ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
مواساة النبي في تكذيب الكافرين له ، وكثرة المنافقين والمرائين ، باستظهار حالهم يوم القيامة
مواساة النبي في تكذيب الكافرين له ، وكثرة المنافقين والمرائين ، باستظهار حالهم يوم القيامة
قال تعالى (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (33)
قوله (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(24) قال حقي (يروى أن المشركين إذا رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى وتجاوزه عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين ، فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر فلا يفلحون) .
فعن ابن عباس قال في قوله (ثم لم تكن فتنتهم) قال : حجتهم ، وقوله (إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) يعني المنافقين والمشركين قالوا وهم في النار : هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا . فقال الله (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم) في القيامة (ما كانوا يفترون) يكذبون في الدنيا)
كما (تصف الآيات حال أناس ظنوا أنهم في الدنيا، بعيدين عن الشرك، خالية قلوبهم من آثاره، وإذ بهم يجدون أنفسهم يوم القيامة من المشركين) ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ "ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ" ، يَعْنِي:"الْمُنَافِقِينَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ مُنَافِقِينَ، لأَنَّهُمْ كَتَمُوا الشِّرْكَ، وَأَظْهَرُوا الإِيمَانَ، فَقَالُوا وَهُمْ فِي النَّارِ: هَلُمُّوا فَلْنَكْذِبْ هَاهُنَا، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَنْفَعَنَا كَمَا نَفَعَنَا فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّا كَذَبْنَا فِي الدُّنْيَا فَنَفَعَنَا، حَقَنَّا دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا، فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ" ، وقيل (هم أهل الرياء من أهل التوحيد يزعمون أنهم على اليقين وكمال الاخلاص وأفعالهم الصادرة عن جوارحهم تدل على خلاف ذلك) .
فعن معقل بن يسار يقول : انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي فقال يا أبا بكر للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر وهل الشرك إلا من جعل مع الله الها آخر قال النبي (والذي نفسي بيده للشرك أخفى من دبيب النمل ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره قال قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم)
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنْ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ قُلْنَا بَلَى فَقَالَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ) .
وقَالَ رَسُولَ اللَّهِ (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ قَالُوا وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً) .
وقال رَسُولَ اللَّهِ (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ) .
قوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا)(25) قال الحسن البصري (ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يُعلم في ماذا أنزلت وماذا عنى بها) ، لكن هؤلاء المشركين حالهم على العكس من ذلك تماما ، فمنهم من يستمع لكلام رسول الله ، ولكنهم لا يفهمون شيئا مما قيل ، حيث حال بينهم وبين فهم كلام الله ورسوله أن طال الزمان على حواسهم المعطلة ، فقد صدأت من عدم الاستعمال ، لانشغالهم بحياة البهائم ، ولم يدركوا أهمية تغذية الروح كما اهتموا بتغذية الأجساد ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: " أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا " ، قال:"يَسْمَعُونَهُ بِآذَانِهِمْ، وَلا يَعُونَ مِنْهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي تَسْمَعُ النِّدَاءَ، وَمَا تَدْرِي مَا يُقَالُ لَهَا" ، قال ابن تيمية (ذكروا الموانع على القلوب والسمع والأبصار وأبدانهم حية تسمع الأصوات وترى الأشخاص لكن حياة البدن بدون حياة القلب من جنس حياة البهائم لها سمع وبصر وهي تأكل وتشرب وتنكح) .
ولذلك تراهم لا يؤمنون بالآيات وإن رأوها بأعينهم ، لأن قلوبهم لا تصدق ، وأمثال هؤلاء يحتاجون لإيصال الخطاب الدعوي لهم ما يزيل عن قلوبهم الأكنة ، وما يزيل عن آذانهم الوقر ، فيجب عليهم الانتهاء فورا عن التلبس بالمعاصي ، ليتسنى لهم رؤية نور الشرع ، فالمتلبس بالزنا والسرقة لا يمكن له أن يرى نور الإيمان إلا أن ينتهي .
فسبب حالتهم هذه الإسراف في المعاصي ، وعدم المبادرة بالتوبة حتى تراكمت الذنوب فحالت بينهم وبين الإيمان بالله ، ف عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
وعنْ حُذَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) ، سئل سَعْد يَا أَبَا مَالِكٍ مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًّا قَالَ شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ قَالَ قُلْتُ فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا قَالَ مَنْكُوسًا ، قال ابن القيم : (شبه عرض الفتن على القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير ، وهي طاقاتها شيئا فشيئا وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين : قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس .
