسُمي سحتًا؛ لأنه يسحت البركة ويستأصل المال)[688]، وقد قيل «من جمع المال من نهاوش[689] ، أذهبه الله في نهابر» [690] ، أي مهالك ، والمراد أن من أخذ شيئاً من غير حله له كنهب أذهبه الله في غير حله)[691].
فمن كان هذا شأنهم فكيف يعول عليهم في حمل أمانة الدين للأجيال القادمة ، وكيف يحملون الأمانات ، وقد خانوا عهد الله ورسوله ؟ قال رسول الله r (لا إيمان لمن لا أمانة له و لا دين لمن لا عهد له)[692] ، فلا تؤمن خيانتهم ، وغدرهم ، ولا يؤتمنون على عهد ولا مسئولية .
قال الإمام ابن تيمية (فإذا تعذر إقامة الواجبات –فروض الكفاية-من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس)
يقصد بذلك أن المفسدة لا يؤمن حصولها عند الاستعانة بهم في تدريس العلم للطلاب أو أعمال الطب والتمريض أو في توكيلهم على الحراسة مع الجند كما استعان النبي r بهم في تأمين ظهره في غزوة الأحزاب فخانوه ..وهكذا ، كأعمال الزراعة لما ترك عمر بن الخطاب يهود خيبر على الأرض التي استعملهم عليها رسول الله r زمنا ، لانشغال المسلمون بالجهاد ، فخصص لهم الانتفاع بزراعتها على أن يعطوا نسبة من خراجها لبيت مال المسلمين ، فهذه الأعمال قد يتعذر تحصيلها بتمامها دون الاستعانة بهم ، فأجاز الإمام الاستعانة بهم مع الحذر من أهوائهم وطريقتهم في قبول الرشى وأكل السحت وأموال الناس بالباطل ، باعتبار أن جلب المصلحة مع تقليل المفسدة قدر الإمكان مقصد من مقاصد الشرع .
استناد القاضي المسلم عند التحكيم الدولي إلى "القسط" المتعارف عليه في الملل المرعية
إذا كان التجاء عناصر أجنبية لتحكيم القاضي المسلم جائزا – وهم الذين لا يخضعون لولاية دار الإسلام أي ليسوا أهل ذمة ولا من رعاياها - ، بمعنى قبول القاضي المسلم المنازعة التحكيمة لتدخل في اختصاصه تحكيميا – متى كان التحكيم فيها جائزًا- ، فإن قواعد الإسناد تقتضي تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في هذه الحالة على طرفي النزاع ، باعتباره قانون البلد الذي لجأ الطرفان للاحتكام إليه ، ويحصل ذلك غالبا عندما يتشاجر رعايا دولتين أجنبيتين ، ويكون محل الخلاف أرض مسلمة ، فليجأن إلى القاضي المسلم ليحل لهما نزاعاتهما سواء تعلقت البيع أو الزواج أو الاستيراد والتصدير ..أو تضمنت وقوع جناية من أحدهما على الآخر ...الخ .
وهو الأمر الذي ينبسط –كذلك- على الشكل الكونفدرالي للدولة المعاصرة [693]، حيث تحتفظ كل ولاية من ولايات الاتحاد بطابعها وسلطانها التشريعي والقضائي ، وتتحد الولايات جميعا من الناحية العسكرية في مسائل الأمن القومي[694] ، كما كان عليه الحال في دولة النبي r في المدينة المنورة ، حيث كان اليهود أهل "موادعة"، أي "سلم" ولم يكونوا أهل "ذمة" ، إذ لم تفرض عليهم "الجزية" ، وإنما عقدوا مع النبي r عقد "صلح" بمقتضاه يتم حماية المدينة عسكريًا واشتراك اليهود في تلك الحماية ، لكنهم لما خانوا العهد مع النبي r وتحالفوا مع قريش -ضده- عسكريًا أجلاهم منها بعد غزوة الأحزاب ، فالنبي r كان يتخذ لإدارة المدينة المنورة الطابع الشبيه بالنظام "الكونفدرالي" - بالمفهوم السياسي المعاصر - مع اليهود- باعتبارهم أحد الولايات التابعة للمدينة المنورة ، أي احتفظ لهم بالحق في إدارتها ، كما احتفظ لهم بالحق في أن يحتكموا في أمورهم ونزاعاتهم الخاصة لأحكام دينهم وشرعهم ، لكنهم لما حرفوا هذه الأحكام كانت الحاجة ملحة لإسناد التحكيم في نزاعاتهم لأحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها قانون بلد النزاع عند عدم وجود نص يحكم نزاعاتهم ، وهو ما حصل حين طمسوا حكم الله وأخفوا آية الرجم ، لكن شريعة الله ثابتة ومرعية في كل ملة ، وقد نسخ الإسلام شريعتهم المحرفة بشريعة لم ولن يمسها التحريف أو التبديل أو النسيان .
قال تعالى (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا) (42)إفادة بأن لجوئهم إليه تحكيميا – في الفرض المتقدم ذكره- هو أمر جوازي سواء منهم أو منه r ، وهو ما يعني بدلالة الإشارة أن أطراف النزاع ليسوا خاضعين لسلطان الشريعة الإسلامية لأنهم ليسوا أهل ذمة بل أهل موادعة ، وإلا فإن اللجوء إلى حكم الله ورسوله واجب على كل مسلم ومسلمة ، والخضوع لسلطان دولة الإسلام واجب على كل ذمي ومستأمن ، وهو ما يعني –كذلك- أن هؤلاء ليسوا أهل جزية ، لأنهم ليسوا غير خاضعين ابتداء لسلطان الشريعة الإسلامية ، إنما لجؤوا إلي التحكيم اختياريا وليس جبارا .
قال العلماء (هَذا الحُكْمُ خَاصٌّ بِالمُعَاهِدِينَ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَبِالنِّسْبَةِ لِلمُعَاهِدِينَ لاَ يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ أَنْ يَحْكُمُوا بَيْنَهُم (كَالأَجَانِبِ المُوجُودِينَ فِي بِلاَدِ المُسْلِمِينَ) ، وَإنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِمْ ، بَلِ المُسْلِمُونَ مُخَيَّرُونَ فِي ذَلِكَ حَسْبَمَا يَرَوْنَ فِيهِ المَصْلَحَةَ ، وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَيَجِبُ الحُكْمُ بَيْنَهُمْ إذَا تَحَاكَمُوا إلَى المُسْلِمِينَ ، لأنَّ مَنْ أُخِذَتْ مِنُهُ الجِزْيَةُ تَجْرِي عَلَيهِ أَحْكَامُ الإِسْلاَمِ ، فِي البُيُوعِ وَالمَوَارِيثِ ، وَالعُقُودِ ، عَدَا بَيْعِ الخَمْرِ وَالخِنزِيرِ) [695]، قال القرطبي (هذا تخيير من الله تعالى..، معناه أنهم كانوا أهل موادعة لا أهل ذمة؛ فإن النبي r لما قدم المدينة وادع اليهود، ولا يجب علينا الحكم بين الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة، بل يجوز الحكم إن أردنا)[696].
قال النحاس (من العلماء من قال هذه الآية محكمة والإمام مخير إذا تحاكم إليه أهل الكتاب إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم وردهم إلى حكامهم ، هذا قول الشعبي وإبراهيم النخعي ... ومن العلماء من قال إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام فعليه أن يحكم بينهم بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله ولا يحل له أن يردهم إلى حكامهم وقائلوا هذا القول يقولون الآية منسوخة لأنها إنما أنزلت أول ما قدم النبي المدينة واليهود فيها يومئذ كثير فكان الأرعي لهم والأصلح أن يردوا إلى حكامهم ، فلما قوى الإسلام أنزل الله عز وجل وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، فمن من قال بهذا القول من الصحابة ابن عباس وجماعة من التابعين والفقهاء )[697]
بيد أن الصحيح هو لكل رأي مجال تطبيقه المختلف عن الآخر ، وذلك بحسب الشكل الذي تكون عليه الدولة ، فقد سبق وأن شرحنا النظام الكونفرالي ، أما في النظام السياسي الفيدرالي ، فإن الولايات التابعة لهذا النظام وإن كانت تستقل بقوانينها عن الاتحاد ، فإنه يجب ألا تتعارض قوانين الولاية مع القانون الحاكم للاتحاد كله ، ولهذا يترتب على ذلك خضوع الجميع للدستور الفيدرالي ، بينما يقتصر النظام السياسي الكونفدرالي على توحيد السياسات الخارجية والعسكرية دون التدخل في الشئون الداخلية لدول الاتحاد ، ولذلك يمكن القول بأن دولة النبي r في المدينة المنورة تحولت من النظام الكونفدالي إلى نظام الدولة البسيطة بعد غزوة الأحزاب وإجلاء يهود المدينة منها ، ثم لم يلبث هذا النظام إلا فترة قصيرة تحول بعدها نظام الدولة إلى النظام الفيدرالي بعد فتح مكة.
ثم توسعت الأمصار ، وتسعت خلافة النبي r لتمتد إلى أقطار الأرض كلها لاسيما في زمن عثمان وما بعده ، فجمعت بين النظامين المركزي واللامركزي ، ففي بعض الأقطار أخذت بالنظام الفيدرالي حيث الاتحاد المركزي ، وفي البعض الآخر أخذت بالنظام شبيه بالنظام الكونفدرالي الذين يستقل فيه الكفار بحكم بلادهم مع الاتحاد العسكري بين البلدين لظروف معينة قدرها الخليفة أو الإمام آنذاك ، كما حصل في كثير من الولايات الأوروبية مثلما سمح محمد الفاتح لإمارة فلاد الثالث، بالخضوع لسلطة الدولة العثمانية مع الإبقاء على حكم ذاتي إداري تحت السيطرة العثمانية ، لكن انفلتت الأمور منه بعد ذلك ، وخرج فلاد عن السيطرة ، ما يعني أن هذا النظام هو نظام مؤقت لسياسيات شرعية لابد وأن يؤول إلى نظام ثابت ومستقر في المستقبل .
ومن أمثلة ذلك ما يلي : -
- الدولة الإدريسية: تأسست في المغرب الأقصى في عام 788 ميلادي، وكانت أول دولة مستقلة بشكل شبه كامل عن الخلافة العباسية.
- الدولة الرستمية: قامت في الجزائر الحالية واستمرت حتى أوائل القرن العاشر الميلادي.
- الإمارات البرغواطية: ظهرت في المنطقة التي تُعرف حاليًا بالمغرب.
- الدولة الطاهرية: كانت دولة مستقلة في خراسان خلال الحكم العباسي، وتمتعت بحكم شبه مستقل.
- الدولة الصفارية: أسسها يعقوب بن الليث الليثي في فارس وأصبحت قوة إقليمية تنافس الخلافة العباسية.
- الدولة السامانية: حكمت أجزاءً من آسيا الوسطى، مثل بخارى وسمرقند، وكانت قوة مؤثرة في المنطقة.
- الإمارات الزيارية: أسسها شمس المعالي قابوس بن وشكمير، وظهرت في طبرستان في أواخر القرن العاشر الميلادي.
- الدولة البويهية: حكمت بغداد ونفوذ الخلافة العباسية من منتصف القرن العاشر حتى بداية القرن الحادي عشر الميلادي.
- اليمن: تُعدّ أول دولة استقلت عن الخلافة العباسية، ويُشار إلى تاريخها بالقرن الثامن الميلاد .
مما تقدم يزول الإشكال الذي وقع فيه كثير من المفسرين ، وتضاربت أقوالهم في مسألة التحكيم بينهم هل هو واجب أم غير واجب ، في حين أن مفترضات المسألة تختلف بحسب الاتفاق الدستوري المنشيء للكيان الذي ينتمي إليه هؤلاء ، وما إذا كانوا يخضعون ابتداء لسطان الدولة المسلمة أم لا يخضعون إلا بقدر معين أو لا يخضعون إطلاقا ، أي بحسب النظام الدستوري يحكم العلاقة بين الدولة المسلمة ورعاياها أو أتباعها أو الموادعين معها .
يقول ابن عاشور (دل الاستقراء على أن الأصل في الحكم بين غير المسلمين إذا تنازع بعضهم مع بعض أن يحكم بينهم حكام مِلتهم) ، وهذا ليس الأصل كما أوضحنا في الفرض الذي سيقت ألفاظ الآيات من أجله ، ولا يجوز تعميمه على غير المسلمين دون نظر هل هم أهل ذمة أم أهل موادعة؟ ، فيحمل قصده بذلك في نزاعاتهم الخاصة أي المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث (الأحوال الشخصية) وذلك يتعلق بالذميين المتحدين في الملة .
ويقول ( فإذا تحاكموا إلى حكام المسلمين ، فإن كان ما حدث من قبيل الظلم كالقتل والغصب وكل ما ينتشر منه فساد فلا خلاف أنه يجب الحكم بينهم "وعلى هذا فالتخيير الذي في الآية مخصوص بالإجماع" ، وإن لم يكن كذلك كالنزاع في الطلاق والمعاملات، فالتخيير جائز)[698] ، يقصد بذلك النزاعات غير المتعلقة بالأحوال الشخصية ، فإذا خرجت من هذه الدائرة إلى دائرة الجنايات والأموال ، فهنا يمتد إليهم سلطان الدولة الإسلامية وتطبق عليهم الشريعة الإسلامية ، لرفع الظلم عن المظلوم ، ولا تخيير عندئذ ، فولاية القضاء الوطني على مثل هذه النزاعات واجبة ، ومبسوطة عليهم متى لجأوا إليه بالشكاية إن كانوا ذميين أو لجأوا إليه بالاتفاق إن كانوا أهل موادعة .
وقد أصاب ابن عاشور وغيره من العلماء عندما أوضح وجهة النظر ، وجعل المعيار الحاكم لذلك هو صفة المحتكم ، ومدى خضوعه لسلطان الدولة ابتداء أم لا ، فجعل لأهل الذمة أحكامهم ، ولأهل الموادعة أحكامهم ، فقال (ولذلك من العلماء من قال: "حكم هذا التخيير محكم غير منسوخ" فقد كان اليهود بالمدينة يومئذ أهل موادعة ولم يكونوا أهل ذمة ، فالتخيير باق مع أمثالهم ممن ليس داخلا تحت ذمة الإسلام، بخلاف الذين دخلوا في ذمة الإسلام ، فهؤلاء إذا تحاكموا إلى المسلمين وجب الحكم بينهم ).
ورد على القول بنسخ حكم التخيير (.. أما القول بأن"التخيير منسوخ بقوله تعالى (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) [المائدة:49]" فمردود عليه بأن (سياق الآيات يقتضي أنها نزلت في نسق واحد ، فيبعد أن يكون آخرها نسخا لأولها)[699] .
قوله (..وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا..) (42) قال ابن عاشور (فذلك تطمين للنبي r لئلا يقول في نفسه: كيف أعرض عنهم، فيتخذوا ذلك حجة علينا، يقولون:ركنا إليكم ورضينا بحكمكم فأعرضتم عنا فلا نسمع دعوتكم من بعد.وهذا مما يهتم به النبي r لأنه يؤول إلى تنفير رؤسائهم دهماءهم من دعوة الإسلام فطمنه الله تعالى بأنه إن فعل ذلك لا تنشأ عنه مضرة)[700]
بل الحاصل على العكس من ذلك ، فإن الإعراض عن نظر دعواهم فيما يتحكمون إليه في شريعتهم لعلة أنهم لا يخضعون لسلطان المسلمين في نزاعاتهم الخاصة أو لأنهم موادعين وليسوا بذميين في سائر النزاعات ، حاصله أن يستبين لهم الفارق بين حالهم بغير الإسلام ، وحالهم عندما ينعمون بتطبيق شرعه عليهم ، فتحصل لهم البركة والمصلحة ، كما في قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (66) أي لو أنهم التمسوا من الإنجيل والتوراة قواعد العدالة التي لم يطلها التحريف لأرشدتهم للإسلام ، فإذا آمنوا نالوا البركة في الحياة الدنيا ، والنعيم في الآخرة ، فجمعوا بين الحسنيين .
قوله (..وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (42) إشارة إلى وجوب الاحتكام دوما إلى قواعد العدل بين الناس ، وهي التي بينتها الشريعة ودعت إليها ، وهي –أيضا- معروفة من قبل عند من لديهم فطر سليمة ، ومرعية في كل ملة ، أيْ (بِالْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ)[701]
ولذلك عندما تولى أبو بكر الصديق الخلافة قال (الضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه)[702]، أي أن الاحتكام إلى قواعد العدل بين الناس والإنصاف بينهم من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية ، وإعلاء تطبيق هذه القواعد على أي مصلحة واجب ، وهو تطبيق لحكم الله ، وهو –كذلك- باب رحب لتعريف الناس بشريعة الإسلام ، فيرحبوا بها ، لأنها تُنصف المظلوم وتضع الظالم .
يقول النبي r (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا)[703]، وقوله (المقسطون على منابر من نور) (هم الأئمة العادلون يقال أقسط إذا عدل فهو) [704]، قال ابن حجر (وأحسن ما فسر به "العادل" الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط ، وقدمه في الذكر لعموم النفع به)[705].
ومثال ذلك ما روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) الْآيَةُ قَالَ كَانَ بَنُو النَّضِيرِ إِذَا قَتَلُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ أَدَّوْا نِصْفَ الدِّيَةِ وَإِذَا قَتَلَ بَنُو قُرَيْظَةَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ أَدَّوْا إِلَيْهِمْ الدِّيَةَ كَامِلَةً فَسَوَّى رَسُولُ اللَّهِ r بَيْنَهُمْ) [706]، أي (كان بنو النضير إذا قتلوا أحداً من بني قريظة دفعوا لهم نصف الدية، وإذا كان العكس فإنهم يدفعون الدية كاملة، فكان هناك فرق بين القبيلتين، وأن القتيل من هذه القبيلة يكون ديته نصف الدية، وإذا كان من هذه القبيلة يكون الدية كاملة، فالرسول r عندما حكم بينهم سوى بينهم وجعل الدية واحدة، وأنه لا فرق بين قبيلة وقبيلة)[707].
جواز احتكام أهل الكتاب إلى حكامهم فيما يخص نزاعاتهم
قال تعالى (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) (43)
محل الاستنكار - هنا - هو الاحتكام إليه فيما يتعلق بنزاعاتهم الخاصة -التي سمحت الشريعة الإسلامية لهم بالاحتكام فيما بينهم بما يتفقون عليه من قواعد - بما ليس فيه مساس بالصالح العام أو النظام العام .
فالغاية من مرفق القضاء هو إقامة العدل بين الناس ، والله تعالى هو أعدل الحاكمين ، فلا عدل إلا في شرع الله ، والعدل مرعي في كل شريعة وكل ملة ، وقد استقر علماء الفقه على قاعدة أصولية بأن شرع ما قبلنا هو شرع لنا ما لم يأتي دليل بنسخه ، ومن ثم فإن نظر أهل الكتاب لما في التوراة والإنجيل من قواعد تحقق العدالة بين الناس ، لا يصادم شرع الله ودين الإسلام في شيء ، لأن الذي وضع هذه القواعد والأحكام هو الله سبحانه ، وإن جاز القول باختلاف الأحكام التفصيلية لشريعة الإسلام عن الشريعة الموسوية أو العيسوية ، فإن مقاصد جميع الشرائع واحدة ، فإذا تحققت الغاية أي (العدالة) فثم شرع الله .
وعليه فإن احتكام أهل الكتاب لقواعد العدالة والمنطق فيما بينهم وبين أنفسهم استنادًا إلى شريعتهم بخصوص نزاعاتهم الخاصة لا يتعارض مع مبادئ الإسلام طالما أن هذه القواعد تتسق مع ما أقره الإسلام وقرره علماء الشريعة ، أي طالما أنها لا تتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية التي أقرتها على المسلمين وغير المسلمين ، فلا غرو أن يحتكموا لشريعتهم وأهل ملتهم، أي مالم يكن أحد أطراف المسألة المعروضة مسلما من رعايا الدولة المسلمة ، فعندئذ تطبق عليهم أحكام الشريعة الإسلامية لاختلاف ملة المتحاكمين أو المتنازعين .
أما إذا خرجت المنازعة عن هذا الإطار بحيث أصبحت تمس النظام العام أو تهدد البشرية جمعاء ، هنا وجب اتخاذ معيار آخر لبسط الرقابة القضائية للدولة المسلمة على مثل هذه النزاعات ، وهو ما يسميه علماء القانون المعاصر بمساسها بـ "النظام العام" ، ولذلك قال ابن عاشور (فإن كان ما حدث من قبيل الظلم كالقتل والغصب وكل ما ينتشر منه فساد فلا خلاف أنه يجب الحكم بينهم ") ، كما لو استطال العدوان فيه بحيث أضحى يمثل جريمة ضد الإنسانية ، فهذا المعيار وحده كاف لبسط رقابة القاضي المسلم علي هذه المنازعة طالما أن الاتفاقات الدولية أقرت بوجوب محاكمة مرتكبي هذه الجرائم عليها متى تمكنت الدولة الموقعة على هذه الاتفاقية من ذلك ، مثل محاكمة مجري الحرب .
لكن القول بجواز التخيير قد يفضي إلى حدوث حالة من التنازع الإيجابي للاختصاص القضائي بشأن المنازعات الحاكمة لأهل الكتاب ، وذلك عندما تكون المسألة خاصة بأحوالهم وحسب ، فعندئذ لهم أن يحتكموا إلى القاضي المسلم ابتداء ليحكم بينهم بالقسط ووفق المبادئ التي لا تصطدم بالشريعة الإسلامية ، وإن كان مصدرها في ذات الوقت من كتبهم وشريعتهم ، وإما أن يلجئوا إلى حكامهم وقضاتهم فيحكمون بينهم وفقا لأصول شريعتهم التي لا تخرج عن "النظام العام"، ويخضع حكمهم للنقض للتأكد من عدم معارضته للنظام العام للدولة المسلمة .
لكن أن يلجأ هؤلاء إلى القاضي المسلم -ابتداءً - طمعا في أن يصدر حكما يوافق هواهم فإذا لم يوافق هواهم انصرفوا عنه إلى قضاتهم ليحكموا لهم بما يشاؤون، كما في قوله تعالى (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) [النور:49,48] فهذا ما لا يرضاه أحد ولا يتسق مع منطق العقلاء ، ولذلك نزلت الآيات لتبين ضوابط احتكام أهل الكتاب لأهل ملتهم وشريعتهم في شئونهم الخاصة أو للحكام المسلمين منعا للتلاعب بالأحكام وقواعد الإسناد .
قال تعالى (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ) (43) قال ابن عاشور (أي من العجيب أنهم يتركون كتابهم ويحكمونك وهم غير مؤمنين بك ثم يتولون بعد حكمك إذا لم يرضهم) [708]، وهذا الأمر نجد شبيهه في الدولة الحديث ، وذلك حينما يوقع الحاكم المسلم علي اتفاقية دولية تقضي بامتناع "المحاكم الوطنية" عن نظر أي نزاع يقوم بين "رعايا دول أجنبية" ، ففي هذا الفرض تنحسر ولايته عن نظر مثل هذه المنازعة بموجب هذا الاتفاق الذي أبرمه ، ولا يكون له الخيار حينئذ في بسط ولايته أم لا حتى لو اتفق الخصوم على غير ذلك ، ففي مثل هذا الفرض ليس له إلا أن يقضي بعدم اختصاصه وإحالة النزاع لحكامهم متى كانت "الاتفاقية الدولية" تقضي بذلك ، هذا إذا كان قد اطمأن بأن حكامهم سوف يقضون لهم بإنصاف ووفقا لقواعد العدالة والمساواة التي هي أصل من أصول الشريعة الإسلامية ، وهو أمر مسلم به طالما كان ثمة اتفاق سابق على المنازعة القضائية ، بمعنى أنه إذا لم تكن عنده ذلك الاطمئنان فعلام وقع هذه الاتفاقية مسبقا ، وعليه تلتزم المحاكم الوطنية بعدم نظر مثل هذه المنازعة .
وهذا الأمر ليس من مفترضات المسألة حينما تحاكم اليهود إلى النبي r فيمن زنيا ، باعتبار أن الرسول r هو الحاكم العام للاتحاد الكونفدرالي في المدينة -كما ذكرنا- فكان لجوئهم إليه مشروطا بأن ينزلوا على حكمه ، ولكنهم تملصموا بعد ذلك إذ لم يرتضوا حكمه ، فأنفذه عليهم بمقتضى التحكيم السابق الذي ارتضوه .
قوله (وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ) قال صاحب أحكام القرآن (يدل على أن حكم التوارة فيما اختصوا فيه لم يكن منسوخاً ، وأنه صار بمبعث رسول الله r شريعة ، ما لم ينسخ، لأنه لو نسخ لم يقل بعد النسخ إنه حكم الله)[709] ، وفي ذلك دلالة كذلك على أنه "الأصل" أي أن الأصل أن يحتكموا إلى التوراة التي يؤمنون بأن فيها حكم الله ، ولم يطله النسخ أو التحريف، لكن يعدل عن هذا الأصل إذا ما ثت تحريف حكم الله الذي يعنون بتطبيقه ، لأنه ليس من التوراة التي أمروا أن يقييموا أحكامها إذا ما ثبت تحرييفهم له .
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا " آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا" الْآيَةَ)[710] ، قال ابن بطال (لثبوت كتمانهم لبعض الكتاب وتحريفهم له)[711]، فالأمر بعدم تكذيبهم جاء هنا على وجه العموم ، أي بإجمال ما عندهم من الكتاب ، لكن إذا ما ثبت في مسألة معينة تحريفهم لحكم الله وجب عندئذ إنكار ذلك عليهم .
فحيث تسمح اليهودية بالزواج من ابنة الأخ أو ابنة الأخت، فلا يسمح الإسلام بذلك ويعدها من المحرمات ، وحيث إن (التبني: (حسب الكنيسة الكاثوليكية سبب من أسباب المحرمات في النكاح ، فإن الإسلام قد أبطله ، وغير ذلك من المسائل ذات صلة بالنظام العام .
قوله (ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) قال ابن جزي يعني : (أنهم لا يؤمنون بالتوراة وبموسى عليه السلام ، .. فمن خالف كتاب الله وبدّله فدعواه الإيمان به باطلة)[712] ، فإذا كان ذلك هو حالهم فاعلم أنهم لا دين لهم ، ولا قاعدة تحكمهم ، فحالهم أشبه بالمنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، كذلك فإنهم في دعواهم التحكيمية لا يقبلون إلا ما يوافق هواهم ، فإن لم يوافقه كانوا من المعرضين .
فإذا كان هذا هو حال أهل الكتاب عندما يحتكمون لكتاب الله ، وكذا المنافقون ، أفلا يليق بالمسلمين أن يخالفوهم ، فلا يستعيروا من قوانينهم أحكام يطبقونها هم على أنفسهم في ديار الإسلام ، وقد بانت أمارات موافقتهم أهواءهم ومخالفتهم ما عدا ذلك ، بل إن في ذلك احتراز أن ينزلق المسلمون في هذا المنزلق الخطير ، فيظنوا أنه متى كان في التوراة حكم الله فإنه يجوز الاحتكام إليها وترك ما في كتاب الله تعالى ، وهو ما يروج له بعض المنادون بتطبيق الديانة الإبراهيمية جمعا بين الأديان السماوية .
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ r أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَابَ فَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا" أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ ، وَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ) [713]، قال ابن حجر (أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملا لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه أو كذبا فتصدقوه فتقعوا في الحرج ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه ، نبه على ذلك الشافعي رحمه الله)[714]
مسئولية العلماء في حفظ أمانة الشريعة التي تقوم عليها الدولة العادلة
قال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (44)
ذلك أن الدين والسلطان توأمان، ولهذا قيل: (الدين أس والسلطان حارس ، وما لا أس له فمهدوم ، وما لا حارس له فضائع)[715]، (ففي إرتفاع أحدهما إرتفاع الآخر)[716] ، قال الماوردي (ما من دين زال سلطانه، إلا بدلت أحكامه وغيرت سننه، كما أن السلطان إذا عري عن الدين، كان السلطان قهر ومفسد دهر ، ومن هذين الوجهين وجبت إقامته، ليحرس الدين، ويجري على سننه) [717]، قالوا أن (الدين أس الملك وعماده، ثم صار الملك بعد حارس الدين، فلا بد للملك من أسه ، ولا بد للدين من حارسه)[718]، قال أحد الحكماء (إدفع عن دينك بملكك ، ولا تدفع بدينك عن ملكك ، وصيِّر دنياك وقاية لآخرتك ، ولا تُصيِّر آخرتك وقاية لدنياك)[719] .
قوله تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) قال الرازي (العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فوجب حصول الفرق بين الهدى والنور ، فالهدى محمول على "بيان الأحكام والشرائع والتكاليف" ، والنور "بيان للتوحيد والنبوة والمعاد" ،قال الزجاج "فِيهَا هُدًى" أي بيان الحكم الذي جاؤا يستفتون فيه النبي r "وَنُورٌ" بيان أن أمر النبي r حق)[720] .
وقال الرازي (وبذلك احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخاً بهذه الآية ، وتقريره أنه تعالى قال : إن في التوراة هدىً ونوراً ، والمراد كونه هدىً ونوراً في أصول الشرع وفروعه ، ولو كان منسوخاً غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه هدىٌ ونور ، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط ، لأنه ذكر الهدى والنور ، ولو كان المراد منهما معاً هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار ، وأيضاً أن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم ، فلا بدّ وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة في الآية ، لأنا وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا ، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلاً فيها) [721].
قال تعالى (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ) فيه تأكيد على أن الشريعة الربانية تحكم أمور الدين والدنيا ، وتأكيد على مفهوم أن الإسلام الذي هو دين الله كان ولا يزال دين ودولة في الشرائع المتعاقبة ، لا أدل على ذلك من قول النبي r (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)[722] ، قال النووي (أي يتولون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية والسياسة القيام على الشيء بما يصلح)[723]
وفي ذلك أبلغ رد على من أراد تجريد الدعاة إلى الله تعالى من أن يساهموا في شئون الحكم والولاية ، بل هم أكثر الناس أمانة عليها ، لكن لابد وأن يتعلموا كذلك أمور السياسة والدولة فهو باب واسع من الفقه الشرعي الواجب تعلمهم ، فلا تُسند الولاية لهم لمجرد صلاحهم ، ولا يجوز الاكتفاء بصلاحهم في حال ثبوت جهلهم بشئون دنياهم ، بل يمكن تدريبهم وتعليمهم أمور الدنيا المتعلقة بالسياسة الشرعية ، كما تعلموا كثير من أمور الدين ، وعن عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ الْقَاضِي مِنْهُنَّ خَصْلَةً كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ أَنْ يَكُونَ فَهِمًا حَلِيمًا عَفِيفًا صَلِيبًا عَالِمًا سَئُولًا عَنْ الْعِلْمِ) [724].
والدليل العملي على ذلك ثابت من القرآن في قوله تعالى "وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا" فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ ، وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ هَلَكُوا فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ وَعَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ) [725]
قوله تعالى (..الَّذِينَ أَسْلَمُواْ..) صفة للأنبياء أي : (الذين انقادوا بكليتهم إلى ربهم ، ولم تبق بقية لغير محبوبهم)[726]، أي انقادوا لشرعه وحكموا به ، قال ابن جزي (ومعنى أسلموا هنا أخلصوا لله وهو صفة مدح أريد به التعريض باليهود؛ لأنه بخلاف هذه الصفة)[727]، كقول إبراهيم (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)(البقرة 131) ، وقوله (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ) (آل عمران 20) .
وفي ذلك تعريض لليهود الذين قالوا أن الأنبياء كانوا هودا ، بل كانوا مسلمين بدليل قوله تعالى (النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ) ثم ذكر (لِلَّذِينَ هَادُواْ) للتفرقة بينهما ، قال أبو حيان (ولذلك جاء "هو سماكم المسلمين من قبل"ونبه بهذا الوصف أنّ اليهود والنصارى بُعَداء من هذا الوصف الذي هو "الإسلام" ، وأنه كان دين الأنبياء كلهم قديماً وحديثاً) [728]، أي (تنبيه على أنهم ليسوا مسلمين ، بل هم بُعداء من ذلك) [729].
قوله تعالى (لِلَّذِينَ هَادُواْ) وهم المحكومون بهذه الشريعة أي المحكوم عليهم ، أي (أن الأنبياء يحملون اليهود على هذه الشريعة)[730] ، فينفذون أوامر الشرع فيهم ، ففي الحديث المتقدم ذكره (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ) .
قوله (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء) تأكيد على استمرار واطراد العمل الدعوي بعد وفاة الأنبياء ، فانتقل علم السياسة الشرعية للرعية من الأنبياء إلى العلماء الربانيين والأحبار ، بما حملوا من أمانة الكتاب ، وتبليغ حكم الله ، والشهادة عليه ، والقيام بواجب الدعوة ، والحكم بين الناس بكتاب الله , يقول النبي r (الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَرَّثُوا الْعِلْمَ) [731]، ما يعني وجوب العمل بكتاب الله كمنهج عملي ودستور حياة دائم ، وأن ذلك غير متوقف على حياة النبي والرسول ، وفي ذلك ترسيخ لمفهوم أن الإسلام دين ودولة ، وأن القيام بهذه الوظيفة ليس قاصرا على الأنبياء وحسب ، وإنما يقوم بها كذلك الأحبار والربانيون الذين هم حملة الأمانة بعد الأنبياء ، فهذه الأمانة في أعناق الذي استحفظوا كتاب الله تعالى أي الربانيون والأحبار ، فهم ورثة الأنبياء وهم الشهداء على قومهم ببلاغ الرسالة لهم ، وقوله (بِمَا اسْتُحْفِظُوا) اسْتُوْدِعُوا (مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) [732] ، أي (بسبب ما طلب الله منهم حفظهم لكتاب الله وهو التوراة ، وكلفهم حفظها ، وأخذ عهده عليهم في العمل بها والقول بها ، وقد أخذ الله على العلماء حفظ الكتاب من وجهين , أحدهما حفظه في صدورهم ودرسه بألسنتهم ، والثاني : حفظه بالعمل بأحكامه واتباع شرائعه) [733]، (لكن هؤلاء اليهود –في المجمل - ضيعوا ما استحفظوا حتى تبدلت التوراة) [734].
قوله (فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (44) وفي ذلك تعريض مما كان من بعض علماء اليهود الذين لم يكن لديهم من القوة والأمانة لأن يحفظوا ما وكلوا بحفظه من أحكام الشريعة ، فحصل التبديل والتحريف إما من بعضهم أو بسبب حصول ضعف منهم ، فلم يكن بهم القدرة أن يمنعوا ذلك ، وكان السبب الجامع لهذا الضعف هو خشية الناس ، إما خشية سطوتهم أو نفوذهم ، وإن كان الظاهر تحكمهم في أمور المال والاقتصاد ، الأمر الذي زاد من ضعف النفوس وقلة الذمم ، قال ابن عاشور (إذ الحفيظ على الشيء الأمين حق الأمانة لا يخشى أحدا في القيام بوجه أمانته ولكنه يخشى الذي استأمنه)[735] ، و(معنى خشية الناس هنا أن تخالف أحكام شريعة التوراة أو غيرها من كتب الله لإرضاء أهوية الناس) [736] ، قال أبو سراج (والمعنى لا تحرفوا كتابي للخوف من الناس ، ومن الملوك والأشراف ، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم ، وتستخرجوا الحيل في إسقاط تكاليف الله عنهم)[737]
قوله (..وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً ..) أي ومن جهة أخرى فإن الخوف والخشية إذا لم يكن بسبب النفوذ والقوة فإنه لا يدوم إلا بالرشوة بالمال ، ومن ثم أردف ذلك بالنهي عن (التغيير والتبديل لأجل الطمع في الجاه والمال والرشوة)[738] ، فإذا ضعف العلماء عن حفظ أمانة الشريعة ، وحمل أمانة الدعوة ، فلم يقدروا على إيصال كلمة الحق للناس أو باعوا ضمائرهم لأهل المال والنفوذ بثمن بخس ، هنا تنقلب الموازين ، ويهلك القوم إذ يضحى سارقهم أشرفهم والموثوق فيه ، ويصير المقهور المظلوم السارق المتهم .
قال رسول الله r (إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ)[739] ، والمراد بالشريف من له حسب وجاه وشعبية تحميه وإذا سرق فيهم الضعيف وهو من لا حسب له ولا جاه ولا شعبية أقاموا عليه الحد : أي (عملوه فيه غير مبالين بما ارتكبوا من جريمة بترك الحد عن الشريف وإقامته على الضعيف والوضيع) [740]، وذلك من أسباب انهيار الأمم واندثار الحضارات ، عندما يستشري السحت ويضيع العدل بين الناس ، قال ابن تيمية (وأمور الناس تستقيم فى الدنيا مع العدل الذى فيه الإشتراك فى أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم فى الحقوق وإن لم تشترك فى إثم ، ولهذا قيل إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة ، ويقال الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والاسلام) [741] .
قوله (..وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) فمن لم يقصد بحكمه وجه الله ، وعمل بخلافه عامدا متعمدا ، فهو كافر بصريح الآية ، لأنه بحكمه نازع الله في حكمه ، فكفره عملي بصريح الآية ، ولذلك قال الشنقيطي (اختلف العلماء في هذه الآية الكريمة: هل هي في المسلمين أو في الكفار ، فروي عن الشعبي أنها في المسلمين ، وروي عنه أنها في اليهود، وروي عن طاوس أيضاً أنها في المسلمين)[742].
وأيا كان التحقيق في هذه المسألة فقد ترتب عليها أن اختلفوا في مفهوم "الكفر" الوارد بالآية هل هو مخرج عن الملة أم غير مخرج من الملة ؟ ، والذي عليه أهل السنة والجماعة التفرقة بين حالين :-
الأول : إذا كان معتقدا أنه على خطأ ولكن حملته أسباب المعصية على مخالفة حكم الله ، فهذا يُسمى كفره كفرا عمليا وليس اعتقاديا ، ويعتبر مرتكب كبيرة من الكبائر ، لكن لا يعد كفره مخرجا من الملة ، ولذلك قيل أن المراد بالكفر في الآية (كفر دون كفر)[743]، وروي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: (ليس بالكفر الذي تذهبون إليه)[744].
الثاني : إذا كان يعلم أنه يعمل بخلاف حكم الله ، ومعتقدا أن الصواب هو حكمه لا حكم الله ، فإنه بهذا الاعتقاد ينصب نفسه حكما على حكم الله ، فيكفر اعتقادا وعملا .
مقاصد الشرع الضرورية ثابتة ومرعية في كل ملة
قال تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (45)
مبدأ (التناسب بين العقوبة والجريمة) هو أساس العقاب في الإسلام ، فإذا اختل هذا التناسب اختل ميزان العدل، فتكون العقوبة إما مسرفة في الشدة أو مفرطة في اللين ، وكلاهما يحول دون تحقيقها للمقصود منها ، فغاية القاعدة العقابية في الشريعة الإسلامية تحقيق الرد العام والخاص على السواء ، فيمتنع الجاني أن يعود لجريمته مرة أخرى وقد ذاق وبال أمره ، ويمتنع غيره أن يحذو حذره وقد اعتبر مما حصل للجاني ومصيره ، يقول الدكتور محمود نجيب حسنى (لقد رغب التشريع الإسلامى من خلال أحكامه فى تحقيق الردع العام للمجتمع ، والردع الخاص صيانة للمجتمع ، بما يكفل للتشريع سطوته ، ليكون أداة فعالة لحماية المصالح الأساسية فى المجتمع)[745] ، كذلك فإن عدالة العقوبة (تحقق -من جهة- الردع العام بالتأثير على الدوافع الإجرامية الكامنة في النفوس، ومن جهة أخرى لتحقيق الردع الخاص بخلق الشعور بالمسؤولية لدى المجرم ، ولا يتذرع بظروفه الشخصية)[746] .
قال ابن القيم (لولا عقوبة الجناة والمفسدين لأهلك الناس بعضهم بعضا وفسد نظام العالم وصارت حال الدواب والأنعام والوحوش أحسن من حال بني آدم وإن قال بل لا تتم المصلحة إلا بذلك قيل له من المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله ، وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة) [747] ، ولذلك شرع الله "القصاص" باعتباره أنجع وسائل تحقيق الرد العام والخاص على السواء ، وفي المقابل نجد أن التشريعات الوضعية التي استبعدت "القصاص" من تشريعاتها لم تستطع أن توقف تزايد الجريمة وخاصة في مجال القتل والإيذاء البدني ، وامتد الأمر إلى الجريمة المنظمة والعصابات [748] .
ويجدر التنويه أن تطبيق عقوبة "القصاص" ليس معناه تطبيق الشريعة الإسلامية برمتها ، ذلك أن الإسلام أكبر من هذا الفهم القاصر ، لأنه يعني بحياة المسلم من مهده إلى لحده ، لكن تطبيق "القصاص" يعني تطبيق قواعد العدل والقسط بين الناس تلك التي تتماشى مع مبادئ الإسلام ، دون اعتبار لهيئة أو مكانة اجتماعية أو غنى أو فقر ، فهي قواعد موضوعية مجردة تطبق على الكافة ، ولذلك فلا غرو في تطبيقها على المسلم وغير المسلم ، ولذلك عندما جاء ذكر "القصاص" في القرآن لم يتم تناول هذا الموضوع بأسلوب الأمر والتكليف المباشر ، وإنما بطريق الحكاية عن الأمم السابقة بلفظ (وكتبنا عليهم) ، للدلالة على أن هذا الأمر ثابت في كل الشرائع ، ولا تخلو منه شريعة , ولا ينبغي أن يتخلى عنه أهل ملة ، وإلا ساد الظلم بينهم ، ولذلك اختتمت بقوله (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فمن الظلم التخلي عن شريعة القصاص محاباة لأحد ، مما يخل بمبدأ العدل والمساواة في الحقوق والواجبات الإنسانية .
قوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ..) (45) قال ابن تيمية (هَذَا مَعَ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُنَا كَحُكْمِهِمْ مِمَّا لَمْ يُنْسَخْ مِنْ الشَّرَائِعِ ، فالْمُرَادُ بِذَلِكَ التَّسْوِيَةُ فِي الدِّمَاءِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ , كَمَا قَالَ النَّبِيُّ r (الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ , وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) ، فَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَإِنْ كَانَ "الْقَاتِلُ" رَئِيسًا مُطَاعًا مِنْ قَبِيلَةٍ شَرِيفَةٍ وَ"الْمَقْتُولُ" سُوقِيًّا طَارِفًا , وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ كَبِيرًا وَهَذَا صَغِيرًا , أَوْ هَذَا غَنِيًّا وَهَذَا فَقِيرًا وَهَذَا عَرَبِيًّا وَهَذَا عَجَمِيًّا , أَوْ هَذَا هَاشِمِيًّا وَهَذَا قُرَشِيًّا ، وَهَذَا رَدٌّ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا قُتِلَ كَبِيرٌ مِنْ الْقَبِيلَةِ قَتَلُوا بِهِ عَدَدًا مِنْ الْقَبِيلَةِ الْأُخْرَى غَيْرِ قَبِيلَةِ الْقَاتِلِ , وَإِذَا قُتِلَ ضَعِيفٌ مِنْ قَبِيلَةٍ لَمْ يَقْتُلُوا قَاتِلَهُ إذَا كَانَ رَئِيسًا مُطْلَقًا ، فَأَبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) فَالْمَكْتُوبُ عَلَيْهِمْ هُوَ الْعَدْلُ , وَهُوَ كَوْنُ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ ; إذْ الظُّلْمُ حَرَامٌ وَأَمَّا اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ فَهُوَ إلَى الْمُسْتَحِقِّ ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) أَيْ لَا يَقْتُلُ غَيْرَ قَاتِلِهِ)[749] .
وبذلك حرر الإسلام العقوبة من التعسف والشطط ، ، فجعل تقدير العقاب متناسبا مع الضرر الذي لحق المجني عليه ، قال ابن القيم (التسوية في العقوبات مع تفاوت الجرائم غير مستحسن بل مناف للحكمة والمصلحة ، فإنه إن ساوى بينهم في أدنى العقوبات لم تحصل مصلحة الزجر وإن ساوى بينها في أعظمها كان خلاف الرحمة) [750] .
كما حررها من القيود الاجتماعية التي تخل بمبدأ المساواة ، وكل ما يتنافى مع العدل ، فلم تقس -الشريعة- تناسب العقوبة بقيمة المساء إليه ومكانته الاجتماعية ، فليس ثمة محل أو اعتبار لهذه الأمور في النظام العقابي الإسلامي ، ولذلك جاء تقدير العقاب في الآية الكريمة مجردا عن النظر إلى شخص المجني عليه .
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَعْنِي قَوْلَهُ: " وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ " ، قال:"يُقْتَصُّ الْجِرَاحُ بِالْجِرَاحِ، فَهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ أَحْرَارُ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، فِيمَا بَيْنَهُمْ إِنْ كَانَ عَمْدًا فِي النَّفْسِ ، و َكَمَا دُونَ النَّفْسِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْعَبِيدُ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِذَا كَانَ عَمْدًا فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ"[751] ، أي إذا وقت الجناية بين حر وحر أو عبد وعبد ، وهذا هو الغالب ، إذ لا يفترض أن يعتدي حر على عبد بغير تأديب ، وإلا أتلف ماله ، ولا أن يعتدي عبد على حر ولي نعمته ، وذلك قبل الإسلام ، فهذا فرض يندر حدوثه .
أما قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (178) فهو يتحدث عن القتل بين الجماعات والقبائل المتناحرة ، فلوضع الدماء وإنهاء الخصومات بينها يتم القصاص بحيث يقدمون "القاتل" ليؤخذ منه حق الدم ، فإن تعذر ذلك لتعدد القاتلين والقتلى ، هنا يتم القصاص الحر بالحر والعبد بالعبد .
قال ابن تيمية (دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدَ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى ؛ إذَا كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الدَّمِ وَبَدَلُهُ هُوَ الدِّيَة ، وَلَمْ يَنْتَفِ أَنْ يُقْتَلَ "عَبْدٌ بِــحُرِّ" وَ"أُنْثَى بِذَكَرِ" وَلَا لَهَا مَفْهُومٌ يَنْفِي ذَلِكَ ؛ بَلْ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ وَالْفَحْوَى)[752]
قال القرطبي (جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حرا، والعبد إذا قتل عبدا، والأنثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة وفيها إجمال يبينه قوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ "النَّفْسَ" "بِالنَّفْسِ") [المائدة: 45] .
وبينه النبي r بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة)[753] ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ r وَبِهَا رَمَقٌ فَقَالَ أَقَتَلَكِ فُلَانٌ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ r بِحَجَرَيْنِ)[754].
قوله تعالى (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) القصاص في الجروح عند الفقهاء هو إيقاع عين الأذى بالجاني، ليس فقط من حيث محله، بل ومن حيث وسيلته أو أداته أيضا ، والمماثلة في الجروح شرط لإمكان القصاص لقوله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ) (النحل/126) ، فيجب القصاص إلا أن يحول دون ذلك مانع يتعذر معه القصاص مماثلة بدون القتل أو الحيف [755].
لكن إذا حصل ضرر أشد بسبب القصاص دون تعمد فلا شيء على المقتص ، قال الشنقيطي (إذا اقتص المجني عليه من الجاني، فيما دون النفس، فمات من القصاص، فلا شيء على الذي اقتص منه، عند مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة، والتابعين، وغيرهم)[756].
ولأجل ألا يقع ضرر من القصاص أشد من الضرر الذي وقع على المجني عليه مع عدم الضمان فرق العلماء بين الجروح في الرأس والوجه وغيرهما من سائر البدن ، ذلك أن (اسم الجرح يختص بما وقف في البدن عدا الوجه والرأس ، والشجاج مختص بما وقع بالوجه منها والرأس دون سائر البدن) [757].
قال ابن رشد (والشجاج عشرة في اللغة والفقه أولها الدامية وهي التي تدمي الجلد ثم الخارصة وهي التي تشق الجلد ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم أي تشقه ثم المتلاحمة وهي التي أخذت في اللحم ثم السمحاق وهي التي تبلغ السمحاق وهو الغشاء الرقيق بين اللحم والعظم ويقال لها الملطاء بالمد والقصر ثم الموضحة وهي التي توضح العظم أي تكشفه ثم الهاشمة وهي التي تهشم العظم ثم المنقلة وهي التي يطير العظم منها ثم المأمومة وهي التي تصل أم الدماغ ثم الجائفة وهي التي تصل إلى الجوف) [758]
فالشجاج: (الاصابات التي تقع بالرأس والوجه)، وأنواعه عشرة ، يرى كثير من العلماء أنه لا يمكن مراعاة المماثلة فيها وهي (الخارصة – الباضعة – الدامية – المتلاحمة – السمحاق – الموضحة – الهاشمة – المنقلة – المأمومة – الجائفة) [759]، قال الماوردي (وَأَمَّا الشِّجَاجُ ، فَأَوَّلُهَا الْخَارِصَةُ وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي الْجِلْدِ ، وَلَا قَوَدَ فِيهَا ، وَلَا دِيَةَ ، وَفِيهَا حُكُومَةٌ – يعني تعويض يحكم به القاضي –
ثُمَّ "الدَّامِيَةُ" ، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي الْجِلْدِ وَأَدَمَتْ وَفِيهَا حُكُومَةٌ
ثُمَّ "الدَّامِغَةُ" ، وَهِيَ الَّتِي قَدْ خَرَجَ دِمَاؤُهَا مِنْ قَطْعِ الْجِلْدِ كَالدَّامِيَةِ وَفِيهَا حُكُومَةٌ
ثُمَّ "الْمُتَلَاحِمَةُ" ، وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ وَأَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ وَفِيهَا حُكُومَةٌ .
ثُمَّ "الْبَاضِعَةُ" وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ وَفِيهَا حُكُومَةٌ .
ثُمَّ "السِّمْحَاقُ" ، وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ جَمِيعَ اللَّحْمِ بَعْدَ الْجِلْدِ وَأَبْقَتْ عَلَى عَظْمِ الرَّأْسِ غِشَاوَةً رَقِيقَةً وَفِيهَا حُكُومَةُ وَحُكُومَاتُ هَذِهِ الشِّجَاجِ تَزِيدُ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهَا .
ثُمَّ "الْمُوضِحَةُ" ، وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ الْجِلْدَ وَاللَّحْمَ وَالْغِشَاوَةَ وَأَوْضَحَتْ عَنْ الْعَظْمِ فَفِيهَا الْقَوَدُ ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهَا فَفِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ .
ثُمَّ "الْهَاشِمَةُ" ، وَهِيَ الَّتِي أَوْضَحَتْ عَنْ اللَّحْمِ حَتَّى ظَهَرَ وَهَشَّمَتْ عَظْمَ الرَّأْسِ حَتَّى تَكَسَّرَ وَفِيهَا عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ ؛ فَإِنْ أَرَادَ الْقَوَدَ مِنْ الْهَشْمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ، وَإِنْ أَرَادَهُ مِنْ الْمُوضِحَةِ قُيِّدَ لَهُ مِنْهَا ، وَأُعْطِي فِي زِيَادَةِ الْهَشْمِ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ وَقَالَ مَالِكٌ : فِي الْهَشْمِ حُكُومَةٌ .
ثُمَّ "الْمُنَقِّلَةُ ، وَهِيَ الَّتِي أَوْضَحَتْ وَهَشَّمَتْ حَتَّى شَظِيَ الْعَظْمُ وَزَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ وَاحْتَاجَ إلَى نَقْلِهِ وَإِعَادَتِهِ وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ ، فَإِنْ اسْتَقَادَ مِنْ الْمُوضِحَةِ أُعْطِيَ فِي الْهَشْمِ وَالتَّنْقِيلِ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ .
ثُمَّ "الْمَأْمُومَةُ" وَتُسَمَّى الدَّامِغَةَ ، وَهِيَ الَّتِي وَصَلَتْ إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ)[760] .
لكن يخالف ما تقدم ما ذكره ابن قدامة (يجب القصاص في كل جرح ينتهي إلى عظم كالموضحة وجرح العضد والفخذ الساق والقدم لقول الله تعالى (والجروح قصاص) فيجب في كل جرح ينتهي إلى عظم يمكن إستيفاؤه من غير زيادة كالموضحة في الرأس والوجه وذلك لان الله تعالى نص على القصاص في الجروح فلو لم يجب ههنا لسقط حكم الآية ، وفي معنى الموضحة كل جرح ينتهي إلى عظم فيما سوى الرأس والوجه كالساعد والعضد والفخذ والساق يجب فيه القصاص في قول أكثر أهل العلم ، ولأنه أمكن إستيفاؤه بغير حيف ولا زيادة لكونه ينتهي إلى عظم فأشبه الموضحة والتقدير في الموضحة ليس هو المقتضي للقصاص ولا عدمه مانعا ، وإنما كان التقدير في الموضحة لكثرة شينها وشرف محلها ولهذا قدر ما فوقها من شجاج الرأس والوجه ولا قصاص فيه)[761] .
جاء في الموسوعة الجنائية المقارنة ترتيبها، وبيانها على النحو التالي :-
1 – الحارصة أو الخارصة : وهي التي تحرص - تخدش- الجلد ، ولا تخرج الدم وتسمى أيضا الخارصة ، ولا قود فيها، ولا دية، وفيها حكومة.
2 - الدامعة: أو البازلة وهي التي تظهر الدم ولا تسيله كالدمع في العين ؛ وفيها حكومة.
3 - الدامية: وهي التي يسيل منها الدم، وقيل: الدامية هي التي تدمي دون أن يسيل منها دم والدامعة هي التي يسيل منها الدم ؛ وفيها حكومة ، ويسمي الحنابلة الدامية والدامعة: بازلة فهي عندهم شجة واحدة.
4 - الباضعة: وهي التي تشق اللحم بعد الجلد شقا خفيفا ؛ وفيها حكومة.
5 - المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم فتذهب فيه أكثر مما تذهب الباضعة ولا تبلغ السمحاق؛ وفيها حكومة.
6 - السمحاق: وهي التي تصل إلى الجلدة الرقيقة التي بين اللحم والعظم، وهذه الجلدة تسمى السمحاق، فسميت الشجة باسمها لأنها تصل إليها ؛ وفيها حكومة. ويسميها المالكية: ( الملطاة ) ويعرفوها: بأنها هي التي قربت للعظم ولم تصل إليه وأطلقوا السمحاق على ما كشط الجلد وزاله عن محله.
وحكومات هذه الشجاج السابقة تزيد على حسب ترتيبها ، قال الإمام الشافعي رحمه الله: ( ولم أعلم رسول الله r قضى فيما دون الموضحة من الشجاج بشيء وأكثر قول من لقيت أنه ليس فيما دون الموضحة أرش معلوم وإن في جميع ما دونها حكومة، قال: وبهذا نقول )[762]
7 - الموضحة: وهي التي توضح العظم وتكشفه ؛ وفيها القود (القصاص)، فإن عفي عنها ففيها خمس من الإبل.
8 - الهاشمة: وهي التي تهشم العظم وتكسره ؛ وفيها عشر من الإبل ; فإن أراد القود من (الهشم) لم يكن له ذلك، وإن أراده من (الموضحة) قيد له منها، وأعطي في زيادة الهشم خمسا من الإبل ؛ وقال الإمام مالك: في الهشم حكومة.
9 - المنقلة: وهي التي تنقل العظم بعد كسره أي تحوله من موضع إلى موضع ؛ وفيها خمس عشرة من الإبل، فإن (استقاد) من الموضحة أعطي في الهشم والتنقيل عشرا من الإبل.
10 - الآمة: وتسمى أيضا المأمومة –وقد تسمى بالدامغة لو لم تحدث وفاة-وهي التي تصل إلى أم الدماغ وهي الجلدة الرقيقة التي تجمع الدماغ وتسمى خريطة الدماغ ؛ وفيها ثلث الدية.
11 - الدامغة: (الجافية) وهي التي تخرق الجلدة التي تجمع الدماغ وتصل إلى الدماغ؛ ولا يعيش الإنسان معها غالبا ، ولذلك يستبعدها بعض الفقهاء من الشجاج لأنها تعتبر قتلا للنفس لا شجا ، هذه هي الشجاج عند جمهور الفقهاء؛ وهي عندهم على حسب الترتيب السابق[763]
وخالف المالكية الجمهور في ترتيب الشجاج فهي عندهم: الدامية، فالخارصة، فالسمحاق، فالباضعة، فالمتلاحمة، فالملطاة، فالموضحة، فالمنقلة، فالآمة، فالدامغة)[764].
والدليل على سقوط القصاص في تلك الشجاج قوله r (لا قود في "المأمومة" ولا في "الجائفة" ولا في "المنقلة") [765] ، حيث يتعذر المماثلة ،فمن شرط وجوب القصاص في الجروح إمكان الاستيفاء من غير حيف ، (فذكر جرحاً في الرأس وهو المأمومة ، وجرحاً في الجوف وهو الجائفة ، لا يمكن الاستيفاء فيهما إلا بحيف ، أو لا يؤمن في الاستيفاء فيهما الحيف)[766] .
كذلك لو ترتب على الإصابة ذهاب حاسة من الحواس أو بعض منها مع بقاء العضو سليما كالعين أو الأذن أو الأنف أو التذوق ، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ عَيْنَ رَجُلٍ فَذَهَبَ بِبَعْضِ بَصَرِهِ وَبَقِىَ بَعْضٌ فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهِ عَنْهُ فَأَمَرَ بِعَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ فَعُصِبَتْ وَأَمَرَ رَجُلاً بِبَيْضَةٍ فَانْطَلَقَ بِهَا وَهُوَ يَنْظُرُ حَتَّى انْتَهَى بَصَرُهُ ثُمَّ خَطَّ عِنْدَ ذَلِكَ عَلَمًا ثُمَّ نَظَرَ فِى ذَلِكَ فَوَجَدُوهُ سَوَاءً قَالَ فَأَعْطَاهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ بَصَرَهِ مِنْ مَا لِلآخَرِ)[767].
وجمهور الفقهاء فيما يتعذر القود فيه تجب الدية والعقوبة ، فيأخذ المجني عليه دية الشج أو الجائفة أو المنقلة ...الخ كما تجب على الجاني عقوبة تعزيرية وقد تصل إلى حد الحرابة إذا كان في عصابة ، قال الفقهاء (العقوبة الأصلية للجناية على ما دون النفس عمدًا هى القصاص، وعند مالك: الدية مع القصاص) [768]، فإذا امتنع القصاص لسبب من الأسباب المذكورة سلفا حلت محله عقوبتان بدليتان
الأولى "الدية" أو "الأَرْش" بحسب مقدار الضرر وفوات العضو أو بقائه
والثانية "التعزير"
ويترتب على اعتبار القصاص أصلاً ،والدية والتعزير بدلاً أنه لا يجوز الجمع بين العقوبة الأصلية وبين عقوبة أخرى بدلاً منها لأن الجمع بين البدل والمستبدل ينافيان طبيعة الاستبدال، ويترتب على ذلك أيضًا أنه لا يجوز الحكم بالعقوبة البدلية إلا إذا امتنع الحكم بالعقوبة الأصلية) [769] .
لكن إزاء التقدم العلمي الحديث فإن إمكان القصاص بلا حيف فيما تقدم ذكره أضحى يسيرا بعد أن كان منهيا عنه مخافة الحيف ، ومن ثم يمكن تطبيق العقوبة الأصلية وهي القصاص على الجاني فيما امتنع المتقدمون عن توقيع عقوبة القصاص فيه مخافة الحيف ، وفي ذلك تماشيا مع رأي الإمام مالك والذي يرى إمكان القصاص إذا قرر الخبراء أنه ممكن ولا خوف منه على حياة المقتص منه [770] ، وقد أجريت أبحاث معاصرة على هذه المسألة وارتأى العلماء أنه مع تقدم الطب ،وظهور أجهزة تتعرف بدقة على تفاصيل الجراح، يمكن بواسطتها مقابلة الجناية بالمثل بما يسمح بتنفيذ القصاص في هذه الصور من غير حيف
فعلى سبيل المثال : بالنسبة للجناية على الأسنان يستطيع الطبيب المتخصص بواسطة التصوير التلفزيوني التعرف بدقة على قدر الجناية بعمل بصمة تحدد نوع الكسر وطوله وكسر ما يقابله من أسنان الجاني بالمبرد الصغير الذي يعمل بقوة ضغط الهواء ، وبالنسبة لكسور العظام وبتر الأعضاء يستطيع جراح العظام بواسطة التصوير الإشعاعي تحديد نوع الكسر ومكانه وتحليل الصورة الملتقطة وتكبيرها وقلبها بما يساعد على معرفة التفاصيل الدقيقة للكسر أو البتر ، ويمكن بعد ذلك بتر العضو من غير مفصل أو كسره مع وجود المعقمات والمواد التي تحول دون النزيف إذا لم يؤد ذلك إلى مضاعفات أو مسببات لأمراض أخرى ، وبهذا يظهر أن للتقدم الطبي أثرا في استيفاء القصاص فيما دون النفس، فما لم يكن ممكنا في السابق في هذا الباب لانتفاء وسائله أصبح ممكنا بفعل التقدم الطبي [771].
ذكر ابن قدامة الإجماع على أن القصاص فيما دون النفس متى أمكن ، فقال (وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إذَا أَمْكَنَ ، وَلِأَنَّ مَا دُون النَّفْسِ كَالنَّفْسِ فِي الْحَاجَةِ إلَى حِفْظِهِ بِالْقِصَاصِ ، فَكَانَ كَالنَّفْسِ فِي وُجُوبِهِ [772](، (إذن الفقهاء المتقدمون يُرجعون النظر في إمكان استيفاء القصاص فيما دون النفس إلى أهل الخبرة ، وهم الأطباء، ومن ثم يترتب على الإجماع على لزوم القصاص فيما دون النفس إذا أمكن من غير حيف ، وتعلقه بقول أهل الخبرة باتفاق الفقهاء كذلك يترتب على المقدمتين ارتفاع الخلاف في هذه الصور لانتفاء المعنى الموجب له)[773].
ففي قوله (فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ) (45) إبطال أي اتفاق أو تشريع يخالف العدل والقصاص ، فلا يجوز إعفاء الجاني من المسئولية الجنائية أو القصاص قبل وقوع الجناية ، فلا حصانة لأحد من ذلك ، فكل تشريع يعفي الجاني من المسئولية ابتداءً هو باطل ولا يجوز الاتفاق عليه ، وإنما يجوز بعد وقوع الجناية الاتفاق على الصلح والعفو عن الجاني سواء بدية أو بغير دية ، شريطة أن يكون العفو أو الصلح من المجني عليه أو وليه –بحسب الأحوال- عن رضاء تام لا شبهة فيه لإكراه ، فإذا عفى المجني عليه عن الجاني بغير مقابل فهذا صدقة منه عليه ، قال تعالى (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى/43) ، وعن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ «مَنْ جُرِحَ فِى جَسَدِهِ جِرَاحَةً فَتَصَدَّقَ بِهَا كَفَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ بِمِثْلِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ » [774].
قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (45) وفي ذلك دليل على أن التشريعات الوضعية التي لا تتفق في أحكامها مع الشريعة الإسلامية ، هي تشريعات ظالمة متى وضعت عقوبة غير القصاص في الجراحات أو النفس أو الحواس ، وذلك مهما كانت مرتبة واضعوها ، ومهما حاولوا جاهدين أن يبتغوا الصالح العام ، فإنهم إن لم يرجعوا للعلماء الذين يفتونهم بمدى توافق العقوبة أو مخالفتها لأحكام هذه الشريعة فإن وجه الظلم غير مستبعد .
ولكن وكما ذكرنا أن تطبيق الشريعة كل لا يتجزأ ، فعند تطبيق حد القصاص لابد أن يسبق ذلك تطبيق قواعد إثبات حصول الجناية المقررة فقها ، التي تعتمد في الأساس على شهادة العدول ، لكن لما كان الزمان قد تغير وذمم الناس في الغالب قد فسدت ، ولا يعلم حال العدل من الكاذب ، أضحت شهادتهم مجروحة ، فلم ترقى لمرتبة الدليل كما كان هو الحال في القرون الماضية ، لكن لا تعدم من فائدة ، فأضحى القاضي يستعين بشهادتهم كقرائن على الواقعة ، ولا تكفي القرائن وحدها للإدانة ، لكن لو اعتمد القاضي على الدليل القاطع المبني على شهادة العدل لما استقام مرفق العادلة ، لاسيما وقد أجاز الإسلام شهادة أهل الكتاب في الوصية تخفيفا من الإجراءات المتبعة أخذا بقرائن الأحوال عند السفر ، ولهذا جاز الأخذ بشهادة الشهود في إثبات الجراحات والعدوان على النفس كقرائن وليس كأدلة ، لفساد الذمم وتعذر إقامة الحدود والقصاص استنادا إلى شهادة العدول .
ولذلك وضع المشرعون الوضعيون عقوبات بديلة عن القصاص تتمثل في حبس الجاني مخافة تطبيق عقوبة القصاص عليه ثم يثبت بعد ذلك أنه كان بريئا ، فلا يمكن إعادة العضو الذي تم القصاص فيه إليه مرة أخرى ، أما عقوبة الحبس فيمكن جبرها بشيء من التعويض المادي ، تلك هي مبررات شراح القوانين الوضعية في الامتناع عن تطبيق القصاص في الوقت الراهن ، والمسألة تحتاج إلى تأصيل أكثر من ذلك ، واجتهادات فقهية تتفق مع الواقع المعاصر ، شريطة أن يكون القصد منها إنفاذ حكم الله .
يقول الدكتور عبد الرحمن الكيلاني (فالمجتمعات وإن كانت تسعى لوضع القوانين والتشريعات في سبيل تحقيق سعادتها وانتظامها، فإن هذا الأمر لا يكون بأخذ قوانين تحض على الانسلاخ من أصالتنا وحضارتنا وتراثنا الإسلامي ، وإنما طريق السعادة والخلود ، وهو أن ننشئ من جوهر فقهنا الذي ملأت آلاف مؤلفاته مكتبات العالم ،وأن نستمد من نبعه العذب المعين الهدار قوانين جديدة تفي بحاجاتنا الحديثة فيكون أصل القوانين راسخا في فقهنا وفرعه شامخا في السماء)[775].
توارث أمانة الأحكام المرعية بلا نسخ عبر الزمان
(لا يخلو زمان من بيان حكم الله)
قال تعالى (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) (46)
قال العلماء ("العلم" أن تربط الأحكام بأدلتها الأثرية أو النظرية؛ فالأثرية ما كان من كتاب أو سنة أو إجماع، والنظرية: العقلية؛ أي: (العلل المرعية التي يعتبرها الشرع)[776] ، ولهذا السبب ذكرت الآيات أن شريعة موسى عليه السلام اُتْبِعت بشريعة عيسى عليهما السلام فجاء الإنجيل مصدقًا لما جاء في التوراة ، وذلك توطئة وتمهيدًا لذكر شريعة النبي محمد r خاتم الأنبياء والتي جاءت شرعته مصدقة لهاتين الشريعتين على وجه الإجمال ، ومهمينة عليهما أي ناسخة لهما فيما جاء بالقرآن من أحكام بخلافهما ، وفي غير ذلك ، فشرع ما قبلنا شرع لنا ،ما لم نؤمر بخلافه .
قوله (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ..) (46) فيه دلالة على عدم انقطاع الوحي حتى مجيء نبي الله عيسى عليه السلام ، حيث لا يخلو زمان من بيان حكم الله ، كما تضمن أن الإنجيل لم ينسخ التوراة بالكلية ، بل هو -الإنجيل- مصدق لما جاءت به التوراة من أحكام ثابتة ومرعية في كل ملة ، فثمة أحكام جاء الإنجيل لبيانها بعد أن طمست في التوراة وحرفت وبدلت ، للتأكيد عليها واستظهار حكم الله فيها ، وهي الضروريات الخمس التي هي أسس العمران المرعية في كل ملة، والتي لولاها لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، ولفاتت النجاة في الآخرة ، وهي حفظ "الدِّينُ، والنفس، والعقل، والنسل، والمال"[777] ، فالأحكام التي تدور في فلكها تمثل قواعد كلية يستنبط منها الفقهاء المصالح المرعية في الأحكام الشرعية[778] ، والشرائع تتعاضد وتتكامل لتؤكد الشريعة اللاحقة ما طمس من الشريعة السابقة ، لا سيما إذا طال التحريف العلل الشرعية والمقاصد المرعية في كل ملة .
قوله (..وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) (46) تأكيد على أن شريعة أهل الإنجيل لم تقتصر على بيان الأخلاق والمعاملات بين الناس ولم تقتصر على بيان العقيدة السليمة والعبادة الصحيحة ، كما يظن البعض، وإنما شملت كذلك ما يحتاجه الناس في أمور حياتهم وحكمهم ، وسياسة شأن دنياهم ، قال الرازي (أن الإنجيل هدى بمعنى أنه اشتمل على الدلائل الدالة على التوحيد والتنزيه ، وبراءة الله تعالى عن الصاحبة والولد والمثل والضد ، وعلى النبوة وعلى المعاد ، فهذا هو المراد بكونه هدى ، وأما كونه نورا ، فالمراد به كونه بيانا للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف) [779] ، (أي أن الإنجيل تضمن إلى جانب روحانياته أسس الأحكام الموجودة في التوراة)[780] .
قال العلماء (وإنما خص أهل الإنجيل بالذكر ، لبيان أن الإنجيل لم ينزله الله للأمم كافة ، وأن شريعته ليست باقية لكل زمان ، لأن بعثة عيسى عليه السلام كانت خاصة بالأمة اليهودية)[781] ، يقول النبي r (كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) [782] ، وذلك لأن الأحكام تدور مع علتها وجودًا وعدمًا ، ومن ثم تبدلت الأحكام والشرائع ونسخت بحسب طبائع البشر واختلاف استعداداتهم وإمكانياتهم .
أما أمة "محمد"r فلأنها أمة وسطًا فُضلت على سائر الأمم بالشريعة الخالدة التي تتناسبت أحكامها وتشريعاتها مع كل مصالح وحاجات كل جيل لاحق لجيل الصحابة والسلف الصالحون دون أن يطرأ عليها نسخ أو يطالها تحريف.
قوله (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ..) (47) (الواو استئنافيّة ، واللام لام الأمر ، وفعل (يحكم) مضارع مجزوم بلام الأمر) [783]، قال الواحدي أي (ليحكموا بهذا الكتاب في ذلك الوقت) [784]، وفي ذلك دليل على أن الإنجيل مثل التوراة فيه بيان أحكام الله التي تقضي بين الناس في المسائل التي يتنازعون فيها ، وما يشابهها من الأقضية والجنايات والتحكيم والقصاص والتسوية والصلح والعفو ، قال الألوسي (أمر مبتدأ لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائل رسالته r وما قررته شريعته الشريفة من أحكامه) [785]، قال أبو حفص (المرادُ "وليحكمْ أهلُ الإنجيلِ بما أنزل الله فيه" زجرهم عَنْ تحريفِ ما فِي الإنجيل وتَغْييرهِ كما فعله اليهودُ مِنْ إخفاءِ أحكامِ التَّوراةِ)[786]
ولو أنهم احتكموا للإنجيل لعلموا أن النبي أحمد r سوف ينزل بشريعة جديدة هي مصدقة لما تضمنته الشرائع السابقة من أحكام مرعية ، وناسخة لشريعتهم التي طالها التحريف والتبديل ، كما في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف/6) ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ قَالَ (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)[787] .
قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (47) بيان للأسباب التي حالت بين أهل الإنجيل وتحملهم أعباء الدعوة وأمانة الشريعة ، مما اضطرهم إلى عدم الحكم بما أنزل الله ، حيث سبق أن بينت الآيات أن ظلم اليهود كان سبب نكولهم عن حمل هذه الأمانة ، وهنا تبين الآية أن فسق بعض من ينتسبون للإنجيل حال بينهم كذلك وبين حمل أعباء الدعوة والحكم بما أنزل الله [788]
يقول الدكتور سفر الحوالي (الذي حدث هو أن شريعة عيسى عليه السلام لم يكتب لها التطبيق على المستوى العام لسببين متلازمين : الأول: -
أنه لم يقم لها دولة تتبناها وتقيمها في الأرض، إذ من المعلوم أن عيسى عليه السلام، توفاه الله ورفعه إليه وهو لم يزل في مرحلة الدعوة التي تشبه حال الدين الإسلامي قبل الهجرة
الثاني: أنه عليه السلام، قد بعث إلى قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد ، وفي الوقت ذاته كانت المنطقة المبعوث فيها جزءً من مستعمرات إمبراطورية وثنية عاتية ، فكان ميلاد الدين الجديد في محيط معاد كل العداء له ولرسوله ، نتج عنه اضطهاد للمؤمنين ، لم يدع لهم فرصة لتطبيقه إلا في النطاق الشخصي الضيق) [789].
الشريعة الخاتمة كاشفة عن حكم الله الذي ضاع بين الأمم السابقة
قال تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (48) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)
قوله (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) فالقرآن الكريم جاء ليصدق ما جاء في التوراة والإنجيل من عقائد وأحكام ثابتة لا تتغير ولا تتبدل وتمثل ركائز هذا الدين ، أما ما به من شريعة وما يرتبط به من تكاليف وأحكام عملية ، فإنها ناسخة لما سبقتها من الشرائع طالها التحريف والتبديل ، حيث لا يعرف منها ما زال على أصله وما بُدل وحُرِّف منها ، قال تعالى (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [الشعراء/76]
قوله (.. وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) ما يعني وجوب العمل بشريعة الإسلام ، وإبطال العمل بكل ما يخالفها من أحكام ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا فَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ أَوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي)[790] .
وذلك لسبيين : الأول : أن الأمم السابقة تخلت عن حفظ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة 79) فطمست معالم دينهم لأجل ذلك ، أي بتركهم هذه الفريضة ، زاد المنكر ، وقل المعروف ، فتغيرت معالم دينهم ، أما أمة الإسلام فلأنها أمة وسطا فقد ميزت على سائر الأمم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (110) أي بالتزام أمة الإسلام بأداء هذه الفريضة ، لم يحصل هدم للدين بل الذي حصل أن ثبتت أركانه ، فلما حصل هذا البون الشائع بين أهل الشريعتين كان لزاما أن تتعدل بعض الأحكام لاسيما الشعائر والعبادات والأحكام التكليفية العملية على وجه العموم ليتناسب الحكم الجديد مع المتغيرات التي اعترت البشر زمانا ، فيكون الحكم متناسبا مع ظروفهم واستعداداتهم وأحوالهم التي استجدت.
الثاني : ترتب على حفظ أهل الدين لإسلام عقيدة ومنهجا ، في حين فسدت عقائد أهل الكتاب وعبادتهم بفضل تمسكهم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد أضحى أهل الزمان غير الزمان ، والاستعدادت الفطرية مختلفة عما كان عليه أهل وزمانهم ، استتبع ذلك لزوم أن تتغير الشرائع بما يتناسب مع تغير الاستعدادات البشرية وتتغير التكليف الربانية مع تغير الحال ، فقد رأينا إعراض قوم موسى عن نصرته ، وإقبال قوم محمد على نصرته ، فلذلك كان لابد من أن تتغير الأحكام وفقا لذلك ، فحيث كان الظلم تشدد التشريع ، وحيث انتفى حصل التخفيف ، ومن ذلك قوله تعالى (وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ . . ) [ آل عمران : 50 ] ، فإذا تغيرت الأحكام عما سبق دل ذلك أن الإسلام مهيمنا على غيره من الشرائع السابقة .
أي جاء الإسلام بتصحيح العقيدة التي حرفت والشرائع التي بدلت والأحكام التي حرفت ، وبتكاليف تتناسب مع تنوع الطبائع البشرية ، مع مراعاة أنه جاء مصدقا لما في التوراة والإنجيل من أحكام فيها حكم الله لم يطلها التحريف على وجه الإجمال لا التفصيل ، قال الرازي (إنما كان القرآن مهيمناً على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخاً البتة ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف ، وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق صدق باقية أبداً فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبداً)[791].
فبمقارنة الشريعة الإسلامية بغيرها من الشرائع من جهة الحفظ ، نجد أنها محفوظة بحفظ الله لها ، قال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ( الحجر/ 9 ) في حين أن غيرها من الشرائع طالها التحريف والتبديل ، فضاعت بإهمال البشر لها وتقصيرهم فيها .
وأما من حيث البناء والتجديد فإنها أكمل الشرائع وأتمها ، حيث إن صلاحيتها لم تقتصر على قوم دون آخرين ولا زمان دون غيره ، بل امتدت دعوة الإسلام لكل زمان بعد وفاة الرسول r وإلى كل مكان ، قال رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ)[792] ، (فظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها وقد وقع)[793] ، وفي الحديث تشبيه حيث (شبه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس إلى مكارم الأخلاق بدار أسس قواعده ورفع بنيانه ، وبقي منه موضع لبنة فنبينا بعث لتتميم مكارم الأخلاق) [794] ، ولعل تلك اللبنة ما فضلت به الأمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال ابن حجر (والمراد أنها مكملة محسنة وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها كان ناقصا وليس كذلك ، فإن شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملة , فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع الكامل)[795].
قوله (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ) الأمر للنبي r والضمير عائد علي المحكمين بتلك الشريعة سواء أكان التحكيم واجبًا لمن هم رعايا الدولة المسلمة سواء "مسلمين" أو "ذميين" ، أو كان التحكيم جوازيا لمن ليسوا كذلك من "المعاهدين والمستأمنين" و"رعايا الدول الأخرى الذين يلجئون إلى التحكيم الإسلامي" ، على التفصيل المتقدم ذكره .
وهنا تقضي قواعد الإسناد المعمول بها في الفقه الإسلامي بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ، لأنها هي ما أنزل الله في القرآن الذي وُصف بأنه مهيمنًا على غيره من الكتب ، وعدم الالتفات لأي قاعدة تشريعية تخالف أحكام الشريعة الإسلامية ، فلا يجوز الاحتكام إلى ما عندهم من التوراة والإنجيل لأن حكم الله الذي فيهما قد بدل وحرف على الغالب ، كما أنه نسخ بتنزيل الكتاب المهين عليهما .
قال الماوردي (هذا يدل على وجوب الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إلينا ، وألا نحكم بينهم بتوراتهم ولا بإنجيلهم) [796]، بمعنى أنهم إذا تحاكموا إلينا بصفة خاصة أي باعتبار أن القاضي الإسلامي يطبق أحكام الشريعة الإسلامية ، فإن هذا اللجوء للمحكمة الشرعية الإسلامية بمثابة نزول منهم عن تطبيق الأحكام التي يستندون إليها في توراتهم وإنجيلهم أي أحكام دينهم الخاصة بنزاعاتهم ، وذلك فيما يخص نزاعاتهم الملية أو الطائفية المتعلقة بأحوالهم الشخصية ، وإقرار منهم بارتضائهم تطبيق أحكام الإسلام على النزاع المعروض ، أما في غير هذا الفرض ، فإن قاضي المسائل المتعلقة بالنظام العام واحد ، يطبقها على المسلمين وغير المسلمين على وجه سواء ، أي إذا لجئوا لمحكمة لا تتعلق بقضايا الأسرة أو إثبات الملة ، فهنا لا تطبق أحكام دينهم ، وإنما الواجب تطبيق الأحكام التي أنزلها الله في كتابه وتلك التي نصت عليه سنة رسوله ، واستنطبها العلماء منهما سواء باجتهاد أو بغير اجتهاد لوضوح النص وصراحته .
قال مفتي الديار المصرية (قال بعض العلماء : " وهذا يفيد أن اليهود الذين عاشروا النبي r ومن جاءوا بعدهم مخاطبون بشريعة القرآن ، وأنه نسخ ما قبله من الشرائع إلا ما جاء النص بوجوب العمل به كالقصاص ، أو ما لم يثبت أنه نسخ ، والمعول عليه في الحالين هو القرآن وما جاء به الرسول r)[797]
قال ابن عاشور (والذي يستخلص من الفقه في مسألة الحكم بين غير المسلمين دون تحكيم : أن الأمة أجمعت على أن أهل الذمة داخلون تحت سلطان الإسلام، وأن عهود الذمة قضت بإبقائهم على ما تقتضيه مللهم في الشؤون الجارية بين بعضهم مع بعض بما حددت لهم شرائعهم)[798] ، يعزى ذلك إلى أن الجنايات والحدود شرعها الله تعالى لحفظ الضروريات الخمس ، تلك الضروريات المعتبرة في كل ملة [799] ، (بحيث لم تختلف فيها الملل كما اختلفت في الفروع ، فهي أصول الدين، وقواعد الشريعة، وكليات الملة)[800]
ولذلك يرى ملك والشافعي وأحمد أن الشريعة الإسلامية تطبق علي كل جريمة ترتكب في دار الإسلام بصرف النظر عن الجاني أكان مسلما أو ذميا أو مستأمنا ، فالمستأمن إذا ما ارتكب جريمته داخل دار الإسلام ثم هرب منها فلا تسقط عقوبته ، بل تظل واجبة وتستوفي منه حين القدرة عليه) [801]
أما الأحناف ، فيري أبو يوسف أن الشريعة الإسلامية تسري علي كل المقيمين في دار الإسلام سواء أكان مسلما أو ذميا أو مستأمنا سواء تعلقت جريمته بحقوق الجماعة أو الأفراد
غير أن أبو يوسف استثني من ذلك شرب المستأمن الخمر فقال : "يقام عليه الحدود إلا حد الشرب الخمر كالذمي لأنه التزام أحكامنا مدة مقامه في دارنا" [802]
وعلي ذلك فإن رأيه يتفق مع رأي الجمهور ، إلا في مسألة شرب الخمر ، لكن إذا سكر الشارب في الطريق العام ، هنا يجب عليه الحد ، لأنه لم يسر بشربها وأخل بالحياء العام ، وكذلك القوانين الوضعية تعاقب على السكر البين في الطريق أو الأماكن العامة
بينما يري أبو حنيفة أن الشريعة الإسلامية لا تطبق علي المستأمن إلا في الجرائم التي تمس حقوق الأفراد دون غيرها من الجرائم [803] ، وبالنظر إلى هذا القول نجد أن الحدود السبعة (الردة ، الحرابة ، السرقة ، شرب الخمر ، الزنا ، القذف) ، والقصاص تضمنت مساس بحقوق الأفراد والمجتمع ، ومن ثم يتفق الأحناف مع الجهمور في وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في "الجنايات" ، ومن ثم قد تختلف نظريتهم فيما عدا ذلك بالنسبة لأمور الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق وبعض المعاملات المدنية أو التجارية ....الخ ، بحسب تقدير كل منهم في مساسها أو عدم مساسها بالنظام العام.
قوله (...وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ) يستبين بهذا النهي وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية على كل من يدخل دار الإسلام ، فيرتكب به جريمة أو فعل معاقب عليه يتصل بحقوق الله تعالى ، أما ما يتصل به من حقوق للعباد ، فهنا الأصل هو القصاص وضمان ما أتلف من أموال ، واستثناء من ذلك فيجوز العفو بينهم ، وإثبات حصوله لانقضاء الاتهام ، ومن ثم فلا وجه لاتباع أهواءهم فيما ذلك ، فالأحكام الشرعية واضحة ولا يجوز المساومة فيها ، لاسيما وأنها تتعلق بين من يخضوعون لسطان دار الإسلام
لكن في فرض أن أحد أطراف العلاقة مستأمنا أي داخل لدار الإسلام بعهد وأمان مؤقت ، ثم يعود إلى داره دار الكفر ، هنا المجال في المساومة واسع ، لاسيما إذا ما علمنا أن ثمة خلاف فقهي في هذه المسألة ، ولذلك سوف نذكر مختصرا لما ورد إلينا من أقوال الفقهاء في هذه المسألة ، وقد لاحظنا أنه يختلف باختلاف نقاشهم لنوع الجريمة المرتكبة ، ومدى مساسها بالمجتمع المسلم والحياء العام ، وهو ما يسمى بـ "الإطار التشريعي العام للدولة" أي النظام العام ، وتفصيل ذلك على النحو التالي : -
أولا : بالنسبة لعقوبة شرب الخمر : استثنى جمهور الفقهاء من المالكية و الحنابلة و الشافعية و الحنفية في ظاهر الرواية عندهم الذميين والمستأمنين من عقوبة شرب الخمر لأنهم لا يؤمنون بحرمتها[804] ، ولم يتحدثوا عن التفرقة بين حالة السكر البين وغير البين ، إذ لم يجرؤ أحد عن أن يعلن بشربها في زمنهم ، فضلا عن أن حديثهم عن عدم الإيمان بحرمتها يختص بعقيدتهم ، لكن إذا استطالت حالت السكر البين لتمس بالمجتمع والجيران ، فهنا خرجت المسألة عن حرية الاعتقاد ، ودخلت في دائرة الشريعة الإسلامية ، حيث تجب عقوبتهم لذلك المساس .