فالأكنة هي الغشاوة التي تغلف القلب ، وهي داء الكبر ، قال ابن القيم (هي التي ضربها الله على قلوبهم عقوبة له على رد الحق والتكبر عن قبوله ، .. فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة ولى أصحابها على أدبارهم نفورا) ، والقلب هو مركز الشعور والأحاسيس ، لذلك فهو محل الفتنة ، المشار إليها في قوله (لمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) .
وقوله (..أَنْ يَفْقَهُوهُ..) (25) قال الشعراوي أي (كراهية أنْ يفقهوه؛ لأن الله تعالى لا يريد منهم أن يفهموا القرآن رَغْماً عنهم ، بل برضاهم وعن طيب خاطر منهم بالإقناع وبالحجة ، فالله لا يريد منا قوالبَ تخضع ، بل يريد قلوباً تخشع ، وإلا لو أرادنا قوالبَ لما استطاع أحد منا أنْ يشذَّ عن أمره ، أو يمنع نفسه من الله تعالى ، فالجميع خاضع لأمره وتحت مشيئته) .
قوله (..وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا..) (25)كناية عن تعطل ألة الاستقبال عندهم ، لا لعطب في الآلة ذاتها ، بل هي سليمة ، ولكن لوجود عائق يحول دون وصول الموجات الصوتية لطبلة الأذن ، وقد يكون هذا العائق هي أصابعهم أنفسهم ، إذ استمعوا ابتداء فلم يعجبهم القول فوضعوا أصابعهم في آذانهم تكبرا وإعراضا كقوم نوح ، وقد يكونوا لووا أعناقهم يمينا ويسارا استكبارا عن سماعه .
فعدم الاستماع القلبي صفة كل متكبر ، لأنه المتكبر يرى نفسه على صوابه وغيره على خطأ ، فلا يفترض العكس ، ولو بطريقة منهجية في التفكير ، فهو يعيش في وهم مطلق ، فهو من هذا المنطلق يزدري الناس ، ولا يزن لقولهم قيمة ، يستخف بهم ، ولذلك قال رسول الله (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ) ، قيل غمط الناس (الاستخفاف بالناس) ، وقيل (احتقارهم وازدراؤهم) ، فالمتكبر يريد أن يتكلم هو وغيره هو الذي يستمع ، لأنه يرى أنه إذا استمع لغيره نزل عن برجه العالي لمن هو دونه .
قوله (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا..) (25) يعني يصير قلبه "كالكوز مجخيا" أي مكبوبا منكوسا .
قال ابن القيم (فإذا اسود وانتكس عرض له مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك :-
أحدهما : اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرا والمنكر معروفا والسنة بدعة والبدعة سنة والحق باطلا والباطل حقا .
الثاني : تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول وانقياده للهوى واتباعه له) .
قوله (..حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ..) (25) قال ابن كثير أي (يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل) ، قال ابن عاشور (يخيلون للدهماء أنهم قادرون على مجادلة الرسول وإبطال حججه ثم ينهون الناس عن الإيمان).
قال ابن القيم (أشار بالقلب المنكوس وهو المكبوب إلى قلب المنافق كما قال تعالى : (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) [ النساء : 88 ] أي نكسهم وردهم في الباطل الذي كانوا فيه بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة ، وهذا شر القلوب وأخبثها ، فإنه يعتقد الباطل حقا ويوالي أصحابه ، والحق باطلا ويعادى أهله) .
قوله تعالى (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) قال ابن كثير أي: (ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم) ، وذلك لأنها أقرب شبهة تنطلي على عقول الدهماء ، وذلك لقربهم من أهل الكتاب ، فلما حرفوا كتبهم فقد الناس الثقة في أهل الدين ، وعندما ينسبون ما جاء به النبي من القرآن إلى ما كان سطره المحرفون من أهل الكتاب بغية إهدار قيمته في أعينهم ، فإنهم يحولون بذلك بين النبي وأن يصدقه أحد من الناس ، وهكذا يصير الدين في مفهوم الناس ثقافة موروثة وتقاليد متبعة عن "الأولين" ، وليس في ظنهم "الأولين" بخير من "الآخرين" الذي يعيشون بثقافات متنوعة وتقاليد جديدة ، وقد عفا الزمان عن تقاليد وثقافات آبائهم القديمة .
قوله (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ..) (26) قال الشعراوي (والكافر من هؤلاء إنما ينأى عن مطلوب رسول الله – أي يبتعد- ولا يريد أن يهتدي ، ويمعن في طغيانه فينهى غيره عن الإيمان ، فكأنه ارتكب جريمتين : جريمة كفره ، وجريمة نهي غيره عن الإيمان ، لقد كانت قريش على ثقة من أن الذي يسمع القرآن يهتدي به ، لذلك أوصى بعضهم بعضاً ألا يسمعوا القرآن ، وإن سمعوه فعليهم أن يحرفوا فيه أو أن يصنعوا ضجيجاً يحول بين السامع للقرآن وتدبره (وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [فصلت : 26] ، إنهم واثقون من أن القرآن يقهرهم بالحجة ويفحمهم بالبينات ، وأنهم لو استمعوا إليه لوجدوا فيه حلاوة وطلاوة تستل من قلوبهم الجحود والنكران ،وكأنهم بذلك يشهدون أن للقرآن أثراً في الفطرة الطبيعية للإنسان ، وهم أصحاب الملكة في البلاغة العربية ، ومع ذلك ظل الكافرون على عنادهم بالرغم من عشقهم للأسلوب والبيان والأداء . ولم يكتفوا بضلال أنفسهم ، بل أرادوا إضلال غيرهم ، فكأنهم يحملون بذلك أوزارهم وأوزار من يضلونهم ، .. ، وقد عارضوا دعوة النبي لأنها ستسلبهم سلطتهم الزمنية من علو ، وجبروت ، واستخدام للضعفاء ، وذلك ما جعلهم يقفون من الدعوة موقف النكران لها والكفران بها) .
قوله (..وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (26) قال ابن عاشور (يظنون بالنهي والنأي عن القرآن أنهم يضرون النبي لئلا يتبعه الناس) فهذا الجهد الذي يبذلونه في نهي الناس عن سماع القرآن والاقتراب من محمد وأصحابه سوف يذهب سدى ، ، بما يسمى الإسلاموفوبيا –أي الرهاب من المسلمين أو من أي مظهر إسلامي دون مبرر منطقي -، ولا طائل من أفعالهم في تخويف الناس من الإسلام ، بل الذي سوف يحصل هو العكس من ذلك ، فعلى المدى البعيد أثبتت التجربة أن ظاهرة الإسلاموفوبيا بدأت تنحصر وتقل ، وأصبح إقبال الناس على الإسلام وتعلم أحكامه في ازدياد .
قال صاحب الظلال (لقد كانوا على يقين من أنه ليس أساطير الأولين ، وأن مواجهته بأساطير الأولين لا تجدي لو ترك الناس يسمعون! وكان كبراء قريش يخافون على أنفسهم من تأثير هذا القرآن فيها كما يخافون على أتباعهم... وهذا الجهد كله الذي كانوا يبذلونه ليمنعوا أنفسهم ويمنعوا غيرهم من الاستماع لهذا القرآن؛ ومن التأثر به والاستجابة له ... هذا الجهد كله إنما كانوا يبذلونه في الحقيقة لإهلاك أنفسهم - كما يقرر الله - سبحان) .
فعلي سبيل المثال : نشرت مبادرة " (Tracking Hate Lab) وهي مبادرة بحثية تشترك فيها عدة مؤسسات" تقريرًا حول تحولات ظاهرة "معاداة الإسلام" في أستراليا في خلال المدة من يناير 2023 حتى يناير 2026، بعنوان: "من الصدمة إلى التنظيم: تصاعد معاداة الإسلام في أستراليا
" (From Shock to System: The Rise of Anti-Muslim Hate in Australia)
ويمثل هذا التقرير، المعتمد على تقنيات البيانات الضخمة وتحليل أكثر من مليون منشور عبر الإنترنت ومئات الحوادث الواقعية، وثيقة بالغة الأهمية تكشف عن تطور بنيوي خطير؛ حيث تحولت كراهية المسلمين من مجرد ردود أفعال عشوائية وفردية عقب الأزمات إلى شبكات "منظمة وهرمية" تمتلك القدرة على الحشد السريع وإحداث أضرار مجتمعية بالغة .