أما غيرهم - كالظاهرية - فعندهم تجب عقوبة شرب الخمر علي شاربها مسلما كان أو غير مسلم [805]
وعند الشيعة الإمامية يحدون إذا تظاهروا بشرب الخمر [806] ،وعند الزيدية يحدون إذا سكروا لتحريم السكر عليهم [807]
أما بالنسبة للقوانين الوضعية فإنها تعاقب علي السكر البين في مكان عام بصرف النظر عن شخصية مرتكب تلك الجريمة ، ولا تعاقب علي الشرب دون سكر ، أما في غير هذه الحالة فتتباين التشريعات الجنائية في هذا الصدد ، ومن ثم فإن حالة خروج الشارب إلى المجتمع في حالة سكر بين هي القدر المشترك بين فقهاء الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية بشأن تقرير العقاب علي هذه الجريمة بصرف النظر عن شخصية مرتكبها ، و في ذلك حماية لمصلحة المجتمع من خطر هؤلاء إذا سكروا .
ثانيا : بالنسبة لحد الزنا : يرى الجمهور إيجاب الحد علي المستأمن والذمي علي السواء إذا ثبت ارتكاب الزنا داخل دار الإسلام
وكذلك عند أبي يوسف من الأحناف أنهما يحدان – المستأمن – إذا ما زنيا في دار الإسلام ، ووجه قوله أنه لما دخلا دار الإسلام فقد التزما أحكام الإسلام مدة إقامته فيها فصار كالذمي .
وعند أبو حنيفة و محمد الحربي المستأمن إذا زنا بمسلمة أو ذمية أو ذمي زنا بحربية مستأمنة لا حد على الحربي والحربية عندهما ، ووجه قولهما أن الحربي لم يدخل دار الإسلام على سبيل الإقامة والتوطن بل على سبيل العارية ليعاملنا ونعامله ثم يعود فلم يكن دخوله دار الإسلام دلالة التزامه حق الله سبحانه وتعالى خالصا
أما حكم الذمي أو الذمية إذا زايا بمستأمنة أو مستأمن ، فإن المستأمن إذا زنى بذمية أو ذمي زنى بمستأمنة ، فإنه يحد الذمي والذمية في قول أبو حنيفة ، وفي قول محمد لا تحد الذمية ويحد الذمي ، وقال أبو يوسف يحدون كلهم [808].
ويرى الباحث أن التفرقة بين المستأمن والذمي في إيجاب حد الزنا فيها اضطراب ، سيما إذا ما وقعت جريمتهم داخل دار الإسلام ، فإن هذه التفرقة يعزوها الدليل ، بل إن الدليل الوارد في ذلك عام ، ولا يجوز تخصيصه أو الاستثناء منه بدون دليل ، أي يجب الحد على الزاني والزانية ، دون تقييد لصفة الزانية أو الزاني متى وقعت الجريمة داخل دار الإسلام ، فوجب الأخذ بظاهر القرآن ، ولا يجوز ترك ظاهره إلا عملا بدليل آخر أو أن يظهر في ذلك مصلحة معتبرة شرعا ، ولا أدري أي مصلحة معتبرة شرعا يستندون عليها في هذا الشأن فتعين هجر القول المخالف لرأي الجمهور لهذا لعدم الدليل على هذه التفرقة
لكن يخال إلي أنه إذا زنى المستأمن بمستأمنة ، فهذه المسألة ليست التي تحدث عنها أبو حنيفة ومحمد ، لكن يمكن أن يؤخذ برأيهما في هذا الفرض ، وإن كان رأيهم أعم من ذلك ، باعتبار أنه إذا كان الطرفان مستأمنين ، فهذا شأن خاص بدينهم ، فهم لا يعتقدون حرمة ذلك ، فلا يعاقبون شريطة الاستتار ، فلا يطلع عليهم أرهم في خلوتهم ولا يجوز التجسس عليهم ، أما إذا جهروا ولم يستتروا فعقوبتهم واجبة .
ثالثا : حد القذف يكاد ينعقد الإجماع علي إيجاب حد القذف علي المستأمنين إذا ما ارتكبوا جريمتهم داخل دار الإسلام ، لمساس هذه الجريمة المباشر بالمجتمع ، فلا يقع فيها عفو ولا صلح ، لأن حق الله فيها غالب ، ولأنه التزم أحكام الإسلام مدة إقامته فيها فصار كالذمي ، كما أنهم لما دخلوا دار الإسلام فقد التزموا أمان المسلمين عن الإيذاء بأنفسهم ، فظهر حكم الإسلام في حقهم [809].
رابعا : حد السرقة فالجمهور بأن المستأمن يحد بقطع اليد سواء بسواء مثل الذمي
أما عند محمد بن الحسن لا يقام حد السرقة علي المستأمن ، وإنما يضمن ما سرقه فمن سرق منهم في دار الإسلام ، ويجب التعزير أي بعقوبة وضعية كالحبس ، فيضمنوا المال إذا سرقوه ولا قطع عليهم ، لأنهم لم يصالحوا ولم يكونوا ذمة تجري عليهم الأحكام .
وهكذا يُصر بعض الأحناف علي التوسع في العمل بالاستحسان بدون دليل ، حتى لو بخلاف الدليل المعتبر (السارق والسارقة فاقطعوا أيدهما) ، ومستندهم في ذلك ما خال في ذهنهم أن المستأمن ليس كالذمي.
فلا أدري إذا ما علم اللصوص من دار الحرب برأيهم ، وقد علموا ألا قطع في السرقة ، ماذا يفعلون في ديارنا !؟ .
خامسا : القصاص في القتل و الجراح
فعند الجمهور إذا اعتدى مستأمن على غيره في دار الإسلام ، فإنه يقتص منه لأنه قد ثبت القصاص في شرعهم ، فحكمه سواء الجاني إذا كان مستأمنا فحكمة مثل الجاني الذمي أو المسلم ، فيقتص منه ، أما في الفرض العكسي أي أي لو وقعت الجناية من مسلم أو ذمي على "مستأمن" فهل يجب القصاص جزاء عدلا ، لقوله (النفس بالنفس والجروح قصاص) ، ولقوله r (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) [810]، ففي هذه المسألة رأيين ، الأول بالقصاص ، والثاني بالتعزير بدلا من القصاص لعدم تكافؤ الدمين ، ولأن الأمان مؤقت ، ويجب في ذلك الدية، إضافةً إلى تعزيره بما يناسب من العقوبة على التعدي وبقدره ، ويسقط القصاص في هذه الحال لوجود الشبهة في إباحة دمه لسابق حرابته للمسلمين.
وقد بين محمد بن الحسن علة الرأي القائل بأنه إذا قتل رجلا من المستأمنين رجلا من المسلمين أو من أهل الذمة عمدا أو خطأ أو قطع يده عمدا أو خطأ فإنه يقتص منه لأن في هذا حقوق المسلمين وأهل الذمة فلا بد من أخذها لهم
أما إذا كان المعتدي من المسلمين وقطع يد مستأمن أو قتله عمدا ، فلا يقتص له منه في العمد عنده ، فقد قيل له ولما لا يكون هذا بمنزلة أهل الذمة بالرغم من وجوب القصاص للذمي من المسلم في النفس - عنده - وما دون ذلك ؟
فرد عليه أن وجه قوله أنه ليس هذا بمنزلة أهل الذمة لأنه محارب ألا ترى أني لا أجري عليه الأحكام والحدود فما أصاب الذمي والمسلم من هذا المستأمن من قطع يد أو قتل فلا قصاص عليهما فيه وعليهما فيما أصابا من ذلك عمدا كان أو خطأ دية الحر المسلم [811]
وأرى أن في رأييه وجه معتبر ، وهو أن المستأمن لا يطبق عليه في بلاده حد القصاص ، والقاعدة المتبعة أن القاعدة الجنائية الأصلح للمتهم أي الأكثر تخفيفا هي الواجبة التطبيق ، فإذا كان أمان المستأمن مؤقت ، وليس بدائم ، وأنه سوف يرجع إلى دار الكفر مرة أخرى ، فعلام تطبق أحكام الإسلام عليه وهو في الأصل لا تطبق عليه في داره ، فلزم هنا العمل بما فيه مصلحة للجاني ،وكأنه ارتكب الجناية عليه في داره أي دار الكفر ، فيتم تعزيره وفقا لقوانين بلاد المستأمن المجني عليه ، ولا قصاص إن كان ذلك هو الأصلح للمتهم .
سادسا : جريمة الربا وما يجوز بيعه أو البيوع المنهي عنها : هنا فرق الفقهاء بين وقوع هذه الجريمة بين مسلم أو ذمي داخل حدود الديار الإسلامية مع مستأمن أم خارجها ، وكثير من الفقهاء لم أجد في مذاهبهم حديثا عن هذه المسألة تحديدا .
قال مالك والشافعي وأبو ثور في ذلك كله لا يجوز في دار الحرب ولا غيرها لمسلم أن يبيع أو يشتري ،كما لا يجوز له في دار الإسلام[812]
وقال أبو يوسف لا أجيز لمسلم أن يشتري من حربي إذا دخل بأمان درهما بدرهمين ولا شيئا من الربا ولا يبيعه خنزيرا ولا ميتة .
أما الأحناف فقد ردوا بيع المحرمات والتعاقد بالربا إذا تم في دار الإسلام ، ويتفق معهم في هذا الشأن قول أبي حنيفة ومحمد
لكن إذا جرت المعاملة في دار الحرب ، فهناك قول لأبي حنيفة ومحمد بأنه لابأس ، فقيل لهما لما هذا ومذهبهما بخلاف ذلك إذا دخل المسلم بلادهم –أي في الفرض العكسي حيث تجري المعاملة في دار الحرب - حيث قالا لا بأس أن يبيعهم الميتة ويبيعهم الدرهم بالدرهمين ؟
فردا عليهم بأن ذلك لا بأس به في بلادهم وليس هذا كالباب الأول وهما في دار الإسلام وتجري عليهما أحكام المسلمين ، فلا يجوز بينهم إلا ما يجوز بين المسلمين وإذا كان المسلم مستأمنا في دار الحرب ، فله أن يأخذ أموالهم برضاهم بما أوجب وبما أعطاهم لا بأس بذلك لأن أحكام المسلمين لا تجري عليهم هناك وهذا[813].
يتبين من رأي الأحناف في هذا الشأن أنهم ولئن عادوا نسبيا لرأي الجمهور بصدد معاملات الكفار في دار الإسلام إلا أنهم عادوا مرة أخرى إلي الحكم بغير دليل بصدد معاملاتهم مع المسلمين خارج دار الإسلام وداخل دار الحرب حتى إنهم علي الرغم من أنهم يستندون في خروجهم علي الأدلة بالمصلحة فيسمونها استحسانا ، إلا أن وجه الاستحسان غير ظاهر في هذه المسألة .
ولكنني أرى أن رأي أبي حنيفة ومحمد لا يخلو من فائدة في الفرض حيث يشترط أن تجري المعاملة على هذه الشاكلة في دار الحرب ، ولا سبيل للمسلم أن يعمل بخلاف ذلك ، وهو مضطر للمعاملة معهم ، فذلك قد يفتى له بالجواز بقدر الضرورة الملجئة لذلك ، لكن يجب مراعاة كل حالة على حدة ، دون تعميم ، والمثال على ذلك دخول زوجته حجرة العمليات وهو مضطر لدفع تكاليف العملية بالفيزا ، وتأخر في السداد فترتبت عليه فائدة ، وقد تعذر عن السداد في الموعد لقوة قاهرة أو عذر شرعي مبيح .
قوله (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ..) (48) والمقصود بالشرعة والمنهج الأحكام العملية الفرعية التي طالها النسخ ، أما الشريعة التي لم يمسها التحريف والعقيدة التي هي التوحيد ، فهي دين الله الذي لم يتبدل ، وهو مرعي في كل ملة ، بمعنى (عدم التعلق بشرائع الأولين)[814] ، أي أن شريعتهم انتهى زمانها في المسائل الفرعية ، وبقيت شريعة الإسلام الواجبة التطبيق دون حاجة لشرائع من سبقنا ، ولذلك قال النبي r لعمر بن الخطاب (أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ) عاتبه أنه كان يقرأ كتب أهل الكتاب وغضب منه ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ r بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ r فَغَضِبَ فَقَالَ أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى r كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي)[815].
قال الشنقيطي (المراد به أن بعض الشرائع تنسخ فيها أحكام كانت مشروعة قبل ذلك ، ويجدد فيها تشريع أحكام لم تكن مشروعة قبل ذلك) [816] ، قال السعدي (وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم، هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال، وكلها ترجع إلى العدل في وقت شرعتها، وأما الأصول الكبار التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان، فإنها لا تختلف، فتشرع في جميع الشرائع) [817] .
قوله (..وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (48) يعني أن الرغبة في تجميع أهل الشرائع جميعا ليكونوا أمة واحدة لا يكون البتة على حساب تغيير شريعة الإسلام أو الانتقاص منها ، بل يعمل بشريعة الإسلام كما هي حتى لو أدى ذلك إلا أن يظل الناس متفرقين على إحدى وسبعون شعبة ، كلها في النار إلا ما كان عليه أهل ملة الإسلام منذ أن خلق الله أرض إلى قيام الساعة ، قال الشعراوي (هي أمة واحدة يعني في عقائدها وإن اختلفتْ في الشريعة والمنهج ، والأحكام الجزئية التي تتعرض لأقضية الحياة)[818] .
قال صاحب الظلال (بذلك أغلق الله - سبحانه - مداخل الشيطان كلها؛ وبخاصة ما يبدو منها خيراً وتأليفاً للقلوب وتجميعاً للصفوف؛ بالتساهل في شيء من شريعة الله؛ في مقابل إرضاء الجميع! أو في مقابل ما يسمونه وحدة الصفوف! إن شريعة الله أبقى وأغلى من أن يضحى بجزء منها في مقابل شيء قدر الله ألا يكون! فالناس قد خلقوا ولكل منهم استعداد ، ولكل منهم مشرب ، ولكل منهم منهج ، ولكل منهم طريق ... وإنها لتعلة باطلة إذن ، ومحاولة فاشلة ، أن يحاول أحد تجميعهم على حساب شريعة الله ، أو بتعبير آخر على حساب صلاح الحياة البشرية وفلاحها ، فالعدول أو التعديل في شريعة الله لا يعني شيئاً إلا الفساد في الأرض؛ وإلا الانحراف عن المنهج الوحيد القويم)[819]
قال تعالى (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ) التكرار لتأكيد أن مناط الحكم والتحكيم في شأن أهل الكتاب هو تطبيق شرع الله ، وإنزال حكم الله على المحكومين ، فقد قسم العلماء معاملة أهل الكتاب في دار الإسلام على أربعة أقسام ، ولكننا جعلناها خمسة بفصل القسم الرابع إلى رابع وخامس :-
القسم الأول: عبادات وشعائر وطقوس الذميين كصلاته وذبحه وغيرها ، فلا خلاف بين العلماء في أن المسلمين لا يتعرضون لهم بتعطيل ، إلا إذا كان فيه فساد عام كقتل النفس، مثل قتل الأطفال إرضاء للشياطين .
ومثال ما يتعلق بعقائدهم وطقوسهم الدينية إجراء الانتخابات بين الأساقفة والمطرانية ...الخ لتولي زعامات دينية ، فهذا لا اختصاص فيه للمحكام الشرعية ، وتختص به المحاكم الملية متى أنشأ نظام الدولة محاكم لهم خاصة .
مثال آخر إثبات الملة ، فهذا شأنهم ولا دخل للمسلمين فيه ، أما إذا أراد أحدهم إثبات خلاف ملته أي أنه يعتقد دين آخر فهذا ليس شأنهم ، بل هو مسيس الصلة بالنظام العام ، وهنا تطبق أحكام الملة التي يرغب في الالتحاق بها
القسم الثاني: ما يتجاوز من أفعالهم إلى ما فيه مساس بالنظام العام أو الإفساد بالمفهوم الإسلامي ، كالسرقة والاعتداء على النفوس والأعراض ، وقد أجمع علماء الأمة على أن هذا القسم يجري عليه أحكام الإسلام، لأنا لم نعاهدهم على الفساد، وقد قال تعالى: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [البقرة:205]، ولذلك نمنعهم من بيع الخمر للمسلمين ومن التظاهر بالمحرمات.
القسم الثالث: ما يجري بينهم من المعاملات والعادات بما لا يمس النظام العام ، كشرب الخمر وأكل الميتة والخنزير ، أي الأعمال التي يستحلونها ويحرمها الإسلام ، فهذه أيضا يقرون عليها ، ما لم يكن تأثير العادة يمس بالمجتمع كحالة السكر البين كما ذكرنا
القسم الرابع : ما يجري بينهم من المعاملات التي فيها اعتداء بعضهم على بعض تجيز الشريعة الصلح فيها : كالجنايات التي فيها قصاص، والديون، فهذا القسم الذي يجوز فيه الصلح والعفو بينهم ، وبابه واسع ، هنا القاضي يرفع الظلم عنهم ، فهو يؤسس حكمه على مقاصد الشريعة المرعية في كل ملة ، فللقاضي المسلم الولاية الكاملة على أهل الذمة في كل ما يخرج عن شئونهم الدينية ، فإذا ما تراضوا فيما بينهم صلحا في مثل تلك الأقضية فقد انحسرت ولايته عنها ، وإلا فإنه يبسط حكم الله عليهم.
القسم الخامس : والأنكحة والطلاق ، وتخاصم الزوجين ، فهو أمر لصيق الصلة بالقسم الأول ، أي الأمور الاعتقادية أو الشعائر الدينية ، لكنه ولأن فيه مساس - ولو غير مباشر - بالنظام العام ،فهنا يرتهن تطبيق الشريعة الإسلامية عليهم بأمرين بأحد أمرين :-
الأول : أن يتراضيا عن التنازل عن أحكام دينهم الخاصة بشئونهم الملية أو الطائفية[820] ، فإذا استعدى أحدهم على الآخر بشكاية لقاضي شرعي أي يحكم بأحكام الشريعة الإسلامية ، ولا يوجد دفع بعدم الاختصاص ، فهنا يقضي بينهم وجوبا بأحكام الإسلام ،بقدر ما يرفع عنهم الظلم أي بالقسط ، لأن اختصاصه بنظر القضية انعقد بعد أن ثبت لديه تخليهما عن تطبيق شريعتهما ، واللجوء إلى أحكام الشريعة الإسلامية اسثتناء من الأصل ، فإن تمسك كلا منهما بتطبيق أحكام دينهم ، فالاختصاص هنا يؤول إلى المحاكم الملة إن كان نظام الدولة قد أنشأها [821].
الثاني : أن تكون المسألة ذات صلة بالنظام العام ، فهنا يجب تطبيق الشريعة لمساسها المباشر بالنظام العام ، كأن تجيز قوانينهم الملة أو الطائفية الزواج بين الشذوذ .
فهناك كنائس مسيحية تجيز العلاقات المثلية وتسمح لأفراد مجتمع الميم بالزواج والخدمة الكهنوتية، ومنها الكنائس اللوثرية الإنجيلية الأمريكية، والأسقفية، والمشيخية في أمريكا، وكنيسة إنجلترا، وبعض الكنائس البروتستانتية الأخرى[822]
وقد أثيرت شبهة بأن هذه الآية ناسخة لما سبقها ، وهو ما روي عن بن عباس رضي الله عنهما قال ( آيتان منسوختان من سورة المائدة فاحكم بينهم أو اعرض عنهم فأنزل الله عز وجل وإن الحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) [823] ، ولكن مناط العمل بهما مختلف عن هذه الآية ، لأن قوله (فاحكم بينهم أو اعرض عنهم) يتعلق بالتحكيم الدولي كما ذكرنا ، أو ما يسمى بالدويلات الكونفدالية ، بينما في هذه المسألة فإنها تتحدث عن التحكيم الداخلي ، ولكن ولأنه في عهد النبي r انتهى تحالفه مع اليهود بالإجلاء من المدينة ، وسمح ليهود خيبر بأن يكونوا أهل ذمة ، فصار أهل الكتاب من أهل موادعة إلى أهل ذمة تغيرت الأحكام في بسط أحكام الشريعة الإسلامية عليهم ، ومنها مرفق القضاء ، فهذا مقصد ابن عباس من دعوى النسخ على حال زمانه ، والله أعلم .
قال أبو عمر يوسف النمري (في النظر عندي ألا يحكم بنسخ شيء من القرآن إلا ما قام عليه الدليل الذي لا مدفع له ولا يحتمل التأويل وليس في قوله عز وجل :(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) دليل على أنها ناسخة للآية قبلها لأنها يحتمل معناها أن يكون (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) إن حكمت (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) فتكون الآيتان مستعملتين غير متدافعتين) [824]
قوله (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ) تحذير للنبي r ومن معه من خداع الكافرين والمنافقين وحيلهم لتبديل حكم الله تعالى ، وفيه تأكيد على أن أحكام الله تعالى ليست اختيارية ولا استرشادية ، وإنما هي أحكام واجبة التطبيق ، ولا يجوز تعطيلها ولا الانحراف عن منهج الله وشرعه قيد أنملة ، ولا يجوز كذلك مناقشة أصحاب الأهواء في التخلي عنها ولا تبديلها ، حتى ولو تذرعوا بأنهم مستثنون من تطبيقها لعدم إيمانهم بها ، ذلك أن حكم الله فيما يتعلق بالضرورات الخمس المذكورة سلفا غير مرتهن تطبيقه بالإيمان به ، فهو يطبق على من آمن به ومن لم يؤمن ، وذلك لأنها حقوق الله تعالى راعى فيها مصلحة المجتمع ككل وليس لمصلحة آحاد الناس أو فئة أو طائفة منهم .
وعلى ذلك يجب الانتباه إلى محاولات بعض الدول إلى توقيع اتفاقيات دولية لتطبيق قوانين وتشريعات تظلم أهل الكتاب فيما يتعلق بأمور دينهم ، متى كانت ذات صلة بالنظام العام ، أي متى كانت تستدعي هدم فضيلة ونشر رذيلة أو أن أي ما من شأنه تقويض حرية الرأي والتعبير ، أو تحول دون إعلاء من حرية الإعتقاد ، فإن أهواءهم إذا سارت إلى مثل هذا المنزلق فلا يجوز مسايرتهم فيه ، بحجة أن لهم دينهم ولنا دين ، كذلك إذا كان مصدرها قرارات ملية أو مجالس طائفية .
ومثال ذلك أي قانون يؤدي إلى خلط الأنساب ففي النظام الأمريكي يجوز لنظام التنبي أن تنشأ علاقة نسب قانونية كاملة، حيث يصبح الطفل المتبنى قانونياً ابنًا أو ابنة للوالدين المتبنين، وتُصدر له شهادة ميلاد جديدة تحل محل الأصلية، ويتمتع بكافة حقوق ومسؤوليات النسب
كذلك اتجهت بعض القوانين الحديثة في بعض الدول الغربية نحو إلغاء تجريم فعل زنا الأزواج من قانون العقوبات، ومعاملته كقضية مدنية أو مسألة متعلقة بالطلاق والأسرة ، فتقيم المرأة أكثر من علاقة مع غير زوجها لرفع العقوبة الجنائية عنها ، والاقتصار على التعويض المدني أو الطلاق.
كذلك قد نرى قوانين تمنع صراحة التحول للإسلام مثل الهند (ولاية كارناتاكا) كنموذج لقوانين منع التحول:يُعرف بـ"قانون منع التحول الديني"، يهدف لمنع التحول الهندوسي للإسلام والمسيحية، خاصة للزواج ، من ذلك ما يلي :-
يتطلب القانون تقديم طلب قبل شهر، ونشره للجمهور للاعتراض.
لجان تحقيق تبحث في الدوافع
تطبيق عقوبات (غرامات، سجن 3-5 سنوات) إذا ثبت أن التحول كان بغرض الزواج أو التعليم أو الوظائف، وتُضاعف العقوبة للمرأة والطفل والطبقات المهمشة.
مما يرهب الناس من التقدم على هذه الخطوة خوفا من وقوع الظلم عليهم بسبب هذه الإجراءات المتعسفة ، فإذا ثبت تزوجه بمسلمة بعد التحول للإسلام -وهذا أمر طبيعي- ، فإنه تطبق عليه عقوبة السجن .
ففي قوله (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ) يدل على أن الشريعة تطبق عليهم كاملة بلا نقصان ، فأحكام الله ليست محلا لنقاشات البشر ، وإنما هي أوامر يجب أن تنفذ ، في حق المسلمين والذميين على السواء ، ما لم يتعلق بأحكام دينهم التي لا مساس فيها بالنظام العام ، وقد أوضحنا الفكرة أكثر من مرة
وهذا التحذر القرآني تبعه كذلك تحذير رسول الله r لنا فقال رسول الله r (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ؟ ) [825]، وفي رواية لأحمد قال رسول الله r (لَيَحْمِلَنَّ شِرَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى سَنَنِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ) [826].
فليس من السائغ أن يتمسك أهل ملة بحقهم في نشر الدعارة والترخيص بالزنا بحجة أنهم لا يؤمنون بتحريمها ، فنرى منهم زنا المحارم أو الشذوذ الجنسي واللواط ........الخ ، فكل ذلك اعتداء على المجتمع وهو اعتداء على حق الله الثابت في كل دين وملة ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ قُولُوا اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ)[827] ، قال ابن رجب (ففتنة المحيا تدخل فيها فتن الدين والدنيا كلها، كالكفر والبدع والفسوق والعصيان، وفتنة الممات يدخل فيها سوء الخاتمة وفتنة الملكين في القبر، فإن الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريباً من فتنة الدجال)[828].
قال تعالى (فَإِن تَوَلَّوْاْ) (49) هذا في شأن المعاهدين المستأمنين ، ذلك أن أهل الإسلام وأهل الذمة لا ينبغي لهم أن يتولوا عن حكم الله ورسوله ، بل إن اعتراضهم على ذلك جناية منهم ، وإنما أشارت الآية إلى أن المحكومين بحكم الله تعالى ينقضون هذا الحكم ، يعني (أبَوْا أن يرضوا بحكمك) [829] وليس ذلك بكائن إلا في "التحكيم الاختياري"
أما المسلمون وأهل الذمة فإن حكم الله ينفذ فيهما جبرا لا اختيارا ، قال تعالى (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة/29) ، فالعلة من قتالهم أنهم لا يحرمون من حرم الله ورسوله ، والعلة في النهي عن قتالهم أنهم يعطون الجزية وهم صاغرون أي خاضعون لسلطان الإسلام ، فينزل فيهم حكم الله ورسوله .
قال تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (49) (أي فتلك أمارة أن الله أراد بهم الشقاء والعذاب ببعض ذنوبهم وليس عليك في توليهم حرج)[830] ، لأن من يجانب حكم الله يشقى ، ومن يعارض حكم الله يذوق وبال أمره ، فما شقت البشرية جمعاء إلا لأنها بعدت عن تحكيم الله ، ولم ترض بحكمه .
وتكلم سيد قطب عن شقاء البشرية بسبب ارتكابها ذنب البعد عن منهج الله فقال (وإن البشرية لتخبط في التيه كلما تركت هذا الهدى أو انحرفت عن شيء منه واستبدلت به شيئاً من تصوراتها هي ومقولاتها وأنظمتها وأوضاعها وشرائعها وقوانينها وقيمها وموازينها بغير «علم» ولا «هدى» ولا «كتاب منير» ... فالذي يريد أن يتملى شقاء البشرية في انحرافها عن هدى الله لا يحتاج أن ينقب ، فهو حوله في كل أرض تراه الأعين وتلمسه الأيدي ، ويصرخ منه العقلاء في كل مكان ) [831].
قوله ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(50) قال الواحدي (أيطلب اليهود في الزَّانيين حكماً لم يأمر الله به ، وهم أهل كتاب ، كما فعل أهل الجاهليَّة)[832]
ولذلك قيل أن "حكم الشرع مبني على علم، وما سواه مبني على جهل، وهذا في غاية التوبيخ والتقريع أن تبتغي حُكْمًا جاهليًا وتَدع حُكْم العليم الخبير".
وقال ابن كثير (كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم "اليَساق" وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى ، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية ، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه ، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا ، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r ومن فعل ذلك منهم فهو كافر..)[833].
قوله (..وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(50) (فالله لا يخلق شيئاً عبثاً ولا يشرع شيئاً سدى)[834]، قال ابن كثير أي: " ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء) [835].
وقوله ﴿ مَنْ ﴾: استفهام بمعنى النفي،أي: لا أحسن من الله حكمًا، جاء بهذه الصيغة ليكون أبلغ ومشعرا بالتحدي كما في قوله تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ قال القرطبي: "أي: أتقن الحاكمين صنعًا في كل ما خلق، وقيل: بأحكم الحاكمين قضاء بالحق، وعَدْلًابين الخلق"[836]
قوله (..لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(50) قال الشوكاني: "لا أحسن من حكم الله عند أهل اليقين لا عند أهل الجهل والأهواء"[837]
ولذلك قيل بأنه "كلما كان الإنسان أشد يقينًا، كان بيان حسن أحكام الله عنده أكثر ، وإذا شئت أن تعرف هذا فانظر إلى العلماء المحققين كيف يستنبطون من الأحكام الشرعية ما تقتنع به العقول؛ لأنهم موقنون بأن حكم الله أحسن الأحكام فيفتح الله عليهم".
علاقة المسلمين بأهل الكتاب بعد اكتمال التشريع
(51 - 86 )
المبحث الأول : الحفاظ على الإسلام من النقض بـ (عقيدة الولاء والبراء)
المطلب الأول : النهي عن موالاة اليهود والنصارى وقصر الولاية على الله ورسوله والمؤمنين
المطلب الثاني : أسباب البراءة من اليهود والنصارى رغم أنهم أهل كتاب
المبحث الثاني : طرق دعوة أهل الكتاب
المطلب الأول : ترغيب أهل الكتاب في المبادئ الكلية المرعية في كل ملة
المطلب الثاني : تبليغ الدعوة لأهل الكتاب بعزيمة متجددة
المطلب الثالث : مواجهة أهل الكتاب بحقيقة ضلالهم إجمالا بلا قنوط
المطلب الرابع : تبشير المؤمنين الجدد من أهل الكتاب بصحة ما سلف منهم من خير
المبحث الثالث : وجوب أن يميز الدعاة بين غدر اليهود وغلو أهل الكتاب ومودة النصارى
المطلب الأول : غدر اليهود وغلو النصارى مع أنبيائهم
المطلب الثاني : ترك الدعوة لأجل موالاة الظالمين
المطلب الثالث : التمييز بين عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين ومودة القساوسة والرهبان لهم
وفيه مطلبان :-
أحدهما عن الولاء للمؤنين
والثاني عن البراء من الكافرين
المطلب الأول
النهي عن موالاة اليهود والنصارى ، وقصر الولاية على الله بالأصالة ورسوله والمؤمنين على سبيل التبع[838]
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)
لما سمع المسلمون عن اضطراب اليهود في دينهم ومحاولتهم تضليلهم عن حكم الله وتقليب الأمور على الرسول r تهيأت نفوس المؤمنين لقبول النهي عن موالاة أهل الكتاب ، فأقبل عليهم المولى سبحانه بالخطاب بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ..) الآية ، قال ابن عاشور (الولاية تنبني على الوفاق والوئام والصلة وليس أولئك بأهل لولاية المسلمين بعد أن بينت الآيات أخلاقهم الدنية ، وإضمارهم الكيد للمسلمين)[839].
قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) قال أبو السعود (نُهوا عن موالاتهم لقرابة أو صداقة جاهلية ونحوِهما من أسباب المصادقة والمعاشرة)[840] كما في قوله (ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ) (الممتحنة 1)
قال رسول الله r (إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وأن تبغض في الله)[841] ، فالولاية تعني المحبة ، وهي لا تنبغي إلا لمن يحبه الله ويرضى عنه ، ولذلك فإن الواجب هو بغض معصيتهم ، مع عدم ترك نصيحتهم في الله ، وذلك لقوله r (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) [842] ، فأقل درجات إنكار المنكر عليهم ، الامتناع عن ولايتهم بالقلب ، ولا ينافي ذلك تمني هدايتهم ودخولهم في الإسلام .
قال صاحب الظلال (بعيد جداً أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين ، إنما هو ولاء التحالف والتناصر ، الذي كان يلتبس على المسلمين أمره ، فيحسبون أنه جائز لهم ، بحكم ما كان واقعاً من تشابك المصالح والأواصر) [843] ، (والمقصود أن لا يستعان بهم ائتمانا على المسلمين وأعراضهم وأموالهم ، فلا تؤمن خيانتهم ولا غدرهم)[844].
والأصل الشرعي للمداراة أو "التقية" الاستثناء الوارد في قوله تعالى (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (آل عمران 28) .
وكذا ما روي عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ r قِبَلَ "بَدْرٍ" فَلَمَّا كَانَ "بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ" أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ r حِينَ رَأَوْهُ ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ r جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ "لَا" قَالَ (فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ) ، قَالَتْ ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَالَ (فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ) قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ "نَعَمْ" فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r فَانْطَلِقْ)[845].
ولقد فرق العلماء بين "مهادنة" الكفار و"مداراة" الظلمة منهم ، فالمهادنة تعني (ترك ما يجب لله من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغافل عن ذلك لغرض دنيوي وهوى نفساني ، لزعم هؤلاء أن المعيشة لا تحصل لهم إلا بذلك ، فالمداهنة هي المعاشرة والاستئناس مع وجود المنكر والقدرة على الإنكار)[846] .
أما "المداراة" فيقصد بها (درء المفسدة والشر بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس له ، كالرفق بالجاهل في التعليم ، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه ، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى تأليفه)[847] ، والمداراة بهذا المعنى لا يجوز الاسترسال فيها إلى أبلغ حد بل هي ضرورة دعوية تقدر بقدرها من باب أخف الضررين .
فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ r فَلَمَّا رَآهُ قَالَ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ r فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) [848]، وفي رواية (أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ)[849] ، قال العلماء (النبي r دارى هذا الرجل لما دخل عليه مع ما فيه من الشر لأجل المصلحة الدينية ، فدل على أن المداراة لا تتنافى مع الموالاة إذا كان فيها مصلحة راجحة من كف الشر والتأليف أو تقليل الشر وتخفيفه ، وهذا من مناهج الدعوة إلى الله تعالى)[850] .
قوله (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) تعليل لسبب النهي عن موالاتهم ، إذ يسهل وقوع الغدر منهم لأن ولايتهم لبعضهم البعض أقرب عن ولايتهم للمسلمين - إن جاز التعبير بذلك - فالعلماء بينوا المقصود بالولاية "هنا" بأنها (ولاية المودة والنصرة ولا علاقة لها بالميراث)[851] - لقوله النبي r (لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ)[852] - وليس معنى إثبات الولاية بينهم أن ما بينهم من ولاية يدفع ما بينهم من بغضاء ، فقد أثبت القرآن الكريم -كذلك-عداوتهم لبعضهم البعض ، قال تعالى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) (المائدة/14) ، قال الشنقيطي (بين في مواضع أخر أن ولاية بعضهم لبعض زائفة ليست خالصة، لأنها لا تستند على أساس صحيح، هو دين الإسلام، فبين أن العداوة والبغضاء بين النصارى دائمة إلى يوم القيامة) [853].
وكذلك اليهود قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (المائدة/64) ، وإنما تتحقق الموالاة فيما بينهم على أمر واحد ألا وهو أن يحاربوا الإسلام والمسلمين ، فالكفر كله ملة واحدة ، لكن هذه الولاية لا تؤتي ثمارها كذلك قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت/41) ، قال تعالى (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ) (الحشر/14) .
قوله (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (51) أي (مَنْ يَتَّخِذُهُمْ نُصَرَاءَ وَحُلَفَاءَ وَأَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَرَسُولِهِ ، فَهُوَ مِنْهُمْ فِي التَّحَزُّبِ عَلى اللهِ وَرَسُولِهِ وَالمُؤْمِنِينَ ، وَإنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ ، وَمَنْ يَتَولَّى أَعْدَاءُ اللهِ فَهُوَ ظَالِمٌ)[854].
ويخرج عن نطاق النهي معاملاة غير الظالمين منهم بالعدل والإحسان ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهَا وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)[855] ، وعنه (كلوا من ذبائح بني تغلب ، وتزوجوا من نسائهم ، فإن الله عز وجل ، قال : (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم)[856] ، أي أنه رخص في معاملتهم تجاريا وتبادل الهدايا معهم ترغيبا لهم في الإسلام وحسن الجوار بالنسبة للذميين منهم والمعاهدين مع التأكيد على عدم جواز الموالاة وهي المحبة القلبية .
كذلك يخرج عن نطاق النهي الاستعانة بهم في السلاح والحرب متى أمن الحاكم غدرهم ، فأما عن السلاح فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله r استعار من صفوان بن أمية أدرعا وسنانا في غزوة حنين فقال : يا رسول الله أعارية مؤداة ؟ قال "عارية مؤداة")[857]، قال أبو داود (وَكَانَ أَعَارَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ثُمَّ أَسْلَمَ)[858] ، والحديث يدل على أن النبي r كان هو الطرف القوي ، ولم يكن يستعير السلاح وهو الطرف الضعيف ، ولذلك سأله صفوان (أغصب) وفي رواية (فَقَالَ أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ لَا بَلْ عَمَقٌ مَضْمُونَةٌ) [859]، والفرق بين الأمرين كبير ، إذا لو كان سوف يستعير السلاح بشروط البائع ، أي الكافر ، فالعدو لن يعطيه سلاحا لا يتحكم فيه ، ولذلك فليحذر أهل الإيمان من حيلهم .
وأما عن الاستعانة بهم في الحرب ، فجمهور الفقهاء يفرقون بين أن يكون المستعان عليهم من المسلمين كأهل البغي أو من غير المسلمين ، فإن كان من أهل البغي فلا يجوز الاستعانة عليهم بمشرك[860] ، وأما إن كان من غير المسلمين فيجوز الاستعانة بالكفار في الحرب ضدهم بشرطين : أولاً : الحاجة إليهم ، وثانياً : الوثوق من جهتهم ، وهذا هو مذهب الجمهور ( الشافعية والحنابلة والأحناف ) ، واستدل الجمهور على مذهبهم بفعل النبي r فقد استعان بيهود فينقاع وقَسمَ لهم- أي أعطاهم من الغنيمة- ، واستعان بصفوان بن أمية في هوازن ، فدَلّ ذلك على الجواز .
خلافا للمالكية فلم يجيزوا الاستعانة بمشرك مطلقا ، وقد استدلوا بقوله (إنا لا نستعين بمشرك) وهو الحديث المتقدم ذكره ، ورد الجمهور على المالكية بأن أدلتهم منسوخة بفعله r وعمله[861] .
والصحيح أنها ليست بمنسوخة ، فكل دليل منهما يعمل به في إطار معين ، بحسب مناط الحكم ، أي بحسب الحاجة وفقا لسياسة الإمام الشرعية ، ذلك أن النبي r رد المشرك الذي أراد أن يشترك معه في القتال لعدم الحاجة للاستعانة به ، أما وقد استعان بيهود بني قينقاع فلأنه تصالح معهم على تكوين اتحاد مشترك للدفاع عن المدينة ، لاسيما وهم أهلها والنبي r وافد من مكة عليهم ، فلا غرو في التصالح معهم لتحقيق مصالح مشتركة من باب السياسة الشرعية ، شريطة أن يُؤَمَّن هذا الصلح بما يضمنه .
مثال ذلك ما ذكره النبي r فيما سوف يقع مستقبلا ، فقد روي عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أنه سَأَلَه رَجُلا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r عَنْ الْهُدْنَةِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا وَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ)[862] ، (أي الهدنة التي تقع بين المسلمين والنصارى) [863] ، وقوله (وتغزون أنتم وهم عدواً من روائكم) ، يعني (عدواً مشتركاً للمسلمين والنصارى ، وليس معنى ذلك أنهم يغزون للجهاد في سبيل الله ، ولإعلاء كلمة الله ، ولإدخال الناس في دين الله ؛ وإنما المقصود أن هذا عدو مشترك للجانبين ، وأن أولئك المتصالحين تعاونوا على ذلك العدو المشترك)[864].
قوله (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ..)(52) المتكلم عنهم في هذه الآية المنافقون ، قال الشعراوي (المسارعة هي تقليل الزمن في قطع المسافة الموصلة للغاية، فإذا كانت هناك مسافة تقتضي السير في زمن معين ، فالمسارعة تفرض على الإنسان أن يقطعها في وقت أقل من ذلك)[865] ، أي أنهم يسارعون في موالاة الذين كفروا ، وهؤلاء قال الله تعالى فيهم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الحشر:11).
قوله (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ)(52) فعند سؤالهم عن سبب ذلك تجد أن حججهم واهية ، لا يملكون تبريرًا لمسارعتهم في موالاة الذين كفروا ولو كانت بما يضر مصالح المسلمين ، قد يزعمون أنهم يفعلون ذلك من باب ارتكاب أخف الضررين ، وأنهم ما والوا هؤلاء الكفار على حساب الشرذمة القليلة من المؤمنين إلا خوفًا من بطشهم - أي الذين كفروا -كأن يقولون (نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من جدب وقحط فلا يعطونا الميرة والقرض) [866] ، أو زعما منهم أنهم ما فعلوا الذي فعلوه إلا من باب السياسة ، قال تعالى (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا) (النساء/139) ، وما هي إلا حماقة منهم إن حسنت نيتهم ، أو هي خيانة متى كانت حجتهم زائفة ، وهي والله زائفة لما ورد بالآية من الرجاء في أن يمنُّ الله على المؤمنين بالفتح ، فيندم هؤلاء على ولايتهم للكفار ، ولولا أن الله خزلهم ونصر المؤمنين على حلفائهم لتوسعوا في تلك الولاية ولغرقوا في الخيانة .
قوله (وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) (53) (يقولهُ المؤمنون بعضهم لبعض ، تعجبًا من حال المنافقين) ، أو (يقولونه لليهود) ؛ لأن المنافقين حلفوا لليهود بالمناصرة)[867] أي: (حلفوا وأكدوا حلفهم، وغلظوه بأنواع التأكيدات: إنهم لمعهم)[868] ، أي (بالنصر والمعونة كما قالوا فيما حُكيَ عنهم (وإن قوتلتم لننصُرَنَّكم)[869] .
قوله (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) (53) أي أن هؤلاء المنافقين حبطت أعمالهم قبل أن يعلنوا ردتهم عن الإسلام ، فهم مرتدون بحكم موالاتهم للذين كفروا وخيانتهم للمؤمنين ، ولذلك ذكر الله جزاؤهم قبل أن يبين ردتهم في الآية التالية .
وهذا بخلاف الموضع الذي ذكرت فيه الردة في سورة البقرة ، قال تعالى (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة/217) لأن الردة بسبب عدم الصبر على الابتلاء ، ورغم ذلك تحبط الأعمال ، أما هنا في هذا السياق فإنهم بسبب موالاتهم للكفار وخيانتهم للمسلمين فهم مرتدون وإن لم يعلنوا ردتهم ، لقوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ، ولذلك حبطت أعمالهم وإن إظهروا الإسلام ولم يعلنوا ردتهم.
قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ..) (54) تأكيد على أن المسلمين لا ينقصون بمن يرتدون عن دين الله ، كما أنهم لا يزيدون بالمنافقين ، لما لا وقد قال الله تعالى (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة/47) ، بل إن ردة هؤلاء تعني في قدر الله استبدال العناصر الطيبة لتحل محل العناصر الخبيثة ، فيطهر صف المؤمنين من المنافقين ، كما في الحديث (يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ)[870].
وعندئذ ينكشف السر عمن أبطن ولايته للكافرين ، فتكون الردة نتجية حتمية لتلك الولاية الآثمة ، ولا يسلم منافقا من الردة إذا كان سبب نفاقه كونه مواليا للكفار والمشركين ، فلم يسلم من هذه الفتنة "أهل الردة" بعد وفاة النبي r ، قال الخطابى (أهل الردة كانوا صنفين صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله (وكفر من كفر من العرب) وهذه الفرقة طائفتان :-
أحداهما أصحاب "مسيلمة" من بنى حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة وأصحاب "الأسود العنسي" ، ومن كان من مستجيبيه من أهل اليمن وغيرهم وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد r مدعية النبوة لغيره ، فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه حتى قتل الله مسيلمة باليمامة والعنسى بصنعاء ، وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم ،
والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية فلم يكن يسجد لله تعالى في بسيط الارض إلا في ثلاثة مساجد مسجد "مكة" ومسجد "المدينة" ومسجد "عبدالقيس" في البحرين في قرية يقال لها جواثا) [871].
كذلك لم يسلم من الردة بسبب موالاة الكافرين عبد الله بن أبي سرح ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ r فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ r أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَأَجَارَهُ رَسُولُ r)[872] ، فرغم توبته إلا أنه من الجدير أن نذكر أن سبب ردته موالاته الباطنة للكافرين .
قوله (...فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (54) هذه هي سنة الله تعالى حال التولي عن دعوة الحق ، والردة عن دين الإسلام ، فيستبدل الله "الطائفة المؤمنة" لتحل محل "الطائفة المرتدة" وتظل الدعوة قائمة ، وليميز الله الخبيث من الطيب ، وقد شرعت الآيات في تعداد صفات الطائفة المؤمنة على النحو التالي : -
أولا : "محبة الله تعالى لهم ومحبتهم له" ، وهي في مقدمة صفات المؤمنين الذين يستخدمهم الله لحمل لواء هذه الدعوة ، فمن أراد أن يحبه الله فليتقرب إليه بالطاعات والنوافل ، قال رسول الله r (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ)[873].
ومن أراد أن يعرف أن الله يحبه ، فليحب لقاء الله ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)[874] ، قال ابن الأثير (المراد بلِقاء اللّه المَصيرُ إلى الدار الآخرة ، وطَلَبُ ما عند اللّه وليس الغَرضُ به الموت ، لأنَّ كُلاًّ يَكْرَهه فمن تَرك الدينا وأبْغضَها أحَبَّ لِقاء اللّه ، ومَن آثَرها ورَكَن إليها كَره لِقاء اللّه لأنه إنما يَصِل إليه بالموت)[875]، قال بن سلام (المكروه من ذلك الإيثار للدنيا والركون إليها ; والكراهة أن يصير إلى الله وإلى الدار الآخرة ويؤثر المقام في الدنيا)[876] .
ثانيا : "التذلل للمؤمنين" : وهي الصفة الثانية لجند الله الذين يستعملهم ، كونهم أذلة على المؤمنين وفي ذات الوقت أعزة على الكافرين ، قال تعالى (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) (الفتح/29)
يقول النبي r (مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ)[877]، فهم مع أخوانهم في لين وتواضع وتذلل ، قال ابن عاشور (فالمراد هنا لين الجانب وتوطئة الكنف، وهو شدة الرحمة والسعي للنفع )[878]
قال تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران/159)
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ r تِسْعَ سِنِينَ فَمَا أَعْلَمُهُ قَالَ لِي قَطُّ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا وَلَا عَابَ عَلَيَّ شَيْئًا قَطُّ)[879]، وهو أمر واجب وليس بمستحب فحسب.
أما (العزة على الكافرين) فمبدأها ألا يطمع فيما عندهم من الدنيا ، فلا يغتر بتقلبهم في البلاد ، قال تعالى (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (آل عمران/196-197) ،ولا يلتمس منهم مغنمًا ، ويتعاضد مع تلك الصفة غلظة المؤمنين على المنافقين والكفار ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة/73) ، فمن شدته r عليهم أنه جاهدهم ولم يخشى في الله لومة لائم .
ثالثا : (إخلاص نية الجهاد في سبيل الله) ، وهي الصفة الثالثة ، قال ابن تيمية (فإن المحبة مستلزمة للجهاد ولأن المحب يحب ما يحب محبوبه ، ويبغض ما يبغض محبوبه ، ويوالي من يوالي محبوبه ، ويعادي من يعاديه ، ويرض لرضاه ، ويغضب لغضبه ، ويأمر بما يأمر به ، وينهى عما نهى عنه ، فهو موافق في ذلك ، وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضاهم ، ويغضب لغضبهم ، إذ هم إنما يرضون لرضاه ويغضبون لما يغضب له)[880]
ولابد من إخلاص النية للجهاد في سبيل الله ، فعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ r عَنْ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [881] .
رابعا : (الثبات على الحق) ، لقوله "وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ" ففي البيان تشديد على أنهم يجاهدون في ظروف ملتبسة على قومهم ، ورغم ذلك فإنهم يسلكون طريق الحق ، ولا يركنون إلى الذين ظلموا مخافة أن تمسهم النار ، قال صاحب الظلال (سواء جاء هذا الشر من الحكام المتسلطين بالحكم أو الأغنياء المتسلطين بالمال أو الأشرار المتسلطين بالأذى أو الجماهير المتسلطة بالهوى ، فمنهج الله هو منهج الله ، والخارجون عليه علو أم سفلوا سواء)[882] .
والصحابة رضوان الله عليهم لم يخجلوا يوما ولم يخشوا أن يحكموا بحكم الله ولو على قومهم ، ولم يلينوا مع الخائنين ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ – وهم الذين خانوا النبي r في غزوة الخندق - نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ – بن معاذ الأنصاري- فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ r إِلَيْهِ فَجَاءَ فَقَالَ قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ قَالَ خَيْرِكُمْ فَقَعَدَ عِنْدَ النَّبِيِّ r فَقَالَ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ فَقَالَ لَقَدْ حَكَمْتَ بِمَا حَكَمَ بِهِ الْمَلِكُ) [883]
قال صاحب الظلال (ومنذ ذلك اليوم ذلت يهود ، وضعفت حركة النفاق في المدينة؛ وطأطأ المنافقون رؤوسهم ، وجبنوا عن كثير مما كانوا يأتون ، وتبع هذا وذلك أن المشركين لم يعودوا يفكرون في غزو المسلمين ، بل أصبح المسلمون هم الذين يغزونهم) [884].
فهؤلاء الذين اجتمعت فيهم هذه الخصال الأربع هم الذي يستعملهم الله تعالى لنصرة دينه وشرعه ، قال العلماء (فيه دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، لأن الذين ارتدوا بعد وفاة رسول الله r إنما قاتلهم أبو بكر وهؤلاء الصحابة)[885]، فاستبدل الله هؤلاء الصحابة بهؤلاء المرتدين ليطهر الصف وتنتشر الدعوة ، وقد انتشرت وفتحت الأمصار حتى وصلت لغرب أفريقيا
وكذلك استعمل الله أهل اليمن لقتال المرتدين ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ r أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ)[886]، قال العلماء مدحهم النبي r (لأن أهل اليمن أجابوا إلى الإسلام بالدعوة دون المحاربة والقتال ، فقبلوا الحق للين قلوبهم)[887] قال الألباني : (وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار، فبهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات)[888].
قوله (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (55) قال أبو حيان (ما نهاهم عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، بيّن هنا من هو وليهم ، وهو الله ورسوله) [889]، قال الزمخشري (ومعنى (إنما) وجوب اختصاصهم بالموالاة ، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة ، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله r والمؤمنين على سبيل التبع)[890] ، قال تعالى: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) [الأعراف:196] ، قال الواحدي (نزلت لمَّا هجر اليهود مَنْ أسلم منهم) ، فقال عبد الله بن سلام : (يا رسول الله ، إنَّ قومنا قد هجرونا ، وأقسموا ألا يجالسونا) ، فنزلت هذه الآية ، فقال : (رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء)[891].
والولاية متبادلة بين العبد وربه ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)[892] .
والمقصود بولاية المؤمنين بعضهم البعض – في قوله (وَالَّذِينَ آَمَنُوا) - أن يعاون بعضهم بعضا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة/71)
قال ابن تيمية (فإن الموالاة موجبها التعاون والتناصر فلا يفرق بين المؤمنين لأجل ما يتميز به بعضهم عن بعض مثل الأنساب والبلدان والتحالف علي المذاهب والطرائق والمسالك والصداقات وغير ذلك ، بل يعطى كل من ذلك حقه كما أمر الله ورسوله)[893].
قوله (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ...) نعت الله أهل الولاية بصفتين ، إقامة الصلاة وإتاء الزكاة ، في حال الخشوع (متطامنون)[894] دون منِّ أو إيذاء معنوي للمتصدق عليه ، وفي ذلك كناية على أن فعلهم سائر الطاعات وأعمال الخير دون ابتغاء أجر من الناس ، لأنهم يبتغون الأجر من الله وحده كما في قوله (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) (الإنسان/10).
قوله (... وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (56) أي أن أثر الولاية يتجلى في الحفظ والغلبة ، فمن كان الله وليه كان من حزب الله ، أي أنه يسير بقدر الله تعالى إلى صراطه المستقيم ، فهؤلاء السائرون على الصراط المستقيم جعلهم الله في حزبه وحارب بهم عدوه ، ولا بد لحزب الله أن يكون هو الغالب ، ولو في أشد مواطن الاستضعاف ، قال تعالى (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران/139) .
وتظهر مرادفات "الغلبة" في الشعور بالقوة والفرح ، لا الوهن والحزن ، فالوهن والحزن لا يعرفان طريقا إلى أولياء الله تعالى الذين قال فيهم سبحانه (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس/62) ، صدق من قال "ماذا فقد من وجدك ، وماذا وجد من فقدك " ، فلم يكن رسول الله r وأصحابه مهزومين أمام أعدائهم يومًا حتى في ظل المعارك التي خسروها مثل "أُحد" أو "بئر معونة" و"مؤتة" ، ذلك أن الشعور النفسي بالفرح والقوة بالله تعالى كان هو الغالب عليهم .
يقول سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ فَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ)[895] ، وفي غزوة "أُحد" وبعدما أصاب المسلمين ما أصابهم قال أبو سفيان (يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ..) ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ أُعْلُ هُبَلْ أُعْلُ هُبَلْ قَالَ النَّبِيُّ r أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ ، قَالَ (إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ) فَقَالَ النَّبِيُّ r أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا (اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ)[896]
هكذا تكون معية الله تعالى وولايته مصاحبة للذين آمنوا في كل مواطن عيشهم ، وفي أحلك الظروف وأصعبها ، فتكون الغلبة للمسلمين بإذن الله ، قال ابن الجوزي (فالله سبحانه وتعالى يتولى المؤمنين بالنصرة والإعانة ويخذل الكفار) [897] ، فلا يأتي الوهن والخزلان إلا بسبب ولاية الذين كفروا ، لأن من يفعل ذلك يجانب حزب الله ويجافيه ، فلا يكون الله وليه ولا رسوله ولا المؤمنين .
أسباب البراءة من اليهود والنصارى رغم أنهم أهل كتاب
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58)قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)
عددت الآيات أسباب النهي عن موالاة اليهود والنصارى رغم أنهم أهل كتاب وأقرب للذين آمنوا من المشركين وعباد المجوس ، وذلك لأن أهل الكتاب كأسلافهم لم يعبدوا الله منزل التوراة والإنجيل ، وإنما عبدوا الطاغوت الذي لهم حرف الكلم عن مواضعه ، وقد خلا تاريخهم من موقف يدل على نصرتهم لأنبيائهم ، وكذلك من عاصروا النبي r جفوه حق الجفاء وعادوه حق العداء ، ولم ينصروه كما نصر بعضهم موسى وعيسى ابن مريم ، فجاءت نصرة النبي r من جزيرة العرب لكن الرومان والفرس والامبراطوريات البيزنطية لم تفعل ذلك ، وإنما قابلوا هذه الدعوة بالاستهزاء بعبادة المسلمين ، والحسد والغيرة أن جاء النبي r من العرب الأميين ، أما من هادن منهم النبي r فلم يكونوا صادقين ، بل نافقوه فدخلوا الإسلام وهم يبطنون الكفر ، فلم يكن إسلامهم صحيحا ، ولم يتخلصوا من عاداتهم الجاهلية وآثامهم التي اعتادوا عليها قبل الإسلام ، فما كان منهم -ومن اليهود على وجه الخصوص- إلا أن حاولوا تشويه عقيدة المسلمين ، وإلقاء الشبهات عليهم والشكوك حولها ، فعاقبهم الله تعالى على ذلك ، فجعل العداوة والبغضاء بينهم لتكون حائلا بينهم وبين أن يتفرغوا لمحاربة المسلمين ، ومن ثم الإفساد في الأرض كما يريدون .
السبب الأول للبراءة من أهل الكتاب : لعبهم بدين الإسلام واستهزاءهم بعبادته وشعائره
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (57) وطريقتهم في ذلك بدخول دين الإسلام ثم ردتهم عنه هزوا بهذا الدين ولعبًا به ، والمعنى (إظهارهم الإسلام بألسنتهم قولاً، وهم على ذلك يبطنون الكفر ويسرونه)[898] ، قال تعالى (وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (آل عمران/72) ، ولذلك شُرِع حد الردة درأ لهذه المفسدة .
وبعضهم يوهم أهل الإسلام بأنه يلتزم بتعاليم الإسلام –ويظل على دينه-، ثم هو يستهزء بهذه التعاليم ويتلاعب بالأحكام وفق أهوائه ، كأن يوهمهم أنه لا يتعامل بالربا احتراما لهم ، ثم تجده بطرق ملتوية يتعامل بها مع ضعاف النفوس من المسلمين ، وذلك كثير الحدوث إذا ما تولى أحدهم مكانة فيها مصلحة للمسلمين .
قال ابن عاشور (الدين هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة، .. فالذي يتخذ دين امرئ هزؤا فقد اتخذ ذلك المتدين هزؤا ورمقه بعين الاحتقار، إذ عد أعظم شيء عنده سخرية، فما دون ذلك أولى، والذي يرمق بهذا الاعتبار ليس جديرا بالموالاة)[899].
ولذلك كان الاحتراز في التعامل معهم واجب ، وعلى هذا جرى العمل عند الصحابة والتابعين ، فقد كتب عمر t إلى أبي هريرة كتاباً جاء فيه: "..ولا تستعن في أمر من أمور المسلمين بمشرك ، وساعد على مصالح المسلمين بنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله تعالى جعلك حاملاً لأثقالهم)[900] .
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله (أما بعد فإنه بلغني أن في عملك كاتباً نصرانياً يتصرف في مصالح الإسلام، والله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [سورة المائدة: 57] فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان بن زيد - يعني ذلك الكاتب - إلى الإسلام فإن أسلم فهو منا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن به ولا تتخذ أحداً على غير دين الإسلام في شيء من مصالح المسلمين ، فأسلم حسان وحسن إسلامه) [901].
كذلك لما فشا استخدام أهل الكتاب في مصالح المسلمين أيام الخلافة العباسية نهض أحد العلماء بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الشأن وهو شبيب بن شيبة ، فاستأذن على أبي جعفر المنصور فإذن له فقال (يا أمير المؤمنين اتق الله فإنها وصية الله إليكم .. يا أمير المؤمنين إن دون بابك نيراناً تأجج من الظلم والجور لا يعمل فيها بكتاب الله ولا سنة نبيه r يا أمير المؤمنين سلطت الذمة على المسلمين، ظلموهم وعسفوهم، وأخذوا ضياعهم وغصبوهم أموالهم، وجاروا عليهم، واتخذوك سلماً لشهواتهم، وإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً يوم القيامة، فقال المنصور خذ خاتمي فابعث به إلى من تعرفه من المسلمين وقال: يا ربيع: اكتب إلى الأعمال واصرف من بها من الذمة..) [902].
قال الشيخ سعيد القحطاني (ينبغي التفريق بين استخدام الكافر كشخص بمفرده في أمر من الأمور وبين استخدامه كصاحب سلطة ونفوذ في أمر من أمور الدولة الإسلامية ، فالأول جائز وبه وردت الأدلة ،والثاني لا يجوز لمنافاته مضمون وروح الشريعة الإسلامية وهدفها الأساسي)[903].
قوله (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) (58) هذا تفصيل لأحد صور استهزائهم بدين الله تعالى ، ذلك أن ظهور شعائر الإسلام يغيظهم ، ويزيد من حنقهم فلا يقدرون على إخفاء ما في صدورهم ، قال ابن عاشور (خص بهذه الصفات المنافقون من اليهود من جملة الذين اتخذوا الدين هزؤا ولعبا، فاستكمل بذلك التحذير ممن هذه صفتهم المعلنين منهم والمنافقين)[904] ، فيبدو ذلك من المنافقين واليهود ، كلاهما عندما يسمعون التأذين للصلاة يفزعون ، ويستعينون على إخفاء فزعهم بالاستهزاء واللعب أثناء الأذان .
يفزعون لأن الشياطين تفزع من الأذان ، وهم يفزعون لفزعها ، قال رسول الله r (إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ..)[905]، قوله (لَهُ ضُرَاطٌ) ، قال عياض: (يمكن حمله على ظاهره (خروج الريح) ، ويحتمل أنه عبارة عن (شدة نفاره) ، وقال الطيبي : (شبه شغل الشيطان وإغفاله نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطاً تقبيحاً له ،.. يتعمد إخراج ذلك ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن أو يصنع ذلك استخفافاً كما يصنعه السفهاء،.. ويحتمل أنه يتعمد ذلك ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث) [906]، فسبب فزعهم أن غابت عنهم الشياطين هي التي تأزهم على المعصية ، والاستهزاء بهذه الشعيرة حتى لا يسمعوا التأذين ، لكنها لا تلبث حتى تعود (..فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ فَلَا يَزَالُ بِالْمَرْءِ يَقُولُ لَهُ اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى)[907]، فيستأنفون معا اللعب والاستهزاء .
وصور لعبهم بدين الله كثيرة كأن يتغامز بعضهم مع البعض على ملابس المسلمين البيضاء التي يرتدونها للصلاة ورائحة المسك والعنبر التي تفوح منهم ، فيستهزئون بها ، ويستهزئون كذلك بكبار السن والعجائز الذين لا تحملهم أقدامهم وهم يذهبون للصلاة ، ويتحملون برد الشتاء وحر الصيف ، قال رسول الله r (وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ)[908]
وربما لم يسلم المسلمون من استهزائهم وهم يسجدون ويركعون لاسيما عندما يضيقون المساحة المخصصة للصلاة في أماكن العمل ، فيضطر الأخ يسجد على ظهر أخيه لضيق مساحة المسجد ، والله تعالى جعل الأرض كلها مسجدا وطهورا ، كما أنهم يضيقون أوقات الصلاة على المسلمين فيغلقون المساجد بعد كل صلاة لأعذار واهية فيضيق على المسلم لجوئه إلى ربه وفزعه لمولاه ، يريدون أن تندثر شعائر الله ولا تحترم بين المسلمين ، ولكن الله يأبى إلا أن ينشر دينه وتحترم شعائره
فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ r يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ –يعني أمعاء ذبيحة شاه- بَنِي فُلَانٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ r وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ قَالَ فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ r وَالنَّبِيُّ r سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ)[909].
ومن جهة أخرى يتعمدون إشغال المسلمين عن الصلاة بوسائل الترفيه المختلفة من مباريات رياضية تقام وقت الصلاة وأفلام وأغاني ، كل ذلك لأجل أن لا يهتم المسلمون لعباداتهم وإن التفتوا إليها كان ذلك خلسة مخافة أن يفوتهم شيء من أعمال الدنيا بسبب الصلاة ، ويتعمدون أن تظل أعمال التجارة وكذا الصناعة وغيرهما مستمرة في أوقات الصلاة ، بل إنهم ليستهزئون بمن يستقطع من وقت عمله أو تجارته وصنعته وقتا ولو وجيزا لأداء الصلاة ، وقد يتهمونه بأنه مقصر في عمله ويجب استبداله حتى يكون أكثر عطاء للعمل ، لكنهم لا يعقلون أنه لا بارك في عمل يلهي عن الصلاة ، فكيف إذن تكون الموالاة لمن كانت تشريعاته لا تحترم الصلاة عند المسلمين وتقديس أدائها في أول أوقاتها .
ناهيك عن صور استهزائهم بالمرأة المسلمة وحجابها ونقابها ، ومنعها من العمل بالحجاب ، والتضييق عليها في الطرقات والوسائل النقل العام لا لشيء إلا لأجل الحجاب ، فهل يعقل أن يتولى المسلمون من لا يحترمون دينهم ولا شعائرهم .
السبب الثاني للبراءة من أهل الكتاب : حسدهم المؤمنين
قوله تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) (59) تضمن الخطاب تقريعا لأهل الكتاب ، فالسؤال بـ "هل" بقصد التهكم من عداوتهم وحقدهم للمؤمنين ، أي (هل تنقمون منا إِلا أن آمنا لقلة إِنصافكم وفسقكم ، ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون ، لكن حب الرياسة والمال يمنعكم عن الإِنصاف)[910]، (يعني أنما كرهتم إيماننا ونقمتموه علينا - مع علمكم أننا على الحق - بسبب فسقكم وإقامتكم على الدين الباطل لحب الرياسة وأخذ الأموال بالباطل)[911] ، وهذا الأمر تضمن تفسيرًا لسلوكهم المتطرف إزاء عبادة المسلمين لربهم ، فليس ذلك منهم إلا نتيجة لحسدهم للذين آمنوا بالله ، وخوفًا من أن يزداد الناس في الإيمان قوة وتزداد أعدادهم برؤية الناس لهم وهم يعبدون الله بطمأنينة
قال رسول الله r (ما حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين)[912]، يقول الشيخ علي نايف (فاليهود لا يحسدوننا على مجرد تبادل التحية بيننا؛ لكنهم يحسدوننا على ما هو أبعد من مجرد اللفظ؛ يحسدوننا على السلام النفسي والهدوء الاجتماعي ومتانة العلاقة بين المسلمين)[913] ، (وكذلك يغيظهم ما يرونه من الحشود الغفيرة والملايين الكثيرة التي ذهبت إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج ،وكذلك إذا خرجت المرأة متحجبة تعلن في إباء أنا الفتاة المسلمة مصونة مكرمة عفيفة محتشمة بين العورى محترمة)[914]
قال ابن القيم (وهذا شأن أعداء الله دائماً ينقمون على أولياء الله ما ينبغي أن يُحبوا ويُكرموا لأجله)[915] ، قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (البقرة/109)
وليت الأمر يصل عند حد الحسد وحسب ، بل إنما نقموا علينا نعمة الإسلام لما في صدورهم من نية إبادة هذا الدين جملة واحدة ، قال تعالى في قصة أصحاب الأخدود (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج/8) ، وما رآه العالم من حروب صليبية على العالم الإسلامي لشاهد على أنهم ينقمون على المسلمين نعمة الإسلام ، وأنهم لا يقاتلونهم إلا حسدا على هذه النعمة ، لا ابتغاء ثروات مادية ولا حدود جغرافية ،وإنما لأجل غيظهم من ثبات المؤمنين العقائدي والإيماني ، وكذلك ما شاهده العالم في مذابح كوسوفو والبوسنة والهرسك ، ومذابح اليهود في صبرا وشتيلا وبحر البقر في مصر ، وغزة في فلسطين ، ومذابح الصين في بورما ، والهندوس في الهند....الخ .
السبب الثالث للبراءة من أهل الكتاب : عبادتهم الطاغوت وتركهم شرع الله
قوله تعالى (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ..) (60) ، قال الألوسي في الآية (تبكيت لأولئك الفجرة ببيان أن الحقيق بالنقم والعيب ماهم عليه من الانحراف عن الدين ، وفيه نعي عليهم على بجناياتهم وما حاق بهم من تبعاتها وعقوباتها ، تعريضا دون تصريح لئلا يحملهم التصريح على المكابرة والعناد)[916] .
فقوله (مثوبة) مصدر ميمي من الثواب ، (واستعمل هنا على سبيل التهكم)[917] ، قال الشيخ سيد طنطاوي (الكلام مسوق على سبيل المشاكلة ، والمجاراة لتفكير اليهود الفاسد ، وزعمهم الباطل ، فكأنه - سبحانه - يقول لنبيه r إن هؤلاء اليهود - يا محمد - ينكرون عليكم إيمانكم بالله وبالكتب السماوية ، ويعتبرون ذلك شراً - مع أنه عين الخير - قل لهم على سبيل التبكيت وإلزامهم الحجة لئن كنتم تعيبون علينا إيماننا وتعتبرونه شرا لا خير فيه - في زعمكم - فشر منه عاقبة ومآلا ما أنتم عليه من لعن وطرد من رحمة الله) [918]، فذكرهم (بما أصاب أسلافكم من مسخ بعضهم قردة ، وبعضهم خنازير ، لما عُرف عنهم من عبادة غير الله) [919].
قوله تعالى (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ..) والمخصوص باللعن والغضب الشيطان ومن سلك طريقه من الذين غضب الله عليهم وهم اليهود ، وهم الذين جعل الله منهم القردة والخنازير عقوبة لهم ، واللعن ليس مجرد الطرد من رحمة الله وإنما هو الملاحقة بالغضب والسخط ، قال الشيخ الشعراوي (هذا معناه أن الله بعد أن طردهم ، يلاحقهم بغضبه وسخطه وأن لعنه لهم لا ينفك عنهم)[920] ، فإذا كانت تلك العقوبة تلاحقهم ، فلا شك أنهم شر مكانا ، ومن ثم وجب تعيينهم وتعيين أفعالهم اتقاءً لشرهم وتجنب سبيلهم .
ففي قوله (..وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ..) تعيير لليهود بأسلافهم لأجل أن ينتهوا عن التفاخر بهم ، ولينتهوا عن التمسك بشريعتهم المحرفة ، وقد كان من سيرتهم ما يذمون عليه لا ما يُتأسى بهم فيه ، فعن النبيَّ r قَالَ (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَةُ)[921] .
والنبي r كان يحذر قومه من التفاخر بنسبهم به ، رغم أنه حري بالتفاخر بالانتساب له r ، فيقول رسول الله r (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا) [922] . أي (لا أبعد منكم ولا أدفع عنكم شيئا من عذاب الله)[923]، فالمتقون هم وحدهم حري بهم بأن يفخروا بولاية الله لهم ورسوله ، لقول النبي r (حليفنا منا وبن اختنا منا وموالينا منا وأنتم تسمعون إن أوليائي منكم المتقون ، فإن كنتم أولئك فذاك وإلا فانظروا لا يأتى الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالأثقال فيعرض عنكم)[924].
فأما عن كونهم "مسخوا قردة" فذلك ثابت في قوله تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة/65) ، وأما عن كونهم "مسخو خنازير" فذلك ثابت كذلك بما لقبهم به النبي r حيث (ناداهم يا إخوة القردة والخنازير فقالوا يا أبا القاسم ما كنت فاحشا فدعاهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم فأبوا أن يجيبوه إلى الإسلام فقاتلهم رسول الله r ومن معه من المسلمين )[925]
وهؤلاء الذين مسخوا ليس لهم عقب ، قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مُسِخَ فَقَالَ النَّبِيُّ r (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ)[926] ، قال الطحاوي (بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ r فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُسُوخَ لاَ يَكُونُ لَهَا نَسْلٌ وَلاَ عَقِبٌ[927]) ، وعليه فإن القردة والخنازير الموجودة الآن ليست من نسل اليهود الذين مسخوا من قبل .
ووصفهم بأنهم مسخوا قردة وخنازير هو وصف مادي حصل لأسلافهم ، وهو حاصل –كذلك- لخلفهم ومن احتذوا حذوهم في التأسي بهم في الأخلاق والعقيدة ، كما في قوله تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) (محمد/12) ، وقال تعالى (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف/179) ، لكن التشبيه في هذا الخصوص أشد بشاعة سواء أكان حقيقيًا ماديًا أم تشبيهًا معنويًا .
وهذه العقوبة ليست خاصة بأمة اليهود وحدها ، وإنما عقوبة "المسخ" هذه واجبة في حق بعض عصاة هذه الأمة ، فعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ) [928]
قوله (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) جمعُ "طاغوتِ" (طواغِيتُ)[929] ، قال الرازي في تأويل عبد الطاغوت أنه (بلغ الغاية في طاعة الشيطان)[930] ، قال الرازي (يجوز أَن يكون أَراد بالطَّواغِي من طَغَى في الكُفرِ وجاوَزَ الحَدَّ وهم عُظَماؤهم وكُبَراؤهم)[931] .
من هنا نجد أن العطف بين عبادتهم للطاغوت ومسخهم قردة وخنازير هو من قبيل التلازم في الصفات ، وقد عقد الشيخ الشعراوي مقارنة بين اليهود والقردة والخنازير ، فقال (نجد أن القردة هي الحيوان الوحيد المفضوح العورة دائما . . وإن عورته لها لون مميز عن جسده ، وأنه لا يتأدب إلا بالعصا . . واليهود كذلك لم يقبلوا المنهج إلا عندما رفع فوقهم جبل الطور . . وما هم فيه الآن ليس مسخ خِلقَه ولكن مسخ خُلُق . . والخنازير لا يغارون على أنثاهم وهذه لازمة موجودة في اليهود)[932] ، وانتهى إلى نتيجة مؤداها أن (عملية المسخ هذه مسألة شكلية . . ولكن الله سبحانه وتعالى أعطانا في الآية التي ذكرناها في سورة المائدة سمات اليهود الأخلاقية ... فكأنهم مسخوا خلقة ومسخوا أخلاقا) [933]، ولذلك قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرينَ (مَسَخَ الله قُلُوبَهُمْ فَجَعَلَهَا كَقُلُوبِ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرِ فِي شَهَوَاتِهَا بَعِيدِينَ عَنِ الفَضَائِلِ الإِنْسَانِيَّةِ يَأْتُونَ المُنْكَرَاتِ جِهَاراً وَعِياناً بِلاَ حَيَاءٍ وَلاَ خَجَلٍ)[934].
وقد أطنب صاحب الظلال في شرح معنى الطاغوت فقال ("الطاغوت" هو كل سلطان لا يستمد من سلطان الله وكل حكم لا يقوم على شريعة الله وكل عدوان يتجاوز الحق ، والعدوان على سلطان الله وألوهيته وحاكميته هو أشنع العدوان وأشده طغيانا وأدخله في معنى الطاغوت لفظا ومعنى ، وأهل الكتاب لم يعبدوا الأحبار والرهبان ; ولكن اتبعوا شرعهم وتركوا شريعة الله فسماهم الله عبادا لهم ; كما في قوله (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة 31) ، وسماهم مشركين ،وهذه اللفتة هنا ملحوظ فيها ذلك المعنى الدقيق ،فهم عبدوا الطاغوت أي السلطات الطاغية المتجاوزة لحقها ، وهم لم يعبدوها بمعنى السجود لها والركوع ولكنهم عبدوها بمعنى الاتباع والطاعة ، وهي عبادة تخرج صاحبها من عبادة الله ومن دين الله والله سبحانه يوجه رسوله r لمجابهة أهل الكتاب بهذا التاريخ ، وبذلك الجزاء الذي استحقوه من الله على هذا التاريخ كأنما هم جيل واحد بما أنهم جبلة واحدة)[935].
قوله تعالى (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا) قال الشعراوي (وهذا هو الواقع الذي يعيشون فيه ، فهو شر كله ، ولا يفكرون في السير في الطريق السليم)[936] ، قال أبو السعود (الإشارة عبارة عمن ذُكرتْ صفاتُهم الخبيثة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتِهم في الشرارة أي أولئك الموصوفون بتلك القبائح والفضائحِ شرٌّ مكانُهم ، جَعَلَ مكاناً شراً ليكونَ أبلغَ في الدلالة على شرارتهم)[937].
وهذه المقولة قالها يوسف عليه السلام لأخوته بني إسرائيل ، لما افتروا على أخيه الصغير بتعوده على السرقة ، (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) (يوسف 77) .
وقيلت كذلك لمن يمد له الرحمن في الضلالة مدا ، ثم ينتهي أمره إلى عذاب الله إما في الدنيا أو في الآخرة (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ) (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا) (مريم 75)
قوله (وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) قال الشعراوي ("سَوَاءِ السبيل" هو الأمر المستوي الموصل للغاية ، وكانت طرق العرب إما فيها رمال وإما بين الجبال ، وكانوا يختارون السير في وسط الطريق حتى لا ينالهم أذى من جرف هاوٍ من الرمال فيقع بهم أو أن تقع عليهم صخرة من جبل)[938].
الأمر الذي يفترض - جدلا - أنه إذا كنت متبعا أحدًا من أصحاب الديانات السماوية في سبيل الوصول إلى الحق فلا تتبع اليهود ابتداءً ، لأن هؤلاء لا خير فيهم البتة ، فقد بلغوا المنتهى في إضلال البشر ، ثم بعد أن تنحيهم جانبا من دائرة الاختيار ، فقد نحيت قسطا كبيرًا من الشر ، وعندئذ تسنى لك أن تنحي من هم أقل منهم ضلالا ، فليس هناك أضل ممن اتبع اليهود في سبيل .
قال رسول الله r (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ) [939]، فقوله "سنن من قبلكم" يشمل بني إسرائيل وغيرهم [940]، قال المناوي أن في ذلك (كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات والمعاصي لا في الكفر ، وهذا خبر معناه النهي عن اتباعهم ومنعهم عن الالتفات لغيره)[941].
السبب الرابع للبراءة من أهل الكتاب : نفاقهم للمؤمنين
قوله (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ)(61) وتلك هي حيلة يحتالون بها على المؤمنين ، ظنا منهم أنهم خادعوهم بها ، كما في قوله (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (آل عمران 72) ، قال ابن عاشور (الإيمان لم يخالط قلوبهم طرفة عين، أي هم دخلوا كافرين وخرجوا كذلك ، لشدة قسوة قلوبهم ، فالمقصود استغراق الزمنين وما بينهما)[942]،(والغرض منه المُبَالَغَةُ فِيمَا في قُلُوبِهِم من الجدِّ والاجتِهَادِ في المكر بالمُسْلِمِين ، والكَيْدِ والبُغْضِ والعَداوَةِ لهم)[943] .
(وإضافة "قد" في قوله : (وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ) ، للإِشارة إلى أنهم عند خروجهم كانوا أشد كفراً ، وأقسى قلوبا منهم عند دخولهم)[944] ، فحال اليهود الذين يلبسون عباءة الإسلام والإسلام براء منهم كحال المنافقين معلومي النفاق ، الذي ذكرهم الله في قوله تعالى (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ) (محمد/16) ، والمعنى الإجمالي إفادة أن الموعظة لم تؤثر فيهم ، قال أبو السعود (أي يخرجون من عندك ملتبسين بالكفر كما دخلوا ، لم يؤثِّرْ فيهم ما سمعوا منك)[945] .
السبب الخامس للبراءة من أهل الكتاب : مسارعتهم في الإثم والعدوان
قوله (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) أي (يُبَادِرُونَ إلى ارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ) [946] ، حيث خارت عزائمهم عن مقاومة الشهوات ، وضعفت قواهم عن كظم غيظهم وانفعالاتهم ، فقد عطلوا عقولهم وتحركت جوارحهم بلا حِجر ، فكان مؤدى ذلك أن سارعوا في الإثم والعدوان بلا رادع لهم ، قال الخازن (الأصل أن تجري المسارعة في الخيرات ، لكن أن تجري في الإثم ففي ذلك إفادة بأنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات كأنهم محقون فيها)[947] ، وكأنهم يتسابقون إلى فعل الإثم والعدوان ، ما يعني أن حياتهم أضحت مثل شريعة الغاب ، فصدق فيهم قول الحق (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف 179).
يقول صاحب الظلال (الإثم والعدوان طابع المجتمع حين يفسد ; والمسارعة فيهما عمل هذه المجتمعات الفاسدة)[948] ، فليس أسرع منهم في الإثم أن عبدوا عجلا بعدما رأوا معجزة شق البحر وغرق فرعون وجنوده ، (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ) (الأعراف/148) ، وليس ثمة عدوان أسرع من قتلهم للأنبياء وأتباعهم ، كما قال الله فيهم (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (آل عمران 21) .
السبب السادس للبراءة من أهل الكتاب : أكلهم السحت (الفساد المالي وفساد الذمم) :
قوله (قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (62) هذان الأمران محل الإنكار عليهم ، كما في قوله تعالى (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) (المائدة/42)[949] ، ووجه الإنكار نهيهم عن تداول الأخبار الكاذبة ، وكذا اكتسابهم المال بالحرام بهذه الطريقة ، لاسيما إذا ما تبوأوا مكانة بين الناس ، فيغرونهم بالأخبار الكاذبة لأكل أموالهم بالباطل .
فالمقصود بالسحت (أَكْلِ المَالِ بِصُورَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ كَالقِمَارِ وَالسَّرِقَةِ وَالرِّبَا وَالغِشِّ وَالرّشْوَةِ)[950]، والجمهور على (أن السحت هو الرشا) ، وقيل هو الربا ، وقيل هو (الرشا وسائر مكسبهم الخبيث)[951] .
قال رسول الله r (لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت)[952]، وقال رسول الله r (لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت النار أولى به) [953]، قال العلماء في الشرح (السحت الرشوة في الحكم ، وفي السحت كل ما لا يحل كسبه ، وفي هذا الحديث دليل على أن السحت وهو الرشوة عند اليهود حرام ولا يحل ألا ترى إلى قولهم بهذا قامت السماوات والأرض ولولا أن السحت محرم عليهم في كتابهم ما عيرهم الله في القرآن بأكله فالسحت محرم عند جميع أهل الكتاب)[954].
قال طنطاوي (هاتين الرذيلتين هما جماع الرذائل ، إذ القول الباطل الكاذب إذا ما تعود عليه الإِنسان هانت عليه الفضائل ، وقال في الناس ما ليس فيهم بدون تحرج أو حياء ، وأكل السحت يقتل في نفسه المروءة والشرف ، ويجعله يستهين بحقوق الناس وأموالهم)[955].
السبب السابع للبراءة من أهل الكتاب : تخاذل علمائهم عن القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قوله تعالى (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)(63) "لولا" تحضيض يتضمن توبيخ العلماء والعباد على سكوتهم عن النهي عن معاصي الله تعالى والأمر بالمعروف ، قال أبو حيان (وما في القرآن من آية أشد توبيخاً منها للعلماء)[956]، والمعنى الإجمالي (هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان أئمتُهم وعلماؤهم، عن قول الكذب والزور، وأكل أموال الناس بالباطل، لقد ساء صنيعهم حين تركوا النهي عن المنكر)[957] .
والتخاذل عن النهي عن المنكر مع التمكين والقدرة يستوجب العذاب قال رسول الله r (ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي؛ هم أكثر وأعز ممن يَعمل بها ، ثم لا يغيرونه؛ إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب)[958] ، أي أنهم يقدرون على منعه من فعل المنكر لأنهم أكثر منه , وأعز مكانة من الفاعل ، ولكنهم لا ينكرون ولا يغيرون ، فيعمهم الله بعقاب من عنده لأي التقاعس عن إنكار منكره .
وعَنْ جَرِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ فَلَا يُغَيِّرُوا إِلَّا أَصَابَهُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتُوا) [959].
وعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:"أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ قَبْلَكُمْ بِرُكُوبِهِمُ الْمَعَاصِيَ، وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ، فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي وَلَمْ يَمْنَعْهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ أَخَذَتْهُمُ الْعُقُوبَاتُ، فَمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لا يَقْطَعُ رِزْقًا وَلا يُقَرِّبُ أَجَلا"[960].
أما النصيحة فهي فرض على الكفاية من عامة الناس ، فعَنْ قَيْسٍ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ،(وَإِنَّا سَمِعْنَا النَّبِيَّ r يَقُولُ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ )[961]، فنصيحة الظالم أمر متعين على العلماء ، فلا يجوز للعالم إلا أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
فإن سكت العالم عن الظلم واتخذ من ذلك عادة له ، فهو معين للظالم ، فإن انضم إلى سكوته عن البلاغ أن قبل الرشا فاستعمله أهل السلطان والمال ليخدم مصالحهم بفتواه ، فيصطنع لهم ما يطلبون من تحليل لما حرمه الله وتحريم لما أحله فقد استحق أقصي الذم باعتباره من الظلمة أنفسهم ، أي ممن يصنعون الظلم للحكام أنفسهم بسكوتهم عن منكرهم، وتزيين ما يفعلون ، ولذلك ذيلت الآية بقوله (لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) قال الرازي (الصنع أقوى من العمل لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقراً راسخاً متمكناً ، فجعل جرم العاملين ذنباً غير راسخ ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنباً راسخاً) [962].
السبب الثامن للبراءة من أهل الكتاب : إساءة أدب اليهود – على وجه الخصوص - مع الله
قوله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) إخبار للأمة الإسلامية بالمقالة الشنيعة الصادرة من اليهود حتى يزداد تبرؤها منهم ، فقولهم هذا (كناية عن اتهامه –سبحانه - بالبخل ، أي : مقبوضة عن بسط الرزق) [963]، (يعني محبوسة مقبوضة عن الرزق والبذل والعطاء)[964] ، قال ابن عاشور (وهي استعارة قوية لأن مغلول اليد لا يستطيع بسطها في أقل الأزمان، فلا جرم أن تكون استعارة لأشد البخل والشح) [965].
وسبب تقولهم على الله افتراء بهذا القول الشنيع (أن الله تعالى قد بسط عليهم الرزق ، فلما عصوه وجحدوا نعمته ، قتَّر عليهم الرزق ، قال تعالى (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا) (النساء 60) ، فقالوا عند ذلك يد الله محبوسة عن البسط ، فأمسك عنا الرزق)[966]، وهكذا لم يفهم اليهود لماذا قتَّر الله عليهم الرزق بعد أن بسطه عليهم ، وقد كفروا شكر النعمة ، ولم يعتبروا عندما سلبت منهم .
وقيل أن سبب هذه المقالة هو سخريتهم من حال النبي r وأصحابه في الدنيا ، فحال النبي r وأصحابه إزاء قضية الرزق هو الشكر والصبر ، فعن عُمَر بن الخطاب أن (رَسُول اللَّهِ r تَبَسَّمَ وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ ، فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ)[967] ،قال الرازي (لعلّ القوم لما رأوا أصحاب الرسول r في غاية الشدة والفقر والحاجة قالوا على سبيل السخرية والاستهزاء إن إله محمد فقير مغلول اليد، فلما قالوا ذلك حكى الله عنهم هذا الكلام) [968].
قوله (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) (دعاء عليهم بالبخل بِانْقِبَاضِ أَيْدِيهِمْ عَنِ الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَفِي سَبِيلِ الخَيْرِ)[969] ، وأردفه دعاء عليهم باللعن ، لعظم ما صدر منهم من إثم استوجب إنزال سخط الله عليهم ولعنتهم ، فقولهم الشنيع ذلك ذريعة لأن يتحللوا من النفقة في سبيل الله ، وبخلا منهم أن يبسطوا أيديهم للفقراء والمساكين والمحتاجين ، وتخاذلا منهم أن يضحوا بأرواحهم وأموالهم في سبيل الله ، حرصا على أن طلب الدنيا دون الآخرة .
قال رسول الله r (إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب)[970] ، فقد حرمهم الله تعالى من الرحمة بهذا اللعن لأنه سبحانه لم يحب ما فعلوهم ، وقد قصدوا بإعلانهم ذلك أن يصدوا المؤمنين عن الإنفاق في سبيل الله ، ولو علموا حقيقة الدنيا التي لأجلها أساءوا الأدب مع الله لما فعلوا ذلك ، قال r (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا)[971].
قوله (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) قال ابن عاشور (وذكر اليد هنا بطريقة التثنية لزيادة المبالغة في الجود)[972]، قال رسول الله r عن ربه (وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ)[973] ، قال الزمخشري (وذلك أنّ غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعاً فبني المجاز على ذلك)[974] ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْضُ أَوْ الْقَبْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ)[975] قوله : " لا يغيضها " أي : لا ينقصها ، من غاض الماء : إذا ذهب في الأرض ، وقوله : "سحاء" أي : دائمة الصب ، وليس له ذكر على أفعل)[976].
وقد بسط الله تعالى على أصحاب النبي r الأرض كلها وأورثها لهم ، قال تعالى (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (الأحزاب/27) ، وهي سنة الله تعالى الماضية في كل جيل ، قال تعالى (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) (الأعراف/137) ، كما أنها تمضي إلي يوم القيامة قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (النور/55) .
السبب التاسع للبراءة منهم : العناد في الكفر والمكابرة في الطغيان
ففي قوله (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا..) أي أنهم لم ينتفعوا بالهدى والشفاء الذي أنزل على النبي محمد r فكلما تليت آياته زادتهم نفورا ، قال أبو السعود (المرادُ بالكثير المذكور "علماؤهم ورؤساؤهم" ، والجملة مبيِّنةٌ لشدة شكيمَتِهم وغُلوِّهم في المكابرة والعناد وعدمِ إفادة التبليغ نفعاً) ، (وتصديرُها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيق مدلولِها)[977] )[978]، قال تعالى (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا) (الإسراء/82) ، أي (كلما نزلت آية كفروا بها وازدادوا طغيانا وكفرا)[979].
قال ابن كثير أي: (ما أتاك الله يا محمد من النعمة ، هو نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقًا وعملا صالحًا ، يزداد به الكفرة الحاسدون لك ولأمتك)[980]، (وذلك إما بباعث الحسد على مجيء هذا الدين ونزول القرآن ناسخا لدينهم، وإما بما في بعض آيات القرآن من قوارعهم وتفنيد مزاعمهم ..، وقد سمى الله ما يعترضهم من الشجا في حلوقهم بهذا الدين "طغيانا" لأن الطغيان هو الغلو في الظلم واقتحام المكابرة مع عدم الاكتراث)[981].
السبب العاشر للبراءة منهم : سعيهم الدؤوب لإشعال نار الحرب في الأرض
قوله (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ِ) حمى الله المؤمنين من كيد اليهود حتى في ظل خلافاتهم وأوهن لحظات ضعفهم بأن أضعف عدوهم وشتت كلمتهم ، فقد أخبر الله تعالى أن طوائف اليهود ستظل يعادي بعضها بعضًا إلى يوم القيامة , وينفر بعضهم من بعض, ويجوز أن تكون العداوة والبغضاء بين اليهود والنصارى حتى لا يجتمعوا على المسلمين[982] ، كما في قوله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) (البقرة 113).
وتاريخيًا، شهدت العلاقة بين اليهود والنصارى صراعات متعددة، أبرزها اضطهاد الكنيسة لليهود في أوروبا خلال العصور الوسطى، واتهامهم بـ" فرية الدم "Blood Libel، والمذابح التي تبعتها، مثل الطاعون الأسود، وصولًا إلى اضطهاد المسيحيين الأرثوذكس واليهود في الأندلس عند سقوطها، بالإضافة إلى العداء التاريخي الذي أدى إلى ظهور الصهيونية والحرب العربية الإسرائيلية التي يُنظر إليها أحيانًا كجزء من صراع أوسع.
قوله (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) قال ابن عطية هذه (استعارة بليغة تنبىء عن فض جموعهم وتشتيت آرائهم وتفريق كلمتهم)[983] ، قال ابن تيمية (فَهَذَا اللَّفْظُ أَصْلُهُ أَنَّ الْمُحَارِبِينَ يُوقِدُونَ نَارًا يَجْتَمِعُ إلَيْهَا أَعْوَانُهُمْ وَيَنْصُرُونَ وَلِيَّهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَلَا تَتِمُّ مُحَارَبَتُهُمْ إلَّا بِهَا فَإِذَا طفئت لَمْ يَجْتَمِعْ أَمْرُهُمْ ثُمَّ صَارَ هَذَا كَمَا تُسْتَعْمَلُ الْأَمْثَالُ فِي كُلِّ مُحَارِبٍ بَطَلَ كَيْدُهُ)[984] ، ولذلك بطل كيدهم ، فكيدهم ليس له فاعلية أمام المسلمين .
(فكلما تآمروا على الكيد للمسلمين بإثارة الفتن وإشعال نار الحرب ردَّ الله كيدهم, وفرَّق شملهم, ولا يزال اليهود يعملون بمعاصي الله مما نشأ عنه الفساد والاضطراب في الأرض)[985] ، قال تعالى (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ) (الحشر/14) ، ويظهر ذلك في عدم اتفاقهم على حرب المسلمين جملة واحدة ، فيحاربون طائفة وينتهون عن أخرى ، ولو أرادوا حربهم جميعا ما استطاعوا .
دليل ذلك ما روي عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)[986]
قال العلماء (أن العدو لن يقضي على الإسلام والمسلمين، والإسلام باق، ولا تخلو الأرض من قائم لله بحجته، ولو حصل ضعف في مكان حصلت قوة في مكان آخر، لكن لا تخلو الأرض ممن يقوم بأمر الله، ولكن الشيء الذي قد حصل هو كون بعضهم يقتل بعضاً، والفتن التي تكون بينهم تحصد بعضهم بالقتل وحصول الأضرار الكبيرة ، .. لكن كونه تخلو من الأرض المسلمين أو ينتهي أمرهم ، هذا لا يكون، بل لابد أن يكون هناك من يقوم بشرع الله، ولا يضره من خالفه)[987] .
السبب الحادي عشر للبراءة من اليهود : سعيهم للإفساد في الأرض بشتى الطرق مع تحصين أنفسهم
قوله (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (64) أي (يبذلون طاقتهم في الكيد للإسلام وأهله وإثارةِ الشر والفتنة فيما بينهم مما يُغايرُ ما عبَّر عنه بإيقاد نارِ الحرب)[988]، فلا غرو أن تجدهم من يكونون العصابات التي تقوم على الجريمة المنظمة ، فوجب إنزال حد الحرابة عليهم ، والمجالات التي يفسدون فيها تنأى عن الحصر
قال الشعراوي (يبغون في الأرض فساداً بأساليب الاختفاء ، ومن يقرأ « بروتوكلات صهيون » يجد اعترافاتهم بأنهم أصحاب النظريات التي تقود إلى الأفكار الخاطئة كالماركسية والوجودية والداروينية وهي أمور مرتبة من قبل ليظهر أثرها الضار في الشعوب غير اليهودية ، أما اليهود فقد حصنوهم ضد هذه المبادئ الفاسدة ، هكذا أرادوا التبييت ضد العالم ، وهكذا يكون سعيهم بالفساد بين الناس ، وإذا نظرنا إلى الانحراف الحالي في الكون فإننا نجدهم وراءه ، فالرأسمالية الشرسة من اليهود ، والشيوعية الشرسة من اليهود ، وكذلك الجمعيات التي تتخفي وراء أسماء « الماسونية والروتاري والليونز » ، كلها من اليهود ، ويزعمون أنهم يقومون بالأعمال الخيرية والخدمات)[989].
فهم يستهدفون إفساد "الأخلاق" بنشر الفاحشة والتبرج والعري والمهرجانات السنيمائية ، ويستهدفون "الإعلام" بتعمية الحقائق عن الناس ، ونشر الأخبار الكاذبة والملفقة ، وفي مجال "التعليم" يكتمون العلم النافع عن الناس ، ويضعون كثير من العراقيل وإطالة سنوات الدراسة لكثير من العلوم غير النافعة وبأجور باهظة ، بل ويخرجون العلم النافع من دائرة العمل الاجتماعي إلى ليدخل في دائرة العمل الاستثماري القائم على المنفعة المادية المحضة دونما نظر لأي اعتبار اجتماعي ، وفي مجال "الزراعة" يتحكمون في مصادر الري والبذور ويقحمون الهندسة الوراثية لإدرار الأرباح المضاعفة ولو بإضعاف السلالة النباتية وإنقاص القيمة الغذائية ، وفي "المال والاقتصاد" بالربا وتجارة الممنوعات والمخدرات ، وفي "الصناعة" بالاستئثار برؤوس الأموال والخبراء والفنيين واحتكار الإنتاج ، وفي "التجارة" باحتلال الطرق والسيطرة على الموانئ والمطارات ، والسيطرة على الأسعار ، وفي "الأسواق" بالاحتكار والمضاربات الوهمية ، وفي "السياسة" بتقليد الأمر لغير أهله ، من خلال اندساس أتباعهم ليكونوا البطانة حول أصحاب الرأي والسياسة ، وفي "الصحة" بتلويث المزروعات والمياه بمخلفات المصانع ، ونشر الأوبئة ، والمزروعات التي تعتمد على الأسمدة والمبيدات والهرمونات ، وفي "السلم والأمن العام" بنشر العصابات وتسليحها وتقويتها ... الخ ، فهم مفسدون في كل شئ ، وما من مجال لأنشطة الإنسان في الأرض إلا ولهم يد في إفساده .
قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)
وفيه عدة مطالب : -
المطلب الأول : ترغيب أهل الكتاب في المبادئ الكلية المرعية في كل ملة
المطلب الثاني : تبليغ الدعوة لأهل الكتاب بغزيمة متجددة
المطلب الثالث : مكاشفة أهل الكتاب ومواجهتهم بضلالاتهم إجمالا
المطلب الرابع : تبشير أهل الكتاب بقبول ما سلف منهم من خير
ترغيب أهل الكتاب في المبادئ الكلية المرعية في كل ملة
قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (66)
قوله (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (65) الخطاب لأهل الكتاب ، وتخصيصهم بالذكر يرجع إلى أنهم أقرب من غيرهم إلى الإيمان بمحمد r وبما جاء من القرآن الكريم ، هذا من حيث أنهم يعلمون الأديان ، لكن حرف "لو" يفيد الامتناع أي أنهم لم يؤمنوا ، أي أنهم خالفوا من حسن الظن فيهم ، فكثير منهم عاندوا النبي r ، إلا قليلا ممن حافظوا على كتابهم أمثال ورقة بن نوفل .
قال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)[990] ، قال الطحاوي (وَهُمْ الَّذِينَ بَقَوْا على ما بُعِثَ بِهِ عِيسَى r مِمَّنْ لم يُبَدِّلْهُ ولم يُدْخِلْ فيه ما ليس منه ، وَبَقِيَ على ما تَعَبَّدَهُ اللَّهُ عليه عز وجل حتى قال النبي r يَوْمَئِذٍ هذا الْقَوْلَ)[991]، (وهؤلاء البقايا مات أكثرهم قبل مبعثه r ، فصار الناس في جاهليّة من مقالات مبدّلة أو منسوخة أو فاسدة قد اشتبهت عليهم مع كثرة الاختلاف والاضطراب)[992].
وقد بدأ الله تعالى بتذكيرهم بثواب الآخرة ، فهو أولى من تبشيرهم بسعة الرزق في الدنيا ، وهو عين المقصود مذلك ، فإصلاح الآخرة غير منبت الصلة عن إصلاح الدنيا ، وإنما يعمر المسلم دنياه لأجل آخرته ، فهو يعمر الدنيا ليس لنفسه وحسب ، بل يعمرها ليظل عمارها تنعم به الأجيال القادمة ، فيحدث الأجداد أحفادهم عن نعمة الله ، فيشكروه عليها .
يقول صاحب الظلال (القاعدة الأولى والركيزة الأساسية هي "الإيمان والتقوى" و"تحقيق المنهج الرباني في الحياة الواقعية" فهذا يتضمن في ثناياه "العمل والإنتاج والترقية والتطوير للحياة" ، أي أن للصلة بالله مذاقها الذي يغير كل طعوم الحياة ; ويرفع كل قيم الحياة ; ويُقوِّم كل موازين الحياة ، فهذا هو الأصل في التصور الإسلامي ، ..وكل شيء فيه يجيء تبعا له ومنبثقا منه ومعتمدا عليه) [993] .
وقد أبدع حين استطرد قائلا (ولا يجوز أن تخدعنا ظواهر كاذبة في فترة موقوتة ، إذ نرى أمما لا تؤمن ولا تتقي ولا تقيم منهج الله في حياتها وهي موفورة الخيرات كثيرة الإنتاج عظيمة الرخاء ، إنه رخاء موقوت حتى تفعل السنن الثابتة فعلها الثابت وحتى تظهر كل آثار الفصام النكد بين الإبداع المادي والمنهج الرباني .
والآن تظهر بعض هذه الآثار في صور شتى :-
- تظهر في سوء التوزيع في هذه الأمم مما يجعل المجتمع حافلا بالشقاء وحافلا بالأحقاد وحافلا بالمخاوف من الانقلابات المتوقعة نتيجة هذه الأحقاد الكظيمة وهو بلاء على رغم الرخاء.
- وتظهر في الكبت والقمع والخوف في الأمم التي أرادت أن تضمن نوعا من عدالة التوزيع واتخذت طريق التحطيم والقمع والإرهاب ونشر الخوف والذعر لإقرار الإجراءات التي تأخذ بها لإعادة التوزيع وهو بلاء لا يأمن الإنسان فيه على نفسه ولا يطمئن ولا يبيت ليلة في سلام .
- وتظهر في الانحلال النفسي والخلقي الذي يؤدي بدوره إن عاجلا أو آجلا إلى تدمير الحياة المادية ذاتها .
ثم انتهى إلى نتيجة مؤداها أن (العمل والإنتاج والتوزيع كلها في حاجة إلى ضمانة الأخلاق ، والقانون الأرضي وحده عاجز كل العجز عن تقديم الضمانات لسير العمل).
قوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (66) قال المفسرون (يعني لو أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما)[994]، أي أظهروا أحْكَامها ،كإقامةِ السُّوق ، وإقامةِ الصَّلاةِ) [995]، قال مقاتل أي لو(عملوا بما فيهما من أمر الرجم والزنا وغيره ، ولم يحرفوه عن مواضعه فى التوراة التى أنزلها الله عز وجل)[996] ، لحصل لهم من خيرات الدنيا ما يجعلهم يغدقون في النعم من فوقهم من تحتهم.
(وفي ذلك إيماء بسبب ضيق معاش اليهود والنصارى أهل التوراة والإنجيل بعد هجرة الرسول إليهم ، بأن الله عاقبهم على إضاعتهم للتوراة والإنجيل ، فما كان منهم إلا أن ضموا إلى ذلك إعلان كفرهم بما أنزل على محمد فجاء قولهم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) (المائدة:64) كما تقدم)[997].
فاشترط الله عليهم إقامة ما في التوارة والإنجيل من مبادئ وأحكام لم يطلها النسخ ، بل وتحض على العدل والقسط بين الناس ، فإذا عملوا بها كانوا أهلا لأن يعملوا بما جاء على محمد r ، كما حصل من بعضهم آمنوا بكتبهم ثم لما جاءت رسالة الإسلام عملوا بها ، فأخذوا أجرهم مرتين ، لأن الدنيا لا تستقيم إلا بالعدل سواء أكان طالبها مؤمنا أو غير مؤمن ، لأن الله تعالى يصلح دولة العدل وإن كانت كافرة ، ولا يصلح دولة الظلم وإن كانت مسلمة ، فعن أبى ذر رضي الله عنه عن النبي r فيما روى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا" .
قال العلماء (وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمَا فِي الكِتَابِ الذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ، كَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، دُونَ تَحْرِيفٍ وَلا تَبْدِيلٍ ، لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إلى اتِّبَاعِ الحَقِّ ، وَالعَمَلِ بِمُقْتَضَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ، لأنَّ كُلاً مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ بَشَّرَ بِنَبِيٍّ يَكُونُ مِنْ أَوْلاَدِ إِسْمَاعِيل) [998] .
وقد ذَكَّرهم الله في موضع آخر فالفوائد التي تعود عليهم - في الدنيا - من العمل بمقتضى المبادئ والأحكام التي تربوا عليها في التوراة والإنجيل ، وما يعنيه الإيمان بالله والاستقامة علي شرعه ، فقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) (الأعراف/96) .
قال القاسمي (فإن قيل) : وكيف يحثهم الله على العمل بأي شيء من دينهم ، ومنه ما جاء القرآن ناسخاً له ؟ (قلت) : لا شك عند كل عاقل أنه خير لأهل الكتاب أن يعملوا بشرائع دينهم الأصلية ، فإنهم حينئذٍ يتجنبون الكذب والتحريف والعناد والأذى والإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل والزنى ، وغير ذلك مما يعلمه الناس ، فمراد القرآن على التفسير الأول للآية حثهم -إن أصروا على عدم الإيمان به - على العمل بدينهم على الأقل ليستريح النبيّ وأتباعه من أكثر شرورهم ورذائلهم ، ولكن بعد العمل بدينهم لا يكونون على الدين الحق الكامل ؛ بل الذي يفهم من الآية أنهم يكونون على شيء من الدين ، وهو -ولا شك - خير من لا شيء)[999] .
ولذلك قال الخازن (فإن قلت : كيف يأمر أهل الكتاب بإقامة التوراة والإنجيل مع أنهما نُسخا وبدلا ، قلت : إنما أمرهم الله تعالى بإقامة ما فيهما من الإيمان بمحمد r واتباع شريعته وهذا غير منسوخ لأنه موافق لما في القرآن)[1000] ، فهذه المكاشفة مبنية على أن من سلك طريق الحق - ابتداءً - فإنه إذا طمست معالمه يهتدي إليه مرة أخرى لا إلى غيره ، أما من ضل عن الحق -ابتداءً- فإنه قد يحول بينه وبين الوصول للحق ضلاله الأول ، ولذلك خاطب الحق سبحانه القلة التي آمنت بالتوراة والإنجيل وأقاموا ما فيهما من أحكام ليكون إيمانهم بالكتب السابقة والأنبياء من قبل سببًا لأن يكونوا أول من يؤمنون بمحمد r والقرآن الكريم ، فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الحديد/28) ، قال الشيخ أبو بكر الجزائري (وما زال العرض كما هو لكل الأمم والشعوب أيضاً) .
ولو أنهم فعلوا ذلك لهتدوا ولكنهم وقعوا في الظلم فحال بينهم وبين الهدى ، قال رسول الله r (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ) [1001]، قال صاحب الظلال (فالله سبحانه يعلم أن لا صلاح لهم ولا فلاح إلا بهذا المنهاج)[1002]، أي بالابتعاد عن الظلم والعدوان حتي يتهيئون لقبول الحق كاملا .
قوله (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (66) (استعارة عن سبوغ النعم عليهم ، وتوسعة الرزق عليهم)[1003]، وفيه (تعميم جهات الرزق، أي لرزقوا من كل سبيل)[1004]، قال الزمخشري (أن يفيض عليهم بركات السماء وبركات الأرض ، وأن يكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلة ، وأن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم)[1005]
فالآيات تؤكد مفهوما لابد وأن يعيه المسلمون ويريد القرآن كذلك أن يخاطب به أهل الكتاب ، بأن صلاح الدنيا لا يكون إلا بالدين ، قال تعالى (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) (نوح/10-12) ، ذلك أن الدين جاء لأجل تقويم حياة البشر بما هو خير لها ، ولا ينبغي أن يقتصر مفهوم الدين على أنه مجرد شعائر تعبدية وحسب ، بل هو كذلك شريعة إصلاحية للحياة تصير به إلى الرخاء و الرفاهية .
وهناك محاولة لترويج فكرة أن الدين هو مجرد اعتقاد الفرد ، وحسب ، وبذلك يفصلونه عن الحياة الواقعية المادية ، وبناء على هذه الفكرة يوهمون الناس بأنهم لا مفر لهم باختيار أحد طريقين إما الدنيا وإما الآخرة ، لا يجتمعان ، وهذا التصور البغيض يناقض تماما ما عليه الدين الحق ، الذي هو يجمع بين الطريقين ، فيحسن حياة الناس في الدنيا للأفضل بمجرد ابتغاؤه من العمل ثواب الآخرة ، فلا تعارض بين الطريقين ، بل لابد لسلوك طريق الآخرة تعمير الدنيا بمنهج الله وشرعه .
يقول صاحب الظلال (... فالمذاهب المادية الإلحادية أو المذاهب المادية تحاول استبقاء الدين "عقيدة" بعيدة عن نظام الحياة العملية وتتصور أو يصور لها أعداء البشرية أن الدين "لله" وأن الحياة "للناس" ، وأن "الدين" عقيدة وشعور وعبادة وخلق و"الحياة" نظام وقانون وإنتاج وعمل ، ومؤدى ذلك أن تؤدي البشرية ضريبة الشقاء والقلق والحيرة والخواء لأنها لا تهتدي إلى منهج الله الذي لا يفصل بين الدنيا والآخرة بل يجمع ; ولا يقيم التناقض والتعارض بين الرخاء في الدنيا والرخاء في الآخرة بل ينسق)[1006].
تبليغ الدعوة لأهل الكتاب بعزيمة متجددة
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)
قوله (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ..) (67) بالرغم من أن السياق يتحدث عن إعراض أهل الكتاب وممانعتهم للنبي r وقد لاقى في دعوته لهم عناءا شديدا ليس بأقل مما لاقاه من قريش عندما كان يوجه الدعوة لهم ، فظل يكابد عناء ومشقة التبليغ في المدينة إزاء عناد أهل الكتاب ، ورغم ذلك حضته هذه الآية أن يستمر في تبليغ الدعوة ، لاسيما وأن أهل كتاب كان الظن بهم أنهم أقل من قريش ممانعة ، ولكن الحال لم يكن كذلك .
وقد أشكلت هذه الآية على بعض المفسرين ، لأن موضعها في سورة المائدة وهي آخر ما نزل من القرآن مما أثار استغرابهم ، فكيف يؤمر بذلك ، وقد أتم النبي r البلاغ ، كما في قوله (اليوم أكملت لكم دينكم) ، ويجاب على ذلك بأن البلاغ في مبتدأ الدعوة له ملابساته وظروفه ، وفي آخر الدعوة وقد أقام النبي r دولته وإزاء مواجهته لأناس آخرين وهم أهل الكتاب له ظروف أخرى ومعطيات جديدة ، فالقصد ألا يقل جهد النبي r في دعوة أهل الكتاب عن الجهد الذي بذله لتبليغ قريش ومن حولها ، فمضى رسول الله r في عرض دعوته على "أهل الكتاب" بعزم شديد ، وإرادة متجددة.
وقال ابن تيمية (وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ كَمَا أُمِرَ وَلَمْ يَكْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا ؛ فَإِنَّ كِتْمَانَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يُنَاقِضُ مُوجِبَ الرِّسَالَةِ ؛ كَمَا أَنَّ الْكَذِبَ يُنَاقِضُ مُوجِبَ الرِّسَالَةِ ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ الْكِتْمَانِ لِشَيْءِ مِنْ الرِّسَالَةِ كَمَا أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ الْكَذِبِ فِيهَا ، وَالْأُمَّةُ تَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَبَيَّنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ الدِّينَ ؛ وَإِنَّمَا كَمُلَ بِمَا بَلَّغَهُ ؛ إذْ الدِّينُ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِتَبْلِيغِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ بَلَّغَ جَمِيعَ الدِّينِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ كَمَا قَالَ r " تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ")[1007] .
قوله (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ..) (67) فلم يبخل عنهم بحديث ولا بآية ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ النَّبِيَّ r كَتَمَ شَيْئًا مِنْ الْوَحْيِ فَلَا تُصَدِّقْهُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ" [1008] .
وعَنِ النَّبِيِّ r أَنَّهُ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ ، إِلا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ) [1009] ، قال ابن تيمية (فلم يترك r شيئا من أمور الدين : قواعده وأصوله وشرائعه وفصوله - إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه إذ لا خلاف بين فرق الأمة : أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال ومعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدا في كل وقت وزمان)[1010].
قوله ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ..) (67) بشره بالعصمة من شر أهل الكتاب ، سيما وقد علم النبي r أنه يبلغ الدعوة إلى قوم معروف عنهم أنهم عتاة في الإجرام ، قتلوا الأنبياء وحرفوا الكتاب ، مما يلقي عليه عبء تربص غدرهم به وتعرضه للاغتيال والخيانة أكثر من مرة ، ولكن شاءت قدرة الله أن يعصم رسوله خاتم الأنبياء حتى يبلغ الرسالة ، فلا نبي بعده ، فكانت العصمة ملازمة له حتى أتم البلاغ ، أي أن العصمة شرطها البلاغ ، قال ابن تيمية (فضمن الله له العصمة إذا بلغ رسالاته)[1011] ، وقد كان r أُوتِيَ بَعْضَ هذه العَصْمَةِ بمكَّة في قوله تعالى (إِنَّا كفيناك المستهزءين) [ الحجر : 95 ] ثم كمُلَتْ له العصْمَةُ بالمدينةِ ، فعُصِمَ من النَّاس كلِّهم) [1012] ، قال ابنُ العربيِّ قوله تعالى "والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس" معناه : يَجْعَلْ بينَكَ وبينهم حجاباً يمنع من وصُولِ مكروههم إلَيْك)[1013].
ورغم أن الله هو الحافظ لعبده من الناس ، فإن العبد مأمور بالأخذ بالأسباب ، ومن جملة الأسباب تعيين حارسا على القائد ، وقد كان النبي r يفعل ذلك ليعلم أمته أن التوكل على الله سبحانه لابد وأن تسبقه العبادة ، والأخذ بالأسباب الشرعية هو العبادة ، وتفويض الله في النتائج هذا هو التوكل ، ولذلك كان يعين عليه حارسا عندما يرغب في النوم ، فعن عَائِشَة قَالَتْ أَرِقَ النَّبِيُّ r ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ (لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ ، إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَحْرُسُكَ فَنَامَ النَّبِيُّ r حَتَّى سَمِعْنَا غَطِيطَهُ)[1014]
لكن عندما تأكدت عصمته من الناس بإخبار الله له ، لم يشق على أصحابه في الحراسة ، فأمرهم أن ينصرفوا عنه ، لينشغلوا بعمل آخر ، فعنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ r يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ) فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ r رَأْسَهُ مِنْ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ)[1015].
وقد طرح الرازي سؤالا وأجاب عليه فقال (كيف يجمع بين ذلك وبين ما روي أنه عليه الصلاة والسلام شج وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته؟، والجواب من وجيهن : -
أحدهما : أن المراد يعصمه من القتل ، وفيه التنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء ، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام!
وثانيها : أنها نزلت بعد يوم أحد)[1016] .
قوله ( ..إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (67) يعني رغم هذه العصمة من شرهم إلا أن محاولتهم إيذاءك لاتزال مستمرة ، فعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r قِبَلَ نَجْدٍ فَلَمَّا قَفَلَ –أي رجع- رَسُولُ اللَّهِ r قَفَلَ مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ –أي نومة القيلولة - فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ r وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ r تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ r يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ ، فَقَالَ إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي –أي أشهر سيفه في وجهه- وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ ، وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا ، فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ اللَّهُ ثَلَاثًا وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ)[1017] .
مكاشفة أهل الكتاب ومواجهتهم بحقيقة ضلالهم إجمالا بلا يأس ولا قنوط
قال تعالى ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)
قوله (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) أي (لستم على دين يعتد به)[1018] ، فلم يقل ”لستم على دين"، وقال " لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ " تقليلا من شأنهم ، أي ليسوا على شيء من الخير مطلقا ، قال الشعراوي (الشيء هو أقل مرتبة في الوجود ... فذلك إيضاح لهم أنهم في مرتبة أدنى من الكائنات لأنهم بلا منهج)[1019] ، أي بلا منهج لأنهم حرفوا التوراة والإنجيل وكتموا حكم الله .
ففي الآية (إعلام من الله تعالى أن اليهود والنصارى ليسوا على شيء من الدين الحق ، ولا من ولاية الله تعالى حتى يقيموا ما أمروا به وما نُهوا عنه وما انتدبوا إليه من الخيرات والصالحات مما جاء في التوراة والإِنجيل والقرآن أيضاً...) [1020]
والمقصد أن الله تعالى أراد أن يُعلم أهل الكتاب أنهم لم يعملوا بما في التوارة والإنجيل ، فكان تقصيرهم في العمل بكتبهم أسبق لإعراضهم عما نزل من القرآن ، وكان الأولى بهم أن يعملوا بما في التوراة والإنجيل –ابتداء- مما أنزل الله حتى يتسنى أن ينالوا شرف العمل بالقرآن ، لكنهم ليسوا بأصحاب منهج إلهي ، بل يخترعون مناهجهم البشرية ليضاهوا بها منهج الله الذي شرعه لهم ، كما في قولهم لنبيهم موسى وقد تجاوزوا معه فرعون وجنوده بمعجزة شق البحر (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) ، (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (الأعراف/138) ، وهكذا يبدأون التحريف في أصل العقيدة ذاتها .
ولذلك كُلِّف الرسول r أن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء من الدين والعقيدة ولا العمل الصالح ، فقد كانوا يزعمون أنهم أهل إيمان لتلاوتهم كتبهم ، لكن النبي r أمر بأن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء أصلا مما يزعمون ، وعلة هذه المواجهة ليست التعيير ، وإنما لإفهامهم أن المقصد هو إقامة منهج الله في حياتهم ، ومنهج الله تعالى ثابت في عقيدته وعباداته وأخلاقه ومعاملاته ، وإنما جاءت الشرائع المتعاقبة لتؤكد هذا المنهج بعد أن تناسى الناس أحكامه .
يقول صاحب الظلال («الدين» ، ليس كلمات تقال باللسان؛ وليس كتباً تقرأ ؛ ولا صفة تورث ، إنما الدين منهج حياة ، يشمل العقيدة ، ويشمل العبادة المتمثلة في الشعائر ، والعبادة التي تتمثل في إقامة نظام الحياة كلها على أساس هذا المنهج . . ولما لم يكن أهل الكتاب يقيمون الدين على قواعده هذه ، فقد كلف «الرسول » r - أن يواجههم بأنهم ليسوا على دين؛ وليسوا على شيء أصلاً من هذا القبيل! ) [1021].
قوله (..وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ..) (68) إعادة وتكرير لما سبق أن أخبرنا المولى به من إصرارهم على العناد مع نبيهم r في أمر قبول الدعوة ، وإصرارهم في التمادي في المنكر والكفر ، لاسيما بعد أن واجههم بأنهم ليسوا على شيء ، وأن ما يتمسكون به -مما يزعمون من أمر التوراة والإنجيل- ليس كما يظنون ، لأنها كتب محرفة لا تحتوي على حكم الله إلا ما أثبته القرآن ، فكان عملهم بها مع تركهم القرآن هو عمل بشريعة الطاغوت وترك لحكم الله الذي رعاه في ملتهم ونزل القرآن ليصدقه .
قال صاحب الظلال (وكان الله - سبحانه - يعلم أن مواجهتهم بهذه الحقيقة الحاسمة ، وبهذه الكلمة الفاصلة ، ستؤدي إلى أن تزيد كثيراً منهم طغياناً وكفراً ، وعناداً ولجاجاً . . ولكن هذا لم يمنع من أمر الرسول r أن يواجههم بها؛ وألا يأسى على ما يصيبهم من الكفر والطغيان والضلال والشرود بسبب مواجهتهم بها؛ لأن حكمته - سبحانه - تقتضي أن يصدع بكلمة الحق؛ وأن تترتب عليها آثارها في نفوس الخلق ، فيهتدي من يهتدي عن بينة ، ويضل من يضل عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة) [1022].
قوله (..فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (68) نهى الله نبيه r عن الحزن والشعور بالأسى على الكفار إذا امتنعوا من قبول الإسلام، ؛ كقوله: (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) [النمل 70]، قال الشوكاني أي (دع عنك التأسف على هؤلاء ، فإن ضرر ذلك راجع إليهم ونازل بهم) ، والمعنى أن (في المتبعين لك من المؤمنين غنى لك عنهم)[1023]
ونظير ذلك قوله (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر 8]، وقوله (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [الشعراء3]، وقوله (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)(الكهف6).
تبشير المؤمنين الجدد من أهل الكتاب بصحة ما سلف منهم من خير
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (69)
قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (69) تطمين لمن آمن منهم بالله وحسن إسلامه سواء كان على الدين الحق قبل بعثة النبي r أو لحق بهذا الدين بعد بعثته ، ليبشره الله بأنه قد أسلم على ما سلف من الخير ، فمن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا قبل بعثة النبي r ثم جدد إيمانه لما بلغته دعوة النبي محمد r فأقبل على الإسلام بكليته نال الأجرين معا ، أجر ما عمله قبل الإيمان بالنبي محمد r وما عمله بعد ذلك ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا فَلَهُ أَجْرَانِ وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ r فَلَهُ أَجْرَانِ وَالْعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ)[1024] ، قال الأنباري (يقال الذين آمنوا المؤمنون حقا والذين هادوا الذين تابوا ولم يغيّروا ولم يبدّلوا والنصارى نُصّار عيسى والصابئون الخارجون من الباطل إلى الحق ، "من آمن بالله" معناه من دام منهم على الإيمان بالله فله أجره عند ربه) [1025].
والذي يؤكد أن هذه الآية جاءت في شأن هؤلاء أنها (لم تذكر المجوس والذين أشركوا) كما ذكرتهم سورة الحج ، ولذلك لم يرد تطمين لهم من الله تعالى في سورة الحج لأنهم ليسوا أهل كتاب ، ولم يؤمنوا بالدين الحق قبل بعثة النبي r ، أما ما عددته الآية التي نحن بصددها فهم المؤمنون واليهود والصابئون[1026]والنصارى ، أولئك بشرتهم الآية بالأمن والسعادة متى آمنوا بالله ورسوله بعد بعثته كما آمنوا قبل بعثته ، قال أبو بكر الجزائري (فجميع هذه الطوائف من آمن منهم الإِيمان الحق بالله وباليوم الآخر وأتى بلازم الإِيمان وهو التقوى وترك الشرك والمعاصي)[1027]، أي أنهم كانوا مؤمنين قبل بعثة النبي r ثم لما نزل الوحي على النبي محمد r وجهر بدعوته ظلوا على إيمانهم بالله ، وجددوا الإيمان باللحوق بهذا النبي r .
فعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ r أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ)[1028] ، أي أنه حقق العمل الصالح في الجاهلية ، فإذا ما اقترن ذلك بصحيح الإيمان بالله واليوم الآخر كان مسلما ، حتى وإن لم تصل إليه دعوة النبي r ، لأن الدين عند الله الإسلام ، سواء قبل بعثة النبي r أو بعدها ، قال ابن البطال (كل مشرك أسلم أنه يكتب له أجر كل خير عمله قبل إسلامه ، ولا يكتب عليه بشىء من سيئاته ، لأن الإسلام يهدم ما قبله من الشرك ، وإنما كتب له الخير ، لأنه إنما أراد به وجه الله ، لأنهم كانوا مقرين بالله إلا أن علمهم كان مردودًا عليهم لو ماتوا على شركهم ، فلما أسلموا تفضل الله عليهم ، فكتب لهم الحسنات ، ومحا عنهم السيئات) [1029].
وتومئ الآية بإشارتها إلى صحة إسلام من أسلم منهم سرًا وإن لا يزال في الظاهر أمام الناس يهوديًا أو نصرايًا أو صابئًا ، وذلك لعذر شرعي منعه من أن يعلن ولايته للمؤمنين وتبرئه من الكفر والمشركين ، وخير مثال لذلك هو النجاشي لما قدم عليه أصحاب النبي r فقَالَ النَّجَاشِيُّ (أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ r وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنْ الْمُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَحْمِلَ نَعْلَيْهِ)[1030]، ولما مات قَالَ النَّبِيُّ r حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ)[1031]، وقد شهد القرآن لهذه الحالة بالإيمان في قوله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) (غافر:28( ، فإن وقر الإيمان في قلبه فلا غرو إن أكره على الكفر طالما أنه مطمئن بالإيمان ، قال تعالى (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل/106).
كما تضمنت الآية ترغيبا شديدا لمن أسرف من أهل الكتاب وكذا غيرهم في المعصية ثم أراد أن يتوب ويدخل الإسلام ، فإنه يبشر بالمغفرة وأن الإسلام يهدم ما بدر منه قبل ذلك ، فعَنْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قال (لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ r فَقُلْتُ ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَمِينَهُ قَالَ فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ مَا لَكَ يَا عَمْرُو قَالَ قُلْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ قَالَ تَشْتَرِطُ بِمَاذَا قُلْتُ أَنْ يُغْفَرَ لِي قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) [1032].
وجوب التمييز بين غدر اليهود وغلو أهل الكتاب ومودة النصارى
قال تعالى (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)
وفيه عدة مطالب :-
- غدر اليهود وغلو النصارى بالأنبياء
- ترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى موالاة الظالمين
- التمييز بين عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين ومودة القساوسة والرهبان لهم
غدر اليهود بالأنبياء وغلو النصارى في الأنبياء
قال تعالى (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)
قوله تعالى (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) (70) تأكيد على أن بني إسرائيل لم يتوانوا عن محاربة دعوة الإسلام بنقضهم الميثاق ، أي تحريفهم كتاب الله عن موضعه ، قال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) (المائدة/13) ، ثم بقتلهم الأنبياء منذ قديم الزمان ، رغم أن الله قد أخذ منهم الميثاق أن يحافظوا على التوراة والإنجيل وأن يقوموا بواجب الدعوة إلى الله تعالى ، فقال سبحانه (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران/187) ، لكنهم نقضوه وحرفوه ليوافق هواهم .
ولما كان الأنبياء قد أرسلوا لإرشاد البشرية وهدايتهم لكلام الله وإبطال ما تم تحريفه منه ظهرت عداوة أصحاب القلوب القاسية لأنبيائهم ، وتمثلت هذه العداوة في أشد صورها في إعلان حربهم على أولياء الله تعالى ، يقول النبي r (أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا) [1033] ، أي أن سبب هذه العداوة وتلك الحرب المستعرة أن دعوة الأنبياء جاءت على خلاف هواهم ، فكلما جاءهم نبي بما لا يوافق هواهم عادوه وحاربوه وحاولوا قتله ، قال ابن عطية (وهذا يقتضي أن هواهم كان غير الحق وهو ظاهر هوى النفس متى أطلق)[1034] .
فكانوا في هذه العداوة على ضربين اثنين أحدهما ناعم ، والآخر عنيف ، ومؤداهما إبطال دعوة الحق :-
فأما الأسلوب الناعم : ففريق منهم كذبوا أنبياءهم وحاربوهم حرب سياسة باستعمال أسلوب تشويه صورة النبي أمام الناس وازدراءه والسخرة منه ليحولوا بينه وبين الناس ويبطلوا مصداقيته أمامهم
وأما الأسلوب العنيف : فقد انتهجه فريق منهم استعمل أسلوب أكثر إرهابا وغدرا ، فلم يسلم الأنبياء من أن ينالهم القتل منهم ، وهم خير البشر الذين اصطفاهم الله لتبليغ رسالته ، فإذا كان هذا هو شأنهم في أنبياء الله الذين هم من قومهم ، فلا شك أنهم سوف يكونون أشد عداوة وقساوة على النبي r وهو ليس من قومهم إنما من جزيرة العرب ، وكذلك عداوتهم إزاء الذين آمنوا بهم وساروا على دربهم ، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (آل عمران/21) .
ولو شاء الله لمنع اليهود من أن تصل أيديهم بأذى لهؤلاء الأنبياء وهم أولياء الله المصطفون من عباده ، لكن الله تعالى يريد أن يعلمنا أن دماء الأنبياء ليست بأغلى من دعوة الإسلام ، وفي سبيله سفكت دماء أقرب الناس إلى الله ، فلا يبخلن أحد من المسلمين أن يرهاق دمه في سبيل الله ، وقد قتل من هو خير منه ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوعٍ فِي خَشْيَةِ اللَّهِ وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهَرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ)[1035] .
قوله (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) تأكيد على مغالاة النصارى في دينهم بعبادة أنبياءهم ، فهم على النقيض – تماما- من بني إسرائيل الذين قتلوا أنبياءهم ، فإذا كان اليهود كفروا بقتل أنبيائهم فإن النصارى كفروا بعبادتهم لهم وجعلهم مساوين لله في الألوهية وكفؤا له ، قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي )فكـلُّ اعتقادٍ أو قولٍ أو عملٍ ثبت أنَّه مأمورٌ به من الشارع ، فصرفُه لله وحده توحيدٌ وإيمانٌ وإخلاصٌ، وصرفُه لغيره شركٌ وكفرٌ ، فعليك بهذا الضابط للشِّرك الأكبر الَّذي لا يشذُّ عنه شيء) ، (وأنَّ الكفر يكون بالقول والفعل والتَّرك والاعتقاد والشكِّ كما قامت على ذلك الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة)[1036] ، وقال شيخ الإسلام (قال تعالى في حق المستهزئين :(لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) [ التوبة : 66 ] ، فبين أنهم كفار بالقول مع أنهم لم يعتقدوا صحته)[1037] ، لأن الأصل أن ينزه العبد ربه عن النقائص ، فلا يقبل منه قول فيه انتقاص لخالقه ، وهو يعلم هذا النقص الذي ينسبه له ، مثلما يكافئ غيره به ، يستوي في ذلك أن يكون هازئا أو معتقدا ما يقول .
وقد دلت الأبحاث العلمية على أن (جميع الفرق المسيحية تتفق على أن المسيح بشرٌ وإلهٌ بذات الوقت! وإنما تختلف عن بعضها في مدى تأكيدها وإبرازها لأحد الجانبين "الإلهية" أو "البشرية" في المسيح، "فاليعاقبة" يؤكدون الجانب الإلهي أكثر وعلى عكسهم "النساطرة" الذين يبرزون أكثر الجانب البشري في حين يطرح الجمهور الأعظم رؤية متوازية ومتعادلة للجانبين الإلهي والبشري دون ترجيح أي منهما على الآخر)[1038]
ووجه الكفر في هذا القول هو تجسيد الإله في صورة بشر ضعيف متصف بالعجز والفقر والمرض والموت والحياة ، فإذا كان الإله كذلك فإن فاقد الشيء لا يعطيه ، فيمتنع عليه أن يستحق العبودية لافتقاره للغنى المطلق والقوة المطلقة والقدرة المطلقة ، فلا يدين الإنسان لإنسان مثله بشيء هو بحاجة إلى مثل ما يحتاج إليه ومفتقر لمثل ما يفتقر إليه
وليس أعجب من تأكيدهم لبشريته من قولهم أن المسيح عذب على أيدي اليهود لأجل البشرية ،أي ليخلص البشرية من خطيئة آدم ، فأنى لهذه الخطيئة أن تلحق بالبشرية كلها والإسلام يقرر مبدأ ألا تزر وازرة وزر أخرى ، وكيف يكون هذا الخلاص بحادثة تأتي بعده بزمان بعيد ولا تمت لها بصلة ، أي حادثة الصلب التي يزعمون ، ولو كان الأمر كما يقولون ، فكيف يستعان بالمسيح وهو مفتقر لأن يخلص نفسه من الصلب ، فضلا عن ذلك فإن القول بتجسد الإله في صورة بشر يعني أن الإله قد تساوى في الملكات والإمكانات مع الإنسان بل قد يحدث بينهما تفاوت في ذلك فتكون الغلبة لأحدهما على الآخر ، وهذا ما زعموه عندما قالوا بصلب المسيح ، فهل يعقل أن يعبد الإنسان إله يُصلب .
قال ابن تيمية (هذا الذي ذكروه وادعوا أنه تجسم كلمة الله الخالقة بإنسان مخلوق وولادتهما معا أي الكلمة مع الناسوت وهو الذي يعبر عنه باتحاد اللاهوت بالناسوت هو أمر ممتنع في صريح العقل ،وما علم أنه ممتنع في صريح العقل لم يجز أن يخبر به رسول ، فإن الرسل إنما تخبر بما لا يعلم بالعقل أنه ممتنع ، فأما ما يعلم بصريح العقل أنه ممتنع فالرسل منزهون عن الإخبار عنه)[1039].
وفي قوله (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ..) (72) هنا يتبرأ المسيح بن مريم من عبادة النصارى له ، ويدعوهم لعبادة الله وحده ، ويقر بأنه عبد لله ، وأن ربه هو الله ، كما في قوله (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة/117) .
وما أثبته عيسى ابن مريم في شأن نفسه أثبته كذلك النبي المصطفى محمد r في شأن نفسه فقال r (لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)[1040] ، قال ابن الأثير (الإطْراءُ : مُجَاوَزةُ الحَدِّ في المَدْح والكَذِبُ فيه)[1041].
وفي قوله (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)(72) قال ابن الجزي (هذا رد على النصارى ، وتكذيب لهم)[1042] ، أنكر عليهم عبادتهم لعيسى ابن مريم ، وبين لهم أنهم أصابوا "الشرك الأكبر" الذي يخلد صاحبه في النار ، فقوله (مَنْ يُشْرِكْ) فيه تعميم لكل صور الشرك حتى أهل الفترة إذا ما ماتوا على غير ملة إبراهيم حنيفا ، وقد أخبر النبي r أن أباه في النار ، وهو من أهل الفترة .
فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ "أَيْنَ أَبِي"؟ قَالَ "فِي النَّارِ" فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ)[1043] ، قال النووي (فيه أن من مات على الكفر فهو في النار ، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار ، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم)[1044] ،وهذا يدل على أن أهل الفترة الذين كانوا قبل بعثة النبي r من كان منهم على عبادة الأوثان فإنه يكون في النار، ولا يقال: إنهم ما بلغتهم الرسالة ؛ لأن دين إبراهيم كان موجوداً ، وهناك أناس كانوا على دين إبراهيم ، والنبي r كان يتحنث على دين إبراهيم)[1045].
أما من لم تبلغه دعوة الإسلام حقا ، أو بلغته مشوهة كما في عصرنا الراهن في بعض البلدان التي تحجزهم عن دعوة الإسلام ، فإن الله تعالى يختبره يوم القيامة كما في الحديث عنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ r قَالَ أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا وَرَجُلٌ أَحْمَقُ وَرَجُلٌ هَرَمٌ وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا)[1046].
وفي قوله تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) تأكيد على كفر من قال هذا القول من غير تعيين لأحد ، قال ابن عجيبة أي : (أحد ثلاثة ، عيسى وأمه وهو ثالثهم ، أو أحد الأقانيم الثلاثة ، الأب والابن وروح القدس ، يريدون بالأب الذات ، وبالابن العلم ، وبروح القدس الحياة ، لكن في إطلاق هذا اللفظ إيهام وإيقاع للغير في الكفر ، وهذه المقالة أعني التثليث ، هي قوله النسطورية والملكانية ، وما سبق في قوله "إن الله هو المسيح" قول اليعقوبية ، القائلة بالاتحاد ، وكلهم ضالون مضلون)[1047].
قال الرازي (أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة ، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح (أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله) [ المائدة : 116 ] فقولهم "ثالث ثلاثة " أي أحد ثلاثة آلهة ، أو واحد من ثلاثة آلهة ، والدليل على أن المراد ذلك ، قوله تعالى في الرد عليهم "وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد" وعلى هذا التقدير ففي الآية إضمار ، إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم)[1048] .
قال ابن تيمية (يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّثْلِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ اتِّخَاذُ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ وَأُمُّهُ إلَهَيْنِ، وَهَذَا وَاضِحٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ حَكَى مِنْ النَّصَارَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْحُلُولِ فِي مَرْيَمَ وَالِاتِّحَادِ بِالْمَسِيحِ، وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى تَحْقِيقِ مَذْهَبِهِمْ ، وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ كُلُّ آيَةٍ مِمَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَقْوَالِ تَعُمُّ جَمِيعَ طَوَائِفِهِمْ، وَتَعُمُّ أَيْضًا بِتَثْلِيثِ الْأَقَانِيمِ، وَبِالِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ، فَتَعُمُّ أَصْنَافَهُمْ وَأَصْنَافَ كُفْرِهِمْ، لَيْسَ يَخْتَصُّ كُلَّ آيَةٍ بِصِنْفٍ، كَمَا قَالَ مَنْ يَزْعُمُ ذَلِكَ، وَلَا تَخْتَصُّ آيَةٌ بِتَثْلِيثِ الْأَقَانِيمِ، وَآيَةٌ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ فِي كُلِّ آيَةٍ كُفْرَهُمْ الْمُشْتَرَكَ، وَلَكِنْ وَصَفَ كُفْرَهُمْ بِثَلَاثِ صِفَاتٍ وَكُلُّ صِفَةٍ تَسْتَلْزِمُ الْأُخْرَى: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ هُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، حَيْثُ اتَّخَذُوا الْمَسِيحَ وَأُمَّهُ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، هَذَا بِالِاتِّحَادِ، وَهَذِهِ بِالْحُلُولِ، وَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ إثْبَاتُ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ مُنْفَصِلَةٍ غَيْرِ الْأَقَانِيمِ)[1049] .
ومن الناحية العقلية فإن وجه الكفر في هذا القول أن الإشراك بالله يؤدي إلى تعذر إنفاذ أمر الثالوث على الخلق ، ذلك أن الله "الواحد الأحد" الذي يعرفه المسلمون متفرد بالحكم والتشريع ، وقولهم ذلك يجعل ثمة شريك له في ملكه ، فيكون العبد بين تشريع "المسيح" تارة وتشريع "مريم" تارة وتشريع "الروح القدس" تارة أخرى ، وهذا يأباه العقل والمنطق أن يكون لله ثلاث كلمات وقد تتضارب مع بعضها البعض ، فلا يكلف العبد عندئذ بشيء لتعذر تنفيذ الأوامر المتعارضة ، من هنا يسقط التكليف ، وتتحقق حيلة الشيطان في إيهام الإنسان بسقوط التكليف عنهم بتلك العقيدة الباطلة .
وفي قوله (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ)(73) معنى يفيد الاستغراق، أي (وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له ، وهو الله وحده لا شريك له)[1050] ، وهذا أمر بيديهي للعقل البشري ويتفق مع المنطق السليم ، ذلك أن القول بتعدد الآلهة في ثلاثة أقانيم يعني تعدد الأهواء والآراء ، مما يوجب حتما ولزوما نشوب نزاع بينهم فيغلب أحدهم الآخر ويعلو علي الآخرين ، قال تعالى (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (المؤمنون/91) ، وهذا أمر مشاهد ، إذ نجد البشر يتصارعون مع أنفسهم على الملك ، فإذا كان ذلك غير جائز في الممالك البشرية إلا أن يتفقوا على ملك واحد ، أفلا يكون الله سبحانه أولى بالملك من غيره ، فيكون المتفرد بالألوهية دون سواه من المغلوبين .
وفي قوله تعالى (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) تهديد لأهل الكتاب أن يستمروا في عقيدة التثليث ، والشرك بالله ، وقولهم الزور على الله ، وقد سبق أن نعتهم بالكفر في قوله (لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ..) ، قال الزمخشري (تكرير الشهادة عليهم بالكفر بيان وإعلام في تفسير المعنى بأن المقصود "الذين كفروا من النصارى خاصة) [1051] ، قال ابن عاشور (وفي ذلك رد لاعتقادهم - الباطل - أنهم لا تمسهم النار ، وزعمهم أن صلب عيسى كان كفارة عن خطايا بني آدم ، والمس مجاز في الإصابة ، قيد بالشدة بقرينة هنا ، وهي قوله "أليم")[1052].
وفي قوله (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (74) كرم وجود من الله تعالى أن فتح لهم باب التوبة رغم هذه المقالة الصادرة منهم ، قال الشنقيطي (استعطفهم إلى ذلك أحسن استعطاف وألطفه)[1053] ، فهذه الآية من أوسع أبواب الرحمة التي وسعت التائبين من الشرك ، وهذا الأسلوب للإنكار أنهم يتأخرون عن التوبة ، والله سبحانه فاتح لهم باب رحمته ومغفرته ، قال الألوسي (فيه تعجيب من إصرارهم أو عدم مبادرتهم إلى التوبة)[1054] وقد وسعتهم رغم شدة جرمهم وتجرؤهم على الله ، قال القشيري (فلم يُغْلِقُ بابَ التوبة عليهم - مع قبيح أقوالهم ، وفساد عقائدهم- تضعيفاً لآمال المؤمنين بخصائص رحمته) [1055].
ونلحظ –هنا- أن باب التوبة خُص به الذين كفروا من النصارى ، ولم يُدع إليه اليهود على وجه الخصوص مثلما دعي إليه النصارى على وجه خاص ، وإنما لحقتهم الدعوة العامة للتوبة كما في آيات القرآن جميعا ، وذلك رغم أن كلاهما أهل كتاب ، ذلك أن اليهود وقد قتلوا الأنبياء وتمردوا على طاعتهم لم يسلموا من كل شر ، رغم علمهم الحق إلا أنهم كتموه ، وكثير منهم أحبار وربانيين إلا أنهم لا يقومون بواجب الدعوة بحق ، بل كثير منهم قبلوا الرشا وأكل السحت ، وسعوا إلى الإفساد في الأرض ، والله لا يحب المفسدين ، كل هذا استوجب لعنهم ومسخهم قردة وخنازير ، في حين أن النصارى وإن كانوا قد ضلوا عن الحق ، لكن الآيات لم تذكر من شنيع فعلهم غير ما صدر عن أقوالهم وعقائدهم الباطلة ، فلا يزال باب التوبة مفتوحا لهم إذ لم يفعلوا ما فعله اليهود مما تقدم .
هذا وقد تكررت دعوة القرآن لأهل المعصية –بوجه عام- إلى المبادرة للتوبة ، مهما بدر منهم من ذنب ، كما في قوله (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) [البروج:10] ، قال الحسن البصري (انظر إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة!)[1056]، فلعل اليهود يدخلون في رحمة الله إن بادروا بقبول هذه الدعوة رغم ما اقترفوه من إثم وعدوان مثل ذنب قتل أصحاب الأخدود .
قوله (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ..) (75) إثبات لبشرية المسيح عيسى ابن مريم بذكر أمه ، فعلام يكون إله ، وقد ولدته أمه ، وذكرها بلفظ "صديقة" قال ابن عاشور (والقصد من وصفها بأنها صديقة نفي أن يكون لها وصف أعلى من ذلك، وهو وصف الإلهية، لأن المقام لإبطال قول الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، إذ جعلوا مريم الأقنوم الثالث)[1057].
وفي إثبات ذلك نفي لمن زعم ألوهيتهما أو ارتقائهما لمستوى أعلى من البشر ، وذلك بالاستدلال بعاداتهم البشرية وحاجتهم للأكل ، وما يستتبعه من إلقاء الفضلات ، قال ابن تيمية (وهذا من أظهر الصفات النافية للإلهية لحاجة الآكل إلى ما يدخل في جوفه ولما يخرج منه مع ذلك من الفضلات)[1058]، فحاشا لله أن يحتاج لمثل ذلك ، فذكر حاجتهما للأكل قرينة على بشريتهما ، وهو ما يقتضي حتما ولزوما بمقتضى الحال تفريغ فضلات الطعام بعد هضمه وامتصاصه ، ليخرج من الإنسان في صورة عذرة ، قال القرطبي قوله (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) (كناية عن الغائط والبول)[1059] ، وقال أبو حيان (هذا تنبيه على سمة الحدوث ، وتبعيد عما اعتقدته النصارى فيهما من الإلهية ، لأنّ من احتاج إلى الطعام وما يتبعه من العوارض لم يكن إلا جسماً مركباً من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وغير ذلك)[1060]، فالإتيان بهذه القرينة يقطع كل طريق لمن يقدسهما إلى درجة الألوهية ، (ومن كان حاله هذا فلا يرقى لان يكون إله لأن الله لا يأكل)[1061] ، لقوله سبحانه (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) (الأنعام :14) .
قوله (..انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (75) أي ليس بعد ذلك بيان ، وليس بعد البيان إلا التسليم بالحق لا المجادلة بالباطل ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)[1062].، أي يختصمون في شأن المسيح (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) (الزخرف57) ، أي أن قوم النبي r ظلوا يجادلون فيه كما جادل فيه عباد المسيح ، فانصرف الفريقان عن قبول دعوة الحق لأجل الجدل ، رغم البيان ووضوح المثال .
قوله (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (76) يكشف السبب الحقيقي الذي حداهم للكفر ، بأن افتروا على الله فرية التجسد في عيسى ابن مريم ، استنادا لعقيدتهم في "الاتحاد والحلول" ، فذلك في حقيقته ليس إلا محاولةً منهم لتسفيه عقيدة الإسلام ، لأن من شأن هذه التصورات تصغير "الإله" بتصوير قدرته محدودة في حدود قدرات البشر ، وهو وعاجز عن أن ينقذ نفسه من الصلب ، فإذا راج اعتقاد أهل الكتاب عن الإله بهذه الصورة الضعيفة ، واستبان بذلك أنه غير قادر على أن ينفع نفسه ، ولا يملك دفع الضر عن نفسه ، فحري – عندهم - ألا يُعتمد عليه ولا يستعان به ، من هنا تنهار عقيدة التوكل على الله.
بناء على ذلك فإنهم يشرعون في الاعتماد على الأسباب دون الاعتماد على الله مسبب الأسباب ، فيعبدونها بدلا من الله ويستعينون بها لا بالمسبب ، ما يعني أن عقيدتهم تؤول إلى علمانية عمياء ، تعتمد على عقل المخلوق لا قدرة الخالق ، وتستعين بالقوة المادية لا بقوة العلي القدير ، فتهتم بجمع المال بشتى الطرق باعتباره مفتاح الدنيا في اعتقادهم ، فتصير عبادتهم إلى أرباب المال والسلطان ، وليست العبودية لله ، من هنا ساغ أن يعبد بعضهم بعضا ،وقد نهاهم الإسلام عن ذلك (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (64) ، فلا يجوز أن يصير الإنسان عبدا لآلهة تتعدد صورها بحسب تعدد مصادر المال والقوة والسلطان ، قال رسول الله r (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ)[1063] .
وفي قوله (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (77) نهي عن الغلو في الدين ، وتخذير من اتباع أهواء السلف متى كانوا ضالين ومضلين ، قال العلماء (هم أسلافهم وأئمتهم الذين ضلوا من الفريقين قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام في شريعتهم)[1064] ، قال ابن كثير أي: (لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تُطْروا من أُمِرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه، حتى تخرجوه عن حَيّز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال، الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا)[1065] .
قال رسول الله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) [1066]، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا) [1067]، قال النووي (اي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم )[1068]، وَقَالَ - r : « لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ ، رَهْبَانِيَّةٌ ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ»[1069]
وعن سعد بن أبي وقاص قال : لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان من ترك النساء بعث إليه رسول الله r فقال يا عثمان إني لم أومر بالرهبانية أرغبت عن سنتي قال لا يا رسول الله قال إن من سنتي أن أصلي وأنام وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني يا عثمان إن لأهلك عليك حقا ولنفسك عليك حقا قال سعد فوالله لقد كان أجمع رجال من المسلمين على أن رسول الله r إن هو أقر عثمان على ما هو عليه أن نختصي فنتبتل)[1070]
وقال رسول الله r (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ)[1071] .
ترك أهل الكتاب لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أدى بهم إلى موالاة الظالمين
قال تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (81)
ففي قوله (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (79) يتضح من السياق المغايرة وعدم المماثلة في المعاملة بين اليهود والنصارى ، فبعد أن فتحت الآيات باب التوبة للنصارى بقوله (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ) ، أغلقت باب التوبة إزاء الذين كفروا من بني إسرائيل بتوجيه اللعن لهم (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ، وذلك لشدة حربهم لدين الله ، ولتركهم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال السمرقندي في قوله (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (يعني بقتلهم الأنبياء وركوبهم المعاصي)[1072] ، وعضدت سبب اللعن بأنهم تركوا فريضة النهي عن المنكر ، (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) ولو كان إنكار المنكر عندهم سائدًا لما طال أشقيائهم أنبيائهم فقتلوهم .
ويستفاد من هذه الآية أن اللعن يصيب كل من لا ينهى عن منكر ، وهذا بصريح العبارة دون تأويل ، قال رسول الله r (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ)[1073] ، من هنا كان الوقوف في وجه الظالم فرض عين على كل قادر ، كما أن تلمس أسباب تغيير المنكر واجب كذلك علي كل مكلف ، قال رسول الله r (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)[1074]، قال السيوطي (هو أمر إيجاب على الأمة)[1075].
وفي فقه إنكار المنكر قال ابن القيم (إنكار المنكر أربع درجات ، الأولى أن يزول ويخلفه ضده ، الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته ، الثالثة أن يخلفه ما هو مثله ، الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه ، فالدرجتان الأوليان مشروعتان ، والثالثة موضع اجتهاد ، والرابعة محرمة) [1076].
قال ابن تيمية (لَا يَجُوزُ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ بِمَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ ؛ وَلِهَذَا حُرِّمَ الْخُرُوجُ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ بِالسَّيْفِ ؛ لِأَجْلِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ وَاجِبٍ أَعْظَمَ مِمَّا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِمْ الْمُنْكَرَ وَالذُّنُوبَ)[1077]، وقال ابن حجر (يجب إنكار المنكر لكن شرطه أن لا يلحق المنكر بلاء لا قبل له به من قتل ونحوه..)[1078]
وقال ابن حجر (والصواب اعتبار الشرط المذكور ويدل عليه حديث لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ثم فسره بأن يتعرض من البلاء لما لا يطيق)[1079] ، أي حديث النبي r قال (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُهُ)[1080] أي على تحمله بل ينبغي له أن يطلب العافية في الدين والدنيا والآخرة)[1081] .
وقد فسر ابن تيمية المعنى فقال (فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ إذَا زَادَ شَرُّهُ بِالنَّهْيِ وَكَانَ -في- النَّهْيُ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً كَانَ حَسَنًا ، وَأَمَّا إذَا زَادَ شَرُّهُ وَعَظُمَ وَلَيْسَ فِي مُقَابَلَتِهِ خَيْرٌ يَفُوتُهُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَتِهِ مَصْلَحَةٌ زَائِدَةٌ ، فَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى شَرٍّ أَعْظَمَ مِنْهُ لَمْ يُشْرَعْ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ لَا صَبْرَ لَهُ ، فَيُؤْذَى فَيَجْزَعُ جَزَعًا شَدِيدًا يَصِيرُ بِهِ مُذْنِبًا وَيَنْتَقِصُ بِهِ إيمَانُهُ وَدِينُهُ ، فَهَذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ خَيْرٌ لَا لَهُ وَلَا لِأُولَئِكَ ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا صَبَرَ وَاتَّقَى اللَّهَ وَجَاهَدَ وَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ بَلْ اسْتَعْمَلَ التَّقْوَى وَالصَّبْرَ ؛ فَإِنَّ هَذَا تَكُونُ عَاقِبَتُهُ حَمِيدَةً ، وَأُولَئِكَ قَدْ يَتُوبُونَ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِبَرَكَتِهِ وَقَدْ يُهْلِكُهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَيَكُونُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[1082] .
ولا شك أن إنكار المنكر هو واجب عين على كل مكلف سواء أكان مبتلى بمعصية أم معافى ، بيد أن المعصية تصيب العاصي بهزيمة نفسه قد تثبط قواه عن إنكار المنكر لكن الذي يقال في هذا الصدد هو أن أقل درجات إنكار المنكر يكون بالقلب لمن لم يقدر على غير ذلك ، لعل ذلك يكون بادرة خير له أن يغير من نفسه إلى الأصلح ، قال صاحب الظلال (فإنكار المنكر بالقلب ، معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر . . إنه ينكره ويكرهه ولا يستسلم له ، ولا يعتبره الوضع الشرعي الذي يخضع له ويعترف به . . وإنكار القلوب لوضع من الأوضاع قوة إيجابية لهدم هذا الوضع المنكر ، ولإقامة الوضع « المعروف» في أول فرصة تسنح ، وللتربص بالمنكر حتى تواتي هذه الفرصة . . وهذا كله عمل إيجابي في التغيير . . وهو على كل حال أضعف الإيمان، فلا أقل من أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان!)[1083]
قوله (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) تعقيب على تخاذل أهل الكتاب عن إنكار المنكر ، حيث يؤول تصرفهم هذا وسلبيتهم تلك إلى موالاة الكافرين والظالمين ، بل وخروج الإيمان من قلوبهم ، لأنهم لم يأخذوا بأضعف الإيمان ، فقلبه إما أن ينكر منكرهم أو يقبله ، وبقبوله صار مواليا للكافرين ، وبالتالي قد عادى المؤمنين ، (فالاستسلام للمنكر لأنه واقع ، ولأن له ضغطاً - قد يكون ساحقاً - فهو الخروج من آخر حلقة ، والتخلي حتى عن أضعف الإيمان!)[1084]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا وَقَعَ فِيهِمْ النَّقْصُ كَانَ الرَّجُلُ فِيهِمْ يَرَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ فَيَنْهَاهُ عَنْهُ ، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَخَلِيطَهُ ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَنَزَلَ فِيهِمْ الْقُرْآنُ ، فَقَالَ (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)[1085] .
وهو ما يعني تطبيع العلاقات مع أعداء الله ، ولذلك ورد تعريف لفظ التطبيع (Normalization) من الكلمة الإنكليزية (Normal) بمعنى العادي أو المعتاد أو المتعارف عليه، وفي مختار الصحاح (الطبع هو السجية جبل عليها الإنسان)، وفي المعجم الوسيط (تطبع بكذا أي تخلّق به، وطبّعه على كذا أي عوّده إياه)، ولا توجد مادة تطبيع في المعاجم العربية لأنها محدثة، فالمعنى الحالي مأخوذ من ترجمة هذه الكلمة عن لفظة إنكليزية تم تداولها أخيراً خاصةً بعد اتفاقيات كامب ديفيد، لكن يمكن تصور المعنى من كلمة التطبيع من حيث المبدأ أنه (هو العودة بالأشياء إلى سابق عهدها وطبيعتها) ، فحقيقة التطبيع مع اليهود:"أنه يشمل (كل اتفاق رسمي أو غير رسمي أو تبادل تجاري أو ثقافي أو تعاون اقتصادي مع إسرائيليين رسميين أو غير رسميين) ويهدف إلى (إعادة صياغة العقل والوعي العربي والإسلامي بحيث يتم تجريده من عقيدته وتاريخه ومحو ذاكرته خاصة فيما يتعلق باليهود، وإعادة صياغتها بشكل يقبل ويرضى بما يفرضه اليهود) ومآله: الاستسلام غير المشروط للأمر الواقع والاعتراف بالكيان الصهيوني الغاصب للأرض كدولة ذات شرعية، وتحويل علاقات الصراع بينها وبين البلدان العربية والإسلامية إلى علاقات طبيعية وتحويل آليات الصراع إلى آليات تطبيع)[1086].
قوله تعالى (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)(81) والمعنى : (لو كانوا يؤمنون إيماناً خالصاً غير نفاق ، إذ موالاة الكفار دليل على النفاق)[1087]، قال تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة/51)، ومثله قوله (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) ، قال ابن تيمية (فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم ..،فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرا ، فمن واد الكفار فليس بمؤمن)[1088].
فمن العجيب أن ترى يهود المدينة يتخذون من العرب الذين يعبدون الأصنام أولياء لهم ، فلو كان هؤلاء اليهود يعبدون الله حقا لتبرأوا منهم ، ولكنهم ولأجل سعيهم لمصالح مادية اتخذوهم أولياء ، ليحاربوا النبي محمد r معا [1089]
قال ابن عجيبة (لو أن رجلاً قام الليل وصام النهار ، ثم تودد مع الفجار لبُعث معهم ، ولو أن رجلاً عمل بالمعاصي ما عمل ، ثم أحب الأبرار لحُشر معهم)[1090] ، ويعضده حديث رسول الله r قَالَ (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)[1091]
التمييز بين عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين ومودة القساوسة والرهبان لهم
قال تعالى (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)
قوله تعالى (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) قال الزجاج : واللام في «لتجدن» لام القسم ، والنون دخلت تفصل بين الحال والاستقبال)[1092] ، وذلك لتقوية معناه وتجعله خاصاً بالمستقبل، رغم أن الأصل في المضارع أنه يحتمل الحال والاستقبال معًا ، لكن هذه النون تجعل الفعل المؤكد يدل على المستقبل بشكل قاطع ، ما يدل على أن هذه العداوة سوف تظل مستمرة إلى يوم القيامة ، قال تعالى (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارى حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) (البقرة120).
قال ابن كثير (ما ذاك إلا لأن كفر اليهود عناد وجحود ومباهتة للحق، وغَمْط للناس وتَنَقص بحملة العلم ، ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء حتى هموا بقتل رسول الله r غير مرة وسحروه، وألَّبوا عليه أشباههم من المشركين -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة)[1093]
قال الألوسي (والظاهر أن المراد من اليهود العموم لمن كان بحضرة الرسول r من يهود المدينة وغيرهم ، وفي تقديم اليهود على المشركين إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة) [1094]
قال الرازي (مذهب اليهود أنه يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان)[1095]
قال الخازن (مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر والأذى إلى من خالفهم في الدين بأي طريق كان مثل القتل ونهب المال بأنواع المكر والمكيد والحيل)[1096].
والتاريخ شاهد على بداية هذه العداوة من اللحظة الأولى التي دخل فيها النبي r المدينة المنورة ، وعقد مع يهود يثرب وثيقة المدينة لضمان الحقوق والحريات لكنهم نقضوا العهود ، وانقلب عليه يهود بنو قينقاع وبنو نضير وبنو قريظة ، وحاولوا اغتيال الرسول ، وإيقاع الفتنة بين الأوس والخزرج ، وإيقاعها بين المهاجرين والأنصار ، ولكن الله سلم المسلمين منها ، كما ألبوا القبائل العربية في شبه الجزيرة على الرسول r ، لاسيما في غزوة الأحزاب ، وانتقم النبي r من يهود خيبر ، وبعد وفاته r ظلت عداوتهم للمسلمين ، بدعم وتحريض المرتدين في عهد أبي بكر وعمر ودورهم البارز في فتنة عثمان والحرب بين علي ومعاوية ، وظلوا على هذا الحال في الدولة الأموية والعباسية والعصر المملوكي والدولة العثمانية حتى تحول مركز الصراع بين المسلمين واليهود على أرض فلسطين مع ظهور الحركة الصهيونية التي اعتبرت فلسطين "أرض الميعاد"، وشهد التاريخ على حروب (1948، 1967، 1973 وغيرها) ، مع استمرار الصراع إلى اليوم ، فإنهم يستخدمون غيرهم لشن هذه الحرب على الإسلام تحت مسميات مختلفة .
قوله (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) المقصود بالنصارى هنا الذين هم أقرب مودة للذين آمنوا ، الذين سمعوا الذكر فآمنوا به ، ما يعني أنهم منفتحون في الحوار مع المؤمنين ، ولا يغلقون آذانهم وأفئدتهم عن سماع الحق ، ولا شك أن ذلك الأمر يدل على تواضعهم وعدم استكبارهم .
قال الخازن (إن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد على الدنيا وطلب الرياسة ، ومن كان كذلك كان شديد العداوة لغيره ، وأما النصارى ، فإن فيهم من هو معرض عن الدنيا ولذتها وترك طلب الرياسة، ومن كان كذلك فإنه لا يحسد أحداً ولا يعاديه بل يكون لين العريكة في طلب الحق) [1097].
قال الخازن (ومذهب النصارى خلاف اليهود ، فإن الإيذاء في مذهبهم حرام ، فحصل الفرق بين اليهود والنصارى) [1098]، لكن تعقيبا على هذا الكلام لابد من الانتباه إلى اليهود الذين يدخلون المسيحية بغرض إفسادها ، فهؤلاء يحيلونها إلى مسيحية شرسة ، فيما يعرف بـ "اليهود المسيحيين" (Jewish Christians) أو "المسيحيين اليهود" (Messianic Jews) التي تؤمن بيسوع كمسيح مع الحفاظ على جوانب من الهوية والثقافة اليهودية.
وهو ما استدركه الخازن بقوله (لهذا قال تعالى "ذلك بأن منهم.." يعني من النصارى "قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون" ولم يرد به كل النصارى ، فإن معظم النصارى في عداوة المسلمين كاليهود بل الآية نزلت فيمن آمن من النصارى مثل النجاشي وأصحابه)[1099].
وقد مدحهم الله بتلك التسمية وهم قد افتخروا بها فقالوا (إِنَّا نَصَارَى) ، أي افتخارا بأصولهم أنهم نصروا عيسى بن مريم ، كما قال تعالى (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) [الصف:14] ، ولذلك قال رسول الله r (لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ)[1100]، (الحواري الناصر)[1101] ، فأشار القرآن أن خلفهم –أي النصارى - سيكونون مثل سلفهم في النصرة ، ولكن بشروط ذكرها في قوله (ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون) .
قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ [1102]وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (82) علل تعالى هذا القرب والمودة بقوله " بأن منهم قسِّيسين ورهباناً .. لأن الأصل في القيسيسين والرهبان الانقطاع للعبادة والزهد في الدنيا ، ولذلك قيل (أن القِسِّيسينَ يَتَوَلَّوْنَ تَعْلِيمَهُمْ أَحْكَامَ الدِّينِ ، وَيُبَصِّرُونَهُمْ بِمَا فِي دِينِهِمْ مِنْ سُمُوٍّ وَآدَابٍ وَفَضَائِلَ ، وَلأَنَّ بَيْنَهُمْ رُهْبَاناً يَضْرِبُونَ لَهُمُ المَثَلَ فِي الزُّهْدِ وَالتَقَشُّفِ وَالإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيا وَزُخْرُفِهَا وَفِتْنَتِهَا ، وَيُنَمُّونَ فِي نُفُوسِهِمُ الخَوْفَ مِنَ اللهِ ، وَالانْقِطَاعَ لِلْعِبَادَةِ ، وَإنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإِذْعَانِ لِلْحَقِّ ، حِينَمَا يَتَبَيَّنُ لَهُمْ أنَّهُ حَقٌّ)[1103] .
قال أبو حيان (واليهود على خلاف ذلك لم يكن فيهم قط أهل ديارات ولا صوامع وانقطاع عن الدنيا ، بل هم معظمون متطاولون لتحصيلها حتى كأنهم لا يؤمنون بآخرة ولذلك لا يرى فيهم زاهد) [1104].
وقال الرازي (مدحهم الله تعالى بقوله " مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا" ، تلك ممدوحة لهم في مقابلة طريقة اليهود في القساوة والغلظة ولا يلزم من هذا القدر كونهم ممدوحين على الإطلاق)[1105]
قال أبو بكر الجزائري (لكن لما عمت المادية المجتمعات النصرانّية ، وانتشر فيها الإِلحاد والإِباحية قلّت تلك المودة للمؤمنين إن لم تكن قد انقطعت)[1106]، الأمر الذي يستفاد منه أن مودتهم للذين آمنوا ليست بإطلاق ، فهي مقيدة بأمرين ، الأول "صفة القساوسة والرهبان" ، والأمر الثاني "عدم الاستكبار" .
وقد علق الشيخ الشعراوي على هذا الأمر فقال (منهم من يرصد حياته للعلم ، ومنهم النموذج التطبيقي العملي وهم الرهبان ، وليس فيهم الاستكبار أو العلو ، وما دام فيهم ذلك فهذا يعني أنهم لا يطلبون "السلطة الزمنية" ، وسيظلون أقرب إلينا مودة ما دامت فيهم هذه الحيثية ، فإن تخلوْا عن واحدة منها ، وأصابوا سلطة زمنية فهذا يعني أنهم تخلوْا عن الصفة التي حكم الله لهم بسببها بأنهم أقرب مودة ، وإن تمسكوا بها على العين والرأس)[1107].
قوله تعالى (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)(83) نزلت في النجاشي ملك الحبشة ، وهو خير مثال على هذا الأمر ، ودليل على تخصيص الحكم بهذه الفئة من النصارى دون تعميم ، أي الذين عرفوا الحق ، فهم عرفوه لأنهم مؤهلون لمعرفته بترك الاستكبار ، والتحري عن الحق بحكم مهنتهم في البحث والإطلاع .
والنجاشي عُرف بنصرته لأصحاب النبي r لما هاجروا من مكة إلى الحبشة ، فلم يردهم وآواهم عنده ، ولم يقبل رشى عمرو بن العاص وكان لا يزال مشركا لأجل تسليمهم إليه ، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال : أمرنا رسول الله r أن ننطلق إلى أرض النجاشي فبلغ ذلك قريشا فبعثوا إلى عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد وجمعوا للنجاشي هدايا فقدمنا وقدموا على النجاشي فأتوه بهدية فقبلها وسجدوا له ثم قال عمرو بن العاص : إن قوما منا رغبوا منا عن ديننا وهم في أرضك فقال لهم النجاشي : في أرض ؟ قال : نعم قال : فبعث فقال لنا جعفر : لا يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمر بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون من الرهبان جلوس سماطين ، فقال له عمر وعمارة : إنهم لا يجسدون لك فلما انتهينا إليه زبرنا من عنده من القسيسين والرهبان اسجدوا للملك فقال جعفر : لا نسجد إلا لله ، فقال له النجاشي : وما ذاك ؟ قال : إن الله بعث فينا رسوله وهو الرسول الذي بشر به عيسى برسول يأتي من بعده اسمه أحمد فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ونقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر ، قال : فأعجب الناس قوله فلما رأى ذلك عمرو قال له : أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم فقال النجاشي لجعفر : ما يقول صاحبك في ابن مريم ؟ قال يقول فيه الله هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر قال : فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه فقال : يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده ، فأنا أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه امكثوا في أرضي ما شئتم وأمر لهم بطعام وكسوة وقال : ردوا على هذين هديتهم) [1108].
هذا الموقف العادل والحياد التام من النجاشي إزاء دعوة الإسلام هو ما حدا بالنبي r أن يترحم عليه ويستغفر له ويصلي عليه عند موته ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ r النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ)[1109] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ)[1110] ، وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ r حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ (مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ) [1111]
قوله (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) (84) جهروا بإيمانهم ودعوا قومهم أن يدخلوا في الإيمان مثلهم ، (وذلك جوابا لمَنْ عَيَّرَهُمْ بِالْإِسْلَامِ مِنْ الْيَهُود)[1112] ، (وذلك أنهم لما رجعوا إلى قومهم ، قال لهم كفار قومهم : تركتم ملة عيسى فعاتبوهم على إيمانهم ، وقالوا : لم تركتم دينكم القديم ، وأخذتم الدين الحديث؟) [1113] ، ما يعني أن اليهود عابوا على النصارى دخولهم الإسلام ، ولو أنهم دخلوا أي ديانة أخرى غير الإسلام ما عابوا عليهم ذلك .
ويلاحظ أن النصارى لما دخلوا الإسلام كان لهم دور إيجابي تجاه دعوة قومهم ، فلم يكتموه ولم يخذلوا أهلهم عنه ، وإنما نصروا الدين وآزروا المسلمين ودافعوا عنه ، وهذا الموقف الإيجابي الصادر عنهم ما هو إلا إنعكاس للموقف الإيجابي ، الذي بدا من تحيز الإسلام لأهل الكتاب ، حال حربهم ضد المجوس أهل الأوثان ، فقد بشرت سورة الروم بقرب انتصار الروم على الفرس ، واعتبرت أن نصرهم هو بمثابة نصر للمسلمين ، لأنهم أهل كتاب ، كما في قوله تعالى (غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الروم/1-5) قال ابن كثير (لما انتصرت فارس على الروم ساء ذلك المؤمنين، فلما انتصرت الروم على فارس فرح المؤمنون بذلك؛ لأن الروم أهل كتاب في الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس)[1114] ، فلهذا الانحياز الإيجابي والواضح للروم على الفرس باعتبارهم أهل كتاب ، وإنصاف ، علل النصارى انحيازهم لإسلام وإيمانهم بالله بقولهم (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ..) .
وفي قوله (..وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) (84) يدل على قدرة أهل الكتاب من النصارى تمييز القوم الصالحين عن القوم الفاسدين ، وقد استبان لهم ذلك من خلال التخلي عن الصفات الذميمة مثل الكبر ، والزهد في الدنيا والسلطة الزمنية ، فمن تخلى تحلى ، ولذلك طمعوا في صحبة الصالحين ، ليتخلقوا بأخلاقهم ، ويتأسوا بآدابهم ، فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)[1115] .
وفي قوله (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) (85) تأكيد على أن المقصود بهؤلاء النصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر ، وآمن بمحمد رسول الله r خاتم الأنبياء ، وتأكيد على أن الله أثابهم لحسن إسلامهم ، وليس مجرد إعلان الاسلام وحسب ، (لأن القول إذا اقترن بالمعرفة ، فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه بالثواب) [1116]، و(قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم فيما قالوا وهو المعرفة والبكاء المؤذنان بحقيقة الإخلاص واستكانة القلب) [1117].
فأثابهم بما قالوا ، أي لم يكتموا إيمانهم ، بل جهروا بالشهادتين ، وأذاعواها على قومهم ، ولم يخافوا في الله لومة لائم ، فاعتزوا بإيمانهم[1118] ، وتصدوا لتعيير قومهم ، ودافعوا عن دينهم بالحجج وما عرفوه من الحق ، ما يدل على حسن إسلامهم ، فاستحقوا الثواب من الله جزاء إحسان العمل ، الأمر الذي يؤكد أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأنه منهج حركي للإيمان بالله تعالى .
وهؤلاء الذين أخلصوا النية لله لم يعدهم الله كما وعد أهل الكتاب – بوجه عام - بأن يفتح عليهم بركات من السماء ، وإنما وعدهم بالجنة لأن مناط الإيمان هاهنا هو الإخلاص لله ، فهو ليسوا من المؤلفة قلوبهم ، بل هم من النصارى الذين يؤيد الله بهم هذا الدين ، ، فكان الوعد بالجنة هو غاية إكرام الله لهم (وهذا ينطبق على كل نصراني ينهج نهجهم ، ويسلك مسلكهم ، فيدخل في الدين الحق كما دخل هؤلاء المحسنون)[1119]
وفي قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (86) ذَكر الله - هنا - من كانوا على نقيض حال النصارى ، أي الذين كفروا ولم يسلموا ، بل جمعوا لكفرهم أن كذبوا ، فانضموا للواء الصادين عن سبيل الله ، فبين مآلهم أنهم إلى الجحيم ، ففي وصفهم بالتكذيب مع الكفر دلالة على أن الدعوة قد بلغتهم .
والمعنى المراد أن اليهود والنصارى أيا كان حالهم من التمسك بدينه وكذلك أصحاب الأوثان ليس لهم حجة بعد أن يسمع بالإسلام إلا أن يتبع النبي محمد r ، لقول النبي r (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)[1120]
قال النووي (وفى مفهوم الحديث دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور ، وهذا جار على ما تقدم في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح ، والمخاطب به (من هو موجود فى زمن النبي r وبعده إلى يوم القيامة ، فكلهم يجب عليهم الدخول فى طاعته ، وإنما ذكر اليهودى والنصرانى تنبيها على من سواهما ، وذلك لأن اليهود النصارى لهم كتاب ، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى)[1121].
تمييز خصائص ومنهجية التشريع الإسلامي عن مثلها عند أهل الكتاب
لما ضلت البشرية طريقها ونقضت ميثاق ربها ، واعتدت على أنبيائها ، جاء الإسلام ليعيدها إلى الحق مرة أخرى ، ويهديها السبيل ، ليرفع عنها عناء وعبء التشريعات التي اخترعها البشر وأحلوها بدلا من حكم الله ، فازدادوا بها طغيانا وكفرا ، (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ)(الشورى/21) ، فالمشرع هو الله ، هذا ما أجمعت عليه الأمة[1122] ، فلا تشريع مع شرع الله [1123] ، فالتشريع حق إلهي ، من صفات الأولوهية لا ينازعه فيه أحد ، ولذلك جاء الخطاب الرباني للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ، فليس للإنسان أن يضع تشريعا بتحريم ما أحله الله ، ولا أن يتعدى حدود الله فيحل ما حرمه .
بيد أن بعض المنتسبين للنصرانية قد غالوا في دينهم وحرموا على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم، وقد مضوا في جاهليتهم أزمانا مديدة ، حتى جاء الإسلام فأبطل رهبانيتهم ، كذلك لما آمن الصحابة رضوان الله عليهم كان لا يزال في نفوس البعض منهم شيئا من آثار الجاهلية فحرموا على أنفسهم شيئا مما أحله الله لهم ، اقتداءً في ذلك برهبانية النصارى ، وأقسموا على ذلك ، فأبطل الإسلام أيمانهم إذ لم تصب مراد الله وإن كانت تبتغيه ، وأمرهم بحفظ أيمانهم ، وعلمهم كفارة الأيمان ، ولذلك كانت الحاجة ملحة لأن يفهم الناس الحكمة من التشريع الإسلامي حتى لا يكلف الناس أنفسهم ما لا يطيقون ، ولا يقصروا فيما يؤمرون .
فألمح القرآن الكريم إلى نوعين من التشريعات الإسلامية الآمرة والناهية ، فأبان أن ثمة تشريعات الحكمة منها واضحة ، وعلتها ظاهرة ومنضبطة ، كالنهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام لما يترتب عليها من العداوة والبغضاء ، وثمة تشريعات غير معللة بحكم ظاهرة كالمنع المؤقت من الصيد على الحاج ، وهذه التشريعات وإن لم تكن حكمتها ظاهرة للبيان فإنه ليس في دين الله تعالى شيء من المحرمات بدون حكمة وإن لم تكن ظاهرة ، لكن حكمها مثل كالقسم الأول على المكلف أن يلتزمها ، وإن خالفها فعليه كفارة محددة بعقوبات معينة ، ومناط الأمرين – أي في التشريع الإسلامي - تميز الخبيث من الطيب ، دون تكلف أو تنطع ، فكل تشريع في الجاهلية تضمن تنطعا أو تكلفا – كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام - هو باطل ، فكان حريا إبطال تشريعات الجاهلية بشيء من التعقل لعادات الآباء والأجداد .
كذلك فإن مجال التشريع الإسلامي لا يقتصر على الأطعمة والأشربة ، فمجاله رحب واسع لاسيما في مجال المعاملات بين الناس ، ومنه نستبين مقاصد التشريع الإسلامي لاسيما عندما يجيز استئمان أهل الكتاب على الوصية في الغربة والسفر ، وهو الأمر الذي يفتح بابا واسعا لفقه التعايش مع الآخر ، وائتمان غير المسلم وفي غير دار الإسلام ، الأمر الذي يوسع من دائرة فقه المعاملات الدولية في الإسلام ، فسورة المائدة قد تحدثت كثيرًا من أولها لآخرها على عدم جواز ولاية اليهود والنصارى ، لكنها وضعت – في السياق ذاته- استثناء من هذه القاعدة في إطار نظرية الضرورة التي تقدر بقدرها ، فأجازت استئمانهم في مثل هذه الظروف ، بما يعني أن الفقه الإسلامي يضع الحلول الجزئية للمشكلات الواقعية بحسب الحاجة وبقدرها ، فضلا عما يتضمنه من قواعد عامة ضابطة للأمور في الأحوال المعتادة ، فهو يجمع بين فقه النظريات العامة والمسائل التفصيلية المتفرقة ، وتلك المستثناة من المبادئ والأصول والنظريات المسلمة .
ولهذا فإننا نقسم هذا المحور إلى مبحثين ، وتحت كل مبحث عدة مطالب على النحو التالي : -
المبحث الأول : الحق في التشريع حق إلهي لا عمل فيه للبشر
المطلب الأول : (لا رهبانية في الإسلام)
المطلب الثاني : المحرمات بالذوات والمسميات
المطلب الثالث : المحرمات المقيدة بالزمان والمكان والحال
المبحث الثاني : منهجية التشريع الإسلامي
المطلب الأول : التمييز بين الخبيث والطيب
المطلب الثاني : رفع الحرج دون تكلف أو تنطع
المطلب الثالث : تصحيح منهج الاستدلال ونبذ التعصب
المطلب الرابع : تقرير أن المسئولية فردية ومجتمعية في آن واحد
التشريع - الحل والتحريم - حق إلهي لا عمل فيه للبشر
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ * لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (89) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (91) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)
مقاصد التشريع الإسلامي لا تستعصي عن الفهم مثلما تعذر فهم رهبانية النصارى وسامية اليهود وخزعبلات المشركين ، لكن لكي نفهم مراد حكم الله في التشريع الإسلام لابد وأن نعلم – أولا- أن التشريع حق الإلهي ، وصفة من صفاته لا ينبغي لأحد أن ينازع الله فيها ، كائنًا من كان ولا حتى نبي مرسل ، فقد استأثر الله تعالى بهذا الحق لنفسه ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ)[1124]
والبشر مكلفون بتعلم أحكام الله وتنفيذها وتعليمها للناس دون تعدي لحدوده أو انتهاك لأوامره أو تضييع لفرائضه ، وأي زيادة في منهج الله تعالى من اختراع البشر في شأن العبادة هي بدعة في الدين وضلالة بينة ، وعلى ولاة الأمور إلزام الناس بذلك ، ونهيهم عن البدعة ، قال رسول الله r (أوصيكم بتقوى الله و السمع والطاعة وإن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)[1125] ، فهذا هو ما يحفظ لهذا الدين طابعه المتميز عن سائر الأديان والعبادات الشركية ، وبذلك فحسب تظل الدعوة مباركة ومحفوظة بحفظ كتاب الله وسنة نبيه المصطفى .
ولابد وأن نفهم أن الله تعالى عندما حرم أشياء فإنه يحرمها لعلة ظاهرة للمكلف ومنضبطة ، حتى يتسنى للمكلف طاعته في أمره ونهييه ، ويحرمها لحكمة هو سبحانه يعلمها وليس على المكلف أن يعلمها ضرورة ، لكنه مكلف بالتنفيذ الحُكم عندما يجد علته ، لأن العلة هي مناط الأحكام ، وتدور العلل مع أحكامها وجودا وعدما ، من هنا فرق العلماء بين علة الحكم وحكمته ، فالعلة أمارة على تحقق الحكمة ، ويمكن معرفتها من خلال الوصف الظاهر المنضبط ، بينما الحكمة فإنها تتمثل في الغايات المحمودة ، وقد تخفى عن المكلف ، ذلك أن (الأحكام قائمة على رعاية مصالح العباد، وهذه المصالح هي التي يسميها العلماء بالعلل ، وتعيين العلة وكيفية مراعاتها يُتلقى من الشارع نصا أو تلويحا ، ولا مانع من أن تكون أحكام الله معللة بالغايات المحمودة)[1126] ، أي بالحكمة من شرعها ، قال ابن حزم (فالعلل هي الأمارة المجردة أو الباعث المشتملة على الحكمة الصالحة لأن تكون مقصود الشارع من شرع الأحكام)[1127] .
ولذلك نهى الشارع عن الخمر لعلة السكر ، أما الحكمة من النهي فلأنه يوقع الناس في العداوة والبغضاء ، ولذلك فإن شارب الخمر إذا لم يقع في العداوة والبغضاء فإنه لا يقال أن الحكمة من التحريم انتفت ، بل لا يزال النهي عن شربها قائما عليه لعلة السكر سواء المحتملة أو الحاصلة له في الحال ، فالعلة تكفي لأن تكون سببا لتحريم شرب الخمر ، دون حاجة لتحقق مقاصد النهي .
ولذلك فإن العبد يعمل بعلل الأحكام سواء عرف الحكمة منها أو لم يعرف ، فعدم معرفته للحكمة لا يوجب تعطيل العمل بالأحكام ، بل يكفي أن تتحقق علتها ، لأن العلة هي مناط الحكم وجودًا وعدمًا [1128]، قال سلطان العلماء (أحكام الإله كلها مضبوطة بالحكم محالة على الأسباب والشرائط التي شرعها، كما أن تدبيره وتصرفه في خلقه مشروط بالحكم المبينة المخلوقة ، ولو شاء الله لاقتطع الأسباب عن المسببات وما بينهما من تلازم ، لكنه كما شرع للتحريم والتحليل والكراهة والندب للإيجاب أسبابا وشروطا ، كذلك وضع لتدبيره وتصرفه في خلقه أسبابا وشروطا)[1129]
من هنا نستطيع أن نفهم الفرق بين العلة والحكمة في تحريم صيد البر علي المحرم ،فالعلة هي (حالة الإحرام) ، أما الحكمة فظاهرة كذلك ، وليست حكمة واحدة ، بل حكم متعددة ومنها إظهار المحرم في حال من السلم والتوقف عن القتل بأمر الله فترة إحرامه حتى يتأهل لتحقيق السلم العالمي والوفاء بعهوده ومواثيقه البينة كما يتفق مع مقاصد سورة المائدة ، ويطول فيها البحث لكن لا يتوقف علي معرفة الحكمة العمل بالأحكام ، إذ لا حاجة لنا للبحث عن الحكمة من ذلك ، فقد أوجب الشارع العمل بالحكم عند وجود علته ، فلا يتوقف العمل به على معرفة حكمته ، كذلك الحال بالنسبة للخمر فما من شأنه السكر ولو احتمالا يعد خمرا في حكم الشارع ، وما كان وصفه خمرا صلح أن يكون علة لتحريم الشرب ، وهذا المثالان قد ذكرتهما السورة في ذلك الموضع يبينان بوضوح خصائص ومنهجية الإسلام في التشريع ، ويبينان أن هذا هو حق إلهي لا يقبل الجدال أو النقاش ، والله أعلم بعباده ومراده من خلقه .
وينقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب على النحو التالي : -
المطلب الأول : (لا رهبانية في الإسلام)
المطلب الثاني : المحرمات بالذوات والصفات والمسميات .
المطلب الثالث : المحرمات المقيدة بقيود الزمان والمكان والحال .
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ) تضمن تنبيها لفقهاء الأمة الاحتراز في القول بتحريم شيء لم يقم دليل من الشرع بتحريمه أو لم يكن دليل التحريم مساويا في القوة لدليل الأصل وهو الإباحة ، فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يأت دليل قاطع بالتحريم ، وهذا المبدأ له مستند آخر في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)(البقرة29) ،وقول النبي r "وما سكت عنه فهو عفو"[1130]، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ r وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ وَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ وَتَلَا) [1131].
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه رفع الحديث قال : (ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن نسيا ثم تلا هذه الآية وما كان ربك نسيا)[1132]
قال ابن تيمية " اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَةِ، عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا، وَتَبَايُنِ أَوْصَافِهَا، أَنْ تَكُونَ حَلَالًا مُطْلَقًا لِلْآدَمِيِّينَ، وَأَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً، لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مُلَابَسَتُهَا وَمُبَاشَرَتُهَا وَمُمَاسَّتُهَا، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ، وَمَقَالَةٌ عَامَّةٌ، وَقَضِيَّةٌ فَاضِلَةٌ، عَظِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَاسِعَةُ الْبَرَكَةِ، يَفْزَعُ إلَيْهَا حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ فِيمَا لَا يُحْصَى مِنْ الْأَعْمَالِ، وَحَوَادِثِ النَّاسِ " [1133]
وجملة (وَلا تَعْتَدُوا) معترضة، أي لا تحرموا الطيبات التي أحلها الله لعباده ، فإن فعل ذلك اعتداء على حق الله تعالى في التشريع ، ومؤداه إبطال كافة التشريعات التي تقيد حلالا أو تجرم مباحا ما لم تكن المصلحة فيه راجحة ومقطوع بها لا مظنونة ، قال ابن القيم "فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا" [1134].
ولما كان الإمام هو ولي الأمر الذي يجب طاعته في حدود طاعة الله ورسوله ، وكانت أحكام الشريعة مبناها علي مصالح العباد ، كما ذكر ابن القيم ، قعَّد العلماء لذلك قاعدة مؤداها أن (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة)[1135] ،ومفادها أن تصرف الإمام وكل من ولي شيئاً من أمور المسلمين؛ يجب أن يكون مقصوداً به المصلحة العامة، أي بما يجلب النفع لعموم من تحت ولايته ، وإلا فهو مردود عليه وباطل لمساسه بما أحل الله ، ونهى عن تحريمه .
مثال ذلك منع استيراد سلع معينة – مثل السيارات الفارهة - في أحوال معينة وأوقات محددة بقصد الحفاظ على ثبات سعر صرف العملة المحلية إزاء العملات الأجنبية الصعبة ، لحماية الاقتصاد القومي من آثار المضاربة على سعر الصرف ، مع إعطاء الأولوية لإشباع السوق المحلي بالسلع الأساسية المستوردة كالأدوية لشح عرض العملات الأجنبية .
ومثال آخر من القرآن ما فعله نبي الله يوسف تحسبا لأيام الجدب بتخزين محصول القمح في سنبله إلا قليلا مما يأكلون ، فلم يسمح ببيع مازاد عن الحاجة ، وأمر بتخزين المحصول كله لمدة سبع سنوات عدا نسبة قليلة منه للاستهلاك الضروري (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ) (يوسف47) فكلها تشريعات تدور في فلك الشريعة متى كانت الغاية منها تحقيق الصالح العام.
ومناسبة ذكر الآية في هذا السياق واضحة ، فقد جاءت بعدما نهى الله أهل الكتاب عن الغلو في الدين فقال سبحانه (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) (77) ، ثم ورد بعدها مدح في القرآن للنصاري وخص منهم القسيسين والرهبان ، مما قد يوهم بأن علة المدح هي ما هم فيه من رهبانية مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وقد غالى النصارى في دينهم كثيرا فحرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم ، وألزموا أنفسهم بعبادات لم يشرعها لهم ، وترهبنوا[1136] ومن غير أن يكلفهم الله بذلك ، يقول المولى عز وجل " وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ "(الحديد/27) ، فكان من المناسب أن ينزل تشريع يجرم تحريم الطيبات على وجه العموم ، ويومئ بالاحتراز من أن يقلد المسلمون النصارى في رهبانيتهم ، يقول النبي r "لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ" ، قال أبو حيان الأندلسي " ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي أنه تعالى لما مدح النصارى بأن منهم قسيسين ورهباناً وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ومستلذاتها أوهم ذلك ترغيب المسلمين في مثل ذلك التقشف والتبتل بيّن تعالى أنّ الإسلام لا رهبانية فيه" [1137] ، بمعنى أن قُرب صحابة رسول الله r منهم – مكانيا - جعلهم يظنون أن رهبانية النصارى ليس بمنهي عنها في الإسلام ، فعزموا – بالخطأ - على الإقبال علي الترهبن تقربا إلى الله ، فحرم بعضهم على نفسه الزواج , وآخر حرم على نفسه أكل اللحم ، وآخر حرم على نفسه النوم بالليل ..الخ من صور ليست عبادة مشروعة ، بل هي رهبانية مبتدعة .
فبعض الصحابة رضوان الله عليهم حاولوا أن يزهدوا في الدنيا لكن بطريقتهم –وتأسيا برهبانية النصارى- ظنا منهم أن في هذا الزهد خير لهم في دينهم ودنياهم ، فتجاوزوا بهذا الزهد حد الله تعالى فحرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم ، فنهاهم النبي r عن ذلك ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي إِذَا أَصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّسَاءِ وَأَخَذَتْنِي شَهْوَتِي فَحَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) [1138] .
من هنا نفهم حقيقة العبادة في الإسلام ، فليس المطلوب أن يضعف الجسد فلا يقوى على العمل والزواج وتبطل طاقته أو تقل فيضحى مقصرًا مع أهله وسائر الناس من حوله ، فالإسلام يريد أن ينشئ جيلًا قويًا قادرًا على تحقيق الصلاح والنفع للفرد والمجتمع على حد سواء ، بعيدا عن المفهوم الذي ظل مسيطرًا على النصارى فابتدعوا رهبانية ما كتبها الله عليهم ، فكانوا في عزلة من الناس وتوحد لا يقبله الإسلام ولا يأمر به ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ r عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، فَقَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)[1139] .
ومثال آخر ما روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r مَرَّ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الشَّمْسِ ، فَقَالَ مَا هَذَا ؟ قَالُوا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ وَلَا يَسْتَظِلَّ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَزَالُ قَائِمًا قَالَ لِيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَجْلِسْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ)[1140]، قال أبو بكر : في خبر ابن عباس أن النبي r رأى أبا إسرائيل قائما في الشمس فقال : ما له قائم في الشمس ؟ قالوا : نذر أن يصوم وأن لا يجلس ولا يستظل قال : مروه فليجلس وليستظل وليصم فأمره رسول الله r بالوفاء في الصوم الذي هو طاعة وترك القيام في الشمس إذ لا طاعة في القيام في الشمس وإن كان القيام في الشمس ليس بمعصية إلا أن يكون فيه تعذيب فيكون حينئذ معصية قد خرجت هذا الجنس على الاستقصاء في كتاب النذور)[1141] .
فلما اكتمل التشريع الإسلامي أبطل كل هذه الصور من الرهبانية والتشدد في الدين بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ) ، وصحح مفهوم الرهبانية ، لتقتصر على مواطن الجهاد في سبيل الله ، حيث يحبس المجاهد نفسه عن الدنيا مرابطا في سبيل الله ، قال النبي r " عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْإِسْلَامِ" [1142]، ذلك أن المجاهد ينقطع عن أهله وزوجته ودياره ليجاهد في سبيل الله تعالى .
وليس الأمر على إطلاقه بالنسبة للمجاهد ، كما هو الشأن في النصرانية المبتدعة ، وإنما يجب أن يعود المجاهد لأهله في مدة لا تجاوز أربعة أشهر ، لقول الله تعالى "لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "(البقرة/226-227) ، و إلا فعليه أن يطلقها للإضرار بها متى اشتكت من طول غيابه ، فقد روى عن ابن عمر قال: خرج عمر بن الخطاب فسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني أن لا حبيب ألاعبه ، فوالله لولا الله أني أراقبه ... لحرك من هذا السرير جوانبه ، فقال عمر لحفصة: كم أكثر ما يصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس الجيش أكثر من هذا .
فالنهي الوارد بالآية إنما هو نهي عن تحريم الطيبات على النفس بإطلاق ، أما ترك تناول بعض الطيبات في بعض الأوقات وليس كل الأوقات ، ومن غير التزام ولقصد التربية للنفس على التصبر على الحرمان عند عدم الوجدان ، فلا بأس به بمقدار الحاجة إلي رياضة النفس، وكذلك الإعراض عن كثير من الطيبات للتطلع إلى ما هو أعلى منها للتفرغ للعبادة والانشغال بالعمل النافع ، فذلك أعلى مراتب الزهد ، حيث يزهد في الحلال منشغلا بالعمل الصالح ، مع عدم التقصير في العادات ، فقد كان النبي r يقوم في الفراش ليتهجد لله ، فتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (لما كان ليلة من الليالي قال رسول الله r "يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي" قلت "والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك" قالت فقام فتطهر ثم قام يصلي قالت (فلم يزل يبكي حتى بل حجره) قالت (ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته) قالت (ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض) فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر قال "أفلا أكون عبدا شكورا" لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) 1 الآية كلها [آل عمران: 190][1143].
والقصد هو الحق بين الأمرين ، فلا إفراط ولا تفريط ، ولذلك يقول النبي r (أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى صِيَامُ دَاوُدَ وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى صَلَاةُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَهُ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَكَانَ يُفْطِرُ يَوْمًا وَيَصُومُ يَوْمًا)[1144]
كذلك فقد شق على بعض المجاهدين من الصحابة السفر أزمنة طويلة للجهاد في سبيل الله ، ولم يجدوا حلا غير أن يقلدوا النصارى في هذا الظرف بأن يتبتلوا ، فنهاهم الإسلام عن ذلك ورخص لهم في الزواج الشرعي المكتمل الأركان المقترن بشرط إعلام الزوجة بظروفه ونيته العودة للديار ، فعَنْ عَبْدُ اللَّهِ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ –وفي رواية " وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ" - فَقُلْنَا أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [1145]، ثم حرم الله تعالى هذه الصورة من الزواج لانتفاء علته بعد فتح مكة[1146] .
كما شق الأمر على فقراء الصحابة الذين لم يجدوا مالا للنكاح وهموا بفعل ذلك كذلك ، فنهاهم النبي r عن الاختصاء ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ r يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ) [1147]، فقوله (جف القلم) كناية عن أنه لم ينزل شرع في ذلك بجواز الاخصاء ، قال ابن الجوزي (وإنما ذكر القدر ليمنعه من ذلك الفعل ، والمعنى ما تقدر أن تخرج على المقدور) [1148]، قال ابن حجر قوله (فاختص على ذلك أو ذر) قال الطيبي معناه اقتصر على الذي أمرتك به أو اتركه وافعل ما ذكرت من الخصاء ، فليس الأمر فيه لطلب الفعل بل هو للتهديد ، وهو كقوله تعالى "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" ، والمعنى إن فعلت أو لم تفعل فلا بد من نفوذ القدر ، وليس فيه تعرض لحكم الخصاء ، ومحصل الجواب أن جميع الأمور بتقدير الله في الأزل فالخصاء وتركه سواء , فإن الذي قدر لا بد أن يقع ، ذلك أن القدر إذا نفذ لا تنفع الحيل[1149]، أي أرشده بالصبر فالاختصاء ليس علاج لما هو فيه من العنت ، بل عليه أن يصبر عل قدر الله وسوف يزول ما به من عنت ، فالله كتب على كل شيء قد رُفع حتى الذروة أن تكون له ساعة يضعه بعدها ، كذلك الشهوة فإنها سوف تقضى بقدر الله عن طريق الزواج كما أنها سوف تقل وتزول حدتها مع الزمن ، فليصبر فهذا هو ابتلاء الله له في الوقت الحالي ، وما بعد ذلك الفرج قريب إن شاء الله .
وفي تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) (89) قال ابن عاشور عن النفي الوارد بالآية (استئناف ابتدائي نشأ بمناسبة قوله (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة:87] لأن التحريم يقع في غالب الأحوال بأيمان معزومة أو بأيمان تجري على اللسان لقصد تأكيد الكلام)[1150] ، قال صاحب الظلال : "الظاهر أنها نزلت لمواجهة هذه الحالة - وأمثالها - من الحلف على الامتناع عن المباح الذي آلى أولئك النفر على أنفسهم أن يمتنعوا عنه ، فردهم رسول الله r عن الامتناع عنه ، وردهم القرآن الكريم عن مزاولة التحريم والتحليل بأنفسهم ، فهذا ليس لهم إنما هو لله الذي آمنوا به ، كما أنها تواجه كل حلف على الامتناع عن خير أو الإقدام على شر) [1151]، روي ابن جرير عن ابن عباس قال لما نزلت (يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم)، في القوم الذين كانوا حرَّموا النساء واللحمَ على أنفسهم، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلَفنا عليها؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم.. الآية)[1152].
قال المفسرون (جلس رسول الله r يوما فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرَقَّ الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحى وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله ابن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الاسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مضر، واتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ويترهبوا، ويجبوا المذاكير[1153]، فبلغ ذلك رسول الله r ، فجمعهم فقال: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟ فقالوا: بلى يا رسول الله وما أردنا إلا الخير، فقال: إني لم أومر بذلك إن لانفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، ومن رغب عن سنتي فليس مني، ثم خرج إلى الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا، أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ولا رهبانا، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتها الجهاد، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها، وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا، فأنزل الله تعالى - لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم[1154] ، وهذه القصة ذكرها المفسرون بغير سند ، وثبت أصلها في صحيحي البخاري [1155]ومسلم [1156] .
من هنا أعاد الإسلام تنظيم مسألة الأيمان أي (الحلف) ، فلم يعطي لها القيمة التي كانت تعطى لها في الجاهلية متى استبان مخالفتها لشرع الله ، قال رسول الله r (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ)[1157] ، لاسيما وجاء الإسلام بتشريعات تبين الحلال والحرام للمسلمين ، فليس بعد ذلك لأحد أن يتمسك بأيمان تضاد شرع الله تعالى ، إذ كانت الأيمان تحتل في المجتمعات الجاهلية قيمة أكبر مما تحتله القوانين في المجتمعات المعاصرة ، فكما أن المجتمع في الدولة الحديثة المعاصرة يحترم القانون ، حتى قيل أن القانون يحكم الحكام والمحكومين على وجه سواء ، فلا يمكن أن يسير عكسه أحد حتى لو كان ضد مصلحته ، ولا سبيل لذلك إلا بعد أن يقنن المشرعون تشريعا آخر يسمح لهم بمخالفة القاعدة القانونية القديمة ، أي ينسخها ، فكذلك الأيمان في الجاهلية التي نبعت من معتقدات فاسدة حيث تحرم ما أحل الله ،وتحل ما حرمه ، تلك الأيمان أبطل الشرع ما خالف منها حكم الله ، فلا يسوغ لأحد أن يتمسك بها لأنها نبعت من أصل فاسد ، فلا تُحترم ولا تغدو بعد صالحة للتمسك بها.
والإسلام وإذ أهدر الأيمان التي تخالف شرع الله فإنه لم يقتصر على ذلك وحسب ، بل اعتبر الأيمان التي تخالف مقاصد الشرع وروح الشريعة السمحة لغوا باطلا ، فلم يعتد بها وأبطلها ، مثال ذلك ما روي عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ r رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ مَا بَالُ هَذَا قَالُوا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ)[1158] ، فتعذيب الإنسان نفسه ليس من الدين الإسلامي في شيء ، والإنسان الذي لا يقدر على المشي لا ينبغي له أن يذل نفسه ، وعليه أن يركب ، بينما الذي يمشي رياضة فهذا مندوب له أن يفعل ذلك .
كذلك ندب الشرع إلى استهداف المصلحة الأولى بالرعاية عند التعارض بين المصارع ، ولذلك لم يعر للأيمان قيمة إذا تعارضت مع مصلحة شرعية أولى بالاعتبار ، فالمصلحة الأجدر بالرعاية مقدمة على غيرها في نظر الشارع دائما ، ولذلك قَالَ r (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ)[1159]، قال القاضي (يريد أن الرجل إذا حلف على شيء – ليس من البر - وأصر عليه ، كان ذلك أدخل في الوزر وأفضى إلى الإثم من أن يحنث في يمينه ويكفر عنها لأنه جعل الله تعالى بذلك عرضة الامتناع عن البر والمواساة والإصرار على الإلجاج ، وقد نهى عن ذلك بقوله أي "ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع")[1160]، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أَبَاهَا كَانَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ (لَا أَرَى يَمِينًا أُرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)[1161].
وهذا ما يسميه فقهاء السياسة الشرعية بمبدأ المشروعية لولي الأمر ، والذي يعني أن ولي الأمر لا يقتصر تطبيق للشريعة الإسلامية على ظواهر النصوص القطعية الثبوت ، بل عليه أن يجتهد لتحقيق مقاصد الشرع أو يستعين بالعلماء في ذلك ، شريطة ألا يتعارض اجتهاده مع قاعدة "لا اجتهاد مع النص" ، بمعنى أن ينحصر اجتهاده في إطار ما يتحمله النص ، وهو علم معروف في أصول الفقه والتفسير بمسمى مباحث الألفاظ ، فحين نحقق في المسألة نجد أن النص له مفترضات لتطبيقه ، وتطبيقه بدون هذه المفترضات ليس هو مقصد الشرع ، أي أن النص ما وُضع إلا لعلاج فرض معين ، أي بخصوص حالة بذاتها ، وتعميم الحكم أحيانا قد يخرج الحكم عن علته ، ولذلك لابد من التدقيق عند تطبيق النصوص لمعرفة عللها ومفترضات تطبيقها ، بهذا يمكن القول بأن استهداف مقاصد الشرع لابد وأن يتسق مع النصوص كذلك ، وهو ما يعني استهداف المصلحة الأجدر بالرعاية ، فالالتزام بالنصوص التكليفية يعني تحقيق الغاية من إعمالها .
وهو الأمر الذي فهمه الفقهاء من صلح الحديبية حيث تراض النبي r مع قريش على صلح بينهما تراءى للصحابة أن فيه شروط مجحفة بهم ، لاسيما رد من أسلم من قريش إليهم ، وعدم رد من ارتد من المسلمين إليهم ، ففي ظاهر الأمر مخالفة صريحة لمبدأ الولاء والبراء الذي تربى عليه الصحابة زمنا ، ولكنه في حقيقة الأمر انطوى على سياسة حكيمة من النبي r تراءت حكمته بعد ذلك ، حيث تحزب المسلمون الذي أسلموا من قريش - ومنهم أبو بصير- في الطريق بين مكة والمدينة ومنعوا تجارة قريش ، فاشتكت قريش للنبي r هؤلاء ، فاحتج عليهم باتفاقية الصلح ، وأنه في حل من أمرهم ، وأنه قد ردهم ولم يأويهم إليهم كما نص الاتفاق على ذلك ، فنتازلوا عن الشرط لما علموا أن في اجتماع المسلمين تحت قيادة واحدة ما يضمن الوفاء بالعهود على نحو يحقق مصلحتهم قبل مصلحة المسلمين كذلك .
ويتضح ذلك كذلك من مثال آخر ، وهو الوفاء بالنذور ، فالشرع أمر بالوفاء بها ، لكن إذا تعارض الوفاء بالنذر مع شعائر الإسلام ، هنا ينبغي تقديم الشعيرة على الوفاء بالنذر ، فقد روي عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثَلَاثَاءَ أَوْ أَرْبِعَاءَ مَا عِشْتُ فَوَافَقْتُ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ (أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ وَنُهِينَا أَنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ) ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ (مِثْلَهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ)[1162]، أي أن النهي مقدم على الإيجاب عند التعارض ، قال ابن بطال في الشرح (العلماء مجمعون أنه لا يجوز لأحد صوم يوم الفطر والنحر ، وأن صومهما محرم على قاضٍ فرضًا أو ناذر ، ومن نذر صومهما فقد نذر معصية ، وهو داخل تحت قوله عليه السلام : ( من نذر أن يعصى الله فلا يعصه ) . واختلفوا فى قضائهما لمن نذر صيام يوم بعينه فوافقهما).
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ لَا يَأْتِيَ عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلَّا صَامَ فَوَافَقَ يَوْمَ أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ فَقَالَ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)لَمْ يَكُنْ يَصُومُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ وَلَا يَرَى صِيَامَهُمَا) [1163]، أي أفتى له بالفطر في هذين اليومين ، لأن المصلحة الأجدر بالرعاية هو التزام سنة النبي r عن الوفاء بالنذر حال التعارض .
ومن جهة أخرى اعتد الشرع باليمن الجازمة العاقدة ولم يعتد بيمين الهازل أو اللغو ، فاليمين المنعقدة هي التي تجب فيها الكفارة إذا حنث ، (ويشترط للكفارة عن اليمين ثلاثة شروط :-
أولاً : القصد ، لأنه لا مؤاخذة إلا بقصد ونية ، ولذلك أسقط الله تبارك وتعالى الكفارة في اللغو أي أذا لم يقصد اليمين وإن تلفظ به ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ)[1164] ، أي (من غير قصد قلبي في جعله يمينا في نفي شئ أو إثباته)[1165]، وقال آخرون (اللغو قول الرجل لا والله وبلى والله ، وهو غير معتقد لليمين ولا مريد لها هذا قول عائشة وجماعة من التابعين وفقهاء المسلمين منهم الشافعي)[1166] .
ثانياً : أن تكون على مستقبل ، لأن اليمين على الماضي ليس فيها كفارة ، قال سفيان الثوري الأيمان أربعة يمينان تكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل أو يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل ، ويمينان لا تكفران أن يقول والله ما فعلت وقد فعل أو يقول والله لقد فعلت وما فعل) [1167].
ثالثاً : أن يحلف مختاراً ، لأن المكره لا مؤاخذة عليه)[1168] .
وفي قوله (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) تشريع لكفارة الحنث في اليمين متى لم يكن المعقود عليه مخالفا لشرع الله ولم يكن لغوا على النحو السابق تفصيله، وإن أمكن الوفاء باليمين ولو بالحيلة الشرعية لكان أولى وأفضل من الكفارة كما في قوله تعالى لأيوب عليه السلام (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث).
فكفارة اليمين تأكيد للأيمان الواجبة ، وتشديد لأهمية وجوب الوفاء بها ، وبيان بأن الحنث بها ذنب يستوجب كفارة ، وسميت "كفارة" ، لأنها (الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها)[1169] ، لقوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود/114)
وكفارة الحنث في اليمين "تخييرية" و"بدلية" ، فهي "تخييرية" في الثلاث الأول (الإطعام أو الكسوة لعشرة مساكين أو تحرير رقبة) فهذه الثلاثة يجوز اختيار أحدها دون حاجة لالتزام الترتيب بل بقدر الوسع ، فإن لم يجد المقدرة على فعل أي من هذه الثلاث ، فثمة التزام بديل لهذه الثلاثة لا يجوز اللجوء إليه ابتداءً ، وإنما يكون اللجوء إليه "احتياطيا" ، أي عندما يتعذر تنفيذ أحد الثلاثة المذكورة لعدم المقدرة ، وهو "صيام ثلاثة أيام" ، متفرقات أو متتابعات.
قال صاحب الإشارة (إنما شأنهم الاسترسال مع ما يبرز من عنصر القدرة ، ..ولا يعقدون على ترك شيء من المباحات ولا على فعله ، .. .. ، ولعل الحق جل جلاله ، إنما جعل كفّارة اليمين جبرًا لخلل ذلك التعقيد - أي التشديد الذي ليس من شأن أهل التوحيد - الذي صدر من الحالف مع تفريطه بالحنث ، فكأنه حلف على فعل غيره ، ففيه نوع من التألي على الله)[1170] .
وعند التأمل في هذه العقوبات الثلاثة نجد أنها تتضمن معنى المسارعة في الخيرات وإيصال البر وإعلاء الحقوق الإنسانية ، والاهتمام بها ، وهذا هو مقصد الشرع من التشريع ، بدلا من الترهبن والتشديد على النفس بأشياء ما أنزل الله بما من سلطان والقسم على ذلك ، أما العقوبة البديلة وهي الصيام ، فهي من جنس عبادة الرهبة ، ولكن الشرع أجازها في إطار محدد دون إسراف لمن لم يقدر على البذل والعطاء ، وتفصيل ذلك على النحو التالي : -
أولا : عقوبة (إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) تنطوي على تضامن اجتماعي يذكر الناكث عن يمينه أن ثمة مساكين بحاجة إلى طعام في حين أنه يطلق الأيمان ويحنث فيها ، فشتان بين من يفتقر لأساسيات الحياة ، وهمه يكف جوعه ، وبين من لا يوفي بيمينه ، فهو منشغل باللغو تارة واللهو تارة أخرى ، ويقصر فيما نذر وحلف أن يفعله طاعة لله ، فإذا أكد طاعته بهذه الأيمان ثم حنث فعليه أن يكفر عن ذلك بطاعة لا حظ له فيها البتة تتضمن معنى التبرع المحض ، يصل بره فيها للمسكين الذي يصنف بأنه أولى المحتاجين للإحسان والبر وإيصال الخير له .
وتحديد المقدار بعشرة مساكين يدل على عظم الكفارة ، وسعيه وبحثه عن العدد لازم ، فلا يجوز له أن يصرف كل الطعام لواحد فقط ، فيعطيه طعام عشرة أيام ، بل يجب أن يتكلف البحث والعناء ليجد عشرة مساكين فيطعمهم [1171]
وتحديد جودة الطعام بأوسط ما يطعم المسلم أهله فيه تخفيف على المكلف بحيث لا يتكلف أزكى الطعام ، ولا يتيمم أخبثه ، بل يكلف نفسه تجهيز ما اعتاد عليه أهله من طعام ، فإن كانت عادتهم الطعام الزكي التزم بتلك الجودة ، وإن كانت العادة الطعام الزهيد فيلتزم في الكفارة ذلك كذلك ، وإن كان بين بين فإنه يطعم المسكين مثلما يطعم أهله
ثانيا : عقوبة (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) فهي من جنس الطعام ، لأن المسكين قد يجد طعام ولا يجد كسوة ، وذلك حينما يُسبق الحانث بإطعام أحد قبله ذلك المسكين ، فلا تكون له حاجة للطعام آنية ، فلينظر الحانث للإيفاء بحاجة أخرى ، والكسوة تأتي بعد الطعام في ترتيب الأولوية للإيفاء بالحاجات الإنسانية .
قال كثير من العلماء ( يجزئ ثوب واحد لمسكين ، لنه يقال فيه كسوة ، وقال مالك : إنما يجزئ ما تصح به الصلاة ، فللرجل ثوب واحد ، وللمرأة قميص وخمار)[1172]
ثالثا : عقوبة (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) والقصد منها فكاك الأسير من الأسر ، أو تحرير عبد من رق العبودية حسبة لله تعالى ، ولا شك أن لذلك العمل ثواب عظيم ، بل هو في مقدمة أعمال الخير ، ولكن لكلفته ذكر به ثالثا تخفيفا على المكلفين
رابعا : العقوبة البديلة (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) فهي فعل سلبي تربوي يهذب الحانث فلا يعجل في إطلاق أيمان لا يقدر على الوفاء بها ، فيكون صومه تأديب له وزاجر له عن ذلك ، بهذا نرى أن الإسلام حريص على تعليم المسلمين مسئولية الكلمة ، ووجوب الإيفاء بها ، حتى وإن كان الناذر أو الحالف قد أطلق يمينه أو نذره بينه وبين نفسه دون تعهد لأحد .
وفي قوله (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) المقصود بحفظ الأيمان كما قال ابن جزي (أي احفظوها فبروا فيها ، ولا تحنثوا)[1173] ، قال الماوردي أي فيه وجهان (أحدهما : يعني احفظوها أن تحلفوا ، والثاني : احفظوها أن تحنثوا) [1174].
وقيل (ولا تجعلوا الله حاجزاً ومانعاً من البر والإصلاح) ، وهو من باب سد الذريعة أي (الامتناع من اليمين، فلا يحلف ما استطاع)[1175] ، أي (لاَ تَبْذُلُوهَا فِي أتْفَهِ الأُمُورِ وَأحْقَرِهَا ، وَلاَ تُكْثِرُوا مِنَ الأَيْمَانِ الصَّادِقَةِ)[1176]
وقد أشرنا من قبل إلى أن الحنث في اليمين يكون واجبا إذا حلف بعمل شيء نهى الشرع عنه أو ترك شيء أمر الشرع به ، كما في قوله تعالى (قَدْ فَرَضَ اللهُ تَحِلّةَ أَيْمَانِكُم) عندما حرم النبي r على نفسه ما أحل الله له ، فعوتب على ذلك ، قال مقاتل (فأعتق النبى r رقبة فى تحريم مارية)[1177].
قوله (..كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) قال الشعراوي (هذه التشريعات تستحق منا الشكر؛ لأنها جعلت اللغو غير مؤاخذ عليه ، ولأنها جعلت اليمين الذي عقَّدته له كفارة ، وفي كل من الأمرين تيسير يستحق الشكر لله)[1178]، فمناط الشكر في هذه الآية أن بين الله تعالى أن شريعة الإسلام شريعة وسطا ، قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة/143) ، وأنها شريعة ميسرة لا تشديد فيها ولا غلو ، قال رسول الله r (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ)[1179] .
قال ابن حجر (والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب ، وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية ، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع) [1180] ، قال رسول الله r (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)[1181] ، (معنى هذا الحديث أن الإنسان إذا يسر الله عليه وجعل له رخصة فلا ينبغي أن يعدل عنها)[1182] ، ففي العدول عن الرخص الشرعية وقوع في المشقة والعنت المفضيان إلى الوقوع في المعصية بعد ذلك ، وفي الأخذ بالرخص تفريج وتيسير يساعدان على نهوض الهمم والزيادة في الشكر .
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (93)
لما كان الإسلام لايعترف بالرهبانية إلا في إطار الجهاد في سبيل الله تعالى ، وقد اتخذت الشريعة الإسلامية منهج التيسير على الناس لا التشديد والغلو ، وكانت في تشريعاتها تستهدف دوما تحقيق مصالح العباد ، ودرأ المفاسد والشرور ، ولذلك جاء تشريع الإسلام قاطعا في تحريم أمور بعينها وبذواتها لما فيها من مفاسد ، وفي مقدمة المحرمات لذواتها "الخمر" ، تلك التي اعتاد أهل الجاهلية شربها رغم ما فيها من المفاسد والشرور ، والعلة من تحريمها ظاهرة بادية للعيان ، ومثلها – كذلك - الميسر لما فيه من تضييع المال والأنصاب والأزلام .
وهذين الأمرين من شعائر الإسلام ، فالمسلمون معروفون في كل العصور بأنهم لا يشربون الخمر ولا يلعبون الميسر أي القمار ، وبالتزام المسلمين هذين النهيين حافظ الإسلام على العقول والأموال اللذين هما مدار حركة الحياة ، وبدونهما تعث البشرية في السكر والتبذير ثم الفساد والقتل والعدوان .
في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(90) نداء خوطب به المؤمنون لاجتناب "الرجس" بمفهوم عام ، وإفراد "الخمرط و"الميسر" و"الأنصاب" و"الأزلام" بالتخصيص باعتبارها عادات ألفها المجتمع الجاهلي ، فساءت بها أخلاقه ، وفسد أبناؤه ، وتأخرت منزلتهم عن سيادة أنفسهم فضلا عن سيادة الأمم ، فكان لابد وأن يتخلص منها المؤمنون الذين ألفوا هذه العادة قبل الإسلام ، لأنهم بإلف تلك العادات الذميمة والأخلاق الرذيلة لن يقيموا دنيا ولا دين .
وقد تدرج الإسلام مع الصحابة في تحريم الخمر ، لأن التخلص من هذه العادة يحتاج إلى صبر ومجاهدة وتربية لا يمكن أن تتحقق في يوم وليلة ، فلم ينه الإسلام الناس عنها أول الأمر لاسيما وقد كان الخمر في عرف الناس طيبا قبل أن ينزل قرآن بتحريمه ، فلما خالف القرآن أعراف الناس في ببيان حقيقة الخمر ، عرض الأمر على أنه ليس رزقا حسنا ، وذلك في قوله تعالى (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) [النحل:67] فعطف الخمر والرزق الحسن أفاد المغايرة بين بينهما في الحكم والطبيعة ، لينتبه لهذا المعنى أصحاب العقول الرشيدة ، فيسبقوا غيرهم بالانتهاء عن شربها بعد أن اقتنعوا بأنها ليست رزقا حسنا ، فيقتدي الناس بهم ، وقد صار في المجتمع فئة تمتنع عن شرب الخمر تمهيدا لأن ينهي الله عنها لاحقا.
ولكن تأخر النهي عنها في أول الإسلام حتى طال الأمر ، وفي كل مرة تنزل آية تؤكد كراهية الخمر ، وشق ذلك على بعض الصحابة ، حتى نزل التأكيد على تحريمها بقوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) ، فعَنْ عَمْرٍو عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ عُمَرُ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) الْآيَةَ قَالَ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ r إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يُنَادِي أَلَا لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قَالَ عُمَرُ انْتَهَيْنَا) [1183]
وكذلك الحكم بالنسبة للميسر فقد كان وسيلة الفقراء لأن يطعموا أهلهم اللحم لأن ما كانوا يتحصلون عليه من الكسب بالعمل لا يكفي لشراء اللحم ، فكان الميسر وسيلتهم لذلك ، فلما ترسخت العقيدة في قلوب الصحابة ارتاب الناس في أمر "الخمر" الذي يفسد العقل ، و"الميسر" الذي يفسد المال ، وقد رأوا ما فيهما من مفاسد ، وقد وازن القرآن الكريم بين المصلحة المرجوحة والمفاسدة الراجحة فيهما ، فرجح درأ مفستدهما على جلب المصلحة منهما في قوله (ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا)(البقرة/219) ، ففي الخمر والميسر من المنافع المادية التي تتحقق برواج التجارة فيهما ما لا يخفى ، إلا أن فيهما من الشرور والمفاسد ما هو معلوم للكافة ، فلما نزل قرآن بترجيح مفاسدهما على منفعتهما ، لم يكن في التجارة فيهما مقتض ، وقد تبين مجافتهما لوجه الصالح العام ، وهكذا تنتهي الدولة كسلطة عن الترويج لهذه السلعة وتلك الخدمة تمهيدا لأن ينتهي الأفراد كذلك عنهما .
وهكذا ظل التدرج في تحريم الخمر حتى جاء تحريمه قاطعا بعد بيان حل الطيبات في قوله تعالى (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة:87] ، لكي لا يلتبس على الناس الظن أن الخمر من الطيبات فيحلونها ولا يحرمونها ، قال ابن عاشور "فكانت هذه الآية كالاحتراس عما قد يساء تأويله من قوله (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) "[1184]، فكما أن الله تعالى نهى المسلمين على أن يحرموا ما أباح الله لهم ، فإنه كذلك نهاهم عن استحلال الحرام ، وبيَّن أن الخمر والميسر من المحرمات وفي مقابلة الطيبات ، أي أنهما من الخبائث المفضية إلى مفاسد جمة".
و"الخمر" كل ما خامر العقل ، أي ستره ، قيل سُمِّيَتْ خَمْراً لأَنَّها تَخْمُرُ العَقْلَ وتَسْتُرُهُ ، ومنه اخْتَمَرتِ المرأة ، أي لبست الخِمَارَ ، والمقصود الشرعي من الخمر المنهي عنه " كل مسكر" ، لقول رَسُولُ اللَّهِ r (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ)[1185] ، من هنا كانت علة تحريم الخمر ليست القدر المسكر منها ، وإنما يكفي أن ينطبق علي المشروف وصف "الخمر" ليحرم شربه أيا كان اسمه ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ )[1186] ، بذلك يدخل في التحريم "القدر القليل" من الخمر ولو لم يكف للسكر ، وقال r (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ مَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ)[1187] ، قال المناوي (عبارة عن التكثير والتقليل لا التحديد) [1188]، وتأييدا لهذا المفهوم [1189]روي عن النبي r أنه (نهى عن قليل ما أسكر كثيره)[1190].
وأما "الميسر" فهو يعني (تحصيل ربح مادي بدون عمل) ، فكل مال اكتسبه المرء بيسر دون عمل أو مشقة ، نتيجة القمار والرهان فهو ميسر ، لأن (القمار ضرب من الخداع) [1191]، قال مجاهد (كل شيء فيه قمارٌ فهو من الميسر)[1192] ، قال الطيبي (اشتقاق الميسر من اليسر لأنه أخذ مال لرجل بيسر وسهولة من غير كد وتعب)[1193] .
والميسر أسوأ طرق كسب المال وتضييعه ، والخمر أسوأ مطعم وأبذر مصرف للمال ، واقتران الخمر والميسر في موطن الذم يدل على شدة السفاهة بسوء الكسب والصرف في آن واحد ، لاسيما وقد قيل أن (من أصاب مالا من نهاوش أذهبه الله في نهابر)[1194] أي (مهالك وأمور مبددة) [1195]، (والمراد أن من أخذ شيئا من غير حله –كنهب والقمار والميسر- أذهبه الله في غير حله) [1196]، كالخمر والسكر لا نفع فيهما من تعذية أو كسوة أو مسكن .
وأما "الأنصاب" : فهي جمع واحدها "نصب" ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (النُّصُبُ أَنْصَابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا)[1197]، وهي كل ما يعبد من دون الله من حجر أو شجر أو وثن أو قبر ، قال ابن القيم (من الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين : من شجرة أو عمود أو وثن أو قبر أو خشبة أو عين ونحو ذلك والواجب هدم ذلك كله ومحو أثره)[1198] ، قال الكلبي : "اسْتَهْتَرَتِ الْعَرَبُ فِي عِبَادَةِ الأَصْنَامِ فَمِنْهُمْ مَنِ اتَّخَذَ بَيْتًا وَمِنْهُمْ مَنِ اتَّخَذَ صَنَمًا وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَلا عَلَى بِنَاءِ بيتٍ نَصَبَ حَجَرًا أَمَامَ الْحَرَمِ وَأَمَامَ غَيْرِهِ مِمَّا اسْتَحْسَنَ ثُمَّ طَافَ بِهِ كطوافه بِالْبَيْتِ " وسموها الأنصاب .... فَكَانُوا يَنْحَرُونَ وَيَذْبَحُونَ عِنْدَ كُلِّهَا وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهَا وَهُمْ على ذَلِك عَارِفُونَ بِفَضْلِ الْكَعْبَةِ عَلَيْهَا يَحُجُّونَهَا وَيَعْتَمِرُونَ إِلَيْهَا )[1199] ، فالنهي الوارد في الآية المقصود به الذبح عندها لقوله تعالى " وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ "(3) .
وأما "الأزلام" فهي "كل ما يلتفت إليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون الله تعالى من المضلات" [1200] ، والله تعالى هو الضار والنافع ، قال ابن كثير (وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه، ثم يسألوه الخيَرَة في الأمر الذي يريدونه) ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) [1201].
وكلا من "الأنصاب والأزلام" من الأعمال الشركية ، والتي تؤدي بصاحبها إلى الكفر ، وقد جمعت معهما الخمر والميسر لبيان شدة حرمتهما ، وأن شرب الخمر ولعب الميسير قد يؤديان إلى ما يؤدي إليه الذبح على النصب والاستقسام بالأزلام من الكفر بالله ، قال الشعراوي " ذلك ليبشع لنا الأمر ، فوضع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام ، ولنفهم أن الحكم بالنهي عن الخمر والميسر جاء ليقرنهما بالأنصاب والأزلام ، وما داموا مؤمنين فلا بد أنهم قد انتهوا عن الأنصاب والأزلام" ، قال فخر الرازي " فإن قيل : لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام ثم أفردهما في آخر الآية ، قلنا : لأن هذه الآية خطاب مع المؤمنين بدليل أنه تعالى قال (تَشْكُرُونَ * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) (المائدة : 90) ، والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة ، فلما كان المقصود من هذه الآية النهي عن الخمر والميسر وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر تأكيداً لقبح الخمر والميسر ، ولا جرم أفردهما في آخر الآية بالذكر" [1202][1203].
وفي قوله تعالى "إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ " (91) إفراد لعلة تحريم الخمر والميسر ، وتأكيد على أن ذكر الأنصاب والأزلام إنما جاء تبعا لإفراد الخمر والميسر بالتحريم ، لتأكيد المساواة بينهما في الحكم ، فكما أن الأنصاب والأزلام مما يناقض الإسلام فإن الخمر والميسر كذلك ليسا بأقل الحرمة منهما.
فأما الخمر فهي أم الخبائث ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ"[1204] ، وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي r "لَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ " [1205]، وليس أفظع من خبثها ما روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل ممن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت إنا ندعوك لشهادة فدخل معها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت أني والله ما دعوتك لشهادة ولكني دعوتك لتقع علي أو تقتل هذا الغلام أو تشرب هذا الخمر، فسقته كأسا فقال زيدوني فلم يرم حتى وقع عليها وقتل النفس فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه)[1206] .
يقول ابن عربي : (أكثر ما يجب على المتطلع إلى السمو تجنب السكر، لأن السكر من الشراب يثير النفس الشهوانية ويقويها ويحملها على التهتك ، وارتكاب الفواحش والمجاهرة بها ، وذلك أن الإنسان إنما يرتدع عن القبائح بالعقل والتمييز، فإذا سكر عدم ذلك الذي كان يردعه عن الفعل القبيح، فلا يبالي أن يرتكب كل ما كان يتجنب في صحوه، فأولى الأشياء لمن طلب العفة هجر الشراب بالجملة، ويتجنب مجالس المجاهرين بالشراب والسكر والخلاعة، ولا يظنن أنه إذا حضر تلك المجالس واقتصر على اليسير من الشراب لم يستضر به، فإن هذا غلط وذلك أن من يحضر مجالس الشراب ليس تنقاد له نفسه إلى القناعة بيسير الشراب، بل إن حضر مجالس الشرب وكان في غاية العفة تاركاً للشرب متمتعاً بالورع حملته شهوته على التشبه بأهل المجلس وتاقت نفسه إلى التهتك)[1207].
وأما الميسر فإنه يؤدي إلى البطالة وترك العمل ، لأن في العمل مشقة وجهد كبير ، بينما الميسر يأت المال بيسر بلا مشقة وبغير جهد ، فإذا ما تعود المقامر على الكسب دون تعب شرع بعد ذلك في السعي وراء الكسب الحرام ، فإذا ابتلي بخسارة ماله بسبب القمار ، فإنه يلجأ للحرام ليعوض خسارته التي مني بها ، ويؤمل نفسه أنه سوف يكسب هذه المرة ، ولكنه لا يجني إلا مزيد من الخسارة ، فيضطر إلى ارتكاب الجرائم ليسدد ديونه المستحقة والعاجلة ، والعمل لا يأتيه بالكسب السريع ، فيسلك أبواب الحرام جميعا كالسرقة والقتل والنهب ليتمكن من سداد ديون المقامرة ، ولا يخفى ما في الميسر من تهييج أسوأ الصفات الذميمة كالحرص والبخل والكبر والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد وأشباهها وبها يضل العبد عن سواء السبيل.
وقد استنبط الصحابة عقوبة شارب الخمر من خلال التأمل في مفاسدها ، عن علي رضي الله عنه قال: (نرى أنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة ، فأمر عمر رضي الله عنه فجلد ثمانين)[1208]
وفي وقوله تعالى " فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ" (92) إذعان من الله تعالى بأن المجتمع النبوي قد ارتقى إلى مرحلة استقبال تشريع النهي عن الخمر بصدر رحب ، ذلك المجتمع الذي قد ألف في الجاهلية عادة الخمر وتربى عليها قبل الإسلام ، أضحى الآن مؤهلا لأن يستقبل حكم الله بتحريم الخمر والميسر ، ويرضى بذلك رضاء دون تردد أو تلكؤ .
وليس الأمر بذلك اليسر الذي قد يتصوره البعض ، فشرابو الخمر ظلوا علي إلف هذه العادة أعواما مديدة حتى أصبح من العسير عليهم التخلص منها وترك وإدمانها ، كما ألفوا لعب الميسر حتى تعودوا على كسب الباطل وترك العمل، لكن عقلاء الصحابة الذين يقودون الأمم كانوا ينتظرون نزول تشريع قرآني ينهي عن الخمر والميسر لما فيهما من مفاسد ، فلما نزل الأمر بذلك صادف ما في قلوبهم من حب للإيمان وكره للفسق والفجور والعصيان.
فعن أبي ميسرة عن عمر رضي الله عنه قال : لما نزل تحريم الخمر .. فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ فهل أنتم منتهون قال عمر رضي الله عنه انتهينا انتهينا )[1209] ، أي أنه لما انتهت مراحل التدرج التشريعي لتحريم الخمر كان الصحابة رضوان الله عليهم قد اكتمل تأهيلهم لطاعة الله ورسوله ، فلما نزل الأمر بتحريمها سكبوها في الطرقات فجرت في سكك المدينة ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ وَهُوَ تَمْرٌ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا أَنَسُ قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا قَالَ أَنَسٌ فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى انْكَسَرَتْ) [1210] ، فلم ينتفعوا بها ولم يسألوا عن حكم تحويلها لخل أو استخدامها لأغراض أخرى كتنظيف الجروح أو ما شابه ذلك ، وكأنهم ينتظرون أن يحررهم الإسلام من رق الخمر ، فلما نزل التشريع بتحريمها طلقوها ثلاثا دون رجعة.
لأن العبادة تقوم على عقيدة سليمة صحيحة ، ولذلك تأخر تحريم الخمر حتى تأسست عقيدة الصحابة على الرضا والتسليم لحكم الله ، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها " أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا لَقَالُوا لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ r وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ (بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ " [1211] ، إذن عندما تتربى القلوب على السمع والطاعة لله ورسوله فإنها تنتهي عما حرمه الله بمجرد ما تتلقى الأمر بالنهي ، بل إنها لتنتهي قبل ذلك ، ودون حاجة لأن يبْلُغُها حكم النهي ، لأن المنكر أضحى عندها مكروها وإن لم يسمه الشرع منكرا ، قال تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات/7) .
قوله (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (93) لما كان الصحابة قد امتثلوا لأمر الله تعالى على نحو ما سلف في تحريم الخمر ، وقد سهل عليهم الامتثال لأمر الله تعالى لما وقر في قلوبهم من إيمان ، وليس أبلغ من امتثالهم لأمره سبحانه سؤالهم عن حكم من شرب الخمر بعد أن نزل الأمر بالتحريم ثم مات قبل أن يبلغه النهي
فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ r مُنَادِيًا يُنَادِي أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ قَالَ فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) [1212]، أي نفى عنهم الجناح لعدم التكليف ، فالعقل إذا كان أهلا لترجيح المفاسد من المصالح ، فالشرع سبب التكليف ، والله هو الحاكم .
قوله (..إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (93) قَالَ الْبَرَاءُ مَاتَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا فَنَزَلَتْ (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا)[1213].
وعن ابن عباس قال : لما نزل تحريم الخمر قالوا : يا رسول الله الذين ماتوا وهم يشربون الخمر فنزلت (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا)[1214].
وعن ابن عباس قال: (إن هذه الآيات أنزلت عذرا للماضين وحجة على الباقين لأن الله عز و جل يقول (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان) ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى ومن الذين آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا) فإن الله عز وجل قد نهى أن يشرب الخمر)[1215].
وهو ما يعني أن القاعدة الجنائية لا يرتد أثرها للماضي ، بل يظل أثرها في الحال والمستقبل ، فلا يحاسب الجاني على جرم ارتكبه في الماضي في ظل نصوص لم تجرمه ، حتى وإن أضحى مجرما في الحال والمستقبل ، ولهذا قرر الفقهاء قاعدة أنه " لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص"[1216]، ويقررون مبدأ آخر كذلك " الأصل في الأشياء الإباحة " ويقولون " الاستطاعة مناط التكليف " ، وينبني علي هذه القواعد أنه لا يجوز أن يرتد أثر القاعدة الجنائية إلي الماضي لتحكم العلائق و الوقائع السابقة علي صدورها ، فالأصل المقرر في الشريعة الإسلامية هي نفاذ الأحكام الجنائية وقت صدورها ، بحيث لا تسري علي الوقائع السابقة عليها ، ولم يرد على هذا الأصل غير استثناءنان اثنان[1217] .
وأساس هذه القاعدة قول الله تعالى " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (الإسراء 15) وقوله تعالي " وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ " (الأنعام) ، وقوله (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) (الأنفال 38) ، وهذا الأصل مشاهد في كثير من الآيات القرآنية الدالة علي ذلك .
قال الحافظ الطبري في تكرار الإتقاء في الآية ثلاث مرات :-
الِاتِّقَاءُ الْأَوَّلُ: هُوَ الِاتِّقَاءُ بِتَلَقِّي أَمْرِ اللَّهِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَالدَّيْنُونَةِ بِهِ وَالْعَمَلِ
وَالِاتِّقَاءُ الثَّانِي: الِاتِّقَاءُ بِالثَّبَاتِ عَلَى التَّصْدِيقِ وَتَرْكِ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ
وَالِاتِّقَاءُ الثَّالِثُ: هُوَ الِاتِّقَاءُ بِالْإِحْسَانِ وَالتَّقَرُّبِ بِنَوَافِلِ الْأَعْمَالِ" [1218].
وذكر ابن عثيمين أن ثمة تشديد في رفع الجناح بتكرار الشروط والقيود وتعدادها سبعة ، أي في قوله ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ فإنه يعمُّ كل ما له طعم في الفم من مأكول ومشروب، لكن بشروط (حيث ذُكرت التقوى في الآية ثلاث مرات، والإيمانُ مرَّتين، والإحسانُ مرَّة)[1219] ، وهي :الشرط الأول: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ ، الثاني: ﴿وَآمَنُوا﴾ ، الثالث: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، الرابع: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ، الخامس: ﴿وَآمَنُوا﴾ ، السادس: ﴿اتَّقَوْا﴾ ، السابع: ﴿وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾، هذه قيودٌ سبعة، وليست متكررة ، كل واحد له معنى، أو محمولة على معنى .
فقوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ يعني: إذا ما اتقوا ما حُرِّم عليهم من المأكول، وليست التقوى العامّة
وقوله: ﴿وَآمَنُوا﴾ أي: آمنوا بالله؛ لأن الإيمان لا شك أنه أصلٌ في قبول الأعمال .
وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذا شرط: أي: عملوا الصالحات فيما يأكلون من المباحات، فلم يستعينوا بها على محرَّم، فإن استعانوا بها على محرَّم وهي مباحة؛ صارت حرامًا؛ لأن اللهَ اشترط أن يَعملوا بها الصالحات .
وقوله: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ كلمة ﴿ثم﴾ تدل على أن هذا نوعٌ آخَر غير الأول؛ لأن العطف ولاسيما بـ(ثم) الدالة على الْمُهْلة والترتيب يدل على أن الثاني غير الأول، فيكون معنى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ أي: ثم استمرُّوا على تقواهم ما حُرِّم عليهم مِن هذا الطعام .
وقوله: ﴿وَآمَنُوا﴾ أي: استمرُّوا على إيمانهم، والأمرُ بالإيمانِ يصحُّ مُرادًا به الثبوتُ عليه والاستمرارُ فيه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء : 136] .
وقوله: ﴿وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ هذه التقوى العامَّة، أي: اتقَوا جميعَ المحرَّمات، وأحْسَنوا بِفعل جميعِ الطاعات[1220]
المحرمات المقيدة بقيود الزمان والمكان والحال
ثمة محرمات في الشريعة الإسلامية لا يُدرك المكلف الحكمة من تحريمها غير أنه يذعن لحكم الله ، ويمتثل لأوامره ونواهيه ، الأمر الذي يتجلى بوضوح في الشعائر الإسلامية التي لا يدرك المكلفون حظهم فيها إلا بالتجربة كالصلاة والصيام والحج ، ولذلك فإن إدراك الحكمة ليس بلازم للالتزام بها ، أما تحقق العلة فهو سبب التكليف بها ، فالعلة هي: (الوصف الظاهر المنضبط الذي بني عليه الحكم، وربط به وجودا وعدما ، والعلة مظنة لتحقيق الحكمة)[1221]، أما الحكمة فهي – عند الأصوليين-: (المصلحة التي قصد الشارع تحقيقها بتشريعه الحكم) ، قال العلماء (الْحِكْمَةَ الْمُعْتَبَرَةَ لِعُسْرِ ضَبْطِهَا وَتَعَذُّرِ تَعَيُّنِ الْقَدْرِ الَّذِي تُوجِبُهُ ضُبِطَتْ شَرْعًا بِمَظِنَّةٍ خَاصَّةٍ وَهُوَ الْوَصْفُ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ)[1222]، ولذلك فإن الأحكام في الشرع معللة بعلتها وليس بحكمتها .
وبالنظر إلى المحرمات المقيدة بقيود الزمان والمكان والحال نجد أن أظهر مثال لها ما حرمه الله تعالى على الحاج والمعتمر من الصيد "حال الإحرام" ، فبالنسبة لقيد المكان جعل الكعبة "البيت الحرام" آمنا ، وحرم فيها الصيد ، وبالنسبة لقيد الزمان جعل " الشهر الحرام " شهر يحرم فيه القتال إلا لدفع صائل أو معتد ، وقيد الحال معتبر عند دخول الحاج أو المعتمر في الإحرام ، وهذه القيود الثلاثة يلتزمها الحاج عند أداء المناسك ، فيقصد البيت الحرام في الشهر الحرام - ذو الحجة الذي هو من الأشهر الحرم - وهو في حالة الإحرام أي ممتنعا عن صيد البر حتى ينتهي من أداء مناسك الحج أو العمرة .
وقد ذكرنا في مقدمة سورة المائدة أن شعائر الإسلام لاسيما شعيرة الحج هي رسالة سلام للعالم كله ، فمن خلال المناسك الحج يتعرف الناس على دين الإسلام ، وأن المسلمين قوة مسالمة ، لا تبدأ بعدوان ، وتحترم قيادتها ومعاهداتها ، ودليل انضباطهم في سلوكياتهم هو انضباطهم في أداء مناسكهم على نحو ما أمرهم الله به .
ففي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ..) (94) تعليل لسبب تحريم الصيد بقوله سبحانه "لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ " أي ليختبرنكم ، فمناط التشريع الاختبار ، ومحل النهي هو كل ما يدخل في معنى الصيد سواء باليد أو بالرمح ، قال مجاهد (النبل والرمح ينال كبار الصيد ، وأيديهم تنال صغار الصيد ، أخذ الفروخ والبيض)[1223] ، فلا يجوز للمحرم أن يصطاد لا بيده ولا برمح، فمقتضى النهي هو الاختبار ، قال ابن الجزي (كان الصيد مستعملاً عندهم –أي العرب- ، فاختبروا بتركه كما اختبر بنوا إسرائيل بالحوت في السبت)[1224].
قال مقاتل بن حيان : (أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية ، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم ، لم يروا مثله قط فيما خلا ، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون)[1225].
وفي قوله (..لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ..) (94) بيان للحكمة من تشريع النهي ، فالتربية الإيمانية للمسلم تصل به أن يتقي الله ويحفظ أوامره وينتهي عن نواهيه بالغيب ، لاسيما في الوقت الذي يعلم أنه لا رقيب عليه فيما يفعل غير الله سبحانه ، فهو الذي يحاسبه ، وهذا هو المقصود من هذه التربية ، فالخوف الحقيقي من الله يتجلى في السر، حيث لا يراقب العبد إلا الله ، بهذا تظهر حقيقة التقوى ، قَالَ رسول الله r (لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا)[1226].
وفي قوله (..فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(94) اعتبر الشرع أن الإعتداء على الحيوان في حال الإحرام هو عدوان مؤاخذ عليه ، وذنب يستوجب عذاب إليم ، متى لم يأت المحرم بالكفارة ، فلا يستهين المحرم بفعل شيء منهي عنه حتى ولو قتل دجاجة ، فهو في هذا الحال لا يجوز أن يفعل ذلك ، وليتذكر أن الذي أحلها له هو الذي حرمها عليه في حال الإحرام .
وعند الرجوع إلى حال المسلمين الأوائل الذين خوطبوا بهذا الحكم نجد أن الروايات تؤكد أن هذه الْآيَةَ نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْدِ، وَكَانَتِ الْوُحُوشُ تَغْشَى رِحَالَهُمْ مِنْ كَثْرَتِهَا فَهَمُّوا بِأَخْذِهَا فَنَزَلَتْ)[1227] ، وهو الأمر الذي يبين الغاية من فرض عبادة الحج والعمرة ، وارتباط ذلك بأن يظهر المسلمون وهم مقبلون على بيت الله الحرام بمظهر سلمي يتفق مع أداء هذه الشعيرة ، فالحفاظ على هذا المظهر من مقاصد هذه الشعيرة .
والذي ينظر في عبادات ومناسك الإسلام يجد أنها تحض على مثل ذلك ، ففي الذهاب إلى الصلاة يقول النبي r "إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" ، فالإسلام يريد من المصلون أن يحافظوا المظهر السلمي وحالة السكينة وهم مقبلون على الصلاة ، وكذلك حال أداء شعيرة الحج ، لذا جاء التشديد في النهي عن الصيد للمحرم بهذه الآية .
وفي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ )(95) فالإسلام يريد من المقبل على الحج والعمرة أن يكون على حالة من السكينة والوقار والعزوف عن كل مظاهر الترف ، والصيد كما هو معلوم من علامات الترف ، مقاصد الحج والعمرة تتنافى مع هذه العادة ، فهما عبادتان تحملان كثير من معاني التجرد من الدنيا لله سبحانه ، لأن الحاج أو المعتمر يترك بيته وأهله وماله وتجارته قاصدا بيت الله الحرام ليغفر الله له ذنبه ، ولو كان ملكا فإنه يترك ملكه ليتم أركان دينه ، روي الترمذي عن النبي r قَالَ (مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)[1228]، وروي البيهقي عن أبي أمامة عن النبي r قال : (من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا) [1229].
أما الصيد فقد كان معاش العرب ومهنتهم ، كما أنه دليل على الحرية والقوة والملك ، وهو أية على تسخير الله الأرض للإنسان ، قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة/29) ، وهو كناية عن رفاهية العيش ، وسعة البال ، وهدوء النفس ، وقوة الإنسان وحدة سلاحه ، ودليل على ذكائه في نصب الشراك والكمائن ،وصبره على فريسته ، وقدرته على اقتناص الفرص ، وسرعته في العدو ، وقوة حصانه ، فهو عادة مشهورة عند الملوك ، لذلك قال أبو حيان (كان الصيد مما تعيش به العرب وتتلذذ باقتناصه ولهم فيه الإشعار والأوصاف الحسنة)[1230] ، كل ذلك يتنافى مع شعيرة الحج والعمرة اللتين تحملان المسلم على التجرد والتحلل من كل النعم شعره وملبسه وأظافره وماله وزوجته وأهله ووطنه .
قال الشعراوي (عندما يخرج المسلم إلى الحج يتحلل من كل النعم التي تصنع له تميزا ، فيستوي في هيئته مع كل خلق الله ، فيخلع المسلمون ملابسهم ويرتدون لباساً موحداً يتساوون فيه ، وحين يترك النعم كلها ، فلأنه ذاهب إلى المُنْعِم ، .. ، وكلهم شُعْثٌ غُبْر ، يقولون « لبيك اللهم لبيك »....ومن بعد هذه الآداب التي يراعها المحرم ليتساوى مع غيره من الحجيج أو المعتمرين ، راعى الشارع كذلك أن ينظر المسلم إلى الجنس الأدنى وهو الحيوان ، فيعلمنا الحق الأدب مع هذا الحيوان بتحريم صيده ، كما يعلمنا الأدب مع الزرع الذي تحت الحيوان فيمنع المسلم من قطع شجر الحرم ، وهكذا تصبح العبودية مستطرقة في الجميع ، وتزول في الحج كل الألقاب والمقادير المتباينة من فور اتجاههم إلى الحج ، وحول الكعبة يرى الخفيرُ الوزيرَ وهو يبكي ، ويشعر الجميع أن الكل سواء ، والحق يقول (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً) [ آل عمران : 97 ][1231].
ففي قوله (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ..) (95) تقرير لجزاء مخالفة الحظر المؤقت -أي حال الإحرام أو التواجد في الحرم في العمد – أي متلبسا بجناية متعمدا – بفرض عقوبة مالية عليه تماثل مقدار الحيوان المقتول ، ما يعني أنه إذا وقع منه الفعل بغير عمد فلا جزاء عليه ، فعَنْ طَاوُسٍ قَالَ:"لا يُحْكَمُ عَلَى مَنْ أَصَابَ صَيْدًا خَطَأً إِنَّمَا يُحْكَمُ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ مُتَعَمِّدًا"
هذا هو الأصل ، لكن لما كانت حالة العمد يتعذر إثباتها في القتل ، لاسيما إذا كان الخطأ نابع عن رهونة وإهمال ، فقد وسع بعض الفقهاء في العقوبة فشملت العمد والخطأ على السواء ، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:"إِنَّمَا جُعِلَتِ الْكَفَّارَةُ فِي الْعَمْدِ، وَلَكِنْ غُلِّظَ عَلَيْهِمْ فِي الْخَطَأِ كَيْ يَتَّقُوا"[1232]، كما أخرج ابن جرير عن الزهري قال : نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ ، يعني في المحرم يصيب الصيد)[1233]
أي أن ثمة رأي آخر بأن الجريمة يعاقب عليها في الخطأ والعمد ، فعَنِ الْحَكَمِ "أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ فِي الْخَطَّاءِ وَالْعَمْدِ" ، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: "لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا " ، قال:"إِنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ خَطَأً حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ الْعُقُوبَةُ إِلا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ"، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، نَحْوُ بَعْضِ هَذَا الْكَلامِ[1234] ، ولعل هذا الرأي يستند إلى ظاهر الحال ، لأن المسألة عقوبة دنيوية ، وفي مثل تلك الأقضية يحكم بظاهر الحال وليس بالنوايا الداخلية .
في قوله (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ..) (94) قال الكياهراسي (اختلف في المراد بالمثل)[1235] ، أي على رأيين :-
الرأي الأول : أن المراد بالمماثلة في القيمة ، فيجوز إخراج التعويض بما يعادل قيمة المجني عليه مالا .
يري أبو حنيفة وأبو يوسف أن "المثل" هو "القيمة" ، فيشتري بالقيمة هدياً، وإن شاء طعاماً، وأعطى كل مسكين نصف صاع، وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوماً [1236].
الرأي الثاني : أن المراد بالمماثلة في الخلقة ، بمعنى أن يحكم بالأشباه ، أي يكون التعويض عيني ، ولا يجوز إخراج القيمة ، وذكرت المماثلة حال تعذر الإتيان بالمثل تماما بتمام فيأتي بالشبه .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: " فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ " ، قال:"إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِنْ قَتَلَ ظَبْيًا أَوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شَاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ"[1237]، حيث يصعب الإتيان بظبي ، لكن يسهل الإتيان بشاة .
قال الشوكاني : (المراد المماثلة في القيمة ، وقيل : في الخلقة ، وقد ذهب إلى الأوّل : أبو حنيفة ، وذهب إلى الثاني : مالك والشافعي وأحمد والجمهور )[1238] ، وقد رجح الشوكاني رأي الجمهور فقال (وهو الحق لأن البيان المماثل للنعم يفيد ذلك ، وكذلك يفيده هدياً بالغ الكعبة ، وروي عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج القيمة ولو وجد المثل ، وأن المحرم مخير)[1239]
وهو ما رجحه ابن قدامة فقال (فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به من النعم من حيث الخلقة لا من حيث القيمة بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة)[1240]، فعن جابر بن عبد الله : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الضبع بكبش ، وفي الغزال بعنز ، وفي الأرنب بعناق ، وفي اليربوع[1241] بجفرة[1242])[1243].
وقد ورد في عموم التقدير ما روي عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَوْلَهُ: " فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ " ، فَمَا كَانَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ مِمَّا لَيْسَ لَهُ قَرْنٌ كَالْحِمَارِ وَالنَّعَامَةِ فَجَزَاؤُهُ مِنَ الْبُدْنِ، وَمَا كَانَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُونِ فَجَزَاؤُهُ مِنَ الْبَقَرِ، وَمَا كَانَ مِنَ الظَّبْيِ فَفِيهِ مِنَ الْغَنَمِ، وَالأَرْنَبُ فِيهِ بينةٌ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْيَرْبُوعُ فِيهِ بَرَقٌ وَهُوَ الْحَمَلُ، وَمَا كَانَ مِنْ حَمَامَةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنَ الطَّيْرِ فِيهِمَا شَاةٌ، وَمَا كَانَ مِنْ جَرَادَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَفِيهِمَا قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ"[1244].
في قوله ( يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ..) (95) هنا يبدو من السياق عظم جريرة المخالف بأن الله تعالى قد خاصمه "المخالف" وأوكل بعقوبته "حكمان" من ذوي العدالة للشهادة ، يحكمان بها وهما من أصحاب الرأي في قومهما ، يحكمان في تقدير كفارة التعدي بالصيد ، أي أن المسألة أصبحت قضية منظورة أمام ساحة القضاء ، وأصبح الجاني متهما ومطلوبا للعدالة ، لمجرد أن المجني عليه طير أو بهيمة ، والمدعي هو الله سبحانه ، والعقوبة تقديرية يقررها الحكمان الواردان بالآية بحيث تحقق المماثلة .
وفي ذلك إيماء بضرورة إيكال مرفق العدالة في كل مسألة صغيرة أو كبيرة إلى أهل العدالة والشهادة بين المسلمين ، لاسيما الدماء ليظل في المسلمين من هم مستأمنون على أداء هذه المهمة ، الأمر الذي يوضح أهمية الالتزام بهذا الحظر وإن كان مؤقتا ، وعدم التهاون في الأمر.
فقد جعل الشارع تقدير العقوبات المقررة في هذه المسألة – أي الحكومة بالمثل أو بالقيمة - لخبيران متصفان بـ"العدالة" يحكمان فيها ، وجعل تقديرهما بمثابة حكم ، وإن لم يتصف -حقيقة - بصفة الحكم ، إلا أنه أطلق عليه هذه الصفة -مجازا -لأن تقديرهما أقرب لأن يأخذ القاضي به ، باعتبارها مسألة فنية أحالها القاضي إليهما ، فالقاضي يتوقف عن الفصل في الدعوى عندما يرتبط حكمه بمسألة فنية أشكلت عليه ، وتعذر أن يفصل في الخصومة إلا إذا فُصل فيها أولا.
وهو ما يعني بمفهوم الإشارة أن ثمة "ثالث" يفصل بين تقدير الخبيرين وهو "القاضي" باعتباره هنا الخبير الأعلى ، ولكنه يلتزم بما ورد بهذين التقريرين الصادرين عنهما من تقدير ، وإن جاز له أن يخالفهما فذلك في حدود ما يخرج عن اختصاصهما من أمور فنية ، قال القرطبي (إذا اتفق الحَكَمان لزم الحكم؛ وبه قال الحسن والشافعي ، وإن اختلفا نظر في غيرهما ، وقال محمد بن المواز: لا يأخذ بأرفع من قوليهما؛ لأنه عمل بغير تحكيم)[1245]، أي أنهما ليسا بأهل للحكم في القضية وإنما هما خبيران ، ولذلك من الممكن عملا أن يختلفا في الحكم ، وللقاضي أن يندب غيرهما في المسألة
والدليل على أنهما ليسا بحكمين وإنما هما مجرد خبيران ما ذكره الفقهاء في شروطهما ، قال ابن قدامة (ليس من شرط الحكم أن يكون فقيها لأن ذلك زيادة على أمر الله تعالى به ، وقد أمر عمر أربد أن يحكم في الضب ولم يسأله أفقيه أم لا ، لكن تعتبر العدالة لأنها منصوص عليها، وتعتبر الخبرة لأنه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا من له خبرة ولان الخبرة بما يحكم به شرط في سائر الحكام)[1246] .
وفي ذلك دليل شرعي على وجوب إحالة القضية للخبراء في المسائل الفنية ليسترشد القاضي بحكم أهل الخبرة والإرشاد متى اتصفوا بالعدالة ، وأن حكمه دون الرجوع لهما يُنتقض ، فقد جعل الله لعمل الخبيرين قوة الحكم -مجازا-، فقال (يحكم به) وبين عملهما ومهمتهما ، وهو تقدير الحكومة أي(التعويض) ، فجعلهما اثنين وليس واحد لأن الخبير قلما يزيد تقديره أو يقل عن تقدير خبير مثله ، فإذا كانا اثنين كان تقديرهما أدق من الواحد .
ولكي تتحقق الحكمة من ندب خبيرين في المسألة الفنية وليس خبير واحد لابد وأن يعمل الخبيران منفصلان عن بعضهما البعض ، يعني أن القاضي لا ينتدب لجنة مشكلة من خبيرين ، بل هما خبيران في مسألة واحد كل خبير يعمل عليها استقلالا عن الآخر ، وذلك حتى يستطيع القاضي أن يحسب التقدير السليم بناء على تقريرهما ، أما إذا عملا معا على المسألة فإنهما يكتبان تقريرا واحدا ، وليس ذلك هو المقصود من ندب خبيرين في القضية ، إذ لو عملا معا دون أن يستقلان عن بعضهما قد يتواطأ على الاتفاق على وجهة نظر واحدة ، دون أن ينم هذا الرأي على وجه نظر أحدهما ، بل قد يكون رأيا توافقيا ، وليس هذا هو عمل الخبير ، بل عمل القاضي أن يوفق بين الآراء بما يتناسب مع المسألة المعروضة عليه ، فله أن يختار أحد الرأيين أو يجمع بينهما بالتوفيق بينهما .