قوله (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (28) قال الشنقيطي (هذه الآية الكريمة تدل على أن الله جل وعلا الذي أحاط علمه بكل موجود ومعدوم، يعلم المعدوم الذي سبق في الأزل أنه لا يكون لو وجد كيف يكون، لأنه يعلم أن رُد الكفار يوم القيامة إلى الدنيا مرة أخرى لا يكون، ويعلم هذا الرد الذي لا يكون لو وقع كيف يكون) ، ومن الآيات الدالة على المعنى المذكور قوله تعالى (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون) [المؤمنون 75] ، قال الرازي (المقصود من الآية بيان غلوهم في الإصرار على الكفر وعدم الرغبة في الإيمان) ، قال حقي (الإيمان عند المعاينة إيمان يأس ، فلا يقبل) .
قال ابن عاشور (نفوسهم التي كذبت فيما مضى تكذيب مكابرة بعد إتيان الآيات البينات، هي النفوس التي أرجعت إليهم يوم البعث ، فالعقل هو العقل والتفكير هو التفكير ،وإنما تمنوا ما تمنوا من شدة الهول فتوهموا التخلص منه بهذا التمني فلو تحقق تمنيهم وردوا واستراحوا من ذلك الهول لغلبت أهواؤهم رشدَهم فنسوا ما حل بهم ورجعوا إلى ما ألفوا من التكذيب والمكابرة، وفي هذا دليل على أن الخواطر الناشئة عن عوامل الحس دون النظر والدليل لا قرار لها في النفس ولا تسير على مقتضاها إلا ريثما يدوم ذلك الإحساس ، فإذا زال زال أثره، فالانفعال به يشبه انفعال العجماوات من الزجر والسوط ونحوهما ، ويزول بزواله حتى يعاوده مثله) .
وما كانوا يخفونه من قبل هو كتمان الإيمان والإصرار على المعصية والعودة إليها ، لعشقهم لها ، قال ابن القيم (فمعنى الآية - والله أعلم بما أراد من كلامه - أن هؤلاء المشركين لما وقفوا على النار وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها تمنوا أنهم يردون إلى الدنيا فيؤمنون بالله وآياته ولا يكذبون رسله ، فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك وأنهم ليس فى طبائعهم وسجاياهم الإيمان بل سجيتهم الكفر والشرك والتكذيب وأنهم لو ردوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله وأخبر أنهم كاذبون فى زعمهم أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا ، فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبين معنى الاضراب بـ "بل" وتبين معنى الذى بدا لهم والذى كانوا يخفونه والحامل لهم على قولهم يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ، فالقوم كانوا يعلمون أنهم كانوا فى الدنيا على باطل وأن الرسل صدقوهم فيما بلغوهم عن الله وتيقنوا ذلك وتحققوه ولكنهم أخفوه ولم يظهروه بينهم بل تواصوا بكتمانه ، فلم يكن الحامل لهم على تمنى الرجوع والايمان معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه وظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم أنهم على باطل وأن الرسل على الحق، فعاينوا ذلك عيانا بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه ، فلو ردوا لما سمحت نفوسهم بالإيمان ولعادوا إلى الكفر والتكذيب، فإنهم لم يتمنوا الايمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق وأن الشرك باطل وإنما تمنوا لما عاينوا العذاب الذى لا طاقة لهم باحتماله)
وضرب لذلك مثلا فقال (وهذا كمن كان يخفى محبة شخص ومعاشرته وهو يعلم أن حبه باطل وأن الرشد فى عدوله عنه ، فقيل له إن اطلع عليه وليه عاقبَك وهو يعلم ذلك ويكابر ويقول بل محبته ومعاشرته هى الصواب ، فلما أخذه وليه ليعاقبه على ذلك وتيقن العقوبة تمنى أن يُعفى من العقوبة وأنه لا يجتمع به بعد ذلك وفى قلبه من محبته والحرص على معاشرته ما يحمله على المعاودة بعد معاينة العقوبة بل بعد أن مسته وأنهكته ، فظهر له عند العقوبة ما كان يخفى من معرفته بخطئه وصواب ما نهاه عنه ولو رد لعاد لما نهى عنه) .