ولذلك أرست محكمة النقض المصرية أن للمحكمة أن توازن بين آراء الخبراء المختلفة فقضت بأن "تقدير عمل أهل الخبرة والموازنة بين آرائهم فيما يختلفون عليه هو مما يستقل به قاضى الموضوع ، ولا تثريب عليه إذا استعان في ذلك بالمضاهاة التي يجريها بنفسه ولا يمنع من إجرائه لها أن يكون قد رأى من قبل ندب خبير أو أكثر للقيام بها لأن القاضي هو الخبير الأعلى فيما يتعلق بوقائع الدعوى المطروحة عليه وله أن يسعى بنفسه لجلاء وجه الحق فيما اختلف فيه الخبراء لأن تقاريرهم لا تعدو أن تكون من عناصر الإثبات التي تخضع لتقديره)[1247].
وقد أوضحت محكمة النقض المصرية أن عمل الخبير لا يعدو أن يكون عنصراً من عناصر الإثبات الواقعية في الدعوى يخضع لتقدير محكمة الموضوع ، ولها سلطة الأخذ بما انتهى إليه محمولاً على أسبابه متى اقتنعت بكفاية أبحاثه وسلامة الأسس التي بنى عليها , وأنه لا تثريب على المحكمة إن هى أخذت بتقرير الخبير محمولا على أسبابه من دون أن تسرد فى حكمها بصورة تفصيلية أسباب أخذها بما انتهى اليه تقرير الخبرة)[1248] .
كما أنه من المستقر عليه قضاءً أن الإستعانة بأهل الخبرة هو أمر متروك تقديره لمحكمة الموضوع فإذا ما رأت الإستعانة بأهل الخبير فإن لها التقدير الموضوعى لجميع عناصر الدعوى ، وهى لا تلتزم الإ بما تراه صدقاً وعدلاً من رأى فنى لأهل الخبرة ، فلها أن تأخذ بما تطمئن إليه من تقرير الخبير ، ولها أن تطرح ما انتهى إليه رأيه كله أو بعضه)[1249] .
يستبين مما تقدم أن عمل القضاء هو عمل جماعي لا ينفرد القاضي بنفسه في تقديره كل مرة ، بل يجب عليه أن يستعين بأهل الخبرة في كل مسألة فنية تستعصي عليه ، لاسيما إذا كانت تحتاج لأهل الاختصاص ، سواء أكانت هذه المسألة الأولية كبيرة أم صغيرة ، وسواء أكانت في إطار تقدير التعويض في دم طير أو في دماء المسلمين ، ولذلك عندما تخاصم الصحابة فيما بينهم احتكموا لأصحاب العدالة والشهادة ، وكذلك لما خرج الخوارج علي الإمام علي بن أبي طالب ، سأل ابن عباس الحرورية – وهم الخوارج [1250]- عن سبب خروجهم على خليفة رسول الله r علي بن أبي طالب ؟ قالوا : ثلاثا ، فقال ابن عباس : ما هن ؟ قالوا : أما إحداهن فإنه حَكَّم الرجال في أمر الله ، وقال الله تعالى "إن الحكم إلا لله" وما للرجال وما للحكم ؟.... فقال ابن عباس : أما قولكم حكم الرجال في أمر الله فأنا عليكم ما قد رد حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم في أرنب ونحوها من الصيد فقال (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد و أنتم حرم) إلى قوله (يحكم به ذوا عدل منكم) فنشدتكم الله أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم ؟ وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم ولم يصير ذلك إلى الرجال ، وفي المرأة وزوجها قال الله عز وجل (إن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) فجعل الله حكم الرجال سنة مأمونة أخرجت عن هذه قالوا : نعم) [1251].
قوله ( هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ..) (95) أي أن العقوبة تطبق في الحال ، فلا يجوز تأجيل العقاب لبعد الرجوع من الحج أو العمرة ، ) أي يجب صرف هذه الحكومة (التعويض) بما يحقق مصلحة الناس في الكعبة لاسيما الفقراء والمساكين وابن السبيل ، لقوله (هديا بالغ الكعبة) فتطبيق الحكم في "الكعبة" يحقق الردع العام لتظل محفوظة عن التعدي ، قال عطاء (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَهُ فِى حَرَمٍ يُرِيدُ الْبَيْتَ كَفَّارَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَيْتِ)[1252].
وفي تقييد المثل بكونه هديا فائدة في تقدير أقل ما يجب التعويض به ، قال الشنقيطي (أقل ما يكون جزاء من النعم - عند الإمام مالك - شاة تجزىء ضحية، فلا جزاء عنده بجفرة ولا عناق ، مستدلاً بأن جزاء الصيد كـ "الدية" لا فرق فيها بين الصغير والكبير، وبأن الله قال: (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) ، فلا بد أن يكون الجزاء يصح هدياً ، ففي الضب واليربوع عنده قيمتها طعاماً)[1253].
قوله (..أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ..) (95) قال ابن جزي (عدّد تعالى ما يجب في قتل المحرم للصيد ، فذكر أولاً الجزاء من النعم ، ثم الطعام ثم الصيام ، ومذهب مالك والجمهور أنها : على "التخيير" ، وهو الذي يقتضيه العطف بـ "أو" ، ومذهب ابن عباس أنها : على "الترتيب" ، ولم يبين الله هنا مقدار الطعام ، فرأى العلماء أن يقدّر الجزاء من النعم)[1254].
وأيا كان الأمر فمراعاة الترتيب إن لم يكن من باب الاستحسان فإنه قد يكون من باب الضرورة ، ذلك أن العقوبة فورية كما تقدم ، فقد رخص الشارع الإتيان بعقوبة "بديلة" بإطعام مساكين دون تحديد لعددهم ، حيث يقضي الحكمان بعددهم بمقدار التعويض المحكموم به الذي يختلف باختلاف حجم المجني عليه ، فهنا يجوز إخراج القيمة بإطعام مساكين ، فإذا تعذر الإتيان بالمثل أو بالقيمة [1255]، فلأن العقوبة تطبق في الحال ، فلا بديل غير "الصيام" ، أي صيام أيام تعدل ذلك كله ، وذلك وفقا للحكم في القضية كما بينا .
قوله (..لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ..) (95) قال أبو حيان (استعير الذوق هنا لما يؤثر من غرامة وإتعاب النفس بالصوم واستعير الوبال لبيان سوء عاقبة ما فعل ، وهو هتك حرمة الإحرام بقتل الصيد)[1256] ، وقال الزمخشري ليذوق متعلق بقوله "فجزاء" أي فعليه أن يجازي أو يكفر ، ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام)[1257] .
قوله ( عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ..) (95) وتلك هي رحمة الإسلام ، العفو عما سلف ، فلا أثر للقاعدة الجنائية فيحكم العلائق السابقة على تقريرها ، فلا يرتد العقاب للماضي بأي حال ، فمن بدر منه هذا الفعل قبل تحريمه فلا يؤاخذ عما بدر منه ، ولا يجازى بعقوبة ، فالقاعدة الجنائية في الفقه الإسلامية فورية الأثر ، ولا ترتد إلى الماضي إلا بما هو أصلح للمتهم كتخفيف العقاب ، أما فرض العقوبة ذاتها أو تشديدها فلا يطبق إلا علي الحال والمستقبل ، لا على الماضي وما سلف .
فما سلف من أفعال قبل تجريمها لا يستحق عقوبة ، لكنه يستحق العفو ، باعتبار أن العقول السليمة تستطيع أن تميز بين الخير والشر دون حاجة إلى نص يشير لها ذلك ، ولذلك ذكر العفو في هذا المقام ، لأن الآداب المرعية توجب على المكلف استشعار الحرج قبل أن ينزل التحريم ، في كل ما يخال مفسدته ، كما هو الشأن في الخمر ، حيث تحرج بعض الصحابة من شربها قبل أن ينزل التحريم ، فكذلك حال الإحرام أو دخول الحرم ، فإن الآداب تقتضي الانشغال بالعبادة وترك وسائل الترفيه واللهو ، وتعظيم حرمة الدماء ، ولذلك ذكر الله العفو عن عدم الاحتراز من ذلك قبل تحريمه بنص قاطع .
وتطبيق هذه القاعدة لا يقتصر على ما ذكر في سياق الآية ، وإنما يمتد لكافة الجرائم التي لم يرد نص بها في الفترة السابقة على التجريم ، ومثال ذلك جريمة الربا ، قال تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (275) ، فقوله (فله ما سلف) يعني أنه لا يؤاخذ عما اكتسبه من الربا قبل زمن التحريم ، فلا يكلف رد الأموال التي اكتسبها قبل النص بالتحريم ،فعَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،"فِي قَوْلِ اللَّهِ: " فَلَهُ مَا سَلَفَ ", يَعْنِي: فَلَهُ مَا كَانَ أَكَلَ مِنَ الرِّبَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ"، وَرُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ نحو ذلك[1258]، ولينته عن الربا بعدما علم بالتحريم ، وفي ذلك تخفيف من الشارع يبين خصائص التشريع الإسلامي وأن من مقاصده تكليف الناس بما يطيقون .
قوله (.. وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (95) أي هدد الجاني في حالة العود لمثل هذه المخالفة بتهديد صيغت عباراته بصياغة أشد من الأولى ، حيث تضمن انتقام الله من مرتكب هذه الجريمة ، فهو تهديد مباشر بإظهار صفة الانتقام التي يختص بها الإله ، (فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) ، وتأكد بقوله (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) ، فكأن الذي خالف النهي بقتل الصيد حال الإحرام أو الحرم مثله مثل الذي عقر ناقة صالح ، فوزرهما سواء بسواء ، قال صاحب الظلال (فإذا اعتز قاتل الصيد بقوته وقدرته على نيل هذا الصيد الذي أراد الله له الأمان ، فالله هو العزيز القوي القادر على الانتقام!)[1259] .
فالتهديد في حالة العود لأجل الردع العام حفاظا على هذه الشعيرة من أن تتغير معالمها ، فمن يخل بأداء هذه الشعيرة ويقتل الحيوان في الحرم أو في حال الإحرام فإنه ليس أهلا للحفاظ على عهود الله ومواثيق الأمان مع الناس وأهل الكتاب ، فالناس وبخاصة غير المسلمين يحكمون على الإسلام من خلال نظرهم للمسلمين وهم يؤدون عباداتهم وشعائرهم ، فأراد الله تعالى أن تكون شعيرة الحج أكبر تظاهرة إسلامية في العالم أجمع وفي تاريخ الكرة الأرضية تحمل عنوان السلام للناس جميعا بل وللحيوان كذلك ، قال تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ..الآية " (2) فكان من اللازم تشديد العقاب على المخالفين ، ليرى الناس مدى قوة المسلمين في الحفاظ على مواثيق السلام كما أنهم يحافظون على حالة السلم مع الحيوان حال الإحرام .
قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) استثناء من حظر الصيد ، بإباحة صيد البحر ، وفائدة ذكر هذا الاستثناء رغم أن الحدود الجغرافية للحرم المكي ليس بها بحار ، أنه يجوز للمحرم أن يحرم قبل الميقات المكاني وهو قادم من البحر الأحمر ، فيستفيد من هذه الرخصة .
ولا شك أن المكلف لا يعرف الحكمة من حل صيد البحر وتحريم صيد البر للمحرم إلا أنه يمتثل للابتلاء وحكم الله تعالى ، لكن لا يخفى أن نلحظ أن المسافر عبر البحر يحتاج لطعام ، وسفره عبر البحر قد يتنفذ مخزونه من الطعام ، فيكون بحاجة لصيد البحر حتى يقتات عليه ، فكانت تلك الرخصة بمثابة استظهار مراعاة الشريعة لحال المكلفين وتغير ظروفهم بحسب المكان والزمان والأحوال ، ما يجزم بأن الشريعة الإسلامية قد راعت هذه الظروف في كل مسألة صغرت أم كبرت ، على وجه دقيق ، وما كان ربك نسيا .
وتأكد هذا المعنى بعطف السيارة على التمتع بطعامه ، بما يحض على أن يتزود المحرم بطعام البحر ويحتفظ به مملحا حتى لا يفسد ،ويطعم من حوله من الناس، وهو ما يدل على توسيع دائرة الإباحة في صيد البحر ، قال ابن عاشور "السيارة" : (الجماعة السائرة في الأرض للسفر والتجارة، مؤنث سيار، والتأنيث باعتبار الجماعة)[1260] ، قال تعالى (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ) [يوسف:19] ، وهي إشارة تتضمن بمفهوم المخالفة تحريم التزود بصيد البر إطلاقا ولا حتى إطعامه للناس ، فالمحرم يمتنع عن ذلك كله سواء لنفسه أو لغيره .
لكن يخطر ببالي أن الإحرام لا يمنع من قتال الصائل والمعتدي ، وكذلك الإحرام لا يمنع من صيد المفترسات من البحر ، فالبحر بخلاف البر ، فحيث يمكن تحييد الحيوانات على البر ، فإن تحييد الأسماك متعذر ، فسبحان الله الذي جعل ثمة تشابه في الحكم بين حل قتل المعتدي في الحرم ، وبين حل الصيد للسائر في البحر للمحرم ، فالله يُعلم المسلم متى يجوز له الصيد ، ومتى لا يحل له ، وكيف يميز بين وقت الحل والحظر ، ومكان الحل ومكان الحظر ، وحال الحل وحال الحظر ، بهذا الانضباط الكامل تتحقق التقوى ، وبها يتأهل المسلمون للريادة والسيادة .
وفي قوله (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(96) تكرار تضمن تأكيد علي حرمة صيد البر مادام المسلم لم ينته من مناسك الحج أو العمرة ، أو لا يزال في الحدود المكانية للحرم
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ فَرَأَيْتُ حِمَارًا فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ وَاصْطَدْتُهُ فَذَكَرْتُ شَأْنَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ r وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ وَأَنِّي إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ r أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ)[1261] .
فإن خرج المسلم من الحدود المكانية للحرم المكي أو لم يدخل أصلا ، ولم يكن محرما فله أن يباشر الصيد بنفسه أو بغيره ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ r حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ (إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ)[1262] ، قال الصنعاني (دل على أنه لا يحل لحم الصيد للمحرم مطلقاً، لأنه علل r ردّه لكونه محرماً، ولم يستفصل هل صاده لأجله أولاً، فدل على التحريم مطلقاً، وأجاب من جوّزه بأنه محمول على أنه صيد لأجله r ، فيكون جمعاً بينه وبين حديث أبي قتادة، والجمع بين الأحاديث إذا أمكن أولى من إطراح بعضها)[1263] .
قال صاحب الظلال (هناك خلاف حول تناول المحرم لصيد البر إذا صاده غير المحرم ، كما أن هناك خلافاً حول المعنّى بالصيد ، وهل هو خاص بالحيوان الذي يصاد عادة ، أم النهي شامل لكل حيوان ، ولو لم يكن مما يصاد ومما لا يطلق عليه لفظ الصيد)[1264] ، فإذا امتنع الحاج عن أكل لحم صيد البر خلال فترة إحرامه خرج من دائرة الاختلاف الفقهي، لاسيما وأن حكمة التشريع غير منصوص عليها .
قوله (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ...) (97) كشف للحكمة من النوع الثاني للمحرمات في الإسلام ، أي المقيدة بقيود معينة ، وهي قيد مكاني "البيت الحرام" وآخر زمني "الشهر الحرام" ، وقيد ثالث ظرفي وهو حال "الإحرام لأداء المناسك" وكنى به بقوله " الهدي والقلائد"
قال الطبري (سمّا الله تعالى "البيت" "حرامًا "، لتحريمه إياها أن يصاد صيدها أو يُخْتلى خَلاها أو يُعْضد شجرها)[1265] ، قال رسول الله r " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ وَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إِلَّا الْإِذْخِرَ" [1266]
قال القشيري (حكَم الله سبحانه بأن يكون بيته اليومَ ملجأ يلوذ به كل مُؤمّل ، ويستقيم ببركة زيارته كلُّ حائدٍ عن نهج الاستقامة ، ويظفر بالانتقال هناك كل ذي أرَبٍ)[1267]
قال الرازي (اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها ، هو أن الله تعالى حرّم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم ، فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير ، فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة)[1268] .
قال ابن عاشور (واعلم أن الله حرم الصيد في حالين:حال كون الصائد "محرما" ، وحال كون الصيد من "صيد الحرم" ولو كان الصائد حلالا؛ والحكمة في ذلك أن الله تعالى عظم شأن الكعبة من عهد إبراهيم عليه السلام وأمره بأن يتخذ لها حرمًا كما كان الملوك يتخذون الحمى، فكانت بيت الله وحِماه، وهو حرم البيت محترمًا بأقصى ما يعد حرمة وتعظيما ، فلذلك شرع الله حرمًا للبيت واسعًا وجعل الله البيت أمنًا للناس ، ووسع ذلك الأمن حتى شمل الحيوان العائش في حرمه بحيث لا يرى الناس للبيت إلا أمنًا للعائذ به وبحرمه ، فالتحريم لصيد حيوان البر، ولم يحرم صيد البحر إذ ليس في شيء من مساحة الحرم بحر ولا نهر ثم حرم الصيد على المحرم بحج أو عمرة، لأن الصيد إثارة لبعض الموجودات الآمن) [1269].
قوله (ذَلِكّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي أن بناء الكعبة في أول الأمر كان في واد غير ذي زرع ، ومع مرور الزمان أصبح هذا الوادي فيه من الثمرات والناس والدواب ما يقيم أمة ، وبمجئ الإسلام وقد فرض الحج وفد إليه الناس من كل حدب وصوب لإقامة شعائر الله ، فالله يعلم أن أمة محمد r سوف تملأ هذه البقعة بالإيمان ويقيم النبي r عليها دولة إلى قيام الساعة .
قال الشيخ أبو بكر الجزائري (أي حقق ذلك الأمن والرخاء في وقت لا دولة لكم فيه ولا نظام ليعلمكم أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض من سائر الكائنات وشتى المخلوقات لا يخفى عليه من أمرها شيء ، وأنه بكل شيء عليم فهو الإِله الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه فاعبدوه ، وتوكلوا عليه واتركوا عبادة غيره والنظر إلى سواه)[1270]
قال ابن عاشور (ووجه دلالة جعل الكعبة قياما للناس وما عطف عليها، على كونه تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض، أنه تعالى أمر ببناء الكعبة في زمن إبراهيم، فلم يدر أحد يومئذ إلا أن إبراهيم اتخذها مسجدا، ومكة يومئذ قليلة السكان، ثم إن الله أمر بحج الكعبة وبحرمة حرمها وحرمة القاصدين اليها، ووقت للناس أشهرا القصد منها وهدايا يسوقونها إليها ، فإذا في جميع ذلك صلاح عظيم وحوائل دون مضار كثيرة بالعرب لولا إيجاد الكعبة ، فكانت الكعبة سبب بقائهم حتى جاء الله بالإسلام ، فلا شك أن الذي أمر ببنائها قد علم أن ستكون هنالك أمة كبيرة ، وأن ستحمد تلك الأمة عاقبة بناء الكعبة وما معه من آثارها ، وكان ذلك تمهيدا لما علمه من بعثة محمد r فيهم ، وجعلهم حملة شريعته إلى الأمم، وما عقب ذلك من عظم سلطان المسلمين وبناء حضارة الإسلام)[1271] .
يستبين مما تقدم أن الله عز وجل شرع لنا قِسما من التشريعات الإسلامية لا يُدرك المكلَّف الحكمة منها غير أنها للابتلاء والاختبار ،ولو بحث الفقيه عن حكمتها لعجز ، وإن كان في الإمكان أن يستشف العلة منها بالبحث والقرائن ، فلو سبر الفقيه عن الحكمة من نهي المحرم للحج أو العمرة عن الصيد لأعصاه البحث عن ذلك ، لاسيما وقد أحل الله له صيد البحر ولم يحل له صيد البر ، إذن العلة ليست في مطلق الصيد ، فما الفرق بين صيد البر وصيد البحر ؟ ولو بحثت عن نوع التحريم لوجدته مؤقتا ، بمعنى أن يحرم عليه حال أداء مناسك الحج أو العمرة فقط ، " وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا" ،وفي غير ذلك يجوز له مطلق الصيد ، ولا يخفى أن صيد البر أثناء هذه الرحلة الشاقة والطويلة قد يجلب بعض المشكلات على قوافل الحجاج سيما وأن هذه الحيوان قد تكون ملكا للقبائل المجاورة للطريق فإذا نالتها رماح الحجاج وهم ليسوا أهل البلاد المتاخمة فإن ذلك قد يحملهم على أن يخرجوا عليهم للدفاع عن حيواناتهم وبهائمهم وطيرهم من الغرباء ، وكل ذلك قد يفسد هذه الشعيرة التي لها الأولوية على كل شيء طالما شرع الحاج بها ، قال تعالى " أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ "(العنكبوت/67)، وهذا الأمر غير ممكن حصوله في صيد البحر ، لأن صيد البحر مال مباح لا مالك له ، فيجوز للمحرم من بلده قاصدا مكة على سفينة أن يصطاد من البحر ويستعين به على سفره ، كما تجلت حكمة الله تعالى أن يؤمِّن الحجيج رحلتهم من شواغل الدنيا حتى تؤتي العبادة ثمارها ، إذ في صيد البر من المشقة والتعب ما لا يحتاجه صيد البحر ، ناهيك عن أن الثمرة المرجوة والمقصد الأصلي من ذلك كله أن تكون الكعبة مقصدا للناس ، ومكانا لقيامهم بالدعوة النقية والواضحة ، وهو ما دل عليه قوله " جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ".
وكل ذلك ليس إلا تخرص بهدف الاقتراب من حكمة التشريع التي ليست بمنصوصة ، فإذا لم تكن كذلك فإن حكمة كل التشريعات الربانية هي الامتثال لحكم الله تعالى بمجرد إصابة العلة ، وقد ذكرنا الفرق بين الحكمة والعلة ، قال ابن عاشور (وقد تكون فيه حكم أخرى لأن لام العلة لا تدل على انحصار تعليل الحكم الخبري في مدخولها لإمكان تعدد العلل للفعل الواحد، لأن هذه علل جعلية لا إيجادية، وإنما اقتصر على هذه العلة دون غيرها لشدة الاهتمام بها، لأنها طريق إلى معرفة صفة من صفات الله تحصل من معرفتها فوائد جمة للعارفين بها في الامتثال والخشية والاعتراف بعجز من سواه وغير ذلك ، فحصول هذا العلم غاية من الغايات التي جعل الله الكعبة قياما لأجلها) [1272]
قوله (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (98) كثيرا ما يقرن القرآن – كعادته – (بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة)[1273] ، ومناسبة هذه الآية وذلك العطف أن يبين الشارع جانب التشديد في وجوب الالتزام بتشريعات الإسلام بدقة شديدة لاسيما في الشعائر ، وفي ذات الوقت إظهار جانب الرحمة في حكمة تشريعاته ، وأنها شرعت لاستجلابها ومغفرة الذنوب ، وهذا بكاف لأن يكون رادعا عن انتهاكها من جهة ، ومرغبا في الإقبال عليها من جهة أخرى.
قوله (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)(99) فالواجب إبلاغ الناس بهذه الأحكام ، وإظهار شعائر الله ليتعرفوا على دين الإسلام دون تشويه ، فالآية تتضمن تكليف لمن بلغه هذا التكليف بأن يبلغ غيره ما بُلِّغ به ، يقول رسول الله r (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) [1274] ، فليس ثمة معنى أن يقف البلاغ عند سامع فلا يبلغ من بعده.
قال الشعراوي (فسبحانه جعل البيت أمنا وأماناً ، وهذا إخبار شرعي لا إخبار كوني ، والفرق بين الإخبار الكوني والإخبار الشرعي أن الإخبار الكوني لا بد أن يحدث لأنه لا دخل للناس به ، أما الإخبار الشرعي فهو أمر يجب أن يقوم الناس بتنفيذه ، فإن أطاع الناس الخبر القادم من الله جعلوا البيت آمنا ، وإن أساءوا جعلوه غير آمن) [1275] .
وقد نفت الآية أن يكون للرسول وظيفة أخرى غير البلاغ ، وأوكلت العلم بما في صدور الناس إلى الله تعالى ، ما يعني أن الله وحده سبحانه الذي يطلع على قلوب البشر ، وليس الرسول أو المبلغ بمنقب عن خبايا النفس والضمائر ، يقول السمرقندي يعني (أن الرسول ليس عليه طلب سرائرهم ، وإنما عليه بتبليغ الرسالة ، والله تعالى هو الذي يعلم سرائرهم)[1276] ، فتكليف النبي r بالوقوف على ذلك دون أن ينقب عما في صدور الناس يدل على سماحة الإسلام وأنه كفل حرية الاعتقاد للجميع .
وفي المقابل نجد في التاريخ الكنسي محاكم التفتيش التي ظهرت فى القرن الثانى عشر فى عهد تيودوسيوس وكان أعضاؤها من الرهبان ، كانوا ينقبون عن المخالف لعقيدتهم فيعدمونه ويذيقونه أشد ألوان العذاب [1277] ، وغيرها من المذابح العنصرية والحروب القائمة على الأفكار السامية ....الخ .
المراحل المنهجية للتعريف بالشريعة الإسلامية
قال تعالى (قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ (102) مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
يتميز التشريع الإسلامي بعدة خصائص ، هذه الخصائص تمثل الركائز الأساسية لكل تشريع إلهي ، ولا يمكن تعريف الناس بشريعة رب العالمين دون الإشارة إلى هذه الركائز الأساسية ، والتي تتمثل فيما يلي :-
المرحلة الأولى : معرفة أن الشريعة مبناها علي التمييز بين الخبيث والطيب
المرحلة الثانية : رفع الحرج والنهي عن التكلف والتنطع
المرحلة الثالثة : تصحيح منهجية الاستدلال ونبذ التعصب
المرحلة الرابعة : تحديد مناط المسئولية عن واجب الدعوة
معرفة أن الشريعة مبناها علي التمييز بين الخبيث والطيب
قوله (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (100) جاء نفي المساواة بين الخبيث والطيب بعدما فرغت الآيات من تحريم الخمر والميسر تحريما قاطعا ، وقد عرفت تجارة الخمر بأنها مربحة ، وكذلك لعب الميسر فهو أيسر طرق كسب المال بالحرام ، فلما كان الناس قد ظلوا زمنا يتكسبون من الحرام ، وقد نهى الإسلام كل خبيث ، فإن بعض النفوس قد تتلجلج في الالتزام بالنهي لاغترارهم بكثرة المال االناتج عن التجارة المحرمة ، فعالج الشرع هذه المسألة بأن نفى المساواة بين الخبيث والطيب ، احترازا من تسارع الناس للكسب الحرام ، وأملًا في تدارك الأمر بتوبة لاحقة ، ليعلم العاقل أن الخبيث مهما كثر لن تتغير طبيعته ولن يطهر بكثرته ، بل يظل خبيثا ، حتى لو ألفه عامة الناس .
والأمر بنفي التفرقة بين الخبيث والطيب على عمومه ، كما في قوله تعالى (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف:157]، ، فيشمل إظهار البون الشاسع بين الحلال والحرام ، فالبيع ليس كالربا ، والطيبات من الأطعمة ليست كلحم الخنزير ، والطيبات من الأشربة كاللبن ليس كالخمر ...وهكذا ، لا سيما وأن كثير من الناس كانوا يتعاملون بالربا ، وقد نهى النبي r عن الربا في العام الذي نزلت فيه هذه السورة ، وكان ذلك في حجة الوداع ، فقال r " أَلَا وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ " ... وقال r (وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ) [1278].
يقول اللواء دكتور فوزي طايل «يلحظ الباحث أن فقهاء المسلمين لم يفردوا أبوابًا خاصة بالقيم ؛ لأن القيم الإسلامية هي الدين ذاته ؛ فهي الجامع للعقيدة والشريعة والأخلاق، والعبادات والمعاملات، ولمنهاج الحياة والمبادئ العامة للشريعة ، وهي العُمُد التي يقام عليها المجتمع الإسلامي؛ فهي ثابتة بثبات مصادرها، وهي معيار الصواب والخطأ، بها يميز المؤمن الخبيث من الطيب، ويرجع إليها عند صنع القرارات واتخاذها.. وهي التي تحدث الاتصال الذي لا انفصام له بين ما هو دنيوي وما هو أخروي في كل مناحي الحياة»[1279] ، ولذلك كانت الشريعة معروفة بفعل كل حسن وترك كل قبيح .
ولهذا فلا عذر لأحد في تيمم الخبيث ، وهجر الطيبات ، فالشريعة الإسلامية والخطاب الدعوي مبناه علي استحسان الطيبات ونبذ كل قبيح وخبيث ، ولذلك خوطب أهل الفترة كغيرهم بخطاب الشارع إجمالا ، وإن تعذر خطابهم بالتفاصيل لتحريف التوراة والإنجيل ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِي قَالَ فِي النَّارِ فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ)[1280] ، قال النووي (وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار ، وليس في ذلك مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة ، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة ابراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم )[1281] ، فالنووي يقصد –في شرحه - بلوغ الدعوة لأهل الفترة رغم تحريف التوراة والإنجيل ، أي بلوغ الإسلام لهم بمبادئه وكلياته ، لا تلك الأحكام المحرفة والمبدلة ، فالإسلام يأمر بفعل كل طيب وبترك كل خبيث .
بهذا يُختصر الخلاف في مسألة تمييز المكلف بين الحسن والقبيح حيث يعرفان بالشرع وبالعقل معا ، ولا منافاة بين الأمرين ، فكما أنهما يعرفان بالشرع ولا جدال في ذلك ، فإنهما يعرفان -كذلك - بالعقل ، لاسيما وقد علم عمر بن الخطاب مفاسد الخمر قبل أن ينزل التحريم فقال (اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا)[1282] ، وكثير من الصحابة مثله حرموا على أنفسهم "الخمر" قبل أن ينزل بتحريمها شرع ، وذلك لأنهم علموا ما فيها من مفاسد ترجح على المنافع ، فلم يكونوا بحاجة إلى شرع ينزل بتحريمها لأن عقولهم سبقت إلى معرفة ذلك ، ولذلك جعل الشرعُ العقلَ مناطا للتكليف ، فلولا العقل لسقط التكليف ، ولولا الشرع لكان للناس حجة على الله ، قال تعالى (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء/165) ، وبكلاهما أي "الشرع والعقل" يتحقق مناط التكليف وتقوم الحجة على الناس .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (اتُفِقَ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ إذَا فُسِّرَا بِكَوْنِ الْفِعْلِ نَافِعًا لِلْفَاعِلِ مُلَائِمًا لَهُ وَكَوْنِهِ ضَارًّا لِلْفَاعِلِ مُنَافِرًا لَهُ أَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالْعَقْلِ كَمَا يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ ، وَظَنَّ مَنْ ظَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ الْمَعْلُومَ بِالشَّرْعِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَنَدَبَ إلَيْهَا هِيَ نَافِعَةٌ لِفَاعِلِيهَا وَمَصْلَحَةٌ لَهُمْ ، وَجَمِيعُ الْأَفْعَالِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا هِيَ ضَارَّةٌ لِفَاعِلِيهَا وَمَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِمْ ، وَالْحَمْدُ وَالثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى طَاعَةِ الشَّارِعِ نَافِعٌ لِلْفَاعِلِ وَمَصْلَحَةٌ لَهُ وَالذَّمُّ وَالْعِقَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ضَارٌّ لِلْفَاعِلِ وَمَفْسَدَةٌ لَهُ) [1283] .
ولهذا فقد أفتت مؤسسة الأزهر العلمية بأن العلماء اشترطوا فى لزوم الدعوة لمن بلغتهم أن تبلغهم صحيحة غير مشوهة ، فإذا وصلت مشوهة كانوا معذورين فى عدم الإيمان بها ، وقد نص على ذلك الإمام الغزالى فى كتابه "فيصل التفرقة" فبعد أن ذكر أن أكثر النصارى من الروم والترك فى زمانه ناجون لعدم بلوغ الدعوة إليهم ، قال : بل أقول : حتى الذين بلغتهم دعوة الرسول r مشوهة فعلمهم أهلوهم منذ الصبا أن كذابا مدلسا اسمه محمد ادعى النبوة كذبا فهؤلاء عندى كالصنف الأول ، أى ناجون ، وأما سائر الأمم الذين كذبوا الرسول r بعد علمهم بالتواتر ظهوره وصفاته ومعجزاته الخارقة، وعلى رأسها القرآن ، وأعرضوا عنه ولم ينظروا فيما جاء فيه فهم كفار ، وعلى هذا نقول : إن من لم تبلغه الدعوة أصلا أو بلغته مشوهة أو بلغته صحيحة ولم يقصر فى البحث والتحرى فهو معذور ، أى يرجى له عدم الخلود فى النار ، والحاصل أن الجهل نوعان :- جهل لا يعذر به المسلم الذى نشأ فى مجتمع مسلم ، وجهل يعذر به ، الأول كالجهل بالأركان الأساسية للدين ، والثانى كالجهل بالفروع التى تكون محلا لاختلاف الآراء ، ومنكر الأمور الأساسية كافر، والمقصر فيها دون إنكار مؤمن عاص ، ومنكر الأمور الثانية أو المقصر فيها معذور)[1284] .
ومن هنا نفهم أن قوله تعالى (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) يومئ بأن ثمة المجتمعات غير الإسلامية يعجبها كثرة الخبيث ، وهؤلاء لا يعذر بانتشار الخبث فيهم ، بل كان عليهم أن يعملوا العقل ويتحروا ويبحثوا عن الطيبات ، ولا يغتروا بكثرة الخبيث في مجتمعاتهم ، ولذلك جاء الخطاب بالتقوى في ذيل الآية لمن ناداهم الله تعالى بأنهم (أُولِي الْأَلْبَابِ) أي العقول ، (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
ورغم أهمية العقل في تمييز الخبيث من الطيب وفي معرفة الشرع ، فإن العقول قد تتفاوت ، ولذلك كان الشرع يضبط عمل العقل حتى لا يضل ، قال العلماء (والعقل الصريح يوافق النقل الصحيح، وعند الإِشكال يقدمون النقل ولا إِشكال؛ لأن النقل لا يأتي بما يستحيل على العقل أَن يتقبله ، وإنما يأتي بما تحار فيه العقول، والعقل يصدق النقل في كلِّ ما أَخبر به ولا عكس ، ولا يُقللون من شأن العقل؛ فهو مناط التكليف عندهم، ولكن يقولون: إِنَّ العقل لا يتقدم على الشرع- وإلَّا لاستغنى الخلق عن الرسل- ولكن يعمل داخل دائرته، ولهذا سُموا أَهل السُّنَّة لاستمساكهم واتباعهم وتسليمهم المطلق لهدي النَبِيِّ r)[1285].
ولذلك اختتمت الآية برجاء الفلاح (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فإعمال العقل يوصل إلى الشرع ، والعمل بالشرع يحقق الفلاح في الدارين ، أي في الدنيا بإصابة المصلحة واجتناب المفسدة ، وفي الآخرة بالفوز بالجنة والنجاة من النار .
معرفة أن الشريعة نزلت لرفع الحرج والنهي عن التكلف والتنطع
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ * مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (101-103)
فالعبادة في الإسلام لها مفهوم خاص ، فالأصل في العبادة المنع ، فلا يتكلف المسلم عبادة لم ينزل بها أمر إلهي ، كذلك فإن الأصل في العادات الإباحة حتى يرد دليل بالتحريم ، والاستفصال عن الحلال والحرام قبل أن ينزل التشريع تكلف مذموم ، لأن العمل بهاذين الأصلين كافيا لتحقيق معنى العبودية لله وتنطوي تحتها كل العادات .
ففي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (101) توجه الخطاب للمؤمنين ناهيا لهم عن السؤال فيما لم يُحرَّم استعجالًا لتفصيل الحكم بشأنه رغبة في تطبيق الحكم السابق بنفي التسوية بين الخبيث والطيب ، فسألوا عنهما استفصالا لتعجل العمل بالشريعة ، لكن الأمر ليس على هذا المنوال ، قال رسول الله r (إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ"[1286]، ذلك أن الله تعالى قال (ما فرطنا في الكتاب من شيء) أي (ما نفرط لأن القرآن كان ينزل بعد ذلك كما كان ينزل قبله فكانوا ممنوعين عن الاستعجال بالسؤال عما أخبر الله تعالى أنه لا يفرط فيه)[1287] .
فلو تربص الصحابة أمر الله لما ظهرت الحاجة لأن يسألوا عن ماهية الخبيث والطيب ، وقد فصل الله ما حرم عليهم ، قال تعالى (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (الأنعام/119) ، ولذلك كان النبي r حريص كل الحرص على أن يتعلم الصحابة أحكام دينهم أولًا بأول ودون أن تضيع أوقاتهم وجهودهم سدى بكثرة السؤال وبلا فائدة ، فعن المغيرة قال (كَانَ رسول الله r يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ)[1288] .
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ (نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ)[1289]، قال تعالى (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (ص/86)، جاء في الشرح (التكلف أصله جميع ما لا منفعة فيه أو ما لم يؤمر به بمشقة ، فإن كان فيه منفعة له أو لغيره أو فيما أمر به خرج عن الذم)[1290].
وكثرة السؤال بغير حاجة يفضي إلى التنطع ، فقد روي عنه r (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا) ، قال الخطابي: (المتنطع المتعمق في الشيء ، المتكلف البحث عنه)[1291] ، قال النووي (أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم) [1292]، قال ابن الجوزي (التَّنطُّعُ التَّعَمُّقُ والغُلُوُّ والتَّكلُّف لما لم يؤمربه)[1293] .
قوله (..وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) ( 102) قال ابن عطية (إذا نزل القرآن بشيء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذٍ إن سألتم عن تفصيله وبيانه بين لكم وأبدى)[1294] ، أي أن السؤال المستحب هو السؤال عن تفصيل ما أنزل ، وليس السؤال عما لم ينزل به قرآن ، فهنا يكون السؤال بمعنى طلب مزيد من البيان لمساعدة الأفهام على التعلق بكتاب الله والعمل بأحكام الله ، فإن الاقتصار في العلم على ما يكلف به المرء يغني عما سواه ، لاسيما وأن فتح باب السؤال بغير حاجة لفتوى ودون ضابط يؤدي إلى تعطيل البلاغ ، حيث ينشغل الرسول بالرد عليهم ، وفي البيان ما يغني عن السؤال ، ولهذا لم يبن الفقهاء نظرياتهم على الافتراض ، لأن الفرضية لا يمكن علاجها بحلول قبل حصولها فعلا ، وإلا لما كانت هذه الحلول لتتناسب مع الفرضيات المستقبلية ، وإنما عالجوا كل مسألة بذاتها حين وقوعها ، فكانت حلولهم تتناسب مع الواقعة والنازلة تماما .
قوله (..عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) ( 102) أي أن الله عفا عما يحدث به المرء نفسه من أسئلة لا يعلم إجابتها ، وحليم على من جهل بالاستغراق في ذلك ، فعن أبي هريرة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ)[1295].
فمن التنطع السؤال عما لم يبين الشرع ماهيته ، ولا يبنى عليه عمل ، وإن أوجب الشرع الإيمان به ، ذلك أن ماهيته تفوق قدرات البشر ، فالاسترسال في السؤال عن هذه الماهية قد يفضي إلى ما لا يحمد عقباه ، ففي الحديث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ) [1296] ، ولا يخفى أن الروح التي بين جنبي الإنسان لا يدرك ماهيتها إلا الله ، فإذا عجز الإنسان عن إدراك ماهية نفسه وروحه التي في جسده ، فكيف به أن يدرك خالقها ، فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ r فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ سَلُوهُ عَنْ "الرُّوحِ" وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَسْأَلُوهُ لَا يُسْمِعُكُمْ مَا تَكْرَهُونَ ، فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِمِ حَدِّثْنَا عَنْ "الرُّوحِ" فَقَامَ سَاعَةً يَنْظُرُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ ، فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ حَتَّى صَعِدَ الْوَحْيُ ثُمَّ قَالَ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء 85)[1297] .
قوله ( قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) ( 102) أي أن السؤال لابد أن يكون بغرض العمل بحكم الله ، دون تنطع أو تكلف ، وإلا لما قدر المتنطع على التشديد في الأمر ، فيكفر به بعد أن طلبه إيماء أو إلحاحا ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ"[1298] .
والتنطع كما يكون بكثرة السؤال فإنه كذلك يكون بالإلحاح دون سؤال ، وقد يكون السؤال تصريحا أو تعريضا ، فعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ r اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ r فِيهَا لَيَالِيَ حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ مَا زَالَ بِكُمْ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ"[1299] .
فإذا كان التنطع يعني التكلف ، فإن من أبشع صوره كثرة الأسئلة التي تعطل عن العمل ، أو قد تؤدي إلى التكاسل عن العمل ووضع العراقيل التي تحول دون إنجاز العمل فلا ينجز ، وقد يؤدي بهم التنطع إلى الكفر ، كما حصل لبني إسرائيل في شأن البقرة ، فما كادوا أن يمتثلوا أمر الله بذبحها ، قال ابن القيم (لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يُعلم وجه الحكمة فيه بالإنكار ، فذلك نوع من الكفر ، فإن القوم لما قال لهم نبيهم "إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة" قابلوا هذا الأمر بقولهم "أتتخذنا هزوا" فلما لم يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألوه عنه قالوا : (أتتخذنا هزوا) ، وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله ، فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك ولم يكن هو الآمر به ، ولو كان هو الآمر به لم يجز لمن آمن بالرسول أن يقابل أمره بذلك ، فلما قال لهم : "أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين" فلما تيقنوا أن الله سبحانه أمره بذلك أخذوا في التعنت بسؤالهم عن عينها ولونها ، فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة عن عينها ، فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال توقفوا في الامتثال ولم يكادوا يفعلون)[1300]، قال ابن جرير (لو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم)[1301].
والسؤال بغرض الجدال وتعطيل العمل هو عادة المنافقين الذين استغلوا أن النبي r أتاح لهم الفرصة لمبادرته بالسؤال بقوله (سلوني) وقوله (فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا) فأكثروا من السؤال في غير حاجة ليشغلوا رسول الله r عن البلاغ ، ليتعطل العمل بالدين لأجل التنظير والتقعيد والاستفصال حتى السأم ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ r اسْتِهْزَاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ مَنْ أَبِي وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ أَيْنَ نَاقَتِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَةِ كُلِّهَا" [1302] .
وعن ابن عباس قال : "كان قوم، أي من المنافقين، يسألون رسول الله استهزاء فيقول الرجل تضل ناقته:"أين ناقتي؟"، ويقول الرجل:"من أبي"، ويقول المسافر:"ماذا ألقى في سفري؟"فأنزل الله فيهم هذه الآية "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ" [1303]
فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ r خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا قَالَ فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ r وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ فَقَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِي قَالَ فُلَانٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)[1304] ، فالغرض من سؤاله المزاح أو الاستهزاء .
وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r خَرَجَ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّى لَهُمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ وَذَكَرَ أَنَّ قَبْلَهَا أُمُورًا عِظَامًا ثُمَّ قَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ r أَنْ يَقُولَ سَلُونِي فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَبُوكَ حُذَافَةُ فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ r مِنْ أَنْ يَقُولَ سَلُونِي بَرَكَ عُمَرُ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ r حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَوْلَى وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ) [1305] .
وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ r عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ غَضِبَ وَقَالَ سَلُونِي فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي قَالَ أَبُوكَ حُذَافَةُ ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي فَقَالَ أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ r مِنْ الْغَضَبِ قَالَ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"[1306].
قوله (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (103) أي لما نهي الله عن التنطع في الدين ، الذي قد يؤدي إلى التشديد في الحكم وتحريم ما أحله الله ، وهو ما أدى بأهل الجاهلية أن حرموا على أنفسهم أشياء أحلها الله لهم ، لا لشيء إلا إرضاءً للشياطين التي يعبدون ، فلما جاء الإسلام نفي ما اتخذه أهل الجاهلية من محرمات لم يشرع الإسلام بتحريمها ، ونهي أن يقلد المسلمون غيرهم في شعائر مخصوصة وتقاليد باطلة ليس فيها من الله شرع ، للتأكيد على أن شعائر الإسلام توقيفية ، فالأصل في العبادة هو الحظر [1307]، فلا يُعبد الله تعالى بشيء لم يشرعه ، فعلى المسلم أن يتوقف حتى يعلم حكم الله ، ولا ينساق وراء الجاهلين
فكانت إجابة الإسلام عن عبادة أهل الجاهلية والأوثان مختصرة تغني المسلمين عن السؤال عن كل مظهر من مظاهر عبادتهم ، فليس في الإسلام شيء من أمور الجاهلية جملة ولا تفصيلا .
قال الشافعي «كان أهل الجاهلية يبحرون البحيرة ، ويسيبون السائبة ، ويوصلون الوصيلة ، ويحمون الحام ، وهذه من الإبل ، والغنم "[1308]، ذلك أن السدنة - الذين يقومون على خدمة الأصنام[1309] - كانوا يفترون على الله الكذب ، فيحرمون على البشر من بهائم الأنعام تلك التي لها أوصاف معينة إرضاءً للشياطين ، كما في قوله (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) [4/119] .
فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ "الْبَحِيرَةُ" الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ
وَ"السَّائِبَةُ" كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ) [1310]
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ
وَ"الْوَصِيلَةُ" النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الْإِبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ ،
وَ"الْحَامِ" فَحْلُ الْإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنْ الْحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الْحَامِيَ)[1311] .
وقال ابن حجر (قوله "البحيرة" (التي يمنع درها[1312] للطواغيت) أي : (الأصنام) فلا يحلبها أحد من الناس ، والبحر الشق كانوا يشقون أذن الناقة نصفين إذا نتجت خمسة أبطن آخرها [1313]، و"البحيرة" فعيلة بمعنى مفعولة وهي التي بحرت أذنها أي خرمت[1314] ، ثم لا تذبح ولا تركب ولا يشرب لبنها)[1315] .
وقال ("والسائبة"كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء قال أبو عبيدة كانت السائبة من جميع الأنعام وتكون من النذور للأصنام فتسيب فلا تحبس عن مرعى ولا عن ماء ولا يركبها أحد)[1316] ، قال ابن عاشور (في تسييب الحيوان إضرارا به إذ ربما لا يجد مرعى ولا مأوى ، وربما عدت عليه السباع، وفيه تعطيل منفعته حتى يموت حتف أنفه ، وما يحصل من در بعضها للضيف وابن السبيل إنما هو منفعة ضئيلة في جانب المفاسد الحافة به) [1317].
و(الوَصيلة) من الغَنَم ، قال ابن إسحق هي الشاة إذا أنْأمت عَشْر إناث مُتَتابِعَات في خمسة أبْطُن ليس فيهن ذكر جعلت وصيلة فقالوا قد وصلت فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث ،وقال أبو عُبَيْدة كانت العرب إذا ولَدت الشاة ذكراً قالوا هذا لآلِهَتنا فيُتَقرّبون به وإذا ولدت أنثَى قالوا هذه لنا وإذا ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصَلت أخاها فلم يذبحوه لمكانها)[1318].
و(الحام) فحل الإبل يضرب العشر من الإبل فإذا قضى ضرابه جدعوه للطواغيت فأعفوه من الحمل فلم يحملوا عليه شيئا فسموه الحام[1319] ، و"كانوا يقولون في الحام : الفحل إذا ضرب في إبل الرجل عشر سنين فيخلى ، وقيل تنتج له عشرة حام ، أي (تحمي ظهره فلا يحل أن تركب)[1320]
مما تقدم يتبين أن الإسلام أبطل ما كان يفعله أهل الجاهلية من أمور بقصد إرضاء الشياطين وسندتهم مما يتنافى مع عقيدة الإسلام ، وفي الآية تفصيل لحكم سبق وأن ورد إجمالا ، وهو الكفر بالطاغوت ، قال تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) (البقرة/256) ، وكان في الإجمال ما يغني عن التفصيل ، بيد أن بعض الصحابة تكلفوا في المسألة فأعادوا السؤال على رسول الله r عن حكم هذه الأمور فنزلت هذه الآية لتجيب عما سألوا عنه ، وقد أكثروا من السؤال حتى نهاهم الله عن ذلك ، فكانت الحاجة داعية لأن ينزل حكمها تفصيلا ، ذلك أن تفصيل الحكم الوارد بشأنها إجمالا ما يغني عن السؤال .
فعن ابن عباس في قوله " لا تسألوا عن أشياء " قال : يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك : ما جعل الله من كذا ولا كذا)[1321] ، ومقتضى ذلك أنهم لو أعملوا العقل في فهم النصوص وتدبروا في كتاب الله لوجدوا حكم هذه الأشياء وارد فيه ، كما في قوله تعالى (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) ، فيتبين أن كل ما يفتريه الذين كفروا على الله هو محض كذب ، والقاعدة الراسخة عن سلف الأمة أن مصدر التلقي عن الله هو القرآن والسنة لأنه لا أحد أعلمُ بالله وما يجب له وما ينزه عنه من الله، ولا أحد بعد الله أعلمُ بالله من رسول الله r ولهذا كان منهج السلف الصالح ومن تبعهم في تلقِّي العقيدة مقصورًا على الكتاب والسنة)[1322] .
المرحلة الثالثة للتعريف بالشريعة الإسلامية
(تصحيح منهجية الاستدلال ونبذ التعصب والجمود)
تأتي هذه المنهجية بعد أن وضع الإسلام معيارا دقيقا للتفرقة بين الخبيث والطيب ، فجعل العقل مؤهلا لمعرفة ذلك وقبل أن ينزل الشرع ، وفي ذات الوقت يتربص لمعرفة حكم الله دون تنطع أو تكلف ثم تأتي المرحلة الثالثة لتعريف أهل الكتاب بمنهجية التشريع الإسلامي ، بتصحيح منهجية الاستدلال عندهم ، وأول خطوة لهذا التصحيح نبذ التعصب والجمود ، ويتحقق ذلك بالتخلص من قيود التبعية القبلية والعائلية ، والتحرر في البحث والمعرفة واستسقاء المعلومة ، وما يستتبعه من طلاقة الفهم والاهتداء .
ففي قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ)(104) دعوة لتصحيح منهجية الاستدلال عند غير المسلمين ، بتحذيرهم من التقليد الأعمى لأسلافهم ، وعادات أبائهم ، دون تعقل لأضرارها وعدم منفعتها ، ففي قوله (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) قيل أي (في تحليل الحَرْثِ والأنعامِ ، وبيان الشرائع والأحكام)[1323] ، فهذا هو السياق الذي نزلت فيه بذم حال الخلف في اتباع السلف ، كما في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام .
فقولهم (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا) يعني أن منهجيتهم في الاستدلال تقتصر على الاتباع الأعمى لعادات وأخلاق الأباء ، فهم مكتفون بذلك ، ولا يريدون إعمال العقل في غير ذلك ، قال الرازي (التقليد لكي يكون محمودا ، فهذا لا يتأتى إلا بعد إعمال العقل ، حيث يدور عمل العقل في النظر إلى حجة المقتدى به ، فإن لم يكن له حجة فلا هدى في اتباعه) ، وقال (واعلم أن الإقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي ، وإنما يكون عالماً مهتدياً إذا بنى قوله على الحجة والدليل ، فإذا لم يكن كذلك لم يكن عالماً مهتدياً ، فوجب أن لا يجوز الإقتداء به)[1324] ، ذلك أن (الشرع عقل من خارج ، والعقل شرع من داخل ، وهما متعاضدان بل متحدان)[1325] .
قال ابن القيم "إن أعقل الخلق على الإطلاق الرسل وأتباعهم بعدهم أعقل الأمم وأهل الكتاب والشرائع الكبار أعقلهم ، وأعقل هؤلاء المسلمون وأعقل المسلمين أصحاب رسول الله والتابعون لهم بإحسان وأهل السنة والحديث أعقل الأمة بعدهم على الإطلاق ، والبرهان القاطع على هذا أنه قد ظهر على أيدي الرسل من العلم النافع والعمل الصالح ومصالح الدنيا والآخرة ما لم يظهر مثله ولا قريب منه ولا ماله البتة نسبة بوجه من الوجوه على أيدي غيرهم من العقلاء ومن تدبر سيرتهم في أنفسهم وفي خاصتهم وفي العامة وصبرهم وزهدهم في الدنيا ورغبتهم في الله وما عنده واشتمالهم من الأخلاق على أزكاها ومن الشيم على أرضاها وأنهم أصدق الخلق وأبرهم قلوبا وأزكاهم نفوسا وأعظمهم أمانة وأكرمهم عشرة وأعفهم ضمائر وأطهرهم سريرة لم يشك أنهم أعقل خلق الله على الإطلاق ، ولا ريب أن كل من كان إليهم أقرب كان حظه من العقل أوفر والعلوم والأعمال والسيرة والدلائل على ذلك ، وأما أعدائهم وخصومهم فقد ظهر من نقصان عقولهم ما كان الحيوان البهيم أحسن به حالا منهم ..)[1326] .
قوله (..أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ)(104)) أي رد القرآن على قولهم ذاك بتخطئتهم ، ذلك أن الاتباع دون تبصر هو إلقاء للنفس إلى التهلكة ، والإسلام أراد أن يحرر الناس من ذل الانقياد ورق التبعية لأباء والأهل والعشيرة ، لكي يكون قرار المرء في عقيدته وأخلاقه ومعاملاته نابع من إدراك تام لماهية الأشياء ، وتمييز حقيقي للخبيث من الطيب ، فأسمي ما يملكه المرء وهو حرية الاعتقاد ، فليس عليه أن يتبع الدين الذي يتبعه أبيه ، وليس عليه أن يقلده فيما يفعل وينتهج نهجه في الحياة ، بل عليه أن ينتهج لنفسه طريق الهداية استقلالا عن المؤثرات الخارجية التي تحيط به ومن بينها أهله وقومه .
يقول النبي r (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ) [1327] ، قال المناوي قوله (الفطرة) اللام للعهد والمعهود فطرة الله التي فطر الناس عليها أي الخلقة التي خلقهم عليها من الاستعداد لقبول الدين والتأبى عن الباطل)[1328] ، قال ابن قتيبة (يريد أنه يولد على الإقْرار بالله وهو الميثاق الذي أخذَه الله عليهم حين أخرجهم من ظهر آدم أمثال الدر وأشْهَدَهم على أنْفسهم ألسْتُ بربّكم قالوا بلَى، فالناس جميعاً وإن اخْتلفوا في أديانهم ونِحَلهم عالمون بأنَّ الله عزَّ وجلَّ خالقهم والفِطْرة ابْتداء الخِلْقة ، ومنه قول الله تعالى الحَمْدُ لله فاطِر السموات والأرض أي مبتدئهما) [1329]، وقوله (جدعاء) أي مقطوعة الأذن ، ما يعني أن التحيز لعادات الجاهلية هو أمر مخالفة لفطرة الإنسان التي خُلق عليها ، وهي الإسلام ، يعني أن البهيمة أول ما تولد تكون سليمة من الجدع ، وخالية من العيوب حتى يحدث فيها أربابها النقائص ، كذلك الطفل يولد على الفطرة ولو ترك عليها لسلم من الآفات إلا أن والديه يزينان له الكفر ويحملانه عليه) [1330] ، قال ابن الأثير (والمعنى أنه يُولد على نوع من الجِبِلَّة والطبع المُتَهِّيء لِقَبُول الدِّين فلو تُرِك عليها لاسْتَمرّ على لُزومها ولم يُفارقها إلى غيرها ، وإنما يَعْدل عنه مَن يَعْدِل لآفَةٍ من آفات البَشَر والتَّقْلِيد ثم تمثَّل بأولاد اليهود والنصارى في اتِّباعهم لآبائهم والمَيْل إلى أدْيانِهم عن مُقْتَضى الفِطْرة السَّليمة) [1331]
قال الدكتور سفر الحوالي (كل الروايات تدل على أن كل مولود يولد على الإسلام وعلى التوحيد؛ تحقيقاً للعهد الذي أخذه الله تبارك وتعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف:172] ، فكل إنسان ميسر له أن يهتدي إلى الجواب؛ وهو أن يعرف أن الله خلقه لعبادته، وأن معرفة الله هي أعز ما يسعى إليه كل مخلوق، وهي الغاية التي ليس بعدها غاية أبداً، لكن الذي حدث هو الابتلاء من الله تبارك وتعالى وهذا ما دل عليه القرآن كما قال الله تبارك وتعالى" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً" [الإنسان:3] ، فهو تبارك وتعالى مع بيانه لحكمة الوجود، ومع أنه فطر الناس على الهداية والاهتداء إليه؛ لكنه جعل مكان الابتلاء ومحل الابتلاء "إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً" [الإنسان:3] )[1332] ، إذن مناط الابتلاء هو اتباع الأبناء لسنن الأباء بتعصب أعمى وجمود ممقوت ، فإما ذاك أو تتبع الحق والتحري عنه سواء أكان مصادفا لسنن آبائهم أو مخالفا لها ، فالحق أحق أن يتبع ولو خالفه الأكثرون والأقربون.
المرحلة الرابعة للتعريف بالشريعة الإسلامية
(تقرير أن المسئولية فردية ومجتمعية في آن واحد)
ففي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (105) استنبط الفقهاء والمفسرون وأهل الحديث من هذه الآية دليل قاطع على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو شرط من شروط الاهتداء ، وأن من يتكاسل أو يتخاذل عن أداء هذا الواجب فإنه ليس من المهتدين ، فإذا قام المكلف بواجب الدعوة إلى الله تعالى ، وقام بالبلاغ فإنه لن يسأل عن الإجابة ، ولن يضره أقبل الناس دعوته للإيمان بالله أم أبوا متى لم يقصر هو في البلاغ ، فإن فعل ذلك فهو من المهتدين ، وإثم من خالفه عليه وحده ، وإن لم يفعل فهما في الإثم سواء ، أي الذي خالف والذي سكت ، "فالساكت عن الحق وإنكار المنكر شيطان أخرس"[1333] .
عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ قَالَ قُلْتُ كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ أَيَّةُ آيَةٍ قُلْتُ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) قَالَ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالَ بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا يَدَانِ لَكَ بِهِ فَعَلَيْكَ خُوَيْصَةَ نَفْسِكَ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ)[1334].
وعَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ كَانَ رَجُلٌ قُتِلَ مِنْهُمْ بِأَوْطَاسٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r يَا أَبَا عَامِرٍ أَلَا غَيَّرْتَ؟ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ r وَقَالَ "أَيْنَ ذَهَبْتُمْ؟" إِنَّمَا هِيَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ مِنْ الْكُفَّارِ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)[1335]، أي أن الصحابي أبو عامر الأشعري النبي r بعدما تأخر عنه ، فلما سأله النبي عن سبب تأخره ، احتج أبو عامر بهذه الآية (يا أيها الذين آمنوا أتى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) ، يعني أنه فهم منها أن الاكتفاء بالنفس وعدم التدخل في شؤون الآخرين كاف للاهتداء ، فصوب النبي r فهمه بقوله "أين ذهبتم؟" يعني أيعقل هذا الفهم البعيد عن النص ، والصحيح "إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم" ، ومن لوازم الهداية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وهذا المعنى فهمه أبو بكر كذلك فيما روي عن قيس بن أبي حازم قال : سمعت أبا بكر يقول : يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) وإنا سمعنا رسول الله r يقول : (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه)[1336]
وعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم) وَإِنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ لَا يُغَيِّرُونَهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِهِ)[1337] .
وليس المقصود من ذلك تغيير المنكر بكل وسيلة ولو كانت غير ممكنة ، لقول النبي r (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)[1338]، وإنما المقصود ما كان في الإمكان وفي حدود المقدور ، قال ابن تيمية (فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى ، لكن إن كان منه عجز ولا حاجة إليه أو خيانة عوقب على ذلك)[1339].
ففي قوله (عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ) قال ابن تيمية (أَيْ الْزَمُوهَا وَأَقْبِلُوا عَلَيْهَا، وَمِنْ مَصَالِحِ النَّفْسِ فِعْلُ مَا أُمِرَتْ بِهِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ) [1340].
وفي قوله (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ) قال ابن تيمية (وَإِنَّمَا يَتِمُّ الِاهْتِدَاءُ إذَا أُطِيعَ اللَّهُ وَأُدِّيَ الْوَاجِبُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَغَيْرِهِمَا) ، وقال (والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضال)[1341]
قال ابن تيمية ( فِي الْآيَةِ فَوَائِدَ عَظِيمَةً :-
" أَحَدُهَا " أَلَّا يَخَافَ الْمُؤْمِنُ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوهُ إذَا كَانَ مُهْتَدِيًا
"الثَّانِي" أَلَّا يَحْزَنَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَجْزَعَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ مَعَاصِيَهُمْ لَا تَضُرُّهُ إذَا اهْتَدَى وَالْحُزْنُ عَلَى مَا لَا يَضُرُّ عَبَثٌ وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ مَذْكُورَانِ فِي قَوْلِهِ : (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)
"الثَّالِثُ" أَلَّا يَرْكَنَ إلَيْهِمْ وَلَا يَمُدَّ عَيْنَهُ إلَى مَا أُوتُوهُ مِنْ السُّلْطَانِ وَالْمَالِ وَالشَّهَوَاتِ كَقَوْلِهِ (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) فَنَهَاهُ عَنْ الْحُزْنِ عَلَيْهِمْ وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُمْ فِي آيَةٍ وَنَهَاهُ عَنْ الْحُزْنِ عَلَيْهِمْ وَالرَّهْبَةِ مِنْهُمْ فِي آيَةٍ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَأَلَّمُ عَلَيْهِمْ وَمِنْهُمْ إمَّا رَاغِبًا وَإِمَّا رَاهِبًا
"الرَّابِعُ" أَلَّا يَعْتَدِيَ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي بِزِيَادَةِ عَلَى الْمَشْرُوعِ فِي بُغْضِهِمْ أَوْ ذَمِّهِمْ أَوْ نَهْيِهِمْ أَوْ هَجْرِهِمْ أَوْ عُقُوبَتِهِمْ ،..كَمَا قَالَ : (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ) الْآيَةَ..وَقَالَ (فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْآمِرِينَ النَّاهِينَ قَدْ يَتَعَدَى حُدُودَ اللَّهِ إمَّا بِجَهْلِ وَإِمَّا بِظُلْمِ وَهَذَا بَابٌ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِنْكَارُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَالْعَاصِينَ .
"الْخَامِسُ" أَنْ يَقُومَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مِنْ الْعِلْمِ وَالرِّفْقِ وَالصَّبْرِ وَحُسْنِ الْقَصْدِ وَسُلُوكِ السَّبِيلِ الْقَصْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) .
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ تُسْتَفَادُ مِنْ الْآيَةِ لِمَنْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَفِيهَا الْمَعْنَى الْآخَرُ ، وَهُوَ إقْبَالُ الْمَرْءِ عَلَى مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا ، وَإِعْرَاضُهُ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ : (مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ)[1342]، فعلى المسلم أن يدعو الناس لدينه وليس عليه أن يتكلف تحقيق النتائج ، فتكلف ذلك نوع من التنطع المنهي عنه ، بل ويخذله عن المضي قدما في الدعوة إذا ما عزف عنه الناس وتركوه وحده .
استمالة النصارى للإسلام بالإنصاف ودحض الشبهة ثم العتاب
وفيه مبحثان :-
المبحث الأول : الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في إطار السياسة الشرعية
المبحث الثاني : غلو أهل الكتاب في طلب المعجزات وتنطع الحواريين
الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في إطار فقه السياسة الشرعية
قال تعالى ( يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)
لما كان الشرع قد نهى عن موالاة أهل الكتاب ، وشدد في النهي وبشع صورته ، بأن جعل من يوالهم أنه منهم ، كما في قوله (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (51) ، وفي ذات الوقت نهت أن يكون بغض قومٍ حاملًا لجورهم ، وعدم القسط معهم ، لاسيما كفار مكة الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام ، كما في قوله (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) (2)، وقوله (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا)(8)، من هنا وجب الإنصاف مع أهل الكتاب دون موالاتهم ، وذلك بمنحهم شيئا من الجدارة الائتمانية عند المعاملة متى كانوا أهلا للصحبة وللائتمان ، لاسيما وقد أجازت السورة في أولها الزواج من الكتابيات وأكل طعام أهل الكتاب ، (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) (5) .
ففي هذا الموضع من السورة أوضح الآيات أنه لا غرو كذلك أن يتم التعامل مع أهل الكتاب في الأمور المدنية والتجارية واستئمانهم ، لما لا وقد صرحت سورة آل عمران بأن منهم من هو أهل لذلك وإن كان منهم ليس بأهل للأمانة ، كما في قوله (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) (آل عمران 76) ، أما في هذا الموضع من السورة فقد منحت لهم الشريعة الإسلامية قدرا من الاعتبار في شأن الشهادة علي الوصية في الأموال ، وذلك حينما يضطر المسلم إلى السفر إلى غير دار الإسلام حيث لا يوجد مع المتوفى مسلم يكون أولى بالائتمان على وصيته ، ويكون بصحبة أهل الكتاب ، فدلت الآيات على جواز استئمان أهل الكتاب على الوصية في الغربة والسفر ، وهو ما يفتح بابا واسعا لفقه التعامل معهم في غير دار الإسلام ، لكنها رتبت جدارتهم الائتمانية فجعلتها تالية لدرجة أولياء المسلمين عند وقوع التعارض ، وقد تناولت الآيات هذه المسألة بطريق القضية المعروضة والوقائع المسرودة ، فكان في تطبيق هذه المسألة على واقعة معينة هو ما يعين علي الاستشهاد بحقيقة الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب على جواز التبادل التجاري الدولي مع المعاهدين واستئمانهم على التجارات والأموال عبر الحدود .
ففي قوله (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ..) (106) خطاب للذين آمنوا عندما يتاجرون في أموالهم فيخرجون بها خارج ديار الإسلام ، وليس معهم صحبة إلا قليلا ، وقد لا تكون لهم صحبة من المسلمين ، وأثناء ذلك يخاف أن يَضيع ماله أو يُضيِّع حقوق الناس الذين استأمنوه عليها ، تلك هي مفترضات المسألة محل البحث
ووفقا لهذه المفترضات وجب علي من يخشى الموت أن يحرر وصية واجبة يبين فيها حقوق الناس في المال الذي معه ، ويبين حقوقه لدي شركائه ، ويبين ما عليه من دين لدائنيه ، وما له من أموال لدي المدينين ، وكل ذلك يستوجب الإشهاد والتوثيق ، وليس في الإمكان أن يذهب لأهل العدالة إلا إذا صادف في السفر صحبة اثنين منهم فيكفيانه ذلك ، لكن إن لم يصادف أحدا منهم ، فليس عليه أن يتكلف أو يتعسف ، وتلك هي الإشكالية محل البحث .
هنا رخصت الشريعة الإسلامية له أن يستأمن على وصيته من هم أقل جدارة من المسلمين ، ولا شك أن شهادة المسلم تعلو شهادة غير المسلم في الشئون الخاصة بالمسلمين كالوصية ، والآية لم تحدد من هم أقل جدارة لكن المفسرين فسروها على أنهم أهل الذمة وغيرهم من أهل العهد والأمان ، وهذا هو التصور الإسلامي لعلاج هذه المشكلة .
قال ابن الجوزي في قوله (ذوا عدل منكم) يعني عدلين من المسلمين ، وعلم أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين ويحضره الموت فلا يجد من يشهده من المسلمين فقال (أو آخران من غيركم) أي من غير أهل ملتكم فالذميان في السفر خاصة إذا لم يوجد غيرهما) [1343]
قال ابن القيم (القول بموجب هذه الآية هو الحق الذي لا معدل عنه نصا وقياسا ومصلحة ، قال شيخنا رحمه الله وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضع هو ضرورة يقتضى هذا التعليل قبولها ضرورة حضرا وسفرا)[1344]
قال الواحدي (نزلت هذه الآيات في قصّة تميمٍ وعديٍّ وبُديلٍ ، خرجوا تجاراً إلى الشَّام ، فمرض بُديل ودفع إليهما متاعه ، وأَوصى إليهما أن يدفعاه إلى أهله إذا رجعا ، فأخذا من متاعه إناءً من فِضَّة ، وردَّا الباقي إلى أهله فعلموا بخيانتهما ورفعوهما إلى رسول الله r ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات)[1345].
فعن ابن عباس في قوله (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم) هذا لمن مات وعنده المسلمون ، أمره الله أن يشهد على وصيته عدلين من المسلمين ، ثم قال (أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض) فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين ، أمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين ، فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بالله بعد الصلاة –أي صلاة الجنازة -: ما اشترينا بشهادتنا ثمناً قليلاً ، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما ، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة ، فذلك قوله (فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ) يقول : إن اطلع على أن الكافرين كذبا ، قام الأوليان فحلفا أنهما كذبا ، ذلك أدنى أن يأتي الكافران بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ، فتترك شهادة الكافرين ، ويحكم بشهادة الأوليان ، فليس على شهود المسلمين أقسام ، إنما الأقسام إذا كانا كافرين)[1346].
قوله (..إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ..) (106) توصيف للفرض الذي رخصت فيه الشريعة للمسلم أن يستأمن غير المسلم ، وهو فرض له ظرف مكاني خارج ديار الإسلام ، وظرف حالي وهو ظروف تغلب عليها الهلكة ولا وقت للرجوع إلى ديار الإسلام ، كالمرض أو غرق سفينة ...الخ ، قال أبو حيان (ظاهر الآية يقتضي أن استشهاد آخرين من غير المسلمين مشروط بالسفر في الأرض وحضور علامات الموت)[1347]، وقال الواحدي (علم الله أنَّ من النَّاس مَنْ يسافر فيصحبُهُ في سفره أهل الكتاب دون المسلمين ، ويحضره الموت فلا يجد مَنْ يُشهده على وصيته من المسلمين)[1348] .
قال ابن القيم (اتفق العلماء على أن مواضع الحاجات يقبل فيها من الشهادات ما لا يقبل في غيرها من حيث الجملة وإن تنازعوا في بعض التفاصيل ،وقد أمر الله سبحانه بالعمل بشهادة شاهدين من غير المسلمين عند الحاجة في الوصية في السفر، منبها بذلك على نظيره ، وما هو أولى منه، كقبول شهادة النساء منفردات في الأعراس والحمامات والمواضع التي تنفرد النساء بالحضور فيها ، ولا ريب أن قبول شهادتهن هنا أولى من قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر، وكذلك عمل الصحابة وفقهاء المدينة بشهادة الصبيان على تجارح بعضهم بعضا ،فإن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو لم تقبل شهادتهم وشهادة النساء منفردات لضاعت الحقوق وتعطلت وأهملت مع غلبة الظن أو القطع بصدقهم ، لا سيما إذا جاءوا مجتمعين قبل تفرقهم ورجوعهم إلى بيوتهم وتواطئوا على خبر واحد وفرقوا وقت الأداء واتفقت كلمتهم ، فإن الظن الحاصل حينئذ من شهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل من شهادة رجلين ، وهذا مما لا يمكن دفعه وجحده فلا نظن بالشريعة الكاملة الفاضلة المنتظمة لمصالح العباد في المعاش والمعاد أنها تهمل مثل هذا الحق وتضيعه مع ظهور أدلته وقوتها وتقبله مع الدليل الذي هو دون ذلك)[1349].
ولعله يقصد بذلك أن قبول هذه الشهادات - في تلك المواضع - وإن جاء خلافا للأصل ، فإنه يستأنس بها باعتبارها قرائن تقبل لإثبات العكس في حال عدم وجود قرائن مضادة أو أدلة تبطلها ، بدليل أن شهادة أهل الكتاب في هذا الموضع تبطل بشهادة اثنين من المسلمين على كذبهما ، فعند تعارض شهادتهما مع شهادة اثنين من المسلمين تقدم شهادة المسلمين وتدحض شهادة الكافرين .
وفي قوله (تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ) (106) شرح للاجراءات المتبعة في مثل هذه الظروف ، فقوله (تَحْبِسُونَهُمَا) أي (تستوثقونهما لليمين والخطاب لمن يلي ذلك من ولاة الإسلام) [1350]، والمقصود بالصلاة - التي يعظمونها [1351]- أي الجنازة ، قال ابن الجوزي (وذلك إن ارتبتم في شهادتهما وخشيتم أن يكونا قد خانا أو بدلا، فإذا حلفا مضت شهادتهما ، فإن ظهر على أنهما استحقا إثما أي حنثا في اليمين بكذب أو خيانة (فآخران) أي قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت ، وهما الوليان فيحلفان لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما، وما اعتدينا عليهما، ولشهادتنا أصح لكفرهما وإيماننا ، فيرجع على الذميين بما اختانا وينقض ما مضى من الحكم بشهادتهما تلك)[1352] .
واللطيف أنهما يقسمان بالله رغم أنهما ليسا من أهل الإسلام ، ولكنهما لأنهما من أهل الذمة والعهد وأنهما من أهل الكتاب فإن الإسلام يمضي أقسامهما تقديرا منه لإيمانهما بالكتب السابقة التوراة والإنجيل ولو على سبيل الإجمال لا التفصيل ، وذلك رغم ما ورد عليهما من التحريف والتبديل ، ولكن الإيمان الصادر عنهما بهذه الكتب إجمالا كافيا لأن يصدقهما المسلمون في أقسامهما باعتبارها قرينة تقبل لإثبات العكس ، فلا ترد هذه الأيمان إلا إذا قامت قرائن ضدها أقوى منها ، وإن جاز القول بأن الريبة والشك لا تنفك عن شهادتهما للاستثناء الوارد في الآية (إِنِ ارْتَبْتُمْ) أي أن المسألة لا تقتصر على قبول شهادتهما وحسب ، بل تحتاج لمزيد من التحقيق وقراءة الأمارات والاستشهاد بالقرائن ، كما أن حجية شهادتهما في الإثبات لا تعدو مجرد قرينة ولا تقوم مقام الدليل .
وفي قوله (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ) أي (إذا ظهرت خيانة الحالفين وبان كذبهما يقوم اثنان آخران من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته)[1353] ، رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ (مَعْنَى الْآيَةِ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ فَيَحْضُرَ مَوْتَهُ مُسْلِمَانِ أَوْ كَافِرَانِ لَا يَحْضُرُهُ غَيْرُهُمَا ، فَإِنْ رَضِيَ وَرَثَتُهُ مَا غَابَ عَلَيْهِ مِنْ التَّرِكَةِ فَذَلِكَ وَيَحْلِفُ الشَّاهِدَانِ إنَّهُمَا لَصَادِقَانِ ، فَإِنْ غُيِّرَا وَوُجِدَ لَطْخٌ أَوْ لَبْسٌ أَوْ شَبَهٌ حَلَفَ الْأَوْلَيَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ وَاسْتَحَقَّا وَأَبْطَلَا أَيْمَانَ الشَّاهِدَيْنِ ، وَقَدْ يُسَمَّى الْحَالِفُ شَاهِدًا وَيَقُولُ الْحَالِفُ أَشْهَدُ بِاللَّهِ )[1354].
ذلك أن المسألة برمتها لا تقوم على أساس أدلة وبراهين قاطعة ،وإنما تدور حولها قرائن إثبات وقرائن نافية ، ومن هنا تكون المسألة حكومة ، أي قضية يقضي فيها أولي الأمر بحسب ترجيح القرائن ورد الأيمان التي تقل جدارة أصحابها وإثبات الأيمان التي تعلو جدارة أهلها على غيرهم ، فضلا عن القرائن المادية مثل أن يجدوا في الوصية شيئا مكتوبا فيها لم يسلمه الشاهدان لأهل الميت ثم يجدوا الشيء المذكور في الوصية يتداول في الأسواق ، فيسألون عن مصدره فيجدوا أن مصدره بيع الشاهدان له ، فهذا دليل على كذبهما يدحض القرائن السابق الأخذ بها وينقض شهادتهما .
فالقصة التي نزلت الآيات بسببها لخصها ابن عجيبة ، فقال (أن تميمًا الدَّاريَّ وعَدي بن بداء وكانا أخوين ، خرجا إلى الشام للتجارة ، وهما حينئٍذ نَصرانيّان ، ومعهما بُدَيلٌ مولَى عمرو بن العاصَ ، وكان مُسلمًا ، فلمّا قَدِما الشام مَرِضَ بُديلٌ ، فدون ما مَعَه في صَحيفةٍ ، وطرحها في متَاعه ، وشدّ عليها ، ولم يُخبرهُما بها ، وأوصى إليهمَا بأن يَدفعا مَتَاعَه إلى أهلِه ، ومات ، ففتّشاه ، وأخذا منه إنَاءً من فِضّة ، قيمته : ثلاثُمائة مثقالٍ ، مَنقُوشًا بالذَهبِ ، فجنّباه ودفَعَا المتَاعَ إلى أهلِهِ ، فأصَابُوا الصَّحِيفَةَ ، فطَالبُوهُمَا بِالإناء ، فجَحَدا ، فترافعوا إلى رسول الله r فنزلت (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) إلى قوله (من الآثمين) فحلّفَهما رسول الله r ، بعد صلاة العصر ، عند المنبر ، وخلا سبيلهما ثم عثر بعد مدة على الإناء بمكة ، فقيل لمن وجد عنده : من أين لك هذا؟ قال : اشتريته من تميم الداري وعديّ بن بداء ، فرفع بنو سهم الأمر إلى رسول الله r ، فنزلت (فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا فآخران يقومان مقامهما) ، فقام عمرو بن العاصَ والمطلب بن أبي وَداعة السهميان ، فحلفا واستحقا الإناء)[1355].
وفي قوله (فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) (107) تأكيد على أن المسألة لا تزال في إطار التحقيق ولم يفصل فيها بعد ، فيسمي اليمين النافي لوقائع الإثبات ، باليمين الحاسمة ، لأنها تحسم المسألة بإبطال اليمين الأول ، أما اليمين الأولى التي هي منسوبة لأهل الكتاب فتسمى باليمين المتممة لأنها لا تحسم الدليل ، ولكنها تتمم القرينة ، فيعتمد القاضي عليها اعتمادا غير قاطع للنزاع وحاسم له .
فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا "جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ" فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ r ثُمَّ وُجِدَ "الْجَامُ" بِمَكَّةَ فَقَالُوا ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَحَلَفَا "لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا" وَإِنَّ "الْجَامَ" لِصَاحِبِهِمْ ، قَالَ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ)[1356]
وقال العلماء ( فمات السهمي ) وكان لما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله (فلما قدما) أي تميم وعدي (فقدوا) أي أهل المتوفي (جام فضة) أي كأسا من فضة (مُخَوَّصا بالذهب) أي فيه خطوط طوال كالخوص وكانا أخذاه من متاعه (ثم وُجِد ، فقالوا) أي الذين وجد الجام معهم (فقام رجلان) هما عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة (لشهادتنا أحق من شهادتهما) أي يميننا أحق من يمينهما)[1357] .
قال العلماء في الشرح (ولعل تميماً اعترف أن الجام كان ملكاً، وادعى أنه ملكه منه بشراء أو غيره)[1358]، (فيقسمان بالله ) أي فيحلفان بالله (لشهادتنا أحق من شهادتهما) يعني أيماننا أحق وأصدق من أيمانهما (وما اعتدينا) يعني في أيماننا وقولنا أن شهادتنا أحق من شهادتهما (إنا إذا لمن الظالمين) ولما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان - وهما من أهل الميت - وحلفا بالله بعد العصر ودفع الإناء إليهما وإنما ردت اليمين على أولياء الميت لأن الوصيين ادعيا أن الميت باعهم الإناء وأنكر ورثة الميت ذلك ، ومثل هذا أن الوصي إذا أخذ شيئا من مال الميت وقال إنه أوصى له به وأنكر ذلك الورثة ردت اليمين عليه ، ولما أسلم تميم الداري بعد هذه القصة كان يقول صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأنا أتوب إلى الله وأستغفره )[1359].
وفي قوله (ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (108)[1360] قال الشنقيطي في ذلك (المراد بلفظ "الشهادة" في الآية "اليمين")[1361] أي أن الغرض من هذه الإجراءات دون القطع بصحتها هو الاستدلال ، فهي أقرب إلى التحقيق ، وشتان بين اجراءات الاستدلال التي لا تعدل دليلا واحدا بل هي قرائن لا ترقى لمرتبة الدليل ، واجراءات التحقيق التي تثبت بها الأدلة وتقطع بالفصل في النزاع ، والمقصود هو أن الإتيان بالشهادة على وجهها المعروف بشهادة شاهدي عدل هو الذي يفصل في النزاع باعتبارها دليل حاسم ، لكن إذا كان الشهادة صادرة من أهل الكتاب فإنها عندئذ لا تكون دليلا كافيا أي قاطعا حاسما للنزاع ، لكن يعمل بها في هذا الموضوع باعتبارها أقرب للدليل ، لاسيما إذا انعدمت القرائن المضادة أو لم يظهر دليل يبطل أيمانهم ، من هذا يتبين الفارق بين اليمين الحاسمة الصادرة عن العدول ، واليمين المتممة الصادرة من أهل الكتاب .
ومعلوم أن (الفقه الإسلامي يعطي للقرائن حقها في الإثبات - لا ينقص عنه ولا يزيد عليه - ، فهو يهمل دلالتها إذا كانت موهومة ، ويعتبرها إذا كانت متفقة مع الغالب الراجح، ولم يقم دليل على ضدها، فإذا اتصلت بإثبات الجرائم فإنه يتطلب أن تبرأ من الشبهات ، وعلى الأخص إن كانت دليل إدانة في الحدود والقصاص)[1362].
قال ابن جزي (.. فجملة (أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أيمانهم) أي يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فيفتضحوا)[1363]، قال ابن عاشور (أفادت الجملة المعطوف عليها إيجاد وازع للشهود من أنفسهم، وأفادت الجملة المعطوفة وازعا هو توقع ظهور كذبهم)[1364]، وبالتالي يمتنعوا عن الإدلاء بالشهادة المزورة لمخافة ردها في وجوههم ، ومن ثم يعاقبوا على ذلك ، ذلك أن من أمن العقاب أساء الأدب .
ما يعني أن رد اليمين الكاذبة إذا حصل بقرينة لابد وأن يكون مصحوبا بالخوف ، أي يخاف الكاذب أن ترد يمين ، ولا شيء يجعله يخاف من رد اليمين إلا العقوبة ، من هنا شرعت عقوبة الكاذب في يمينه عند الإدلاء بشهادته ، وهو ما اجتهد الفقهاء في تقديره ، (حيث لم يرد من الشارع عقاب دنيوي معين ومحدد لجريمة شهادة الزور، تعين إدراجها في نطاق الجرائم الموجبة للعقاب التعزيري المفوض إلى اجتهاد الحاكم أو من ينوب عنه ، وفي هذا السياق، قرر الفقهاء معاقبة المرتكب لهذا الفعل الإجرامي الخسيس، لكنهم اختلفوا في كيفية تعزيره) [1365]، وبعضهم اكتفى بالجزاء المدني دون الجنائي وذلك بحسب كل حالة على حدة .
جاء في مدونة الإمام مالك : (قلت: أرأيت القاضي إذا أخذ شاهد زور كيف يصنع به وما يصنع به؟ قال: قال مالك، يضربه ويطوف به في المجلس. قال ابن القاسم: حسبت أنه يريد به المجالس في المسجد الأعظم. قلت: وكم يضربه؟ قال: قدر ما يرى. قال: وبلغني عن مالك أنه قال: ولا تقبل شهادته أبدا وإن تاب وحسنت حالته وهو رأيي) [1366].
قال ابن جزي: (فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ،غرم الشاهدان ما ظهر عليهما)[1367].
قال ابن قدامة (فَمَتَى ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ شَهِدَ بُزُورٍ عَمْدًا ، عَزَّرَهُ ، وَشَهَّرَهُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَبِهِ يَقُولُ شُرَيْحٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى قَاضِي الْبَصْرَةِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُعَزَّرُ ، وَلَا يُشَهَّرُ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ مُنْكَرٍ وَزُورٍ ، فَلَا يُعَزَّرُ بِهِ ، كَالظِّهَارِ)[1368] .
قوله (وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ ..) (108) فعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَوْلَهُ "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا" ، يَعْنِي"الْقُضَاةَ"[1369] ، أمر للأولياء بأن يتقوا الله في السماع ، فلا يكون سماعهم عارضيا دون انتباه ، بل عليهم أن يسمعوا كل الأطراف ، ويبالغوا في السماع والاهتمام حتى تكتمل وقائع المسألة على وجه تتسق معه الأحداث اتساقا منطقيا يعقله الفاهم دون لبس أو غموض ، وهو ما يعني أن علي القاضي أو ولي الأمر أن يتصف بالحلم والصبر ، والسماع للحكاية من أولها لآخرها من كل أطراف الموضوع دون أن يعترض المتحدث أو يقطع حديثه ، ودون ملل أو سآمة ، ما يعني بمفهوم المخالفة أن من لم يرع هذه الآداب فإنه لم يتق الله ، فالتقوى تعني الإصغاء بقلب واع لا مجرد أذن تسمع .
فعَنْ عَلِيٍّ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ r إِلَى الْيَمَنِ ، فَقُلْتُ : تَبْعَثُنِي إِلَى قَوْمٍ لَسْتُ بِأَسَنِّهِمْ ، وَلَيْسَ لِي عِلْمٌ بِالْقَضَاءِ ؟ فَقَالَ : إِذَا اخْتَصَمَ إِلَيْكَ خَصْمَانِ ، فَلا تَقْضِى لِلأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ الآخَرُ ، قَالَ : فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا أَوْ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ[1370]، وفي رواية أحمد (إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع ما يقول الآخر ترى كيف تقضى قال فما زلت بعد قاضيا) [1371]، أي أن الصفة الفنية التي يجب أن يتحلى بها القاضي فضلا عن صفة العدالة والأمانة هي حسن الاستماع للخصوم ، وإلا فلن يكون أهلا لذلك .
فإذا فرغ القاضي من ذلك كله ، حُق أن له استجواب الخصوم بعد ذلك ، من هنا نفهم أن الاستجواب هو إجراء لاحق لسماع الوقائع بالتفصيل ، كما أن التحقيق في الأدلة والتحري عنها هو كذلك لاحق للسماع الكامل لأوجه الإتهام والدفاع على وجه سواء ، فالاستدلال سابق والتحقيق لاحق .
قوله (..وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (108) فسر الشعراوي الهداية هنا بمعنى الإعانة والتوفيق فقال (الله لا يهدي إلا من تطامن إلى منهج الله ، أما من يفسق فلن يعينه الله ، ذلك أن الله لا يعين كافراً ولا ظالماً ولا فاسقاً )[1372].
فمن الفسق -أي الخروج عن الآداب الإسلامية المعروفة في مجلس القضاء - أن يتجاهل القاضي سماع كافة أطراف الدعوى ، ويقصر في الاستفصال عن الوقائع والتحرى عنها والتحقيق فيها ، بل ويعجل في قضائه دون أن يفرغ من ذلك كله ، يستوي في ذلك المسلم مع غير المسلم .
ولذلك قال رسول الله r (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ) [1373].
غلو أهل الكتاب في طلب المعجزات[1374] تكلل بتنطع الحواريين
قال تعالى (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) قال تعالى (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (120)
ففي قوله (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (109) نفي النبي لعلمه بمن أجابه يستظهر نيته وغايته من الدعوة ، بأنه يقف عند حد البلاغ ولا يبالي بأعداد من معه أكثير أم قليل ، فليس عليه عبء أن يحصي أعداد تابعيه ، فغايته أن يتم البلاغ للكافة ، ولا شأن له بنتيجة ذلك ، ولذلك كان الرسول يختم قوله r (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) [1375]، وفي رواية كان يكررها ثلاثا ، وكان يقول بعدها (قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ)[1376]، وكان يقول (هَلْ بَلَّغْتُ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي)[1377] ، أي أنه كان يُشهد عينيه وأذنيه بأنه أتم البلاغ .
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ شُهُودُكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ r (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قَالَ عَدْلًا (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [1378] .
وبذلك نفهم أن النبي ليس بمسيطر على الناس ، وسواء أتباعوه أو لم يتبعوه ، فعن النبي r قَالَ (عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هَذَا أُمَّتِي هَذِهِ قِيلَ بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ قِيلَ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الْأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ)[1379]، وفي رواية فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ مِنْ أُمَّتِهِ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الْعِصَابَةُ مِنْ أُمَّتِهِ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ النَّفَرُ مِنْ أُمَّتِهِ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِهِ وَالنَّبِيُّ مَا مَعَهُ أَحَدٌ) [1380].
فالأنبياء والدعاة الصادقون لا ينظرون إلى أعداد من تبعهم ، وإنما ينظرون إلى قدر جهدهم في البلاغ ، ويأملون ألا يكونوا مقصرين في ذلك ، فإنما هم مؤذنون والله تعالى الذي يختار من عباده من يلبون ، قال تعالى(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج/27).
وفي قوله (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ ..) استشهاد بنبوة عيسى ابن مريم وقد كان بينه وبين نبوة موسى عليه السلام زمن ، وبينهما رسل تترا لم يسلموا من أذى بني إسرائيل ، وقد شاءت إرادة الله تعالى أن يقيم الحجة على البشر بإرساله عيسى بن مريم رسولا ، بعدما ظهر من بني إسرائيل العتو والتكذيب لأنبيائهم وقتلهم طغيانا وكفرا ، فلا يكاد أن سلم منهم أحد ، فكان في إرسال عيسى بن مريم وتأييده بالمعجزات منذ ولادته الغاية في إعجاز البشر أن يمسوه بسوء ، وإتيان الحجة القاطعة على نبوته.. وسوف تتكرر هذه المعجزة ، عندما ينزل في آخر الزمان مصدقا لنبوة محمد r ومتبعا له .
قوله (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ..) كانت الحاجة ملحة لتأييد عيسى بن مريم بمعجزات مادية حتى يقيم الحجة على قتلة الأنبياء ، فاستشهد الله بتلك المعجزات التي أيد الله بها عيسى بن مريم دليلا على نبوته ، حيث كانت من الظهور والبيان ما ينأى عن أن يكذب بها أحد ، إذ هي معجزات ملموسة ومحسوسة بالحواس مجتمعة ، أي بالسمع عندما سمعه الناس وهو يتكلم في المهد ، ما يحمل بني إسرائيل على عدم مساسه وهو في المهد ، فلا يقربونه وقد تكلم .
قوله (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ..) هذا فاصل بين معجزتين ، أي بين المعجزة التي أثرت في أسماعهم عند سماعه يتكلم في المهد ، ومعجزة رؤيته وهو يخلق من الطين كهيئة الطير ، يتخللها فترة الرضاعة والطفولة والشباب يتعلم خلالها ويكبر ، وهم يرونه يعيش بينهم حياة البشر ، ويتعلم شيئا فشيئا ، أي إنه إبَّان هذه الفترة ظل يتعلم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، وهكذا لابد لكل رسول من تربية على كتاب الله ، فأدبه الله وأحسن تأديبه ، فالأنبياء هو صنعة الله ، فالتعليم هنا بمعنى الوحي ، فالله لم يتركهم لتعليم البشر ، بل إنه سبحانه علمهم بأن أوحى إليهم كلماته ، وقد بين سبحانه أنه أوحى لعبده عيسى عليه السلام أربعة أمور :-
"الكتاب" : قيل أن المقصود به ألواح إبراهيم وزبور داود ، وما أوحي لعباده الأنبياء من قبله .
"الحكمة" : قيل المقصود بها الفهم العميق لمقاصد الدين .
"التوراة" : وهي ما أنزل على موسى ، وفيها أحكام تكليفية تفصيلية نزلت على بني إسرائيل كان فيها تشديد عليهم بما يتناسب مع جبلتهم القاسية .
"الإنجيل" : وهو ما اختصت به أمته ليحل لهم بعض ما حرم عليهم .
فإذا تعلم عيسى علوم ما قبله من الأنبياء ، ومقاصد الشريعة والدين ، وعلوم الدين التي تناسب قومه وعصره كان علمه هذا معجزة معنوية ، وقد صار أعلمهم بما عند الله ، فكان حري بهم أن يتبعوه ، لكن اليهود كانوا على النقيض من ذلك تماما حيث حاولوا قتله .
يقول الشعراوي (ونلحظ أن هذه الآيات والنعم تنقسم إلى قسمين :-
والقسم الأول : يقنع أصحاب العقول والألباب والفكر والمواجيد النفسية ، فالذي يقنع أصحاب العقول والألباب هو تعليم الكتاب والحكمة والتوارة والإنجيل .
والقسم الثاني : يقنع القوم الماديين الذين لا يؤمنون بملكوت الله في غيب الله ، فالذي يقنع الماديين هو الأمور المادية الحسية التي يتعرف من يراها على أنها لا يمكن أن تجري على يد بشر ، كأن يخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً ، وإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص)[1381] .
قوله ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) هذه معجز بصرية أي تشهد عليها أبصار الناس عند رؤيتهم وهو يخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله ، فيصير طيرا بإذن الله ، وتلك هي القدرة المطلقة للإله ، لأن الذي يستطيع أن يفعل شيئا لا يستطيع أن يجعل غيره يفعل مثله ذات الشيء ، فهذا يخرج عن حدود القدرة المطلقة ، مثل الذي يرسم لوحة فنية رائعة ، فإنه لا يمكنه أن يجعل غيره يرسم مثل هذه اللوحة فتكون مطابقة مثلها تماما ، ولكن الله بقدرته المطلقة جعل عيسى ابن مريم يخلق كهيئة الطير ، فيصير بعد ذلك طيرا بإذن الله بعدما ينفخ فيها ، فسبحان الذي له القدرة المطلقة .
وبيَّن الشيخ الشعراوي الإعجاز اللغوي والموضوعي في حكاية القرآن لهذه المعجزة بما يحول دون سوء فهمها فقال (جاءت دقة الأداء القرآني لتمنع أي تصور لتدخل من ذات عيسى فيما أجراه الله على يديه ، وذلك منعاً للفتنة ، فقال الحق (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير) إذن فعيسى لا يخلق الطير ، ولكن يصنع من الطين مثل "هيئة الطير" ، فالحق وحده هو الذي يخلق "الطير" ؛ فلأنه الإله فهو الذي يخلق خلقاً عاماً ، أما البشر فبإمكانهم أن يخلقوا أشياء ويشكلوها كمثل المخلوقات ، لكنها ليست مخلوقات.. إذن فعيسى صَنَع من الطين مثل هيئة الطير ، وكان ذلك "بإذن من الله" ، ونفخ فيه فكان طيرا بإذن الله ، والفارق بين قدرة الحادث وهو العبد ، وقدرة الباقي القدير وهو الرب أن الحق سبحانه وتعالى حينما يقدر أمرًا فهو يستطيعه بطلاقة قدرته أن يُقْدِر بعضًا من خلقه على أن يفعل الشيء ، لكن العبد لا يستطيع أن يُقْدر عبدًا آخر أن يصنع شيئاً مثل الذي يصنعه)[1382] .
قوله (..وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ..) ذكر الشيخ الشعراوي سبب اختيار هذه المعجزات خصوصا لتأييد عيسى بن مريم ، فقال (كلمة رسول تحتاج إلى علامة ، فليس لأي أحد أن يقول : « أنا رسول من عند الله » دون أن يأتي بالدليل والبرهان من الله ، أي يأتي بآية وعلامة تؤكد زعمه ، والأية هي الأمر العجيب الذي خرج عن القوانين والنواميس لتثبت صدق الرسول في البلاغ ،.. (وهكذا تلزم المعجزة المنكر وتفحمه) ، لأنه لا يستطيع أن يأتي بمثلها ، (فمن لوازم الإعجاز أن محله الشيء ذاته الذي هم أنفسهم نبغوا فيه)[1383] ، .... وقوم عيسى كانوا مشهورين بالحكمة والطب ، فجاءت الآيات من جنس ذلك )[1384] .
قوله (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) وهذه الآية من أكثر الآيات إشكالا على الناس ، ولكن الشيخ الشعراوي فسرها بيسر فقال (ثم تتسامى المعجزة ، لأن الذي يطبب جسما ويداويه لا يستطيع أن يعيد الميت إلى الحياة ، لأن الإنسان إذا ما مات فقد خرج الميت عن دائرة علاج الطبيب ، ولذلك رقّى الله آية عيسى ، إنه يشفي المرضى ، ويحيى الموتى أيضا ، وهذا ترق في الإعجاز)[1385] .
أي ما كان لعيسى بن مريم أن يعجز الأطباء في زمانه لمجرد أنه يشف الأكمه والأبرص بإذن الله ، لأن ذلك ليس بمحال على البشر ، فقد يكون معجزا في زمان لكن حين يخترعوا لذلك دواء يصير غير معجز ، فأراد الله تعالى أن يعجزهم بآية يعجز الأطباء جميعا عن فعلها وهي إحياء الموتى ، وهي من جنس ما برعوا فيه ورغم أنهم برعوا فيه عجزوا عنه ، فتكون تلك المعجزة هم أنفسهم الشاهدين عليها .
لكن يزداد الإشكال إشكالا عند معرفة أن في "صحيح مسلم" ورد حديث أنّ أنفاس عيسى تكون قادرة على قتل الكفار عندما يقومون بشمّها، فعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَ: " ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ r الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ... فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ) [1386]، أي أنه كان سببا لإحياء الموتى في زمانه ، ثم سيكون سببا لإماتة الكفار وقتل الدجال آخر الزمان ، ودلالة ذلك أنه ينزل آخر الزمان لنصرة أمة محمد r وشريعتها ، ويهلك الكفار علي يديه بإذن الله .
لكن الشيطان الرجيم قلب هذه المعجزات لتكون وبالا على الناس بدلا من أن تكون فتحا لهم ، فجعلهم يؤمنون بأن هذه المعجزات ليست من الله تعالى على يد نبيه لتأييده بها ، فأوهمهم أن ذات الإله تجسدت في المسيح بن مريم ، فأحيا الموتى ، وطائفة أخرى زعموا أنه بهذه المعجزات ابن الإله ، لاسيما وأنه وُلد بغير أب ، وهكذا تشعبت معتقداتهم في ألوهية عيسى بن مريم ، لكن الله سبحانه استدرك عليهم هذا الفهم الخاطئ فكرر ذكر لفظ (بإذن الله) بعد كل معجزة سردها في كتابه ، ليعلم الناس أنه ما كان لعيسى بن مريم أن يفعل شيئا من ذلك إلا بإذن الله .
قال الشعراوي (وهذه الآيات خرق للناموس المادي – أي قوانين الطبيعة - ، ولذلك يتبع الحق كل واحدة منها بذكر كلمة "بِإِذْنِي" أي "بإذن لله" بمعنى أن هذه المعجزات لم تكن لتحدث لو لم يأذن بها الله ، .. حتى يكون الأمر واضحاً أمام كل إنسان ممن يحبون عيسى ويرتفعون به إلى مقام أعلى من مقام النبوة ، وحتى لا يخدع قوم عيسى في هذه الآيات ويظنوها مزية مطلقة له ، ولكنها مجرد آيات معجزات لإثبات صدق الرسالة عن الله)[1387].
قوله (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ..) أي كففتهم عن قتلك ، فعصمه الله منهم ، لأنهم حسدوه وهكذا كان شأنهم مع كل الأنبياء ، فهم قتلتهم كما ذكر القرآن ، ولكن الله كفاه شرهم لما عزموا أن ينقلبوا عليه ورفعه إليه ، قال ابن كثير (وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم، ورفعتك إليَّ، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم ، وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا أو يكون هذا الامتنان واقعًا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محال)[1388].
والعجيب أن محاولة قتله جاءت بعدما جاءهم بالبينات والآيات الواضحات ، ما يعني الغرض من محاولة قتله هو طمس آيات الله وأنى لأحد أن يقدر على طمس آيات الله ، وهكذا كلما حاول اليهود طمس معالم هذا الدين ازدادت وضوحا ، وكلما حاولوا قتل الأنبياء وأتباع الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس كلما زاد أتباع الأنبياء وزاد الأمر بالقسط بين الناس ، وهكذا كلما حاولوا إطفاء نور الله يتم الله نوره ولو كرهوا .
وفي قوله (فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (110) استظهار لرد فعل اليهود ومن تبعهم إزاء هذه المعجزات إذ قابلوها بالتكذيب ، والافتراء على النبي بأنه ساحر ، لتبدو الإشكالية إذن بأنها لا تكمن في تصديق النبي أو عدم تصديقه ، فهذه المعجزات كافية لأن يصير المكذب به مصدقا له ، لكن لما يُزين التكذيب بالافتراء عليه بفرية أنه ساحر بعد رؤية المعجزات والإيمان بها ، دل ذلك على عنادهم وغطرستهم ، فالكبر هو (بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)[1389].
قال الشعراوي مفصحا عن سبب ذلك (قد كانوا يعرفون أن مجرد النطق بـ « لا إله إلا الله محمد رسول الله » يعني فقدانهم لسلطان إرهاب الناس والقبائل ، ولو كانت المسألة مجرد كلمة تقال ، ويبقى الأمر على ما كان عليه لقالوها ، ولكنها كانت كلمة تغير من الأمر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ، ولا يبقى من جبروت لأحد ، فكل الناس سواسية ، لذلك تصدى صناديد قريش لدعوة الإسلام ، وهكذا نجد أن كل رسول يأتي يبرز له من يعاديه من أصحاب الفساد والجبابرة في الأرض .... والكافرون بعيسى عليه السلام عندما رأوا قوة الآيات التي جاء بها عيسى عليه السلام . قالوا (إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) وهذا يعني أن معجزات عيسى عليه السلام قد أغضبتهم وأحنقتهم وملأت مشاعرهم بالخيبة ، إنه قول من قوم يكرهون منهج الحق )[1390].
وفي قوله (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) (111) بيان لحال قوم مؤمنين ، فحالهم إزاء نبوة عيسى بن مريم بخلاف اليهود الذين حاولوا قتله ، بل هم متبعوه , وأشد مؤيدوه ، بل هم خاصته وناصروه ، وهم الذين مدحهم الله في القرآن في أكثر من موضع ، فقال سبحانه (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران 52) ، وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ)(الصف 14) فلم يكونوا من الفريق المكذب بتلك الآيات ولا ذلك الفريق المغالي فيها ، وإنما هم أنصاره .
قال ابن عطية (لا خلاف أحفظه في أنهم كانوا مؤمنين وأيد ذلك بقوله تعالى : (فمن يكفر بعد منكم) وبأن وصفهم بالحواريين ينافي أن يكونوا على الباطل وبأن الله تعالى أمر المؤمنين بالتشبه بهم والاقتداء بسنتهم في قوله عز من قائل (كونوا أنصار الله) الآية وبأن رسول الله r مدح الزبير فقال (إن لكل نبي حواريا وإن حواري الزبير)[1391]
وفي قوله (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ.. ) (112) استظهار لنقطة ضعف هؤلاء المؤمنين ، أنهم إن سلموا من الغلو فلم يسلموا من التنطع ، وذلك لأن قلوبهم لم تخلص بعد لطلب الآخرة ، طلبوا المزيد من المعجزات رغم كثرة ما شاهدوه وعاينوه ، لكنهم سألوا معجزة جديدة ، ليست مما أيد الله نبيه بها ، بل هي من اختراعهم ،لم يطلع عليها أحد ولم يعرفها أحد من قبلهم ، طلبوا أن ينزل الله عليهم مائدة من السماء يأكلوا منها ، وبرروا طلبهم بأنهم حين يأكلوا منها فيتذوقوا الطعام يكونون شهداء على قومهم ، فيشهدوا بحاسة التذوق كما شهدوا بحاسة السمع والبصر ، فتجتمع حواسهم جميعا على الشهادة أنه الحق ، وكأنهم يريدون أن يرتقوا من مرتبة عين اليقين بالمشاهدة إلى مرتبة حق اليقين بالمعاينة واللمس والتذوق ، قال الثعالبي (والمعنى : هلْ يفعلُ ربُّك هذا ، وهلْ تَقَعُ منه إجابةٌ إليه ، ولم يكُنْ منهم هذا شَكًّا في قدرة اللَّه سبحَانَهُ؛ إذ هم أعرفُ باللَّه مِنْ أنْ يشكُّوا في قُدْرته)[1392].
لكن طريقة عرضهم ، بقولهم (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ..) تكشف عن تمنيهم على الله وطمعهم فيما عنده من رزق الدنيا ، والألحاح على نبيهم أن يدعو الله لهم بخير الدنيا ، والمعنى كما قال السدي (قالوا: هل يطيعك ربُّك، إن سألته؟)[1393]، قال الشعراوي (وكأن معنى سؤالهم : أيستجيب الله وينزل علينا مائدة من السماء؟)[1394] ، فأنى لهم من سؤالهم نبيهم طلب الآخرة؟ وقيل قال الحواريون هذه المقالة في صدر الأمر قبل علمهم بأنه يبرىء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى[1395]، والله أعلم
وفي قوله (قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (112) أنكر عليهم نبيهم عيسى بن مريم طلبهم هذا ، فما كان لمؤمن أن يقترح على الله ، أو أن يكون همه شيء من الدنيا ، وإنما ينبغي أن يتجرد للآخرة ، كما قال النبي r (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ)[1396] ، ولكنهم لا يزالون يحملون هم الدنيا ، فاستحقوا الإنكار من نبيهم عليهم .
وفي قوله (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) (113) هو تعليل لطلبهم لكنه غير مبرر بشيء ، بل هو تأكيد على تنطعهم ، فماذا تعدل الآية التي يطلبون إزاء الآيات التي سمعوها بآذانهم ورأوها بأبصارهم ، فهم شاهدون عليها ، فعلام يطلبون مزيدا من الآيات ليكون شهداء عليها مرة أخرى .
بل إن طلبهم أن يأكلوا منها ، بحجة أنهم إذا تذوقوا الطعام اعترفوا بنعمة الله عليهم وقد استشعروا فضله العظيم ، فإنهم سوف يشهدون بالحق بعد أن تطمئن قلوبهم لما أيقنوا بحق التجربة والتذوق ، فإنه ليس بلازم لأن يكون يصلوا لهذه المرتبة بذلك الطريق المعوج وغير المستقيم ، بل إنه ليؤكد أن الدنيا هي مطلبهم الأساسي من وراء مطلبهم المقترح .
وأما حجتهم أن تطمئن قلوبهم بها ، يحيلنا إلى التساؤل لماذا إذن لم تطمئن قلوبهم بما سبق من معجزات هم بأنفسهم عليها شاهدين ؟ وهل سوف تطمئن بعدما يجيبهم لها ؟ الحقيقة أنهم وبما أن الله تعالى أثبت لهم الإيمان لهم من ذلك مأرب آخر غير أن تطمئن قلوبهم ، حيث طمعوا فيما عند الله من رزق ، لذلك كان نوع الآية المقترحة "المائدة" ، فهم يعلمون أن الله لو أنزل عليهم مائدة تطعمهم لكفتهم الدنيا كلها ، وقد فهم نبي الله مأربهم فطلب من الله مائدة تكون لهم عيدا لأولهم وآخرهم ، وليتهم بعد أن تذوقوا طعم الإيمان اكتفوا به ، ولكنهم وقعوا في التنطع في الدين فسألوا رسولهم ما لا يبنغي أن يسألوه ، فالتكلف في طلب المعجزات المادية ، وكذا التكلف في طلب الدنيا ، والاستزادة منها ضرب من الغلو والتنطع ، وهو تكلف مذموم .
وفي قوله (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ) (114) يدل على أن عيسى بن مريم فهم الغرض من طلبهم ، بأن الدنيا لا تزال عالقة بأذهانهم قابعة في قلوبهم ، فهم يطلبون آية تعزز لهم مكانتهم فيها ، وتزيدهم رزقا من عند الله ، أي طمعا في الدنيا ، وتناسوا أنها دار ابتلاء وليست دار جزاء .
ولكنه كنبي مرسل سأل الله لقومه أن يخفف عنهم الابتلاء بأن يجيبهم لطلبهم ، ويرزقهم من عنده ، ولكن الله تعالى يبتلي عباده بالشر والخير فتنة ، ولا يبتليهم بالشر وحده ولا بالخير وحده ، هكذا يكون ابتلاء الله لعباده (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (35) ، فإذا ما اختبرهم بالخير ، فعليهم أن يستعدوا لاختبار الله اللاحق لهم بالشر ، وهكذا يكون المؤمن أمره كله خير كما قال النبي r (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)[1397] ، وهكذا يكون الاخشوشان في العيش لأن النعمة لا تدوم أبدا.
وفي قوله (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)(115) تهديد من الله تعالى لمن يكفر منهم بعد تحقيق طلبهم وما اقترحوه من معجزة مفصلة من اختراعهم ، فرغم أنهم كانوا على الإيمان إلا أن تنطعهم في الدين كاد أن يهلكهم ، كما أهلك من كفر من قبلهم بتلك المعجزات ، لأن التكذيب بعد الإتيان بالمعجزة التي هي بحسب الطلب غاية في الحجود والنكران ، ولذلك قال تعالى (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ) (102) ، فتبع ذلك تهديد من الله لمن طلب معجزة إضافية وتفصيلية على نحو ما سلف وبحسب هواه ورغبته ولم يكفه الإتيان بالمعجزات الخارقات سواء المادية أو المعنوية على التفصيل السابق الإشارة إليه .
وما سبق أن طلبه الحواريون قد وقع فيه بعض من مشركي مكة لما طلبوا من النبي r أن يشق لهم القمر ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ r أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمْ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا) [1398] ، قال البغوي (ذكره أهل العناية بالسير والتواريخ : هذا شيء طلبه قوم خاص ، فأراهم ذلك ليلا ، وأكثر الناس نيام ، ومستكنون بالأبنية ، والإيقاظ في البوادي والصحاري ، قد يتفق أن يكونوا مشاغيل فِي ذلك الوقت ، وقد يكسف القمر ، فلا يشعر به كثير من الناس ، وإنما كان ذلك فِي قدر اللحظة التي هي مدرك البصر ، ولو دامت هذه الآية حتى يشترك فيها العامة والخاصة ، ثم لم يؤمنوا ، لاستؤصلوا بالهلاك ، فإن من سنة الله تعالى فِي الأمم قبلنا أن نبيهم كان إذا أتى بآية عامة يدركها الحس ، فلم يؤمنوا أُهلكوا ، ..فلم يظهر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هذه الآية للعامة لهذه الحكمة)[1399] .
فكان فيما ذكر درس تطبيقي وعملي للأمة المسلمة ، لتتعلم منه ما يلخص لهم ما سبق أن درسته في سياق سورة المائدة من أحكام تبين غاية الشريعة الإسلامية وأنها لم تأت لتزيد الحرج على الناس وإنما جاءت برفعه والتيسير على الناس ، فليس الإيمان بالله المطلوب شرعا ذلك الإيمان المؤيد بالمعجزات المفصلة ولا بأعجز المعجزات ،وإنما يكفي أن يُعمل المرء عقله في تدبر آيات الله ليؤمن بأنه لا إله إلا الله ، شريطة أن يخلي قلبه من الكبر والغرور ، ومن طمع الدنيا اللذين يحولان دون الإفصاح عن التصديق بالله .
خير ختام لهذه السورة من خمس آيات ، تضمن لوم وعتاب لأهل الكتاب ، وإن كان في صورة مناقشة الحساب مع نبيهم ، ولكنه لأجل الاستشهاد به عليهم لا للاستفصال والاستقصاء ، ثم تضمن بيان بالحساب والجزاء .
ففي قوله (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ) هذا السؤال توطئة لإلقاء اللوم على بعض النصارى الذين غالوا في تقدير عيسى ابن مريم وأمه الصديقة ، فجعلوهما إلهين من دون الله تعالى ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ r (لَا تُطْرُونِي كَمَا أُطْرِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)[1400] ، قال ابن الأثير (الإطْراءُ : مُجَاوَزةُ الحَدِّ في المَدْح والكَذِبُ فيه)[1401]، قال ابن بطال (عرَّفهم ما خشى عليهم جهله ، والغلو فيه كما صنعت النصارى فى قولهم لعيسى أنه ابن الله عز وجل)[1402].
وعن معاذ قال : قال : يا رسول الله أرأيت أهل الكتاب يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم أفلا نسجد لك ؟ قال : لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ولا تؤدي المرأة حق زوجها حتى لو سألها نفسها على قتب لأعطته)[1403]، (هو منع من أمر يجوز أن يقع)[1404].
روي أنه سبحانه لَمَّا قَالَ " أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إلهين من دون الله " ، قال:"زَالَ كُلُّ مَفْصِلٍ لَهُ عَنْ مَكَانِهِ خِيفَةً"، فَيَقُولُ " سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ " [1405]، وهذا الأمر مقبول من حيث التصور العقلي لأن الجبال كادت أن تفعل مثل ذلك من ذلك القول ، قال تعالى (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا) (مريم/90-92) .
وفي قوله (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ)(116) قوله "سبحانك" تضمن تقديس وتبرؤ من ذلك القول ، وتلك الفرية على الله تعالي ، فالله يتعالى عن أن يتجسد في صورة بشر أو أن يتمثل في شيء ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r قَالَ (اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ)[1406]، فتبرأ النبي عيسى بن مريم u ممن ألهوه وغالوا في تقديسه في موطن الشهادة والاستشهاد به على قومه في الآخرة .
وفي الآية تأكيد على أن دعوة الأنبياء لا تتجاوز حد البلاغ المبين ، وأن ما يبلغونه هو حكم الله ، وأنهم لم ينقصوا شيئا من البلاغ ولم يزيدوا على ذلك ، وما كان لنبي أن يكون مشرعا من نفسه ، وإنما هو مبلغ لما شرعه الله.
وفي قوله (إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) قال الشيخ صالح الفوزان (الله يعلم سبحانه وتعالى أن عيسى لم يقل هذه المقالة، وإنما هذا من باب التوبيخ لهؤلاء) [1407]، ولذلك جاء الرد من عيسى عليه السلام بعد أن بين مقامه وأنه لا يتجاوز مقام العبودية لله ، فنفي عن نفسه أن يكون قد ارتكب هذا الذنب ، لا من حيث القول ذاته ، ولا من حيث الرضا به ، فهو لم يرض عبادة الناس له ، قال رسول الله r (فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ ،فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ)[1408] .
قال الشوكاني في قوله تعالى (تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ) (هذه الجملة في حكم التعليل لما قبلها ، أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك ، وهذا الكلام من باب المشاكلة كما هو معروف عند علماء المعاني والبيان)[1409] ، فالمسألة التي يتبرأ عيسى u منها هي مسألة نفسية ، لا يعلمها إلا الله ، بأنه لم يرض عبادتهم له ، وليس مجرد أنه تبرأ من هذا القول وقلبه فرح به ، بل إن قلبه منكر تمام الإنكار لما قالوا في حقه ، ولذلك أوكل علم الله بما في خفايا نفسه إليه سبحانه ليكون شاهدا على ذلك ، فقد اتقى غضب الله تعالى من هذه المقالة بعلمه الواسع .
وهكذا كان حال الأنبياء جميعا مع الله تعالى بين الخوف والرجاء، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ r ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ فِرَاشِهِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)[1410].
وفي قوله (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ...) تقرير بأن دعوة الأنبياء لا اجتهاد فيها ، وإنما هم مبلغين عن الله ، وأن جميع ما يأمرون به يدور حول عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد .
وفي قوله (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ..) (117) أي (كنت مشاهدا لهم ورقيبا يمنعهم من أن يقولوا مثل هذه المقالة الشنعاء)[1411] ، فقد تضمنت الآية شهادة الأنبياء على قومهم ، كما في قوله تعالى (يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [النحل/89] ، ذلك أن الأنبياء هم أشد الناس إنكارا للمنكر ، وهم أحرى الناس بأن يقاموا المنكر بكل ما أوتوا من قوة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يُوشِكُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أَنْ يَنْزِلَ حَكَمًا قِسْطًا وَإِمَامًا عَدْلًا فَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَتَكُونَ الدَّعْوَةُ وَاحِدَةً)[1412].
وفي قوله (..فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (117) والمعنى أني بذلت في واجب الدعوة إلى الله تعالى أقصى ما يفعله المكلف حتى توفيتني ، فانقطع البلاغ مني لهم [1413]، وسبحانك أن الرقيب عليهم تصل البلاغ بعبادك الذين تختارهم لذلك ، فيقيمون حجتك على خلقك ، كما في قوله (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر24) ، وقوله (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (النساء 41)
وفي قوله (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ) (118) تفويض النبي أمر قومه لله تعالى حيث إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم رغم ما صدر منهم من شرك ، ولعل ذلك بسبب تعمية الحقائق عن بعضهم وتعذر وصول البلاغ لهم ، قال ابن كثير (هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله عز وجل، فإنه الفعال لما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)[1414] .
ولعل منهم من يعذرون بجهلهم ، وقد بينا أن من لم تصله دعوة الإسلام صحيحة مبرأة من كل عيب فإنه معذور بجهله ، قال الزمخشري (إن عذبتهم عدلت ، لأنهم أحقاء بالعذاب ، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة)[1415]، قال الماوردي في قوله عز وجل (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) يحتمل وجهين :-
أحدهما : أنه قاله على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم كما يستعطف العبد سيده
والثاني : أنه قاله على وجه التسليم لأمر ربه والاستجارة من عذابه)[1416]
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ r تَلَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) الْآيَةَ وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ (اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي) وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ r بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ (إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ) [1417] ، قال النووي (وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة)[1418]
قوله (..فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (118) قال السعدي (ولم يقل: أنت الغفور الرحيم، لأن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، إنما هو مقام غضب وانتقام ممن اتخذه وأمه إلهين من دون الله، فناسب ذكر العزة والحكمة، وصار أولى من ذكر الرحمة والمغفرة)[1419] .
وفي قوله ( قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (119) تقرير من الله تعالى بأنه يفصل بينهم بمعيار الصدق ، وليس بمعيار الإيمان ، ذلك أن الإيمان يبنى على الخبر ، وبعض هؤلاء القوم لم يصلهم الخبر ولم يبلغهم الإسلام ، ومن ثم يكون الفيصل في تقرير أحقيتهم الجنة ورضوان الله تعالى قياس مدى صدقهم ، واختبارهم بذلك ، ففي الحديث عن رسول الله r قال (أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في الفترة فأما الأصم فيقول : يا رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول : رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذقوني بالبعر وأما الهرم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أعقل، وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني لك رسول ، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار قال : فوالذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردا وسلاما) [1420] ، (فهذا برهانٌ على أنَّ العاجزَ عن فهمِ التَّكاليفِ الشَّرعيَّة لِزَوالِ العقلِ أو نقصِهِ أو عدَمِ بُلوغِ الحُلمِ لا يصلُحُ أن يكونَ مكلَّفًا)[1421]
وفي قوله تعالى ( لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(120) ختام السورة ، تضمن تأكيد بأسلوب القصر والحصر على اختصاص الله تعالى بالملك ، واختصاصه بالقدرة المطلقة ، وبهما استحق أن يوحده الناس بالألوهية في التشريع والربوبية في الخلق .
ولعله ختام بخير ختام ، لتظل أحداث السورة جارية إلى أن ينزل الله عيسى بن مريم حكما مقسطا في آخر الزمان .
[1] ) البحر المحيط ج4 ص 351
[2] ) الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص176
[3] ) الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص176
[4] ) رواه مسلم ج12 ص 350 رقم 4595
[5] ) البحر المحيط ج4 ص 352 الدر المنثور ج3 ص 312
[6] ) تفسير مقاتل ج1 ص 376
[7] ) رواه أبو داود ج9 ص 491 رقم 3120 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1166 رقم 11660
[8] ) رواه الترمذي ج5 ص 199 رقم 1272 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج 3 ص 352 رقم 1352
[9] ) رواه البخاري ج7 ص 367 رقم 2010
[10] ) رواه البخاري ج7 ص 246 رقم 1937
[11] ) رواه البخاري ج7 ص 305 رقم 1970
[12] ) رواه البخاري ج7 ص 303 رقم 1969
[13] ) المباركفوري : تحفة الأحوذي ج4 ص 377
[14] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[15] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[16] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[17] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 189
[18] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[19] ) انظر نظرية العقد للشيخ مصطفى الزرقا ، والأبحاث التي قامت بدراستها منها بحث بعنوان (نظرية العقد لدي الشيخ مصطفى الزرقا – دراسة فقهية مقارنة – إعداد / سامي عدنان العجوري – رسالة ماجستير في الفقه المقارن – كلية التربية – قسم الدراسات الإسلامية – جامعة الأزهر بغزة . 2003 تحت إشراف الدكتور مازن مصباح صباح
[20] ) رواه البخاري ج1 ص 59 رقم 33
[21] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 274
[22] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 47
[23] ) يَثبُتُ حقُّ خِيارِ الرُّؤيةِ للمُشتري إذا اشْتَرى ما لم يَرَه، وهو مَذهَبُ الحنَفيَّةِ والمالكيَّةِ ، وقولٌ في مَذهَبِ الشَّافعيَّةِ ، ورِوايةٌ عن أحمَدَ اختارَها ابنُ تَيميَّةَ ، انظر : الموسوعة الفقهية https://dorar.net/feqhia/7432/
[24] ) رواه الدارقطني ج3 ص 4 رقم 8
[25] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 423 رقم 2178 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 13 رقم 1780
[26] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 12 رقم 2157
[27] ) رواه ابن ماجة ج7 ص 7 رقم 2237 وصححه الألباني ج2 ص 22 رقم 1823
[28] ) المعجم "المعاني"العربي :
[29] ) الصحاح في اللغة ج1 ص 358
[30] ) تاج العروس ج1 ص 3012 لسان العرب ج4 ص 410
[31] ) لسان العرب ج4 ص 410
[32] ) أبو الفيض ، الملقّب بمرتضى ، الزَّبيدي : تاج العروس من جواهر القاموس ج12 ص 191
[33] ) رواه أحمد في مسنده ج2 ص 286 رقم 993 وصححه الألباني وقال في إرواء الغليل ج4 ص 251 (أخرجه الامام أحمد ( 1 / 119 ) وأبو داود ( 2035 ) والنسائي ( 2 - 241) مختصرا بسند صحيح على شرط مسلم وأبو حسان هو الاعرج اسمه مسلم بن عبد الله )
[34] ) رواه البخاري ج2 ص 91 رقم 344
[35] ) رواه مسلم ج10 ص 292 رقم 3761
[36] ) الأسنان قواطع وأنياب وضروس ، القواطع تقطع الطعام ، والأنياب تمزق اللحوم ، والضروس تطحن الطعام
[37] ) الصحاح في اللغة ج2 ص 219 لسان العرب ج12 ص 579
[38] ) رواه البخاري ج17 ص 185 رقم 5086
[39]) المؤلف: دون إي. ويلسون و DeeAnn M. Reeder — العنوان : Class Mammalia Linnaeus, 1758 — الصفحة: 56–60 التنوع البيولوجي للحيوان: مخطط تفصيلي للتصنيف العالي المستوى
Integrated Taxonomic Information System — النشر: 2012 https://www.mapress.com/zootaxa/2011/f/zt03148p060.pdf
[40] ) رواه مسلم ج10 ص 97 رقم 3595
[41] ) رواه مسلم ج10 ص 73 رقم 3574
[42] ) الإعجاز العلمي في القرآن الكريم : جامع الكتب ، بحث بعنوان : لحم الجوارح…المصدر "الإعجاز العلمى في الإسلام والسنة النبوية" لمحمد كامل عبد الصمد
ويقول الدكتور س. ليبج ـ أستاذ علم التغذية في بريطانيا: "إن هذه الإفرازات تخرج في جسم الحيوان حتى وهو حبيس في قفص، عندما تقدم له قطعة لحم لكي يأكلها"، ويعلِّل نظريته هذه بقوله: ما عليك إلا أن تزور حديقة الحيوانات مرة، وتلقي نظرة على النمر في حركاته العصبية الهائجة أثناء تقطيعه قطعة اللحم ومضغها، فترى صورة الغضب والاكفهرار المرسومة على وجهه، ثم ارجع ببصرك إلى الفيل وراقب حالته الوديعة عندما يأكل وهو يلعب مع الأطفال والزائرين، وانظر إلى الأسد وقارن بطشه وشراسته بالجمل ووداعته.
[43] ) فلحم الجمل حلال ، لكن رسول الله r أمر بالوضوء منه ، وذم قلوب أصحاب الجمال لما فيهم من القسوة ، فقال r (مِنْ هَا هُنَا جَاءَتْ الْفِتَنُ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ) رواه البخاري ج11 ص 317 رقم 3237 ، جاء في الشرح (الفدادين) : جمع فداد، غليظ الصوت، انظر : (محمد الفضيل بن محمد الفاطمي الشبيهي الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج7 ص 138)
[44] ) مدارج السالكين ج1 ص 403
[45] ) الأم للشافعي ج2 ص 249
[46] ) انظر بحث الشيخ محمد المنجد قال : اختلف أهل العلم في حكم أكل الضبع ، على قولين :
القول الأول : التحريم : وهو قول الحنفية .ودليلهم ما جاء عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ رضي الله عنه : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ ) رواه مسلم (1932).
وعن خُزَيْمَةَ بْنِ جَزْءٍ رضي الله عنه قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ r عَنْ أَكْلِ الضَّبُعِ ، فقال : ( أَوَ يَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ ؟! ) وَسَأَلْتُهُ عَنْ الذِّئْبِ فَقَالَ : ( أَوَ يَأْكُلُ الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ ؟! ) رواه الترمذي (1792) . غير أنه حديث ضعيف لا يصح الاستدلال به ، قال الترمذي : هذا حديث ليس إسناده بالقوي . وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي .
القول الثاني : الحل والإباحة : وهو قول أكثر العلماء وقد رواه ابن أبي شيبة (5/536) وعبد الرزاق (4/523) عن علي وابن عمر وابن عباس وجابر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم .
وهو قول أبي يوسف ومحمد من الحنفية ، وقول الشافعية والحنابلة والظاهرية .انظر : "الأم" (2/272) ، وابن حزم في "المحلى" (7/401)
واستدلوا على ذلك :بما جاء عَنْ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ : قُلْتُ لِجَابِرٍ : الضَّبُعُ أَصَيْدٌ هِيَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : آكُلُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ قُلْتُ : أَقَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ r ؟ قَالَ : نَعَمْ . رواهالترمذي (851) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (2494)
وأجابوا عن أحاديث تحريم كل ذي ناب من السباع بجوابين :1- قالوا بتخصيص الضبع من عموم حديث تحريم كل ذي ناب من السباع ، ودليل التخصيص هو حديث جابر رضي الله عنه ، فيحرم كل ذي ناب من السباع إلا الضبع .
2- وأجاب بعضهم بأن الضبع لا يشمله حديث التحريم أصلا ؛ لأنه ليس من السباع العادية .
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (2/136) :" إنما حرم ما اشتمل على الوصفين : أن يكون له ناب ، وأن يكون من السباع العادية بطبعها : كالأسد والذئب والنمر والفهد ، وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين ، وهو كونها ذات ناب ، وليست من السباع العادية ، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب ، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها ، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي ، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم ، ولا تعد الضبع من السباع لغة ولا عرفا " انتهى .
وقد ذكر هذين الجوابين الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (9/568) وقد اختار علماء اللجنة الدائمة للإفتاء القول بإباحة أكل الضبع .انظر : "فتاوى اللجنة الدائمة" (22/185) . وكذا اختاره الشيخ صالح الفوزان في كتابه : "الملخص الفقهي" (2/747)
[47] ) الشيخ صالح المغامسي : https://www.youtube.com/watch?v=6ylY1CNmKTQ واستند على أن حديث كل ذي ناب من السباع متواتر ولا يُعارض بحديث جابر ، لا سيما وأنه يأكل الجيفة ، كما أنه رد على من استدلوا على حله بأنه لا يعدو على ابن آدم ، بأنه يحفر القبر ويأكل جيفة بني آدم ، أي أنه فاسق ، فالحرمة أعظم.
[48] ) واستدرك على من قال أن الحكم الحل ، بأن هذا - إن جاز - استنادا لصحة حديث جابر فإنه جاز العمل به فيُحمل على اعتباره صيدا ، يعني عند المجاعة اضطرارا ، فلا أحد يصطاد ضبعا إلا مضطرا ، ولم يحل أحد تربيته لأكله
[49] ) قرأت أن ثمة علماء أفاضل أحلوا أكل التمساح باعتباره مخلوق بحري ،وليس ذلك بصحيح ، فهو يعيش في البر ، ولا ينام في الماء ، فالماء ليس بيئة صالحة لأن يعيش فيه بخلاف الأسماك ، فهو مخلوق بري وليس بحري ، ذلك كثير من الحيوانات تصطاد في البحر ورغم ذلك لا تعتبر كائنات بحرية ، وكثير من الطيور المفترسة تصطاد في البحر.
[50] ) وفيه تفصيل نذكره بعد قليل
[51] ) رواه مسلم ج10 ص 73 رقم 3574
[52] ) رواه البخاري ج20 ص 439 رقم 6226
[53] ) رواه البخاري ج11 ص 92 رقم 3067
[54] ) تحفة الأحوذي ج5 ص 450 ، شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج20 ص 52
[55] ) رواه أبو داود ج10 ص 244 رقم 3291 وصححه الألباني : صحيح سنن أبي داود ج 8 ص 285 وصحيح ابن ماجة 3189 الإرواء 2503
[56] ) ولقد تأكدت الدراسات والبحوث من هذه الظاهرة على القبائل المتخلفة التي تستمرئ أكل مثل تلك اللحوم إلى حد أن بعضها يصاب بالضراوة فيأكل لحوم البشر كما انتهت تلك الدراسات والبحوث أيضا إلى ظاهرة أخرى في هذه القبائل وهي إصابتها بنوع من الفوضى الجنسية وانعدام الغيرة على الجنس الآخر فضلا عن عدم احترام نظام الأسرة ومسألة العرض والشرف .. وهي حالة أقرب إلى حياة تلك الحيوانات المفترسة حيث إن الذكر يهجم على الذكر الآخر من القطيع ويقتله لكي يحظى بإناثه إلى أن يأتي ذكر آخر أكثر شبابا وحيوية وقوة فيقتل الذكر المغتصب السابق وهكذا
اقرأ المزيد في إسلام أون لاين :https://fiqh.islamonline.net /
[57] ) وقد أشرنا إلى هذا المعنى من قبل بما يغني عن الإعادة
[58] ) مجموع الفتاوى ج21 ص 618
[59] ) رواه مسلم ج6 ص 158 رقم 2061
[60] ) كشف المشكل من حديث الصحيح ج1 ص 449
[61] ) أنثى الحمار الوحشي : شرح أبي داود للعيني ج3 ص 283 – عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج16 ص 30 –ابن حجر فتح الباري ج4ص30
[62] ) رواه البخاري ج6 ص 354 رقم 1695
[63] ) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج9 ص 387
[64] ) رواه البخاري ج10 ص 423 رقم 2930
[65] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 149
[66] ) البحر المحيط ج4 ص 357
[67] ) تفسير الألوسي ج4 ص 385
[68] ) رواه البخاري ج6 ص 163
[69] ) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج17 ص 162
[70] ) الشيخ مصطفى العدوي : https://www.youtube.com/watch?v=WVZjrDyh6RE
[71] ) رواه مسلم ج6 ص 305 رقم 2184
[72] ) وفي مشروعية الإشعار خلاف بين أهل العلم مبني على اعتباره تعبدا محضا أو هو معقول المعنى؛ فمن رأى أنه تعبد استحبه، ومن رأى أنه معقول المعنى قال: إن النبي r فعل ذلك لمنع الاعتداء عليها، حيث كانت العرب تعظم الهدي؛ فإذا كان مشعرا لم يتعرضوا له، وقد ذكر ذلك القرطبي في تفسير آية: "لا تحلوا شعائر الله"، وذكر قولا لابن عباس في ذلك.
وهذا من جنس ما اختلف فيه العلماء: هل فُعل على وجه العادة أو على وجه التعبد؟ .. ، والأقرب أن الأصل في أفعال النبي r هو عقل المعنى لا التعبد حتى يقوم دليل أو تظهر قرينة تنقل إلى التعبد، ودليل هذا الأصل هو أن الذمم بريئة من التعبد إلا بدليل، وفعل الرسول المجرد مختلف فيه، وجماهير الفقهاء على أن الأصل فيه الإباحة لا الاستحباب ، فعلى هذا يُفعل الإشعار إذا وُجدت مثل هذه الحاجة، ويكون الفعل هنا هو المستحب، ويُترك إذا انتفت، ويكون الترك هنا هو المستحب .
الشيخ سليمان بن عبد الله الماجد فتوى رقم 1104 بتاريخ 19/10/1429
[73] ) فتح الباري ج3 ص544 – نيل الأوطار للشوكاني ج5ص158 عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني ج15 ص 208
[74] ) شرح النووي على مسلم ج8 ص 228
[75] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 598
[76] ) شرح النووي على مسلم ج8 ص 228
[77] ) الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الحصين : فتوى رقم 3925 برنامج فتاوى نور الدرب الحلقة الحادية والعشرون 5/1/1432هـ
[78] ) رواه البخاري ج6 ص 164 رقم 1584
قال النووي (أبو حنيفة يكره الإشعار وهذا الحديث حجة عليه)
[79] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج9 ص 286
[80] ) شرح السنة للبغوي ج7 ص 96
[81] ) أي : لف الحبال وضمها إلى أن تصبح قلادة توضع على عنق البهيمة ، والقصد من ذلك إعلام بأن هذه سيقت لبلد الله الحرام لتذبح هناك ، فلا يقترب منها حتي يحل موعدها وتصل مكانها ليقسم لحمها بين المساكين والفقراء .
انظر الشيخ الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن البدر : معنى فتل القلائد والحكمة من ذلك فيديو https://www.youtube.com/watch?v=lvbkntsTSyQ
[82] ) رواه مسلم ج6 ص 490 رقم 2337
[83] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج6 ص 453
[84] ) رواه البخاري ج10 ص 470 رقم 2958
[85] ) رواه البخاري ج1 ص 118 رقم 65
[86] ) رواه البخاري ج6 ص 363 رقم 1701
[87] ) الخربة : الجناية : مشكاة المصابيح ج2 ص 116
[88] ) رواه البخاري ج13 ص 191 رقم 3957
[89] ) المغني ج20 ص 183
[90] ) المغني ج20 ص 183
[91] ) ديوان ابن هانئ الأندلسي ص 27
[92] ) ديوان ابن نباتة المصري ص 2381
[93] ) ديوان خليل جبران ص 2107
[94] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 328
[95] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2005
[96] ) رواه البخاري ج6 ص 365 رقم 1702
[97] ) رواه مسلم ج9 ص 249 رقم 3331
[98] ) رواه النسائي ج12 ص 427 رقم 3999 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج9 ص 139 رقم 4067
[99] ) المغفر : ما يلبسه المقاتل على رأسه
[100] ) رواه مسلم ج4 ص 111 رقم 3374
[101] ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج3 ص 739 رقم 6689 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج5 ص 426 رقم 2427
[102] ) https://dorar.net/hadith/sharh/17716
[103] ) رواه مسلم ج8 ص 71 رقم 7028
[104] ) تفسير القرطبي ج6 ص 46
[105] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2008
[106] ) رواه مسلم ج13 ص 212 رقم 4867
[107] ) رواه البخاري ج10 ص 236 رقم 3808
[108] ) الفوائد ج1 ص 87
[109] ) رواه ابن حبان ج10 ص 438 رقم 4577 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 594 رقم 5934
[110] ) شرح سنن أبي داود ج18 ص 128
[111] ) وإن كان قياسها على الفتوى السابقة أقرب وهو ما تطمئن إليه النفس ، إذ لا يخفى أن كثير منهم يذبحون للشيطان .
[112] ) https://binothaimeen.net/content/7069
[113] ) السن والظفر ألتين للقتل ، لا يجوز تذكية الحيوان بهما لما فيهما من تعذيب له قبل موته
[114] ) رواه البخاري ج8 ص 391 رقم 2308
[115] ) صحيح البخاري ج17 ص 184
[116] ) رواه ابن أبي شيبة ج5 ص 392
[117] ) صحيح البخاري ج17 ص 184
[118] ) صحيح البخاري ج17 ص 184
ولم يصح حديث مروي بأنه r نهى عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح ولا تقطع أوداجها ، قال ابن قدامة (وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الاوداج ثم تترك حتى تموت) لكن معناه صحيح .
[119] ) الشرح الكبير ج11 ص51
[120] ) الشرح الكبير ج11 ص51
[121] ) رواه مسلم ج10 ص 122 رقم 3615
[122] ) سهم ليس له ريش، دقيق الطرفين غليظ الوسط، يصيب بعرضه دون حده.
[123] ) تجنبا لموات الحيوان بفعل ضغط الآلة على جسمه لا بالجرح
[124] ) رواه مسلم ج10 ص 57 رقم 3560
[125] ) رواه أبو داود ج7 ص 499 رقم 2442 ضعفه الألباني الجامع الصغير ج1 ص 1030
[126] ) رواه البخاري ج7 ص 206 رقم 1913
[127] ) في هذا المعنى النووي شرح مسلم ج13 ص 75 ، سبل السلام ج4 ص 84 ، المنتقى شرح الموطأ ج3 ص 129 ، فتح الباري ج9 ص 600
[128] ) العمدة ج1 ص 451 ، عمدة الفقه لابن قدامة المقدسي ج1 ص 119 ، العدة شرح العمدة ج2 ص 92 لعبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي
[129] ) رواه البخاري ج8 ص 420 رقم 2324
[130] ) تقي الدين القشيري : إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ج1 ص 480 ، فتح الباري لابن حجر ج9 ص 629
[131] ) رواه مسلم ج10 ص 66 رقم 3568
[132] ) رواه مسلم ج10 ص67 رقم 3569
[133] ) رواه مسلم ج10 ص63 رقم 3566
[134] ) صحيح البخاري ج17 ص 184
[135] ) صحيح البخاري ج17 ص 184
[136] ) صحيح البخاري ج17 ص 184
[137] ) رواه البخاري ج17 ص 183 رقم 5085
[138] ) شرح النووي على مسلم ج13 ص 123
[139]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج19 ص 378
[140] ) فتح الباري ج9 ص 629
[141]) الديباج على مسلم للسيوطي ج5 ص 35
[142] ) رواه مسلم ج10 ص 122 رقم 3615
[143] ) رقم الفتوى : 4835 تاريخ الفتوى : 30 مايو 2019 دار الإفتاء المصرية : https://www.dar-alifta.org/ar/fatawa/15409/
[144] ) من الثابت أن النبي عليه الصلاة والسلام وجّه أصحابه في أثناء ذبح الدابة إلى أن تذبح من أوداجها فقط، دون أن يقطع رأسها، أمرنا أن نبقي رأسها موصولاً بجسمها
اكتشف العلم أن القلب مزوَّد بمولدة كهربائية خاصة به ، فالقلب لا يحتاج إلى تنبيه خارجي، ففيه مركز كهربائي يعطيه التنبيه النظامي من ستين إلى ثمانين ضربة في الدقيقة، وفيه مركز ثان احتياطي للمركز الأول، إن تعطل الأول عمل الثاني، وفيه مركز كهربائي ثالث احتياطي للمركز الثاني، فإن تعطل الثاني عمل الثالث، هذه المراكز الكهربائية تعطي أمراً بالنبض النظامي من ستين إلى ثمانين نبضة في الدقيقة، وهذا القلب بإمكانه أن يرفع استطاعته إلى درجة تزيد على ثلاثة أمثال استطاعته الطبيعية، فبينما ينبض قلب الإنسان ثمانين نبضة في الدقيقة إذا هو ينتقل فجأة إلى مئة وثمانين نبضة حينما يواجه خطراً، أو يعدو هرباً من عدو، أو يصعد درجاً عالياً، أو يواجه أزمة نفسية، فالجسم يحتاج إلى طاقة جديدة تمدّه بما يحتاج.
، والإدراك يكون من الدماغ بناء على تلقي صورة من شبكية العين، الدماغ ملك الجهاز العصبي، وعنده ملكة الجهاز الهرموني، وهي الغدة النخامية، وملك يخاطب ملكة، لابدّ من ضابط اتصال بينهما، في الدماغ يلتمس من الملكة أن تتصرف، الملكة عندها وزيرة داخلية تقول لها: هناك خطر فتصرّفي، فهذه الوزيرة هي الغدة النخامية تعطي أمراً للقلب برفع النبض، فقد يصل النبض إلى مئة وثمانين عند الخطر، وتعطي أمراً للرئتين ليرتفع وجيبهما ليتناسب الوجيب مع النبض.
ما الذي يرفع نبض القلب؟ إدراك الخطر، النخامية تأمر الكظر، والكظر يرسل أمراً هرمونياً عصبياً إلى القلب فيرتفع نبضه، الآن قلب الدابة حينما تذبح له مهمة أخرى، وهي إخراج الدم كله منها، لكن النبض الطبيعي ثمانون نبضة لا تكفي لإخراج الدم، لابد من أن يتلقى القلب أمراً استثنائياً يبدأ من الدماغ، ويسير إلى الكظر، ويعود إلى القلب من أجل رفع هذا النبض، هذا لا يتم إلا إذا كان الرأس متصلاً بالجسد، فلذلك حينما تذبح الدابة يعمل الأمر الاستثنائي فيرتفع نبض قلب الدابة إلى مئة وثمانين، وهذه الضربات السريعة كافية لإخراج الدم كله من جسم الدابة.
[145] ) سنن البيهقي الكبرى ج9 ص 278
[146] ) رواه ابن ماجة ج9 ص 412 رقم 3209 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 216
[147] ) ابن القيم : زاد المعاد في هدي خير العباد ج3 ص 393
[148] ) طيور الصُّرَد (بالإنجليزيّة: Shrike) من الطّيور المفترسة متوسطة الحجم، التي تنتمي إلى الفصيلة الصُّرَدية، أو فصيلة الدّقنوش (بالإنجليزيّة: Laniidae)، ورتبة العصفوريات (بالإنجليزيّة: Passeriformes). يتميّز طائر الصُّرَد بمنقار قوي يُمكّنه من قتل الحشرات، والسّحالي، والفئران، والطّيور صغيرة الحجم. يُشتهَر طائر الصُّرَد بأنّه يعلّق فريسته على الأجسام المدبّبة كما يُعلق الجزار اللّحم على الخطاف، لذلك فهو يُسمى أيضاََ طائر النُهَس، أو الطّائر الجزار (بالإنجليزيّة: butcherbird)(
https://www.britannica.com/animal/shrike
The Editors of Encyclopaedia Britannica, "Shrike"، www.britannica.com, Retrieved 8-4-2018. Edited.
[149] ) رواه البيهقي ج9 ص 317 رقم 19162
[150] ) فتوى الشيخ ابن باز على موقعه الالكتروني
https://binbaz.org.sa/fatwas/8958
[151] ) يعتبر طائر الصرد من الطيور الجارحة الصغيرة والتي تتواجد في مناطق الشجيرات الشوكية التي تستخدمها في تعليق فرائسها بعد صيدها لتبدأ بتمزيقها واكلها. يقوم طائر الصرد بقتل فريسته بكسر رقبتها، وتقطع حبلها الشوكي بمنقارها، ثم تقوم بحمل الفريسة التي قد تتساوى لها في الوزن للسياج، أو للشجيرة الشائكة لتثبت الفريسة عليها لتبدأ في نهشها. وهي تتبع هذا الاسلوب من فريستها لضعف المخالب التي تمتلكها، مما يصعب عليها تثبيتها بنفسها، ويتغذى الصرد على الحشرات والطيور والزواحف والثديات الصغيرة. أنواع طائر الصرد: https://alanbatnews.net/article/354587
[152] ) https://www.scientificamerican.com/article/surprise-bees-need-meat/
Ask an entomologist what makes a bee a bee, and you’ll likely get some version of “bees are just wasps that went vegetarian.” New research shows that isn’t true. Bees are actually omnivores, and their meat is microbes. Scientists have known for decades that fermenting microbes are present in pollen, but no one had seemed to consider whether they were also an important food for bees. The microbes function as an “external rumen” that breaks down parts of the pollen. It stands to reason that bees might ingest some microbes, but two researchers decided to investigate whether they eat enough to make them omnivores—and if the bees truly need those microbes to thrive.
يندهش البعض إذا علم أن هناك نوعا من النحل يصنف بكونه آكل اللحوم وفقا لدراسات علماء الأحياء لبنية هذه الفئة من النحل، فإن أمعاء هذه النحلة تشبه إلى حد كبير الجهاز الهضمى للصقور والنسور والضباع وغيرهم مما يسمح للنحل بأكل الجيف دون الإضرار بأنفسهم.وقبل بضعة عقود فقط توصل علماء الحشرات إلى اكتشاف مذهل إلى حد ما مفاده أن ليس كل النحل يتغذى على حبوب اللقاح والرحيق. ففي أعماق الغابات المطيرة في كوستاريكا، وجدوا ثلاثة أنواع يبدو أنها تفضل اللحم الميت على الأزهار.
وفي دراسة نُشرت مؤخراً، كشف العلماء أن «نحل النسر» بها بكتيريا أمعاء يبدو أنها تعيش في البيئات الحمضية، تماماً مثل البكتيريا الموجودة في أحشاء الكائنات الأخرى المحبة للجيف، مثل النسور والضباع. وفي اكتشاف آخر مفاجئ، وجد الباحثون أنه على الرغم من نظامه الغذائي غير المعتاد، إلا أنه لا يزال ينتج العسل الحلو.
https://almsaey.akhbarelyom.com/news/newdetails/3222480/1/
اقرأ : لماذا تخلى «نحل النسر» عن الرحيق ليتغذى على الجثث
https://www.infobae.com/ae/2022/03/27/why-vulture-bees-abandoned-nectar-to-feed-on-corpses/
اقرأ : فائدة مذهلة للميكروبات داخل أمعاء النحل
https://aawsat.com/home/article/3635306/
[153] ) ولا أظن أن ثمة مثال للزواحف العشبية التي يمكن أن تذكى غير الضب والله أعلم
[154] ) رواه البخاري ج17 ص 219 رقم 5111
[155] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج4 ص 49 رقم 1243 ، ج4ص51 رقم 1245 وابن ماجة والنسائي وغيرهما وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1ص479 رقم 480
[156] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج11 ص 44 المغني ج21 ص 426
[157] ) وقد أشكل اعتباره من المخلوقات المائية أم البرية – لكن معروف أنه آكلي اللحوم وإن لم يكن له ناب ، ومن المفترسات تفترس الفئران وكل ما هو أصغر منها بالبلع
[158] ) رواه أبو داود ج14 ص 10 رقم 4585 ، وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1293 رقم 12927
[159] ) الملا علي القاري : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج12 ص 404
[160] ) شرح سنن أبي داود ج 22 ص 192
[161] ) رواه البخاري ج7 ص 460 رقم 2069
[162] ) رواه البخاري ج7 ص 484 رقم 2082
[163] ) فتح الباري لابن حجر ج4 ص 425
[164] ) سبل السلام ج3 ص 6
[165] ) من العلماء من لم يجز بيع الشحوم المستخلصة من الميتة لهذا الحديث وذكر خلاف الفقهاء في المسألة كالشيخ ابن جبرين :
https://islamqa.info/ar/answers/12670/
قال النووي : (قوله r لا هو حرام فمعناه لا تبيعوها فإن بيعها حرام والضمير في هو يعود إلى البيع لا إلى الانتفاع هذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة في طلى السفن والاستصباح بها وغير ذلك مما ليس بأكل ولا في بدن الآدمي وبهذا قال أيضا عطاء بن أبي رباح ومحمد بن جرير الطبري وقال الجمهور لا يجوز الانتفاع به في شيء أصلا لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة الا ماخص وهو الجلد المدبوغ)
[166] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج6 ص 360
[167] ) شرح النووي على مسلم ج11 ص 7
[168] ) نظم الدرر ج2 ص 330
[169] ) تفسير القرطبي ج2 ص 222
[170] ) إغاثة اللهفان ج1 ص 152
[171] ) الدر المنثور للسيوطي ج4 ص 150
[172] ) الدر المنثور ج4 ص 150
[173] ) رواه ابن ماجة ج10 ص 51 رقم 3305 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 232 رقم 2679
[174] ) رواه مسلم ج10 ص 292 رقم 3761
[175] ) https://ruqya.net/forum/showthread.php?t=2034
[176] ) رواه البخاري ج7 ص 180 رقم 1898
[177] ) هذه الزيادة عند البيهقي في شعب الإيمان ج5 ص 321 رقم 6799
[178] ) عرف المصريون القدماء شكلاً من أشكال القرابين البشرية، خاصة في بداية الأسرات، حيث كانت تُقدم بعض الخدم والمقربين للملوك لخدمتهم في الحياة الأخرى (خاصة الأسرة الأولى)، لكن الأدلة الأثرية تشير إلى أن الغالبية العظمى من القرابين كانت عبارة عن الأطعمة والمشروبات والحيوانات (كالثيران، الطيور) والسلع الفاخرة لضمان إمداد المتوفى في العالم الآخر، مع وجود نصوص جنائزية تُشير لهذه القرابين دون الإشارة لسفك الدماء البشرية بشكل واسع في المراحل المتأخرة، بل تطورت الطقوس لتشمل تماثيل الأوشابتي لتقوم بالعمل بدلاً عنهم.
ومن أدلة القرابين البشرية: وُجدت مقابر حول المقابر الملكية (مثل أبيدوس) تضم رفات أفراد خدموا الملك، يُعتقد أنهم قُتلوا ليرافقوا الملك في العالم الآخر في عهد الأسرة الأولى.
حيوانات: ثيران وأوز وبط وغيرها، تُذبح وتُقدم بعد تحضيرها، كما يظهر في مشاهد المقابر.
نصوص القرابين: صيغة "حتپ دي نسو" كانت تُكتب لتضمن للمتوفى مشاركة في القرابين المقدمة للآله
[179] ) صيغة "حتب دي نسو" (Htp-di-nsw) هي صيغة قرابين أساسية في مصر القديمة تعني "قربان يقدمه الملك"، وتُكتب على الآثار الجنائزية للسماح للمتوفى بالوصول إلى القرابين المقدمة للآلهة (مثل الخبز والبيرة واللحوم والكتان والملابس) باسم الملك، وتتضمن اسم الإله (كأوزوريس أو أنوبيس) والملك، ثم عبارة "برت-خرو" (prt-xrw) أو "قربان بالصوت"، وتُنقش على اللوحات والجدران، وتُعد من أشهر النصوص المصرية الوسطى التي استخدمها الجميع وليس فقط الملوك
[180] ) http://www.ibn-jebreen.com/fatwa/vmasal-3705-.html
[181] ) صحيح البخاري ج7 ص 461 صدر الباب
[182] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 375 رقم 310
[183] ) رواه مسلم ج10 ص 94 رقم 3593
[184] ) إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج4 ص 22 بقلم (سليمان بن محمد اللهيميد)
[185] ) المجموع شرح المهذب ج2 ص 568
[186] ) رواه البخاري ج6 ص 359 رقم 1698
[187] ) رواه مسلم ج6 ص 171 رقم 2073
[188] ) رواه مسلم ج11 ص 293 رقم 4154
[189] ) النهاية في غريب الأثر ج3 ص 854 تحفة الأحوذي ج6 ص 433 عون المعبود ج5 ص 210
[190] ) رواه البخاري ج7 ص 462 رقم 2070
[191] ) علي بن نايف الشحود : الخلاصة في أحكام أهل الذمة ج1 ص 457 - المفصل في شرح الشروط العمرية ج1 ص 281
[192] ) ذكرته في موضع في التفسير ولا أتذكره حاليا
[193] ) اقتضاء الصراط ج1 ص 255 دقائق التفسير ج2 ص 132
[194] ) تفسر الشعراوي ج1 ص 2018
[195] ) رواه مسلم ج10 ص 174 رقم 3657 ، ورواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني
[196] ) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ج1 ص 75
[197] )
[198] ) اقتضاء الصراط ج1 ص 252 دقائق التفسير ج2 ص 131
[199] ) رواه البخاري ج17 ص 179 رقم 5083
[200] ) حاشية السندي على صحيح البخاري ج3 ص 119
قال المهلب : هذا أصل أن التسمية فى الذبح ليست بفرض ، ولو كانت فرضًا لاشترطت على كل حال . والأمة مجمعة أن التسمية على الأكل مندوب إليه ، وليست بفريضة ، فلما نابت عن التسمية على الذبح دل أنها سنة ؛ لأنه لا ينوب عن فرض (شرح البخاري لابن بطال ج5ص413)
ويرد عليه بأن التسمية فرض بالآية وليست بالحديث بل النهي واضح في قوله (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) ، والإجماع الذي ذكره فليس هو الإجماع الأصولي الذي يحتج به ، وقوله النيابة لا تصلح في الفرض ، فهذا ليس بصحيح ، فيجوز لمن يريد الحج ولا يستطيع الرمي أن ينيب عنه من يرمي له ، بل إن الميت يجوز أن يحج عنه ابنه بنص الحديث
[201] ) رواه البخاري ج17 ص 175 رقم 5081
[202] ) رواه البخاري ج8 ص 391 رقم 2308
[203] ) في ظلال القرآن ج2 ص 312
[204] ) تفسير القرطبي ج6 ص 57
[205] ) تفسير الشعراوي ج 1 ص 2018
[206] ) تفسير الشعراوي ج 1 ص 2762
[207] ) في ظلال القرآن ج2 ص 312
[208] ) مكان
[209] ) رواه البخاري ج17 ص 166 رقم 5075
[210] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج24 ص 477
[211] ) فتح الباري لابن حجر ج7 ص 143
[212] ) قالوا : وأزلام العرب ثلاثة أنواع : أحدها : الثلاثة التي يتخذها كل إنسان لنفسه في أحدها افعل وفي الآخر لا تفعل والثالث غفل فيجعلها في خريطة ، فإذا أراد فعل شيء دخل يده في الخريطة منسابة ، وائتمر بما خرج له من الآمر أو الناهي ، وإن خرج الغفل أعاد الضرب.
والثاني : سبعة قداح كانت عندها في جوف الكعبة ، في أحدها العقل في أمر الديات من يحمله منهم فيضرب بالسبعة ، فمن خرج عليه قدح العقل لزمه العقل ، وفي آخر تصح ، وفي آخر لا ، فإذا أرادوا أمراً ضرب فيتبع ما يخرج ، وفي آخر منكم ، وفي آخر من غيركم ، وفي آخر ملصق ، فإذا اختلفوا في إنسان أهو منهم أمْ من غيرهم ضربوا فاتبعوا ما خرج ، وفي سائرها لأحكام المياه إذا أرادوا أن يحفروا لطلب المياه ضربوا بالقداح ، وفيها ذلك القداح ، فحيث ما خرج عملوا به.
وهذه السبعة أيضاً متخذة عند كل كاهن من كهان العرب وحكامهم على ما كانت في الكعبة عند هبل.
والثالث : قداح الميسر وهي عشرة ، وتقدم شرح الميسر في سورة البقرة. انظر : (تفسير ابن كثير ج3ص24) (ابن حيان ج 4 ص 365 ) (تفسير الثعالبي ج1 ص 441 )
[213] ) إغاثة اللهفان ج1 ص 208
[214] ) لسان العرب ج12 ص 269
[215] ) لسان العرب ج12 ص 478
[216] ) إعلام الموقعين ج2 ص 167
[217] ) التحرير والتنوير ج5 ص 28
[218] ) تفسير القشيري ج2 ص 85
[219] ) التحرير والتنوير ج5 ص 28
[220] ) رواه الترمذي ج3 ص 1 رقم 558 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج3 ص 1 رقم 558
[221] ) رواه مسلم ج5 ص 192 رقم 1686
[222] ) التحرير والتنوير ج5 ص 28
[223] ) في ظلال القرآن ج ص
[224] ) رواه مسلم ج13 ص 424 رقم 5030
[225] ) رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 171 رقم 318
[226] ) رواه أحمد في مسنده ج 23 ص 93 رقم 11048
[227] ) البحر المحيط ج2 ص 90
[228] ) مجموع الفتاوى ج28 ص 449
[229] ) رواه ابن ماجة في سننه ج12 ص 11 رقم 3997 وصححه الالباني : صحيح سنن ابن ماجة ج 2 ص 368 رقم 3237
[230] ) تحفة الأحوذي للمباركفوري ج6 ص 357
[231] ) شرج سنن ابن ماجة ج ص 289
[232] ) تفسير الطبري ج9 ص 516
[233] ) رواه البخاري ج1 ص 78 رقم 43
[234] ) جامع الأحاديث للسيوطي ج28 ص 476
[235] ) التحرير والتنوير ج5 ص 33
[236] ) ابن القيم الجوزية : اجتماع الجيوش الإسلالمية ج1 ص 4
[237] ) رواه مسلم ج2 ص 329 رقم 579 .
[238] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 334 رقم 3860 ، والمتن صحيح المعنى
قال الألباني : وهذا إسناد ضعيف ، وله علتان : الجهالة ، والاضطراب :
1- أما الجهالة ؛ فهي جهالة سابق هذا - وهو ابن ناجية - ؛ قال الذهبي في "الميزان" : "ما روى عنه سوى هاشم بن بلال" .
قلت :وهاشم بن بلال - هو أبو عقيل - ؛ وهو ثقة ؛ من رجال مسلم .
2- وأما الاضطراب ؛ فهو أن شعبة خالف مسعراً في إسناده فقال : سمعت أبا عقيل يحدث عن سابق بن ناجية عن أبي سلام قال :
كنا قعوداً في مسجد حمص ؛ إذ مر رجل فقالوا : هذا خدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : فنهضت فسألته ، فقلت : حدثنا بما سمعت من من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتداوله الرجال فيما بينهم . قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :
"ما من مسلم يقول ثلاث مرات حين يمسي أو حين يصبح ..." الحديث
[239] ) مدارج السالكين ج2 ص 187
[240] ) الأشباه والنظائر للسيوطي ج1 ص 76
[241] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 199 رقم 4154 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 404 رقم 3359
[242] ) رواه البخاري ج17 ص 328
[243] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2023
[244] ) تفسير الرازي ج5 ص 469
[245] ) رواه البخاري ج17 ص 328
[246] ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج1 ص 250
[247] ) التحرير والتنوير ج5 ص 37
[248] ) رواه مسلم ج13 ص 154 رقم 4723
[249] ) رواه مسلم ج5 ص 192 رقم 1686
[250] ) رواه البخاري ج16 ص 493 رقم 4972
[251] ) تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المعروف بابن النجار : علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي: التحبير شرح التحرير ج8 ص 3851 ، شرح الكوكب المنير ج4 ص 447
[252] ) المحصول للرازي ج5 ص 237
[253] ) رواه البخاري ج18 ص 74 رقم 5333
[254] ) تيسير علم أصول الفقه للجديع ج1 ص 47
[255] ) أبي عاصم هشام بن عبد القادر بن محمد آل عقدة : الأدلة على اعتبار المصالح والمفاسد ج1 ص 4 ، د عبد الله بن بية : المعاملات والمقاصد
[256] ) الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود " فتاوى اللجنة الدائمة " ( 25 / 77 ، 78 )
[257] ) راجع قرار رقم 63 (7/1) بشأن الأسواق المالية ، مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في الفترة من 7-12 ذي القعدة 1412 هـ - 9-14 مايو 1992 م
https://iifa-aifi.org/ar/1845.html
[258] ) الملتقيات الفقهية : مصدر الراجحي : إصدارات المجموعة الشرعية رقم 12 ص 25 وما بعدها ، مدير عام المجموعة الشرعية : د صالح بن عبد الله اللحيدان
[259] ) في هذا المعنى الموافقات للشاطبي ج3 ص 468 وما بعدها
[260] ) المرجع السابق ، وانتهى البحث إلى خاتمة مؤداها :
أن شركات المساهمة والصناديق الاسـتثمارية المفتوحـة لا تـزال تواجـه مـشكلة علمية، تتمثل في كثرة الديون والنقود، وفي الحقيقة تعد هذه المسألة من معضلات المسائل، وإذا كان موضوع القبض «قد أشكل عـلى كثـير مـن الفقهـاء أولي الألبـاب»كـما قـال شـيخ الإسلام ، فإن هذه المسألة لا تقل عنها
[261] ) رواه البخاري ج1 ص 31 رقم 18
[262] ) تفسير ابن عثيمين 1/63
: https://dorar.net/tafseer/5/3
[263] ) سليمان بن محمد اللهيميد / إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج4 ص 30
[264] ) دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية للشيخ عبد الله بن جبرين : شرح عمدة الأحكام درس 75 ص 8
[265] ) رواه البخاري ج17 ص 140 رقم 5059
[266] ) رواه مسلم ج8 ص 228 رقم 2944
[267] ) صحيح البخاري ج17 ص 142
[268] ) فتح الباري لابن حجر ج9 ص 610
[269] ) مفتاح دار السعادة ج1 ص 55
[270] ) رواه مسلم ج10 ص 62 رقم 3565
[271] ) إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج4 ص 32
[272] ) شرح النووي على مسلم ج13 ص 78
[273] ) تأسيس الأحكام ج5 ص 157
[274] ) شرح النووي على مسلم ج13 ص 78
[275] ) شرح النووي على مسلم ج13 ص 78
[276] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 205 محاسن التأويل : تفسير القاسمي
[277] ) رواه البخاري ج22 ص 257 رقم 6745
[278] ) التحرير والتنوير ج5 ص 46
[279] ) في ظلال القرآن ج2 ص 320
[280] ) بنو تغلب بن وائل بن ربيعة بن نزار ، من صميم العرب انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية وكانوا قبيلة عظيمة لهم شوكة قوية واستمروا على ذلك حتى جاء الإسلام فصولحوا على مضاعفة الصدقة عليهم عوضا من الجزية واختلفت الرواية متى صولحوا .
عن زرعة بن النعمان - أو النعمان بن زرعة - أنه سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وكلمه في نصارى بني تغلب ، وكان عمر رضي الله عنه قد هم أن يأخذ منهم الجزية فتفرقوا في البلاد ، فقال النعمان لعمر : يا أمير المؤمنين إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية ، وليست لهم أموال إنما هم أصحاب حروث ومواش ، ولهم نكاية في العدو فلا تعن عدوك عليك بهم ، فصالحهم عمر رضي الله عنه على أن أضعف عليهم الصدقة واشترط عليهم ألا ينصروا أولادهم .
قال مغيرة : فحدثت أن عليا قال : لئن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي : لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم ، فقد نقضوا العهد ، وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم .
عن زياد بن حدير : أن عمر رضي الله عنه أمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر ، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر .
عمر بن عبد العزيز أنه أبى عليهم إلا الجزية وقال : " لا والله [ ص: 211 ] إلا الجزية ، وإلا فقد آذنتم بالحرب .
ولعله رأى أن شوكتهم ضعفت ، ولم يخف منهم ما خاف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإن عمر رضي الله عنه كان بعد مشغولا بقتال الكفار وفتح البلاد فلم يأمن أن يلحقوا بعده فيقوونهم عليه ، وعمر [ بن عبد العزيز ] أمن ذلك .
وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : " لئن بقيت لهم لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذريتهم ، فإنهم نقضوا العهد ونصروا أولادهم " .
وعلى هذا فلا تجري هذه الأحكام التي ذكرها الفقهاء فيهم فإنهم ناقضون للعهد ، ولكن العمل على جريانها عليهم فلعل بعض الأئمة جدد لهم صلحا على أن حكم أولادهم حكمهم كسائر أهل الذمة والله أعلم .