قوله (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)(29) أى : (بلغ بالكافرين الحب الدنيا والتعلق بها مبلغا أن قالوا : ما الحياة - التى تسمى حياة فى نظرنا - إلا هذه الدنيا التى نتمتع فيها بما نسترسل في شهوات ، وما نحن بمبعوثين ولا بمحاسبين)
ونظيرتها قوله (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) (الجاثية 24) فقد أكد المعنى علي حصر الحياة حقيقة - في خلدهم وتصورهم - على الحياة المادية العاجلة ، وقصرها عليها ما يتضمن نفي أن تكون ثمة حياة في الآخرة ، فدل على المبالغة في القطع بعدم وجود حياة أخرى ، قال ابن عاشور (هذا القصر قصر حقيقي في اعتقادهم لأنهم لا يؤمنون باعتراء أحوال لهم بعد الموت) ، فصدق فيهم قول الحق (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) (النبأ 27) .
يقول الشعراوي (الذين يقولون : « دين ودنيا » فالدين ليس مقابلاً للدنيا ، بل الدنيا هي موضوع الدين ، أقول ذلك رداً على من يظنون أن سبب ارتقاء بعض البلاد في زماننا هو أن أصحابها أهملوا الدين وفتنوا بما في الدنيا من لذة ومتعة فعملوا على بناء الحضارات ، نقول : إن الإقبال على الدين بروح من الفهم هو الذي يبني الحضارات ويُثاب المصلح في الدنيا يوم الجزاء ، ولنا أن نعرف أن المقابل للدنيا هو الآخرة ، والدين يشملهما معاً؛ يشمل الدنيا موضوعاً ، والآخرة جزاءً ) .
قوله (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)(30) الآية تصف موقفهم يوم القيامة أي الوقوف موقف الحشر أمام الله خاشعين وهم ينتظرون الحساب ، يقفون والشمس تدنو من فوق رؤوسهم ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، قال رَسُولَ اللَّهِ (تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا ،وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ) .
قال البقاعي (هذا مجاز عن الحبس في مقام الجلال على (ربهم) ، أي الذي طال إحسانه إليهم وحلمه عنهم ، فهو في هذا المقام يظهر لهم تبكيتهم وتوبيخهم وتقريعهم ، فيسألهم سؤال توبيخ "أليس هذا بالحق"؟ فسياق الآية يرشد إلى أن الله يكلمهم كلام إنكار وإخزاء وإذلال ...وهم يعاينون الجنة والنار رأي العين .
قال ابن عباس (يوم القيامة ذو ألوان : تارة لا يكلمهم الله ، وتارة يكلمهم فيكذبون ، وتارة يسألهم عن شيء فينكرون ، فتشهد جوارحهم ، وتارة يصدقون ، ويحلفون على الصدق) .
(فهو يوم طويل ذو ألوان تارة يسأل فيه، وتارة لا يسأل والأمر في غاية الشدّة وكل لون من تلك الألوان يسمى يوماً فيسأل في بعض ولا يسأل في بعض)
قوله تعالى (..قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)(30) أي عاينوا بأعينهم الجحيم فاعترفوا به ، وأمنوا به إيمان المضطر ، فحق عليهم العذاب ، لأنهم لم يؤمنوا إيمان الغيب ، فصار عين الجحيم حق اليقين .
والتعبير عن عذاب النار بقوله (فذوقوا العذاب) يدل على أنه عذاب حقيقي ، وليس مجازي ، بما يقطع الجدال في هذه المسألة ، فهو عذاب ملموس وحسوس يمكن تذوقه ، استعارة مكنية عن الألم ، كما في قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا)(56) .
قوله تعالى (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)(31) خسروا الدنيا قبل أن يخسروا الآخرة ، لأنهم حرموا أنفسهم لذة لقاء الله كل يوم خمس مرات في كل صلاة ، والتضرع والوقوف بين يديه ، ومناجاته وطلب رحمته ، ففرطوا في حق الله اختيارا ، فإذا جاء لقاء الله اضطرارا ، شعروا بالحسرة أن كانت الفرصة مواتية فيما مضى لكنهم أضاعواها ، كما في قوله (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) (القلم 43)
قال طنطاوي: (ومن مظاهر الخسران أنهم خسروا الرضا الذى سيناله المؤمنون من ربهم ، وخسروا العزاء الروحى الذى يغرس فى قلب المؤمن الطمأنينة والصبر عند البلاء ، لأن المؤمن يعتقد أن ما عند الله خير وأبقى ، بخلاف الكافر فإن الدنيا منتهى آماله) .