انظر أحكام أهل الذمة لابن القيم
[281] ) مجموع الفتاوى ج35 ص 224
وقال (وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ،وَالْجُمْهُورِ أَحَلُّوهَا وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَد . ثُمَّ الَّذِينَ كَرِهُوا ذَبَائِحَ بَنِي تَغْلِبَ تَنَازَعُوا فِي مَأْخَذِ عَلِيٍّ . فَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ عَلِيًّا إنَّمَا حَرَّمَ ذَبَائِحَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ آبَاءَهُمْ دَخَلُوا فِي دِين أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ ، وَبَنَوْا عَلَى هَذَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي أَهْل الْكِتَابِ بِالنَّسَبِ لَا بِنَفْسِ الرَّجُلِ وَأَنَّ مَنْ شَكَكْنَا فِي أَجْدَادِهِ هَلْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَمْ لَا ؟ أَخَذْنَا بِالِاحْتِيَاطِ فَحَقَنَّا دَمَهُ بِالْجِزْيَةِ احْتِيَاطًا وَحَرَّمْنَا ذَبِيحَتَهُ وَنِسَاءَهُ احْتِيَاطًا . وَهَذَا مَأْخَذُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَلِيٌّ لَمْ يَكْرَهْ ذَبَائِحَ بَنِي تَغْلِبَ إلَّا لِكَوْنِهِمْ مَا تَدَيَّنُوا بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي وَاجِبَاتِهِ وَمَحْظُورَاتِهِ ؛ بَلْ أَخَذُوا مِنْهُ حِلَّ الْمُحَرَّمَاتِ فَقَطْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : إنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ . وَهَذَا الْمَأْخَذُ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ . " وَبِالْجُمْلَةِ " فَالْقَوْلُ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ هُمْ مَنْ كَانَ دَخَلَ جَدُّهُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ . وَالْقَوْلُ بِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَادَ ذَلِكَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ ؛ بَلْ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ كَوْنَ الرَّجُلِ كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ هُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لَا بِنِسْبَةِ وَكُلُّ مَنْ تَدَيَّنَ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهُوَ مِنْهُمْ سَوَاءٌ كَانَ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَسَوَاءٌ كَانَ دُخُولُهُ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ . وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْ أَحْمَد وَإِنْ كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الثَّابِتُ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ نِزَاعًا وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِي أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ قَدِيمٌ وَاحْتَجَّ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَنْ لَا يُقِرُّ الرَّجُلَ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ كَمَنْ هُوَ فِي زَمَانِنَا إذَا انْتَقَلَ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَتُنْكَحُ نِسَاؤُهُ . وَهَذَا يُبَيِّنُ خَطَأَ مَنْ يُنَاقِضُ مِنْهُمْ . وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ يَقُولُونَ مَنْ دَخَلَ هُوَ أَوْ أَبَوَاهُ أَوْ جَدُّهُ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ أَقَرَّ بِالْجِزْيَةِ سَوَاءٌ دَخَلَ فِي زَمَانِنَا هَذَا أَوْ قَبْلَهُ . وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الْآخَرِ يَقُولُونَ : مَتَى عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ إلَّا بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ ؛ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد مَعَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ . وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ؛ وَالدَّلِيلِ عَلَيْهِ وُجُوهٌ : " أَحَدُهَا " أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْصَارِ جَمَاعَةٌ تَهَوَّدُوا قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَلِيلِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ . إنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ مِقْلَاتًا - وَالْمُقِلَّاتُ الَّتِي لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ . كَثِيرَةُ الْقَلَتِ وَالْقَلَتُ الْمَوْتُ وَالْهَلَاكُ كَمَا يُقَالُ : امْرَأَةٌ مِذْكَارٌ وميناث إذَا كَانَتْ كَثِيرَةَ الْوِلَادَةِ)
[282] ) صحيح البخاري ج17 ص 180
[283] ) رواه البخاري ج17 ص 179 رقم 5083
[284] ) حاشية السندي على صحيح البخاري ج3 ص 119
[285] ) اقتضاء الصراط ج1 ص 252
[286] ) إقتضاء الصراط ج1 ص 251
[287] ) هذا بخلاف الذبيحة التي تستورد من بلاد الكفر بل ودار الحرب ، والله أعلم
[288] ) رواه البخاري ج 16 ص 335 رقم 4877
[289] ) قال ابن تيمية (فَإِنْ قِيلَ : هَذِهِ الْآيَةُ مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } . وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } . قِيلَ : الْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ . أَحَدُهَا : أَنَّ الشِّرْكَ الْمُطْلَقَ فِي الْقُرْآنِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ , وَإِنَّمَا يَدْخُلُونَ فِي الشِّرْكِ الْمُقَيَّدِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ } . فَجَعَلَ الْمُشْرِكِينَ قِسْمًا غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ , وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا } . فَجَعَلَهُمْ قِسْمًا غَيْرَهُمْ , فَأَمَّا دُخُولُهُمْ فِي الْمُقَيَّدِ , فَفِي قَوْله تَعَالَى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا
هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } . فَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ . وَسَبَبُ هَذَا : أَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ الْكُتُبَ وَأَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ لَيْسَ فِيهِ شِرْكٌ , كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } . وَقَالَ : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } , وَلَكِنَّهُمْ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا , فَابْتَدَعُوا مِنْ الشِّرْكِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ اللَّهُ سُلْطَانًا , فَصَارَ فِيهِمْ شِرْكٌ بِاعْتِبَارِ مَا ابْتَدَعُوا , لَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الدِّينِ . وقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } هُوَ تَعْرِيفٌ لِلْكَوَافِرِ الْمَعْرُوفَاتِ اللَّاتِي كُنَّ فِي عِصَمِ الْمُسْلِمِينَ , وَأُولَئِكَ كُنَّ مُشْرِكَاتٍ لَا كِتَابِيَّاتٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَنَحْوِهَا . الْوَجْهُ الثَّانِي : إذَا قُدِّرَ أَنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكَاتِ وَالْكَوَافِرِ يَعُمُّ الْكِتَابِيَّاتِ , فَآيَةُ الْمَائِدَةِ خَاصَّةٌ , وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالْمُمْتَحِنَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ , كَمَا فِي الْحَدِيثِ { الْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا } وَالْخَاصُّ الْمُتَأَخِّرُ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ , لَكِنَّ الْجُمْهُورَ يَقُولُونَ إنَّهُ مُفَسِّرٌ لَهُ , فَتَبَيَّنَ أَنَّ صُورَةَ التَّخْصِيصِ لَمْ تَرِدْ
(الفتاوى الكبرى ج1 ص 160 ، إقامة الدليل على إبطال التحليل ج4 ص 190 )
[290] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج7 ص 171 رقم 14350
[291] ) الجواب الصحيح ج3 ص 116
[292] ) رواه عبد الرزاق في مصنفه ج7 ص 186 رقم 12713
[293] ) تفسير الطبري ج9 ص 576
[294] ) مشكل الآثار للطحاوي ج13 ص 335 رقم 5340
[295] ) تفسير الطبري ج9 ص 574
[296] ) روضة الطالبين وعمدة المفتين (7/135-137( وراجع المنهاج (3/187)
[297] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج7 ص 171 رقم 14350
[298] ) تفسير الطبري ج9ص 585
[299] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج7 ص 171 رقم 14350
[300] ) تفسير الرازي ج5 ص 474
[301] ) رواه البخاري ج16 ص 337 رقم 4878
[302] ) التحرير والتنوير ج5 ص 46
[303] ) في ظلال القرآن ج2 ص 320
[304] ) التحرير والتنوير ج5 ص 47
[305] ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج1 ص 341
[306] ) تفسير الرازي ج5 ص 474
[307] ) رواه البخاري ج3 ص 74 رقم 635
[308] ) فيض القدير ج3 ص 114 ورواه الأزدي ف الضعفاء من حديث سويد بن غفلة مرسلا انظر تخريج أحاديث الإحياء للحافظ العراقي ج1 ص 399
[309] ) رواه مسلم ج3 ص 408 رقم 1062
[310] ) رواه مسلم ج3 ص 297 رقم 969
[311] ) د سعد الخثلان : https://www.youtube.com/watch?app=desktop&v=Yivc8q_VjhE
[312] ) رواه البخاري ج3 ص 205 رقم 715
[313] ) رواه البخاري ج3 ص 205 رقم 715
[314] ) رواه أبو داود ج2 ص 450 رقم 675
[315] ) رواه أبو داود ج12 ص 402 رقم 4151 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج 10 ص 282 رقم 4782
[316] ) رواه البخاري ج1 ص 359 رقم 207
[317] ) رواه البخاري ج21 ص288 رقم 6440 - اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ج1 ص 89
[318] ) رواه البخاري ج1 ص 232 رقم 132
[319] ) رواه الترمذي ج1 ص 126 رقم 69 وصححه الترمذي : الجامع الصغير ج1 ص 1353 رقم 13530
[320] ) رواه مسلم ج1 ص 141 رقم 560
[321] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 320 رقم 269 وصححه الالباني : صحيح ابن ماجة ج 1 ص 51 رقم 220 وأخرجه مسلم
[322] ) شرح النووي على مسلم ج3 ص 102
[323] ) رواه أبو داود ج1 ص 118 رقم 76 وغيره وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج1 ص 161
[324] ) جنسيا
[325] ) رواه أحمد في مسنده عن ثوبان ج45 ص 359 رقم 21344 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 114 رقم115
[326] ) رواه أبو داود ج12 ص 403 رقم 4152
وقد ذكره أيضا العلامة ابن القيم في كتاب "الوابل الصيب" 1/201في فصل : "فيما يقال ويفعل عند الغضب"
[327]) https://islamqa.info/ar/answers/133861
[328] ) رواه البخاري ج4 ص 322 رقم 1081
[329] ) الجنابة لغةً: البُعد. الجنابة اصطلاحًا: إنزال المني، أو التقاء الختانين، وسميت به لكونها سببًا لتجنب الصلاة شرعًا. فيَكون: بنزول المني أو بالتقاء الختانين ولو من غير إنزال: كتغييب الحشفة في الفرج
[330] ) رواه البخاري ج1 ص 484 رقم 282
[331] ) رواه ابن ماجة ج2 ص 260 رقم 600 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 99 رقم 492
[332] ) رواه البخاري ج1 ص 486 رقم 283
وكان الحكم بخلاف ذلك أول الإسلام تخفيفا على الصحابة ، فعن أبي أنه قال يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة ولم ينزل قال يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي ) ، قال ابن الجوزي (هذا كان في أول الإسلام ثم نسخ على ما بينا في مسند عثمان بن عفان) كشف المشكلج1 ص 352
[333] ) شرح النووي على مسلم ج4 ص 36
[334] ) رواه مسلم ج2 ص 192رقم 474
[335] ) رواه مسلم ج2 ص 218 رقم 497
[336] ) رواه مسلم ج2 ص 216 رقم 496
[337] ) رواه مسلم ج2 ص 202 رقم 483
[338] ) رواه مسلم ج2 ص 209 رقم 490
[339] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 1140
[340] ) شرح سنن أبي داود ج1 ص 341 ، ابن بطال : شرح صحيح البخاري ج1 ص 302 ، شرح عمدة الأحكام ج5ص12 ،
قال ابن قتيبة (وقد اختلف الناس في مقدار المُدّ والصاع فكان ابراهيم ومن وافقه من العراقيين يقولون صاع النبي ثمانية أرطال ومُدُّه رَطْلان رواه حجَّاج عن الحَكَم عن ابراهيم وكان شريك يقول الصاع أقل من ثمانية وأكثر من سبعة وكان سفيان يقول هو مثل القفيز الحَجَّاجي والحَجَّاجي ثمانية أرطال وأخبرنا اسحق بن ابراهيم الحَنْظليّ المعروف بابن راهَويَهْ ان الصَّاع خمسة أرطال وثلاث برَطْل زماننا وان المُدَّ ربع الصاع) انظر : غريب الحديث ج1 ص 162
[341] ) رواه مسلم ج2 ص 176 رقم 461
[342] ) إعلام الموقعين ج2 ص 77
[343] ) د / عبد البديع حمزة زللي : عضو هيئة التدريس بجامعة طيبة : الإعجاز العلمي في لفظ الجنابة وحكمها الشرعي بحث منشور بمجلة بحوث ودراسات المدينة المنورة العدد23
http://www.bayanelislam.net/Suspicion.aspx?id=04-05-0002
[344] ) الأشباه والنظائر للسيوطي ج1 ص 76
[345] ) رواه أبو داود ج 1 ص 411 رقم 284 وصححه الالباني صحيح سنن أبي داود ج 2 ص 159 رقم 364
[346] ) عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة : كلية الحديث الشريف https://iu.edu.sa/faculty-member900279
[347] ) وقال البيهقي في «السنن الكبير» (ح 1054)، و«الخلافيات» (ح809): «إسناده صحيح»، وقال في «الخلافيات»: «أصح حديث في الباب: حديث ابن عمر، وبه تقع الكفاية، إذا لا يعرف له عن الصحابة مخالفٌ»، ونقله وأقرَّه: الملقِّن في «البدر المنير» (2/ 676)، وابن حجر في «التلخيص الحبير» (1/ 272)
[348] ) عبد الله محمد السحيم : تخريج أحاديث التيمم لكل صلاة
https://www.alukah.net/sharia/0/110444/ تخريج-آثار-الصحابة-الواردة-في-مسألة-التيمم-لكل-صلاة/
[349] ) رواه أحمد في مسنده ج15 ص 241 رقم 7200 وحسنه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 945 رقم 9449
[350] ) رواه أحمد ج35 ص 231 رقم 21304 الجامع الصغير ج1 ص 255 رقم 2546
[351] ) رواه البخاري ج2 ص 57 رقم 322
[352] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 354
[353] ) التحرير والتنوير ج5 ص 53
[354] ) رواه مسلم ج2 ص 45 رقم 360
[355] ) رواه ابن ماجة ج2 ص 123 رقم 502 وصححه الألباني صحيح ابن ماجة ج 1 ص83 رقم 412 وقال أخرجه مسلم
[356] ) التحرير والتنوير ج5 ص 53
[357] ) رواه مسلم ج2 ص 57 رقم 369
[358] ) رواه مسلم ج2 ص 25 رقم 345
[359] ) رواه الترمذي ج1 ص 92 رقم 50
[360] ) التحرير والتنوير ج5 ص 53
[361] ) رواه مسلم ج2 ص 3 رقم 328
[362] ) شرح النووي على مسلم ج3 ص 100
[363] ) التحرير والتنوير ج5 ص 53
[364] ) التحرير والتنوير ج5 ص 54
[365] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 62
[366] ) تفسير الألوسي ج4 ص 406
[367] ) رواه البخاري ج21 ص 444 رقم 6532
[368] ) رواه البخاري ج22 ص 140 رقم 6660
[369] ) رواه البخاري ج1 ص 98 رقم55
[370] ) رواه مسلم ج9 ص 264 رقم 3342
[371] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 256
[372] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 144
[373] ) رواه النسائي ج14 ص 359 رقم 4653 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج10 ص 306 رقم 4734
[374] ) الإمام الطحاوي : شرح مشكل الآثار ج3 ص 278
[375] ) الإمام الطحاوي : شرح مشكل الآثار ج3 ص 278
[376] ) الإمام الطحاوي : شرح مشكل الآثار ج3 ص 278
[377] ) تفسير الخازن ج2 ص 245 مع تصرف
[378] ) تفسير السعدي ج 1 ص 224 فيض الرحمن تفسير جواهر القرآن ج2 ص 127
[379] ) تفسير الرازي ج6 ص 6
[380] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 678
[381]) الخطيب الشربيني : تفسير السراج المنير ج1 ص 783 مع تصرف
[382] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 47 رقم 93 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 43 رقم 93/69
[383] ) رواه مسلم ج9 ص 350 رقم 3406
[384] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج3 ص 50
[385] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 678
[386] ) رواه البخاري ج10 ص 423 رقم 2930
[387] ) زاد المعاد ج3 ص 356
الشمائل الشريفة : الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ص 217
[388] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 678
[389] ) أبو حيان البحر المحيط ج4 ص 385
[390] ) تفسير السعدي ج1 ص 224
[391] ) تفسير الشعراوي ص 2061
[392] ) تفسير الرازي ج6 ص6
[393] ) تفسير ابن عجيبة ج2 ص 40
[394] ) رواه مسلم ج9 ص 350 رقم 3406
[395] ) رواه البخاري ج20 ص 202 رقم 6055
[396] ) محمد الفضيل الشبيهي : الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج6 ص 146
[397] ) شرح السنة للإمام البغوي ج15 ص 132
[398] ) فتح الباري لابن حجر ج11 ص 401 ، بدر الدين العيني الحنفي : عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج33 ص 345
[399] ) فيض القدير ج6 ص 159
[400] ) روح المعاني ج7 ص 6
[401] ) رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 105 رقم 7027 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1155
[402] ) رواه البخاري ج9 ص 256 رقم 2529
[403] ) تفسير الرازي ج6 ص 9
[404] ) التحرير والتنوير ج5 ص 57
[405] ) تفسير مجاهد ج1 ص 188
[406] ) «وثيقة المدينة».. تأسيس لمفهوم التسامح" في 20 نوفمبر 2018. اطلع عليه بتاريخ 20 نوفمبر 2018.
محمود الشيخ : مدخل لقبول ثقافة الآخر: رؤية إسلامية (الطبعة الثالثة 2018)
https://web.archive.org/web/20181120095509/http://www.alkhaleej.ae/home/getpage/http:/
[407] ) سيرة ابن هشام ج1 ص 502 السيرة النبوية لابن كثير ج2 ص 323
[408] ) السيرة النبوية – دروس وعبر في تربية الأمة وبناء الدولة ج5 ص 63
[409] ) الرازي ج6 ص11
[410] ) وَكَانَتْ الْعَرَبُ مِمَّا يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ الْأَنْصَارِ الْخَزْرَجَ أَوْسَهَا وَخَزْرَجَهَا
[411] ) رواه أحمد ج31 ص 432 رقم 15237 وانظر إلى حكم الألباني عليه في فقه السيرة للغزالي ص 146 ضعيف ، لكن في موقع الدرر السنية ص 149 صحيح ، ولا أدري أيهما أصح .
قال الشيخ الدكتور/ توفيق بن عبد العزيز السديري في كتابه الإسلام والدستور : الحديث عن كعب بن مالك رضي الله عنه : رواه أحمد (3 / 460 - 462) ، وابن إسحاق في المغازي (1 / 273 - 276) وصححه الألباني ، فقه السيرة ، محمد الغزالي تحقيق الألباني ، ص 159 .
[412] ) رواه البخاري ج12 ص 331 رقم 3647
[413] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 594
[414] ) رواه مسلم ج 13 ص 382 رقم 5001
[415] ) جلال الدين السيوطي : الديباج على مسلم ج6 ص 150
[416] ) ابن حجر : فتح الباري ج7 ص 275
[417] ) محمد الفضيل بن محمد الفاطمي الشبيهي : الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج2 ص 112
[418] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 64
[419] ) شهاب الدين المصري : التبيان تفسير غريب القرآن ج1 ص 180
[420] ) النكت والعيون ج1 ص 351
[421] ) تفسير الألوسي ج4 ص 412
[422] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2075
[423] ) مصنف ابن ابي شيبة ج14 ص 597
[424] ) رواه البخاري ج1 ص 29 رقم 17
[425] ) رواه أحمد في مسنده ج31 ص 432 رقم 15237
[426] ) رواه أحمد في مسنده ج31 ص 432 رقم 15237 وصححه الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي ج1 ص 146
[427] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 332
[428] ) النهاية في غريب الأثر ج5 ص 573
[429] ) غريب الحديث لابن قتيبة ج1 ص 303
[430] ) رواه البخاري ج8 ص 97 رقم 2142
[431] ) رواه أحمد وأبو داود، وهو حديث محتجٌّ به، وصحَّحه جمع من أهل العلم.
[432] ) السياسة الشرعية ج1 ص 217
[433] ( نيل الأوطار ج 9 ص 128
[434] ) أي مخافة أن يقتلا (الذي بايع والذي بويع دون مشورة المسلمين) ، "التَّغِرَّة" : مصْدر غَرَّرْتُه إذا ألْقَيْتَه في الغَرَر وهي من التَّغْرير كالتَّعِلَّة من التَّعْليل . وفي الكلام مضاف محذوف تقديره : خَوْفَ تَغِرَّة أنْ يُقْتَلا : أي خَوْفَ وقُوعِها في القتل فحذف المُضاف الذي هو الخوْف وأقام المُضاف إليه الذي هو تَغِرَّة مُقامَه وانْتَصب على أنه مفعول له . ويجوز أن يكون قوله [ أن يُقْتَلا ] بدلا من [ تغرة ] ويكون المُضاف مَحْذوفاَ كالأوّل . ومَن أضاف [ تَغِرّة ] إلى [ يُقْتَلا ] فمعناه خَوْفَ تَغِرَّته قَتْلَهما .
النهاية في غريب الأثر ج3 ص 661
[435] ) رواه البخاري ج21 ص 106 رقم 6328
[436] ) النهاية في غريب الأثر ج3 ص 911
[437] ) النهاية في غريب الأثر ج3 ص 911
[438] ) النهاية في غريب الأثر ج3 ص 911
[439] ) النهاية في غريب الأثر ج3 ص 661
[440] ) رواه البخاري ج22 ص 147 رقم 6667
[441] ) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج5 ص 778 رقم 14358
محمد محمد الشلش , الدولة المدنية في التشريع اإلسالمي( إشكالية العالقة وجدلية الألفاظ (جامعة القدس المفتوحة
الحكومة الإسلامية رؤية تطبيقية معاصرة - بواسطة عبد المجيد يوسف الشاذلي
لدلالات والرمزية السياسية والحضارية عند دول المشرق الإسلامي -بواسطة إبراهيم محمد علي مرجونة
[442] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2075
[443] ) النقباء أول نواب في الإسلام : بقلم عيسى الشارقي : جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية https://tajdeed.org/
[444] ) اللباب في علوم الكتاب ج6 ص 17
[445] ) التحرير والتنوير ج5 ص 59
[446] ) رواه الترمذي ج2 ص 99 رقم 328 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج1 ص 117 رقم 487
[447] ) رواه أبو داود ج9 ص 414 رقم 3067 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 8 ص 34 رقم 3534
[448] ) رواه البخاري ج10 ص 428 رقم 2933
[449] ) ابن البطال : شرح صحيح البخاري ج5 ص 347
[450] ) رواه البخاري ج9 ص 81 رقم 2424
[451] ) عمار العبار : الجمهورية : ألا نقتلها يا رسول الله https://www.aljumhuriya.net/ar/8020
[452] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 242 رقم 4967 وقال صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه - تعليق الذهبي في التلخيص : سكت عنه الذهبي في التلخيص
[453] ) شرح النووي على مسلم ج14 ص 179
[454] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 492 رقم 3981 وصححه الألباني : ج2 ص 364 رقم 3225/ 3981
[455] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 360
[456] ) حمدى شفيق : رئيس تحرير جريدة النور الإسلامية المصرية - الإسلام والآخر الحوار هو الحل ج1 ص 55
[457] ) رواه مسلم ج14 ص 167 رقم 5228
[458] ) الديباج على مسلم ج6 ص 254 تحفة الأحوذي ج6 ص 420
[459] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 70
[460] ) النهاية في غريب الأثر ج5 ص 587
[461] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج6 ص 333 ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج4 ص 400 رقم 8069 وقال الذهبي في التلخيص صحيح وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه ج10 ص 277
قال صاحب الترتيب لصحيح بن حبان (علي بن بلبان بن عبد الله، علاء الدين الفارسي، المنعوت بالأمير) حديث صحيح، الحسين بن سعد لم أر من ترجمه، لكن ذكره المزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة جده علي بن الحسين بن واقد في عِداد من روى عنه، وعلي بن الحسين بن واقد، قال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، ووثقه المؤلف، وباقي رجال السند ثقات.
[462] ) التحرير والتنوير ج5 ص 70
[463] ) التفسير الميسر ج2 ص 191 - عدد من أساتذة التفسير تحت إشراف الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي
[464] ) وقد وقع في التوراة والإنجيل التعبير بأبناء الله؛ ففي سفر التثنية أول الفصل الرابع عشر قول موسى: "أنتم أولاد للرب أبيكم".وأما الأناجيل فهي مملوءة بوصف الله تعالى بأبي المسيح، وبأبي المؤمنين به، وتسمية المؤمنين أبناء الله في متى في الإصحاح الثالث: "وصوت من السماء قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت"وفي الإصحاح الخامس: "طوبي لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون".وفي الإصحاح السادس: "وأبوكم السماوي يقوتها".وفي الإصحاح العاشر: "لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم".
التحرير والتنوير ج5 ص 72
[465] ) الشيخ محمد بن عبد الوهاب : تيسير العزيز الحميد ج1 ص 415
[466] ) ابن تيمية : الفتاوى الكبرى ج5 ص 200
[467] ) يقصد بذلك نبي الله إبراهيم ، قال البغوي (يقال لأخوةٍ بني أب وأم : بنو الأعيان ، فإن كانوا لأمهات شتى ، فهم بنو العلات ، فإن كانوا لآباءٍ شتى ، فهم أخيافٌ) شرح السنة للبغوي ج13 ص 200
[468] ) رواه البخاري ج11 ص 259 رقم 3186
[469] ) فيض القدير ج3 ص 61
[470] ) اللباب في علوم الكتاب ج6 ص 28
[471] )( والأنبياء أولاد علات ) بفتح المهملة أخوة لأب (وأمهاتهم شتى) أي متفرقة فأولو العلات أولاد الرجل من نسوة متفرقة
التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 766
أولاد العلات الإخوة من أب واحد : كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 911
[472] ) رواه البخاري ج11 ص 260 رقم 3187
[473] ) القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي - مشارق الأنوار على صحاح الآثار ج2 ص 244
[474] ) فيض القدير ج3 ص 62
[475] ) فيض القدير ج3 ص 62
[476] ) البحر المحيط ج4 ص 399
[477] ) رواه البخاري ج11 ص 271 رقم 3196
[478] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج11 ص 313
[479] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 1031 – شرح النووي على مسلم ج12 ص 231
[480] ) المفردات في غريب القرآن ج1 ص 472
[481] ) تفسير البغوي ج3 ص 35
[482] ) تفسير ابن كثير ج1 ص 255
[483] ) اللباب في علوم الكتاب ج1 ص 290
[484] ) الشيخ محمد حسان : قناة الرحمة : https://www.youtube.com/watch?v=8USid-BXDLU
[485] ) تفسير الطبري ج10 ص 167
[486] ) تفسير الطبري ج10 ص 168
[487] ) رواه البخاري ج4 ص 376 رقم 1115
[488] ) رواه البخاري ج11 ص 152 رقم 3115
[489] ) رواه ابن ماجة ج4 ص 326 رقم 1398 وصححه الألباني : صحيح بن ماجة ج1 ص 237 رقم 1156
[490] ) رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 84 رقم 83 واللفظ له ، وصححه ابن حبان ج 14 ص 330 رقم 6420 ، وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 386 رقم 3853
[491] ) فتح الباري ج6 ص 409 وكذا قال القرطبي (إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان لما بنيا المسجدين ابتدآ وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما أسسه غيرهما)
[492] ) الشيخ صالح بن فوزان الفوزان : كتب العقيدة ج3 ص 98 الناشر:مؤسسة الرسالة ، الطبعة الثالثة، 1423هـ 2002م
[493] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 75
[494] ) تفسير البيضاوي ج2 ص 62
[495] ) تفسير الرازي ج6 ص 24 مع بعض التصرف
[496] ) إغاثة اللهفان ج2 ص 312
[497] ) هو معنى قول أفلاطون: الدول الطوال تبتدأ بخشونة الطباع واستعمال الحقائق وحسن الطاعة لله تعالى ولولاة الأمر، فإذا دفعت أعداءها وأمن أهلها، كانت مدافعتهم به لأعدائهم بازاء أخذهم بنصيب من النعم التي تتهيأ لهم، فإذا غرقوا في خصبها ورفاهة العيش بها، شغلوا من النعم التي تتهيأ لهم، فإذا غرقوا في خصبها ورفاهة العيش بها،شغلوا بالترفه عن النصرة، وبالهزل عن الجد، وتحكمت عليهم الأحداث حتى لا ينعصم أمرهم على أحد طلبهم فينقضي أمرها بمن حاولها
[498] )ابن الأزرق : بدائع السلك في طبائع الملك ج1 ص 207
[499] ) ابن عطية : المحرر الوجيز ج2 ص 270 ، وهو قول قتادة : انظر تفسير الماوردي النكت والعيون ج2 ص 26 ، تفسير القرآن لعبد الرزاق ج2 ص183 رقم 674
[500] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج5 ص 79
[501] ) البحر المحيط ج4 ص 404
[502] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 77
[503] ) رواه الحاكم ج2 ص 110 رقم 2489 والترمذي ج6 ص 50 رقم 1476 ، وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 60 رقم 986
[504] ) عون المعبود ج7 ص 193
[505] ) قاله بن رسلان بزيادة أبو يعلى الموصلي – المرجع السابق-
[506] ) الشيخ صالح بن فوزان / إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ج2 ص 61
[507] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 343
[508] ) في ظلال القرآن ج2 ص 344
[509] ) رواه البخاري ج14 ص 127 رقم 4243
[510] ) تفسير روح البيان ج6 ص 331
[511] تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1641
[512] ) الكشاف ج2 ص 17 تفسير البحر المحيط ج4 ص 395
[513] ) علي بن نايف الشحود : المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام ج7 ص 9
[514] ) لقاء بين الشيخ أحمد ياسين رحمه الله والمذيع / الإعلامي / أحمد منصور 23 يوليو بعنوان 2027 زوال إسرائيل
https://www.aljazeera.net/blogs/2017/5/24/
https://fb.watch/1EIjOOpRR9/
[515] ) علي بن نايف الشحود / الترغيب بالجنة والتحذير من النار ج1 ص 420
[516] ) تفسير الطبري ج10 ص 202
[517] ) فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانا وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله ، أرسل إليه نارا فتأكله وإن لم يكن رضيه الله خَبَت النار، فقربا قربانا ، وكان أحدهما راعيا، وكان الآخر حَرّاثا، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها، وقرب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت بينهما، فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قَرّبت قربانا فَتُقُبِّل منك وَرُدّ عليَّ؟ فلا والله لا ينظر الناس إليك وإليَّ وأنت خير مني. فقال: لأقتلنك. فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين
تفسير الطبري ج10 ص 204 رقم 11706
وقد عقب الشيخ أحمد شاكر– رحمه االله– في الهامش على ما ذكره ابن كثير من روايات إسرائيلية بقوله: "هذا من قصص أهل الكتاب ، ليس له أصل صحيح ، ثم ساق الحافظ المؤلف هنا آثارا كثيرة في هذا المعنى، مما امتلأت به كتب المفسرين.
على سبيل المثال وليس على سبيل الرواية الصحيحة المقبولة" ، وذكر مثل هذه الروايات كونها أجود إسنادا ، وذلك مخالف من وجهة نظر الباحث للمنهج السديد في الروايات كونها أجود إسنادا الاختصار وفي التعامل مع الروايات الاسرائيلية، ومخالف لما قرره في المقدمة من أنه سيحذف الروايات الاسرائيليلة وما أشبهها ولو أنه أعرض عنها كليا بالكلية لكان أفضل، فقد ذكر بأن هذه الروايات من قصص أهل الكتاب، ليس له أصل صحيح، فكان الأولى حذف. ثم ما الفائدة المرجوة من ذكر كل هذه التفاصيل؟!.
[518] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 85
[519] ) رواه الترمذي ج9 ص 50 رقم 2434 وحسنه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 568 رقم 5673 إرواء الغليل ج3 ص 238
[520] ) تفسير الطبري ج10 ص 202
[521] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2130
[522] أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 344
[523] ) تفسير الرازي ج3 ص 246
[524] ) رياض الصالحين (تحقيق الدكتور الفحل) ج2 ص 206 ، قال الألباني : قلت : ورجاله موثقون غير جد إبراهيم وهو مجهول لأنه لم يسم ، ورواه البخاري في " التاريخ الكبير " و قال : لا يصح ، و ضعفه العراقي و الألباني و شعيب الأرناؤوط .- المصادر : "التاريخ الكبير" (1/272) "مختصر سنن أبي داود" للمنذري(7/226) "ضعيف الجامع" " الضعيفة " ( 1902 )أخرجه أبو داود، وفي إسناده رجل مبهم، وهو الراوي لـه عن أبي هريرة، والمبهم لا يُحتج به؛ لجهالة عينه وحاله.
[525] ) رواه مسلم ج12 ص 429 رقم 4652
[526] ) شرح الزرقاني ج4 ص 335
[527] ) رواه البخاري ج1 ص 54 رقم 30
[528] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 11
[529] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 11
[530] ) رواه أبو داود ج12 ص 388 رقم 4142 وصححه الألباني صحيح كنوز السنة النبوية ج1ص 87
[531] ) قال جمهور المفسرين: إن اسم القاتل قابيل واسم المقتول هابيل ، والغالب أن ذلك مأخوذ من الإسرائيليات، كما قال العلامة أحمد شاكر ، ولم يرد ذلك في كتاب الله عز وجل ولا في الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، [عمدة التفسير: 1/662]. ولكن قال الله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [المائدة:27].قال الشيخ أحمد فريد ( فليس في تسمية الرجلين عبرة وعظة).
[532] ) رواه مسلم ج12 ص 472 رقم 4688
[533] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 1042
[534] ) تفسير الطبري ج10 ص 202
[535] ) مسند أحمد ج43 ص 89 رقم 20154 وصححه الألباني إرواء الغليل ج8 ص 143
[536] ) رواه أبو داود ج11 ص 328 رقم 3715 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 356 رقم 3200 وصحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 259 رقم 4259 والسلسلة الصحيحة المجلدات ج2 ص 426 رقم 1682
[537] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 344
[538] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 346
[539] ) رواه أحمد في مسنده ج45 ص 491 رقم 21461 وصححه الألباني : إرواء الغليل ج8 ص 146 ـ وقال الألباني (سكت عنه الحاكم والذهبى , وعلى بن زيد هو ابن جدعان , سىء الحفظ , لكن الأحاديث التى قبله تشهد له )
[540] ) رواه أحمد في مسنده ج5 ص 110 رقم 21101 وصححه الألباني : إرواء الغليل ج8 ص 143 ، وقال أخرجه أحمد بسند صحيح على شرط مسلم ، وصححه ابن حجر في الفتح / قال الشيخ الأرناؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين،
[541] ) رواه الترمذي ج8 ص 118 رقم 2120 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج5 ص 194 رقم 2194
[542] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 10
[543] ) تفسير التحرير والتنوير ج 5ص 84
[544] ) التحرير والتنوير ج5 ص 85
قال الأستاذ فاضل السمرائي (ما الفرق بين (طوعت) و (سولت)(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) المائدة) وسولت (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) طه) و(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا (18) يوسف)؟(سولت) معناها زينت له، يقال سولت له نفسه أي زينت له الأمر، (طوّعت) أشد. نضرب مثلاً" الحديد يحتاج إلى تطويع أي يحتاج إلى جهد حتى تطوعه، تريد أن تطوع وحشاً من الوحوش تحتاج لوقت حتى تجعله يطيعك، فيها جهد ومبالغة في التطويع حتى تروضه وتذلله، المعادن تطويعها يحتاج إلى جهد وكذلك الوحوش والطيور تطويعها يحتاج إلى جهد وبذل.التسويل لا يحتاج إلى مثل ذلك الجهد. إذن سولت أي زينت له نفسه، لذا ابني آدم قال (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) كان يفكر هل يمكن أن يقدم على قتل أخيه فاحتاج وقتاً لترويض نفسه ليفعل هذا الفعل وهو ليس كأي تسويل أو تزيين بسهولة تفعل الشيء وأنت مرتاح ، التطويع يحتاج إلى جهد حتى تروض نفسه وتهيء له الأمر. وفي القرآن قال تعالى: (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) في قصة السامري هنا بسهولة وهذه أسهل من أن يقتل الواحد أخاه.
[545] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2130
[546] ) رواه البخاري ج 18 ص 475 رقم 5584
[547] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 54
[548] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 200
[549] ) رواه البخاري ج21 ص 151 رقم 6355
[550] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج24 ص 35
[551] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 675
[552] ) رواه البخاري ج21 ص 152 رقم 6356
[553] ) https://www.eajaz.org/index.php/component/content/article/79-Number-twenty-one/670-Kill-this-reprobate
https://www.youtube.com/watch?v=egsBnqyQgXc
[554] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج16 ص 50
[555] ) أبو عمر النمري : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج15 ص 160
[556] ) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ج1 ص 355 رواه البخاري ج6 ص 359 رقم 1698
[557] ) فيض القدير ج3 ص 607
[558] ) مفاتيح الغيب ج11 ص 167
[559] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1241
[560] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 574
[561] ) رواه البخاري ج21 ص 171 رقم 6370
[562] ) رواه االنسائي ج2 ص 301 رقم 3521 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج9 ص 130 رقم 4058
[563] ) رواه البخاري ج11 ص 116 رقم 3088
[564] ) حاشية السندي على النسائي ج7 ص 82
[565] ) رواه مسلم ج5 ص 198 رقم 1691
[566] ) الدر المنثور ج 3 ص 467 الزمخشري : الكشاف ج2 ص 21
[567] ) التحرير والتنوير ج9 ص 68
[568] ) تفسير مجاهد ج 1 ص 339 رقم 333
[569] ) https://www.elwatannews.com/news/details/8181267
[570] ) البحر المحيط ج4 ص 420
[571] ) الوسيط طنطاوي ج1 ص 1242
[572] ) التلخيص بالذكاء الاصطناعي
- التمهيد والتعريفات
ماهية الحرابة: هي "قطع الطريق" أو "السرقة الكبرى"، وتعرف بأنها خروج جماعة مسلحة أو أفراد لإحداث الفوضى والقتل والسلب.
الفرق بين "الحرابة" و"البغي":
البغاة: خارجون على الحاكم بتأويل سياسي أو ديني (لهم شبهة)، وعقوبتهم القتال للردع والإصلاح لا للقتل ابتداءً.
المحاربون (قطاع الطرق): ليس لهم تأويل، وهدفهم الدنيا والفساد، وعقوبتهم أشد (التقتيل والملاحقة).
- أركان جريمة الحرابة وشروطها
ناقش المقال ثلاثة أركان رئيسية مع عرض لاختلاف الفقهاء والترجيح:
الركن الأول (الفاعل): لا يشترط فيه الإسلام (يطبق على الذمي)، ويشترط البلوغ والعقل. الراجح أن المرأة تدخل في الحد كالرجل إذا شاركت في الجرم.
الركن الثاني (المحل/ المعتدى عليه): تشمل الاعتداء على المال، والنفس، والعرض (بل اعتبر المالكية الحرابة في الأعراض أفحش من الأموال).
الركن الثالث (الفعل والكيفية):
المكان: الراجح أن الحرابة تقع في المصر (داخل المدن) كما تقع في الصحراء، خاصة إذا تعذر الغوث.
السلاح: لا يشترط السلاح التقليدي؛ بل يكفي "المغالبة" والقوة البدنية، أو حتى "المخادعة" (مثل التخدير أو الاستدراج لمكان نائٍ) كما هو مذهب المالكية وهو ما يؤخذ به في القضاء المعاصر.
- مفهوم "الإفساد في الأرض" وتوسيع الدائرة
ربط المقال بين الحرابة ومفهوم أعم وهو "الإفساد في الأرض"، ومعياره: عمومية الضرر أو تكرار الجرم والاعتياد عليه. بناءً على ذلك، تندرج الجرائم التالية تحت هذا الحد في العصر الحديث:
الجرائم الاجتماعية: الاغتصاب، خطف الأطفال، البلطجة، الدعارة المنظمة.
الجرائم الاقتصادية: تزييف العملة، السطو المسلح، تخريب الاقتصاد.
الجرائم الدولية: القرصنة، الإرهاب، تجارة المخدرات العابرة للحدود.
- العقوبات المقررة (حد الحرابة)
استناداً لآية المائدة (33)، العقوبات تخييرية للقاضي بحسب جسامة الجرم:
القتل والصلب: لمن قتل وأخذ المال.
القتل فقط: لمن قتل ولم يأخذ المال.
قطع الأيدي والأرجل من خلاف: لمن أخذ المال ولم يقتل.
النفي من الأرض (الحبس): لمن أخاف السبيل ولم يباشر قتلاً أو سرقة.
الهدف: الردع العام وحماية أمن المجتمع (جيشاً وشرطة).
- أحكام التوبة
قبل القدرة عليهم: إذا تاب المحارب وسلم نفسه قبل أن تقبض عليه السلطات، يسقط عنه "حد الحرابة" (حق الله)، ولكن لا تسقط حقوق العباد (مثل القصاص أو رد الأموال المسروقة) إلا بعفو أصحاب الحق.
الحكمة من ذلك: حقن الدماء، توفير جهود الأمن، وتشجيع المجرمين على تسليم أنفسهم.
التطبيق المعاصر: يشبه أنظمة "العفو العام" أو "سقوط العقوبة بالتقادم" في القوانين الوضعية بشروط محددة.
[573] ) معجم ألفاظ القرآن الكريم ج 2 ص 68
[574] ) لسان العرب ج 1 ص 305
[575] ) دون ثائرة (هياج) ولا ذحل (ثأر) ولا عداوة .
[576] ) تفسير القرطبي ج 6 ص 151
[577] ) تفسير القرطبي ج 6 ص 151
[578] ) بداية المجتهد و نهاية المقتصد لابن رشد الحفيد ج2ص455 من أروع الكتب التي قرأتها ولم أبلغ بعد بعض وعشرين سنة
[579] ) تفسير أحكام القرآن للجصاص ج 4 ص 51
[580] ) أحكام القرآن لابن العربي 2 / 594 ، الشرح الصغير للدردير 4 / 491 ، الكبائر للذهبي ص100 ، كبيرة 270 -الشيخ سيد سابق : فقه السنة ج 2 ص 450 – سعود بن عبد العالي البارودي العتيبي : عضو هيئة التحقيق والإدعاء العام - فرع منطقة الرياض - الطبعة الثانية 1427 - الموسوعة الجنائية الإسلامية المقارنة بالأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية ج1 ص 481
[581] ) المغني ج20 ص 290
[582] ) المغني ج20 ص 290
[583] ) حيث فصل الجصاص الحجج التي تؤكد أن الردة ليست بشرط لإيجاب حد الحرابة علي المحاربين
[584] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج10 ص 303
[585] ) المغني ج20 ص 289
[586] ) فقه السنة ج 2 ص 449
[587] ) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج2 ص 455
[588] ) المغني ، بداية المجتهد ، فقه السنة ، المراجع السابقة
[589] ) https://www.emaratalyoum.com/local-section/accidents/2012-08-10-1.504111
[590] ) حرابة..محاكمة: آدم عيسى علي - م ع/غ إ/إعدام /20/2003م - السودان - القانون الجنائي لسنة 1991م – جريمة الحرابـة - المادة (167) من القانون
المبدأ:الركن المادي في جريمة الحرابة الخروج لقطع الطريق أو إرهاب العامة ، وينظر للقصد وقت الخروج لأن القصد اللاحق يغير من وصف الجريمة .
خلاصة الوقائع بتاريخ 3/10/2000م وعندما كان المجني عليهم عائدين من سوق نيالا إلى قريتهم مهاجرية وعند الكيلو 18 إلى الجنوب من طريق زلط (نيالا-كاس) ظهر لهم المتهمان الأول والثاني راكبين على ظهر جملين وسألا المجنى عليهم عن وجهتهم وقبيلتهم ثم انصرفا وظهرا مرة أخرى وكلاهما مشهر سلاحه (بندقية كلاش) وطلبا من المجنى عليهم تسليمهما الجمال وما معهما من أموال وأمتعة وعندما رفضوا ذلك أطلقا النار عليهم وأصيب المجني عليه سعيد عبد الله مطر بطلقه في رأسه أودت بحياته في الحال وأصيب كل من الزين عبد الله وعثمان حبيب بطلقة في رجله اليمنى وسببتا لهما أذاً بالغاً وتمكن المتهمان من أخذ الجمال والمال والأمتعة ووليا هاربين وأبلغ الشرطة المدعو آدم خبورة وبتتبع أثر الجناة بفريق سليمان جمعون وفريق المدعو عيسى عبد الكريم تم القبض عليهما كما تم القبض على من آواهما وهما عيسى عبد الكريم والهادي أحمد وصدر في مواجهة بقية المتهمين الحكم آنف الذكر
القاضي: عبد العزيز الرشيد التاريخ: 14/3/2003م
أدانت محكمة جنايات المتهمين (1) آدم عيسى علي (2) ضحية سليمان مهل أدانتهما تحت المواد (130) و (139) و (175) من القانون الجنائي 1991م والمادتين (26) و (42) من قانون الأسلحة والذخيرة وحكمت عليهما تحت المادة 130... وتحت المادتين (26) و (42) أسلحة بالإعدام شنقاً حتى الموت إعمالاً لمنشور رئيس الجمهورية رقم 175 باعتبار دارفور منطقة منزوعة السلاح.
لقد أكد ثلاثة من شهود الاتهام وهم الزين عبد الله مطر وعثمان حبيب وعلي أحمد البشير أكدوا أن المتهم الأول والثاني قد اعترضا طريقهم عند عودتهم من سوق نيالا على بعد 18 كيلو من شارع الزلط وطلب منهم تسليم أموالهم وأمتعتهم وجمالهم التي يركبونها ولما رفضوا تسليمها أطلقا عليهم أعيرة نارية من أسلحتهم الكلاش التي كانوا يحملونها وأصابا المجني عليه سعيد بطلقة في رأسه أودت بحياته في الحال وأصيب كل من الزين عبد الله وعثمان حبيب بطلقة في رجله اليمنى سببت لكل منهما أذى جسيماً وأخذا الجمال وأمتعة المجني عليهم ووليا هاربين
القاضي: عبد الله الفاضل عيسى التاريخ: 6/5/2003م : (صحيح أن البينة الكافية الموضوعية لإدانة المتهمين واردة لكني لا أكيف فعل المتهمين (المدانين) حرابة لأنهما لم يخرجا لقطع الطريق وقطعا ليس لإرهاب العامة فهما في مسيرهما وجدا المجني عليهم أمامهما وسارا معهما بعض الوقت ثم أخرجا سلاحهما لطمعهما في الجمال واكتفيا أخيراً بالأمتعة دون الجمال فهذه سرقة وسرقة مشددة بالتالي هي نهب أما حيازة السلاح دون ترخيص فنعم وعقوبتها الإعدام نعم – تعزيراً وهذا يستتبع أخذ موافقة رأس الدولة أما وأن الأمر لا يشكل حرابةً بل هو نهب فلأن خروج الجاني بقصد مصاحب ينعقد عند الخروج شرط لقيام جريمة الحرابة وقد اشترط المشرع لإحدى صورتي الحرابة قطع الطريق وقطع الطريق لا يكون إلا بالخروج إليه داخل أو خارج العمران مع الوضع في الاعتبار طبعاً تعذر الغوث فبدونه أيضاً لا تتحقق الحرابة ، قال الشهيد عودة رحمه الله على ص 638 من التشريع الجنائي ح2 (وجريمة الحرابة وإن سميت بالسرقة الكبرى إلا أنها لا تتفق تمام الاتفاق مع السرقة فالسرقة أخذ المال خفية والحرابة هي (الخروج) لأخذ المال على سبيل المغالبة وركن الحرابة هو الخروج لأخذ المال سواء أخذ المال أو لم يؤخذ ) على ذلك فالأمـر يتوقف على قصد الجاني وقت خروجه لا ما تحقق بعد خروجه فإن خـرج بقصـد المال ولم يتحقق أخذ المال فإنه بالحـد الأدنـى قطع الطريق وقد خرج أصلاً قاصداً قطع الطريق ليأخذ المال ، يقول الشهيد على ذات الصفحة الأولى وإذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة فأخاف السبيل ولم يأخذ مالاً ولم يقتل أحداً والثانية إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة فأخذ المال وقتل في هذه الحالات الأربع يعتبر الشخص محارباً ما دام قد خرج بقصد أخذ المال على سبيل المغالبة ) وهنا يؤكد الشهيد عودة على الخروج كركن أساسي ومصاحب للخروج بقصد أخذ المال مغالبة ، وهذا واضح ارتباط الخروج بالقصد منه وقت الخروج ، ويؤكد صاحب الفقه على المذاهب الأربعة على الخروج إلى الطريق العام حيث قال ص 909 من ح5 (اتفق الأئمة على أن من خرج في الطريق العام وأشهر السلاح مخيفاً لعابر السبيل خارج المضر )وقال صاحب الفقه الإسلامي وأدلته ح6 ص 129 (ركنه: هو الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالبة على وجه يمتنع المارة عن المرور وينقطع المرور )ومن هذا يتضح أيضاً أن الخروج مصحوب بقصد الجاني منه وهو أخذ المال ولتطبق ذلك لابد من بينة تثبت هذا القصد ولا يفترض القصد بل يثبت بكل وسائل الإثبات على ذلك
وبالرجوع للوقائع المعطاة فإن الثابت أن الجناة والمجني عليهم إنما كانوا رفقة جمعهم الطريق وليس من بينة تقول أن الجناة قد علموا مسبقاً بحركة المجني عليهم وخرجوا إليهم (قطعاً لطريقهم) بقصد أخذ أموالهم ...فلا جدال في قيام جريمة السرقة والقتل وحيازة السلاح بدون ترخيص وهذه كلها جرائم تعزيرية لأن السرقة مع استعمال القوة الجنائية نهبْ والقتل بقصد الحصول على المال إن لم يكن في حال الخروج المصحوب بذات القصد فإنه يظل قتلاً عمداً وراجع تعريف الحرابة في (الفقه الإسلامي وأدلته ج6 ص 129) فالحرابة إذا هي كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه تتعذر معه الاستغاثة عادة) فالقصد هنا مصاحب للخروج هو قصد المال أما إذا كان الخروج بَدْءً لارتكاب جريمة ضد النفس فهي ليست حرابة لعدم قيام قصد تحقق الخروج (الحصول على المال(
القاضي: محجوب الأمين الفكي : التاريخ: 1/6/2003م أوافق زميلي عبد الله الفاضل فيما ذهب إليه أنه لا بد أن يكون الخروج على المارة بقصد أخذ المال علـى سبيل المغالبة ولا بد أن يصاحب القصد ذلك وبالتالي يجب أن يثبت هذا القصد ابتداء على النحو الذي تفضل الأخ عبد الله الفاضل في إبانته
القاضي: محمد إبراهيم محمد التاريخ: 2/6/2003م ما زلت عند رأيي أن هذه الوقائع تشكل جريمة حرابة – وأؤيد رأي مولانا عبد العزيز الرشيد
الأمر النهائي:1- تأييد الحكم الصادر من محكمة الموضوع: 2- مخاطبة السيد رئيس جمهورية السودان بشأن عقوبة الإعدام شنقاً حتى الموت تعزيراً
عبد العزيز الرشيد - قاضي المحكمة العليا - رئيس الدائرة - 18/6/2003م
[591] ) رواه أبو داود ج11 ص 442 رقم 3799 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 369 رقم 4369
[592] ) خواطر / سيد قطب في ظلال القرآن ج2 ص 354
[593] ) المعجم الوجيز – مجمع اللغة العربية - ص 471
[594] ) معجم ألفاظ القرآن الكريم ج 4 ص 334
[595] ) رواه البخاري ج13 ص 91 رقم 3871
[596] ) خلافا لما ذكره ابن قدامة المقدسي ، وسوف نعرض له بعد ذلك
[597] ) تفسير الطبري ج10 ص 279
[598] ) تفسير الطبري ج10 ص 282
[599] ) تفسير الطبري ج10 ص 282
[600] ) سنذكره في الفقرة بعد التالية
[601] ) د عبد القادر عودة : التشريع الجنائي في الإسلام ج1 ص 389
[602] ) في هذا المعنى : د حازم أبو الحمد حمدي الشريف مدرس الشريعة الإسلامية بكلية حقوق أسيوط ، التكييف الفقهي للجرائم الإرهابية في ضوء جريمة الحرابة ـ منشور في المجلة القانونية العدد الثامن والثلاثون لسنة ٢٠٢٣م – الإصدار الأول ١/٢ ص 83
[603] ) المغني ج20 ص 303
[604] ) التشريع الجنائي في الإسلام ج4 ص 226
[605] ) زكريا السنيكي : أسنى المطالب شرح روض الطالب لابن المقري اليمني : ج20 ص 147 فقه شافعي
[606] ) سعود بن عبد العالي البارودي العتيبي عضو هيئة التحقيق والإدعاء العام بالرياض : الموسوعة الجنائية الإسلامية المقارنة بالأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية ج1 ص 363
[607] ) التشريع الجنائي في الإسلام ج4 ص 225
[608] ) التشريع الجنائي في الإسلام ج2 ص 17
[609] ) تفسير السعدي ج1 ص 229
[610] ) المحلي ج11 ص 127
[611] ) رواه البخاري ج21 ص 97 رقم 6323
[612] ) الموسوعة الفقهية الكويتية ج12 ص 286
[613] ) الموسوعة الفقهية الكويتية ج12 ص 286
[614] ) رواه البيهقي شعب الإيمان ج5 ص 468 رقم 7316 ، انظر ترجمة الذهبي له في سير أعلام النبلاء ج8 ص 423
[615] ) قال ابن قدامة في الغني (والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها, ويسقط عنهم القتل والقطع في كل حال)
[616] ) رواه أبي داوود في سننه و أحمد في مسنده و البيهقي في سننه ج15 ص 386
[617] ) (الفرقان/77)
[618] ) رواه أحمد ج11 ص 199 رقم 6626
[619] ) تفسير السلمي (حقائق التفسير) ج1 ص177
[620] ) رواه مسلم ج2 ص 327 رقم 577
[621] ) تحفة الأحوذي ج10 ص 57
[622] ) فيض القدير ج4 ص 143
[623] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 106 رقم 281 ، رواه النسائي ج10 ص 158 رقم 3059 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 124
[624] ) لبكائه من خشية الله في الصلاة والذكر ومواضع الخشية
[625] ) أي رقابنا تتلون بلون الدماء أثناء القتال في سبيل الله
[626] ) أي كان يركب خيله ليقطع الطريق
[627] ) لأن الخيل نواصيها الخير تجاهد مع المجاهدين يوم الصبيحة حين يغيرون على الأعداء كما في قوله (والعاديات ضبحا فالمغيرات صبحا)
[628] ) يعقد مقارنة بين يتعطر وهو في المسجد حيث تحب الملائكة طيب الريح ، بينما المجاهد في سبيل الله يلتصق به العرق والتراب والغبار
[629] ) (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران/169)
[630] ) رواه البخاري ج20 ص 204 رقم 6057
[631] ) رواه البخاري ج20 ص 221 رقم 6072
[632] ) رواه الترمذي ج9 ص 232 رقم 2563 وصححه الألباني : الجامع الصحيح ج1 ص 266 رقم 2657
[633] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 285 رقم 818 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 308
[634] ) مشكل الآثار للطحاوي ج12 ص 371 رقم 4961 ، الدر المنثور للسيوطي ج 3ص374
[635] ) يراجع في هذا المعنى د/ محمد سلام نظم القانون الروماني طبعة 1966 ص 286 مكتبة حقوق عين شمس
[636] ) المعجم الوجيز 309
[637] ) معجم ألفاظ القرآن الكريم ج 3 ص 138
[638] ) و بالرغم من وضوح معنى السرقة لغة إلا أن ثمة صور لجريمة السرقة أخرجها الفقهاء من ماهية الحد بالرغم من أنها تدخل في المعنى اللغوي للسرقة ، ولا تختلف عن موجب الحد في شيء غير الكم فقط ، مثل سرقة ما هو أقل من النصاب ، كذا ثمة صور أشد ضررا من جريمة السرقة أخرجها الفقهاء عن ماهية الحد ولم يوجبوا فيها القطع مثل الغصب خلافا لأصول الشريعة ، بل إن ثمة صور هي أكثر شيوعا في جريمة السرقات أيضا لا تدخل في ماهية الحد كالاختلاس والغش في الميزان و التدليس ، غير أن بعض الفقهاء بالغ في الأمر حتى أنكر أن سرقة الأولاد – بغير حلي – موجبا للقطع ، واكتفوا بالتعزير باعتبار أن ذلك لا يدخل في ماهية حد السرقة باعتبار أن الأولاد ليس مالا ، بينما يرى الباحث أن في سرقتهم جريمتين و ليس جريمة واحدة ، السرقة والخطف فيشدد العقاب بهذين الاعتبارين ، بل يمكن اعتبارها حرابة بشكل ما ، ولما كانت الصور المتعددة لجريمة السرقة تكتنفها الكثير من الصعوبات لبيان مقصود الشرع من حد القطع ، لزم من ذلك أن نبين ماهية السرقة أولا و ماهية حد السرقة ثانيا وإسقاط ذلك علي كافة الصور لتحقيق ذلك الغرض
[639] ) مختار الصحاح ج 1 ص 125
[640] ) لسان العرب ج 11 ص 155
[641] ) تفسير الجصاص ج 4 ص 62
[642] ) وكذلك الفساطيط والمضارب والخيم التي يسكن الناس فيها ويحفظون أمتعتهم بها كل ذلك حرز وإن لم يكن فيه حافظ ولا عنده وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب أم لا باب له إلا أنه محجر بالبناء وما كان بناء ولا خيمة ولا فسطاط ولا مضرب فإنه لا يكون حرزا إلا أن يكون عنده من يحفظه وهو قريب منه بحيث يكون حافظ له وسواء كان الحافظ نائما في ذلك الموضع أو مستيقظا والأصل في كون الحافظ حرزا له وإن كان في مسجد أو صحراء حديث صفوان بن أمية حين كان نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه فسرقه سارق فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعه
[643] ) والحرز : " ما عد حرزا في العرف " فإنه لما ثبت اعتباره في الشرع تنصيص على بيانه علم أنه ذلك إلى أهل العرب لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته فيرجع إليه كما رجعنا إليه في معرفة القبض والفرقة في البيع وأشباه ذلك إذا ثبت هذا فإن من حرز الذهب والفضة والجواهر الصناديق تحت الأغلاق والأقفال الوثيقة في العمران وحرز الثياب وما خف من المتاع كالصفر والنحاس والرصاص في الدكاكين والبيوت المقفلة في العمران أو يكون فيها حافظ فيكون حرزا وإن كانت مفتوحة وإن لم تكن مغلقة ولا فيها حافظ فليست بحرز وإن كانت فيها خزائن مغلقة فالخزائن حرز لما فيها وما خرج عنها فليس بمحرز وقد روي عن أحمد في البيت الذي ليس عليه غلق يسرق سارقا وهذا محمول على أن أهله فيه
فأما البيوت التي في البساتين أو الطرق أو الصحراء فإن لم يكن فيها أحد فليست حرزا سواء كانت مغلقة أو مفتوحة لأن من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران وانصرف عنه لا يعد حافظا له وإن أغلق عليه وإن كان فيها أهلها أو حافظ فهي حرز سواء كانت مغلقة أو مفتوحة وإذا كان لابسا للثوب أو متوسدا له نائما أو مستيقظا أو مفترشا له أو متكئا عليه في أي موضع كان من البلد أو بربة فهو محرز بدليل أن رداء صفوان سرق وهو متوسد له فقطع النبي صلى الله عليه وسلم سارقه وإن تدحرج عن الثوب زال كم إن كان نائما وإن كان الثوب بين يديه أو غيره من المتاع كبز البزازين وقماش الباعة وخبز الخبازين بحيث يشاهده وينظر إليه فهو محرز وإن نام أو كان غائبا عن موضع مشاهدته فليس بمحرز وإن جعل المتاع في الغرائز وعلم عليها ومعها حافظ يشاهدها فهي محرز وإلا فلا فصل والخيمة والخركاه إن نصبت وكان فيها أحد نائما أو منتبها فهي محرزة وما فيها لأنها هكذا تحرز في العادة وإن لم يكن فيها أحد ولا عندها حافظ فلا قطع على سارقها وممن أوجب القطع في السرقة من الفسطاط الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي إلا أن أصحاب الرأي قالوا يقطع السارق من الفسطاط دون سارق الفسطاط ولنا إنه محرز بما جرت به العادة أشبه ما فيه
[644] ) ثانيا : شرط أن يكون المال محرزا
ذكر النووي أن: الحرز مشروط فلا قطع إلا فيما سرق من حرز والمعتبر فيه العرف ، فما لم يعده العرف حرزاً لذلك الشيء فليس بحرز له ، وهو على نوعين ، الأول : حرز بنفسه و هو: " كل بقعة معدة للإحراز ممنوع من الدخول فيها إلا بالإذن ، فلا يشترط فيه وجود الحافظ " كالبيوت و البنوك و الشركات والمحال التجارية ، وحرز بغيره : وهو كل مكان غير معد للإحراز ، يُدخل إليه بلا إذن ولا يمنع منه ، ولا يعطي حكم الحرز إلا إذا كان عليه حافظ ، وهو يختلف باختلاف العادات ، ونوع المال المراد حفظه ، والبلدان ، وباختلاف عدل السلطان وجوره وقوته[644] ، ولذلك ثبت تطبيق الحد على الجاني إذا أخذ ثوبا من تحت رأس النائم ، لأنه سرق من محرز بالنوم عليه ، ولأن النوم على الثوب مانع من أخذه غالباً، سواء أوقع الفعل في الصحراء أو في المسجد فعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى ثُمَّ لَفَّ رِدَاءً لَهُ مِنْ بُرْدٍ فَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ فَنَامَ فَأَتَاهُ لِصٌّ فَاسْتَلَّهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَأَخَذَهُ فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ rفَقَالَ إِنَّ هَذَا سَرَقَ رِدَائِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ rأَسَرَقْتَ رِدَاءَ هَذَا قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبَا بِهِ فَاقْطَعَا يَدَهُ(سنن النسائي
ومستند جمهور الفقهاء في مسألة الحرز ما رواه مالك في موطئه أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ: «لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ. وَلاَ فِي حَرِيسَةَ جَبَل[644]ٍ ، فَإذَا آوَاهُ الْمُرَاح[644]ُ أَو الْجَرِينُ [644]فَالْقَطْعُ فِيمَا ثَمَنَ الْمِجَنِّ[644]»، وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ ٱلله بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ مَزْيَنَةَ أَتَى رَسُولَ ٱلله فَقَالَ يَا رَسُولَ ٱلله كَيْفَ تَرَىٰ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ فَقَالَ هِيَ وَمِثْلُهَا معها وَالنَّكَالُ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ قَطْعٌ إلاَّ فِيمَا آوَاهُ الْمُرَاحُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ قَطْعُ الْيَدِ وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ قَالَ يَا رَسُولَ ٱلله كَيْفَ تَرَىٰ فِي الثَّمَرِ الْمُعَلِّقِ قَالَ هُوَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ وَالنَّكَالُ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الثَّمَرِ الْمُعَلِّقِ قَطْعٌ إلاَّ فِيمَا آوَاهُ الْجَرِينُ فَمَا أُخِذَ مِنَ الْجَرِين فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ الْقَطْعُ وَمَا لَمْ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ " سنن النسائي [644] ، وعن رافع بن خديـج عن النبي قال: «لا قطع في ثمر») رواه مالك والترمذي وأبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه، وكذا الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه في شرح السنة ، وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلاً مِنْ مُزَيْنَةَ سَأَلَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الثِّمَارِ فَقَالَ « مَا أُخِذَ فِى أَكْمَامِهِ فَاحْتُمِلَ فَثَمَنُهُ وَمِثْلُهُ مَعَهُ وَمَا كَانَ فِى الْجِرَانِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ وَإِنْ أَكَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ». سنن ابن ماجة ،
- حَرِيسَة الـجبل لـيس فـيها قَطْع : أَي لـيس فـيما يُحْرَس بالـجبل إذا سُرِق قطع لأنه لـيس بحرز. و الـحَرِيسَة، فعيلة بمعنى مفعولة أَي أَن لها من يَحْرُسها ويحفظها، ومنهم من يجعل الـحَرِيسَة السرقة نفسها. لسان العرب ج 6 ص 48
- «في حريسة الجبل» أراد بها الشاة المسروقة من المرعى والاحتراس أن يؤخذ الشيء من المرعى - حاشية السندي ج 7 ص 435
- قال السيوطي: قوله: «آواه المراح» هو بضم الميم الموضع الذي تروح إليه الماشية أو تأوي إليه ليلاً.
- "الجرين" كأمير موضع يجمع فيه التمر ويجفف والمقصود أنه لا بد في تحقق الحرز في القطع
- ثمن المجن وهو الدينار - انظر سنن الدارقطني قال السندي: قوله: «وثمن المجن يومئذ دينار»
و في مرقاة المفاتيح ج 4 ص 167 : "لم تقطع يد سارق في أقل من ثمن المجن، فمحمولة على أنه كان ربع دينار "
- قال السيوطي في شرحه لسنن النسائي ج 8 ص 435 : قوله: «فإذا ضمه الجرين» هو موضع تجفيف التمر وهو له كالبيدر للحنطة «ولا يقطع في حريسة الجبل» ، قال في النهاية: أي ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع لأنه ليس بحرز والحريسة فعيلة بمعنى مفعولة أي أن لها من يحرسها ويحفظها ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها يقال حرس يحرس حرساً إذا سرق فهو حارس ومحترس أي ليس فيما يسرق من الجبل قطع.
قال ابن قدامة : " وهذا الخبر يخص الآية كما خصصناها في اعتبار النصاب إذا ثبت اعتبار كم والحرز ما عد حرزا في العرف فإنه لما ثبت اعتباره في الشرع تنصيص على بيانه علم أنه ذلك إلى أهل العرب لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته فيرجع إليه كما رجعنا إليه في معرفة القبض والفرقة في البيع وأشباه ذلك " (المغني ج 9 ص 98 ) ، هذا و قد سبق أن بينا أن علة رفع الإثم عن من أكل أنه لم يحمل ، و أن ذلك تخفيف من الشارع حتى لا يشق ذلك علي المكلفين
ويرى الفقهاء أن أساس هذا الشرط هو تمييز السرقة التامة عن الشروع ،حيث لا قطع في الشروع في السرقة عند الجمهور بخلاف الظاهرية ، وإنما تجب عقوبة تعزيرية ، ذلك أن كون المال محرزا هو شرط يتعلق بماهية فعل السرقة ذاته باعتباره من أوصافه أن يرتكب الجاني الفعل المؤثم في الخفاء ، وهذا الوصف ثابت في اللغة متضمنا هذا المعنى ، و منه قوله تعالي : " استرق السمع " كما ذكرنا آنفا ، فإن لم يكن المال محرزا لم يتحقق الاستراق ، فلو كان المال غير محرز فهو مثل المال الضائع بتقصير صاحبه ، ومن ثم تثور شبهة تدرأ الحد وتدفعه مظنة الخطأ ، ذلك أن إخراج المال من حرزه دليل على اكتمال الأركان المادية لجريمة السرقة
هذا ولقد ضيق بعض الفقهاء من نطاق مفهوم الحرز حتى تكون المسألة وفقا لضابط يمكن علي أساسه إثبات التهمة علي السارقين فتأوّل الشافعي الحديث على الثمار المعلقة غير المحرزة ، وقال: نخيل المدينة لا حوائط لأكثرها ، والدليل عليه حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ « مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِى حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلاَ شَىْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ خَرَجَ بِشَىْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُئْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْجَرِينُ الْجُوخَانُ ، قال الطيبي: فإن قلت كيف طابق هذا جواباً عن سؤاله عن التمر المعلق فإنه سئل: هل يقطع في سرقة التمر المعلق؟ وكان ظاهر الجواب أن يقال: لا. فلم أطنب ذلك الإطناب قلت: ليجيب عنه معللاً كأنه قيل لا يقطع لأنه لم يسرق من الحرز وهو أن يؤويه الجرين ، ففيه دليل على أن ما كان منها محرزاً بإقامة السور حوله يجب القطع بسرقته
والفقهاء الذين اشترطوا الحرز في المسروق بصرف النظر عن إخراج السارق المتاع من حرزه أم لا ، لم يكن لهم مستند غير حديث حريسة الجبل ، و الثمر المعلق ، وما كان خارجا عن المراح ، و البين من هذه الأحاديث أن علة درء الحد في مثل هذه الأحوال ليست هي الحرز ، إنما هي مظنة الخطأ ، ذلك أن الأموال في تلك الأحوال لا يعرف لها صاحب ، و من ثم لا يعتبر أخذها سرقة لوجود مظنة الخطأ من الأخذ ، لذا ليس فيها القطع ، و إن جاز فيها التعزير و الضمان و الغرامة لأن الجاني كان عليه واجب التثبت و التحقق قبل يأخذ هذا المال ، لكن إذا تأكد الجاني من أن المال غير المحرز له صاحبه فليس ثمة خطأ يتذرع به ، فيجب حينئذ عليه القطع ، لكن لما كانت مسألة علم الجاني بوجود صاحب للمال غير المحرز مما يتعذر إثباتها إلا بالإقرار والسارق لا يقر في الغالب علي نفسه بذلك – لما توافر فيه من خصال النفاق- ، ومن ثم فالفقهاء اعتبروا عدم الحرز هو ما يدرء الحد وليس خطأ الجاني باعتبار أنه الوصف الظاهر المنضبط أي باعتباره مظنة تحقق العلة ، وليس هو العلة ذاتها ، بهذا فحسب تنضبط مسألة الحرز ، ومن ثم يخرج عما يدرأ حد القطع ما ذكره الأحناف توسعا في مفهوم الحرز ، وما قاسوه في هذا الشأن كأن يكون صاحب المتاع نائما أمام متاعه ، إذ أن مثل هذا التوسع يفرغ الحد من مضمونه ، فالغالب أن السرقة لن تتم وصاحب المتاع منتبها ، إنما هي تكون في أغلب الأحوال بأن يختلس السارق النظر فيبادر بسرقة المتاع قبل أن ينتبه الغير إليه ، أما إذا سرقه غصبا فتلك حرابة وليست سرقة ، و في غير هاتين الحالتين لا يسرق السارق إلا خطفا وهو ما يسمى بالمختلس ، والمختلس يجب فيه القطع ترجيحا للخلاف بعد إزالة شبهة الحرز من كونها شرطا في المال المسروق واعتبارها وصفا ظاهرا منضبطا لفعل السرقة.
[645] ) شرط النصاب
ثبت من السنة تقدير نصاب القطع في السرقة بالدنانير ، فعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ « لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِى رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ». رواه مسلم ، وعن عائشةَ عن النبيِّ r قال: «تُقطعُ يدُ السارقِ في ربُع دينار». رواه البخاري ، و في رواية مسلم : عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً ، ووعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: «لم تُقطع يدُ سارقٍ على عهدِ النبيِّ r في أدنى من ثمنِ المجنّ ، وكان كلُّ واحدٍ منهما ذا ثمن». رواه البخاري
فدلت السنة القولية علي أنه لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا ، ومن ثم فإن دلالة الحديث قاطعة بقصر القطع علي بلوغ هذا النصاب ، وما دون هذا النصاب الذي هو ربع دينار فلا قطع فيه ، وإنما يجب فيها عقوبة تعزيرية ، والحديث الوارد عند مسلم المشار إليه هو أوضح الأحاديث لبيان هذا الحكم حيث جاء من السنة القولية ، وبأسلوب الحصر والقصر ، أما ما عداه من أحاديث فقد جاء بعضها في مواطن خاصة مثل حريسة الجبل والثمر المعلق ، وبعضها جاء بصيغة الخبر التي تحتمل أن هذا ما قد حدث في عهده ، أنه لم توجد في عهده r سرقات بأقل من ثمن المجن ، لذا فإن الحديث الوارد عند مسلم عمدة في ثبوت هذا الحكم و إن كان الحديث الوارد عند البخاري قد أفاد مثل هذا الحكم بقوله r إلا أنه لم يستعمل فيه أسلوب الحصر و القصر كما ورد عند مسلم .
وفضلا عن الأحاديث المتقدم ذكرها التي أفادت ثبوت القطع في ربع دينار فقد وردت أحاديث أخرى تبين هذا النصاب بالدراهم، فعن نافعٍ عنِ ابن عمرَ قال: «قطعَ النبيُّ r في مِجنّ ثمنه ثلاثةُ دراهمَ». رواه البخاري ، وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ r قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ سَرَقَ تُرْسًا مِنْ صُفَّةِ النِّسَاءِ ثَمَنُهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ. سن النسائي ، كذلك ثمة أحاديث أخرى لم تقدر هذا النصاب بالمال و إنما قدرته بالقيمة العينية ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ « مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِى حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلاَ شَىْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ خَرَجَ بِشَىْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُئْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْجَرِينُ الْجُوخَانُ. سنن أبي داود ، وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: «لم تُقطع يدُ سارقٍ على عهدِ النبيِّ r في أدنى من ثمنِ المجنّ ، وكان كلُّ واحدٍ منهما ذا ثمن». رواه البخاري
مما تقدم يبين أن السنة الفعلية قضت بالقطع في ثلاثة دراهم ، ولم تقض بالقطع في أقل من ثمن المجن ، والسنة القولية قضت بالقطع في ربع دينار ، وعلي هذا يكون رسول الله r قد حدد نصاب القطع في السرقة وفقا لمعيارين الأول موضوعي هو ثمن المجن [645]، والثاني شكلي وهو ثلاثة دراهم أو ربع دينار وكلاهما أمر واحد بالتوفيق بين الروايات ، فقوله: «فِي رُبُعِ دِينَارٍ» هذه الرواية موافقة لرواية الثلاثة الدراهم التي هي ثمن المجن ، فقد جاء في رواية النسائي أن ثمن المجن كان ربع دينار ، وجاء في رواية أحمد أنه كان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم ، قال الشافعي: " ربع الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم ، وذلك أن الصرف على عهد رسول الله r اثنا عشر درهماً بدينار وكان كذلك بعده ، و كان َ عُمَرَ قد فَرَضَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ " أي أن الدينار كان باثني عشر درهم ، أي أن ربع دينار كان يساوي في عهده r ثلاثة دراهم ، وهو مقدار ثمن المجن ، هذا ولقد ذهب إلى ما تقتضيه الأحاديث السالف ذكرها عنه r من ثبوت القطع في ثلاثة دراهم أو ربع دينار الجمهور من السلف والخلف ومنهم الخلفاء الأربعة .
بيد أن تقويم ثمن المجن الذي اتخذه الصحابة معيارا لنصاب القطع قد تغير ، كما تغير الصرف بين الدراهم والدنانير ، وعَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ سَرَقَ رَجُلٌ مِجَنًّا عَلَى عَهْدِ أَبِى بَكْرٍ فَقُوِّمَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فَقُطِعَ. سنن النسائي ، وعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِى زَمَانِ عُثْمَانَ أُتْرُجَّةً فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَنْ تُقَوَّمَ فَقُوِّمَتْ بِثَلاَثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَىْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ. رواه مالك في الموطأ ، وأخرج أيضاً البيهقي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه «أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَطَعَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ وَكَانَتْ قِيمَتُهُ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفاً» ، وأخرج البيهقي أيضاً من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: «الْقَطْعُ فِي رُبُعُ دِينَارٍ فَصَاعِداً» ، وأخرج أيضاً من طريقه عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه «أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي بَيْضَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ثَمَنُهَا رُبُعُ دِينَارٍ» ورجاله ثقات ولكنه منقطع.
فالآثار السابقة تدل علي أن الصرف قد تغير في عهد علي ، وأن الأسعار قد غلت في عهد عثمان و علي ، وهو أمر لا يحتاج إلي دليل من المنقول فهو مشاهد في كل زمان و كل مكان حتى هذه الآونة ، و من ثم فإن التساؤل يثور ما هو المعيار الذي يتحقق علي أساسه نصاب القطع في السرقة ، وخاصة في مثل هذه الظروف ؟ فهل تتغير الأحكام بتبدل الزمان ؟ أم نتمسك بها دون عبرة لمقاصدها ؟ هذه المسألة اختلف الفقهاء في شأنها ، حيث اختلفوا فيما يُقوم به ما كان من غير الذهب والفضة ، فذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يكون التقويم بالدراهم لا بربع الدينار إذا كان الصرف مختلفاً ، قال الشافعي: الأصل في تقويم الأشياء هو الذهب لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها حتى قال: إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع ، وقال مالك: كل واحد من الذهب والفضة معتبر في نفسه لا يقوم بالآخر ، وذكر بعض البغداديين أنه ينظر في تقويم العروض بما كان غالباً في نقود أهل البلد.
ويجدر بنا في هذا الصدد أن ننقل ما ذكره الأستاذ الدكتور سليم العوا ، إذ قال " إذا نظرنا في هذه الأحاديث و اختلاف الفقهاء حولها من ناحية أخرى وجدنا أنها تستهدف منع توقيع عقوبة الحد فيما إذا كانت قيمة الشيء المسروق لا تستأهل توقيعها ، ولذلك تتفق جميع المذاهب علي أنه لا قطع في الشيء التافه الذي يتسامح فيه الناس عادة ، فإذا أخذنا في الاعتبار تغير قيمة النقود من مكان إلي مكان ، وفي المكان الواحد من وقت إلي وقت إلي آخر .. تبين لنا أن قيمة الشيء التافه متغيرة ، ويقررها العرف ، والظروف الاقتصادية في كل مجتمع وقت ارتكاب الجريمة ، ومن ثم فإن الأمثلة التي نجدها في كتب الفقه للشيء التافه ليست أمثلة دائمة ، و لا هي ملزمة للقاضي أو لولي الأمر بعد عصر الفقهاء الذين ذكروها ، فقد بين الفقهاء ما في وسعهم البيان ما لاءم عصورهم من أحكام ، ويجب أن تدار الأحكام في هذا الخصوص علي وفق ما يلائم الأوضاع المختلفة في الأزمنة و الأمكنة المختلفة ، و في هذا يقرر ابن قيم الجوزية أن (حكمة تحديد ربع الدينار في قول الرسول r وفعله أنه هو الذي يكفي الرجل المقتصد قوته وأهله في يومه و ليلته ، و ذلك مما ليس يتسامح فيه الناس) (إعلام الموقعين ج 2 ص 64 )، فإذا صح هذا وقد كان بلا ريب صحيحا ، فإن الحد الذي يجب عنده القطع قد يجوز إعادة النظر فيه من وقت لآخر حسب اختلاف قيمة النقود و الظروف الاقتصادية ، ... و لعل هذا المعنى هو الذي حدا بالإمام ابن حزم إلي تقدير قيمة النصاب بثمن المجن و قيمته التي تتغير بتغير الزمان و المكان " (النظام الجنائي الإسلامي ص 170)
[646] ) شرح زاد المستنقع للشنقيطي ج20 ص 5
[647] ) بداية المجتهد ج2 ص 453 الموسوعة الفقهية الكويتية ج24 ص 336
[648] ) بداية المجتهد ج2 ص 453 الموسوعة الفقهية الكويتية ج24 ص 336
[649] ) رواه البخاري ج11 ص 294 رقم 3216
[650] ) وقال (ولعله من المناسب أن نفصل شيئا في هذا الإجمال إن النظام الإسلامي كل متكامل فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمها إلا أن ينظر في طبيعة النظام وأصوله ومبادئه وضماناته كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيه للتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملا ; ويعمل به جملة أما الاجتزاء بحكم من أحكام الإسلام أو مبدأ من مبادئه في ظل نظام ليس كله إسلاميا فلا جدوى له ; ولا يعد الجزء المقتطع منه تطبيقا للإسلام لأن الإسلام ليس أجزاء وتفاريق الإسلام هو هذا النظام المتكامل الذي يشمل تطبيقه كل جوانب الحياة هذا بصفة عامة)
[651] ) في ظلال القرآن
قال (وإنه لعمري خير أساس قامت عليه عقوبة السرقة من يوم نشأة عالمنا حتى الآن وتجعل القوانين الحبس عقوبة السرقة وهي عقوبة قد أخفقت في محاربة الجريمة على العموم والسرقة على الخصوص والعلة في هذا الإخفاق أن عقوبة الحبس لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية التي تصرفه عن جريمة السرقة لأن عقوبة الحبس لا تحول بين السارق وبين العمل إلا مدة الحبس وما حاجته إلى الكسب في المحبس وهو موفر الطلبات مكفي الحاجات فإذا خرج من محبسه استطاع أن يعمل وأن يكسب وكان لديه أوسع الفرص لأن يزيد من كسبه وينمي ثروته من طريق الحلال والحرام على السواء واستطاع أن يخدع الناس وأن يظهر أمامهم بمظهر الشريف فيأمنوا جانبه ويتعاونوا معه فإن وصل في الخاتمة إلى ما يبغي فذلك هو الذي أراد ; وإن لم يصل إلى بغيته فإنه لم يخسر شيئا ولم تفته منفعة ذات بال أما عقوبة القطع فتحول بين السارق وبين العمل أو تنقص
من قدرته على العمل والكسب نقصا كبيرا ; ففرصة زيادة الكسب مقطوع بضياعها على كل حال ونقص الكسب إلى حد ضئيل أو انقطاعه هو المرجح في أغلب الأحوال ولن يستطيع أن يخدع الناس أو يحملهم على الثقة به والتعاون معه رجل يحمل أثر الجريمة في جسمه)
[652] ) رواه البخاري ج8 ص 215 رقم 2212
[653] ) ابن حجر : فتح الباري ج5 ص 54 إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج1 ص 56
[654] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 756
[655] ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج29 ص 321 مكتبة ابن تيمية
[656] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 307
[657] ) انظر ابن عاشور : التحرير والتنوير ج5 ص 102 مع بعض التصرف
[658] ) رواه مسلم ج9 ص 55 رقم 3197
[659] ) في ظلال القرآن ج2 ص 369
[660] ) رأينا ، و هو رأي الأتاذ الدكتور / صوفي أبو طالب رئيس جمهورية مصر العربية و مجلس الشعب و جامعة القاهرة سابقا في كتابه تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية
[661] ) أحكام الذميين و المستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص 216
[662] ) اختلاف الفقهاء للطبري ص 81 و ما بعدها
[663] ) بدائع الصنائع ج 7 ص 130
[664] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1286
[665] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2168
[666] ) التحرير والتنوير ج5 ص 103
[667] ) تفسير الخازن ج 2 ص 280 – تفسير الرازي ج6 ص 60
[668] ) تفسير الثعالبي ج1 ص 413
[669] ) المنتقى شرح الموطأ ج4 ص 299 رقم 1412
[670] ) رواه أبو داود ج13 ص 174 رقم 4340 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة للألباني ج1 ص 43
[671] ) سبل السلام ج4 ص 190
[672] ) رواه البخاري ج16 ص 110 رقم 4747
[673] ) سبل السلام ج4 ص 190
[674] ) المنتقى شرح الموطأ ج4 ص 299 رقم 1412
[675] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1267
[676] ) رواه مسلم ج1 ص 15 ص 6
[677] ) فيض القدير ج 5 ص 3
[678] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 1022
[679] ) التحرير والتنوير ج5 ص 103
[680] ) رواه مسلم ج 9 ص 74 رقم 3212
[681] ) تفسير القطان ج1 ص 403
[682] ) البحر االمحيط ج4 ص 440
[683] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2174
[684] ) إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل ج2 ص 23 شرحها الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
[685] ) تفسير مقاتل ج1 ص 399
[686] ) رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 115 رقم 7067 ورواه الترمذي ج5 ص 174 رقم 1256 وصححه الألباني صحيح وضعيف الترمذي ج 3 ص 336 رقم 1336
[687] ) البحر المحيط ج4 ص 441
[688] ) البحر المديد ج2 ص 68
[689] ) نَهَاوش بالنون فإنْ صَحَّتْ فهى المظالم والإجحافات بالناس من قولهم : نهشه إذا جَهَده (انظر الفائق في غريب الحديث والأثر ج4ص118)
[690] ) جمع الجوامع للسيوطي ج1 ص 21880
[691] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 772
[692] ) تخريج السيوطي : رواه أحمد 27 ص 192 رقم 13146 وابن حبان في صحيحه ، صحيح بن خزيمة ، والبيهقي في سننه الكبرى والطبراني في المعجم الأوسط والصغير ، وصححه الألباني صحيح وضعيف الجامع الصغير ج27 ص 207 رقم 13135
[693] ) النظام الكونفدرالي هو اتحاد دائم بين دول مستقلة ذات سيادة، تتفق على تفويض بعض الصلاحيات لحكومة مركزية مشتركة لأغراض محددة مثل الدفاع والشؤون الخارجية والعملة، مع احتفاظ كل دولة بسيادتها الداخلية والخارجية. تكمن أهم ميزته في أن السلطة العليا تبقى في يد الدول الأعضاء، ويمكن لكل دولة الانسحاب بسهولة نسبيًا.
[694] ) والاتحاد الكونفدرالي تكون سُلْطته فعَّالة فقط من خلال الدول الأعضاء فيه؛ أي ليس له سلطة مباشرة على دول الاتحاد.
(الموسوعة العربية العالمية ص 1 دائرة المعارف العالمية World Book International)
الكونفيدرالية (Confederation)شكل من التنظيم الاتحادي بين دول تعهد بممارسة بعض صلاحياتها إلى سلطة مركزية مشتركة مع إبقائها على حكومتها المتميزة ، وتتألف السلطة المركزية أساساً من هيئة تنسيق ملزمة باتخاذ قراراتها كافة - أو معظم قراراتها على الأقل - بإجماع الدول الأعضاء في الكونفيدرالية ، وذلك بخلاف ما يحصل في الفيدرالية حيث تُتخذ القرارات بأكثرية الأصوات فقط ، وغالباً ما تتحول الكونفيدرالية - ولا سيما في إطار الدول القومية - إلى فيدرالية ، وهذا ما حصل في سويسرا على سبيل المثال حيث لم يبق من الكونفيدرالية سوى الاسم ، وكما هو واضح فإن النظام الكونفيدرالي أكثر مركزية وسلطوية من النظام الفيدرالي .
(مجلة البيان ج62 ص 76 تصدر عن المنتدى الإسلامي العدد 238)
[695] ) أسعد حومد : أيسر التفاسير ج1 ص 712
[696] ) تفسير القرطبي ج6 ص 184
فأما أهل الذمة فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا؟ قولان للشافعي؛ وإن ارتبطت الخصومة بمسلم يجب الحكم. قال المهدوي: أجمع العلماء على أن على الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي. واختلفوا في الذميين؛ فذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة وأن الحاكم مخير؛ روي، ذلك عن النخعي والشعبي وغيرهما، وهو مذهب مالك
[697] الناسخ والمنسوخ للنحاس ج1 ص 397
[698] ) التحرير والتنوير ج5 ص 109
[699] ) التحرير والتنوير ج5 ص 109
[700] ) التحرير والتنوير ج5 ص 109
[701] ) درر الحكام في شرح مجلة الأحكام ج13 ص 55
[702] ) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج5 ص 601 ، مصنف عبدى الرزاق ج11 ص 336
[703] ) رواه مسلم ج9 ص 350 رقم 3406
[704] ) القاضي أبو الفضل عياض : مشارق الأنوار على صحاح الآثار ج2 ص 193
[705] ) ابن حجر فتح الباري ج2 ص 145 ، تحفة الأحوذي ج7 ص 58
[706] ) رواه أبو داود ج9 ص 487 رقم 3118 ورواه النسائي ج14 ص 357 رقم 4652 ، وحسنه الألباني صحيح وضعيف سنن أبي داود ج8 ص 91 وقال حسن صحيح الإسناد النسائي ( 4733 ) / ( 4411 ) / صحيح وضعيف النسائي ج10 ص 305
[707] ) عبد المحسن العباد : شرح سنن أبي داود ج21 ص 137
[708] ) التحرير والتنوير ج5 ص 112
[709] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج2 ص 199
[710] ) رواه البخاري ج13 ص 410 رقم 4125
[711] ) شرح صحيح البخاري ج10 ص 539
[712] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 352
[713] ) رواه البخاري ج9 ص 183 رقم 2488
[714] ) فتح الباري لابن حجر ج8 ص 170
[715] ) أبو عبد الله القلعي : تهذيب الرياسة وترتيب السياسة ج1 ص 8
[716] ) الألوسي : روح المعاني ج2 ص 174
[717] ) ابن الأزرق : بدائع السلك في طبائع الملك ج1 ص 7
[718] ) نثر الدر ج2 ص 56
[719] ) أبو الحسن علي بن محمد الماوردي : تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك ج1 ص 46
[720] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1661
[721] )تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1661
[722] ) رواه البخاري ج11 ص 271 رقم 3196
[723] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 231
[724] ) (البخاري ج22ص 82)
[725] ) (البخاري ج22ص 82)
[726] ) البحر المديد ج2 ص 70
[727] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 353
[728] ) البحر المحيط ج4 ص 444
[729] ) البحر المحيط ج4 ص 444
[730] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 353
[731] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 259 رقم 219 صحيح ابن ماجة ج1 ص 43 رقم 182 أورده البخاري معلقا ج1 ص 119 – مختصر صحيح الإمام البخاري للمحدث / محمد ناصر الألباني : ج1 ص 46
[732] ) (البخاري ج22ص 82)
[733] ) البحر المحيط ج4 ص 445
[734] ) البحر المحيط ج4 ص 445
[735] ) التحرير والتنوير ج5 ص 114
[736] ) التحرير والتنوير ج5 ص 115
[737] ) اللباب في علوم الكتاب ج6 ص 88
[738] ) اللباب في علوم الكتاب ج6 ص 88
[739] ) رواه البخاري ج11 ص 294 رقم 3216
[740] ) تأسيس الأحكام ج5 ص 55
[741] ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج28 ص 146
[742] ) أضواء البيان ج1 ص 405
[743] ) مروي عن ابن عباس : انظر السيوطي ، الدر المنثور ج3 ص 388 ، وعن عطاء : انظر تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 485 ، تفسير الطبري ج10 ص 356
[744] ) روه البيهقي في سننه الكبرى ج8 ص 20 رقم 15632 ، والحاكم ج2ص 342 ، وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 51 ، وانظر الألباني في كتابه فتنة التكفير ج1 ص 6 ، وقال (صح ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، ثم تلقاه عنهبعض التابعين و غيرهم) ، وانظر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد القماش في كتابه جامع لطائف التفسير ج1 ص 151
[745] ) أد محمود نجيب حسنى استاذ القانون الجنائي كلية الحقوق جامعة القاهرة : مفهوم الدفاع الاجتماعى ص21 مجلة الأمن العام عدد 20 ويراجع أ بهجت عتيبة الفقه الجنائى الإسلامى ص20،21مجلة الأمن العام عدد 20
[746] ) الدكتور محمد عبد الغني : لبنان- طرابلس : العدالة في نظام العقوبات في الإسلام ج1 ص 92 - نهر البارد 1424هـ/2004م - مع بعض التصرف -
[747] ) إعلام الموقعين ج2 ص 122
[748] ) د. هاني السباعي دراسة في الفقه الجنائي المقارن ج1 ص8
[749] ) الفتاوى الكبرى ج3 ص 465
[750] ) إعلام الموقعين ج2 ص 122
[751] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 488
[752] ) مجموع الفتاوى ج14 ص 80
[753] ) تفسير القرطبي ج2 ص 246 نقلا عن ابن عباس ومجاهد
[754] ) رواه البخاري ج21 ص 173 رقم 6371
[755] ) يشترط للقصاص أن يكون الاستيفاء ممكنًا بلا حيف، ولا يكون الاستيفاء ممكنًا بلا حيف من الأطراف إلا إذا كان القطع من مفصل، أو كان له حد ينتهى إليه، كمارن الأنف وهو ما لان منه، فإن كان القطع من غير مفصل أو لم يكن له حد ينتهى إليه كالقطع من قصبة الأنف أو من نصف الساعد أو من نصف الساق، فالفقهاء فى ذلك على رأيين، أولهما: يرى أنه لا قصاص ما دام القطع من غير مفصل وليس له حد ينتهى إليه لتعذر الاستيفاء. وعلى هذا الرأى أبو حنيفة وبعض فقهاء مذهب أحمد،
الرأى الثانى: يرى أصحابه أن يقتص من أول مفصل داخل فى محل الجناية وله حكومة فى الباقى حيث لا يمكن القصاص على وجه المماثلة من غير المفصل، فمن قطع ذراعه من نصف العضد كان له أن يقتص من المرفق ويأخذ حكومة عن نصف العضد، ومن قطع ذراعه من نصف الساعد كان له أن يقتص من الكوع ويأخذ حكومة عن نصف الساعد. وعلى هذا الرأى الشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد
ولكن بعض الفقهاء فى مذهب أحمد يرون أن المجنى عليه يستحق حكومة عن الزائد والبعض يرى أنه لا يستحق شيئًا, تطبيقًا للمبدأ القائل بأنه لا يجمع فى فعل واحد بين قصاص ودية
أما مالك فيرى القصاص ولو كان القطع من غير مفصل إذا كان ذلك ممكنًا ولا خوف منه، فإن لم يكن كذلك فلا قصاص ولو رضى الجانى بالقطع من مفصل داخل فى الجناية، ومن المتفق عليه بين أبى حنيفة والشافعى وأحمد ألا قصاص فى كسر العظام لأن التماثل غير ممكن، والأمن من الحيف غير محقق.
ولكن مالكًا يرى القصاص إذا قرر الخبراء أنه ممكن ولا خوف منه على حياة المقتص منه
انظر : المستشار عبد القادر عودة : التشريع الجنائي في الإسلام ج1 ص 239
[756] ) أضواء البيان ج1 ص 392
[757] ) شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى أبو النجا الحجاوي زاد المستقنع في اختصار المقنع ج1 ص 215
[758] ) بداية المجتهد ج2 ص 419
[759] ) فقه السنة للسيد سابق ج2 ص 562 ،
1 - الخارصة: وهي التي تشق الجلد قليلا.
2 - الباضعة: وهي التي تشق اللحم بعد الجلد.
3 - الدامية أو الدامغة: وهي التي تنزل الدم.
4 - المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم.
5 - السمحاق: وهي التي يبقى بينها وبين العظم جلدة رقيقة.
6 - الموضحة: وهي التي تكشف عن العظم.
7 - الهاشمة: وهي التي تكسر العظم وتهشمه.
8 - المنقلة: وهي التي توضح وتهشم العظم حتى ينتقل منها العظام.
9 - المأمومة، أو الآمة: وهي التي تصل إلى جلدة الرأس.
10 - الجائفة: وهي التي تصل الجوف.
[760] ) الماوردي : الأحكام السلطانية ج1 ص 474
[761] ) الشرح الكبير ج9 ص 460
[762] ) الأم للشافعي 6/83
[763] ) الإنصاف 10/106
[764] ) سعود البارودي العتيبي عضو هيئة التحقيق والادعاء : الموسوعة الجنائية الإسلامية المقارنة بالأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية ج1 ص 501
[765] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 190 رقم 2739 وحسنه الالباني الجامع الصغير ج1 ص 1351 رقم 13503
القود : القصاص ، المأمومة : الشجة التى تصل إلى أم الدماغ ، الجائفة : الطعنة التى تصل إلى الجوف ، المنقلة : التى تكسر العظم وتنقله
لا قود في المأمومة وهي التي تصل بأم الدماغ وهي الغشاء التي فيها الدماغ والجائفة هي التي وصلت الى الجوف والمنقلة الجراحة التي نقلت العظم بعد الكسر وإنما لم يحكم فيها بالقصاص لانعدام الممائلة وفيها حكومة عدل (السيوطي : شرح سنن ابن ماجة ج1 ص 190 )
[766] ) شرح الزركشي ج3 ص 23 نقلا عن الخرقي
[767] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج8 ص 87 رقم 16661 ، مصنف ابن أبي شيبة ج9 ص 171
[768] ) شرح الدردير ج4 ص224 , مواهب الجليل ج6 ص247 .
[769] ) المستشار عبد القادر عودة : التشريع الجنائي في الإسلام ج3 ص 231
[770] ) شرح الدردير ج4 ص224 , المدونة ج16 ص 122 ، 123
[771] ) الموسوعة الميسيرة في فقه القضايا المعاصرة : أثر التقدم الطبي على إستيفاء القصاص فيما دون النفس https://erej.org/
[772] ( الشرح الكبير لابن قدامة ج9 ص 427 المغني ج18 ص 410
[773] ) الموسوعة الميسيرة في فقه القضايا المعاصرة : أثر التقدم الطبي على إستيفاء القصاص فيما دون النفس https://erej.org/
[774] ) رواه أحمد في مسنده ج49 ص 485 رقم 23485
[775] ) دكتور عبد الرحمن الكيلاني - ورقة مقدمة لندوة القضاء الشرعي في العصر الحاضر تقنين الفقه الإسلامي في الأردن الواقع والآفاق ج33 ص 30 جامعة الشارقة -كلية الشريعة والدراسات الإسلامية تقنين الفقه الإسلامي في الأردن الفترة الواقعة بين 12-13-14 ربيع الأول 1427هـ. الموافق 11-12-13/4/2006هـ.
[776] ) موسوعة توحيد رب العبيد ج11 ص181 لمؤلفه محم كتاب التوحيد لمؤلفع الشيخ محمد بن عبد الوهاب القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين ج2 ص 256 ، دار ابن الجوزي / المملكة العربية السعويدةي
مجموعة فتاوى ورسائل للعثيمين ج10 ص 840
[777] ) الموافقات للشاطبي ج1 ص 5
[778] ) الدهلوي : حجة الله البالغة ج1 ص 24
[779] ) تفسير الرازي ج1 ص 1665
[780] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2193
[781] ) محاسن التأويل تفسير القاسمي
[782] ) رواه البخاري ج2 ص 58 رقم 323
[783] ) http://ahmadkelhy.blogspot.com/2012/12/34-49.html
نور الدين أبي الحسن الباقولي : كشف المشكلات وإيضاح المعضلات في إعراب القرآن ص 213
[784] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 160
[785] ) تفسير الألوسي ج5 ص 7
[786] ) اللباب في علوم الكتاب ج6 ص 100
[787] ) رواه مسلم ج1ص 365 رقم 218
[788] ) وقال صاحب المنار محمد رشيد رضا ما ملخصه : وأنت إذا تأملت الآيات السابقة ظهر لك نكتة التعبير بالكفر في الأولى وبوصف الظلم في الثانية ، وبوصف الفسق في الثالثة ، ففي الآية الأولى كان الكلام في التشريع ، وإنزال الكتاب مشتملا على الهدى والنور ، والتزام الأنبياء وحكماء العلماء بالعمل والحكم به . فكان من المناسب أن يختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعان له ، مؤثرا لغيره عليه . يكون كافرا به ، وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام فيها في أصل الكتاب الذي هو ركن الإِيمان ، بل في عقاب المعتدين على الأنفس أو الأعضاء ، فمن لم يحكم بحكم الله في ذلك يكون ظالما في حكمه ، وأما الآية الثالثة فهي في بيان هداية الإِنجيل وأكثرها مواعظ وآداب وترغيب في إقامة الشريعة على الوجه الذي يطابق مراد الشارع وحكمته . فمن لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا فهم الفاسقون بالمعصية ، والخروج عن محيط تأديب الشريعة
( انظر الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1285 )
[789] ) يقول الدكتور سفر (وكان أول من وضع العراقيل أمام دعوة المسيح وشريعته اليهود قتلة الأنبياء، وتكاد الأناجيل والرسائل تكون وصفاً للعنت الذي لقيه المسيح وأتباعه من الطوائف اليهودية، وقد جللوا عداوتهم بإغراء الحاكم الرومانى بقتله وصلبه، ولكن الله تعالى رفعه إليه ونجاه منهم ومنه ،وبعد وفاة المسيح عليه السلام، اشتدت المحنة على أتباعه من اليهود والرومان سواءً.
أما اليهود فكانوا كما تحدثت رسالة (أعمال الرسل) يقتلون المسيحيين ويرجمونهم ويغرون بهم الولاة... وكان من أبرز المضطهدين لهم شاؤل اليهودى، الذي تقول عنه الرسالة المذكورة: "أما شاؤل فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجر رجالاً ونساءً ويسلمهم إلى السجن".
على أن أعظم محنة نزلت بالمسيحية -عقيدة وشريعة- هي عملية (الغزو من الداخل) التي قام بها شاؤل: فقد تظاهر باعتناق المسيحية وجاء بتعاليم مناقضة سبق ذكر بعضها، وأخذ يؤلب على المسيحيين الحقيقيين، وبذلك أحدث فوضى عقائدية وبلبلة فكرية، فتضاعف البلاء على المسيحيين، إذ أصيبوا في دينهم وأنفسهم دفعة واحدة.
وأما الرومان فقد أنزل أباطرتهم بأتباع المسيح أشد الأذى، واشتهر باضطهادهم (نيرون 64م) و(تراجان-106م) و(ريسويس-251م) و(دقلديانوس-280م) وبلغ بهم الاضطهاد إلى درجة أن بعض الأباطرة كانوا يضعون المسيحيين في جلود الحيوان ويطرحونهم للكلاب فتنهشهم، أو يلبسونهم ثياباً مطلية بالقار ويوقدونها لتكون مشاعل بشرية يستضيئون بها في مراقصهم وفي وسع المرء أن يدرك الحال التي تكون عليها شريعة يضطهد أتباعها ثلاثة قرون ويطاردون في معتقداتهم وأفكارهم، وهذه المطاردة كيف يمكن أن تقوم عليها دولة تنافح عنها وتلزم بتعاليمها وتثبت للعالم أنها شريعة كاملة.
د سفر الحوالي : العلمانية ونشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة ج1 ص 45
[790] ) رواه أحمد في مسنده ج29 ص 153 رقم 14104 وحسنه الألباني : إرواء الغليل ج6 ص 34 مشكاة المصابيح ج1 ص 38
[791] ) مفاتيح الغيب ج12 ص 11
[792] ) رواه البخاري ج11 ص 366 رقم 3271
[793] ) تحفة الأحوذي ج8 ص 129
[794] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج24 ص 80
[795] ) فتح الباري ابن حجر ج6 ص 559
[796] ) النكت والعيون ج1 ص 366
[797] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1287
[798] ) انظر ابن عاشور (التحرير والتنوير ج5 ص 111 )
[799] ) كتاب الاعتصام للشاطبي ج1 ص 354
[800] ) الموافقات للشاطبي ج2 ص 43
[801] ) أحكام أهل الذمة و المستأمنون د/ عبد الكريم زيدان ص 217 و ما بعدها
[802] ) الجامع الصغير ج 1 ص 280
[803] ) التشريع الجنائي الإسلامي عبد القادر عودة ج 1 ص 280 و ما بعدها
[804] ) مغنى المحتاج ج4 ص 55
[805] )المحلي لابن حزم ج11 ص 372
[806] ) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ج2 فصل رابع كتاب الحدود
[807] ) شرح الأزهار ج 4 ص 361
[808] ) الجامع الصغير للشيباني ج 1 ص 281
[809] ) بدائع الصنائع ج 7 ص 34
[810] ) رواه البخاري ج10ص 423 رقم 2930
[811] ) السير الكبير ج 1 ص 180
[812] ) اختلاف الفقهاء للطبري ص81
[813] ) السير الكبير للشيباني ج 1 ص 180
[814] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج2 ص 202
[815] ) رواه أحمد ج30 ص 173 رقم 14623
[816] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 376
[817] ) تفسير السعدي ج1ص 234
[818] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 6185
[819] ) في ظلال القرآن ج2 ص 383
[820] ) وقال مالك:"يقضي الحاكم المسلم بينهم فيه وجوبا ، لأن في الاعتداء ضربا من الظلم والفساد"، وكذلك قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر وقال أبو حنيفة:"لا يحكم بينهم حتى يتراضى الخصمان معا".
[821] ) قال أبو حنيفة إذا جاءت المرأة والزوج عليه أن يحكم بينهما بالعدل فإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم وقال أبو يوسف ومحمد وزفر بل يحكم وكذلك اختلف أصحاب مالك على هذين القولين إذا شكا أحد الزوجين الذميين وأبى صاحبه من التحاكم بينهما والمشهور من مذهب مالك في الذميين يشكو أحدهما ويأبى صاحبه من التحاكم عندنا أنا لا نحكم بينهما إلا بأن يتفقا جميعا على الرضا بحكمنا فإن كان ظلما ظاهرا منعوا من أن يظلم بعضهم بعضا
انظر : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج14 ص 391
[822] ) https://www.pewresearch.org/short-reads/2015/12/21/where-christian-churches-stand-on-gay-marriage/
[823] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 341 رقم 3217 وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وصححه الذهبي في التلخيص
[824] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج14 ص 392
[825] ) رواه البخاري ج11 ص 272 رقم 3197
[826] ) مسند أحمد ج34 ص 499 رقم 16512 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج9 ص 92 رقم 3312
[827] ) رواه مسلم ج3 ص 252 رقم 930
[828] ) ابن رجب الحنبلي : اختيارالأولىى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى ج1 ص 31
[829] ) أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي : بحر العلوم ج1 ص 481
[830] ) التحرير والتنوير ج5 ص 128
[831] ) في ظلال القرآن ج3 ص82
[832] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 160
[833] ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 131
[834] ) د علي الصلابي
[835] ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 131
[836] ) تفسير القرطبي ج16 ص 393
[837] ) فتح القدير بين فني الرواية والدراسة من علم التفسير ج2 ص 71
[838] ) من العلماء من فرق بينهما فخصَّ الموالاة بتقديم الخدمات للكفار حفاوة بهم وإكراماً والتولي بنصرتهم على المسلمين، وأن الموالاة كبيرة، والتولي ردة …. رابط المادة : http://iswy.co/e3ktg
https://ar.islamway.net/fatwa/9329/ما-الفرق-بين-موالاة-الكفار-وتوليهم
عثمان الخميس : https://www.youtube.com/watch?v=yvNe6Mn9KvI
[839] ) التحرير والتنوير ج5 ص 129 مع بعض التصرف
[840] ) تفسير أبي السعود ج1 ص 373
[841] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج1 ص 46 رقم 14 وصححه الألباني صحيح الترغيب والترهيب ج3 ص 94 رقم 3030
[842] ) رواه مسلم ج1 ص 167 رقم 70
[843] ) في ظلال القرآن ج2 ص 388
[844] ) لكن من باب السياسة الشرعية في المسألة تفصيل سوف نورده بعد قليل
[845] ) رواه مسلم ج9 ص 326 رقم 3388
[846] ) محماس بن عبد الله بن محمد الجلعود : الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية ج1 ص 205
[847] ) وزارة الأوقاف بالمملكة العربية السعودية – نخبة من علماء - أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة ج1 ص 352
[848] ) رواه البخاري ج18 ص 457 رقم 5572
[849] ) رواه البخاري ج18 ص 489 رقم 5594
[850] ) أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : نخبة من العلماء ج1 ص 352 تقديم بقلم معالي الشيخ صالح آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف
[851] ) التحرير والتنوير ج5 ص 130
[852] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 212 رقم 2721 وصححه الألباني : صحيح سنن ابن ماجة ج 2 ص 116 رقم 2207
[853] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 412
[854] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 721
[855] ) رواه مالك في الموطأ ج3 ص 444 رقم 929 وصححه الألباني موقوفا وضعفه مرفوعا : سلسلة الأحاديث الضعيفة ج5 ص 373
[856] ) مشكل الآثار للطحاوي ج13 ص 335 رقم 5340
[857] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 54 رقم 2301 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج2 ص 207 رقم 631
[858] ) سنن أبي داود ج9 ص 449 رقم 3093
[859] ) رواه أبو داود ج9 ص 448 رقم 3092
[860] ) د/ عبد العزيز بن محمد بن علي بن عبد اللطيف : نواقض الإيمان القولية والعملية ج2 ص 148
وانظر كتاب الاستعانة بغير المسلمين لعبد الله الطريقي ص 272 - 274
([861] روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن : لمحمد علي الصابوني ج1 ص 180
[862] ) رواه أبو داود في سننه ج7 ص 412 رقم 2386 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج6 ص 267
[863]) عبد المحسن العباد : شرح سنن أبي داود ج15 ص 96
[864]) عبد المحسن العباد : شرح سنن أبي داود ج15 ص 96
[865] ) تفسير الشعراوي للآية 52 المائدة
[866] ) تفسير البغوي ج3 ص 68
[867] ) البحر المديد ج2 ص 76
[868] ) تفسير السعدي ج 1 ص 235
[869] ) تفسير أبي السعود ج 2 ص 254
[870] ) رواه أبو داود ج11 ص 316 رقم 3704 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 48 رقم 974
[871] ) شرح النووي على مسلم ج1 ص 202
[872] ) رواه النسائي ( 4069 ) وأبو داود ( 4358 ) وحسَّنه الألباني في " صحيح النسائي " .
فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ r النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَقَالَ اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُ وَأَمَّا مَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ فَقَتَلُوهُ وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ أَخْلِصُوا فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا فَقَالَ عِكْرِمَةُ وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي مِنْ الْبَحْرِ إِلَّا الْإِخْلَاصُ لَا يُنَجِّينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا r حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ فَلَأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا فَجَاءَ فَأَسْلَمَ وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ r النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ r قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ فَقَالُوا وَمَا يُدْرِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ هَلَّا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ قَالَ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ) رواه النسائي في سننه ج12 ص 427 رقم 3999 وصححه الألباني : صحيح سنن النسائي ج9 ص 139 رقم 4067
، قال ابن الأثير في أسد الغابة ج2 ص 117 (وأسلم ذلك اليوم فحسن إسلامه، ولم يظهر منه بعد ذلك ما ينكر عليه ، وهو أحد العقلاء الكرماء من قريش ، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين ، ففتح الله على يديه إفريقية، وكان فتحاً عظيماً بلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف مثقال ، وسهم الراجل ألف مثقال ، وشهد معه هذا الفتح عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وكان فارس بني عامر بن لؤي، وكان على ميمنة عمرو بن العاص لما افتتح مصر)
[873] ) رواه البخاري ج20 ص 158 رقم 6021
[874] ) رواه البخاري ج20 ص 165 رقم 6026
[875] ) ابن الأثير : النهاية في غريب الاثر ج4 ص 541
[876] ) غريب الحديث لابن سلام ج3 ص 1
[877] ) رواه مسلم ج9 ص 351 رقم 3407
[878] ) التحرير والتنوير ج5 ص 136
[879] ) رواه مسلم ج11 ص 442 رقم 4271
[880] ) أمراض القلب وشفاؤها ج1 ص 64
[881] ) متفق عليه رواه مسلم ج10 ص 6 رقم 3525
[882] ) في ظلال القرآن ج2 ص 405
[883] ) رواه البخاري ج19 ص 293 رقم 5791
[884] ) في ظلال القرآن ج 6 ص 69
[885] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج2 ص 204
[886] ) رواه البخاري ج 13 ص 294 رقم 4037
[887]) محمد بن أبي اسحق الكلاباذي : بحر الفوائد ج1 ص 91 حديث رقم 58
[888] ) السلسلة الصحيحة ج13 ص 170
[889] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 461
[890] ) الكشاف ج2 ص 38
[891] ) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي ج1 ص 162
[892] ) رواه البخاري ج20 ص 158 رقم 6021
[893] ) قاعدة في المحبة ج1 ص 133
[894] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 358 قال ابن عجيبة (متواضعون) البحر المديد ج2 ص 79
[895] ) رواه البخاري ج9 ص 374 رقم 2594
[896] ) رواه البخاري ج10 ص 243 رقم 2812
[897] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 466
[898] ) تفسير الخازن ج2 ص 303
[899] ) التحرير والتنوير ج5 ص 139
[900] )ابن القيم أحكام أهل الذمة (1/455) .
[901] )ابن القيم أحكام أهل الذمة (1/459) .
[902] )ابن القيم أحكام أهل الذمة (1/461) .
[903] ) الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني ج1 ص 318
[904] ) التحرير والتنوير ج5 ص 144
[905] ) رواه البخاري ج4 ص 431 رقم 1146
[906] ) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج6 ص 366
[907] ) رواه البخاري ج4 ص 431 رقم 1146
[908] ) رواه مسلم ج3 ص 387 رقم 1046
[909] ) رواه مسلم ج9 ص 275 رقم 3349
[910] ) تفسير البيضاوي ج2 ص 89
[911] ) تفسير الخازن ج2 ص 304
[912] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 342 رقم 988 صحيح الأدب المفرد ج1 ص 385
[913] ) علي بن نايف الشحود : موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة ج66 ص 394
[914] ) موسوعة الرد على المذاهب الفكرية ج67 ص 406
[915] ) التبيان في أقسام القرآن ج1 ص 57
[916] ) تفسير الألوسي ج5 ص 40
[917] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1308
[918] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1309
[919] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1309 مع قليل من التصرف
[920] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2249
[921] ) رواه البخاري ج5 ص 8 رقم 1550
[922] ) رواه البخاري ج9 ص 291 رقم 2548
[923] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج15 ص 322
[924] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 40 وصححه البخاري صحيح في الأدب المفرد ج1 ص34 رقم 55/75
[925] ) مصنف عبد الرزاق ج5 ص 367 رقم 9737
[926] ) رواه مسلم ج13 ص 140 رقم 4815
[927] ) معاني الآثار ج8 ص 387
[928] ) رواه ابن ماجة 12 ص 26 رقم 4010 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 371 رقم 3247
[929] ) لسان العرب ج15 ص 7
[930] ) مفاتيح الغيب ج12 ص 32
[931] ) لسان العرب ج15 ص 7 جاء كذلك في مختار الصحاح ج1 ص 403 (طَغَا يطْغَى : أي جاوز الحد وكل مجاوز حده في العصيان طَاغٍ)
[932] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 217
[933] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 217
[934] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 72
[935] ) في ظلال القرآن ج2 ص 392
[936] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2250
[937] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 260
[938] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2250
[939] ) رواه البخاري ج22 ص 298 رقم 6775
[940] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج23 ص 455
[941] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 563
[942] ) التحرير والتنوير ج5 ص 144
[943] ) اللباب في علوم الكتاب ج6 ص 150
[944] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1310
[945] ) تفسير أبي السعود ج 2 ص 261
[946] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 732
[947] ) تفسير الخازن ج2 ص 306
[948] ) في ظلال القرآن ج2 ص 392
[949] ) يراجع تفسير الآية 42 من سورة المائدة
[950] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 732
[951] ) البحر المحيط ج4 ص 481
[952] ) رواه ابن حبان ج5 ص 9 ص 1723 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات الكاملة ج6 ص 108 رقم 2609
[953] ) رواه ابن حبان ج12 ص 378 ص 5567 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج1 ص 211 رقم 867
[954] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج9 ص 141
[955] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1312
[956] ) البحر المحيط ج4 ص 481
[957] ) التفسير الميسر ج2 ص 237
[958] ) رواه أبو داود ج11 ص 413 رقم 3775 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج26 ص 156 رقم 3353
[959] ) رواه أبو داود ج 11 ص 414 رقم 3776 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 339
[960] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 23
[961] ) رواه أبو داود ج11 ص 413 رقم 3775 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 338 السلسلة الصحيحة ج4 ص88 رقم 1564
[962] ) تفسير الرازي ج6 ص 103
[963] ) البحر المديد ج2 ص 85
[964] ) تفسير الخازن ج2 ص 307
[965] ) التحرير والتنوير ج5 ص 145
[966] ) أبو الليث السمرقندي : بحر العلوم ج1 ص 488
[967] ) رواه البخاري ج15 ص 207 رقم 4532
[968] ) تفسير الرازي ج6 ص 104
[969] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 734
[970] ) المستدرك على الصحيحين ج1 ص 88 رقم 94 وقال الذهبي صحيح الإسناد ، ورواه السيوطي في الجامع الكبير ج1 ص 8590 ، ورواه البغوي في شرح السنة ج3 ص 455 ، وبالبيهقي في سننه ج4 ص 395 رقم 5524 وأحمد في مسنده ج ج8 ص 25 رقم 3490 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج6 ص 217 رقم 2714 السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 213 رقم 2714
[971] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 136 رقم 4102 وصححه الألباني : حسنه ابن ماجة ج 2 ص 395 رقم 3320 وصححه في السلسلة الصحيحة ج6 ص 296 رقم 2797
[972] ) التحرير والتنوير ج5 ص 146
[973] ) رواه مسلم ج9ص 350 رقم 3406 ، رواه النسائي ج16 ص 208 رقم 5284
[974] ) الكشاف ج2 ص 45
[975] ) رواه البخاري ج22 ص 429 رقم 6869
[976] ) شرح السنة للإمام البغوي ج6 ص 155
[977] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 268
[978] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 147
[979] ) تفسير البغوي ج3 ص 77
[980] ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 147
[981] ) التحرير والتنوير ج5 ص 159
[982] ) د عثمان الخميس : https://www.youtube.com/watch?v=cTDRBwIyCyo
[983] ) ابن عطية : المحرر الوجيز ج2 ص 317
[984] ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج20 ص 471 مجموع الفتاوى ج 20 ص 471
[985] ) المصحف الميسر ج1 ص 236 مجموعة علماء تحت إشراف الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف
[986] ) رواه مسلم ج14 ص 68 رقم 5144
[987] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج23 ص 475
[988] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 264
[989] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2261
[990] ) رواه مسلم ج14 ص 24 رقم 5109
[991] ) شرح مشكل الآثار للطحاوي ج5 ص 228
[992] ) علي بن نايف الشحود : المفصل في شرح حديث من بدل دينه ج3 ص 176
[993] ) في ظلال القرآن ج2 ص 393
[994] ) تفسير الثعلبي ج1 ص 767
[995] ) تفسير الثعالبي ج1 ص 424
[996] ) تفسير مقاتل ج1 ص 410
[997] ) التحرير والتنوير ج5 ص 149 مع بعض التصرف
[998] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 736
[999] ) محاسن التأويل ج ص
[1000] ) تفسير الخازن ج2 ص 311
[1001] ) رواه البخاري ج12 ص 74 رقم 3453
[1002] ) المرجع السابق
[1003] ) البحر المحيط ج4 ص 488
[1004] ) التحرير والتنوير ج5 ص 149
[1005] ) الكشاف ج2 ص 47
[1006] ) في ظلال القرآن ج2 ص 393
[1007] ) مجموع الفتاوى ج5 ص 155
[1008] ) رواه البخاري ج 23 ص 61 رقم 6977
[1009] ) شرح السنة للبغوي ج7 ص 242 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المختصرة ج7 ص 67 رقم 2866 – المجلدات ج6 ص 365 رقم 2866
[1010] ) درء تعارض العقل والنقل ج4 ص 25
[1011] ) الجواب الصحيح ج5 ص 299
[1012] ) تفسير الثعالبي ج1 ص 425
[1013] ) تفسير الثعالبي ج1 ص 425
[1014] ) رواه البخاري ج22 ص 185 رقم 6690
[1015] ) رواه الترمذي ج10 ص 309 رقم 2972 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص 46 رقم 3046
[1016] ) تفسير الرازي ج6 ص 114
[1017] ) رواه البخاري ج10 ص 46 رقم 2694
[1018] )البحر المديد ج2 ص 89
[1019] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2277
[1020] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 364
[1021] ) في ظلال القرآن ج2 ص 3945 مع تصرف
[1022] ) في ظلال القرآن ج2 ص 3945
[1023] ) فتح القدير ج2 ص 338
[1024] ) رواه البخاري ج10 ص 202 رقم 2789
[1025] ) الزاهر في معاني كلمات الناس ج2 ص 177
[1026] )قال أبو بكر الأنباري (الصابئون قوم من النصارى قولهم ألين من قول النصارى سموا صابئين لخروجهم من دين إلى دين وكانت قريش تسمي رسول الله صابئاً ويسمون أصحابه كذلك لخروجهم من دين إلى دين) (الزاهر في معاني كلمات الناس ج2 ص 177
[1027] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 364
[1028] ) رواه البخاري ج5 ص 262 رقم 1346
[1029] ) شرح صحيح البخاري ج3 ص 438
[1030] ) رواه أبو داود ج8 ص 499 رقم 2790 وأحمد ج7 ص 409 رقم 4400 والحاكم وصححه الألباني : صحيح السيرة النبوية ج1ص166
[1031] ) رواه البخاري ج12 ص 259 رقم 3588
[1032] ) رواه مسلم ج1 ص 304 رقم 173
[1033] ) رواه أحمد في مسنده ج8 ص 209 رقم 3674 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات الكاملة ج1 ص 280 رقم 281
[1034] ) أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي : المحرر الوجيز ج2 ص 321
[1035] ) رواه الترمذي ج6 ص 233 رقم 1592 وحسنه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 55
[1036] ) فتاوى اللجنة الدائمة الفتوى رقم (20212) وتاريخ 7/2/1419هـ:
[1037] ) الصارم المسلول ج1 ص 523
[1038] ) سعد رستم : الاناجيل الأربعة ورسائل بولس ويوحنا تنفي ألوهية المسيح كما ينفيها القرآن ج1 ص 13 ماجستير فلسفة الدراسات الإسلامية جامعة العلامة إقبال المفتوحة بإسلام آباد باكستان 1417 هـ - 1997 م
[1039] ) الجواب الصحيح ج3 ص 309 ، وقال (فأما الطريق الأول فمن وجوه
أحدها أن يقال المتحد بالمسيح إما أن يكون هو الذات المتصفة بالكلام أو الكلام فقط وإن شئت قلت المتحد به إما الكلام مع الذات وإما الكلام بدون الذات فإن كان المتحد به الكلام مع الذات كان المسيح هو الأب وهو الابن وهو روح القدس وكان المسيح هو الأقانيم الثلاثة
وهذا باطل باتفاق النصارى وسائر أهل الملل وباتفاق الكتب الإلهية وباطل بصريح العقل كما سنذكره إن شاء الله
وإن كان المتحد به هو الكلمة فقط فالكلمة صفة والصفة لا تقوم بغير موصوفها والصفة ليست إلها خالقا والمسيح عندهم إله خالق فبطل قولهم على التقديرين وإن قالوا المتحد به الموصوف بالصفة فالموصوف هو الأب والمسيح عندهم ليس هو الأب وإن قالوا الصفة فقط فالصفة لا تفارق الموصوف ولا تقوم بغير الموصوف والصفة لا تخلق ولا ترزق وليست الإله والصفة لا تقعد عن يمين الموصوف والمسيح عندهم صعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه ، وأما كونه هو الأب فقط وهو الذات المجردة عن الصفات فهذا أشد استحالة وليس فيهم من يقول بهذا
الوجه الثاني أن الذات المتحدة بناسوت المسيح مع ناسوت المسيح إن كانتا بعد الاتحاد ذاتين وهما جوهران كما كانا قبل الاتحاد فليس ذلك باتحاد وإن قيل صارا جوهرا واحدا كما يقول من يقول منهم إنهما صارا كالنار مع الحديدة أو اللبن مع الماء فهذا يستلزم استحالة كل منهما وانقلاب صفة كل منهما بل حقيقته كما استحال الماء واللبن إذا اختلطا والنار مع الحديدة وحينئذ فيلزم أن يكون اللاهوت استحال وتبدلت صفته وحقيقته والاستحالة لا تكون إلا بعدم شيء ووجود آخر فيلزم عدم شيء من القديم الواجب الوجود بنفسه
وما وجب قدمه استحال عدمه وما وجب وجوده امتنع عدمه فإن القديم لا يكون قديما إلا لوجوبه بنفسه أو لكونه لازما للواجب بنفسه إذ لو لم يكن لازما له بل كان غير لازم له لم يكن قديما بقدمه والواجب بنفسه يمتنع عدمه ولازمه لا يعدم إلا بعدمه فإنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم
الوجه الثالث أن يقال الناس لهم في كلام الله عز و جل عدة أقوال وقول النصارى باطل على جميع الأقوال التي قالها الناس في كلام الله فثبت بطلانه على كل تقدير وذلك أن كلام الله سبحانه إما أن يكون صفة له قائما به وإما أن يكون مخلوقا له بائنا عنه وإما أن يكون لا هذا ولا هذا بل هو ما يوجد في النفوس وهذا الثالث هو أبعد الأقوال عن أقوال الأنبياء وهو قول من يقول من الفلاسفة والصابئة إن الرب لا تقوم به الصفات وليس هو خالقا باختياره ، ويقولون مع ذلك إنه ليس عالما بالجزئيات ولا قادرا على تغيير الأفلاك بل كلامه عندهم ما يفيض على النفوس وربما سموه كلاما بلسان الحال ، وهؤلاء ينفون الكلام عن الله ويقولون ليس بمتكلم وقد يقولون متكلم مجازا لكن لما نطقت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أطلقه من دخل في الملل منهم ثم فسره بمثل هذا وهذا أحد قولي الجهمية
[1040] ) رواه البخاري ج11 ص 262 رقم 3189
[1041] ) النهاية في غريب الأثر ج3 ص 271
[1042] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 371
[1043] ) رواه مسلم ج1 ص 467 رقم 302
[1044] ) شرح النووي على مسلم ج 3 ص 79
[1045] ) شرح أبي داود لعبد المحسن العباد ج27 ص 171
[1046] ) رواه أحمد ج33 ص 40 رقم 15712 وصححه الألباني : رفع الأستار ج1 ص 113
[1047] ) البحر المديد ج2 ص 92
[1048] ) تفسير الرازي ج6 ص 124
[1049] ) الفتاوى الكبرى ج6 ص 589
[1050] ) تفسير النسفي ج1 ص 300
[1051] ) الزمخشري : الكشاف ج2 ص 54
[1052] ) التحرير والتنوير ج5 ص 173 مع بعض التصرف
[1053] ) الشنقيطي : أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 418
[1054] ) تفسير الألوسي ج5 ص 89
[1055] ) تفسير القشيري ج2 ص 153
[1056] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 107
[1057] ) التحرير والتنوير ج5 ص 174
[1058] ) افتراءات المنصرين على القرآن ج1 ص 25 ، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج2 ص 171
[1059] ) تفسير القرطبي ج 6 ص 250
[1060] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 499
[1061] ) ألوهية المسيح ج1 ص 21 – وانظر وائل بن علي بن أحمد الدِّسُوقيّ / إعجاز القرآن ونقض مطاعن عبدة الصلبان ج1 ص 7
[1062] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 55 رقم 47 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 14 رقم 45
[1063] ) رواه البخاري ج10 ص 11 رقم 2673
[1064] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 276 وغيره
[1065] ) تفير ابن كثير ج3 ص 159
[1066] ) رواه ابن ماجة ج9 ص 134 رقم 3020 وصححه الألباني صحيح ابن ماجة ج 2 ص 177 رقم 2455
[1067] ) رواه مسلم ج13 ص 154 رقم 4823
[1068] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 220
[1069] ) رواه أبو داود ج13 ص 57 رقم 4258 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج8 ص 131 رقم 3124
[1070] ) رواه الدارمي في سننه ج2 ص 179 رقم 2169 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1 ص 750 رقم 394
[1071] ) رواه البخاري ج1 ص 69 رقم 38
[1072] ) بحر العلوم ج1 ص 62
[1073] ) رواه أبو داود ج11 ص 413 رقم 3775 وصححه ابن حبان ج1ص539 رقم 304 ، وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 374 رقم 3736
[1074] ) رواه مسلم ج1 ص 167 رقم 70
[1075] ) السيوطي على مسلم ج1 ص 65
[1076] ) إعلام الموقعين ج3 ص 4
[1077] ) مجموع الفتاوى ج 14 ص 472
[1078] ) فتح الباري ج13 ص 53
[1079] ) فتح الباري ج13 ص 53
[1080] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 21 رقم 4006 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج2 ص 170 رقم 613
[1081] ) ملا علي القاري : شرح مسند أبي حنيفة ج1 ص 232
[1082] مجموع الفتاوى ج 14 ص 472
[1083] ) في ظلال القرآن ج2 ص 410
[1084] ) في ظلال القرآن ج2 ص 410
[1085] ) رواه الترمذي ج10 ص 311 رقم 2974 ، وقال حديث حسن ، قال الألباني حديث مرسل ج1 ص 369 ، قلت كذا قال الترمذي وفيه نظر ظاهر لأن مداره على أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ولم يسمع من أبيه كما ذكره الترمذي مرارا فهو منقطع . ثم إنهم اضطربوا عليه في إسناده على وجوه أربعة سقتها وفصلت القول فيها
أخرجه أبو داود ( 4336 ) والترمذي ( 2/175 ) وابن ماجه ( 4006 ) والطحاوي في " المشكل " ( 2/61 - 62 ) وابن جرير في " التفسير " ( 6/305 ) وأحمد في " المسند " ( 1/391 ) من طرق عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود به.
وخالف المؤمل بن إسماعيل فقال : حدثنا سفيان قال : حدثنا علي بن بذيمة عن أبي عبيدة - أظنه عن مسروق - عن عبد الله به نحوه.
أخرجه ابن جرير، والمؤمل هذا ضعيف لسوء حفظه.
وخالفه عبد الرحمن بن مهدي فقال : حدثنا سفيان عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره هكذا مرسلا. وهو أصح.(انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ج3 ص 227 رقم 1105 )
[1086] ) (ورقة لحسين عبيدات ألقيت في المؤتمر العام العاشر للصحفيين العرب عام 2004 م). التطبيع.. أيصبح العدو اللدود صديقاً حميماً! ص 1 إعداد: عادل الراجحي
[1087] ) البحر المحيط ج5 ص5
[1088] ) اقتضاء الصراط ج1 ص 222
[1089] ) في هذا المعنى تفسير القطان ج1 ص 426 ، تفسير الرازي ج6 ص 132
[1090] ) البحر المديد ج2 ص 95
[1091] ) رواه البخاري ج19 ص 145 رقم 5702
[1092] ) ابن الجوزي : زاد المسير ج2 ص 254
[1093] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 166
[1094] ) تفسير الألوسي ج5 ص 100
[1095] ) تفسير الرازي ج4 ص 261
[1096] ) تفسير الخازن ج2 ص 320
[1097] ) تفسير الخازن ج2 ص 320
[1098] ) تفسير الخازن ج2 ص 320
[1099] ) تفسير الخازن ج2 ص 320
[1100] ) رواه البخاري ج22 ص 222 رقم 6719
[1101] ) الطحاوي بيان مشكل الآثار ج9 ص 15 ، شرح النووي على مسلم ج15 ص 189 المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ج2 ص 195
[1102] ) قسيسين هم رؤساء النصارى واحدهم قسيس وقال بعض العلماء هو فعيل من قسست الشيء وقصصته إذا تتبعته فالقسيس سمي به لتتبعه كتابه وآثار معانيه ، والرهبان جمع راهب وهو الذي يرهب الله أي يخافه (انظر الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1 ص 185 )
[1103] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 752
[1104] ) البحر المحيط ج5 ص 8
[1105] ) مفاتيح الغيب ج12 ص 57
[1106] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 370
[1107] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2312
[1108] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 338 رقم 3208 وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، وقال الذهبي في التلخيص على شرط البخاري ومسلم ، وصححه الألباني : صحيح السيرة النبوية ج 1 ص 165
[1109] ) رواه البخاري ج5 ص 96 رقم 1242
[1110] ) رواه البخاري ج5 ص 105 رقم 1247
[1111] ) رواه البخاري ج12 ص 259 رقم 3588
[1112] ) تفسير الجلالين ج2 ص 260 ، البحر المحيط ج4 ص 500 رواه عن ابن عباس
[1113] )السمرقندي : بحر العلوم ج1 ص 496
[1114] ) تفسير ابن كثير ج6 ص 304
[1115] ) رواه البخاري ج19 ص 146 رقم 5703
[1116] ) تفسير الخازن ج2 ص 324 وغيره
[1117] ) تفسير الخازن ج2 ص 324 وغيره
[1118] ) التفسير الميسر ج2 ص 259 مجموعة من العلماء - عدد من أساتذة التفسير تحت إشراف الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي
[1119] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1346
[1120] ) رواه مسلم ج1 ص 365 رقم 218
[1121] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 188
[1122] ) مجلة مجمع الفقه الإسلامي ج4 ص 1852 تصدر عن منظمة المؤتمر الاسلامي بجدة
[1123] ) فتاوى إسلامية لأصحاب الفضيلة العلماء (سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز- فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين) إضافة إلى اللجنة الدائمة
وقرارات المجمع الفقهي ج2 ص 660
[1124] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 212 رقم 4165 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2ص405 رقم 3366 السلسلة الصحيحة المجلدات2/40
[1125] ) رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 174 رقم 329 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 234 رقم 2735
[1126] ) أبو عبيد مشهور آل سليمان محقق كتاب الموافقات للشاطبي ج2 ص 11: انظر في المسألة "شرح الكوكب المنير" "1/ 312، "والتوضيح في حل غوامض التنقيح" "2/ 63"، و"شفاء الغليل" "ص 103"، و"نبراس العقول" "323- 328"، و"جمع الجوامع" "2/ 233"، و"الإبهاج" "3/ 41"، و"إيثار الحق على الخلق" "ص 181 وما بعدها"، و"نفائس الأصول" "9/ 3995"، و"تعليل الأحكام" لمحمد مصطفى شلبي، ففيه بحث واف عن هذا الموضوع.
[1127] ) ابن حزم : الإحكام في أصول القرآن ج1 ص 318
[1128] ) أصول البزدوي ج1 ص 375
[1129] ) أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء (المتوفى : 660هـ) : قواعد الأحكام في مصالح الأنام ج2 ص 130
[1130] ) روه أبو داود ج10 ص 265 رقم 3306 ، وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج8 ص 300 رقم 3800
[1131] ) روه أبو داود ج10 ص 265 رقم 3306 ، وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج8 ص 300 رقم 3800
[1132] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج10 ص 12 ص 19508 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج5 ص 325
[1133] ) الفتاوى الكبرى ج1 ص 368 ، "مجموع الفتاوى" (21 / 535(
[1134] ) إعلام الموقعين ج3 ص 3
[1135] )السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص 121 ، الأشباه والنظائر لابن نجيم ج1 ص 123 ، المنثور في القواعد ج1 ص 307 ،
[1136] ) وتطالعنا الكتب والمواقع الالكترونية عن مفهوم الرهبنة عند المسيحية ، فماذا قالوا عنها ؟ : " لم يذكر الكتاب المقدس صراحة كلمة " رهبنة " و"رهبان "ذلك لأن فكرة الرهبنة لم تكن قد تبلورت بالمعنى المفهوم حاليا , لكن الكتاب المقدس-عندهم- قدم لنا بعض النماذج للذين قدموا حياتهم كلها كذبيحة حيه مرضية على مذبح العبادة والنسك , أحبوا الصلاة وحولوها إلى حياة , عشقوا الهدوء والسكون وحياة الالتصاق بالله ,كما عاشوا بالبتولية والطهارة كل أيام حياتهم وهذه الفضائل هى من أهم مقومات الرهبنة وأركانها الأساسية" وقالوا الوحدة هى درجة عالية فى الرهبنة يصل اليها الراهب بعد أن يكون قد مر بفترة المجمع واختبر حروبه واكتسب فضائله .، " المتوحد هو الراهب الكامل الذى وصل الى درجة الرهبنة الكاملة بمعناها الدقيق إذ أن الكلمة القبطية اليونانية "موناخوس" التى يترجمونها عادة بالكلمة العربية " راهب " هى فى الواقع تفيد حرفياً كلمة متوحد مما يدل على أن هدف الرهبانية الحقيقى هو التوحد المطلق " ، والمتوحد هو الطراز من الرهبان صار يحب الوحدة والعزلة التامة عن الناس وحتى عن أخوته الرهبان ويسمى أحياناً " الراهب الحبيس " لأنه يحبس نفسه فى قلايته عن حب ورغبة صادقة عارمة فى الوحدة والأنفراد والأختلاء التام بالله أياماً قد تصل إلى أسبوع أو أكثر وقد يترك الدير بإذن من مرشده الى مغارة فى الجبل ليمارس فيها حياة الوحدة ويعود الى الدير فى فترات متباعدة ويزداد شيئاً فشيئاً فى نسكه وتقشفه وأكتفائه بأقل القليل من الطعام والشراب والنوم كما ينمو فى حياة السكون والصلاة بلا انقطاع وتذداد نفسه وقلبه صفاء ونقاء ..
[1137] ) البحر المحيط ج5 ص 12 ومثله قال الرازي في تفسيره ج6 ص 138
[1138] ) رواه الترمذي ج10 ص 317 رقم 2980 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج10 ص 317 رقم 2980
[1139] ) رواه مسلم ج7 ص 175 رقم 2487
[1140] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 351 رقم 2127
[1141] ) رواه ابن خزيمة في صحيحه ج3 ص 352 رقم 2242
[1142] ) رواه أحمد في مسنده ج23 ص 394 رقم 11349 وصححه الألباني ج2 ص 94 رقم 555
[1143] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج2 ص 387 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 67 رقم 68
[1144] ) رواه البخاري ج11 ص 230 رقم 3167
[1145] ) رواه البخاري ج16 ص 11 رقم 4686
[1146] ) يراجع في ذلك حكم زواج المتعة في قوله (فما استمتعتم به منهن..) في سورة النساء ، وحديث تحريمها إلى يوم القيامة ، وفتوى ابن عباس إجازتها للمضطر ، ونهي عمر بن الخطاب في زمانه عن المتعة ليوم القيامة . .
[1147] ) رواه البخاري ج16 ص 11 رقم 4686
[1148] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 1005
[1149] ) فتح الباري ج9 ص 119
[1150] ) التحرير والتنوير ج5 ص 193
[1151] ) في ظلال القرآن ج2 ص 424
[1152] ) تفسير الطبري ج10 ص 523
[1153] ) تفسير القرطبي ج6 ص 260 تفسير النيسابوري ج3 ص 201 نظم الدرر ج2 ص 451
[1154] ) الكشف والبيان ج4 ص 101 – الألوسي ج5 ص 110 – البغوي ج3ص 89 – الثعلبي ج1 ص 776 – الخازم ج2 ص 325 – النيسابوري ج3ص201 – روح البيان ج2 ص 345 – روح المعاني ج7 ص 8 – نظم الدرر ج2 ص 451
[1155] ) رواه البخاري ج16 ص 11 رقم 4686
[1156] ) رواه مسلم ج7 ص 175 رقم 2487
[1157] ) رواه أبو داود ج9 ص 116 رقم 2862 ورواه البخاري في صحيحه ج20 ص 399 رقم 6202
[1158] ) رواه البخاري ج6 ص 413 رقم 1732
[1159] ) رواه مسلم ج8 ص 447 رقم 3114
[1160] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج10 ص 433
[1161] ) رواه البخاري ج14 ص 136 رقم 4248
[1162] ) رواه البخاري ج20 ص 413 رقم 6212
[1163] ) رواه البخاري ج20 ص 412 رقم 6211
[1164] ) رواه البخاري ج14 ص 135 رقم 4247
[1165] ) ملا علي القاري : شرح مسند أبي حنيفة ج1 ص 108
[1166] ) أبو عمر يوسف بن عاصم النمري : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج21 ص 248
[1167] ) أبو عمر يوسف بن عاصم النمري : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج21 ص 250
[1168] ) سليمان بن محمد اللهيميد : إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج3 ص 89
[1169] ) البحر المحيط ج5 ص 14
[1170] ) البحر المديد ج2 ص 99
[1171] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج2 ص 216
[1172] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 377
[1173] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 377
[1174] ) النكت والعيون ج1 ص 377
[1175] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج2 ص 211
[1176] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 759
[1177] ) تفسير مقاتل ج4 ص92
[1178] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2332
[1179] ) رواه البخاري ج1 ص 69 رقم 38
[1180] ) فتح الباري لابن حجر ج1 ص 94
قال بن المنير في هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع وليس المراد منع طلب الاكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة بل منع الافراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة
[1181] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج3 ص 403 رقم 3889 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 277 رقم 2766
[1182] ) الشرح المختصر على بلوغ المرام ج3 ص 267
[1183] ) رواه أبو داود ج10 ص 91 رقم 3185 وصححه الألباني ج8 ص 170 رقم 3670 وصحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص49رقم3049
[1184] ) التحرير والتنوير ج5 ص 195
[1185] ) رواه أبو داود ج10 ص 104 رقم 3194 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 8 ص 179 رقم 3679
[1186] ) رواه الترمذي ج7 ص 67 رقم 1788 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1047 رقم 10467
[1187] ) رواه الترمذي ج7 ص 68 رقم 1789 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج 1 ص 869 رقم 8681
[1188] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 424
[1189] ) قاله الطيبي ، انظر تحفة الأحوذي للمباركفوري ج5 ص 493
[1190] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج3 ص 216 رقم 5119 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج12 ص 109 رقم 5609
[1191] ) قال ابن منظور (وأَصله تَقَمَّر الصَّيَّادُ الظِّباءَ والطَّيْرَ بالليل إِذا صادها في ضوء القمر فَتَقْمَرُ أَبصارُها فتُصاد وقال أَبو زُبَيْدٍ يصف الأَسد وراحَ على آثارهم يَتَقَمَّرُ أَي يتعاهد غِرَّتَهم وكأَنَّ القِمارَ مأْخوذ من الخِدَاع) لسان العرب ج5 ص 113
[1192] ) لسان العرب ج5 ص 295
[1193] ) الملا علي القاري : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج9 ص 307
[1194] ) مسند الشهاب ج1 ص 271 رقم 441
[1195] ) انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ج1 ص 116 رقم 42
[1196] ) فيض القدير ج6 ص 84
[1197] ) رواه البخاري ج14 ص 139
[1198] ) إغاثة اللهفان ج1 ص 209
[1199] ) الأصنام لابن الكلبي ج1 ص 6
[1200] ) تفسير حقي ج3 ص 330 – تفسير روح البيان ج2 ص 349
[1201] ) رواه البخاري ج4 ص 347 رقم 1096
[1202] ) تفسير الرازي ج1 ص 1704
[1203] ) تفسير الشعراوي ج 2339
[1204] ) رواه أبو داود ج10 ص 96 رقم 3189 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 8 ص 174 وصحيح ابن ماجة ج7ص380 رقم 3380
[1205] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 20 رقم 18 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1 ص 9 رقم 14/18
[1206] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج3 ص 228 رقم 5176 وصححه الألباني : صحيح وضعيف النسائي ج12 ص 166 رقم 5666
[1207] ) محيي الدين ابن عربي : الرسالة الوجودية ص 157
[1208] ) رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 417 رقم 8132
[1209] ) رواه النسائي ج16 ص 473 رقم 5445 وصححه الألباني : صحيح وضعيف النسائي ج12 ص 40 وصحيح وضعيف الترمذي ج7 ص 49 رقم 3049
[1210] ) رواه البخاري ج22 ص 214 رقم 6712
[1211] ) رواه البخاري ج15 ص 394 رقم 4609
[1212] ) رواه البخاري ج 8 ص 349 رقم 2284
[1213] ) رواه الترمذي ج10 ص 314 رقم 2977 وقال الألباني صحيح الإسناد ، انظر صحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص 51
[1214] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج11 ص 278 رقم 11756
[1215] ) رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 417 رقم 8132
[1216] ) جاء في الإحكام للأمدي ج1 ص 130 تعليقا علي هذه القاعدة : " مذهب الأشاعرة وأهل الحق أنه لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود الشرع ، وأما المعتزلة فإنهم قسموا الأفعال الخارجة عن الأفعال الاضطرارية إلى ما حسنه العقل وإلى ما قبحه وإلى ما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح فما حسنه العقل إن استوى فعله وتركه في النفع والضرر سموه مباحا وإن ترجح فعله على تركه فإن لحق الذم بتركه سموه واجبا وسواء كان مقصودا لنفسه كالإيمان أو لغيره كالنظر المفضي إلى معرفة الله تعالى وإن لم يلحق الذم بتركه سموه مندوبا ، وما قبحه العقل فإن التحق الذم بفعله سموه حراما وإلا فمكروه ، وما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح فقد اختلفوا فيه فمنهم من حظره ومنهم من أباحه ومنهم من وقف عن الأمرين ، احتجت الأشاعرة بالمنقول والمعقول، أما المنقول فقول الله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا 17 الإسراء 15 ووجه الدلالة منه أنه أمن من العذاب قبل بعثه الرسل ، وذلك يستلزم انتفاء الوجوب والحرمة قبل البعثة ، وإلا لما أمن من العذاب بتقدير ترك الواجب وفعل المحرم إذ هو لازم لهما ، وأيضا قوله تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل 4 النساء 165 ومفهومه يدل على الاحتجاج قبل البعثة ، ويلزم من ذلك نفي الموجب والمحرم "
[1217] ) وباستقراء أحكام الشريعة الإسلامية في هذا الصدد تبين أنها لم تخرج عن مبدأ الأثر الفوري للأحكام الجنائية إلا بصدد جريمتين : القذف – الحرابة ، وفي غير هاتين الجريمتين تمسكت قواعد الشريعة الإسلامية بالقاعدة الأصلية ، فما المقصد من هذا الاستثناء ، فهل يمكن أن ينم ذلك علي قاعدة عامة في هذا الشأن يمكن القياس عليها ؟
أولا : حد القذف : فالثابت أن رسول الله صلي الله عليه و سلم قد جلد من قذفوا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بعد نزول أية القذف وتقرير عقوبتها بالنص القرآني ثمانين جلدة ، مما يعد استثناء علي مبدأ الرجعية وليس إهدارا لمبدأ الشرعية [1217]، و تعزو حكمة ذلك إلي محو آثارها التي علقت بأذهان الناس ، إذ هي من قبيل الجرائم التي تستشري آثارها وتتفاقم كلما مر عليها الوقت مستقبلا ، فإذا لم يحد فاعلوها لظل ما اقترفوه عالقا بأذهان الناس يظنون الظن السيئ في التي أثبت الله عز وجل طهارتها ، و هو بهم عليم خبير
ثانيا :جريمة الحرابة : فوفقا لرأي الجمهور فإن آية الحرابة قد نزلت بشأن عقاب العرنيين ، ومن ثم فإن الشريعة الإسلامية تكون قد خرجت علي مبدأ الأثر المباشر للعقوبة الجنائية وأخذت برجعية أثرها في هذا الشأن ليتناول النص العقابي الوقائع السابقة علي صدوره ، ويعزى هذا الخروج لما تمثله هذه الجريمة من خطر عظيم للجنس البشري ، إذ أن جريمة هؤلاء ليس القتل فحسب ، إذ أنهم لم يقتلوا شخصا بعينه أو بوصفه ثار بينهم و بينه نزاع ، إنما هم قد قتلوا بصرف النظر عن شخصية المقتول ، فهم يقتلون لمجرد القتل ، أو حبا في القتل ، كما أنهم لم يسرقوا المال فحسب ، بل إنهم سرقوا المال عن عنوة وعلانية ، فلم تكن جريمتهم مجرد الجرم ، بل أبشع درجاته ، وأعنف صوره ، لذا كان في توقيع جزاء الحرابة عليهم بأثر رجعي تدبيرا احترازيا ، أملته اعتبارات الدفاع الاجتماعي في الوقاية من هذه الشرذمة من الناس الذين لا يبالون في أي مكان أو أي وقت أو أي حال أو مع أي شخص يرتكبون جريمتهم ، فخطورتهم الإجرامية قد استفحلت لدرجة الإجرام من أجل الإجرام لا لدافع غير الإجرام ، فكان من الحكمة أن ترجع عليهم الشريعة الإسلامية بأثر رجعي في هذا الشأن عملا بقاعدة أخف الضررين ، ففي إفساد هؤلاء درء للخطورة الكامنة في أنفسهم ، و حفاظ علي حياة الأبرياء الآخرين
[1218] ) "جامع البيان" (8/ 665، ط هجر):"
[1219] ) تفسير العلامة العثيمين -سورة المائدة (2/ 368 – 371، ط ابن الجوزي)-
هذه الآية يمكن أن نحملها على حالَين :- الحال الأولى: حالُ مَن يَذهب إلى التقشُّف ويخشى من الترفُّه المباح، فيتجنَّب الفواكهَ واللحمَ الشهيَّ والشيءَ اللذيذَ تعبُّدًا لِلَّه، فتُحمل على مَن تورَّعوا عما أَحَلَّ اللهُ لهم خوفًا مِن الإثم، فيقال لهم: ليس عليكم جناحٌ فيما طَعمتُم إذا تمَّت هذه الشروط
ولها محمل آخر: فيمن تُوُفُّوا قبل تحريمِ الخمر، وأيضًا قبل أن يَعلموا بِتحريمها، فهذا يَشمل مَن ليس عليهم جناح، فهم قد شربوا الخمرَ وهي في النهاية حرام، لكنْ حين شُربهم إياها، حلال؛ لأن اللهَ سبحانه وتعالى لم يحرِّمها بتاتًا إلا بعد موتهم، وإن كانت قد نزلت الآياتُ تُعَرِّض بالتحريم وتقيِّد الحِلَّ، كما في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة من الآية: 219]، وفي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء من الآية: 43]، وهؤلاء أَشْكَلَ على الصحابةِ حالُهم لَمَّا حُرِّمت الخمر، أي: أشكل على الصحابة حالُ الذين تُوُفُّوا مِن قَبل، فأنزل اللهُ هذه الآية، أنه ليس عليهم جناح؛ لأنهم لم يَنتهكوا ما حَرَّم الله، بل هم مؤمنون متَّقون محسِنون"
[1220] ) تفسير العلامة العثيمين -سورة المائدة (2/ 368 – 371، ط ابن الجوزي)-
[1221] ) تيسير علم أصول الفقه للجديع ج2 ص 41
[1222] ) شرح ابن أمير الحاج على تحرير ابن الهمام في علم الاصول الجامع بين اصطلاحي الحنفية و الشافعية - التقرير والتحبير ج5 ص 319
[1223] ) الدر المنثور ج3 ص 476
[1224] ) التسهيل لعلوم التنزيل : لابن الجزي ج1 ص 380
[1225] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 190
[1226] ) رواه ابن ماجة ج 12 ص 295 رقم 4235 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 417 رقم 3423
[1227] ) تفسير البغوي ج3 ص 96 - اللباب في علوم الكتاب ج6 ص 227
[1228] ) رواه الترمذي ج3 ص 311 رقم 740 وضعفه الألباني
[1229] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج4 ص 334 رقم 8443 ،وقال (وهذا وإن كان إسناده غير قوي فله شاهد من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه
[1230] ) البحر المحيط ج5 ص 22
[1231] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2352
[1232] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 89
[1233] ) رواه السيوطي في الدر المنثور ج3 ص 478 ، وابن جرير الطبري في تفسيره ج10 ص11 ، وابن شيبة في مصنفه ج4 ص25
[1234] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 89
[1235] ) أحكام القرآن ج2 ص 227
[1236] ) أحكام القرآن ج2 ص 227
[1237] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 91
[1238] ) فتح القدير ج2 ص 360
[1239] ) فتح القدير ج2 ص 360
[1240] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج3 ص 352
والضبع من جملة السباع ورغم ذلك لا يجوز قتله في الحرم إلا إذا عدى على الناس ، فهو مؤمن من القتل في حال الإحرام ، مما يدل على حرمة القتل حتى للحيوانات المفترسة متى أمن غدرها ـ لأنه في الغالب يأكل الميتة ، ويُعتبر من الحيوانات القوّامة (الزبالة) التي تأكل بقايا فرائس الحيوانات الأخرى أو الحيوانات المريضة والميتة،
[1241] ) نوع من القوارض أشبه بالأرانب لكنه أصغر منها وأكبر من الفأر في الحجم ـ طعامه فقط الأعشاب وجذور البناتات ، وقد يشبه الكنغر لكنه صغير عنها بكثير .
يشبه الأرنب في بعض الصفات مثل الأذنين الطويلتين والأرجل الخلفية القوية للقفز، لكنه يصنف ضمن فصيلة اليربوعيات وهو قارض صحراوي ليلي
[1242] ) هي أنثى الجدي (صغير الماعز أو الضأن) التي قاربت بلوغها سنة، عندما يبلغ وزنها نحو 10 إلى 12 كيلوجراماً، وهي المرحلة التي تسبق أن تصير "عناق" (أنثى المعز التي لم تلد بعد)
[1243] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج5 ص 183 رقم 9659
[1244] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 91
[1245] ) تفسير القرطبي ج6 ص 312
[1246] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج3 ص 352
[1247] ) محكمة النقض المصرية، الدائرة المدنية، الطعن رقم ٤٨٨٦ لسنة ٨١ قضائية، جلسة ١ سبتمبر ٢٠٢١. - محكمة النقض المصرية، الدائرة المدنية، الطعن رقم ٦٣٩ لسنة ٤٩ قضائية، جلسة ٣٠ إبريل ١٩٨٤، مكتب فني سنة ٣٥، قاعدة ٢٢١، ص ١١٥- محكمة النقض المصرية، الدائرة المدنية، الطعن رقم ٤٤٧ لسنة ٨٥ قضائية، جلسة ٢١ فبراير ٢٠٢١.- محكمة النقض المصرية، الدائرة المدنية، الطعن رقم ٤٤٩ لسنة ٣٤ قضائية، جلسة ٧ نوفمبر ١٩٦٨، مكتب فنى سنة ١٩، قاعدة ١٩٨، صفحة ١٣٠٧.
[1248] ) (حكم محكمة النقض – أحوال شخصية - الطعن رقم 487 لسنة 73 ا ) [ في هذا المعني حكم المحكمة الإدارية العليا فى الطعن رقم 23065 لسنة 51ق . عليا الصادر بجلسة 16 |3 |2010 المكتب الفنى السنة 55 و56 القاعدة رقم 40 صـ373 ومابعدها ]
[1249] ) (حكم محكمة النقض في الطعن رقم 3770 لسنة 77 جلسة 25/5/2017 ) ( في هذا المعني حكم المحكمة الإدارية العليا فى الطعون ارقام 37461 و 37606 و 38433 لسنة 60ق . عليا الصادر بجلسة 18 |2 |2015 )
[1250] ) هم الخوارج نسبوا إلى حروراء لأنهم نزلوها وتعاقدوا عندها على قتال أهل العدل ،وسموا خوارج لخروجهم على الجماعة وقيل لخروجهم عن طريق الجماعة وقيل لقوله صلى الله عليه وسلم يخرج من ضئضئ هذا يخرج في هذه الأمة ولم يقل منها
انظر الديباج على مسلم ج3 ص 158 للسيوطي
[1251] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 164 رقم 2656
[1252] ) رواه البيهقي في سننه ج5 ص 187 رقم 10189
[1253] ) أضواء البيان ج1 ص 447
[1254] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 381
[1255] ) وهذا يفترض في حالتين : الأولى أن المحرم ليس معه مال ، والثانية أنه ليس بمكة مسكين
[1256] ) البحر المحيط ج5 ص 29
[1257] ) الكشاف ج2 ص 68
[1258] ) تفسير ابن أبي حاتم ج2 ص 344
[1259] ) في ظلال القرآن ج2 ص 437
[1260] ) التحرير والتنوير ج5 ص 220
[1261] ) رواه ابن ماجة ج9 ص 228 رقم 3084 وصححه الالباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 139 رقم 2509
[1262] ) رواه البخاري ج6 ص 356 رقم 1696
[1263] ) سبل السلام ج2 ص 193
[1264] ) في ظلال القرآن ج2 ص 437
[1265] ) تفسير الطبري ج11 ص 91
[1266] ) رواه البخاري ج6 ص 365 رقم 1702
[1267] ) تفسير القشيري ج2 ص 175
[1268] ) تفسير الرازي ج6 ص 166
[1269] ) التحرير والتنوير ج5 ص 211
[1270] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 378
[1271] ) التحرير والتنوير ج5 ص 226
[1272] ) التحرير والتنوير ج5 ص 226
[1273] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 257
[1274] ) رواه البخاري ج11 ص 277 رقم 3202
[1275] ) تفسير الشعراوي ج1 س 2365
[1276] ) بحر العلوم ج2 ص 7
[1277] ) و من أشهر ضحايا هذه الأساليب بنيامين كبير أساقفة مصر الذى قاموا بتسليط الشموع على جسده و خلعوا أسنانه ثم رموا بجسده الملتهب بعد أن صهروا دهون جسده فى المياه المالحة. وقد أحيق به هذا فقط لرفضه الخضوع لقرارات مجمع خلقدونية الذى قال بأن للمسيح طبيعتين …. ناهيك عما فعلوه بالمسلمين وكذا اليهود وكذا الكاثولويكيين باعتبارهم مخالفين لطائفتهم .
ول ديورانت : قصة الحضارة ج17 ص8 ، وغيرها – د عبد الوهاب المسيري : موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ج6 ص 5 – الموسوعة العربية العالمية - دائرة المعارف العالمية World Book International .
[1278] ) رواه مسلم ج6 ص 245 رقم 2137
[1279] ) فوزي محمد طايل : كيف نفكر استراتيجيًّا ، مركز الإعلام العربي ، القاهرة 1997 ، ص 30 - 31 ، انظر مجلة البيان ج194 ص 72
علي بن نايف الشحود : موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة ج12 ص 273
[1280] ) رواه مسلم ج1 ص 467 رقم 302
[1281] ) شرح النووي على مسلم ج3 ص 79
[1282] ) رواه النسائي ج16 ص 473 رقم 5445 والحاكم في المستدرك ج2 ص 305
[1283] ) مجموع الفتاوى ج 8 ص 90
[1284] ) فتاوى الأزهر ج7 ص 393
[1285] ) http://madrasato-mohammed.com/maowsoat_aqida_sunnah_02/pg_115_0013.htm
الشيخ عبد الله بن عبد الحميد الأثري: (الوجيز في عقيدة السلف الصالح) [الأصل السابع منهج أهل السنة والجماعة في التلقي والاستدلال]
تقديم معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة
[1286] ) رواه البخاري ج22 ص 257 رقم 6745
[1287] ) جمال الدين المَلَطي : المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ج2 ص 153
[1288] ) رواه البخاري ج22 ص 260 رقم 6748
[1289] ) رواه البخاري ج22 ص 261 رقم 6749
[1290] ) محمد بن أبي نصر فتوح الأزدي الحميدي : تفسير غريب ما في الصحيحن ج1 ص 8
[1291] ) محمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي : دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج2 ص 65
[1292] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 220
[1293] ) غريب الحديث لابن الجوزي ج2 ص 418
[1294] ) المحرر الوجيز ج2 ص 354
[1295] ) رواه البخاري ج11 ص 54 رقم 3034
[1296] ) رواه البخاري ج22 ص 264 رقم 6752
[1297] ) رواه البخاري ج22 ص 265 رقم 6753
[1298] ) رواه مسلم ج7 ص 42 رقم 2380
[1299] ) رواه البخاري ج22ص 258 رقم 6746
[1300] ) إغاثة اللهفان ج2 ص 315
[1301] ) تفسير الطبري ج2 ص 185 تفسير ابن كثير ج1 ص 295
[1302] ) رواه البخاري ج14 ص 148 رقم 4256
[1303] ) رواه البخاري ج14 ص 148 رقم 4256
[1304] ) رواه البخاري ج 14 ص 147 رقم 4255
[1305] ) رواه مسلم ج12 ص 48 رقم 4353
[1306] ) رواه البخاري ج22 ص 259 رقم 6747
[1307] ) شرح العقيدة الطحاوية لفضيلة الشيخ عبد العزيز الراجحي ج1 ص 352أشرطة مفرغة للدورة العلمية التي أقيمت بجامع شيخ الإسلام ابن تيمية
[1308] ) معرفة السنن والآثار للبيهقي ج16 ص 152 رقم 6264
[1309] ) فتح الباري ج 8 ص 285
[1310] ) رواه البخاري ج14 ص 150 رقم 4257
[1311] ) رواه البخاري ج14 ص 150 رقم 4257
[1312] ) لبنها
[1313] ) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج1 ص 85
[1314] ) فتح الباري ج8 ص 284
[1315] ) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج1 ص 85
[1316] ) فتح الباري ج8 ص 284
[1317] ) التحرير والتنوير ج5 ص 239
[1318] ) غريب الحديث لابن قتيبة ج1 ص 426
[1319] ) رواه البيهقي في سننه ج10 ص 9 رقم 19493
[1320] ) معرفة السنن والآثار للبيهقي ج16 ص 152 رقم 6264
[1321] ) الدر المنثور ج3 ص 497
[1322] ) انضباط مصادر أدلة الاعتقاد/ الموسوعة العقدية : منهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد / الدرر السنية/ إشراف علوي بن عبد القادر السقاف https://dorar.net/aqadia/
[1323] ) أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني : اللباب في علوم الكتاب ج6 ص 265
[1324] ) تفسير الرازي ج6 ص 178 مع بعض التصرف
[1325] ) هذه الأمثال ذكرها الراغب الأصفهاني في "تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين": 140-141، وهي بنصها في "معارج القدس" للغزالي: 57 دون تنبيه على مصدرها.
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/1662/#ixzz64BTeqwoN ، مقالات موقع الألوكة : منهج التفكير العقلي في القرآن الكريم ص6
[1326] ) الصواعق المرسلة ج4 ص 1516
[1327] ) رواه البخاري ج5 ص 182 رقم 1296
[1328] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 426
[1329] ) غريب الحديث لابن قتيبة ج1 ص 350
[1330] ) عون المعبود ج12 ص 319
[1331] ) النهاية في غريب الأثر ج3 ص882
[1332] ) دروس الشيخ سفر الحوالي ج91 ص 5 قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
[1333] ) يُنسب هذا القول لعلماء مثل ابن القيم و أبي علي الدقاق
[1334] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 19 رقم 4004 قال الألباني ضعيف لكن بعضه صحيح : انظر صحيح وضعيف ابن ماجة ج7 ص 58رقم 3058
[1335] ) رواه أحمد ج29 ص 334 رقم 17798 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 59 رقم 2560
[1336] ) رواه أبو يعلى في مسنده ج1 ص 119 رقم 131
[1337] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 9 رقم 3995 وصححه الألباني صحيح ابن ماجة ج 2 ص 367 رقم 3236
[1338] ) رواه البخاري ج22 ص 255 رقم 6744
[1339] )السياسة الشرعية ج1 ص 25
[1340] ) مجموع الفتاوى ج14 ص 481
[1341] ) الاستقامة ج2 ص 212
[1342] ) مجموع الفتاوى ج14 ص 481
[1343] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 564
[1344] ) الطرق الحكمية ج1 ص 279
[1345] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 174
[1346] ) الدر المنثور ج4 ص 10
[1347] ) البحر المحيط ج5 ص 52
[1348] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 174
[1349] ) ابن القيم : إعلام الموقعين ج1 ص 97
[1350] ) البحر المحيط ج5 ص 53
الإمساك أي المنع من الانصراف.فمنه ما هو بإكراه كحبس الجاني في بيت أو إثقافه في قيد.ومنه ما يكون بمعنى الانتظار، كما في حديث عتبان بن مالك: "فغدا علي رسول الله وأبو بكر إلى أن قال وحبسناه على خزير صنعناه"، أي أمسكناه.وهذا هو المراد في الآية، أي تمسكونهما ولا تتركونهما يغادرانكم حتى يتحملا الوصية.وليس المراد به السجن أو ما يقرب منه، لأن الله تعالى قال :{وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ} [البقرة:282].
التحرير والتنوير ج5 ص 247
[1351] ) تفسير السعدي ج1 ص 246
والسياق يدل على أنها صلاة الجنازة على الميت خلافا لما ذكره بعض المفسرين بتخصيصها بصلاة العصر دون دليل يقوى على ذلك ، إذ قد يكون ما روي في ذلك من باب الحكاية لما حصل في القصة التي نزلت الآيات فيها خصوصا ، وأنهم حبسوهما إلى بعد صلاة العصر ، ولا دليل أن المقصود بالآية على وجه العموم صلاة العصر
وذكر أهل التفسير أن الصلاة في القرآن على عشرة أوجه منها صلاة الجنازة ومنه قوله تعالى في براءة : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره )
ابن الجوزي : نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر ج1 ص 396 ،
[1352] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 564
[1353] ) عون المعبود ج10 ص 17
[1354] ) المنتقى شرح الموطأ ج4 ص 4 رقم 1208
[1355] ) البحر المديد ج2 ص 112
[1356] ) رواه البخاري ج 9 ص 339 رقم 2572
[1357] ) محمد شمس الحق العظيم آبادي أبو الطيب : عون المعبود ج10 ص 13
[1358] ) ناصر الدين ابن المنيّر : المتوارى على أبواب البخاري ج1 ص 159
[1359] ) عون المعبود ج10 ص 17
[1360]) قال الرازي : هذه الآية اتفق المفسرون على أنها في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً ، انظر تفسير الرازي ج6 ص 188
[1361] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج5 ص 467
[1362] ) أ.د/ محمد بن أحمد الصالح وسائل الإثبات المعاصرة في القضاء ، ص 13 . بحوث ندوة القضاء الشرعي في العصر الحاضر ج46 ص 14 الفترة الواقعة بين 12 ـ 13 ربيع الأول 1427 هـ - وهو أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وعضو المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
[1363] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 389
[1364] ) التحرير والتنوير ج5 ص 254
[1365] ) عبد المنعم التمسماني : جريمة شهادة الزور وعقوباتها في الفقه الإسلامي : الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين :
https://www.iumsonline.org/ar/ContentDetails.aspx?ID=4845
[1366] ) المدونة ج4 ص 10
[1367] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 389
[1368] ) المغني ج23 ص 356
[1369] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 143
[1370] ) رواه البزار في مسنده ج1 ص 140 /و أخرجه الترمذي (1331) واللفظ له، وأحمد (1210) وصححه الشيخ أحمد شاكر
[1371] ) ج1 ص 143 رقم 1210
[1372] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2388
[1373] ) رواه الترمذي ج5 ص 155 رقم 1244 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 258 رقم 2195
[1374] ) نسمع كلمة هللويا"من أهل الكتاب كثيرا (Hallelujah) وهي كلمة عبرية تعني "سبحوا الرب" (הַלְלוּ "سبحوا" + יָהּ "يهوه/الرب")، وهي تعبير عن التسبيح والشكر لله يُستخدم في المسيحية واليهودية ، خاصة في المزامير وسفر الرؤيا، وأصبحت جزءاً أساسياً في الموسيقى الكنسية والأغاني الشهيرة عالمياً، وتُستخدم كعلامة تسبيح وفرح عارمة.
وأهل الكتاب يلفظون "هللويا" للتعبير عن الفرح والثناء على الله، خاصة في الأوقات العادية قبل قراءة الإنجيل وأثناء ترنيم المزامير وبعد القداس، لكنهم يتوقفون عن استخدامها خلال الصوم الكبير كفترة تأمل وحزن استعداداً لعيد الفصح، مع استمرار الأرثوذكس في ترنيمها بشكل رصين في صلاة الفجر أيام الصوم، وتعود الكاثوليك لاستخدامها بقوة في عيد الفصح
ولا يجوز للمسلمين قول كلمة "هللويا" لأنها كلمة دينية خاصة باليهود والمسيحيين، واستخدامها قد يعد تقليدًا لهم، وقد نهى النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم.
[1375] ) رواه البخاري ج 6 ص 226 رقم 1623
[1376] ) رواه البخاري ج6 ص 228 رقم 1625
[1377] ) رواه البخاري ج21 ص 324 رقم 6464
[1378] ) رواه البخاري ج 22 ص 331 رقم 6803
[1379] ) رواه البخاري ج17 ص 473 رقم 5270
[1380] ) رواه أحمد ج 8 ص 325 رقم 3790 صححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج 3 ص 239 رقم 3641
[1381] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2394
[1382] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2392
[1383] ) مختصر مني وما بين القوسين قبله كذلك
[1384] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 972
[1385] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 972
[1386] ) رواه مسلم 2937
[1387] ) تفسيرالشعراوي ج1 ص 2394
[1388] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 224
[1389] ) رواه مسلم ج1 ص 247 رقم 131
[1390] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2398
[1391] ) الألوسي : روح المعاني ج7 ص 58
[1392] ) تفسير الثعالبي ج1 ص 447
[1393] ) تفسير الطبري ج11 ص 222
[1394] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 2400 لأن « استطاع » تقابل : « استجاب »
[1395] ) ابن عطية : المحرر الوجيز ج2 ص 371 ، ابن جزي : التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 392
[1396] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 299 رقم 253 وصححه الألباني : صحيح كنوز النة ج1 ص 129
[1397] ) رواه مسلم ج14 ص 280 رقم 5318
[1398] ) رواه البخاري ج12 ص 248 رقم 3579
[1399] ) شرح السنة للبغوي ج6 ص 447
[1400] ) رواه البخاري ج21 ص 106 رقم 6328
[1401] ) النهاية في غريب الأثر ج3 ص 271 ، وانظر غريب الحديث لابن الجوزي ج2 ص 33
[1402] ) شرح صحيح البخاري ج8 ص 460 وانظر فتح الباري لابن حجر ج12 ص 155
[1403] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج 5 ص 208 رقم 5123 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج13 ص 169 رقم 3366 ، وقال : قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير القاسم الشيباني، وهو صدوق يغرب؛ كما قال الحافظ في "التقريب "، وهو من رجال مسلم، واسم أبيه: عوف، وموسى بن هارون ثقة حافظ مشهور، مترجم في "تاريخ بغداد"، و"تذكرة الحفاظ " وغيرهما.
[1404] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 43
[1405] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 173
[1406] ) رواه أبو داود ج11 ص 127 رقم 3567 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج9 ص 90 رقم 4090
[1407] ) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ج1 ص 273
[1408] ) رواه مسلم ج9 ص 400 رقم 3445
[1409] ) فتح القدير ج2 ص 385
[1410] ) رواه ابن ماجة في سننه ج11 ص 294 رقم 3831 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 194 رقم 968 ورواه مسلم في صحيحه ج3ص36رقم751
[1411] ) التحرير والتنوير ج5 ص 273
[1412] ) رواه أحمد في مسنده ج18 ص 300 رقم 8758 وقال الالباني إسناده حسن : قصة المسيح الدجال ج1 ص 101 وروى ابن حبان في صحيحه بلفظ ("والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم بن مريم حكما مقسطا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) ج15ص230 رقم 6818
[1413] ) في هذا المعنى ابن عاشور : التحرير والتنوير ج5 ص 274
[1414] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 233
[1415] ) الكشاف ج2 ص 85
[1416] ) النكت والعيون ج1 ص 394
[1417] ) رواه مسلم ج1 ص 465 رقم 301
[1418] ) شرح النووي على مسلم ج3 ص 79
[1419] ) القواعد الحسان في تفسير القرآن ج1 ص 56
[1420] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج16 ص 356 رقم 7357 وصححه الالباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج 4 ص 8 رقم 1434
[1421] ) تيسير علم أصول الفقه ج1 ص 59
-
السبت PM 05:14
2025-12-20 - 1822