وتزداد حسرتهم عندما تأتيهم الساعة بغتة هم منشغلون بالدنيا ، وهم على ذلك الحال ، وقد فاتتهم التوبة والإنابة وضيعوا أوقاتا ولم ينتبهوا لأجلهم ، قال رسول الله (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ ،وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ،وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ،وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا)
قال صاحب الظلال (خسارة الدنيا بقضاء الحياة فيها في ذلك المستوى الأدنى . . وخسارة الآخرة على النحو الذي رأينا . . وهي المفاجأة التي لم يحسب لها أولئك الغافلون الجاهلون حساباً)
قوله تعالى (..وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)(31) (استعارة تمثيلية تؤكد حسرتهم على ما فرطوا في حق الله) ، (فقد استُعير "الحمل على الظهور" للتدليل على التورط التام في تبعات الذنوب والجرائم وملازمتها لصاحبها بحيث لا يستطيع التخلص منها، كحالة المفتون أو المجرم الذي يُلزم بحمل ثقل باهظ لا يستطيع تفصياً ولا خلاصاً منه) ، وكأن الهيئة المعنوية لانغماس الكافر في آثامه وثقل تبعاتها يوم القيامة قد مُثّلت بهيئة إنسان يحمل حملاً حسيّاً فادحاً ومنهكاً على ظهره ، ونظير ذلك قوله (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ)[سورة العنكبوت:13]
وهذه الاستعارة وإن كانت تصوير بياني لتقريب الصورة للأذهان لكنها تكون يوم القيامة حقيقة واقعية لا تصوير فيها ولا تخييل ، فعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْأُتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي قَالَ فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا) .
فروعة الاستعارة التمثيلية في هذه الآية أنها تضمنت مجازا وحقيقة في آن واحد ، مثال ذلك قول النبي (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا) ، فهي في الدنيا استعارة وفي الآخرة حقيقة واقعة .
قوله (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (32) صححت هذه الآية مفهوم الدنيا في أذهان الكافرين ، فهم قد بالغوا في الاهتمام فيها حتى أنهم ظنوا أنها الحياة ولا حياة سواها ، فحصروا الحياة فيها وقصروها عليها ، بينما حقر الإسلام من شأن الدنيا ، وقصرها على كونها مجرد لحظات لعب ولهو تنقضي وتمضي ، ويخلفها الجزاء والحساب ، يَقُولُ رسول الله (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا) ، قال المناوي (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ )(لأنها غرت النفوس بزهرتها ولذاتها وإمالتها عن العبودية إلى الهوى حتى سلكت غير طريق الهدى)
قوله (ملعون ما فيها) أي ملعون ما يشغل فيها عن ذكر الله وموالاته .
قوله (إلا ذكر الله وما والاه) أي ما يحبه الله في الدنيا والموالاة المحبة بين اثنين، وقد تكون من واحد وهو المراد هنا : يعني ملعون ما في الدنيا إلا ذكر الله وما أحبه الله مما يجري في الدنيا وما سواه ملعون) .
وطريقة تعامل الناس مع الدنيا تختلف بحسب حالهم (فالمؤمن يتزود من الدنيا تقوى الله ، والمنافق يتزين بمتاع الدنيا ، والكافر يتمتع ويأكل كالأنعام) ، فالمؤمن يتزود في الدنيا بحسب حاجته ، قال تعالى (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) (البقرة 197) ، وعلى سبيل الإجمال فإن منتهى سعادة المسلم بزاد الدنيا ما أخبر عنه الرسول بقوله (من سعادة المرء المسلم المسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنىء) .
وتفصيل ذلك فأما عن طعامه فقد قال رسول الله (مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) ، وقال النبي (الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) .
وعن ملبسه قَالَ رسول الله (الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ فَالْبَسُوهَا وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ) .
وأما عن مسكنه ، فقد روي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَهُ (فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ) .
وأما المنافق فإنه يضعف أمام زينة الدنيا التي عدد الله تعالى مفرداتها فقال (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران 14) .
وأما الكافر ، فلا حد لطمعه ولا لرغباته وشهواته ، قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) (محمد 12) ، وعَن ابنِ عباس رفعه قال : (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا) .
قوله (وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ )(32) أخبر الله بأن الآخرة خير من الدنيا ولا شك ، بيد أن دخول جنة الآخرة مرهون بدخول جنة الدنيا ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة) ، قال ابن القيم (معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه) ، وقال بعضهم : (مساكين أهل الدنيا ، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها ، قيل : وما أطيب ما فيها ؟ قال : محبة الله ومعرفته وذكره) ،وقال بعض السلف : "لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف) .
-
الاربعاء PM 03:40
2026-09-16 - 52



